← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

الظاهر، وحكاه المناطيّ وجهًا لبعض الشافعية، وتعقب بأنه لو كان واجبًا لعلَّمه النبي ﷺ السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الإِمام من الكفارات والديون وغيرهما، لا يجب عليه فيها الدعاء، فكذلك الزكاة. وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصًا به، لكون صلاته سكنًا لهم بخلاف غيره. رجاله أربعة: وفيه ذكر أبي أوفى، مرّ منهم حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء، ومرّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرّ عمرو بن مرة في السبعين من الجماعة والرابع عبد الله بن أبي أوفى. واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسَيد بن رفاعة بن ثعلبة بن هَوازن بن أسْلَم الأسْلَمِيّ، أبو معاوية، وقيل أبو إبراهيم، وقيل أبو محمد. له ولأبيه صحبة، وكان من أصحاب الشجرة. وفي الصحيح عنه: "غزوت مع النبي ﷺ ست غَزَوات، نأكل الجراد" وفي رواية "سبْع غزوات". وروى أحمد عن يزيد عن إسماعيل قال: رأيت على ساعد عبد الله بن أبي أوْفى ضربةً فقال: ضُربتها يومَ حنين، فقلت أشهدت حنينًا؟ قال: نعم. وقال عطاء بن السائب: رأيت عبد الله بن أبي أوْفى بعدما ذهب بصره، لم يزل بالمدينة إلى أن قُبض رسولُ الله ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، ولم يزل بها إلى أن مات بها. له خمسة وتسعون حديثًا، اتفقا على عشرة وانفرد البخاريُّ بخمسة، ومسلم بواحد. روى عنه عمرو بن مُرة وطلحة بن مصرف وعديّ بن ثابت، وهو من الصحابة السبعة الذين أدركهم أبو حنيفة سنة ثمانين، وكان عمره سبع سنين. مات عبد الله بالكوفة سنة سبع وثمانين. وأبو أوفى هو علقمة بن خالد، كما تقدم في نسب ابنه. قال ابن مَنْده: كان أبو أوفى من أصحاب الشجرة، له ذكر في البخاريّ في هذا الحديث. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، وهو كوفي ثم واسطيّ، ثم كوفيان. أخرجه البخاريّ أيضًا في المغازي، وفي الدعوات، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه في الزكاة. ثم قال المصنف:

стр. 5952

باب ما يستخرج من البحر أي: هل تجب فيه الزكاة أو لا؟ إطلاق الاستخراج أعم من أن يكون بسهولة، كما يوجد في الساحل أو بصعوبة كما يوجد بعد الغوص ونحوه. ثم قال: وقال ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: ليس العنبر بركاز، إنما هو شيء دَسَرَه البحر. اختلف في العنبر، فقال الشافعيُّ في الأم: أخبرني عدد ممن أوثق بخبره أنه نبات يخلقه الله في جنبات البحر. قال: وقيل إنه يأكله حوت فيموت، فيلقيه البحر، فيؤخذ فيشق بطنه، فيخرج منه. وقال محمد بن الحسن: إنه ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر. وقيل: هو شجر ينبت في البحر فينكسر، فيلقيه الموج إلى الساحل. وقيل: يخرج من عَين. قال ابن سينا: وقال وما يحكى من أنه روث دابة أو قيؤها، أو من زَبَد البحر بعيدٌ. وقال ابن البيطار: هو روث دابة بحرية، وقيل: هو شيء بنبت في قعر البحر. ثم حكى نحو ما تقدم عن الشافعيّ، ويأتي في الباب الذي بعده تحقيق الركاز. وقوله: دسره، أي دفعه ورماه إلى الساحل، وهذا التعليق وصله الشافعيّ، وأخرجه البيهقيّ من طريقه، وأخرجه ابن أبي شَيبة في مصنفه عن وكيع، وقد جاء عن ابن عباس التوقف فيه، ويجمع بين القولين بأنه كان يشك فيه، ثم تبين له أنه لا زكاة فيه، فجزم بذلك. وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي. ثم قال: وقال الحسن: في العنبر واللؤلؤ الخمس. وهذا التعليق وصله أبو عبيد في كتاب الأموال، والحسن البصريّ مرَّ في الرابع والعشرين من الإيمان. ثم قال: فإنما جعل النبي ﷺ في الركاز الخمس، ليس في الذي يصاب في الماء. سيأتي موصولًا في الذي بعده، وأراد بذلك الرد على ما قال الحسن، لأن الذي يستخرج من البحر لا يسمى في لغة العرب ركازًا، كما سيأتي شرحُه قريبًا. قال ابن القَصّار: ومفهومُ الحديث أن غير الرَّكاز لا خُمس فيه، ولاسيما اللؤلؤ والعنبر، لأنهما يتوالدان من حيوان البحر، فأشبها السمك. الحديث المئة وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ

стр. 5953

دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ. هكذا أورده هنا مختصرًا، وقد أورده مطولًا في الكفالة، وسأشرحه هنا إن شاء الله تعالى، على ما في الكفالة، ووقع هنا في رواية أبي ذَرٍّ معلقًا، ووصله أبو ذَرٍّ عن علي بن وَصيف عن محمد بن غسان عن عبد الله بن صالح عن الليث به، وفي خط أبي عليّ الصدفيّ في هذا الحديث "رواه عاصم بن علي عن الليث"، فلعل البخاريّ إنما لم يسنده عنه لكونه ما سمعه منه، أو لكونه تفرّد به، فلم يوافقه عليه أحد، والأول بعيد سلمنا لكن لم ينفرد به عاصم، فقد اعترف أبو عليّ بذلك، فقال في آخر كلامه: رواه محمد بن رمح عن الليث، وكأنه لم يقف على الموضع الذي وصله فيه البخاريّ عن عبد الله بن صالح. قال الإسماعيليّ ليس في هذا الحديث شيء يناسب الترجمة، رجل اقترض قرضًا فارتجع قرضه، وكذا قال الداودي: حديث الخشبة ليس من هذا الباب في شيء. وأجاب أبو عبد الملك بأنه أشار به إلى أن كل ما ألقاه البحر جاز أخذه، ولا خُمس فيه. وقال ابن المنير: موضع الاستشهاد منه أخذ الرجل الخشبة على أنها حطب، فإذا قلنا: إنَّ شرع من قبلنا شرع لنا، فيستفاد منه إباحة ما يلفظه البحر من مثل ذلك، مما نشأ في البحر أو عطب فانقطع ملك صاحبه. ولذلك ما لم يتقدم عليه ملك لأحد من باب أوْلى، وكذلك ما يحتاج إلى معاناة وتعب في استخراجه أيضًا. وقد فرق الأوزاعيّ بين ما يوجد في الساحل، فيخمس، أو في البحر بالغوص ونحوه، فلا شيء فيه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب فيه شيء إلا ما روى عن عمر بن عبد العزيز، كما أخرجه ابن أبي شيبة، وكذا الزّهريّ والحسن كما تقدم، وهو قول أبي يوسف، ورواية عن أحمد. وقوله: إن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، في رواية أبي سلمة "أن رجلًا من بني إسرائيل كان يسلف الناس، إذ أتاه الرجل بكفيل" لم يعرف اسم هذا الرجل، إلا أنه في مسند الصحابة الذين نزلوا مصر، لمحمد بن الربيع الجيزيّ، بإسناد له فيه مجهول، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، يرفعه "أن رجلًا جاء إلى النجاشيّ فقال له: أسلفني ألف دينار إلى أجل، فقال: من الحَميلُ بك؟ فقال: الله، فأعطاه الألف، فضرب الرجل، أي: سافر، بها في تجارة، فلما بلغ الأجل أراد الخروج إليه فحبسه الريح، فعمل تابوتًا". فذكر الحديث مثل حديث أبي هريرة. واستفيد منه أن الذي أقرض هو النجاشيّ، فيجوز أنَّ نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع، لا أنه من نسلهم. وقوله: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت، في رواية أبي سلمة: سبحان الله، نعم. وقوله: فدفعها إليه، أي الألف دينار، وفي رواية أبي سلمة: "فعدله ستمائة دينار". والأول أرجح، لموافقته حديث عبد الله بن عمرو، ويمكن الجمع بينهما باختلاف العدد والوزن، مثلًا ألفًا والعدد

стр. 5954

ست مئة أو بالعكس، وقوله: فخرج في البحر فقضى حاجته، في رواية أبي سلمة "فركب الرجل البحرَ بالمال يتَّجر فيه، فقدر الله أنْ حل الأجل وارتَجّ البحر بينهما" وقوله: فلم يجد مركبًا، زاد في رواية أبي سَلَمة "وغدا رب المال إلى الساحل يسأل عنه، ويقول: اللهم اخلفني، وإنما أعطيت لك". وقوله: فأخذ خشبة، فنقرها، أي حفرها. وفي رواية أبي سلمة: فنجر خشبة، وفي حديث عبد الله بن عمرو: فعمل تابوتًا، وجعل فيه الألف. وقوله: وصحيفة منه إلى صاحبه، في رواية أبي سلمة: وكتب إليه صحيفة من فلان إلى فلان، إني دفعت مالك إلى وكيلي الذي توكّل به. وقوله: ثم زَجَّجَ موضعها، كذا للجميع، بزاي وجيمين، قال الخطابيّ: أي: سوى موضع النقر وأصلحه، وهو من تزجيج الحواجب، وهو حذف زوائد الشعر، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من الزُّج، وهو النصل، كأن يكون النقر في طرف الخشبة، فشد عليه زُجًّا ليمسكه، ويحفظ ما فيه. وقال عياض: معناه سَمَّرها بمسامير كالزُّج أو حشي شُقوقها لصاقها بشيء ورقعه بالزُّج. وقال ابن التين: معناه أصلح موضع النقر. وقوله: تسلَّفت فلانًا، كذا وقع فيه، والمعروف تعديته بحرف الجر كما في رواية الإسماعيلي "استسلفت من فلان". وقوله: فرضي بذلك، كذا للكشميهنيّ ولغيره "فرضي به" وفي رواية الإسماعيليّ "فرضي بك" وقوله: إني جَهَدت، بفتح الجيم والهاء، وزاد في حديث عبد الله بن عمرو: فقال: اللهم أدّ جمالتك. وقوله. حتى وَلَجت فيه، بتخفيف اللام، أي دخلت في البحر. وقوله: فلما نشرها أي: قطعها بالمنشار. وقوله: وجد المال، في رواية النَّسائيّ: فلما كسرها، وفي رواية أبي سَلَمة: وغدا رَبُّ المالِ يسأل عن صاحبه، كما كان يسأل، فيجد الخشبة فيحملها إلى أهله، فقال: أوقدوا هذه فكسروها، فانتثرت الدنانير منها، والصحيفة فقرأها، وعرف. وقوله: ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار، وفي رواية أبي سلمة: ثم قدم بعد ذلك، فأتاه رب المال، فقال: يا فلان، الي، قد طالت النّطِرَة. فقال: أما مالُك فقد دفعتُه إلى وكيلي، وأما أنت فهذا مالُك. وفي حديث عبد الله بن عُمر: وإنه قاله له: هذه ألفك، فقال النجاشيّ: لا أقبلها منك حتى تخبرني ما صنعت، فأخبره فقال: لقد أدّى الله عنك. وقوله: وانصرف بالألف راشدًا، في حديث عبد الله بن عمرو: قد أدّى اله عنك، وقد بلغنا الألف في التابوت، فأمسك عليك ألفك. زاد أبو سلمة في آخره: قال أبو هريرة: ولقد رأيتنا عند رسول الله ﷺ يكثر مراؤنا ولَغَطُنا أيهما آمن. وفي الحديث جواز الأجل في القرض، ووجوب الوفاء، وقيل: لا يجب، وهو من باب المعروف، وفيه التحديث عما كان في بني إسرائيل وغيرهم من العجائب، للاتعاظ والإِتساء، وفيه التجارة في البحر. وجواز ركوبه. وفيه بداءة الكاتب بنفسه، وفيه طلب الشهود في الدَّيْن، وطلب الكفيل به، وفيه فضل التوكُّل على الله، وإنَّ من صح تركه تكفل الله بنصره وعونه.

стр. 5955

رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ جعفر بن ربيعة في الرايع من التيمم، ومرّ ابن هُرْمز في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه. وهذا الحديث ذكره البخاريّ هنا معلقًا عن الليث، وقد وصله في البيوع عنه، وذكره أيضًا في عدة مواضع. أخرجه في الكفالة أيضًا وفي اللُّقَطة، وفي الاستقراض وفي الشروط وفي الاستئذان، وأطول مواضعه في باب الكفالة في القرض. وأخرجه النَّسائيّ في اللُّقَطة. ثم قال المصنف:

стр. 5956

باب في الركاز الخمس الرِّكاز، بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاي، المال المدفون، مأخوذ من الرَّكْز، بفتح الراء، يقال: ركزه ركزًا إذا دفنه، فهو مركوز. وهذا متفق عليه. واختلف في المعدن كما سيأتي. ثم قال: وقال مالك وابن إدريس: الرّكاز دِفْن الجاهلية، في قليله وكثيره الخمس، وليس المعدن بركاز. وقوله: دِفن الجاهلية، بكسر الدال وسكون الفاء: الشيء المدفون، كذِبح بمعنى مَذْبوح. وأما بالفتح فهو المصدر، ولا يراد هنا. وقوله: في قليله وكثيره الخمس، نقله ابن المُنذر عن مالك. وفيه عند أصحابه خلاف. وهو قول الشافعيَّ، كما نقله ابن المنذر واختاره. وأما في الجديد، فقال: لا يجب فيه الخُمس حتى يبلغ نصاب الزكاة. والأول قول الجمهور، كما نقله ابن المنذر أيضًا، وهو مقتضى ظاهر الحديث أما قول مالك، فرواه أبو عبيد في كتاب الأموال موصولًا، وكذا هو في الموطأ إلا أنَّ فيه "عن مالك عن بعض أهل العلم". ومالك هو صاحب المذهب، وقد مرّ في الثاني من بدء الوحي. وأما ابن إدريس، فقد قيل: المراد الشافعيّ، وهذا هو الصحيح الذي جزم به زيد المروزيّ، أحد الرواة عن الغريريّ، وتابعه البيهقيّ في المعرفة، من طريق الربيع، ولم يوجد عن الأوديّ. وقيل: المراد به عبد الله بن إدريس الأودي الكوفيّ. وقال ابن التين: هو الأشبه، ولم يبين وجه الشبه، والصحيح هو الأول كما مرَّ، وها أنا أذكر تعريف الاثنين تتميمًا للفائدة، فأقول: الأول محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطَّلب بن عبد مناف القرشيّ المطَّلبيّ، أبو عبد الله الشافعيّ المكيّ نزيل مصر، وأمه فاطمة بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. قال عمرو بن سواد: قال لي الشافعي: ولدتُ بعسقلان، فلما أتى عليَّ سنتان، حملتني أمي إلى مكة، وكانت نهمتي في الرّمي والعلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من العشرة عشرة، وسكت عن العلم، فقلت له: والله أنت في اعلم أكثر منك في الرمي. وقال ابن عبد الحكم: قال لي الشافعيّ: ولدت بغزة سنة خمسين ومئة، وحملت إلى مكة وأنا ابن سنتين، وقال أبو عبد الله، أخو ابن وهب: سمعت الشافعيّ يقول: ولدتُ باليمن، فخافت عليّ أمي الضيعة، فقالت: إلحق بأهلك، فجهزتني إلى مكة، فقدمتها وأنا ابن عشر. وقال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشافعي به، رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقضّ بمصر. ثم

стр. 5957

وقع في كل بلد منه شُطْيَة، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان. وقال المُزَنيّ: سمعتُ الشافعي يقول: رأيت عليّ بن أبي طالب في النوم، فسلم عليّ وصافحني، وخلع خاتمه وجعله في أُصْبُعي، وكان لي عم، ففسرها لي فقال لي: أما مصافحتك له، فأمانٌ من العذاب، وأما خلع خاتمه وجعله في أُصبعك فسيبلغ اسمك ما بلغ اسمه. وقال أبو نعيم؛ عبد الملك بن محمد في قوله ﷺ : "اللهم اهد قريشًا علمًا، فإن عالمها يملأ طباق الأرض .. " الحديث. في هذا الحديث علامة بينة للميزان، المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمة من قريش، قد ظهر علمه، وانتشر في البلاد، وهذه صفة لا نعلمها قد أحاطت إلا بالشافعيّ، إذا كان كل واحد من قريش من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإن كان علمه قد ظهر وانتشر، فإنه لم يبلغ مبلغًا يقع تأويل كل هذه الرواية عليه، إذ كان لكل واحد منهم نتفٌ وقطعٌ من العلم، ومسائلٌ. وليس في كل بلد من بلاد المسلمين مدرسٌ ومفتٍ ومصنف يصنف على مذهب قرشيّ إلا على مذهب الشافعيّ، فعلم أنه يعنيه لا غيره. وحديث عالم قريش هذا أخرجه أبو داود الطيالسيّ في مسنده. وفيه الجارود، مجهول، ولكن له شواهد، وجمع الحافظ بن حَجَر طُرُقَه في كتاب سماه "لذة العيش في طُرُق حديث الأئمة من قُريش". وقال أحمد بن حنبل: إن الله يقيض للناس في كل رأس مئة سنة من يعلِّمهم السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب، فنظرنا؛ فإذا في رأس المئة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المئتين الشافعيّ. وقال أيضًا. هذا الذي تروون كله، أو عامته من الشافعيّ، وما بِتُّ منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو الله واستغفر للشافعيّ. وقال أبو داود: ما رأيت أحمد يميل إلى أحد ميله إلى الشافعيّ، وقال حميد بن أحمد المصريّ: كنت عند أحمد بن حنبل نتذاكر في مسألة، فقال رجل لأحمد: يا أبا عبد الله، لا يصح فيه حديث، فقال: إن لم يصح فيه حديث ففيه قول الشافعيّ، وحجته أثبت شيء فيه. وقال إسحاق بن راهويه: قال لي أحمد بن حنبل بمكة: تعال أُريك رجلًا لم تر عيناك مثله، فأقامني على الشافعي، وقال أحمد: سمعت الموطأ من بضعة عشر نفسًا من حُفّاظ أصحاب مالك، فأعدته على الشافعي، لأني وجدته أقومهم. وقال المزنيّ: سمعت الشافعيّ يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر. وقال الحُميديّ: سمعت مسلم بن خالد، ومرَّ على الشافعيّ وهو يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة، فقال له: افتِ، فقد آن لك أن تفتي. وقال أبو ثَور: كتب عبد الرحمن بن مَهْدِيّ إلى الشافعيّ، وهو شاب، أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ومعجم قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ، فوضع له كتاب الرسالة، فكان عبد الرحمن يقول: ما أصلي صلاةً إلا وأنا أدعو للشافعيّ فيها. وقال عبد الرحمن بن مَهديّ؛ وقد ذكر الشافعيّ فقال: كان شابًا مفهمًا. وقال أبو ثور: ما رأيت مثل الشافعيّ، ولا رأى هو مثل نفسه.

стр. 5958

وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد مس مُحبَّرةً إلا وللشافعى في عنقه منَّة. وقال ابن راهويه: الشافعي إمام ما أحد تكلم بالرأي إلا والشافعيّ أكثرهم اتِّباعًا، وأقلهم خطأ. وقال أبو داود ما أعلم للشافعيّ حديثاً خطأ. وقال حَرْمُلة: سمعت الشافعيّ يقول: سميتُ ببغداد ناصر الحديث. وقال الزعفرانيّ: حج بشر المَريسيّ، فقال: رأيت بالحجاز رجلًا ما رأيت مثله سائلًا ولا مجيبًا، ولما قدم الشافعيّ بعد ذلك، فاجتمع إليه الناس، وخفوا عن بشر، فجئت إلى بشر فقلت: هذا الشافعيّ قد قدم، فقال إنه قد تغير، قال الزعفرانيّ: فما كان مَثَله إلا مثل اليهود في ابن سلام. وقال الميمونيّ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ستة أدعو لهم سَحَرًا: أحدهم الشافعيّ وقال أبو عبيد: ما رأيت رجلًا أعقل من الشافعيّ. وقال قُتيبة: الشافعيّ إمام. وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في عمله وفصاحته وثباته وتمكنه ومعرفته، فقد كذب. كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يقتض منه. وقال أبو الوليد بن أبي الجارود: ما رأيت أحدًا إلا وكتبه أكثر من مشاهدته، إلا الشافعيّ، فإن لسانه كان أكثر من كتبه. وكان الحميدي إذا جرى عنده ذكر الشافعي قال: حدثنا سيد الفقهاء الإِمام الشافعي. وقال المُبَرِّد: كان الشافعيّ من أشعر الناس، وأعلمهم بالقراءات. وذكر الحاكم مما يدل على تبحّر الشافعي في الحديث أنه حدث الكثير عن مالك، ثم روى عن الثقة عنده عن مالك، وأكثر عن ابن عيُينة، ثم روى عن رجل عنه، وقال الحسين الكَرابيسيّ: ما كنا ندري ما الكتاب والسنة، نحن والأولون، حتى سمعنا من الشافعيّ. وسئل أبو موسى الضَّرير عن كتب الشافعيّ كيف سارت في الناس؟ فقال: أراد الله بعلمه، فرفعه الله، وقال إسحاق بن راهويه: كيف وضع الشافعيُّ هذه الكتب وكان عمره يسيرًا؟ فقال: جمع الله تعالى له عقله لقلة عمره. وقال الجاحظ: نظرت كتب الشافعيّ فهذا هي دُرٌّ منظوم، لم أر أحسن تأليفًا منه، وقال هلال بن العلاء: لقد منَّ الله على الناس بأربعة: الشافعيّ فَقَّه الناس في حديث رسول الله ﷺ ، وقال أحمد بن سيّار: لولا الشافعيّ لدرس الإِسلام. وقال أبو زرعة الرازيّ: ما عند الشافعيّ حديث غلط. وقال يحيى بن أكثم: ما رأيت أعقل منه. وقال ابن مُعين: لو كان الكذب له مطلقًا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب. وقال مسلم بن الحجاج في كتابه "الانتفاع بجلود السباع": هذا قول أهل العلم بالأخبار ممن يعرف بالتفقه فيها، والاتباع لها. منهم يحيى بن سعيد وابن مَهدي ومحمد بن إدريس الشافعيّ وأحمد وإسحاق. وكما ذكر في موضع آخر قول من عاب الشافعيّ أنشد: ورب عبّاب له منظرٌ ... مشتمل الثوب على العيب وقال علي بن المَدِينيّ: لا تدع للشافعيّ حرفًا إلا كتبته، فإن فيه معرفة. وقال أبو حاتم: ففيه البدن صدوق. وقال أيوب بن سُويد: ما ظننت أنني أعيش حتى أرى مثله. وقال يحيى بن سعيد

стр. 5959

القطان: ما رأيت أعقل ولا أفقه من الشافعيّ. وأنا أدعو الله له، أخصه به وحده في كل صلاة. وقال الأصمعي: سمعت أشعار البدويين على شاب من قريش يقال له محمد بن إدريس، وقال عبد الملك بن هشام: الشافعيُّ بصير باللغة، يؤخذ عنه، ولسانه لغة فاكتبوه. وقال مصعب الزبيريّ: ما رأيت أعلم بأيام الناس منه. وقال أبو الوليد بن أبي الجارود: كان يقال: إن الشافعيّ لغة وحده، يحتج بها. وقال ابن عبد الحكم: إن أحد من أهل العلم حجة فالشافعيُّ حجة في كل شيء. وقال الزعفرانيّ: ما رأيته لَحَنَ قط. وقال يونس بن عبد الأعلى: كان إذا أخذ في العربية قال: هذه صناعته. وقال النَّسائيّ: كان الشافعيّ عندنا أحد العلماء، ثقة مأمونًا، وقال المزنيّ: كان بصيرًا بالفُروسية والرمي، وصنف كتاب السبق، ولم يسبقه أحد إليه. وقال الحاكم: تتبعنا التواريخ وسائر الحكايات عن يحيى بن مُعين، فلم نجد في رواية واحد منهم طعنًا على الشافعيّ، ولعل من حكى عنه غير ذلك قليل المبالاة بالوضع على يحيى. وقال أبو منصور البغداديّ: بالغ مسلم في تعظيم الشافعيّ في كتاب الانتفاع، وفي كتاب الرد على محمد بن نصر، وعده في هذا الكتاب من الأئمة الذين يرجع إليهم في الحديث، وفي الجرح والتعديل. قال الذهبيّ: كان حافظًا للحديث، بصيرًا بعلله، لا يقبل منه إلا ما ثبت عنده، ولو طال عمره لازداد منه. وقال الربيع: سمعته يقول: إذا رديت حديثًا صحيحًا، فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب. وقال إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط. ومناقبه أكثر من الحصر، وقد جمعها ابن أبي حاتم، وزكرياء الساجيّ والحاكم والبيهقيّ والهرويّ وابن عَسَاكر وغيرهم. روى عن مسلم بن خالد الزّنجيّ ومالك بن أنس وإبراهيم بن سعد وابن عُيينة وابن علية وخلق. وروى عنه سليمان بن داود وأحمد بن حنبل وأبو ثَور إبراهيم بن خالد والحسن بن محمد الزعفرانيّ وغيرهم. مات في آخر يوم من رجب، سنة أربع ومئتين بمصر. وكان قد انتقل إليها سنة تسع وتسعين ومئة. الثاني عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي الرعافريّ، أبو محمد الكوفيّ. قال أحمد: كان نسيج وحده. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن مُعين: ابن إدريس أحب إليك أو ابن نمير؟ قال: ثقتان، إلا أن ابن إدريس أرفع منه، وهو ثقة في كل شيء. وقال يعقوب بن شَيبة: كان عابدًا فاضلًا، وكان يسلك في كثير من فتياه ومذاهبه مسالك أهل المدينة. وكان بينه وبين مالك صداقة. وقيل: إن بلاغات مالك سمعها من ابن إدريس. وقال بشر الحافي: ما شرب أحد من ماء الفرات فَسَلِم إلا ابن إدريس. وقال الحسن بن عُرْفَة: ما رأيتُ بالكوفة أفضل منه. وقال ابن المَدِينيّ: عبد الله بن إدريس فوق أبيه في الحديث. وقال جعفر الفرياتي: سألت ابن نمير عن عبد الله بن إدريس وحفص،

стр. 5960

فقال: حفص أكثر حديثًا، ولكن ابن إدريس ما خرج منه فإنه أثبت وأتقن. فقلت: أليس عبد الله أحدَّ في السنَّة؟ قال: ما أقربهما في السنة، وقال ابن عمار: كان من عباد الله الصالحين الزهّاد. وكان إذا لحن أحد في كلامه لم يحدّثه. وقال الكسائيّ: قال لي الرشيد: من أقرأ الناس؟ قلت: عبد الله بن إدريس، ثم حسين الجُعفيّ، وقال أبو حاتم: هو حجة يحتج بها، وهو إمام من أئمة المسلمين، ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث، حجة صاحب سنة وجماعة. وقال ابن حِبّان في الثقات: كان صَلبًا في الحديث. وقال النَّسائيّ: ثقة ثبت. وقال ابن خُراش: ثقة، وقال العجليّ: ثقة ثبت صاحب سنة، زاهد صالح. وكان عثمانيًا يحرم النبيذ، ويقول: كل شراب مسكر كثيره حرام يسيره، إني لكم من شُرْبه نذيرٌ. وقال أبو بكر بن أبي شَيبة سمعت ابن إدريس يقول: كتبت حديث أبي الحَوْراء، فخفت أن يتصف بأبي الجوزاء، فكتبت تحته "حور عينْ"، لأنه لم يكن الشكل قد ظهر حينئذ. وقال الخليليّ: ثقة متفق عليه. وقال أحمد بن عُبيد الله العَدانيّ: حدثنا ابن إدريس، وكان مرضيًا. وروى وكيع أن الرشيد عرض عليه القضاء، فامتنع وقال: لا أصلح له، فولّى حفص بن غياث، فبعث الرشيد إلى ابن إدريس بخمسة آلاف، فردها فقال له: إذا جاءك ابني المأمون فحدثه. فقال: إذا جاءنا مع الجماعة حدثناه. فقال له: لم تكرمنا ولم تقبل صلتنا، وددت أني لم أكن رأيتك. فقال: وأنا وددت أني لم أكن رأيتك. وقال الحسن بن الربيع: قرىء كتاب الخليفة إلى ابن إدريس وأنا حاضر: من عبد الله هارون إلى عبد الله بن إدريس، فشهق وسقط بعد الظهر إلى العصر، وهو على حاله، فأثبته قبل المغرب، وصببنا عليه الماء، فأفاق فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، صار يعرفني حتى كتب إلي، أي ذنب بلغ بي هذا. وقال علي بن نصر الجَهْضَميّ الكبير: قال لي شُعبة: هاهنا رجل من أصحابي من علمه ومن حاله، فجعل يثني عليه، يعني ابن إدريس. وقال الساجيّ: سمعت ابن المثنى يقول: ما رأيت بالكوفة رجلًا أفضل منه. وروى عنه الأشج أنه قال: قال لي الأعمش: والله لا أحدثك شهرًا، فقلت له: والله لا آتيك سنة، ثم أتبته بعد سنة، فقال: ابن إدريس؟: قلت: نعم. فقال: أحب أن يكون للعربي مرارة. قال الحسن بن عُرفة: حدثنا عبد الله بن إدريس قال: حدثنا ابن أبي خالد عن أبي سَبرة النخعيّ قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان في بعض الطريق مات حماره، فقام وتوضأ وصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إني جئت من الدَّثينةِ مجاهدًا في سبيلك، وابتغاء مرضاتك، فأنا أشهد أنك تحيي الموتى، وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ اليوم مِنّةً، أطلب إليك أن تبعث لي حماري. قال: فقام الحمار ينفض أذنيه. وقال: حسين بن عمروِ العَنقريّ: لما نزل به الموت بكت ابنته، فقال: لا تبكي. قد خَتَمت في هذا البيت أربعة آلاف خَتْمة. روى عن أبيه وعمه داود والأعمش ومنصور وابن جريج وهشام بن

стр. 5961

عروة وغيرهم. وروى عنه مالك بن أنس، وهو من شيوخه، وابن المبارك ومات قبله، وأحمد بن حنبل ويحيى بن مُعين وإسحاق بن راهويه وغيرهم. ولد سنة مئة وعشر، ومات سنة اثنتين وتسعين ومئة في عشر ذي الحجة والزعافريّ في نسبه نسبة إلى الزَّعافر بطن من الأوْد. ثم قال: وقد قال النبي ﷺ "في المعدن جبار، وفي الركاز الخمس" أي: فغاير بينهما، وهذا وصله في آخر الباب من حديث أبي هُريرة. ويأتي الكلام عليه. ثم قال: وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مئتين خمسة. وروى البيهقي عن قتادة أن عمر بن عبد العزيز جعل المعدن بمنزلة الركاز، يؤخذ منه، ثم عقب بكتاب آخر فجعل فيه الزكاة. وهذا التعليق وصله أبو عبيد في كتاب الأموال من طريق الثوريّ وعمر بن عبد العزيز في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال: وقال الحسن: ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس، وما كان في أرض السلم ففيه الزكاة. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا فرق هذه التفرقة غير الحسن، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة من طريق عاصم الأحول عنه، والحسن قد مرَّ في الرابع والعشرين من الإيمان. ثم قال: وإن وجدت اللُّقَطَة في أرض العدو فعرفها، وإن كانت من العدو ففيها الخمس. قال في الفتح: لم أقف عليه موصولًا، وهو بمعنى ما تقدم عنه. ثم قال: وقال بعض الناس: المعدن ركازٌ مثل دِفن الجاهلية، لأنه يقال أركز المعدن إذا خرج منه شيء، قيل له: قد يقال لمن وهب له شيء أو ربح ربحًا كثيرًا أو كثر ثمره: أركزتَ، ثم ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه فلا يؤدي الخمس. قال ابن التين: المراد ببعض الناس أبو حنيفة، وهذا أول موضع ذكره فيه البخاريّ بهذه الصيغة، ويحتمل أن يريد به أبا حنيفة وغيره من الكوفيين ممن قال بذلك. قال ابن بطال: ذهب أبو حنيفة والثَّوري وغيرهما، إلى أن المعدن كالركاز، واحتج لهم بقول العرب: أركز الرجل إذا أصاب ركازًا، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن. والحجة للجمهور تفرقة النبي ﷺ بين المعدن والركاز بواو العطف، فصح أنه غيره. قال: وما ألزم به البخاريُّ القائل المذكور قد يقال لمن وهب له الشيء أو ربح ربحًا كثيرًا أو كثر ثمرةً أركزتَ حِجةٌ بالغةٌ؛ لأنه لا يلزم من الاشتراك في الأسماء الاشتراك في المعنى إلا إن أوْجَب ذلك من يحب التسليم له، وقد أجمعوا على أن المال الموهب لا يجب فيه الخمس، وإن كان يقال له أركز، فكذلك المعدن. وأما قوله: ثم ناقض .. إلى آخره، فليس كما قال، وإنما أجاز له أبو حنيفة أن يكتمه إذا كان محتاجًا، بمعنى أنه يتأول أن له حقًا في بيت المال، ونصيبًا في الفيء، فأجاز له أن يأخذ الخمس لنفسه، عوضًا عن ذلك. لا أنه أسقط الخمس عن المعدن. وقد نقل الطحاويّ المسألة التي ذكرها ابن بطال، ونقل أيضًا أنه لو وجد في داره معدنًا فليس عليه شيء، وبهذا يتجه اعتراض البخاريّ.

стр. 5962

والفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه، أن المعدن يحتاج إلى عمل ومؤونة ومعالجة لاستخراجه، بخلاف الركاز. وقد جرت عادة الشرع أن ما غلظت مؤونته خفف عنه في قدر الزكاة، وما خفت زيد فيه. وقيل: إنما جعل في الركاز الخمس لأنه مال كافر، فنزل من وجده منزلة الغنائم، فكأن له أربعة أخماسه. وقال الزين بن المنير: كأنَّ الركاز مأخوذ من أرْكزته في الأرض إذا غَرَزته فيها. وأما المعدن فإنه ينبت في الأرض بغير وضع واضع، هذه حقيقتهما، فإذا افترقا في أصلهما، فكذلك في حكمهما. وحيث إن ابن التين جزم بأن المراد بالبعض هنا أبو حنيفة، اذكر تعريفه، فأقول: هو فقيه العراق النعمان بن ثابت بن زوطا التيميّ الكوفيّ مولى بني تيم الله بن ثعلبة، وقيل إنه من أبناء فارس. قال العجليّ: أبو حنيفة كوفي تيمي من رهط حمزة الزيات، كان خزازًا يبيع الخز. وروى عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. قال: نحن من أبناء فارس الأحرار، ولد جدي النعمان سنة ثمانين، وذهب جدي ثابت إلى عليّ وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته. قال ابن مُعين: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ. وقال الذهبيّ: كان إمامًا ورعًا عالمًا عاملًا متعبدًا كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، بل يتجر ويتكسب، وسئل يزيد بن هارون: أيُّما أفقه؛ الثَّوريُّ أو أبو حنيفة؟ فقال: أبو حنيفة أفقه، وسفيان أحفظ للحديث. وقال ابن المبارك: أبو حنيفة أفقه الناس، ما رأيت في الفقه مثله. وقال أيضًا: لولا أن الله تعالى أغاثني بأبي حنيفة وسفيان كنت كسائر الناس. وقال سليمان بن أبي شيخ: كان أبو حنيفة ورعًا سخيًا، وقال روح بن عبادة: كنت عند ابن جريج سنة خمسين ومئة، فأتاه موت أبي حنيفة، فاسترجع وتوجع، وقال: أي علم ذهب. قال: وفيها مات ابن جريج، وقال أبو نعيم: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل، وقال يحيى بن سعيد القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. قال ابن مُعين: كان القطان يذهب إلى قول الكوفيين، ويختار قوله من قولهم. وقال الشافعيّ: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمعت رجلًا يقول لرجل: هذا أبو حنيفة لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان بعد ذلك يُحيي الليل. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن أبيه حماد: لما مات أبي سألنا الحسن بن عمارة أن يتولى غسله ففعل: فلما غسله قال: رحمك الله تعالى، وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك بالليل منذ أربعين سنة. وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء. وكلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة، فأبى عليه، فضربه مئة سوط وعشرة أسواط، وهو على الامتناع فلما رأى ذلك خلّى سبيله، وقال الخريبيّ: الناس في أبي حنيفة حاسد وجاهل. وقال أحمد بن عبدة: قاضي الرّي عن أبيه: كنا عند ابن عائشة، فذكر حديثًا لأبي حنيفة، ثم قال:

стр. 5963

أما إنكم لو رأيتموه لأمردتموه، فما مثَله ومَثلكم إلا كما قيل: أقِلّوا عليهم ويلكم لا أبا لكم ... من اللؤم أوْ سُدُوا المكانَ الذي سَدّوا وقال يحيى بن الضريس: شهدن سفيان وأتاه رجل فقال: ما تنقم على أبي حنيفة؟ قال: وما له؟ قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد فبقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشَّعبيّ وابن سيرين وعطاء، فقوم اجتهدوا فأجتهد كما أجتهدوا. له في كتاب التِّرمذيِّ: ما رأيت أكذب من جبار الجعفيّ، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح. وله في كتاب النسائي: ليس على من أتى بهيمة حدٌّ. وقال مكي بن إبراهيم: كان أبو حنيفة أعلم أهل زمانه. رأى أنس بن مالك غير مرة، لما قدم عليهم الكوفة. وروى عن عطاء بن أبي رباح وهشام بن عُروة ويحيى بن سعيد الأنصاري وعديّ بن ثابت الأنصاريّ وخلق. وروى عنه ابنه حاد وإبراهيم بن طَهمان وزُفر بن الهُذيل وأبو يوسف القاضي ووكيع وغيرهم. مات سنة إحدى وخمسين ومئة، وقيل سنة خمسين. وفضائله أكثر من الحصر، فرضي الله تعالى عنه، وأسكنه الفردوس. الحديث الحادي والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الْخُمُسُ. قوله: العجماء جُبَار، أي بضم الجيم وتخفيف الموحدة، والعجماء البهيمة، سميت البهمة عجماء لأنها لا تتكلم، فعن أبي حاتم يقال لكل من لم يبيّن الكلامَ من العرب والعجم والصفار: أعجم ومستعجم، وكذلك من الطير والبهائم كلها. ومعنى جُبَار هَدَر لا ضمان فيه. وفيه حذف لابد من تقديره، أي فعل العجماء جُبار، لأنه من المعلوم أن نفس العجماء لا يقال لها هدر، وفي رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة: العجماء عَقَلها جُبار، وأصله أن العرب تسمي السيل جُبار أي لا شيء فيه. وقال التِّرمذيِّ: فسر بعض أهل العلم فقال: العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت من انفلاتها فلا غرم على صاحبها. وقال أبو داود بعد تخريجه: العجماء التي نكون منفلتة لا يكون معها أحد، وقد تكون بالنهار، ولا تكون بالليل. وفي رواية الأسود عند مسلم: العجماء جرحها جُبار، وكذا في حديث كثير بن عبد الله المزنيّ عند ابن ماجه. وفي حديث عُبادة بن الصامت عنده، وفي شرح التِّرمذيّ، ليس ذكر الجرح قيدًا، وإنما المراد به إتلافها بأي وجه، سواء كان بجرح أو غيره، والمراد بالعَقَل الدية، أي لا دية فيما تتلفه، وقد استدل بهذا الإطلاق من قال: لا ضمان فيما اتلفت البهيمة، سواء كانت منفردة أو معها أحد، سواء

стр. 5964

كان راكبها أو سائقها أو قائدها. وهو قول الظاهرية. واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوبًا إليه بأن حملها على ذلك الفعل، إذا كان راكبًا، بأنْ يلوي عنانها فتتلف شيئًا برجلها مثلًا، أو بطنها أو يزجرها حين يسوقها، أو يقودها حتى تتلف ما مرت عليه. وأما ما لا ينسب إليه فلا ضمان فيه. وقال الشافعية: إذا كان مع البهيمة إنسان فإنه يضمن ما أتلفته من نفس أو عضو أو مال، سواء كان سائقًا أو قائدًا أو راكبًا، سواء كان مالكًا أو أجيرًا أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو أُذنيها أو رأسها، وسواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا. والحجة في ذلك أن الإِتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم عليها، فهي كالآلة بيده، ففعلها منسوب إليه سواء حملها عليه أم لا، سواء علم به أم لا، وعن مالك كذلك، إلا إن رَمَحت شيئًا بغير أن يفعل بها أحد ما ترمح بسببه. وحكاه ابن عبد البَرّ عن الجمهور. وفي رواية جابر عند أحمد والبَزَّار بلفظ "السائمة جُبار" وفيه إشعار بأن المراد بالعجماء البهيمة التي ترعى، لا كل بهيمة. لكن المراد بالسائمة هنا التي ليس معها أحد، لأنه الغالب على السائمة، وليس المراد بها التي تعلف، كما في الزكاة، فإنه ليس مقصودًا هنا. وعند أبي حنيفة أنه لا ضمان فيما رمحت برجلها دون يدها، لإمكان التحفظ من اليد دون الرجل. واستدل به على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع وغيرها، في الليل والنهار. وهو قول الحنفية والظاهرية. وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان إذا كان نهارًا، وأما بالليل فإنه عليه حفظها، فإذا انفلتت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت، ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعي وأبو داود والنّسائيّ وابن ماجه عن البراء بن عازب قال: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أنّ حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأنَّ حِفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل. وقد قال ابن عبد البر: هذا الحديث، وان كان مرسلًا، فهو مشهور حدث به الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول. وأما إشارة الطحاويّ إلى أنه منسوخ بحديث الباب، فقد تعقبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، مع الجهل بالتاريخ، وأقوى من ذلك قول الشافعيّ أخذًا بحديث البراء لثبوته ومعرفة رجاله، ولا يخالفه حديث "العجماء جُبار" لأنه من العام المراد به الخاص، فلما قال "العجماء جبار" وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال، دل ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جُبار، وفي حال غير جُبار. ثم نقض على الحنفية أنهم لم يستمروا على الأخذ بعمومه في تضمن الراكب، متمسكين بحديث "الرِّجل جبار" مع ضعف راويه، ومعناها أنها إذا رمحت برجلها لا يضمن من معها، وإن أفسدت بيدها ضمن. وتعقب بعضهم على الشافعية قولهم إنه لو جرت عادة قوم بإرسال المواشي ليلًا وحبسها نهارًا انعكس الحكم على الأصح. وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك ونظيره القسم الواجب للمرأة لو كان يكتسب ليلًا، ويأوي إلى أهله نهارًا لانعكس الحكم في حقه، مع أن عماد القسم الليل، نعم

стр. 5965

لو اضطربت العادة في بعض البلاد، فكان بعضهم يرسلها ليلًا وبعضهم يرسلها نهارًا، فالظاهر أنه يقضي بما دل عليه الحديث. وقوله: والبئر جبار، أي سقوط البئر على الشخص أو سقوط الشخص في البئر. في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم "والبئر جرحها جُبار" وأما البئر فهي بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة مهموزة، ويجوز تسهيلها، وهي مؤنثة، وقد تذكر على معنى القليب والطوي، والجمع أبؤر وآبار بالمد والتخفيف، وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة. قال أبو عبيد: المراد بالبئر هنا العادِيَّة القديمة التي لا يعلم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إنسان أو دابة، فلا شيء في ذلك على أحد، وكذا لو حفر بئرًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيها إنسان أو غيره فتلف، فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك، ولا تغرير، وكذا لو استأجر إنسانًا ليحفر له البئر، فانهارت عليه، فلا ضمان. وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفّارة في ماله. وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور، والمراد بجَرحها، وهو بفتح الجيم لا غير، ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصة بذلك، بل كل الإتلافات ملحقة بها. قال عياض وجماعة: إنما عبر بالجَرح لأنه الأغلب، أو هو مثال نبه به على ما عداه، والحكم في جميع الإتلاف بها سواء، سواء كان على نفس أو مال. ورواية الأكثر تتناول ذلك على بعض الآراء، ولكن الراجح الذي يحتاج إلى تقدير لا عموم فيه. قال ابن بطال: وخالف الحنفية في ذلك، فضمنوا حافر البئر مطلقًا قياسًا على راكب الدابة، ولا قياس مع النص. قال ابن العربي: اتفقت الروايات المشهورة على التلفظ بالبئر، جاءت رواية شاذة بلفظ "النار جبار" بنون وألف ساكنة قبل الراء، ومعناه عندهم أن من استوقد نارًا مما يجوز له، فتعدت حتى أتلفت شيئًا، فلا ضمان عليه. قال: وقال بعضهم: صحفها بعضهم؛ لأنّ أهل اليمن يكتبون النار بالباء لا بالألف، فظن بعضهم البئر بالموحدة النار بالنون، فرواها كذلك، وهذا هو الذي جزم به يحيى بن مُعين، جاعلًا التصحيف من معمر، وقال ابن عبد البر: لم يأت ابن مُعين على قوله بدليل، وليس بهذا تُرَدُّ أحاديث الثقات، ولا يعترض على الحفاظ الثقات بالاحتمالات، ولكن يؤيد ما قال ابن مُعين اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر دون النار، ويؤيده أنه وقع عند أحمد عن جابر بلفظ "الجُبُّ جبار" بجيم مضمومة وموحدة ثقيلة، وهي البئر. وقد اتفق الحفاظ على تغليط سفيان بن حسين، حيث روى عن الزُّهريّ في حديث الباب "الرّجل جبار" بكسر الراء وسكون الجيم، وقال الشافعي: لا يصح هذ، نعم الحكم الذي نقله ابن العربي صحيح، ويمكن أن يتلقى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء، ويلتحق به كل جماد، فلو أن شخصًا عثر فوقع رأسه في جدار فمات، أو انكسر، لم يجب على صاحب الجدار شيء. وقوله: والمعدن جبار، أي هدر، وليس المراد أنه لا زكاة فيه، وإنما المعنى أن من استأجر رجلًا

стр. 5966

للعمل في معدن مثلًا، فهلك فهو هدر، ولا شيء على من استأجره، ولو حفر معدنًا في ملكه أو في موات، فوقع فيه شخص فمات، فدمه هدر. وفي رواية الأسود بن العلاء عند مسلم "والمعدن جرحها جبار"، والحكم فيه ما تقدم في البئر، لكن البئر مؤنثة والمعدن مذكر، فكأنه ذكره بالتأنيث للمؤاخاة، والملاحظة أرض المعدن، ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات. وقوله: في الركاز الخمس، قد تقدم ذكر الاختلاف في الركاز، وأن الجمهور ذهبوا إلى أنه المال المدفون، لكن حصره الشافعية فيما يوجد في الموات، بخلاف ما إذا وجده في طريق مسلوك أو مسجد، فهو لقطة، وإذا وجده في أرض مملوكة، فإن كان غيره، فإن ادعاه المالك فهو له، وإلا فهو لمن تلقاه عنه، إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيا تلك الأرض. قال ابن دقيق العيد: من قال من الفقهاء بأن في الركاز الخمس إما مطلقًا أو في أكثر الصور، فهو أقرب إلى الحديث، وخصه الشافعي، أيضًا بالذهب والفضة. وقال الجمهور: لا يختص، واختاره ابن المنذر. واختلفوا في مصرفه، فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: مصرفه مصرف خُمس الفيء، وهو اختيار المزَنيّ. وقال الشافعيّ، في أصح قوليه: مصرفه مصرف الزكاة. وعن أحمد روايتان، وينبني على ذلك ما إذا وجده ذميٌ، فعند الجمهور يخرج منه الخمس، وعند الشافعي لا يخرج منه شيء. واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول، بل يجب إخراج الخمس في الحال. وأغرب ابن العربي في شرح الترمذي، فحكى عن الشافعي الاشتراط، ولا يعرف ذلك في شيء من كنبه، ولا من كتب أصحابه. والركاز فيه الخمس مطلقًا، كان من ذهب أو فضة أو رصاص أو نحاس، وأما المعدن ففيه الزكاة، ويشترط عندنا وعند الشافعية أن يكون ذهبًا أو فضة، وأن يكون نصابًا خلافًا للحنفية القائلين بعدم اشتراط النصاب، ولا يشترط فيه الحول عند الجميع، واختار داود وإسحاق وأحمد والمزني، والشافعي في البويطيّ اشتراط النصاب والحول في ذلك، وإذا وجد المسلم أو الذمي في داره معدنًا فهو له، ولا شيء فيه عند أبي حنيفة وأحمد، إلا إذا حال عليه الحول، وهو نصاب، ففيه الزكاة. وعند أبي يوسف ومحمد يجب الخمس في الحال، وعند مالك والشافعي الزكاة في الحال، والحانوت والمنزل كالدار. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه وأبو سلمة في الرابع منه، وسعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإيمان، وأبو هريرة في الثاني منه. أخرجه البخاري في الأحكام، ومسلم في الحدود، وأخرجه النَّسائيّ في الزكاة وفي الركاز، وأخرجه أصحاب السنن غيره. ثم قال المصنف:

стр. 5967

باب قول الله تعالى والعاملين عليها ومحاسبة المصدقين مع الإِمام قال ابن بطال: اتفق العلماء على أن العاملين عليها السعاةُ المتولون لقبض الصدقة. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون العامل المذكور صرف شيئًا من الزكاة في مصارفه، فحوسب على الحاصل والمصروف. وقال المهلب: حديث الباب أصل في محاسبة المؤتمن، وأن المحاسبة تصحح أمانته، والذي يظهر من مجموع الطرق أن سبب مطالبته بالمحاسبة ما وجد معه من جنس مال الصدقة، وادعى أنه أهدى إليه. الحديث الثاني والمئة حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ. قوله: رجلًا من الأسْد، بفتح الهمزة وسكون السين المهملة، وفي رواية من "بني أسد" وهو يوهم أنه بفتح السين، نسبة إلى بني أسد بن خزيمة القبيلة المشهورة، أو إلى بني أسد بن عبد العُزّى بطن من قريش، وليس كذلك، وإنما كان بوهمه لأن الأزْد تلازمه الألف واللام في الاستعمال، أسماءًا وأنسابًا، بخلاف بني أسد، فبغير ألف ولام في الاسم. وفي الهبة "استعمل رجلًا من الأزد" وقد ذكر أصحاب الأنساب أن في الأزد بطنًا يقال لهم بنو أسد بالتحريك، ينسبون إلى أسد بن شُريك، بالمعجمة مصغر، فيحتمل أن ابن اللُّتْبِيّة كان منهم، فيصح أن يقال فيه الأزدي، بسكون الزاي، والأسْدي بسكون المهملة وبفتحها، من بني أسَد بفتح السين، ومن بني الأزْد أو الأسْد بالسكون فيهما لا غير. وقوله: على صدقات بني سُليم، وفي رواية: على صدقة، وفي رواية: على الصدقة، وقوله: يدعى ابن اللُّتْبِيّة بضم اللام وسكون المثناة، وقيل بضم اللام وفتح المثناة، وقيل بالهمزة بدل اللام بفتح الهمزة والمثناة وكسر الموحدة، واللتبية أمه، ولم يعرف اسمها. وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وأخرجه مطولًا في كتاب الأحكام. وها أنا أشرحه على ما في كتاب الأحكام. وقوله: فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي لي، وفي رواية: فلما جاء إلى النبي ﷺ ، وحاسبه قال: هذا الذي لكم، وهذه هدية أهديت لي. وعند مسلم عن الزهريّ: فجاء بالمال

стр. 5968

فدفعه إلى النبي ﷺ ، فقال: هذا مالكم، وهذه هدية أهديت لي. وعنده أيضًا عن أبي الزناد: فجاء بسواد كثير، فجعل يقول هذا لكم، وهذا أهدى لي. والسواد، بفتح السين وتخفيف الواو، المراد به الأشياء الكثيرة، والأشخاص البارزة من حيوان وغيره. ولفظ السواد يطلق على كل شخص. ولأبي نعيم في المستخرج: فأرسل رسول الله ﷺ من يتوفى منه، وهذا يدل على أن قوله في الرواية المذكورة "فلما جاء حاسبه" أي: أمر من بحاسبه، ويقبض منه. وفي رواية أبي نعيم أيضًا: فجعل يقول هذا لكم وهذا لي، حتى ميزه. قال: يقولون: من أين هذا لك؟ قال: أهدي لي، فجاؤوا إلى النبي ﷺ بما أعطاهم. وقوله: فقام النبي ﷺ على المنبر، زاد في رواية هشام قبل ذلك. فقال: ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا؟ ثم قام فخطب. وقوله: ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك .. الخ، وفي رواية هشام: فإني أستعمل الرجل منكم على أمور مما ولاني الله. وقوله: فهلاّ جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له أم لا، وذلك أن العامل اعتقد أن الذي يهدى له يستبد به دون أصحاب الحقوق، التي عمل فيها، فبين له النبيّ ﷺ أن الحقوق التي عمل لأجلها هي السبب في الإهداء له، وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شيء، فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية، فإن ذاك إنما يكون حيث يتمحض الحق له. قال المهلب: حيلة العامل ليهدى له تقع بأن يسامح بعض من عليه الحق، فلذلك قال: هلا جلس في بيت أمه لينظر هل يهدى له، فأشار إلى أنه لولا الطمع في وضعه من الحق ما أهدي له. قال: فأوجب النبي ﷺ أخذ الهدية وضمها إلى أموال المسلمين .. قال في الفتح: كذا قال، ولم أقف على أخذ ذلك منه صريحًا. قال ابن بطال: دل الحديث على أن الهدية للعامل تكون لشكر معروفه، أو للتحبيب إليه، أو للطمع في وضعه من الحق، فأشار النبيّ ﷺ إلى أنه، فيما يهدى له من ذلك، كأحد المسلمين، لا فضل له عليهم فيه، وأنه لا يجوز الاستثناء به. والذي يظهر أن الصورة الثانية إن وقعت، لم تحل للعامل جزمًا، وما قبلها في طرق الاحتمال. وقوله: والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة، أي لا يأتي بشيء يحوزه لنفسه. وفي رواية: لا يأخذ أحد منها شيئًا، وفي رواية: لا ينال أحدكم منها شيئًا، وفي رواية: لا يَغُل منها شيئًا إلا جاء به، بضم الغين المعجمة من الغلول، وأصله الخيانة في الغنيمة، ثم استعمل في كل خيانة. وقوله: يحمله على رقبته، في رواية: على عنقه إن كان بعيرًا له رُغاء، بضم الراء وتخفيف المعجمة مع المد، صوت البعير. وقوله: أو بقرة لها خُوار، بضم الخاء المعجمة، صوت للبقر "أو شاة تَبْعر" بفتح المثناة الفوقانية وسكون التحتانية بعدها مهملة مفتوحة، ويجوز كسرها. وعند ابن التين: أو شاة لها بَعَار، يعني بفتح التحتانية وتخفيف المهملة، وهو صوت الشاة الشديدة، وقيل: هو بضم أوله.

стр. 5969

وقوله: ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرتي إبطيه، وفي رواية عُفْرة إبطه، بالإفراد. ولأبي ذر: عَفْر، بفتح أوله، ولبعضهم بفتح الفاء أيضًا بلا هاء، والعُفْرَة، بضم المهلة وسكون الفاء، تقدم شرحها في أبواب صفة الصلاة. وحاصله أن العَفر بياض ليس بالناصع. وقوله: ألا هل بلّغت ثلاثًا، بالتخفيف، وبلغت بالتشديد. وثلاثًا أي أعادها ثلاثًا. وفي رواية في الهبة: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، ثلاثًا. وعند مسلم: اللهم هل بلغت مرتين، والمراد بلغت حكم الله تعالى إليكم، امتثالًا لقوله تعالى ﴿بَلَغَ﴾ وإشارة إلى ما يقع في القيامة من سؤال الأمم هل بلغهم أنبياؤهم ما أرسلوا به إليهم. وفي الحديث من الفوائد أن الإمام يخطب في الأمور المهمة، واستعمال "أما بعد" في الخطبة، كما تقدم في الجمعة، ومشروعية محاسبة المؤتمن، ومنع العمال من قبول الهدية ممن له عليه حكم، إذا لم يأذن الإمام في ذلك، لما أخرجه التِّرمذيّ، عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال: "لا تصيبن شيئًا بغير أذني، فإنه غُلول". وقال المهلب: فيه أنها إذا أُخذت تجعل في بيت المال، ولا يختص العامل منها إلا بما أذن له فيه الإِمام. وهو مبني على أن ابن اللُّتْبيَّة أخذ منه ما ذكر أنه أهدي له، لكن لم يرد ذلك صريحًا كما مرَّ. وقال ابن قُدامة في "المغني" لما ذكر الرشوة: وعليه ردها لصاحبها، ويحتمل أن يجعل في بيت المال؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر ابن اللتبية برد الهدية التي أهديت له لمن أهداها. وقال ابن بطال: يلتحق بهدية العامل الهدية لرب الدَّين ممن له عليه دَين، ولكن له أن يحاسب بذلك من دَينه. وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه، والانفراد بالمأخوذ. وقال ابن المنير: يؤخذ من قوله "هلاّ جلس في بيت أبيه وأمه" جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، ومحل ذلك إذا لم يزد على العادة. وفيه أن من رأى متاولًا أخطأ في تأويل يضر من أخذ به، أن يشهر القول للناس، ويبين خطأه، ليحذر من الاغترار به. وفيه جواز توبيخ المخطيء، واستعمال المفضول في الإمارة والإمامة والأمانة، مع وجود من هو أفضل منه، وفيه استشهاد الراوي والناقل بقول من يوافقه ليكون أوقع في نفس السامع، وأبلغ في طمأنينته، وفيه أن السعاة لا يستحقون على قبضها جزاء منها معلوما سبعًا أو ثمنًا وإنما له أجر عمله على حسب اجتهاد الإِمام. وهذا الحديث هو أصل فعل عمر، رضي الله تعالى عنه، في محاسبة العمال، وإنما فعل ذلك لما رأى ما قالوه من كثرة الأرباح، وعلم أن ذلك من سلطانهم، وسلطانُهم إنما كان بالمسلمين، فرأى مقاسمة أموالهم، واقتدى بقوله ﵊ "أفلا جلس في بيت أبيه وأمه، فيرى أيهدى له شيء أم لا" ومعناه: لولا الإمارة لم يهدَ له شيء، وهذا اجتهاد من عمر رضي الله تعالى عنه، وإنما أخذ منهم ما أخذ لبيت مال المسلمين لا لنفسه.

стр. 5970

رجاله خمسة: ونيه ذكر ابن اللُّتبية، وقد مرت الخمسة، مرّ يوسف بن موسى في الحادي والعشرين من الجمعة، ومرّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ هشام بن عروة وأبوه في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو حميد الساعديّ في تعليق أول أبواب استقبال القبلة. وأما ابن اللتبية، بضم اللام وسكون المثناة من فوق، ثم باء مكسورة موحدة، ثم ياء مثناة على المشهور، فهو عبد الله بن اللتبية بن ثعلبة الأسديّ، مذكور في حديث أبي حميد في الصحيحين. أخرج البخاري طرفًا منه في الجمعة، وأخرجه في الأحكام وفي الأيمان والنذور، وفي ترك الحيل، ومسلم في المغازي وأبو داود في الخراج. ثم قال المصنف:

стр. 5971

باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل قال ابن بطال غرض المصنف في هذا الباب إثبات وضع الصدقة في صنف واحد، خلافًا لمن قال يجب استيعاب الأصناف الثمانية. وفي ما قاله نظر، لاحتمال أن يكون ما أباح لهم من الانتفاع إلا بما هو قدر حصتهم، على أنه ليس في الخبر أيضًا أنه ملكهم رقابها، وإنما فيه أنه أباح لهم شرب ألبان الإبل للتداوي، فاستنبط منه البخاريّ جواز استعمالها في بقية المنافع، إذ لا فرق. وأما تمليك رقابها فلم يقع، وتقدير الترجمة استعمال إبل الصدقة وشرب ألبانها، فاكتفى عن التصريح بالشرب لوضوحه، فغاية ما يفهم من حديث الباب أن للإمام أن يخص بمنفعة مال الزكاة دون الرقبة صنفًا دون صنف، بحسب الاحتياج، على أنه ليس في الخبر أيضًا تصريح بأنه لم يصرف، من ذلك شيئًا لغير العرنيين، فليست الدلالة منه لذلك بظاهرة أصلًا، بخلاف ما ادعى ابن بطال أنه حجة قاطعة. الحديث الثالث والمئة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَعَضُّونَ الْحِجَارَةَ. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه في كتاب الوضوء في باب أبوال الإبل والدواب. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى القطان وقتادة وأنس في السادس من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، وقد مرّ الكلام على هذا الحديث. ثم قال: تابعه أبو قُلابة وحميد وثابت عن أنس. أما متابعة أبي قلابة فقد مرت في كتاب الطهارة، ومتابعة حميد وصلها مسلم والنَّسائيّ وابن خُزيمة. ومتابعة ثابت وصلها البخاري في كتاب الطب. ورجال المتابعات قد مرّوا، مرّ أبو قلابة في التاسع من الإيمان، وحميد الطويل في الثاني والأربعين منه، ومرّ ثابت البنانيّ في تعليق بعد الخامس من العلم، وأنس مرَّ محله الآن. ثم قال المصنف:

стр. 5972

باب وَسم الإِمام إبل الصدقة بيده الحديث الرابع والمئة حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَالَ غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ. قوله: وفي يده المِيْسَم، بوزن مِفعل مكسور الأول، وأصله مِوْسَم لأن فاءه واو، لكنها لما سكنت وكسر ما قبلها قلبت ياء، وهي الحديدة التي يُوْسَم بها، أي يعلم، وهو نظير الخاتم. وقوله: إبل الصدقة، وجاء في الذبائح عن أنس: أنه رآه يَسِم غنمًا في آذانها. وفي رواية اللباس: يسم الظَّهر الذي قدم عليه. وفيه ما يدل على أن ذلك بعد رجوعهم من غزوة الفتح وحنين، والمراد بالظهر الإبل، وكأنه كان يسم الإِبل والغنم، فصادف أول دخول أنس وهو يسم شاة، ورآه يسم غير ذلك. وقوله: في آذانها، فيه العدول عن الوسم في الوجه إلى الوسم في الأذن، فيستفاد منه أن الأذن ليست من الوجه، وفيه حجة للجمهور في جواز وسم البهائم بالكي، وخالف الحنفية فيه تمسكًا بعموم النهي عن التعذيب بالنار. ومنهم من ادعى نسخ وسم البهائم، وجعله الجمهور مخصوصًا من عموم النهي عن المُثَلةِ، للحاجة كالختان للآدمي، والحكمة فيه تمييزها، وليردها من أخذها ومن التقطها، وليعرفها صاحبها، فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلًا، ليلًا يعود في صدقته. قال في الفتح: ولم أقف على تصريح بما كان مكتوبًا على ميسم النبي ﷺ ، إلا أن ابن الصباغ، من الشافعية، نقل إجماع الصحابة على أنه يكتب في ميسم الزكاة "زكاة أو صدقة". قال المهلب، وغيره: في هذا الحديث أن للإمام أن يتخذ ميسمًا، وليس للناس أن يتخذوا نظيره، وهو كالخاتم. وفيه اعتناء الإِمام بأموال الصدقة، وتوليها بنفسه. ويلتحق به جميع أمور المسلمين. وفيه جواز إيلام الحيوان للحاجة. وفيه قصد أهل الفضل لتحنيك المولود لأجل البركة. وفيه جواز تأخير القسمة؛ لأنها لو عجلت لاستُغني عن الوَسم.

стр. 5973

وفيه مباشرة أعمال المهنة، وترك الاستنابة فيها للرغبة في زيادة الأجر، ونفي الكِبر. وقال قوم من الشافعية: الكي مستحب في نَعَم الزكاة والجزية، وجائز في غيرهما. والمستحب أن يسم الغنم في آذانها، والإبل والبقر في أصول أفخاذها. وفي رواية لأحمد وابن ماجه: يسمِ الغنم في آذانها، ووسم الآدمي حرام، وغير الآدمي في الوجه منهي عنه، وفي كتب الحنفية: لا بأس بكي البهائم للعلامة، لأن فيه منفعة، وكذا لا بأس بكي الصبيان إذا كان لداء أصابهم، لأن ذلك مداواة. قاله العيني. رجاله خمسة: وفيه ذكر عبد الله بن أبي طلحة، وقد مرّ الجميع، مرّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرّ الأوزاعي في العشرين منه، ومرّ إسحاق بن عبد الله في السابع منه، ومرّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من مواقيت الصلاة، ومرّ أنس في السادس من الإيمان، ومرّ عبد الله بن أبي طلحة في الستين من الجنائز. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والقول، وسنده مدنيان ودمشقيان، وفيه رواية الراوي عن عمه، وهو إسحاق. والحديث أخرجه مسلم في اللباس. ثم قال المصنف:

стр. 5974

باب صدقة الفطر كذا للمستملي، واقتصر الباقون على "باب" وما بعده، ولأبي نعيم "كتاب" بدل "باب" وأضيفت الصدقة إلى الفطر، لكونها تجب بالفطر من رمضان. وقال ابن قتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذة من الفِطْرَة التي هي أصل الخِلقة، والأول أظهر، ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث كما سيأتي "زكاة الفطر مِن رمضان". ثم قال: ورأى أبو العالية وعطاء وابن سيرين صدقة الفطر فريضةً. وإنما اقتصر البخاري على ذكر هؤلاء الثلاثة لكونهم صرحوا بفرضيتها، وإلا فقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، لكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرض، على قاعدتهم في التفرقة. وفي نقل الإجماع مع ذلك نظرٌ، لأن إبراهيم بن عليه وأبا بكر بن كيسان الأصم قالا: إن وجوبها قد نسخ، واستدل لهما بما روى النسائي وغيره، عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله" وتعقب بأن في إسناده راويًا مجهولًا، وعلى تقدير الصحة، فلا دليل فيه على النسخ، لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر. ونقل المالكية عن أشهب أنها سُنّة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر، وابن اللَّبَّان من الشافعية، وأوّلوا قوله: فرض، في الحديث بمعنى قدّر. قال ابن دقيق العيد: هو أصله في اللغة، لكن نقل في عُرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى، ويؤيده تسميتها زكاة. وقوله في الحديث: على كل حر وعبد، والتصريح بالأمر بها في حديث قيس بن سعد وغيره، ولدخولها في عموم قوله تعالى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فبين ﷺ تفاصيل ذلك، ومن جملتها زكاة الفطر. وقال الله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ وثبت أنها نزلت في زكاة الفطر، وثبت في الصحيحين إثبات صفة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات قبل، وفيه نظر؛ لأن في الآية ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ فيلزم وجوب صلاة العيد، ويجاب بأنه خرج بدليل عموم "هن خمس، لا يُبُدَّل القول لديّ"، وتعليق أبي العالية وابن سيرين رواهما ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع، وتعليق عطاء وصله عبد الرزاق عن ابن جُريج عن عطاء، ورجال التعاليق قد مرت؛ مرّ أبو العالية في تعليق بعد الثاني من العلم، ومرّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين منه، ومرّ ابن سيرين في الأربعين من الإيمان

стр. 5975

الحديث الخامس والمئة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ. قوله: زكاة الفطر، زاد مسلم عن نافع "من رمضان" واستدل به على أن وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان. وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد، لأن الليل ليس محلًا للصوم، إنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر. والأول قول الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي، في الجديد، وأحد الروايتين عن مالك. والثاني قول أبي حنيفة والليث والشافعيّ في القديم. والرواية الثانية عن مالك، ويقويه قوله في حديث الباب "وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". قال المازريّ: قيل إن الخلاف ينبني على أن قوله "الفطر من رمضان" الفطر المعتاد في سائر الشهر، فيكون الوجوب بالغروب، أو الفطر الطارىء بعد، فيكون بطلوع الفجر. وتظهر ثمرة الخلاف فيمن وُلد أو اشتُري بعد الغروب، واستمر للفجر، تجب على الثاني دون الأول. وقال ابن دقيق العيد: الاستدلال بذلك لهذا الحكم ضعيف، لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب، بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان. وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر. وقوله: صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، انتصب صاعًا على التمييز، أو أنه مفعول ثان، ولم تختلف الطرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذين الشيئين، إلا ما أخرجه أبو داود والنَّسائي، عن نافع فزاد فيه السُّلْتَ والزَّبيب، والسلت بضم المهملة وسكون اللام بعدها مثناة، نوع من الشعير. ومذهب مالك والشافعي، وأحمد وإسحاق أنَّ صدقة الفطر صاع من البر، ومذهب أبي حنيفة نصف صاع من بر أو دقيق أو سويق أو زبيب، أو صاع من تمر أو شعير. وقال أبو يوسف ومحمد: الزبيب بمنزلة التمر والشعير. وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة. والأول رواية محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. وقوله: على العبد والحر، ظاهره إخراج العبد عن نفسه، ولم يقبل به إلا داود، فقال: يجب على السيد أن يمكِّن العبد من الاكتساب لها، كما يجب عليه أن يمكنه من الصلاة، وخالفه أصحابه والناس، واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر" أخرجه مسلم. وفي رواية له "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر والرقيق" ومقتضاه أنها واجبة على السيد.

стр. 5976

وهل تجب عليه ابتداء، أو تجب على العبد، ثم يتحملها السيد؟ وجهان للشافعية، وإلى الثاني نحا البخاريّ ومذهب الجمهور: مالك والليث والأوزاعي والشافعي، وإسحاق، أنها واجبة على السيد، ولو كان للتجارة. وقال عطاء والنخعي، والثوري، والحنفيون: إذا كان للتجارة لا تلزمه فطرته، وأما المُكاتِب فالجمهور أنها لا تجب عليه. وعن مالك قولان: قيل: يخرجها عن نفسه، وقيل: سيده، وهذا هو المشهور، ولا تجب على السيد عند أبي حنيفة والشافعي، وأحمد. وقوله: والذكر والأنثى، ظاهره وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثَّوري وأبو حنيفة وابن المنذر. وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق: تجب على زوجها، إلحاقًا بالنفقة، وفيه نظر؛ لأنهم قالوا: إن أعسر وكانت الزوجة أمَة، وجبت فطرتها على السيد، بخلاف النفقة فافترقا. قلت: مسألة الأَمة هذه لم أطلع عليها للمالكية، وأيضًا اتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة، مع أن نفقتها تلزمه. وإنما احتج القائلون بوجوبها على الزوج بما روي عن ابن عمر من قوله "ممن تَمُونون" وروى نحوه مرسلًا عن محمد الباقر. وقوله: والصغير والكبير، ظاهره وجوبها على الصغير، لكن المخاطب عنه وليه، فوجوبها على هذا في مال الصغير، وإلا فعلى من تلزمه نفقته، وهذا قول الجمهور. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقًا، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه. قلت: وهذا هو مذهب مالك، وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري: لا تجب إلا على من صام واستدل لهما بحديث ابن عباس مرفوعًا "صدقة الفطر طُهْرَة للصائم من اللَّغو والرَّفث" أخرجه أبو داود. وأجيب بأن ذكر التطهير خرج على الغالب، كما أنها تجب على من لم يذنب، كمتَحقَّق الصلاح، أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة، ونقل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب على الجنين. قال: وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه. ونقل بعض الحنابلة رواية عنه بالإيجاب، وبه قال ابن حَزم، لكن قيّده بمئة وعشرين يومًا من يوم حمل أمه به. وتعقب بأن الحمل غير محقق، وبأنه لا يسمى صغيرًا، لا لُغَة ولا عُرفًا. واستدل بقوله في حديث ابن عباس "طهرة للصائم" على أنها تجب على الفقير، كما تجب على الغني، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة عن أحمد، وحديث ثعلبة بن أبي صُغير عند الدارقطني. وعند الحنفية لا تجب إلا على من ملك نصابًا، ومقتضاه أنه لا تجب على الفقير على قاعدتهم في الفرق بين الغني والفقير، واستدل لهم بحديث أبي هريرة المتقدم "لا صدقة إلاّ عن ظهر غِنى" واشترط مالك والشافعيّ ومن تبعهما أن يكون ذلك فاضلًا عن قوت يومه، ومن تلزمه نفقته. وقال ابن بُزَيزة: لم يدل دليل على اعتبار النصاب فيها، لأنها زكاة بدنية لا مالية. وقوله: من المسلمين، فيه رب على من زعم أن مالكًا تفرد بها في الرواية التي بعد هذه، فقد تابعه عليها سبعة: عمر بن نافع في هذه الرواية، والضحاك بن عثمان عن نافع عند مسلم،

стр. 5977

والمعلي بن أسد عن نافع عند ابن حبان، وعبد الله بن عمر عن نافع عند الحاكم في المستدرك، وكثير بن فَرْقَد عن نافع عند الحاكم أيضًا، وعبيد الله بن عمر العمري، عن نافع عند الدارقطني، ويونس بن يزيد عن نافع عند الطحاوي، في مشكله. واستدل بهذه الزيادة على اشتراط الإِسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضاه أنها لا تجب على الكافر عن نفسه، وهو أمر متفق عليه، وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة مثلًا؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعية، ورواية عن أحمد، وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور: لا، خلافًا لعطاء والثوري، والحنفية وإسحاق. واستدلوا بعموم قوله "ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر"، وقد مرّ. وأجاب الآخرون بأن الخاص يقضي على العام، فعموم قوله "في عبده" مخصوص بقوله "من المسلمين". وقال الطحاوي: قوله "من المسلمين" صفة للمخرجين لا للمخرج عنهم. وظاهر الحديث يأباه، لأن فيه العبد، وكذا الصغير في رواية عمر بن نافع، فدل على أن صفة الإِسلام لا تختص بالمخرجين، ويؤيده رواية الضحاك عند مسلم بلفظ "على كل نفس من المسلمين حرًا وعبدًا" الحديث قال القرطبي: ظاهر الحديث أنه قصد بيان مقدار الصدقة ومن تجب عليه، ولم يقصد فيه بيان من يخرجها عن نفسه ممن يخرجها عن غيره، بل شمل الجميع، ويؤيده حديث أبي سعيد الآتي، فإنه دال على أنهم كانوا يخرجون عن أنفسهم وعن غيرهم، لقوله فيه "عن كل صغير وكبير" لكن لابد من أن يكون بين المخرج وبين الغير ملابسة، كما بين الصغير ووليه، والعبد وسيده، والمرأة وزوجها. وقال الطيبي: قوله "من المسلمين" حال من العبد وما عطف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة أنها جاءت مزدوجة على التضاد، للاستيعاب لا للتخصيص، فيكون المعنى: فرض على جميع الناس من المسلمين. وأما كونها فيم وجبت، وعلى من وجبت، فيعلم من نصوص أخر. ونقل ابن المنذر أن بعضهم احتج بما أخرجه، أن ابن عمر كان يخرج عن أهل بيته حرِّهم وعبدهم، صغيرهِم وكبيرِهم، مسلمهم وكافرهم، من الرقيق. قال: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث، وتعقب بأنه لو صح حمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعًا، ولا مانع منه، واستدل بعموم قوله "من المسلمين" على تناولها لأهل البادية، خلافًا للزهريّ وربيعة والليث في قولهم: إن زكاة الفطر تختص بالحاضرة. وقوله: وأمر بها أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة، وهذا الأمر أمر استحباب، واستدل به على كراهة تأخيرها عن ذلك، وهذا هو قول الأئمة جميعًا. وقال ابن حَزم الأمر فيه للوجوب، فيحرم تأخيرها عن ذلك الوقت.

стр. 5978

رجاله ستة: مرت منهم ثلاثة، مرّ إسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين من الإيمان، ومرّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ نافع في الأخير من العلم، والثلاثة الباقون: الأول منهم: يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب القُرشي، أبو عُبيد الله، ويقال: أبو عبيد البصريّ البزار، سكن بغداد. ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال كان راويًا لمحمد بن جَهْضَم، وقال النَّسائيّ: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة. وقال صالح بن محمد أيضًا: لا بأس به. وقال مسلمة: بصريُّ صدوق روى عن معاذ بن هشام ومحمد بن جهضم وروح بن عبادة وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وأبو داود والنسائي والبزار وابن خُزيمة وغيرهم. الثاني: محمد بن جهضم بن عبد الله الثقفي، أبو جعفر البصريّ، أصله من خُراسان ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أبو زرعة: صدوق لا بأس به، روى عن إسماعيل بن جعفر المدنيّ وابن عُيينة ويزيد بن عطاء. وروى عنه إسحاق بن منصور الكوسج ويحيى بن محمد بن السكن ومحمد بن يونس الكُديمي وغيرهم. الثالث: عمر بن نافع العدويّ المدنيّ، مولى ابن عمر. قال أحمد: هو أوثق ولد نافع، وقال ابن مُعين وأبو حاتم: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثبتًا قليل الحديث، ولا يحتجون بحديثه. قال ابن حَجر: وهذا تهافتٌ كيف لا يحتجون به؟ وهو ثبت. وقال النَّسائيّ: ثقة، وقال ابن عُيينة: قال لي زياد بن سعد، حين أتينا عمر: هذا أحفظ ولد نافع، وحديثه عن نافع صحيح. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال: أبو داود قال أحمد بن حنبل: هو عندي مثل العمريّ. قال أبو داود: هو عندي فوق العمريّ. وقال ابن عديّ: لا بأس به. قال في المقدمة: وهم ابن عدي في قوله عن عباس الدوريّ عن ابن مُعين عمر بن نافع: ليس حديثه بشيء، إنما قال ابن معين ذلك في عمر بن نافع الثقفي، وقال: ليس له في البخاريّ سوى حديثين: أحدهما هذا عن أبيه عن ابن عمر، بمتابعة مالك. والآخر بهذا الإسناد وفي النهي عن القَزَع، وله طرق. وروى الباقون سوى التِّرمذيّ. روى عن أبيه والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وروى عنه مالك وعُبيد الله بن عمر، وروح بن القاسم، ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم. مات بالمدينة في خلافة أبي جعفر المنصور. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والقول، وشيخ البخاري من أفراده، وسنده بصريان ويماميّ خراسانيّ ومدنيان. فيه رواية الابن عن أبيه، أخرجه أبو داود، والتِّرمذيّ وقال: حديث حسن صحيح. ثم قال المصنف:

стр. 5979

باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين ظاهره أنه يرى وجوبها على العبد وإن كان سيده يتحملها عنه، ويؤيده عطف الصغير عليه، فإنها تجب عليه، وإن كان الذي يخرجها غيره. الحديث السادس والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ. هذا الحديث مرت مباحثه مستوفاة في الذي قبله. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال المصنف:

стр. 5980

باب صدقة الفطر صاع من شعير الحديث السابع والمئة حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. أورد الحديث هنا مختصرًا، وأورده بعد بابين مطولًا. وقوله هنا: كنا نطعم الصدقة، اللام للعهد، عن صدقة الفطر. وفي الرواية الآتية: كنا نعطيها في زمان النبي ﷺ . وهذا حكمه الرفع، لإضافته إلى زمنه ﵊، ففيه إشعار باطلاعه على ذلك وتقريره له، ولاسيما هذه الصورة التي كانت توضع عنده، وتجمع بأمره، وهو الأمر يقبضها وتفرقتها. وقوله في الرواية الآتية "صاعًا من تمر .. إلخ" يقتضي المغايرة بين الطعام وبين ما ذكره بعده، وحكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا الحِنطة، وأنه اسم خاص له. قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات، والحنطة أعلاها. فلولا أنه أرادها بذلك، لكان ذكرها عند التفصيل كغيرها من الأقوات، ولاسيما حيث عطفت عليها بحرف أو الفاصلة، وقد قال هو وغيره، وقد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق، حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فهم منه سوق القمح. وإذا غلب العُرف نزل اللفظ عليه، لأن ما غلب استعمال اللفظ فيه، خُطْوره عند الإِطلاق أقرب. ورَدَّ ذلك ابن المنذر، فقال: ظن أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد "صاعًا من طعام" حجة لمن قال: صاعًا من طعام حنطةٍ. وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام، ثم فسره. قلت: حديث أبي سعيد لا يتصور أن يكون فيه إجمال وتفسير؛ لأنه عطف "أو صاعًا من تمر" على قوله "أو صاعًا من طعام". ولو كان تفسيرًا لقال بعد قوله "من طعام": تمرًا وشعيرًا الخ. ثم أورد ابن المنذر طريق حفص المذكورة في الباب الآتي قريبًا، وهي ظاهرة فيما قال، ولفظه "كنا نخرج صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر". وأخرج الطحاويّ نحوه وقال فيه: "ولا يخرج غيره" قال: وفيه قوله "فلما جاء معاوية، وجاءت السمراء" دليل على أنها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا. فدل على أنها لم تكن كثيرة عندهم، ولا قوتًا، فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟

стр. 5981

وأخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحيْهما عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيد، وذكروا عنده صدقة رمضان فقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ ، صاع تمرٍ أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط. فقال له رجل من القوم: أو مُدَّين من قمح. فقال: لا، تلك قيمة معاوية، مطوية لا أقبلها، ولا أعمل بها. قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد هذا غير محفوظ، ولا ندري ممن الوهم. وقوله: فقال رجل .. إلخ، قال على أن ذكْر الحنطة في أول القصة خطأ إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يُخرجون منها في عهد النبي ﷺ صاعًا، لما كان الرجل يقول له "أو مُدَّين من قمح". وقد أشار أبو داود إلى أن ذكر الحنطة في هذه الرواية غير محفوظ، وأخرج ابن خزيمة أيضًا عن نافع عن ابن عمر قال: "لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر والزبيب والشعير، ولم تكن الحنطة". ولمسلم عن عياض عن أبي سعيد: "كنا نخرج من ثلاثة أصناف: صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من شعير" وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة. وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة، فيحتمل أن تكون الذرة، فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن، وهي قوتٌ غالبٌ لهم. وقد روى الجوزقيّ عن عياض في حديث أبي سعيد "صاعًا من تمر صاعًا من سُلت أو ذُرة" وقال الكرمانيّ: يحتمل أن يكون قوله "صاعًا من شعير .. إلخ" بعد قوله "صاعًا من طعام" من باب عطف الخاص على العام، لكن محل العطف أن يكون الخاص أشرف، وليس الأمر هنا كذلك. وقال ابن المنذر أيضًا: لا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ ، يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة، رأوا أنَّ نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وَهُمُ الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم. ثم أسند عن عثمان وعليّ وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة "أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاعٍ من قمحٍ" وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية، لكن حديث أبي سعيد دالٌّ على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة خلافًا للطحاوي، وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد، لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة، دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان، فلا فرق بين الحنطة وغيرها، هذه حجة مالك والشافعيّ ومن تبعهما. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير، فقد فعل ذلك بالاجتهاد، بناء منه على أن قِيَم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن لا يلزم، على قولهم، أن تعتبر القيمة في كل زمان، فيختلف الحال ولا ينضبط. وربما لزم في بعض الأحيان إخراج آصُع من حنطة، ويدل على أنهم لحظوا ذلك ما روى جعفر الفريابيّ في كتاب صدقة الفطر أن ابن عباس، لما كان أمير البصرة، أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبين لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف

стр. 5982

صاع من بُرّ. قال: فلاما جاء عليّ، ورأى رخص أسعارهم قال: اجعلوها صاعًا من كلٍ، فدل على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل كما يأتي. ومن عجيب تأويله قوله إن أبا سعيد ما كان يعرف القمح في الفِطرة، وإن الخبر الذي جاء فيه أنه كان يُخرج صاعًا، أنه كان يخرج النصف الثاني تطوعًا، وأن قوله في حديث ابن عمر "فجعل الناس عدْله مُدَّين من حنطة"، أن المراد بالناس الصحابة، فيكون إجماعًا، وكذا قوله في حديث أبي سعيد عند أبي داود، فأخذ الناس بذلك. وأما قول الطحاويّ إن أبا سعيد كان يخرج النصف الثاني تطوعًا، فلا يخفى تكلفه. رجاله خمسة: مرّ قُبيصة وسفيان في السابع والعشرين من الإيمان، ومرّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين منه، ومرَّ أبو سعيد الخُدريّ في الثاني عشر منه، ومرّ عياض بن عبد الله في التاسع من الحيض. والحديث أخرجه الستة. ثم قال المصنف:

стр. 5983

باب صدقة الفطر صاع من طعام في رواية غير أبي ذَرٍّ "صاعًا" بالنصب، ووجه الرفع ظاهر على أنه الخبر، وأما النصب، فبتقدير فعل الإخراج، أي: بابُ إخراج صدقة الفطر صاعًا من طعامٍ، أو على أنه خبر كان الذي حذف، أو ذكر على سبيل الحكاية مما في لفظ الحديث. الحديث الثامن والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. قوله: أو صاعًا من شعير، ظاهره أن الطعام غير الشعير وما ذكر معه، وقد مرّ ما فيه مستوفىً في الحديث الذي قبله. وقوله: أو صاعًا من أَقِط، بفتح الهمزة وكسر القاف وفي آخره طاء مهملة، وهو لَبَنٌ مجفف يابس مُستَحْجِر يطبخ به، وربما سكن قافه في الشعر. قال النوويّ: اختلفوا في الأقِط، قيل: لا يجزىء لأنه لا يجب فيه العُشر. وقال الماورديّ: الخلاف فيه في أهل البادية، أما أهل الحضر، فلا يجزئهم، قولًا واحدًا. وقال زين الدين: اختلف قول الشافعيّ في الأقط. وقال ابن دقيق العيد: قد صح الحديث به، وهو يرد قول الشافعيّ. وقال النوويّ في شرح مسلم: ويجزىء الأقِط على المذهب، وقال العَيْنيُّ: وعندنا تجوز صدقة الفطر بالأقط. وفي "التحفة" في الأقط: تعتبر القيمة. وعند مالك تجب صدقة الفطر من تسعة أشياء؛ وهي القمح والشعير والزبيب والسُّلْت والدُّخْن والذرة والأرُزّ والتمر والأقِط. وزاد ابن حبيب العدس فصارت عشرة. رجاله خمسة: مرّ محل مالك وعبد الله بن يوسف في الذي قبله بحديث، ومرّ محل زيد بن أسلم وعياض وأبي سعيد في الذي قبله. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار في الجمع والعنعنة والسماع والقول. ثم قال المصنف:

стр. 5984

باب صدقة الفطر صاعًا من تمر كذا وقع عند أبي ذَرٍّ بالنصب، لرواية الجميع. الحديث التاسع والمئة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁ فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. قوله: حدثنا الليث عن نافع، لم يروَ إلا بالعنعنة، وسماع الليث عن نافع صحيح، ولكن أخرجه الطحاويّ والدارقطنيّ والحاكم وغيرهم، عن الليث عن كثير بن فَرقد عن نافع، وزاد فيه "من المسلمين" كما تقدم، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون الليث سمعه من نافع بدون هذه الزيادة، ومن كثير بن فرقد عنه بها. وقوله: أمر استدل به على الوجوب، وفيه نظر، لأنه يتعلق بالمقدار لا بأصل الإخراج. وقوله: قال عبد الله: فجعل الناس عِدْلَه، بكسر المهملة، أي: نظيره، وقد تقدم القول على هذه الكلمة في باب "الصدقة من كسب طيب". وقوله: مُدَّين من حنطة، أي نصف صاع، وأشار ابن عمر بقوله "الناس" إلى معاوية ومن تبعه، وقد وقع ذلك صريحًا فيما أخرجه الحُميديّ في مسنده عن ابن عُيينة عن أيوب عن نافع بلفظ "صدقة الفطر صاع من شعير أو صاع من تمر". قال ابن عمر: فلما كان معاوية عَدَلَ الناس نصف صاع بُرّ بصاع من شعير، وهكذا أخرجه ابن خُزيمة عن ابن عُيينة، وهو المعتمد، وهو موافق لقول أبي سعيد الآتي، وهو أصرح. وأما ما وقع عند أبي داود عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع قال فيه: فلما كان عمر، كَثُرت الحنطة، فجعل عمر نصف صاعٍ حنطةً مكان صاعٍ من تلك الأشياء، فقد حكم مسلم على عبد العزيز فيه بالوهم، وأوضح الرد عليه. وقال ابن عبد البر: قول ابن عُيينة عندي أولى، وزعم الطحاوي أن الذي عدل عن ذلك عمر ثم عثمان وغيرهما، فأخرج عن يسار بن نُمير أن عمر قال له: إني أحلف لا أُعطي قومًا ثم يبدو لي فأفعل، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأَطعم عني عشرة مساكين، لكل مسكين نصفُ صاع من حنطة، أو صاع من تمر أو صاع من شعير. وعن أبي الأشعث قال: خطبنا عثمان فقال: أدوا زكاة الفطر مُدَّين حنصة. وقد مرَّ استيفاء الكلام على هذا قبل بابين.

стр. 5985

رجاله أربعة: قد مرّوا، مرّ أحمد بن يونس في التاسع عشر من الإيمان، ومرّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. أخرجه مسلم وابن ماجه في الزكاة أيضًا، وقوله في الحديث "فجعل الناس" المراد بالناس معاوية، كما وقع التصريح به في مسند الحميديّ، ومعاوية قد مرّ في الثالث عشر من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 5986

باب صاع من زبيب أي: اجزاؤه، وكأنّ البخاريّ أراد بتفريق هذه التراجم الإِشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، إلا أنه لم يذكر الأقط، وهو ثابت في حديث أبي سعيد كما مرَّ، وكأنه لا يراه مُجزئًا في حال وجدان غيره، كقول أحمد. وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أو لم يقدر على غيره. والحديث يخالفه، وقد مرّ الكلام عليه في الذي قبله بحديث. الحديث العاشر والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ بن أبي حكيم الْعَدَنِيَّ قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. وهذا الحديث قد مرت مباحثه مستوفاة عند أول ذكره في باب "صدقة الفطر صاع من شعير" إلا قوله "فلما جاء معاوية .. " الخ. وزاد مسلم في روايته "فلم يزل يخرجه حتى قدم معاوية حاجًا أو معتمرًا، فكلم الناس على المنبر" زاد ابن خُزيمة: وهو يومئذ خليفة. وقوله: وجاءت السمراء، وهو القمح الشاميّ. وقوله: يعدل مُدين، في رواية مسلم: أرى مُدّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر. وزاد: قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه أبدًا ما عشت. وفي رواية: فأنكر ذلك. وقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ . ولأبي داود من هذا الوجه: لا أخرج أبدًا إلا صاعًا. وقد تقدم ذكر هذه الرواية وما فيها في باب "صدقة الفطر صاع من شعير". ولابن خزيمة، وكان ذلك أول ما ذكر الناس المُدَّين، وهذا يدل على وهن ما تقدم عن عمر وعثمان، إلا أن يحمل على أنه كان لم يطلع على ذلك من قصتهما. قال النوويّ: تمسك بقول معاوية من قال بالمدّين من الحنطة، وفيه نظر، لأنه فعل صحابيّ، قد خالفه فيه أبو سعيد وغيره من الصحابة، ممن هو أطول صحبة منه، وأعلم بحال النبي ﷺ . وقد صرح معاوية بأنه رأيٌ رآه، لا أنه سمعه من النبي ﷺ . وفي حديث أبي سعيد ما كان عليه من شدة

стр. 5987

الاتباع، والتمسك بالآثار، وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص، وفي صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد، وهو محمود، لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار. رجاله ستة: قد مرّوا إلا يزيد، مرّ عبد الله بن منير في الستين من الوضوء ومرّ محل سفيان وزيد بن أسلم وعياض وأبي سعيد في الذي قبله بحديثين. وأما يزيد فهو ابن أبي حكيم الكِنانيّ، أبو عبد الله العَدَنيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث. وقال الآجريّ عن أبي داود: لا بأس به. وقال: سألته عنه والفريابيّ، فقال: الفريابي أعلى. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وكنت قد عزمت على الخروج إليه فخالفني رفيقي، وركب السفينة ولم ينتظرني، فتركت الخروج إلى صنعاء، وخرجت إلى مصر. روى عن عطّاف بن خالد المخزوميّ ومقاتل بن سليمان ومالك والثَّوريّ وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه، وعبد الله بن منير، وسلمة بن شبيب وغيرهم. مات بعد عشرين ومئتين أو فيها. ثم قال المصنف:

стр. 5988

باب الصدقة قبل العبد قال ابن التين: أي: قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وبعد صلاة الفجر. وقال ابن عُيينة عن عكرمة: يُقدِّم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإن الله يقول ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ولابن خزيمة عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ سُئل عن هذه الآية فقال: "نزلت في زكاة الفطر". الحديث الحادي عشر والمئة حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ. ودَلَّ الحديث على أن المراد بقوله: يوم الفطر، أي: أوله، وهو ما بين صلاة الصبح إلى صلاة العيد. وحمل الشافعيّ ومالك ومن تبعهما التقييدَ بقبل صلاة العيد على الاستحباب، لصدق اليوم على جميع النهار. وقد رواه أبو مَعْشر عن نافع عن ابن عمر بلفظ "كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نصلي، فإذا انصرف قسمه بينهم وقال: اغنوهم عن الطلب". أخرجه سعيد بن منصور، لكنْ أبو معشر ضعيف، ووهم ابن العربيّ في عزو هذه الزيادة لمسلم، وهذا الحديث مرّ مطولًا في الباب الأول، ومرّ الكلام عليه هناك مستوفى. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا حفص، مرّ آدم في الثالث من الإيمان، ومرّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. وأما حفص، فهو ابن مَيسرة العقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، سكن عَسْقلان، والأكثرون على أن صنعاء المراد بها صنعاء الشام، لا صنعاء اليمن. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ليس به بأس. قلت: إنهم يقولون إنه عرض على زيد بن أسلم فقال: ثقة. وقال ابن مُعين: ثقة، إنما يطعن عليه أنه عرضي. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال في موضع آخر: يكتب حديثه، ومحله الصدق. وفي حديثه بعض الوهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال الساجيّ: في حديثه ضعف، وشذ الأزديّ فقال: روى عن العلاء بن عبد الرحمن مناكير.

стр. 5989

قال في المقدمة: له في البخاري حديث في الحج عن هشام بن عُروة بمتابعة عمرو بن الحارث، وحديث في زكاة الفطر عن موسى بن عقبة بمتابعة زهير بن معاوية عند مسلم، وحديث في الاعتصام بمتابعة أبي غسان. وفي التفسير عنه بمتابعة سعيد بن أبي هلال عنده، وروى له مسلم والنَّسائيّ وابن ماجه. روى عن زيد بن أسلم وموسى بن عقبة وهشام بن عروة وغيرهم، وروى عنه الثَّوريُّ، وهو أكبر منه، وآدم بن أبي إياس وابن وهب وغيرهم. مات سنة مئة وإحدى وثمانين. أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ ومسلم والنَّسائيُّ في الزكاة. الحديث الثاني عشر والمئة حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه عند ذكره في باب "صدقة الفطر صاع من شعير". رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ معاذ بن فَضالة في التاسع عشر من الوضوء ومرّ أبو عمر حفص بن ميسرة في الذي قبله، ومرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو سعيد في الثاني عشر منه، ومرّ عياض في التاسع من الحيض. ثم قال المصنف:

стр. 5990

باب صدقة الفطر على الحر والمملوك قيل في هذه الترجة تكرار لما تقدم من قوله "باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين" وأجاب ابن رشيد باحتمالين: أحدهما أن يكون أراد تقوية معارضة العموم في قوله "والملوك" لمفهوم قوله "من المسلمين" أو أراد أن زكاة العيد من حيث هو مال لا من حيث هو نفس، وعلى كل تقدير، فيستوي في ذلك مسلمهم وكافرهم. وقال الزين بن المنير: غرضه من الأُولى أن الصدقة لا تخرج عن كافر، ولهذا قيدها بقوله "من المسلمين" وغرضه من هذه تمييز من تجب عليه أو عنه بعد وجود الشرط المذكور، ولذلك استغنى عن ذكره فيها. ثم قال: وقال الزهريّ في المملوكين للتجارة يزكي في التجارة، ويزكي في الفطر. وما نقله المصنف عن الزهري هو قول الجمهور. وقد مرّ عن النخعيّ والثَّوريّ والحنفية أنه لا تلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة، لأن عليه فيهم الزكاة، ولا تجب في مال واحد زكاتان، وهذا التعليق وصل بعضه أبو عبيد في كتاب الأموال، والزُّهريّ مرّ في الثالث من بدء الوحي. الحديث الثالث عشر والمئة حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَوْ قَالَ رَمَضَانَ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. وقوله: فكان ابن عمر يعطي التمر، في الموطأ عن نافع كان ابن عمر "لا يخرج إلا التمر في زكاة الفطر. إلا مرة واحدة، فإنه أخرت شعيرًا" ولابن خزيمة عن أيوب "كان ابن عمر إذا أعطى أعطى التمر إلا عامًا واحدًا"، وقوله: فأعوز، بالمهملة والزاي، أي: احتاج، يقال: أعوزني الشيء إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه. وفيه دلالة على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر، وقد روى جعفر الفريابي عن أبي مُجْلز قال: "قلت لابن عمر: قد أوسع الله، والبُر أفضل من التمر، أفلا تعطي البُر؟ قال: لا أُعطي إلا كما يعطي أصحابي" ويستنبط من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى
следующие страницы →