← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

باب صاع من زبيب أي: اجزاؤه، وكأنّ البخاريّ أراد بتفريق هذه التراجم الإِشارة إلى ترجيح التخيير في هذه الأنواع، إلا أنه لم يذكر الأقط، وهو ثابت في حديث أبي سعيد كما مرَّ، وكأنه لا يراه مُجزئًا في حال وجدان غيره، كقول أحمد. وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك، أو لم يقدر على غيره. والحديث يخالفه، وقد مرّ الكلام عليه في الذي قبله بحديث. الحديث العاشر والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ يَزِيدَ بن أبي حكيم الْعَدَنِيَّ قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. وهذا الحديث قد مرت مباحثه مستوفاة عند أول ذكره في باب "صدقة الفطر صاع من شعير" إلا قوله "فلما جاء معاوية .. " الخ. وزاد مسلم في روايته "فلم يزل يخرجه حتى قدم معاوية حاجًا أو معتمرًا، فكلم الناس على المنبر" زاد ابن خُزيمة: وهو يومئذ خليفة. وقوله: وجاءت السمراء، وهو القمح الشاميّ. وقوله: يعدل مُدين، في رواية مسلم: أرى مُدّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر. وزاد: قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه أبدًا ما عشت. وفي رواية: فأنكر ذلك. وقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ . ولأبي داود من هذا الوجه: لا أخرج أبدًا إلا صاعًا. وقد تقدم ذكر هذه الرواية وما فيها في باب "صدقة الفطر صاع من شعير". ولابن خزيمة، وكان ذلك أول ما ذكر الناس المُدَّين، وهذا يدل على وهن ما تقدم عن عمر وعثمان، إلا أن يحمل على أنه كان لم يطلع على ذلك من قصتهما. قال النوويّ: تمسك بقول معاوية من قال بالمدّين من الحنطة، وفيه نظر، لأنه فعل صحابيّ، قد خالفه فيه أبو سعيد وغيره من الصحابة، ممن هو أطول صحبة منه، وأعلم بحال النبي ﷺ . وقد صرح معاوية بأنه رأيٌ رآه، لا أنه سمعه من النبي ﷺ . وفي حديث أبي سعيد ما كان عليه من شدة

стр. 5987

الاتباع، والتمسك بالآثار، وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص، وفي صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد، وهو محمود، لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار. رجاله ستة: قد مرّوا إلا يزيد، مرّ عبد الله بن منير في الستين من الوضوء ومرّ محل سفيان وزيد بن أسلم وعياض وأبي سعيد في الذي قبله بحديثين. وأما يزيد فهو ابن أبي حكيم الكِنانيّ، أبو عبد الله العَدَنيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث. وقال الآجريّ عن أبي داود: لا بأس به. وقال: سألته عنه والفريابيّ، فقال: الفريابي أعلى. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وكنت قد عزمت على الخروج إليه فخالفني رفيقي، وركب السفينة ولم ينتظرني، فتركت الخروج إلى صنعاء، وخرجت إلى مصر. روى عن عطّاف بن خالد المخزوميّ ومقاتل بن سليمان ومالك والثَّوريّ وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه، وعبد الله بن منير، وسلمة بن شبيب وغيرهم. مات بعد عشرين ومئتين أو فيها. ثم قال المصنف:

стр. 5988

باب الصدقة قبل العبد قال ابن التين: أي: قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وبعد صلاة الفجر. وقال ابن عُيينة عن عكرمة: يُقدِّم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته، فإن الله يقول ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ولابن خزيمة عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ سُئل عن هذه الآية فقال: "نزلت في زكاة الفطر". الحديث الحادي عشر والمئة حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ. ودَلَّ الحديث على أن المراد بقوله: يوم الفطر، أي: أوله، وهو ما بين صلاة الصبح إلى صلاة العيد. وحمل الشافعيّ ومالك ومن تبعهما التقييدَ بقبل صلاة العيد على الاستحباب، لصدق اليوم على جميع النهار. وقد رواه أبو مَعْشر عن نافع عن ابن عمر بلفظ "كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نصلي، فإذا انصرف قسمه بينهم وقال: اغنوهم عن الطلب". أخرجه سعيد بن منصور، لكنْ أبو معشر ضعيف، ووهم ابن العربيّ في عزو هذه الزيادة لمسلم، وهذا الحديث مرّ مطولًا في الباب الأول، ومرّ الكلام عليه هناك مستوفى. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا حفص، مرّ آدم في الثالث من الإيمان، ومرّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. وأما حفص، فهو ابن مَيسرة العقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، سكن عَسْقلان، والأكثرون على أن صنعاء المراد بها صنعاء الشام، لا صنعاء اليمن. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: ليس به بأس. قلت: إنهم يقولون إنه عرض على زيد بن أسلم فقال: ثقة. وقال ابن مُعين: ثقة، إنما يطعن عليه أنه عرضي. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال في موضع آخر: يكتب حديثه، ومحله الصدق. وفي حديثه بعض الوهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة لا بأس به. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال الساجيّ: في حديثه ضعف، وشذ الأزديّ فقال: روى عن العلاء بن عبد الرحمن مناكير.

стр. 5989

قال في المقدمة: له في البخاري حديث في الحج عن هشام بن عُروة بمتابعة عمرو بن الحارث، وحديث في زكاة الفطر عن موسى بن عقبة بمتابعة زهير بن معاوية عند مسلم، وحديث في الاعتصام بمتابعة أبي غسان. وفي التفسير عنه بمتابعة سعيد بن أبي هلال عنده، وروى له مسلم والنَّسائيّ وابن ماجه. روى عن زيد بن أسلم وموسى بن عقبة وهشام بن عروة وغيرهم، وروى عنه الثَّوريُّ، وهو أكبر منه، وآدم بن أبي إياس وابن وهب وغيرهم. مات سنة مئة وإحدى وثمانين. أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ ومسلم والنَّسائيُّ في الزكاة. الحديث الثاني عشر والمئة حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ. وهذا الحديث مرّ الكلام عليه عند ذكره في باب "صدقة الفطر صاع من شعير". رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ معاذ بن فَضالة في التاسع عشر من الوضوء ومرّ أبو عمر حفص بن ميسرة في الذي قبله، ومرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو سعيد في الثاني عشر منه، ومرّ عياض في التاسع من الحيض. ثم قال المصنف:

стр. 5990

باب صدقة الفطر على الحر والمملوك قيل في هذه الترجة تكرار لما تقدم من قوله "باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين" وأجاب ابن رشيد باحتمالين: أحدهما أن يكون أراد تقوية معارضة العموم في قوله "والملوك" لمفهوم قوله "من المسلمين" أو أراد أن زكاة العيد من حيث هو مال لا من حيث هو نفس، وعلى كل تقدير، فيستوي في ذلك مسلمهم وكافرهم. وقال الزين بن المنير: غرضه من الأُولى أن الصدقة لا تخرج عن كافر، ولهذا قيدها بقوله "من المسلمين" وغرضه من هذه تمييز من تجب عليه أو عنه بعد وجود الشرط المذكور، ولذلك استغنى عن ذكره فيها. ثم قال: وقال الزهريّ في المملوكين للتجارة يزكي في التجارة، ويزكي في الفطر. وما نقله المصنف عن الزهري هو قول الجمهور. وقد مرّ عن النخعيّ والثَّوريّ والحنفية أنه لا تلزم السيد زكاة الفطر عن عبيد التجارة، لأن عليه فيهم الزكاة، ولا تجب في مال واحد زكاتان، وهذا التعليق وصل بعضه أبو عبيد في كتاب الأموال، والزُّهريّ مرّ في الثالث من بدء الوحي. الحديث الثالث عشر والمئة حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَوْ قَالَ رَمَضَانَ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. وقوله: فكان ابن عمر يعطي التمر، في الموطأ عن نافع كان ابن عمر "لا يخرج إلا التمر في زكاة الفطر. إلا مرة واحدة، فإنه أخرت شعيرًا" ولابن خزيمة عن أيوب "كان ابن عمر إذا أعطى أعطى التمر إلا عامًا واحدًا"، وقوله: فأعوز، بالمهملة والزاي، أي: احتاج، يقال: أعوزني الشيء إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه. وفيه دلالة على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر، وقد روى جعفر الفريابي عن أبي مُجْلز قال: "قلت لابن عمر: قد أوسع الله، والبُر أفضل من التمر، أفلا تعطي البُر؟ قال: لا أُعطي إلا كما يعطي أصحابي" ويستنبط من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى

стр. 5991

الأصناف التي يقتات بها، لأن التمر أعلى من غيره مما ذكر في حديث أبي سعيد. وإن كان ابن عمر فهم منه خصوصية التمر بذلك. وقوله: حتى إن كان يعطي عن بني، زاد في نسخة الصغاني: قال أبو عبد الله: يعني بني نافع. قال الكرمانيّ: روي بفتح أبي وكسرها، وشرط المفتوحة قد، وشرط المكسورة اللام. فإما أن يحمل على الحذف أو تكون أن مصدرية، وكان زائدة. وقول نافع هذا هو شاهد الترجمة. والحق أنّ أن مخففة من الثقيلة، أي: أنه كان. ووجه الدلالة فيه أن ابن عمر راوي الحديث، فهو أعلم بالمراد منه من غيره، وأولاد نافع إن كان رزقهم. وهو بعد في الرق، فلا إشكال. وإن كان رزقهم بعد أن أعتق فلعل ذلك كان من ابن عمر على سبيل التبرع، أو كان يرى وجوبها على جميع من يمونه، ولو لم تكن نفقته واجبة عليه. وقد روى البيهقيّ عن نافع أن ابن عمر كان يؤدي زكاة الفطر عن كل مملوك له في أرضه وغير أرضه، وعن كل إنسان يعوله من صغير وكبير، وعن رقيق امرأته. وكان له مُكاتِب، فكان لا يؤدي عنه. وروى ابن المنذر عن نافع أن ابن عمر كان يخرج زكاة الفطر عن أهل بيته كلهم، حرهم وعبدهم، صغيرهم وكبيرهم، مسلمهم وكافرهم من الرقيق. وهذا يقوّي بحث ابن رشيد المتقدم في الترجمة، وقد حمله ابن المنذر على أنه كان يعطي عن الكافر منهم تطوعًا. وقوله: وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها، أي الذين ينصبهم الإِمام لقبضها، وبذلك جزم ابن بطال، وقال ابن التيمي: معناه من قال أنا فقير. والأول أظهر، ويؤيده ما وقع في نسخة الصفاني عقب الحديث. "قال أبو عبد الله، هو المصنف: كانوا يعطون للجمع لا للفقراء. وفي رواية ابن خزيمة عن أيوب: قلت متى كان ابن عمر يعطي؟ قال: إذا قعد العامل. قلت: متى يقعد العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم أو يومين. وهذا معنى قوله "وكانوا يُعْطون قبل الفطر بيوم أو يومين". ولمالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة، وأخرجه الشافعيّ عنه، وقال: هذا حسن، وأنا استحسنه، يعني: تعجيلها قبل يوم الفطر. ويدل على ذلك ما أخرجه البخاريّ في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة قال: "وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رَمضان .. الحديث". وفيه أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال، وهو يأخذ من المر، فدل على أنهم كانوا يعجلونها. واستدل به الجوزقيّ على جواز تأخيرها عن يوم الفطر، وهو محتمل للأمرين، ولم يظهر لي هذا الاحتمال. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ أبو النعمان محمد بن الفضل في الأخير من الإيمان، ومرّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ أيوب في التاسع منه، ومرّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ نافع في الأخير من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 5992

باب صدقة الفطر على الصغير والكبير الحديث الرابع عشر والمئة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه مستوفىً في أول باب من أبواب الفطرة. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرّ محل نافع وابن عمر في الذي قبله. أخرجه أبو داود عن مسدد أيضًا. خاتمة اشتمل كتاب الزكاة من الأحاديث المرفوعة على مئة حديث واثنين وسبعين حديثًا، الموصول منها مئة وحديث وتسعة عشر حديثًا، والبقية متابعة ومعلقة، المكرر منها فيه وفي ما مضى مئة حديث سواء، والخالص اثنان وسبعون حديثًا، وافقه مسلم على تخريجها سوى سبعة عشر حديثًا، وهي حديث أبي ذَرٍّ مع عثمان ومعاوية، وحديث ابن عمر في ذم الذي يكنز، وحديث أبي هريرة "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال" وحديث حاتم "جاء رجلان أحدهما يشكو العَيْلة" وحديث عائشة "أيّنا أسرع لحوقًا بك" وحديث مَعْن بن يزيد في الصدقة على الولد، وحديث أبي بكر الصديق في إيثاره بماله، وحديث أبي هريرة "الصدقة عن ظهر غِنىً" وحديث أنس عن أبي بكر في الزكاة، وحديث ابن عمر "لا يجمع بين مفرق ولا يفرق بين مجمّع" وحديث أبي سعيد في قصة زينب امرأة ابن مسعود، وحديث أبي لاس في ركوب إبل الصدقة، وحديث الزبير "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب" وحديث سهل بن سعد "أُحُد جبل يحبنا ونحبه" وحديث ابن عمر "فيما سقت السماء العُشر" وحديث الفضل بن عباس في "الصلاة في الكعبة" وحديث أبي هُريرة في قصة الرجل من بني إسرائيل. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرون أثرًا، منها أثر ابن عمر في قوله لحكيم بن حزام، لما أبى أن يأخذ حقه من الفيء، والله أعلم بالصواب. تم بعون الله ويليه كتاب الحج

стр. 5993

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري تأليف الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي (المتوفى سنة ١٣٥٤هـ) الجزء الثالث عشر مؤسسة الرسالة

стр. 5994

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5995

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

стр. 5996

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤَسَّسَة الرّسَالة بيروت - شارع سوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان

стр. 5997

كتاب الحج باب وجوب الحج وفضله وقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، كذا لأبي ذر، وسقط لغيره البسملة وباب، ولبعضهم قوله، وقول الله تعالى، ونفي رواية الأصيلي: كتاب المناسك، وهو جمع منسك بفتح السين وكسرها، وهو التعبد، ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت أمور الحج كلها مناسك. والمنسك: الذبح وقد نسك ينسك نسكًا إذا ذبح، والنسيكة الذبيحة، وجمعها نسك والمنسك أيضًا: الطاعة والعبادة، وكلُّ ما تُقرّب به إلى الله . والنسك: ما أَمرت به الشريعة والورع، وما نهت عنه. والناسك: العابد، وسئل ثعلب عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأْخوذٌ من النسيكة، وهي سبيكة الفضة المصفَّاة، كان الناسك صفَّى نفسه لله تعالى. وقد مرَّ عند كتاب الإيمان -أول كتاب- ما يتعلق بالكتاب. وقدَّم المصنف كتاب الحج عقب الزكاة على كتاب الصوم؛ لأن للحج اشتراكًا مع الزكاة في كونهما عبادة مالية، ولا يقال: كان ينبغي إذًا أن يذكر الصيام عقب الصلاة؛ لأن كُلاًّ منهما عبادة بدنية، لأنَّا نقول: قُدِّمت الزكاة عقب الصلاة لأنَّها قرينتها في الكتاب والسنة، وهي ثالثةُ أركان الإِسلام. ورتَّب المصنِّف الحج على مقاصد متناسبة، فبدأ بما يتعلق بالمواقيتِ، ثم بدخول مكة وما معها، ثم بصفة الحج، ثم بأحكام العمرة، ثم بمحرَّمات الإحرام، ثم بفضل المدينة. ومناسبة هذا الترتيب غير خفية على الفَطِن. وأصل الحج في اللغة: القصد، وقال الخليل: كثرة القصد إلى مُعظَّم، ومنه قول الشاعر: وأَشهد من عوف حلولًا كثيرة ... يحجُّون سِبَّ الزِبرقان المزعفر

стр. 5998

والسِب بكسر المهملة: العمامة، والزبرقان بكسر الزاي: لقب الحصين، وأصله القمر، وسُمِّي حج البيت حجًّا؛ لأن الناس يأتونه كل سنة. وفي الشرع: القصد إلى البيت الحرام على وجه التعظيم بأعمال مخصوصة، وسببه البيت لأنه يضاف إليه، ولهذا لا يجب في العمر إلاَّ مرَّةً واحدة، وهو بفتح المهملة وبكسرها لغتان. نقل الطبري أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح عن غيرهم. ونقل عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه، ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة. وأجمعوا على أنه لا يتكرَّر إلا لعارضٍ كالنذر. واختُلف هل هو على الفور أو التراخي وهو مشهور، وفي وقت ابتداء فرضه خلاف، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل: بعدها، واختُلِف في سنته، فالجمهور على أنها سنة ستٍّ لأنها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وهذا ينبني على أن المراد بالإِتمام ابتداء الفرض، ويؤيده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي بلفظ: وأقيموا، أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل: المراد بالإِتمام: الإِكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك، وقد وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج، وكان قدومه على ما ذكر الواقدي سنة خمس، وهذا يدل -إن ثبت- على تقدمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها، قال الطرطوشي: وقد روي أن قدومه على النبي ﵊ كان سنة تسع، وذكر الماوردي أنَّه فرض سنة ثمانٍ، وقال إمام الحرمين: سنة تسع أو عشرة، وقيل: سنة سبع. وأمَّا فضله فمشهور، ولاسيما في الوعيد على تركه في الآية، وسيأتي في باب مفرد، ومن الأحاديث الواردة في فضله ما أخرجه أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أَيُّها الناس، قد فُرض عليكم الحجّ فحجُّوا"، فقال رجل: أَكُلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : "لو قُلتُ نعم لوجبت، ولما استطعتم"، ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلَكم بكثرةِ سؤالهم واختلافهم على أنبيائِهم، وإِذا أَمرتُكم بشيءٍ فأتوا منه ما استعتُمْ، وإذا نَهيتُكُم عن شيءٍ فدعوه" رواه مسلم، وفي روايته: فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ الحديث. وعن أحمد، عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ الحديث. وأشار المصنف بذكر هذه الآية الكريمة إلى أنَّ وجوب الحج قد ثبت بهذه الآية، هذا

стр. 5999

عند الجمهور، وقيل: ثبت وجوبه بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وقد مرَّ ما في ذلك. وقوله: "حجّ البيت" مرفوع على الابتداء، خبره مقدم. "ولله على الناس"، أي: ولله فرضٌ واجبٌ على الناس؛ لأن اللام لام الإِيجاب. وقوله: "من استطاع" بدل الناس في محل الجر، والتقدير: وللهِ على من استطاع من الناس حج البيت، والاستطاعة: هي الزاد والراحلة وتخلية الطريق، فقد روى الحاكم -وقال: صحيح على شرط مسلم- وعن أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "السبيل الزاد والراحلة"، وروى الترمذي عن ابن عمر، قال: قام رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: "الشعث التفل"، فقام آخر، فقال: أيُّ الحج أفضل يا رسول الله؟ فقال: "العج الثج"، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: "الزاد والراحلة". وقال ابن أبي حاتم: قد روي عن ابن عباس، وأنس، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة نحو ذلك. وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلًا، وعن عكرمة مولاه، قال: من استطاع إليه سبيلًا، السبيل: الصحة، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد، أي: ومن جحد فرضية الحج فقد كفر، والله غني عنه، وقيل: من لم يرج ثوابه ولم يخف عقابه، فقد تركه، وقيل: إذا أمكنه الحج ولم يحج حتى مات. وروى ابن مردويه عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك زادًا وراحلة ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهوديًا أو نصرانيًا"، وذلك بأن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ إلى آخره، ورواه الترمذي أيضًا، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال. وروى الأسماعيلي عن عبد الرحمن بن غنم سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواءٌ عليه يهوديًا مات أو نصرانيًا. وهذا إسناد صحيح إلى عمر، قاله ابن كثير في تفسيره. أ. هـ. الحديث الأول حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 6000

يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ؟ عَنْهُ قَالَ: "نَعَمْ". وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. لم يورد المصنف في الباب غير حديث الخثعمية هذا، وشاهد الترجمة منه خفيٌّ، وكأنَّه أراد إثبات فضله من جهة تأكيد الأَمر به، بحيث إن العاجز عن الحركة إليه يلزمه أن يستنيب غيره، ولا يُعذَر بترك ذلك، والمراد منه هنا تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية، وأنها لا تختص بالزاد والراحلة، بل تتعلق بالمال والبدن؛ لأنها لو اختصت للزم المعضوب، أي: الزمن الذي لا حراك به أن يشد على الراحلة، ولو شق عليه. قال ابن المنذر: لا يثبت، الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة، والآية الكريمة عامة ليست بمجملة، فلا تفتقر إلى بيان، وكأنه كلَّف كل مستطيع قدر بمال أو بدن. والناس قسمان: من يجب عليه الحج، ومن لا يجب، الثاني: العبد وغير المكلف وغير المستطيع. ومن لا يجب عليه إما أن يجزئه المأْتي به أو لا، الثاني: العبد، وغير المكلف، والمستطيع إما أن تصح مباشرته منه أو لا، الثاني: غير المميز، ومن لا تصح مباشرته إما أن يباشر عنه غيره أو لا، الثاني: الكافر. فتبين أنه لا يشترط لصحة الحج إلا الإِسلام. وقوله: عن ابن عباس، قال: كان الفضل ... الخ، هكذا رواه مالك، وأكثر الرواة عن الزهري فلم يقولوا فيه عن الفضل. وروى ابن ماجه عن ابن عباس: أخبرني حصين بن عوف الخثعمي، قلت: يا رسول الله، إن أبي أدركه الحج ولا يستطيع أن يحج -الحديث. وخالف ابن جريج مالكًا، وتابعه معمر، فروياه عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس، قال الترمذي: سالت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا، فقال: أصح شيء فيه ما روى ابن عباس عن الفضل، قال: فيحتمل أن يكون ابنُ عباس سمعه من الفضل وغيره، ثم رواه بغير واسطة، وإنما رجَّح البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردفَ النبي ﷺ حينئذٍ، وكان ابن عباس قد تقدم مع الضعفة من مزدلفة إلى مني. وفي باب التلبية والتكبير عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يُلبي حتى رمى الجمرة، فكأَنَّ الفضل حدَّث أخاه بما شاهده

стр. 6001

في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره ابن عباس فنقله ابن عباس تارةً عن أخيه لكونه صاحب القصة، وتارة عمَّا شاهده، ويؤيد ذلك ما رواه الترمذي وأحمد وابنه عبد الله والطبري من حديث علي مما يدلّ على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان حاضرًا، ولفظ أحمد عندهم عن علي، قال: وقف النبي ﷺ بعرفة، فقال: "هذه عرفة وهو الموقف"، فذكر الحديث، وفيه: فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر، فقال: "هذا المنحر، وكلّ منىً منحر"، واستفتته -وفي رواية عبد الله: ثم جاءته- جارية شابة من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزىء أن أحج عنه؟ قال: "حجي عن أبيك"، قال: ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، قال: "رأيت شابًا وشابّةً فلم آمن عليهما الشيطان". وظاهر هذا أن العباس كان حاضرًا لذلك فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله كان معه. وقوله: فجاءته امرأة من خثعم، وخثعم قبيلة مشهورة باليمن ابن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان. وقوله: "فجعل الفضل ينظر إليها" في رواية شعيب، وكان الفضل رجلًا وضيئًا، أي: جميلًا، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها. وقوله: "يصرف وجه الفضل" في رواية شعيب، فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فدفع وجهه عن النظر إليها، وهذا هو المراد في حديث علي، فلوى عنق الفضل، وفي رواية الطبري من حديث علي: وكان الفضل غلامًا جميلًا، فإذا جاءت الجارية من هذا الشق، صرف رسول الله ﷺ وجه الفضل إلى الشق الآخر، فإذا جاءت إلى الشق الآخر صرف وجهه عنه، وقال في آخره: رأيت غلامًا حديثًا وجارية حدثة، فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان. وقوله: "إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا" في رواية عبد العزيز وشعيب أنَّ فريضة الله على عباده في الحج، وفي رواية النسائي عن يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان بن يسار: إنَّ أبي أدركه الحج، واتَّفقت الروايات كلها عن ابن شهاب أن السائلة كانت امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان، فاتفقت الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه.

стр. 6002

أما إسناده: فهشيم، عنه، عن سليمان، عن عبد الله بن العباس. وقال محمد بن سيرين: عنه، عن سليمان، عن الفضل، أخرجهما النسائي. وقال ابن علية: عنه، عن سليمان، حدثني أحد ابني العباس، إمَّا الفضل، وإما عبد الله، أخرجه أحمد. وأما المتن: فقال هشيم: أن رجلًا سأل، فقال: إن أبي مات. وقال ابن سيرين: جاء رجل فقال: إن أُمي عجوزٌ كبيرة. وقال ابن علية: جاء رجل، فقال: إن أبي أو أمي. وخالف الجميع معمر، عن يحيى بن أبي إسحاق، فقال: أن امرأة سألت عن أمها، وهذا الاختلاف كله عن سليمان بن يسار، وسياق غيره قد رواه كريب عن ابن عباس، عن حصين بن عوف الخثعمي، قال: قلت يا رسول الله إن أبي أدركه الحج، ورواه عطاء الخراساني عن أبي الغوث بن حصين الخثعمي، أنه استفتى النبي ﷺ عن حجة كانت على أبيه .. أخرجهما ابن ماجه، والرواية الأولى أقوى إسنادًا، وهذا يوافق رواية هشيم في أنَّ السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه، ويوافقه ما روى الطبراني عن عبد الله بن شداد، عن الفضل بن عباس "أن رجلًا، قال: يا رسول الله إنَّ أبي شيخٌ كبير"، ويوافقهما مرسل الحسن عند ابن خزيمة، فإنه أخرجه عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ أتاه رجلٌ، فقال: أبي شيخ كبير، أدرك الإِسلام لم يحج، الحديث، ثم ساقه عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال مثله، إلا أنه قال: إن السائل سأل عن أمه. والذي يظهر من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل، وكانت ابنته معه، فسألت أيضًا، والمسؤول عنه أبو الرجل وأمه جميعًا، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن العباس، قال: كنت ردف النبي ﷺ وأعرابي معه بنتٌ له حسناء، فجعل الأعرابي يَعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، وجعلتُ ألتفت إليها، ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه، فكان يُلبي حتى رمى جمرة العقبة، فعلى هذا، فقول الشابة: "أن أبي" لعلها أرادت به جدها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ﷺ ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها، سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع من أن يسأل أيضًا عن أمه. وتحصَّل أيضًا من هذه الروايات أنَّ اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي، وأما في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين، فإنَّ إسناده ضعيف، ولعله كان فيه عن أبي الغوث

стр. 6003

حصين، فزيد في الرواية ابن أو أبا الغوث أيضًا، كان مع أبيه حصين، فسأل كما سأل أبوه، وأخته، والمرأة الخثعمية السائلة لم تسم، ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاي العقيلي بالتصغير، واسمه لقيط بن عامر، ففي "السنن"، و"صحيح ابن خزيمة" وغيرهما من حديثه أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال: "حج عن أبيك واعتمر"، وهذه قصة أخرى، ومن وحَّد بينها وبين حديث الخثعمي، فقد أبعد وتكلف. وقوله: "شيخًا كبيرًا لا يَثبُت على الراحلة" قال الطيبي: شيخًا حال، ولا يثبت صفة له، ويحتمل أن يكون حالًا أيضًا، ويكون من الأحوال المتداخلة، والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم، وهو بهذه الصفة. وقوله: "وهو لا يثبت"، في رواية عبد العزيز وشعيب: لا يستطيع أن يستوي، وفي رواية ابن عيينة: لا يستمسك على الرحل، وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق: وإن شددته خشيت أن يموت، وكذا في مرسل الحسن، وحديث أبي هريرة عند ابن خزيمة بلفظ: وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله. وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة. وقوله: "أفأحج عنه؟ "، أي: أيجوز لي أن أنوب عنه، فأحج عنه؛ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدَّر، وفي رواية عبد العزيز وشعيب: فهل يقضي عنه؟، وفي حديث علي: هل يجزىء عنه؟، وفي حديث أبي هريرة: فقال: احجُج عن أبيك. وفي الحديث جواز الحج عن غيره إذا كان معضوبًا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحدٍ إلا عن ميّت لم يحج حجة الإِسلام. وحاصل ما في مذهب مالك ثلائة أقوال: مشهورها: لا يجوز، ثانيها: يجوز من الولد، ثالثها: يجوز إن أوصى به. وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره، وهي رواية عن مالك وإن أوصى به. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن ابن عمران، قال: لا يحج أحد ولا يصم أحد عن أحد،

стр. 6004

وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى أو لم يوص، وهو واجب في تركته، واجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله، ويلتحق بالحج كل حق ثبت في ذمته من كفارة أو نذر، أو زكاة أو غير ذلك، وهو مقدم على دين الآدمي على أحد أقوال الشافعي، وقيل بالعكس، وقيل: هما سواء. ونقل ابن المنذر وغيره الإِجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب. وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي، وعن أحمد روايتان، ولم يخالف في جواز حج الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل إلا الحسن بن صالح، واستدل الكوفيون بعمومه على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه، واستدلوا بما في "السنن" و"صحيح ابن خزيمة" وغيره عن ابن عباس أيضًا، أن النبي ﷺ رأى رجلًا يلبي عن شبرمة، فقال: "أحججت عن نفسك؟ " فقال: لا، قال: "هذه عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة". وأجاب المالكية عن حديث الباب بأن ذلك وقع من السائل على جهة التبرع، وليس في شيء من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنية، فلا تصح النيابة فيها كالصلاة، وقد نقل الطبري وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا: ولأن العبادات فرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنية إلا بإتعاب البدن، فيه يظهر الانقياد أو النفور، بخلاف الزكاة، فإن الابتلاء فيها بنقص المال، وهو حاصل بالنفس والغير، وأجيب بأن قياس الحج على الصلاة لا يصح، لأن عبادة الحج بدنية مالية معًا فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال المازري: من غلَّب حكم البدن في الحج ألحقه بالصلاة، ومن غلّب حكم المال ألحقه بالصدقة، وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به، ولم يجيزوا ذلك في الصلاة. وبأنَّ حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع؛ لأنه يوجد في الأَمر من بذله المال في الأجرة. وقال عياض: لا حجة للمخالف في حديث الباب، لأن قوله: ان فريضة الله على عباده، الخ، معناه أن إلزام الله عباده بالحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع فهل أحج عنه؟ أي: هل يجوز لي ذلك؟ أو: هل فيه أجر ومنفعة؟ فقال: نعم، وتُعُقِّب بأنَّ في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء، فيتم الاستدلال. وتقدم في بعض طرق مسلم أن أبي عليه فريضة الله في الحج. وفي رواية

стр. 6005

لأحمد: والحج مكتوب عليه. وادَّعى بعضهم أنَّ هذه القصة مختصة بالخثعميَّة، كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر، وتعقب بأنَّ الأصل عدم الخصوصية، واحتج بعضهم لذلك بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب "الواضحة" بإسنادين مرسلين، فزاد في الحديث: "حج عنه، وليس لأحدٍ بعده"، ولا حجة فيه لضعف الإسنادين مع إرسالهما، وقد عارضه قوله في حديث الجهنية الآتي: "اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء". وقال القرطبي: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف لظاهر القرآن: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وأن الأصل في الاستطاعة هي القوة بالبدن، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، فرجَّح ظاهر القرآن، ولا شك في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة أن القول المذكور قول امرأة ظنَّتْ ظنّاً، ولا يقال قد أجابها النبي ﷺ على سؤالها، ولو كان ظنها غلطًا لبيّنه لها؛ لأنَّا نقول: إنما أجابها على قولها: أفأحج عنه؟ قال: "حجي عنه"، لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، وتعقب بأن في تقرير النبي ﷺ لها على ذلك حجة ظاهرة. وأما ما رواه عبد الرزاق عن ابن عباس، فزاد في الحديث: "حُجَّ عن أبيك، فإن لم يزده خيرًا لم يزده شرًا"، فقد جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة، وعلى تقدير صحتها فلا حجة فيها للمخالف. ومن فروع المسألة أن لا فرق بين من استقر الوجوب في ذمته قبل العضب، أو طرأ عليه خلافًا للحنفية، وللجمهور ظاهر قصة الخثعمية. وأنَّ من حج عن غيره وقع الحج عن المستنيب خلافًا لمحمد بن الحسن، فقال: يقع عن المباشرة، وللمحجوج عنه أجر النفقة. وعند المالكية: يقع نافلة للأجير، ولمن حج عنه أجر النفقة والدعاء، واختلفوا فيما إذا عوفي المعضوب، فقال الجمهور: لا يجزئه، لأنه تبين أنه لم يكن ميؤوسًا منه، وقال أحمد وإسحاق: لا تلزمه الإعادة لئلا يفضي إلى إيجاب حجتين، واتفق من أجاز النيابة في الحج على أنَّها لا تجزىء في الفرض، إلا عن موت أو عضب، فلا يدخل المريض لأنَّه يُرجى برؤه، ولا المجنون لأنه ترجى إفاقته، ولا المحبوس لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير لأنه يمكن استغناؤه. وفيه جواز الارتداف، والردف والرديف الراكب خلف الراكب بإذنه، وردف كل شيء: مؤخره، وأصله من الركوب على الردف وهو العجز، ولهذا قيل للراكب الأصلي: ركب صدر

стр. 6006

الدابة، وقد أفرد ابن منده أسماء من أردفه النبي ﷺ خلفه، فبلغوا ثلاثين نفسًا. وفيه بيان ما ركب في الآدمي من الشهوة، وغلبة طباعه عليه من النظر إلى الصور الحسنة. وفيه منع النظر إلى الأجنبيات وغضُّ البصر. قال عياض: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة، قال: وعندي أن فعله ﷺ إذْ غطَّى وجه الفضل أبلغُ من القول، ثم قال: لعل الفضل لم ينظر نظرًا يُنْكَرُ بل خشي أن يَؤُول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناءِ الجلابيب. ويؤخذ منه التفريق بين الرجال والنساء خشية الفتنة، وجواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة، كالاستفتاء عن العلم، والترافع في الحكم والمعاملة. وفيه أنَّ إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام. وروى أحمد وابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال للفضل حين غطى وجهه يوم عرفة: "هذا يومٌ مَنْ ملكَ فيه سمعه وبصره ولسانه غفِرَ له" ولم يُنقَل أنَّه نهى المرأة عن النظر إلى الفضل، وكان جميلًا، ويُحتَملُ أن يكون الشارع اجتزأ بمنع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه لأنَّ حكمهما واحدٌ، أو تنبَّهت لذلك، أو كان ذلك الموضع هو محل نظره الكريم، فلم يصرف نظرها. وقال الداوودي: فيه احتمال أن ليس على النساء غضُّ أبصارهنَّ عن وجوه الرجال، إنما يَغْضُضْنَ عن عوراتهم. وفي هذا الحديث أيضًا النيابة في السؤال عن العلم، حتى من المرأة عن الرجل، وأنَّ المَحرم ليس من السبيل المشترط في الحج، وقالت المالكية إنه شرط فيه، أو تكون في رفقة مأمونة، والرواية المتقدمة "أنها كانت مع أبيها" ترد على من لم يشترطه. وفيه برُّ الوالدين والاعتناء بأمرهما والقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة، وغير ذلك من أَمور الدين والدنيا. واستُدلَّ به على أنَّ العمرة غير واجبة لكون الخثعمية لم تذكرها، ولا حجة فيه لأن مجرد ترك السؤال لا يدل على عدم الوجوب لاستفادة ذلك من حكم الحج، ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمر قبل الحج، على أن السؤال عن العمرة والحج قد وقع في حديث أبي رزين كما مرَّ. وقال ابن العربي: حديث الخثعمية أصل متفق على صحته في الحج، خارج عن القاعدة

стр. 6007

المستقرة في الشريعة من أن ليس للِإنسان إلاَّ ما سعى، رفقًا من الله تعالى في استدراك ما فرَّط فيه المرء بولده وماله، وتعقب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، وبأنَّ عموم السعي في الآية مخصوص اتفاقًا. أ. هـ. رجاله خمسة: وفيه ذكر الفضل، وقد مرَّ الجميع، مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وابن عباس في الخامس منه، وسليمان بن يسار في الخامس والتسعين من الوضوء، ومرَّ الفضل بن عباس في الثامن عشر من الجماعة، وفيه ذكر امرأة من خثعم، قيل اسمها غانية بالغين والياء والنون بدل الياء، والشيخ أبوها لم أَرَ من ذكر اسمه. أخرجه البخاري في المغازي والاستئذان، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6008

باب قول الله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ فجاجًا: الطرق الواسعة. قيل: إن المصنف أراد أنَّ الراحلة ليست شرطًا للوجوب، وقال ابن القصار: في الآية دليلٌ قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل، فإن المخالف يزعم أنَّ الحجَّ لا يجب على الراجل، وهو خلاف الآية، ومذهب مالك عدم اشتراط الزاد والراحلة إذا قَدِرَ على المشي، وعند أبي حنيفة والشافعي: لا يلزم إلا من وجد زادًا وراحلة، وقد روى الطبري عن مجاهد، قال: كانوا لا يركبون، فأنزل الله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فأمرهم بالزاد، ورخَّص لهم في الركوب والمتجر. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: ما فاتني شيء أشدُّ علي أن لا أكون حججتُ ماشيًا لأنَّ الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فبدأ بالرجال قبل الركبان. وقوله: "فجاجًا" الطرق الواسعة، قال يحيى الفراء: سبلًا فجاجًا، واحدها فج وهي الطرق الواسعة، واعترضه الإسماعيلي فقال: يقال: الفج: الطريق بين الجبلين، فإذا لم يكن كذلك لم يسم الطريق فجًا، وهو قول بعض أهل اللغة، وجزم أبو عبيد، ثم الأزهري بأن الفج: الطريق الواسع، وقد نقل صاحب "المحكم" أنَّ الفج: الطريق الواسع في جبل أو في قبل جبل، وهو أوسع من الشعب، وروى ابن أبي حاتم والطبري عن ابن عباس في قوله: "فجاجًا" يقول: طرقًا مختلفة، وعن قتادة قال: طرقًا وأعلامًا، وقال أبو عبيدة: فج عميق، أي: بعيد القعر، وهذا تفسير العميق، يقال: بئر عميقة القعر، أي: بعيدة القعر. وقوله: "يأتوك رجالًا" مجزوم لأنه جواب الأمر في قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، قيل: المأمور بالأذان إبراهيم ﵇ لمَّا فرغ من بناء البيت أمره الله تعالى أن يؤذن، قال إبراهيم: يا رب وما يبلغ أذاني، قال: أذِّن وعليَّ البلاغ، فقام بالمقام، وقيل على جبل أبي قبيس، وأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يمينًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، وقال: يا أيُّها النَّاس، إنَّ الله يدعوكم إلى الحج ببيته الحرام. فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله تعالى أنه يحجُّ، فأجابوا لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب يومئذٍ حجَّ

стр. 6009

بعد، وهذا هو قول الجمهور، وقال قوم: المأمور بالتأذين محمد ﷺ أُمِر أن يفعل ذلك في حجة الوداع. والتوفيق بين القولين أن النبي ﷺ إنما أمره الله بذلك إحياءً لسنة إبراهيم ﵇. وقوله: "رجالًا"، نصب على الحال من ضمير يأتوك، وهو جمع راجل كصاحب وصحاب، وقيل: جمع الراجل رجل كصاحب وصحب، ورجالة ورجال، والأراجيل جمع الجمع. وقوله: "وعلى كل ضامر" من المضمور وهو الهزال، وقيل: على كل ضامر، يعني الإبل وغيره، فلا يدخل بعير ولا غيره إلا وقد ضمر من طول الطريق، وضامر بغير هاء يستعمل للمذكر والمؤنث. وقوله: "يأتين" صفة لكل ضامر، لأن كل ضامر في معنى الجمع، أراد النوق. وقوله: "من كل فج عميق"، أي: طريق بعيد. وقوله: "ليشهدوا منافع لهم"، أي: ليحضروا منافع لهم، هي التجارة، وقيل: منافع الآخرة، وقيل: منافع الدارين جميعًا. أ. هـ. الحديث الثاني حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً. الغرض من هذا الحديث الرد على من زعم أنَّ الحج ماشيًا أفضلُ لتقديمه في الذكر على الراكب، فبيَّن أنه لو كان أفضل لَفَعَلَهُ النبي ﷺ بدليل أنه لم يُحْرِمْ حتَّى استوتْ به راحلته، ذكر ذلك ابن المنيِّر، وقال غيره: مناسبة الحديث للآية أنَّ ذا الحليفة فجٌّ عميق، والركوب مناسبٌ لقوله: "وعلى كل ضامر"، وقال الإِسماعيلي: ليس في الحديثين شيءٌ مما ترجم به الباب، وردَّ بأنَّ فيهما الإشارة إلى أنَّ الركوب أفضل، فيُؤْخَذُ منه جواز المشي. وقوله: "بذي الحليفة" بضم الحاء المهملة تصغير حلفة، وهي شجرة منها يُحْرِم أهل المدينة، وبينها وبين المدينة أربعة أميالٍ، وهي أبعد المواقيت من مكة تعظيمًا لإحرام النبي ﷺ ، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول الله ﷺ ، المسجد الكبير الذي يُحرم منه الناس، والمسجد الآخر مسجد المعرس.

стр. 6010

وقوله: "حين تستوي به قائمة"، قد مرَّ الكلام على هذا مستوفى عند حديث ابن عمر في باب غسل الرجلين في النعلين من كتاب الوضوء. وفي الحديث الركوب في سفر الحج، وقد اختلف في أفضلية الركوب والمشي في الحج، فقال قوم: الركوب أفضل تباعًا للنبي ﷺ ، ولفضل النفقة فإنَّ النفقه فيه كالنفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، كما أخرجه أحمد عن بريدة، وصحح جماعة أن المشي أفضل، وبه قال إسحاق لأنه أشدُّ على النفس، وفي حديث صححه الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا: "من حجَّ إلى مكة ماشيًا حتى رجع كُتِبَ له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم"، قيل: وما حسنات الحرم، قال: "كل حسنة بمائة ألف حسنة". وقال مجاهد: أُهبط آدم ﵇ في الهند، فحج على قدميه البيت أربعين حجة، وقال: إن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام حجًا ماشيين، وفي "المستدرك": عن أبي سعيد الخدري، قال: حجَّ رسول الله ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، ثم قال: "اربطوا على أوساطكم مآزركم وامشوا مشيًا خلط الهرولة"، ثم قال: صحيح الإِسناد، قلت: هذا الحديث لا أظن له صحة، لأن النبي لم يحج من المدينة إلا حجة الوداع، وحج راكبًا، ولعله إنْ كان له أصل وقع من مكة لا من المدينة، وقد طالعت "المستدرك" ولم أطلع عليه فيه، والذي عزاه له هو العيني، والذي وجدته فيه هو أنَّ الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، حجَّ خمسة وعشرين حجة ماشيًا، وإن الجنائب لتُقاد بين يديه. أ. هـ. رجاله ستة قد مرّوا مرَّ: أحمد بن عيسى في الرابع والسبعين من استقبال القبلة، وابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ويونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإِيمان، ومرّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه. أخرجه مسلم والنسائي. أ. هـ. الحديث الثالث حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن موسى، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، سَمِعَ عَطَاءً يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: "أَنَّ إِهْلاَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ".

стр. 6011

والغرض من هذا الحديث هو مارٌّ في الذي قبله، والكلام عليه هو الكلام على الذي قبله. أ. هـ. رجاله خمسة ، قد مرّوا: مرّ إبراهيم بن موسى في الثالث من الحيض، ومرَّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من مواقيت الصلاة، ومرَّ الأوزاعي في العشرين من العلم، وعطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين منه، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي. أ. هـ. فيه التحديث بالجمع والإِفراد والإخبار بالجمع والسماع والعنعنة، وسنده رازي، ودمشقيان ومكي. أ. هـ. ثم قال: رواه أنس وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، أي: إهلاله بعدما استوت به راحلته، وسيأتي حديث أنس موصولًا في باب من بات بذي الحليفة، فأمَّا حديث ابن عباس فسيأتي في باب ما يلبس المحرم. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6012

باب الحج على الرحل بفتح الراء وسكون المهملة، وهو للبعير كالسرج للفرس، أشار بهذا إلى أن التقشف أفضل من الترفُّه. الحديث الرابع وَقَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ. الغرض منه قوله فيه: "وحملها على قتب" وهو بفتح القاف والمثناة بعدها موحدة: رحلٌ صغير على قدر السنام، وقد أخرجه في آخر الباب موصولًا بلفظ: فأحقبها، أي: أردفها على الحقيبة، وهي الزنار الذي يجعل في مؤخر القتب، فقوله في رواية أبان: على قتب، أي: حملها على مؤخر قتب. والحاصل أنه أردفها، وكان هو على قتب، فإن القصة واحدة. وقوله: "فأعمرها من التنعيم" هو بفتح المثناة وسكون النون وكسر المهملة: مكان معروف خارج مكة، وهو على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة، كما نقله الفاكهاني. وقال المحب الطبري: التنعيم أبعد من أدنى الحِلّ إلى مكة بقليل، وليس بطرف الحل، بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحلّ، فقد تجوز أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات. وروى الفاكهاني عن عبيد بن عمير، قال: أنما سمي التنعيم لأن الجبل الذي عن يمين الداخل يقال له ناعم، والذي عن اليسار يقال له منعم. وروى الأزرقي عن ابن جريج، قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي اعتمرت منه عائشة، فأشار إلى الموضع الذي ابتنى فيه محمد بن علي بن شافع المسجد الذي وراء الأكمة وهو المسجد الخرب. ونقل الفاكهاني عن ابن جريج وغيره أن ثم مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى من الحرم هو الذي اعتمرت منه عائشة. وقيل: هو المسجد الأبعد على الأكمة الحمراء، ورجَّحه المحب الطبري. وقال الفاكهاني: لا أعلم إلا أني سمعت ابن أبي عمر يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم.

стр. 6013

واختلف هل يتعين التنعيم لمن كان بمكة أم لا؟ وإذا لم يتعين هل لها فضل على الاعتمار من غيرها من جهات الحل أم لا؟، قال صاحب "الهدي": لم ينقل أنه صلى الله تعالى عليه وسلم اعتمر مدة إقامته بمكة قبل الهجرة، ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلًا إلى مكة، ولم يعتمر قط خارجًا من مكة إلى الحل، ثم يدخل مكة بعمرة كما يفعل الناس اليوم، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته إلا عائشة وحدها، قلت: ما قاله صاحب "الهدي" لا دليل فيه، لأن العمرة قبل الهجرة لم يثبت وجوبها، وبعد الهجرة لم يستقر ﵊ بمكة حتى يحتاج إلى الاعتمار منها، وإنما يأتيها من بلد بعيد معتمرًا وحاجًا، وعدم اطلاعه هو على فعل الصحابة له لا ينافي أنهم فعلوه، إذ يمكن أن يفعلوه، ولا ينقل، وأيُّ فائدة في هذا البحث بعد أن ثبتت مشروعيته بفعل عائشة له بأمره ﵊، وقد روى الفاكهاني عن محمد بن سيرين، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل مكة التنعيم، ومن طريق عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو الجعرانة، فليحرم منها، وأفضل ذلك أن يأتي وقتًا، أي: ميقاتًا من مواقيت الحج. قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة إن كان بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغي مجاوزته، كما لا تنبغي مجاوزة المواقيت التي للحج وخالفهم آخرون، فقالوا: ميقات العمرة الحل، وإنما أمر النبي ﷺ عائشة بالإحرام من التنعيم لأنه كان أقرب الحل من مكة. ثم روى عن ابن أبي مليكة، عن عائشة في حديثها، قالت: وكان أدنانا من الحرم التنعيم، فاعتمرت، قال: فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء، وفي رواية القاسم عن عائشة: يا عبد الرحمن اذهب بأختك فأعمرها من التنعيم، وفي رواية عروة عنها: أرسلني النبي ﷺ مع عبد الرحمن إلى التنعيم، وفي رواية الأسود عنها: اذهبي مع أخيك إلى التنعيم، وفي رواية الأسود والقاسم جميعًا عنها: فاخرجي إلى التنعيم، وكل هذا صريح في أن ذلك كان عن أمر النبي يكنه وكلُّه يفسر قوله في رواية القاسم: اخرج بأختك من الحرم. وأما ما رواه أحمد عن ابن أبي مليكة عنها في هذا الحديث: ثم أرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: احملها خلفك حتى تخرجها من الحرم، فوالله ما قال: فتخرجها إلى الجعرانة ولا إلى التنعيم، فهي رواية ضعيفة لضعف أبي عامر الخزاز، الراوي له عن ابن أبي مليكة، ويحتمل أن يكون قوله: فوالله، الخ، من كلام من دون عائشة متمسكًا

стр. 6014

بإطلاق قوله: "فأخرجها من الحرم" لكن الروايات المقيدة بالتنعيم مقدمة على المطلقة، فهي أولى ولاسيما مع صحة أسانيدها، زاد أبو داود في روايته بعد قوله: "إلى التنعيم": فإذا هبطت بها من الأكمة فلتحرم، فإنها عمرة متقبلة، وزاد أحمد في رواية له: وذلك ليلة الصدر بالتحريك، أي: الرجوع من مني، وفي قوله: "فإذا هبطت بها" إشارة إلى المكان الذي أحرمت منه عائشة. قلت: انظر، أي فائدة لبحث صاحب "الهدي" مع ما ذكر من الأحاديث وأقوال العلماء. وفي الحديث جواز الخلوة بالمحارم سفرًا وحضرًا، وإرداف المحرم محرمة معه. واستدل به على تعين الخروج إلى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة وهو أحد قولي العلماء، والثاني: تصح العمرة ويجب عليه دم لترك الميقات، وليس في حديث الباب ما يدفع ذلك. واستدل به على أن أفضل جهات الحل التنعيم، وتعقب بأن إحرام عائشة من التنعيم إنما وقع لكونه أقرب جهة الحل إلى الحرم، لا أنه هو الأفضل، وسيأتي إيضاح هذا إن شاء الله تعالى في باب أجر العمرة على قدر التعب. أ. هـ. رجاله أربعة: وفيه ذكر عبد الرحمن، وقد مرَّ الجميع إلا مالك بن دينار، مرَّ أبان بن يزيد في تعليق بعد السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ القاسم بن محمد في الحادي عشر من الغسل، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي الرابع مالك بن دينار السامي الناجي مولاهم أبو يحيى البصري الزاهد، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يكتب المصاحف بالأجرة، ويتقوت بأجرته، وكان لا يأكل شيئًا من الطيبات من المتعقدة الصبر، والمتقشفة الخشن، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال الأزدي: يعرف وينكر، كان أبوه من سبى سجستان، وقيل: من كابل. وليس له في البخاري إلا هذا الحديث، روى عن أنس بن مالك، وعطاء بن أبي رباح، والحسن، وابن سيرين وغيرهم، وروى عنه أخوه عثمان، وأبان بن يزيد، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سنة ثلاثين. ومرّ عبد الرحمن في الرابع من الغسل. وهذا الحديث أخرجه الخباري هنا تعليقًا، ووصله أبو نعيم في "المستخرج". أ. هـ. ثم قال: وقال عمر: شدوا الرحال في الحج، فإنه أحد الجهادين، ولفظ عابس بن ربيعة

стр. 6015

أنه سمع عمر يقول وهو يخطب: إذا وضعتم السروج فشدُّوا الرحال إلى الحج فإنه أحد الجهادين، ومعناه: إذا فرغتم من الغزو فحجوا واعتمروا وتسمية الحج جهادًا إما من باب التغليب أو على الحقيقة، والمراد جهاد النفس لما فيه من إدخال المشقة على النفس والمال، وجاء في ثاني أحاديث الباب الذي بعده ما يؤيده، وهذا التعليق وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي عن عابس بن ربيعة. وعمر مرّ في الأول من بدء الوحي. الحديث الخامس حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ، هو المقدمي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ. قوله: "حدثنا محمد بن أبي بكر"، كذا وقع في رواية أبي ذر، ولغيره، وقال محمد بن أبي بكر: وقد وصله الإِسماعيلي، قال: حدثنا أبو يعلى والحسن بن سفيان وغيرهما، قالوا: حدثنا محمد بن أبي بكر. وقوله: "ولم يكن شحيحًا" فيه إشارة إلى أنه فعل ذلك تواضعًا واتباعًا لا عن قلة وبخل، وقد روى ابن ماجه هذا الحديث بلفظ آخر، لكن إسناده ضعيف، فذكر بعد قوله: على رحلٍ رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم، ثم قال: اللهم حجة لا رياء فيها، ولا سمعة. وقوله: "وكانت زاملته"، أي: الراحلة التي ركبها، وهي وان لم يجر لها ذكر، لكن دل عليها ذكر الرجل، والزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، من الزمل وهو الحمل، والمراد أنه لم تكن معه زاملة تحمل طعامه ومتاعه بل كان ذلك محمولًا معه على راحلته، وكانت هي الراحلة والزاملة. وروى سعيد بن منصور عن هشام بن عروة، قال: كان الناس يحجون وتحتهم أزودتهم، وكان أول من حج على رحل وليس تحته شيء عثمان بن عفان. أ. هـ. رجاله خمسة: مرَّ منهم محمد ابن أبي بكر المقدمي في الرابع والثمانين من استقبال القبلة، ومرّ يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء، ومرّ ثمامة بن عبد الله في السادس والثلاثين من العلم، ومرّ أنس في السادس من الإِيمان، الخامس عزرة بن ثابت بن أبي زيد الأنصاري البصري، قال ابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن

стр. 6016

حبان في "الثقات"، وقال: ثقة متقن، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، روى عن عمه بشير وأخيه علي بن ثابت وثمامة بن عبد الله بن أنس وقتادة وغيرهم، وروى عنه ابن أخيه يحيى بن محمد بن ثابت وابن مهدي وابن المبارك وغيرهم. أ. هـ. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريُّون. الحديث السادس حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ. فَقَالَ: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ". فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ. قوله: "فأحقبها على ناقة" في رواية الكشميهني: ناقته، وهذا الحديث مرّ الكلام عليه في الذي قبله بحديث. رجاله خمسة: وفيه ذكر عبد الرحمن، مرّ منهم عمرو بن علي الفلاس في السابع والأربعين من الوضوء، ومرّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، ومرّ محل القاسم وعائشة وعبد الرحمن في الذي قبله بحديث، الخامس أيمن بن نابل بنون وألف بعدها موحدة مكسورة، الحبشي أبو عمران المكي، نزيل عسقلان مولى آل أبي بكر، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن عبد العزيز بن رواد وأيمن بن نابل وغيرهما، فقال: هؤلاء قوم صالحون، وقال ابن معين وابن عمار والحاكم: ثقة، وقال الدوري: كان عابدًا فاضلًا، وسمعت يحيى يقول: هو ثقة، وكان لا يفصح، وكانت فيه لكنة، وقال يعقوب بن شيبة: مكي صدوق، وإلى ضعف ما هو، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: لا بأس به، وقال ابن عدي: له أحاديث، وهو لا بأس به فيما يرويه، ولم أر أحدًا ضعَّفه ممن تكلم في الرجال، وأرجو أن أحاديثه صالحة لا بأس به، وقال العجلي: ثقة، وقال الترمذي في حديثه عن قدامة: أيمنُ ثقة عند أهل الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، خالف الناس، ولو لم يكن إلا حديث التشهد الذي رواه عن أبي الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس في التشهد بسم الله، وبالله، وقد رواه الليث وعمرو بن الحارث وغيرهما بدون هذه الزيادة عن أبي الزبير، وكذا هو بدونها في صحاح

стр. 6017

باب فضل الحج المبرور قال ابن خالويه: المبرور المقبول، وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإِثم، ورجحه النووي، وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وقيل: إنه يظهر بآخره، فإن رجع خيرًا مما كان عرف أنه مبرور، ولأحمد والحاكم عن جابر، قالوا: يا رسول الله ما برّ الحج؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام"، وفي إسناده ضعف، ولو ثبت لكان هو المتعين دون غيره. أ. هـ. الحديث السابع حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". هذا الحديث قد مرَّ في باب من قال إن الإِيمان هو العمل من كتاب الإيمان، ومرت مباحثه هناك مستوفاة. أ. هـ. رجاله خمسة قد مرّوا: مرّ عبد العزيز بن عبد الله في الأربعين من العلم، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر منه، وأبو هريرة في الثاني منه، والزهري في الثالث من بدء الوحي. أ. هـ. الحديث الثامن حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلاَ نُجَاهِدُ قَالَ: "لاَ، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ".

стр. 6018

الأحاديث، قال في "المقدمة": له في البخاري حديث واحد عن القاسم بن محمد، عن عائشة في اعتمارها من التنعيم، أخرجه متابعة، وروى له أصحاب السنن غير أبي داود. روى عن أبيه نابل والقاسم بن محمد وطاووس وعطاء وغيرهم، وروى عنه موسى بن عقبة وهو من أقرانه ومعتمر بن سليمان ووكيع وابن مهدي وغيرهم. وفي "حلية أبي نعيم" ما يدل على أن أيمن هذا عاش إلى خلافة المهدي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وسنده: بصريان ومكي ومدني. وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، ورواية الرجل عن عمته. والحديث أخرجه النسائي. أ. هـ. ثم قال:

стр. 6019

قوله: "نرى الجهاد أفضل العمل"، هو بفتح النون، أي: نعتقد، ونعلم وذلك لكثرة ما يسمع من فضائله في الكتاب والسنة، وقد رواه جرير عن صهيب عند النسائي: فإني لا أرى عملًا في القرآن أفضل من الجهاد. وقوله: "لكن أفضل الجهاد" اختلف في ضبط لكن فالأكثر بضم الكاف خطاب للنسوة، قال القابسي: وهو الذي تميل إليه نفسي، وفي رواية الحموي: لكن، بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها بلفظ الاستدراك، والأول أكثر فائدة لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج، وعلى جواب سؤالها عن الجهاد، وسماه جهادًا لما فيه من مجاهدة النفس، وعلى الاستدراك اسم لكن: أفضل الجهاد، وخبرها: حج مبرور، والمستدرك منه يستفاد من السياق، تقديره: ليس لكُنَّ الجهاد، ولكن الجهاد أفضل في حقكن حج مبرور، وعلى الرواية الأولى: أفضل الجهاد مبتدأ، والخبر لكن، وحج مبرور خبر مبتدأ محذوف، أي: أفضل الجهاد لكن هو حج مبرور، وفي رواية النسائي: ألا نخرج فنجاهد معك، فإني لا أرى عملًا في القرآن العظيم أفضل من الجهاد، فقال: "لكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله حج البيت، حج مبرور"، وفي رواية ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قلت: يا رسول الله: هل على النساء جهاد، قال ﵊: "عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة"، وعنده أيضًا عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، قال النبي ﷺ : "الحج جهاد كل ضعيف"، وفي رواية النسائي بسند لا بأس به عن أبي هريرة: "جهاد الكبير والصغير والضعيف والمرأة، الحج والعمرة"، وإنما قيل للحج جهاد لأنه يجاهد في نفسه بالكف عن شهواتها والشيطان، ودفع المشركين عن البيت باجتماع المسلمين إليه من كل ناحية. وروى أبو داود وأحمد عن أبي واقد الليثي، عن أبيه بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال لنسائه في حجة الوداع: "هذه ثم ظهور الحُصُر"، أي هذه الحجة، ثم تلزمن ظهور الحصر، جمع حصير، أي الذي يبسط في البيت بضم الصاد وتسكن تخفيفًا وأغرب المهلب فزعم أنه من وضع الرافضة لقصد ذم أم المؤمنين عائشة في خروجها إلى العراق للإصلاح بين الناس في قصة وقعة الجمل وهو إقدام منه على رد الأحاديث الصحيحة بغير دليل، والعذر لعائشة أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من صواحباتها على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، وتأيَّد ذلك عندها بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لكُنَّ أفضل الجهاد الحج المبرور" لأنه يدل على أن لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه، وسيأتي إن شاء الله تعالى استيفاء الكلام على هذا الحديث في باب حج النساء أواخر كتاب

стр. 6020

الحج. أ. هـ. رجاله خمسة: مرَّ منهم عبد الرحمن بن المبارك في الرابع والعشرين من الإِيمان، ومرّ خالد بن عبد الله الطحان في السادس والخمسين من الوضوء، ومرّت عائشة أم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي، والباقي اثنان، الأول: حبيب بن أبي عمرة القصاب بياع القصب، ويقال: اللحام أبو عبد الله الحِمَّاني بكسر الحاء وتشديد الميم، مولاهم الكوفي، قال جرير بن عبد الحميد: كان ثقة، وكان من اللحامين، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أحمد: شيخ ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات". روى عن مجاهد وسعيد بن جبير وعائشة بنت طلحة وأم الدرداء وغيرهم، وروى عنه الثوري، وأخوه مبارك بن سعيد وشعبة وحفص بن غياث وغيرهم، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة. أ. هـ. الثاني: عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمية أم عمران، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، قال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة، وقال أبو زرعة الدمشقي: حدث الناس عنها لفضلها وأدبها، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، كانت من أجمل نساء قريش، أصدَقَها مصعب بن الزبير ألف ألف درهم، روت عن خالتها عائشة، وروى عنها ابنها طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن وحبيب بن أبي عمرة وعطاء بن أبي رباح وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول. وشيخه من أفراده وهو بصري، ثم واسطي، ثم كوفي، ثم مدنية. وفيه رواية التابعية عن الصحابية خالتها. أخرجه البخاري في الحج أيضًا وفي الجهاد، والنسائي وابن ماجه في الحج. أ. هـ. الحديث التاسع حَدَّثَنَا آدَمُ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". قوله: "من حج لله" في رواية منصور الآتية قبيل جزاء الصيد من حج هذا البيت،

стр. 6021

ولمسلم عن منصور: من أتى هذا البيت، وهو يشمل الحج والعمرة، وأخرج الدارقطني عن الأعمش، عن أبي حازم بلفظ: "من حج أو اعتمر" لكن في الإسناد إلى الأعمش ضعف. وقوله: "فلم يرفث" بتثليث الفاء في الماضي والمضارع، والأفصح الفتح في الماضي، والضم في المستقبل، والرفث الجماع، ويطلق على التعريض به، وعلى الفحش في القول، وقال الأزهري: الرفث اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر يخصه بما خوطب به النساء، وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾، والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع، والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي، وهو المراد بقوله في الصيام: "فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث". وقوله: "ولم يفسق"، أي: لم يأت بسيئة ولا معصية، وأغرب ابن الأعرابي، فقال: إن لفظ الفسق لم يسمع في الجاهلية ولا في أشعارهم، وإنما هو إسلامي، وتعقب بأنه كثر استعماله في القرآن، وحكايته عمن قبل الإِسلام، وقال غيره: أصله انفسقت النواة إذا خرجت، فسمى الخارج عن طاعة الله فاسقًا. وقوله: "رجع كيوم ولدته أمه" أي: بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات، وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرّح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر في "تفسير الطبري"، قال الطيبي: الفاء في قوله: "فلم يرفث" معطوف على الشرط، وجوابه رجع، أي: صار، والجار والمجرور خبر له، ويجوز أن يكون حالًا، أي: صار مشابهًا لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه، وفي رواية الدارقطني المذكورة: رجع كهيئته يوم ولدته أمه، وذكر بعض الناس أن الطيبي أفاد أن الحديث إنما لم يذكر فيه الجدال، كما ذكر في الآية على طريق الاكتفاء بذكر البعض، وترك ما دل عليه ما ذكر، ويحتمل أن يقال إن ذلك يختلف بالقصد لأن وجوده لا يؤثر في ترك مغفرة ذنوب الحاج إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحج فيما يظهر من الأدلة، أو المجادلة بطريق التعميم، فلا يؤثر أيضًا، فإن الفاحش منها داخل في عموم الرفث، والحسن منها ظاهر في عدم التأثير، والمستوي الطرفين لا يؤثر أيضًا. رجاله خمسة قد مرُّوا: مرّ آدم وشعبة في الثالث من الإِيمان، ومرّ سيار بن أبي سيار أبو الحكم في الثاني من التيمم، ومرّ أبو حازم في الثامن والمائة من الوضوء، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإِيمان.

стр. 6022

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والسماع والقول، وسنده خراساني، وواسطيان وكوفي، أخرجه مسلم. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6023

باب فرض مواقيت الحج والعمرة المواقيت: جمع ميقات كمواعيد وميعاد من وقَّت الشيء يقته إذا بيِّن حدّه، وكذا وقَّته يوقته، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان فقيل للموضع ميقات، والميقات يطلق على الزماني والمكاني، وهنا المراد الكافي. ومعنى الفرض التقدير أو الإِيجاب، وهو ظاهر نص المصنف وأنه لا يجيز الإِحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي بعد قليل حيث قال: ميقات أهل المدينة، ولا يهلُّون قبل ذي الحليفة، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإِجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز المتقدم عليه، وفرَّق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا المتقدم على الزماني، وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح المتقدم في المكاني، وكره مالك المتقدم قبلهما ويأتي، وكره عثمان أن يحرم من خراسان في ترجمة: الحج أشهر معلومات. الحديث العاشر حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ، فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ. قوله: "وله فسطاط وسرادق"، والفسطاط مثلث الفاء، وفيه ست لغات، معروف، وهو الخيمة، وأصله عمود الخباء الذي يقوم عليه، وقيل: لا يقال له ذلك إلا إذا كان من قطن، وهو أيضًا مما يغطى به صحن الدار من الشمس وغيرها. والسرادق واحدة السرادقات التي تمدُّ فوق صحن الدار، وكل بيت من كرسف فهو سرادق، وكل ما أحاط بشيء فهو سرادق، ومنه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، وقيل: السرادق: ما يجعل حول الخباء بينه وبينه فسحة كالحائط ونحوه، وظاهره أن ابن عمر كان معه أهله وأراد سترهم بذلك لا للتفاخر.

стр. 6024

وقوله: "فسألته" فيه التفات لأنه قال أولًا: أنه أتى ابن عمر، فكأن السياق يقتضي أن يقول: فسأله، لكن عند الإسماعيلي، قال: فدخلت عليه فسألته. وقوله: "فرضها"، أي: قدرها وعيّنها، ويحتمل أن يكون المراد أوجبها، وبه يتم مراد المصنف، ويؤيده قرينة قول السائل: من أين يجوز لي، وقد تقدمت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب ذكر العلم والفتيا في المسجد آخر كتاب العلم، وفي الحديث رد على عطاء والنخعي والحسن في زعمهم أن لا شيء على من ترك الميقات ولم يحرم وهو يريد الحج والعمرة، وهو شاذ، ونقل ابن بطال عن مالك وأبي حنيفة والشافعي أنه يرجع من مكة إلى الميقات، واختلفوا إذا رجع هل عليه دم أو لا، فقال مالك والثوري في رواية: لا يسقط عنه الدم برجوعه إليه محرمًا، وهو قول ابن المبارك، وقال أبو حنيفة: إن رجع إليه فلبَّى فلا دم عليه برجوعه إليه محرمًا، وإن لم يلبّ فعليه دم، وقال الثوري في رواية وأبو يوسف ومحمد والشافعي: لا دم عليه إذا رجع إلى الميقات بعد إحرامه قبل أن يطوف على كل وجه، فإن طاف فالدم باق وإن رجع، قال الكرماني: فإن قلت: الإِحرام بالعمرة لا يلزم أن يكون من المذكورات، بل يصح من الجعرانة ونحوها، قلت: هي للمكي، وأما الآفاقي فلا يصح له الإِحرام بها إلا من المواضع المذكورة. أ. هـ. رجاله أربعة: قد مرُّوا إلا زيد بن جبير، مرّ مالك بن إسماعيل في الخامس والثلاثين من الوضوء ومرّ زهير بن معاوية في الثالث والثلاثين من الإِيمان، ومرّ عبد الله بن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، والباقي زيد بن جبير بن حرمل الطائي الكوفي، قال أحمد: صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة يروي ستة أحاديث أو سبعة، وقال الدوري: قلت لابن معين: أليس في حديثه شيء؟ قال: لا والله، قلت: هو أخو حكيم بن جبير؟ قال: لا والله، ما بينهما قرابة، وقال العجلي: ثقة ليس بتابعي في عداد الشيوخ، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال أبو حاتم: صدوق، وفي نسخه ثقة، صدوق. روى عن ابن عمر وخشف بن مالك وأبي يزيد الضبي، وروى عنه شعبة والثوري وزهير بن معاوية وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِفراد والسؤال والقول، ورواته الثلاثة كوفيون، وزيد بن جبير ليس له في البخاري إلا هذا الحديث، وهذا الحديث من هذا الوجه من أفراد البخاري. ثم قال المصنف:

стр. 6025

باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ قال مقاتل بن حيان: لمَّا نزلت قام رجل فقال: يا رسول الله ما نجد زادًا، فقال: "تزود ما تكفّ به وجهك عن الناس، وخير ما تزوَّدتم التقوى". الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قوله: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون"، زاد ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس: يقولون: نحج بيت الله أفلا يطعمنا. وقوله: "فإذا قدموا المدينة" في رواية الكشميهني: "مكة" وهو أصوب، وكذا أخرجه أبو نعيم، وروى ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق، ثم لما أمرهم بالزاد إلى السفر في الدنيا أمرهم بالزاد للآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، وأنه خير من هذا وأنفع، قال عطاء الخراساني: في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ يعني الآخرة، وروى الطبراني عن جرير بن عبد الله، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: "من تزود في الدنيا ينفعه في الآخرة" وفي هذا الحديث من الفقه أنَّ ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسال الناس إلحافًا، فإن قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، أي: تزودوا وأتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم، والإثم في ذلك. وفيه أن التوكل لا يكون مع السؤال، وإنما التوكل المحمود أن لا يستعين بأحد في شيء،
следующие страницы →