← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

ولمسلم عن منصور: من أتى هذا البيت، وهو يشمل الحج والعمرة، وأخرج الدارقطني عن الأعمش، عن أبي حازم بلفظ: "من حج أو اعتمر" لكن في الإسناد إلى الأعمش ضعف. وقوله: "فلم يرفث" بتثليث الفاء في الماضي والمضارع، والأفصح الفتح في الماضي، والضم في المستقبل، والرفث الجماع، ويطلق على التعريض به، وعلى الفحش في القول، وقال الأزهري: الرفث اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر يخصه بما خوطب به النساء، وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾، والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع، والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي، وهو المراد بقوله في الصيام: "فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث". وقوله: "ولم يفسق"، أي: لم يأت بسيئة ولا معصية، وأغرب ابن الأعرابي، فقال: إن لفظ الفسق لم يسمع في الجاهلية ولا في أشعارهم، وإنما هو إسلامي، وتعقب بأنه كثر استعماله في القرآن، وحكايته عمن قبل الإِسلام، وقال غيره: أصله انفسقت النواة إذا خرجت، فسمى الخارج عن طاعة الله فاسقًا. وقوله: "رجع كيوم ولدته أمه" أي: بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات، وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن مرداس المصرّح بذلك، وله شاهد من حديث ابن عمر في "تفسير الطبري"، قال الطيبي: الفاء في قوله: "فلم يرفث" معطوف على الشرط، وجوابه رجع، أي: صار، والجار والمجرور خبر له، ويجوز أن يكون حالًا، أي: صار مشابهًا لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه، وفي رواية الدارقطني المذكورة: رجع كهيئته يوم ولدته أمه، وذكر بعض الناس أن الطيبي أفاد أن الحديث إنما لم يذكر فيه الجدال، كما ذكر في الآية على طريق الاكتفاء بذكر البعض، وترك ما دل عليه ما ذكر، ويحتمل أن يقال إن ذلك يختلف بالقصد لأن وجوده لا يؤثر في ترك مغفرة ذنوب الحاج إذا كان المراد به المجادلة في أحكام الحج فيما يظهر من الأدلة، أو المجادلة بطريق التعميم، فلا يؤثر أيضًا، فإن الفاحش منها داخل في عموم الرفث، والحسن منها ظاهر في عدم التأثير، والمستوي الطرفين لا يؤثر أيضًا. رجاله خمسة قد مرُّوا: مرّ آدم وشعبة في الثالث من الإِيمان، ومرّ سيار بن أبي سيار أبو الحكم في الثاني من التيمم، ومرّ أبو حازم في الثامن والمائة من الوضوء، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإِيمان.

стр. 6022

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والسماع والقول، وسنده خراساني، وواسطيان وكوفي، أخرجه مسلم. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6023

باب فرض مواقيت الحج والعمرة المواقيت: جمع ميقات كمواعيد وميعاد من وقَّت الشيء يقته إذا بيِّن حدّه، وكذا وقَّته يوقته، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان فقيل للموضع ميقات، والميقات يطلق على الزماني والمكاني، وهنا المراد الكافي. ومعنى الفرض التقدير أو الإِيجاب، وهو ظاهر نص المصنف وأنه لا يجيز الإِحرام بالحج والعمرة من قبل الميقات، ويزيد ذلك وضوحًا ما سيأتي بعد قليل حيث قال: ميقات أهل المدينة، ولا يهلُّون قبل ذي الحليفة، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإِجماع على الجواز، وفيه نظر، فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز المتقدم عليه، وفرَّق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا المتقدم على الزماني، وأجازوا في المكاني، وذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح المتقدم في المكاني، وكره مالك المتقدم قبلهما ويأتي، وكره عثمان أن يحرم من خراسان في ترجمة: الحج أشهر معلومات. الحديث العاشر حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ، فَسَأَلْتُهُ مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ. قوله: "وله فسطاط وسرادق"، والفسطاط مثلث الفاء، وفيه ست لغات، معروف، وهو الخيمة، وأصله عمود الخباء الذي يقوم عليه، وقيل: لا يقال له ذلك إلا إذا كان من قطن، وهو أيضًا مما يغطى به صحن الدار من الشمس وغيرها. والسرادق واحدة السرادقات التي تمدُّ فوق صحن الدار، وكل بيت من كرسف فهو سرادق، وكل ما أحاط بشيء فهو سرادق، ومنه: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، وقيل: السرادق: ما يجعل حول الخباء بينه وبينه فسحة كالحائط ونحوه، وظاهره أن ابن عمر كان معه أهله وأراد سترهم بذلك لا للتفاخر.

стр. 6024

وقوله: "فسألته" فيه التفات لأنه قال أولًا: أنه أتى ابن عمر، فكأن السياق يقتضي أن يقول: فسأله، لكن عند الإسماعيلي، قال: فدخلت عليه فسألته. وقوله: "فرضها"، أي: قدرها وعيّنها، ويحتمل أن يكون المراد أوجبها، وبه يتم مراد المصنف، ويؤيده قرينة قول السائل: من أين يجوز لي، وقد تقدمت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب ذكر العلم والفتيا في المسجد آخر كتاب العلم، وفي الحديث رد على عطاء والنخعي والحسن في زعمهم أن لا شيء على من ترك الميقات ولم يحرم وهو يريد الحج والعمرة، وهو شاذ، ونقل ابن بطال عن مالك وأبي حنيفة والشافعي أنه يرجع من مكة إلى الميقات، واختلفوا إذا رجع هل عليه دم أو لا، فقال مالك والثوري في رواية: لا يسقط عنه الدم برجوعه إليه محرمًا، وهو قول ابن المبارك، وقال أبو حنيفة: إن رجع إليه فلبَّى فلا دم عليه برجوعه إليه محرمًا، وإن لم يلبّ فعليه دم، وقال الثوري في رواية وأبو يوسف ومحمد والشافعي: لا دم عليه إذا رجع إلى الميقات بعد إحرامه قبل أن يطوف على كل وجه، فإن طاف فالدم باق وإن رجع، قال الكرماني: فإن قلت: الإِحرام بالعمرة لا يلزم أن يكون من المذكورات، بل يصح من الجعرانة ونحوها، قلت: هي للمكي، وأما الآفاقي فلا يصح له الإِحرام بها إلا من المواضع المذكورة. أ. هـ. رجاله أربعة: قد مرُّوا إلا زيد بن جبير، مرّ مالك بن إسماعيل في الخامس والثلاثين من الوضوء ومرّ زهير بن معاوية في الثالث والثلاثين من الإِيمان، ومرّ عبد الله بن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، والباقي زيد بن جبير بن حرمل الطائي الكوفي، قال أحمد: صالح الحديث، وقال ابن معين: ثقة يروي ستة أحاديث أو سبعة، وقال الدوري: قلت لابن معين: أليس في حديثه شيء؟ قال: لا والله، قلت: هو أخو حكيم بن جبير؟ قال: لا والله، ما بينهما قرابة، وقال العجلي: ثقة ليس بتابعي في عداد الشيوخ، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال أبو حاتم: صدوق، وفي نسخه ثقة، صدوق. روى عن ابن عمر وخشف بن مالك وأبي يزيد الضبي، وروى عنه شعبة والثوري وزهير بن معاوية وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإِفراد والسؤال والقول، ورواته الثلاثة كوفيون، وزيد بن جبير ليس له في البخاري إلا هذا الحديث، وهذا الحديث من هذا الوجه من أفراد البخاري. ثم قال المصنف:

стр. 6025

باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ قال مقاتل بن حيان: لمَّا نزلت قام رجل فقال: يا رسول الله ما نجد زادًا، فقال: "تزود ما تكفّ به وجهك عن الناس، وخير ما تزوَّدتم التقوى". الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. قوله: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون"، زاد ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس: يقولون: نحج بيت الله أفلا يطعمنا. وقوله: "فإذا قدموا المدينة" في رواية الكشميهني: "مكة" وهو أصوب، وكذا أخرجه أبو نعيم، وروى ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق، ثم لما أمرهم بالزاد إلى السفر في الدنيا أمرهم بالزاد للآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، وأنه خير من هذا وأنفع، قال عطاء الخراساني: في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ يعني الآخرة، وروى الطبراني عن جرير بن عبد الله، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: "من تزود في الدنيا ينفعه في الآخرة" وفي هذا الحديث من الفقه أنَّ ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسال الناس إلحافًا، فإن قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، أي: تزودوا وأتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم، والإثم في ذلك. وفيه أن التوكل لا يكون مع السؤال، وإنما التوكل المحمود أن لا يستعين بأحد في شيء،

стр. 6026

وقيل: هو قطع النظر عن الأسباب بعد تهيئة الأسباب، كما قال ﵊: "اعقلها وتوكل". رجاله ستة: قد مرّوا إلا يحيى بن بشر. مرّ شبابة بن سوار في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرّ ورقاء بن عمر في التاسع من الوضوء، ومرّ عمرو بن دينار في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ عكرمة في السابع عشر منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. السادس: يحيى بن بشر البلخي أبو زكرياء الفلاس الزاهد، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى عن وكيع والوليد بن مسلم وابن عيينة وشبابة وغيرهم، وروى عنه البخاري وأحمد بن سيار المروزي وعبد بن حميد، مات في المحرم لخمسٍ مضين منه، سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. أ. هـ. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وسنده بلخي ومدائنيان ومكي ومدني، أخرجه أبو داود في الحج، والنسائي في السير وفي التفسير. أ. هـ. ثم قال: "رواه ابن عيينه عن عمرو، عن عكرمة مرسلًا"، يعني: لم يذكر فيه ابن عباس، وهذا هو المحفوظ عن ابن عيينة، وابن عيينة مرَّ في الأول من بدء الوحي، وعمرو وعكرمة مرَّ محلهما في الذي قبله، وحديث ابن عيينة هذا رواه سعيد بن منصور، وكذا الطبري موصولًا به. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6027

باب مهلّ أهل مكة للحج والعمرة وأشار المصنف بالترجمة إلى حديث ابن عمر فإنه سيأتي بلفظ: مهلّ، وأما حديث الباب فذكر بلفظ: وقت. الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. قوله: "وقَّت"، أي: حدَّد، وأصل التوقيت أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، يقال: وقَّت الشيء بالتشديد يوقته ووقت بالتخفيف يقته إذا بين مدته، ثم اتسع فيه فقيل للموفع ميقات، وقال ابن دقيق العيد: قيل أن التوقيت في اللغة التحديد والتعيين، فعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت، وقوله هنا "وقت" يحتمل أن يريد به التحديد، أي: حدّ هذه المواضع للإِحرام، ويحتمل أن يريد به تعليق الإِحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر، وقال عياض: وقَّت، أي: حدَّد، وقد يكون بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، ويؤيده الرواية الماضية بلفظ فرض، وقد مرّ استيفاء الكلام على المهل. وأول الحديث إلى قوله: هن لهم في باب ذكر العلم والفتيا في المسجد آخر كتاب العلم. وقوله: "هن لهم"، أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة، وفي رواية تأتي في باب دخول مكة بغير إحرام، بلفظ: "هن لهن"، أي: المواقيت للجماعات المذكورة أو لأهلهن على حذف المضاف، والأول هو الأصل، وفي باب مهلّ أهل اليمن: هنّ لأهلهن كما شرحته.

стр. 6028

وقوله: "هن" ضمير جماعة المؤنث، وأصله لمن يعقل، وقد استعمل فيما لا يعقل، لكن فيما دون العشرة. وقوله: "لمن أتى عليهن" أي: على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة، ويدخل في ذلك من دخل بلدًا ذات ميقات ومن لم يدخل، فالذي لا يدخل لا إشكال فيه إذا لم يكن له ميقات معين، والذي يدخل فيه خلاف كالشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة، فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها، ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخَّر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النووي الاتفاق ونفى الخلاف في "شرحيه لمسلم والمهذب" في هذه المسألة، فلعله أراد في مذهب الشافعي، وإلا فالمعروف عند المالكية أن الشامي مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة جاز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية. قال ابن دقيق العيد: "قوله: ولأهل الشام الجحفة" يشمل من مرّ من أهل الشام بذي الحليفة، ومن لم يمر. وقوله: "ولمن أتى عليهن من غيرهن" يشمل الشامي إذا مرَّ بذي الحليفة وغيره، فهنا عمومان قد تعارضا، ويحصل الانفكاك عنه بأن قوله: "هن لهن" مفسر لقوله مثلًا: "وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة"، وأن امراد بأهل المدينة ساكنوها ومن سلك طريق سفرهم فمرّ على ميقاتهم، ويؤيده عراقي خرج من المدينة فليس له مجاوزة ميقات المدينة غير محرم، ويترجح بهذا قول الجمهور، وينتفي التعارض. وقوله: "ممن أراد الحج العمرة" فيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام، وسيأتي في ترجمة مفردة. وقوله: "ومن كان دون ذلك" أي: بين الميقات ومكة. وقوله: "فمن حيث أنشأ"، أي: فميقاته من حيث أنشأ الإِحرام، إذ السفر من مكانه إلى مكة، وهذا متفق عليه إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكة، واستدل به ابن حزم على أن من ليس له ميقات فميقاته من حيث شاء، ولا دلالة فيه لأنه يختص بمن كان دون الميقات إلى جهة مكة كما مرَّ، ويؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يحرم من حيث تجدد له القصد، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله: "فمن حيث أنشأ".

стр. 6029

وقوله: "حتى أهل مكة" يجوز فيه الرفع والجر. وقوله: "من مكة" أي: لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإِحرام منه، بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة، فإنه يحرم من مكانه، ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاص بالحاج، واختلف في أفضل الأماكن التي يحرم منها كما سيأتي في ترجمة مفردة، وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل كما مرّ مستوفىً في حديث عائشة رابع أحاديث الكتاب. قال المحب الطبري: لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة فتعين حمله على القارن، واختلف في القارن، فذهب الجمهور إلى أن حكمه حكم الحاج في الإهلال من مكة. وقال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحل ووجهه أن العمرة إنما تندرج في الحج فيما محله واحد كالطواف والسعي عند من يقول بذلك، وأما الإِحرام فمحله فيهما مختلف، وجواب هذا الإِشكال أن المقصود من الخروج إلى الحل في حق العمرة أن يرد على البيت الحرام من الحل، فيصح كونه وافدًا عليه، وهذا يحصل للقارن لخروجه إلى عرفة، وهي من الحل، ورجوعه إلى البيت لطواف الإِفاضة، فحصل المقصود بذلك أيضًا. واختلف فيمن جاوز الميقات مريدًا للنسك فلم يحرم، فقال الجمهور يأثم ويلزمه دم، فأما لزوم الدم فبدليل غير هذا، وأما الاثم فلترك الواجب، وقد تقدم الحديث عن ابن عمر بلفظ فرضها، وسيأتي بلفظ يهلّ، وهو خبر بمعنى الأمر، والأمر لا يرد بلفظ الخبر إلا إذا أريد تأكيده، وتأكيد الأمر للوجوب، وسبق في العلم: من أين تأمرنا أن نهلّ؟ ولمسلم عن ابن عمر: أمر رسول الله ﷺ أهل المدينة. وذهب عطاء والنخعي إلى عدم الوجوب ومقابلة قول سعيد بن جبير: لا يصح حجة، وبه قال ابن حزم، قال الجمهور: ولو رجع إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم إلى آخر ما مرَّ في باب فرض مواقيت الحج. رجاله خمسة قد مرُّوا: مرّ موسى بن إسماعيل وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرّ وهيب بن خالد في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، ومرّ عبد الله بن طاووس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ طاووس في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين بعد الأربعين من الوضوء. أ. هـ. أخرجه البخاري أيضًا، ومسلم والنسائي في الحج. أ. هـ.

стр. 6030

باب ميقات أهل المدينة ولا يهلُّون قبل ذي الحليفة الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِى الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". قد مرَّ الكلام على هذا المعنى في باب فرض مواقيت الحج، واستنبط المصنف من إيراد الخبر بصيغة الخبر مع إرادة أن الأمر تعيُّن ذلك، وأيضًا فلم ينقل عن أحد ممن حج مع النبي ﷺ أنه أحرم قبل ذي الحليفة، ولولا تعين الميقات لبادروا إليه لأنه يكون أشق، فيكون أكثر أجرًا. والأفضل في كل ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد من مكة، فلو أحرم من طرفه الأقرب جاز، وقد مرّ لك في الحديث الذي قبله أن مباحث المواقيت تقدمت في باب ذكر العلم والفتيا في المسجد، آخر كتاب العلم. وقوله: "قال عبد الله: وبلغني"، وسيأتي من رواية ابنه سالم عنه بعد باب بلفظ: زعموا أن النبي ﷺ قال، ولم أسمعه، وتقدم في العلم من وجه آخر بلفظ: لم أفقه هذه من النبي ﷺ ، وهو يشعر بأن الذي بلغ ابن عمر ذلك جماعة، وقد ثبت ذلك من حديث ابن عباس كما في الباب قبله، ومن حديث جابر عند مسلم، ومن حديث عائشة عند النسائي، ومن حديث الحارث بن عمرو السهمي عند أبي داود وأحمد والنسائي. أ. هـ. رجاله أربعة قد مرُّوا: مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ نافع في الأخير من العلم، وابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6031

باب مهل أهل الشام الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﵄ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. وهذا الحديث قد تقدم قبل باب، وتقدم الكلام عليه هناك. رجاله خمسة قد مرّوا: مرّ مسدد في السادس من الإِيمان، ومرّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين من الإيمان، ومرّ عمرو بن دينار في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ محل طاووس وابن عباس في الذي قبله بحديث. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6032

باب مهلّ أهل نجد الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّأْمِ مَهْيَعَةُ وَهِيَ الْجُحْفَةُ، وَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ -وَلَمْ أَسْمَعْهُ-: "وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ". وهذا الحديث قد مرّ قريبًا محل الكلام عليه فليراجع هناك. أ. هـ. رجاله ثمانية قد مرُّوا: مرّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وسالم بن عبد الله في السابع عشر من الإِيمان، وأبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث، ومرّ أحمد بن عيسى في الرابع والسبعين من استقبال القبلة، ومرّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، وقيل إن المراد بأحمد، أحمد بن صالح وقد مرّ مع أحمد بن عيسى. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6033

باب مهلّ من كان دون المواقيت أي: دونها إلى مكة. الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في باب أهل مكة. أ. هـ. رجاله خمسة قد مرُّوا: مرّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإِيمان، ومرّ حماد في الرابع والعشرين منه، ومرّ عمرو بن دينار في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ طاووس بعد الأربعين من الوضوء في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6034

باب مهلّ أهل اليمن حكى الأثرم أنه سئل: في أيّ سنة وقَّت النبي ﷺ المواقيت؟ فقال: عام حج، وقد مرّ حديث ابن عمر في العلم أن رجلًا قام في المسجد فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهلّ؟ أ. هـ. الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لأَهْلِهِنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه في الباب المذكور آنفًا حين ذكر هناك. أ. هـ. رجاله خمسة قد مرّوا: مرّ معلي بن أسد وعبد الله بن طاووس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ وهيب بن خالد في تعليق بعد الخامس عشر من الإِيمان، ومرَّ محلّ طاووس وابن عباس في الذي قبله. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6035

باب ذات عرق لأهل العراق وعِرق: بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف، سُمِّي بذلك لأن فيه عرقًا وهو الجبل الصغير، وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء، بينها وبين مكة مرحلتان، والمسافة اثنان وأربعون ميلًا، وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة، وهي أول بلاد تهامة، ودونها بميلين ونصف مسجد رسول الله ﷺ ، وهي لبني هلال بن عامر بن صعصعة، وبها بركة تعرف بقصر الوصيف، وبها من الآبار الكبار ثلاثة آبار، ومن الصغار كثير، وبقربه قبر أبي رغال، وبالقرب منها بستان منه إلى مكة ثمانية عشر ميلًا. أ. هـ. الحديث الثامن عشر حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. كذا للأكثر "فُتح" بضم الفاء على البناء لما لم يسم فاعله، وفي رواية الكشميهني: لما فتح هذين المصرين، بفتح الفاء والتاء على حذف الفاعل، والتقدير: لما فتح الله، وكذا ثبت لأبي نعيم في "المستخرج" وبه جزم عياض، وأما ابن مالك، فقال: تنازع "فتح"، و"أتوا" وهو على إعمال الثاني، وإسناد الأول إلى ضمير عمر، وعند الإِسماعيلي: عن عبيد الله مختصرًا، وزاد في الإِسناد عن عمر أنه حدَّ لأهل العراق ذات عرق، والمصران: تثنية مصر، والمراد بهما البصرة والكوفة، وهما سرّتا العراق، والمراد بفتحهما غلبة المسلمين على مكان أرضهما، وإلا فهما من تمصير المسلمين، بُنيتا في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وقوله: "جَوْر" بفتح الجيم وسكون الواو بعدها راء، أي: مَيْل، والجور: الميْل عن القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾.

стр. 6036

وقوله: "فانظروا حذوها"، أي: اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها من غير ميل، فاجعلوه ميقاتًا. وقوله: "فحدَّ لهم ذات عرق"، ظاهره أن عمر حدَّ لهم ذات عرق باجتهاد منه، وقد روى الشافعي عن أبي الشعثاء، قال: لم يوقت النبي ﷺ لأهل المشرق شيئًا، فاتخذ الناس بحيال قرن ذات عرق، وروى أحمد عن ابن عمر حديث المواقيت، وزاد: قال ابن عمر: فآثر الناس ذات عرق على قرن. وله عن سفيان، عن صدقة، عن ابن عمر، فذكر حديث المواقيت، قال: فقال له قائل: فأين العراق؟ فقال ابن عمر: لم يكن يومئذ عراق، وسيأتي في الاعتصام عنه: لم يكن يومئذ عراق، وفي "غرائب مالك": للدارقطني عن عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن عمر، قال: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل العراق قرنًا، قال عبد الرزاق: قال لي بعضهم: إن مالكًا محاه من كتابه، وقال الدارقطني: تفرد به عبد الرزاق، قال في "الفتح": والإِسناد إليه ثقات، أثبات، وأخرجه إسحاق بن راهويه في "مسنده" عنه، وهو غريب جدًا، وحديث الباب يرده، وروى الشافعي عن طاووس، قال: لم يوقت رسول الله ﷺ ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق، وقال في "الأم": لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه حدَّ ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس. وهذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصًا، وبه قطع الغزالي والرافعي في "شرح المسند"، والنووي في "شرح مسلم"، وكذا وقع في "المدونة" لمالك، وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعي في "الشرح الصغير"، والنووي في "شرح المهذب" أنه منصوص، ووقع ذلك في حديث جابر عند مسلم، إلا أنه مشكوك في رفعه، وأخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" كذلك، وأخرجه أحمد وابن ماجه، ولم يشكّا في رفعه، ووقع في حديث عائشة والحارث بن عمرو السهمي عند أحمد وأبي داود والنسائي. وهذا يدل على أن للحديث أصلًا، فلعلَّ من قال إنه غير منصوص لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو عن مقال، ولهذا قال ابن خزيمة: رويت في ذات عراق أخبار لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث، وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثًا ثابتًا، لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى، وأما إعلال من أعلَّه بأن العراق لم تكن فتحت حينئذ، فقال ابن عبد البر: هو غفلة؛ لأن النبي ﷺ وقَّت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح، لكن علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق. أ. هـ. وبهذا أجاب الماوردي وآخرون، ولكن يظهر أن مراد من قال: لم يكن العراق يومئذ،

стр. 6037

أي: لم يكن في تلك الجهة ناس مسلمون، والسبب في قول ابن عمر ذلك أنه روى الحديث بلفظ أن رجلًا قال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهلّ؟ فأجابه، وكل جهة عينها في حديث ابن عمر كان من قبلها ناس مسلمون بخلاف المشرق. أ. هـ. قلت: الشام في زمنه ﵊ مثل العراق لم يكن في جهته مسلمون. وأما ما أخرجه أبو داود والترمذي من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي ﷺ وقَّت لأهل المشرق العقيق، وهو وادٍ يتدفق ماؤه في غَوْرَيْ تهامة وهو غير عقيق المدينة الآتي ذكره، فقد تفرّد به يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وإن كان حفظه، فقد يجمع بينه وبين حديث جابر وغيره بأجوبة منها أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق، ومنها أن العقيق لبعض العراقيين وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة وقع ذلك في حديث أنس عند الطبراني، وإسناده ضعيف، ومنها أن ذات عرق كانت أولًا في موضع العقيق الآن، ثم حولت وقربت إلى مكة، فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحد، ويتعين الاحرام من العقيق، ولم يقل به أحد، وإنما قالوا: يستحب احتياطًا، وحكى ابن المنذر، عن الحسن بن صالح أنه كان يُحرم من الربذة، وهو قول القاسم بن عبد الرحمن وخصيف الجزري، قال ابن المنذر: وهو أشبه في النظر إن كانت ذات عرق غير منصوصة، وذلك أنها تحاذي ذا الحليفة وذات عرق بعد. والحكم فيمن ليس له ميقات أن يحرم من أول ميقات يحاذيه، لكن لما سن عمر ذات عرق، وتبعه عليه الصحابة، واستمر عليه العمل، كان أولى بالاتباع، واستدل به على أن من ليس عليه ميقات أن عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتًا من هذه المواقيت الخمسة، ولا شك أنها محيطة بالحرم، فذو الحليفة شامية، ويلملم يمانية فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما أقرب إلى مكة من الأخرى، وقرن شرقية، والجحفة غربية فهي مقابلها، وان كانت إحداهما كذلك، وذات عرق تحاذي قرنًا، فعلى هذا فلا تخلو بقعة من بقاع الأرض من أن تحاذي ميقاتًا من هذه المواقيت، فبطل قول من قال: من ليس له ميقات، ولا يحاذي ميقاتًا هل يحرم من مقدار أبعد المواقيت أو أقربها؟ ثم حكى فيه خلافًا، والغرض أن هذه الصورة لا تحقق لما مرَّ إلا إذا كان قائله فرضه فيمن لم يطلع على المحاذاة كمن يجهلها. وقد نقل النووي في "شرح المهذب" أنه يلزمه أن يحرم على مرحلتين اعتبارًا بقول عمر هذا في توقيته ذات عرق، وتعقب بأن عمر إنما حدها لأنها تحاذي قرنًا، وهذه الصورة إنما هي حيث يجهل المحاذاة، فلعل القائل بالمرحلتين أخذ بالأقل؛ لأن ما زاد عليه مشكوك فيه،

стр. 6038

لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد، ويحتمل أن يفرق بين من عن يمين الكعبة، وبين من عن شمالها لأن المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها، فيقدر لليمين الأقرب، وللشمال الأبعد. ثم إن مشروعية المحاذاة تختص بمن ليس له أمامه ميقات معين، فأما من له ميقات معين كالمصري مثلًا، يمر ببدر، وهي تحاذي ذا الحليفة فليس عليه أن يحرم منها، بل له التأخير حتى يأتي الجحفة. أ. هـ. والحاصل أن جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور على أن ميقات أهل العراق ذات عرق، إلا أن الشافعي استحب أن يحرم العراقي من العقيق الذي بحذاء ذات عرق المار ذكره. أ. هـ. رجاله خمسة ، وفيه ذكر عمر. وقد مرَّ الجميع إلا علي بن مسلم مرّ عبد الله بن نمير في الثالث من التيمم، ومرّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول الإِيمان، قبل ذكر حديث، ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي، وأما علي فهو ابن مسلم بن سعيد الطوسي أبو الحسن، نزيل بغداد، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الدارقطني: ثقة، وفي "الزهرة": روى عنه البخاري سبعة، روى عن ابن المبارك، وهشيم، وعباد بن العوام وغيرهم، وروى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، ويحيى بن معين وغيرهم، ولد سنة ستين ومائة، ومات سنة ثلاث وخمسين ومئتين. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6039

باب كذا في الأصول بدون ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، ومناسبته من جهة دلالة حديثه على استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإِحرام من الميقات، وقد ترجم عليه بعض الشارحين نزول البطحاء، والصلاة بذي الحليفة، وحكى القطب أنه في بعض النسخ، قال: وسقط في نسخة سماعنا لفظ باب، وفي "شرح ابن بطال" الصلاة بذي الحليفة. أ. هـ. الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ بِذِى الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُ ذَلِكَ. قوله: "أناخ" بالنون والخاء المعجمة، أي: أبرك بعيره، والمراد أنه نزل بها، والبطحاء قد بين أنها التي بذي الحليفة. وقوله: "فصلى بها" يحتمل أن يكون للإِحرام، ويحتمل أن يكون للفريضة، وسيأتي من حديث أنس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم إن هذا النزول يحتمل أن يكون في الذهاب وهو الظاهر من تصرف المصنف، ويحتمل أن يكون في الرجوع، ويؤيده حديث الذي بعده بلفظ: "وإذا رجع صلى بذي الحليفة في بطن الوادي وبات حتى يصبح" ويمكن الجمع بأنه كان يفعل الأمرين ذهابًا وإيابًا. أ. هـ. رجاله أربعة قد مرُّوا: مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6040

باب خروج النبي ﷺ على طريق الشجرة قال عياض: هو موضع معروف على طريق من أراد الذهاب إلى مكة، كان النبي ﷺ يخرج منه إلى ذي الحليفة، فيبيت بها، وإذا رجع بات بها أيضًا، ودخل على طريق المعرِّس، بفتح الراء المثقلة وبالمهملتين، وهو مكان معروف أيضًا، وكل من المعرس والشجرة على ستة أميال من المدينة، لكن المعرس أقرب، وقال ابن بطال: كان النبي ﷺ يفعل ذلك كما يفعل في العيد، يذهب من طريق ويرجع من أخرى، وقد مرّ القول في حكمة ذلك مبسوطًا في العيدين، وقد قال بعضهم: إن نزوله هناك لم يكن قصدًا، وإنما كان اتفاقًا، حكاه إسماعيل القاضي في أحكامه عن محمد بن الحسن وتعقبه، والصحيح أنه كان قصدًا لئلا يدخل المدينة ليلًا، ويدل عليه قوله: "وبات حتى يصبح"، ولمعنى فيه وهو التبرك به كما سيأتي في الباب الذي بعده. أ. هـ. الحديث العشرون حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ. وهذا الحديث قد مرّ في أواخر أبواب المساجد في باب المساجد التي على طرق المدينة، وسياقه هناك أبسط مما هنا. أ. هـ. رجاله خمسة قد مرُّوا: مرّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرّ أنس بن عياض، وعبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ محل نافع وابن عمر في الذي قبله. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6041

باب قول النبي ﷺ : "العقيق وادٍ مبارك " الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ، قَالاَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِى الْعَقِيقِ يَقُولُ: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ". ذكر هذا الحديث في الترجمة، والمذكور في الحديث ليس من قول النبي ﷺ ، وإنما حكاه عن الآتي الذي أتاه، لكن روى ابن عدي عن عائشة مرفوعًا: "تخيَّموا بالعقيق فإنه مبارك"، فكأنه أشار إلى هذا. وقوله: "تخيَّموا" بالخاء المعجمة والتحتانية، أمرٌ بالتخييم والمراد به النزول هناك، وذكر ابن الجوزي في "الموضوعات" أن الرواية بالتحتانية تصحيف، وأن الصواب بالمثناة الفوقانية، ولما قاله اتجاه لأنه وقع في معظم الطرق ما يدل على أنه من الخاتم، وهو من طريق يعقوب بن الوليد، عن هشام بلفظه، وفي حديث عمر: "تختموا بالعقيق فإن جبريل أتاني به من الجنة"، وأسانيده ضعيفة. وقوله: "آت من ربي" هو جبريل. وقوله: "في هذا الوادي المبارك" يعني: وادي العقيق، وهو بقرب البقيع، بينه وبين المدينة أربعة أميال، هكذا قال في "الفتح"، قلت: لعله تصحيف لأن المدينة بين العقيق والبقيع، فلا يصح أن يقال أن العقيق بقرب البقيع، وروى الزبير بن بكار في أخبار المدينة أن تُبَّعًا لما رجع من المدينة انحدر في مكان، فقال: هذا عقيق الأرض، فسمي العقيق. وقوله: "وقل عمرة في حجة" برفع عمرة للأكثر على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه عمرة وبنصبها لأبي ذر مفعول به، أي: قل جعلتها عمرة، وهذا دال على أنه ﷺ كان قارنًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك بعد أبواب، وأبعد من قال معناه عمرة مُدرجة في حجة، أي: أن عمل العمرة يدخل في عمل الحج، فيجزىء لهما طواف واحد، وقيل: معناه أنه

стр. 6042

يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجه، وهذا أبعد من الذي قبله لأنه ﷺ لم يفعل ذلك، نعم يحتمل أن يكون أمران يقول ذلك لأصحابه ليعلمهم مشروعية القِران وهو كقوله: "دخلت العمرة في الحج"، قاله الطبري، واعترضه ابن المنيِّر، فقال: ليس نظيره؛ لأن قوله: "دخلت"، الخ، تأسيس قاعدة، وقوله: "عمرة في حجة" بالتنكير يستدعي الوحدة، وهو إشارة إلى الفعل الواقع من القِران إذ ذاك، ويؤيده ما يأتي في كتاب الاعتصام بلفظ: "عمرة وحجة" بواو العطف. وفي الحديث: فضل العقيق كفضل المدينة، وفضل الصلاة فيه. وفيه استحباب نزول الحاج في منزلة قريبة من البلد، ومبيتهم بها ليجتمع إليهم من تأخر عنهم ممن أراد مرافقتهم، وليستدرك حاجته من نسيها مثلًا، فيرجع إليها، وليعلم أهل القادم به، فتستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة. أ. هـ. رجاله ثمانية قد مرّوا: مرّ الحميدي وعمر بن الخطاب في الأول من بدء الوحي، ومرّ ابن عباس في الخامس منه، ومرّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من مواقيت الصلاة، ومرّ بشر بن بكر في متابعة بعد الستين من الجماعة، ومرّ الأوزاعي في العشرين من العلم، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين منه، ومرّ عكرمة في السابع عشر منه. أ. هـ. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والسماع والقول، وسنده دمشقيان، ويمامي، ومدني، ومكي. أخرجه البخاري في المزارعة، وفي الاعتصام، وأبو داود وابن ماجه في الحج. أ. هـ. الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رُؤي وَهُوَ فِي مُعَرَّسٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، بِبَطْنِ الْوَادِي، قِيلَ لَهُ إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ، يَتَوَخَّى بِالْمُنَاخِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. قوله: "أنه أُري" بضم الهمزة في المنام، وفي رواية رؤي بتقديم الراء، رآه غيره.

стр. 6043

وقوله: "وهو معرس" في رواية الكشميهني في معرس بالتنوين. وقوله: "ببطن الوادي" تبين من حديث عمر الذي قبله أنه وادي العقيق. وقوله: "وقد أناخ بنا سالم" هو مقول موسى بن عقبة الراوي عنه، وقوله: "يتوخى" بالخاء المعجمة، أي: يقصد، والمُناخ بضم الميم المبرك. وقوله: "وهو أسفل" بالنصب، ويجوز الرفع على أنه خبر هو، والمراد بالمسجد الذي كان هناك في ذلك الزمان. وقوله: "بينه"، أي: بين المعرس، وفي رواية الحموي بينهم، أي: بين النازلين وبين الطريق. وقوله: "وسط من ذلك" بفتح المهملة، أي: متوسط بين بطن الوادى وبين الطريق، وعند أبي ذر: وسطًا من ذلك، بالنصب. أ. هـ. رجاله خمسة قد مرُّوا: مرّ محمد بن أبي بكر وفضيل بن سليمان في الرابع والثمانين من استقبال القبلة، ومرّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء، ومرّ سالم في السابع عشر من الإِيمان، ومرّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه. أ. هـ. أخرجه البخاري أيضًا في الاعتصام والمزارعة، ومسلم والنسائي في الحج. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6044

باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب الخَلوق بفتح الخاء المعجمة: نوع من الطيب مركب فيه زعفران. الحديث الثالث والعشرون قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى، أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ ﵁: أَرِنِي النَّبِيَّ ﷺ حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهْوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً, فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ ﵁ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، وَهُوَ يَغِطُّ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ " فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ: اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ". قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قوله: "قال أبو عاصم" هو من شيوخ البخاري، ولم يرو عنه إلا بصيغة التعليق، وبذلك جزم الإِسماعيلي، فقال: ذكره عن أبي عاصم بلا خبر، وأبو نعيم، فقال: ذكره بلا واسطة، وحكى الكرماني أنه وقع في بعض النسخ: حدثنا محمد، حدثنا أبو عاصم، ومحمد هو ابن معمر، أو ابن بشار، ويحتمل أن يكون البخاري. ولم يقع في المتن ذكر الخلوق، وإنما أشار به إلى ما ورد في بعض طرقه، وهو في أبواب العمرة بلفظ: "وعليه أثر الخلوق". وقوله: "أن يعلى" هو ابن أمية التميمي، ويأتي تعريفه، وتعريف ابنه صفوان في السند، وليست رواية صفوان عنه لهذا الحديث بواضحة لأنه قال فيها أن يعلى قال لعمر: ولم يقل أن يعلى أخبره أنه قال لعمر، فإن يكن صفوان حضر مراجعتهما، وإلا فهو منقطع، لكن سيأتي في أبواب العمرة من وجه آخر عن صفوان بن يعلى، عن أبيه الحديث.

стр. 6045

وقوله: "جاء رجل" سيأتي بعد أبواب بلفظ: جاء أعرابي، والرجل المبهم قيل أنه عطاء بن منية، وفي "شرح سراج الدين بن الملقن": هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد، إذ في كتاب "الشفاء" للقاضي عياض عنه، قال: أتيت النبي ﷺ وأنا متخلق، فقال: "ورس ورس، حط حط"، وغشيني بقضيب بيده في بطني، فأوجعني، قال ابن الملقن: لكن عمرو هذا لا يدرك؛ لأنه صاحب ابن وهب. أ. هـ. وهو معترض من وجهين، أمَّا أولًا، فليست هذه القصة شبيهة بهذه القصة حتى يفسر صاحبها بصاحبها، وأما ثانيًا ففي الاستدراك غفلة عظيمة، فإن من يقول: أتيت النبي ﷺ لا يتخيل فيه أنه صاحب ابن وهب صاحب الإِمام مالك، بل إن ثبت فهو آخر، وافق اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه، والغرض أنه لم يثبت لأنه انقلب على ابن الملقن، وإنما الذي في الشفاء: سواد بن عمرو، وقيل: سوادة بن عمرو، وأخرج حديثه المذكور عبد الرزاق في "مصنفه"، والبغوي في "معجم الصحابة"، وسأذكر في السند تعريف من قيل إنه هو المبهم. وروى الطحاوي عن أبي حفص بن عمرو، عن يعلى أنه مرَّ على النبي ﷺ وهو متخلق، فقال: "ألك امرأة"؟ قال: لا، قال: "اذهب فاغسله" فقد يتوهم من لا خبرة له أن يعلي بن أمية هو صاحب القصة، وليس كذلك، فإن راوي هذا الحديث يعلي بن مرة الثقفي، وهي قصة أخرى غير قصة صاحب الإِحرام، نعم روى الطحاوي في موضع آخر ذلك عن يعلي بن أمية صاحب القصة، فعن عطاء ابن أبي رباح أن رجلًا يقال له يعلي بن أمية أحرم وعليه جبة، فأمره النبي ﷺ أن ينزعها، قال قتادة: قلت لعطاء: إنما كنا نرى أن نشقها، قال عطاء: إن الله لا يحب الفساد. وقوله: "قد أُظِلّ به" بضم الهمزة وكسر الظاء المعجمة، أي: جعل عليه كالظلة، وعند الطبراني في "الأوسط" وابن أبي حاتم أن الآية نزلت على النبي ﷺ حينئذ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ويستفاد منه أن المأمور به وهو الإِتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة. وقوله: "يغطُّ" بفتح أولى وكسر المعجمة وتشديد الطاء المهملة، أي: ينفخ، والغطيط صوت النفس المتردد من النائم أو المغمى، وسبب ذلك شدة ثقل الوحي، وكان سبب إدخال يعلى رأسه عليه في تلك الحالة أنه كان يحب لو رآه في حالة نزول الوحي، وكان يقول ذلك لعمر، فقال له عمر حينئذ: تعال فانظر، وكأنه علم أن ذلك لا يشق على النبي ﷺ .

стр. 6046

وقوله: "سُرِّي عنه" بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة، أي: كشف عنه شيئًا بعد شيء. وقوله: "اغسل الطيب الذي بك" هو أعم من أن يكون بثوبه أو ببدنه، وسيأتي البحث فيه. وقوله: "واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك" في رواية. الكشميهني كما تصنع، وسيأتي في أبواب العمرة: "كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ "، ولمسلم عن عطاء: "وما كنت صانعًا في حجك فاصنع في عمرتك"، وهو دال على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك، قال ابن العربي: كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإِحرام إذا حجُّوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبي ﷺ أن مجراهما واحد، وقال ابن المنير: قوله: "واصنع" معناه اترك لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم، فيؤخذ منه فائدة حسنة وهي أن الترك فعل، قال: وأما قول ابن بطال: أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج والعمرة ففيه نظر لأن التروك مشتركة بخلاف الأعمال، فإن في الحج أعمالًا زائدة على العمرة كالوقوف بعرفة، وما بعده، وقال النووي كما قال ابن بطال، وزاد: ويستثنى من الأعمال ما يختص به الحج، وقال الباجي: المأمور به غير نزع الثوب، وغسل الخلوق، لأنه صرح له بهما، فلم يبق إلا الفدية، كذا قال، ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تبين من طريق أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك أن عند مسلم والنسائي عن عمرو بن دينار، عن عطاء في هذا الحديث، فقال: "ما كنت صانعًا في حجك؟ "، قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق. فقال: "ما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك". وقوله: "فقلت لعطاء" القائل هو ابن جريج، وهو قال على أنه فهم من السياق أن قوله: "ثلاث مرات" من لفظ النبي ﷺ وذلك هو الظاهر أو المتعين، ويحتمل أن يكون من كلام الصحابي وأنه ﵊ أعاد لفظة: اغسله مرة ثم مرة، على عادته أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، لتفهم عنه، قال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب أن الخلوق كان على الثوب كما في الترجمة، وإنما فيه أن الرجل كان متضمخًا. وقوله: "اغسل الطيب الذي بك" يوضح أن الطيب لم يكن في ثوبه، وإنما كان على بدنه، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإِحرام، والجواب أن البخاري على عادته يشير إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده، وسيأتي في محرمات الإِحرام من وجه آخر بلفظ: "عليه قميص فيه أثر صفرة"، والخلوق عادة إنما يكون في الثوب، ورواه

стр. 6047

أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن عطاء، بلفظ: رأى رجلًا عليه جبة عليها أثر خلوق، ولمسلم عن عطاء مثله، وأخرج سعيد بن منصور، عن عطاء، عن يعلي بن أمية أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أحرمت وعلي جبتي هذه، وعلى جبته ردغ من خلوق، الحديث، وفيه: "فقال: اخلع هذه الجبة واغسل هذا الزعفران". واستدل بحديث يعلى على منع استعمال الطيب عند الإِحرام، وعلى منع استدامته بعد الإِحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن، وخالفهما في ذلك الجمهور، وأجابوا بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة، كما ثبت في هذا الحديث وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله ﷺ بيدها عند إحرامه كما يأتي في الذي بعده، وكان ذلك في سنة عشر في حجة الوداع بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، وبأن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقًا محرمًا، أو غير محرم. وفي حديث ابن عمر الآتي قريبًا: ولا يلبس، أي المحرم شيئًا من الثياب مسَّه زعفران، وفي حديث ابن عباس الآتي أيضًا: ولم ينه إلا عن الثياب المزعفرة، وسيأتي مزيد لذلك في الباب الذي بعده. واستدل به على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيًا أو جاهلًا، ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه، وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمه، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية: تجب مطلقًا. وعلى أن المحرم إذا صار عليه مخيط نزعه، ولا يلزمه تمزيقه ولا شقّه، خلافًا للنخعي والشعبي، حيث قالا: لا ينزعه من قبل رأسه لئلا يصير مغطيًا لرأسه، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وعن علي نحوه، وكذا عن الحسن، وأبي قلابة، وقد وقع عند أبي داود بلفظ: "اخلع عنك الجبة، فخلعها من قبل رأسه". وعلى أن المفتي والحاكم إذا لم يعرف الحكم يمسك حتى يتبين له. وعلى أن بعض الأحكام ثبت بالوحي وإن لم يكن مما يتلى، لكن وقع عند الطبراني في "الأوسط" أن الذي نزل على النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وعلى أن النبي ﷺ لم يكن يحكم بالاجتهاد إلا إذا لم يحضره الوحي. وفيه جواز النظر إلى غيره، وهو مغطى بشيء، وإدخال رأسه في غطائه إذا علم أنه لا

стр. 6048

يكره ذلك منه، فإن يعلى أدخل رأسه فيما أُظِل به ﷺ لأنه علم أنه لا يكره ذلك في ذلك الوقت لأن فيه تقوية الإِيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم، وكذلك عمر رضي الله تعالى عنه علم ذلك من رسول الله ﷺ حتى قال للرجل: تعالى فانظر. أ. هـ. رجاله خمسة ، وفيه ذكر عمر ورجلٌ مبهم. وقد مرّ منهم أبو عاصم الضحاك في أثر بعد الرابع من العلم، ومرّ عطاء ابن أبي رباح في التاسع والثلاثين منه، ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي، والباقي اثنان، والرجل المبهم الأول صفوان بن يعلي بن أمية التميمي، ذكره ابن حبان في "الثقات". روى عن أبيه، وروى عنه عطاء ابن أبي رباح والزهري وابن أخيه محمد بن حيي بن يعلى. أ. هـ. الثاني: يعلي بن أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميمي الحنظلي، حليف لقريش لبني نوفل بن عبد مناف، ويقال له.: يعلي بن مُنية بضم الميم وسكون النون، وهي أمه، وقيل: أم أبيه، جزم بذلك الدارقطني، وقال: هي منية بنت الحارث بن جابر والدة أمية، والد يعلى، ووالدة العوام والد الزبير، فهي جدة الزبير، ويعلى كنيته أبو خلف، وقيل: أبو خالد، ويقال: أبو صفوان، استعمله أبو بكر الصديق على بلاد حلوان في الردة، ثم عمل لعمر على بعض اليمن، فحمى لنفسه حمى، فبلغ ذلك عمر، فأمره أن يمشي على رجليه إلى المدينة، فمشى خمسة أيام أو ستة إلى صعدة، وبلغه موت عمر، فركب فقدم المدينة على عثمان، فاستعمله على صنعاء، ثم قدم وافدًا على عثمان، فمرَّ عليٌّ على باب عثمان فرأى بغلة جوفاء عظيمة، فقال: لمن هذه البغلة؟ فقالوا: ليعلى، فقال: ليعل والله، وكان عظيم الشأن عند عثمان، وله يقول الشاعر: إذا ما دعى يعلى وزيد بن ثابت ... لأمر ينوب الناس أو لخطوب وذكر المدائني أن يعلى كان على الجند فبلغه قتل عثمان، فأقبل لينصره، فسقط عن بعيره، فانكسرت فخذه، فقدم مكة بعد انقضاء الحج، فخرج إلى المسجد وهو كسير على سرير، واستشرف إليه الناس، واجتمعوا فقال: من خرج يطلب بدم عثمان، فعليّ جهازه، وأعان يعلى الزبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين رجلًا من قريش، وحمل عائشة على جمل يقال له: العسكر، كان اشتراه بمائتي دينار، قال أبو عمر بن عبد البر: كان يعلي بن أمية سخيًا معروفًا بالسخاء، شهد حنينًا والطائف وتبوك، له ثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، قُتل

стр. 6049

يعلي بن أمية سنة ثمان وثلاثين بصفّين مع علي رضي الله تعالى عنه بعد أن شهد الجمل مع عائشة رضي الله تعالى عنها، وقيل إن موته تأخر إلى الخمسين. روى عن النبي ﷺ وعمر وعتبة بن أبي سفيان، وروى عنه أولاده صفوان ومحمد وعثمان وعبد الرحمن وعطاء ومجاهد وغيرهم. أ. هـ. والرجل المبهم قيل أن اسمه عطاء بن منية، فإن ثبت فهو أخو يعلى راوي الحديث كما سماه الطرطوشي في تفسيره عن ابن فتحون. أ. هـ. وقيل: هو سواد بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غانم الأنصاري، ويقال: سواده. أ. هـ. لطائف إسناده: فيه الإِخبار بالجمع والإِفراد والقول، وأبو عاصم بصري، والبقية مكيُّون. أخرجه البخاري أيضًا في فضائل القرآن، وفي المغازي، وأخرجه مسلم في الحج، وأبو داود والترمذي فيه أيضًا، والنسائي فيه أيضًا، وفي فضائل القرآن. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6050

باب الطيب عند الإِحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل ويدهن أراد بهذه الترجمة أن يبين أن الأمر بغسل الخلوق الذي في الحديث الذي قبله إنما هو بالنسبة إلى الثياب؛ لأن المحرم لا يلبس شيئًا مسَّه الزعفران، كما يأتي في الباب الذي بعده، وأما الطيب فلا تمنع استدامته على البدن، وقد مرّ ما قيل فيه في الذي قبله، وأضاف إلى التطيب المقتصر عليه في حديث الباب الترجل والتدهن لجامع ما بينهما من الترفه، فكأنه يقول: يلحق بالتطيب سائر الترفهات، فلا يحرم على المحرم، كذا قال ابن المنير، قلت: وهو مخالف لمذهبه، فإن مذهب مالك كراهة دهن الرأس واللحية، أعني: في أثناء الإِحرام، والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما سيأتي بعد أربعة أبواب عن ابن عباس، قال: انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجَّل وادَّهن، الحديث. وقوله: "ترجَّل" أي: سرَّح شعره، وكأنه يؤخذ من قوله في حديث عائشة: طيبته في مفرقه؛ لأن فيه نوع ترجيل، وسيأتي من وجه آخر بزيادة: وفي أصول شعره. أ. هـ. ثم قال: وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن. أما شم الريحان، فقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم بشم الريحان، وفي "المعجم الأوسط" مثله عن عثمان، وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر خلافه، واختلف في الريحان، فقال إسحاق: يباح، وتوقف أحمد، وقال الشافعي: يحرم، وكرهه مالك والحنفية، ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا. وقوله: "يشم" بفتح الشين المعجمة وحكي ضمها، والريحان، ما طاب ريحه من النبات كلِّه، سهليِّه وجبليِّه، وفي "المحكم": الريحان: أطراف كل بقلة طيبة الريح إذا خرج عليها أوائل النور. وأما النظر في المرآة، فروى الثوري في "جامعه" عن ابن عباس، قال: لا بأس أن ينظر

стр. 6051

في المرآة وهو محرم، وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن إدريس، عن هشام به، ونقل كراهته عن القاسم بن محمد، وكذلك عند مالك. وأما التداوي، فقال أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن عباس أنه كان يقول: يتداوى المحرم بما يأكل، ونقل عنه أيضًا أنه قال: إذا تشققت يد المحرم أو رجلاه، فليدهنهما بالزيت، أو بالسمن، ووقع في الأصل: يتداوى بما يأكل الزيت والسمن، وهما بالجر بدل أو عطف بيان، وروي بالنصب، وليس المعنى عليه لأن الذي يأكل هو الآكل لا المأكول، ويصح أن يكون منصوبًا على تقدير: أعني الزيت والسمن، ويجوز الرفع فيهما على أن يكون الزيت خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الزيت والسمن، وفي هذا الأثر رد على مجاهد في قوله: "إن تداوى بالسمن أو الزيت فعليه دم"، ونصّت المالكية أن الأدهان لعلة بغير مطيب لا فدية فيه، وقد مرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. أ. هـ. ثم قال: وقال عطاء: يتختم ويلبس الهميان. وهو بكسر الهاء، معرب يشبه تكة السراويل، يجعل فيها النفقة، ويشد في الوسط، وروى الدارقطني عن عطاء، قال: لا بأس بالخاتم للمحرم، وربما ذكره عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم، والأول أصح، قال ابن عبد البر: أجاز ذلك فقهاء الأمصار، وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض، ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن ابن عمر، وعنه جوازه، ومنع إسحاق عقده، وقيل إنه تفرد بذلك، وليس كذلك، فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن سعيد بن المسيب، قال: لا بأس بالهميان للمحرم، ولكن لا يعقد عليه السير، ولكن يلفه لفًّا، ويكون شدّ النفقة على الجلد تحت الإِزار عند المالكية، وإلا افتدى. وعند المالكية: يحرم لبس الخاتم للرجل المحرم، ومرّ عطاء ابن أبي رباح في التاسع والثلاثين من العلم. أ. هـ. ثم قال: وطاف ابن عمر وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب. وصله الشافعي عن طاووس، قال: رأيت ابن عمر يسعى وقد حزم على بطنه بثوب، وروى من وجه آخر عن نافع أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه، وإنما غرز طرفيه على إزاره، وروى ابن أبي شيبة عن مسلم بن جندب: سمعت ابن عمر يقول: لا تعقد عليك شيئًا وأنت محرم، قال ابن التين: هو محمول على أنه سنده على بطنه، فيكون كالهميان، ولم يشده فوق المئزر، وإلا فمالك يرى على من فعل ذلك الفدية، وقد مرَّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه.

стр. 6052

ثم قال: ولم تر عائشة بالتبان بأسًا للذين يرحلون هودجها، وفي نسخة الصغاني بعد قوله بأسًا، قال أبو عبد الله، يعني: الذين، الخ. والتبان بضم المثناة وتشديد الموحدة: سراويل قصيرة بغير أكمام، والهودج بفتح الهاء وبالجيم معروف، ويرحلون بفتح أوله وسكون الراء وفتح الحاء المهملة، قال الجوهري: رحلت البعير أرحله، بفتح أوله رحلًا إذا شددت على ظهره الرحل، قال الأعشى: رحلت أميمة غدوة أجمالها وسيأتي في التفسير استشهاد البخاري بقول الشاعر: إذا ما قمت أرحلها بليل وعلى هذا فقد وهم من ضبطه هنا بتشديد الحاء المهملة وكسرها، وقد وصل أثر عائشة سعيد بن منصور، عن القاسم، عن عائشة أنها حجت ومعها غلمان لها، وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء، فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسونها وهم محرمون، وأخرجه من وجه آخر مختصرًا بلفظ يشدون هودجها، وفي هذا رد على ابن التين، حيث قال: أرادت النساء لأنهن يلبسن المخيط بخلاف الرجال، وكان هذا رأي رأته عائشة، وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم، وقد مرت عائشة في الثاني من بدء الوحي أ. هـ. الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ. فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. قوله: "يدهن بالزيت"، أي: عند الإِحرام بشرط أن لا يكون مطيبًا، كما أخرجه الترمذي من وجه آخر مرفوعًا، والموقوف عنه أخرجه ابن أبي شيبة، وهو أصح، ويؤيده ما تقدم في كتاب الغسل عن محمد بن المنتشر أن ابن عمر قال: لأن أُطلى بقطران، أحب إلى من أن أتطيب ثم أُصبح محرمًا، وفيه إنكار عائشة عليه، وكان ابن عمر تبع أباه في ذلك، فإنه كان يكره استدامة الطيب بعد الإِحرام كما سيأتي، وكانت عائشة تنكر عليه، وقد روى سعيد بن منصور عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أن عائشة كانت تقول: لا بأس بأن يمس الطيب عند

стр. 6053

الإحرام، قال: فدعوت رجلًا وأنا جالس بجنب ابن عمر فأرسلته إليها، وقد علمت قولها، ولكن أحببت أن يسمعه أبي، فجاءني رسولي، فقال إن عائشة تقول: لا بأس بالطيب عند الإحرام فأصِبْ ما بدا لك، قال: فسكت ابن عمر، وكذا كان سالم بن عبد الله يخالف أباه وجدّه في ذلك لحديث عائشة. قال ابن عيينة: أخبرنا عمرو بن دينار، عن سالم أنه ذكر قول عمر في الطيب، فقال: قالت عائشة، فذكر الحديث، قال سالم: سُنّة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. وقوله، "فذكرته لإبراهيم": هو مقول منصور، وإبراهيم هو النخعي. وقوله: "فقال ما تصنع بقوله"، أي: بقول ابن عمر، أي: ماذا تصنع بقوله حيث ثبت ما ينافيه من فعل رسول الله ﷺ ، وقال الكرماني: يجوز أن يكون الضمير في "بقوله" عائدًا إلى رسول الله ﷺ ، فإن قيل: هذا فعل الرسول وتقريره لا قوله، قلنا: فعله في بيان الجواز كقوله، ويؤخذ منه أن المفزع في النوازل إلى السنن، وأنه مستغنى بها عن آراء الرجال، وفيها المقنع. وقوله: "كأني أنظر" أرادت بذلك قوة تحققها لذلك بحيث أنها لشدة استحضارها له كأنها ناظرة إليه. وقوله: "وبيص الطيب" بالموحدة المكسورة وآخره صاد مهملة هو البريق، وقد تقدم في الغسل قول الإِسماعيلي: أن الوبيص زيادة على البريق، وأن المراد به التلألؤ، وأنه يدل على وجود عين قائمة لا الريح فقط. وقوله: "في مفارق" جمع مَفرِق بفتح الميم وكسر الراء، ويجوز فتحها، وهو المكان الذي يفترق فيه الشعر في وسط الرأس، قيل: ذكرته بصيغة الجمع تعميًا لجوانب الرأس التي يفرق فيها الشعر، ويأتي ما لم يتقدم من مباحثه في الذي بعده. أ. هـ. رجاله ثمانية قد مرّوا، مرّ محمد بن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، ومرّ منصور بن المعتمر في الثاني عشر منه، ومرّ سفيان الثوري في السابع والعشرين من الإِيمان، ومرّ إبراهيم بن يزيد النخعي في الخامس والعشرين منه، ومرّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم، ومرّ سعيد بن جبير في الخامس من بدء الوحي، ومرّت عائشة في الثاني منه، ومرّ ابن عمر في أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه. أ. هـ. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الحج. أ. هـ.

стр. 6054

الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. قوله: "لإِحرامه" أي: لأجل إحرامه، وللنسائي: حين أراد أن يحرم، ولمسلم نحوه. وقوله: "ولحله" أي: بعد أن يرمي ويحلق، واستدل بقولها: كنت أطيب، على أنَّ "كان" تقتضي التكرار لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرة واحدة، وقد صرحت في رواية عروة عنها أن ذلك كان في حجة الوداع كما جاء في كتاب اللباس، كذا استدل به النووي، وتعقب بأن المدعى تكراره إنما هو التطيب لا الإِحرام، ولا مانع من أن يتكرر التطيب لأجل الإِحرام مع كون الإِحرام مرة واحدة، ولا يخفى ما فيه، وقال النووي في موضع آخر: المختار أنها لا تقتضي تكرارًا ولا استمرارًا، وكذا قال الفخر في "المحصول"، وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه، قال: ولهذا استفدنا من قولهم: كان حاتم يقري الضيف أن ذلك كان يتكرر منه، وقال جماعة من المحققين أنها تقتضي التكرار ظهورًا، وقد تقع قرينة تدل على عدمه لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى أنها كانت تكرر فعل التطيب لو تكرر فعل الإِحرام لما أطلقت عليه من استحبابه لذلك على أن هذه اللفظة لم تتفق الرواة عنها عليها، وسيأتي للبخاري عنها بلفظ: طيبت رسول الله ﷺ ، وسائر الطرق ليس فيها صيغة كان. واستدل على استحباب التطيب عند إرادة الإِحرام، وجواز استدامته بعد الإِحرام، وأنه لا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم ابتداؤه في الإِحرام، وهذا هو قول الجمهور، وقال مالك ومحمد بن الحسن: يكره أن يتطيب قبل الإِحرام بما تبقى عينه بعده، ولا تجب الفدية عند مالك في الباقي بعد الإِحرام إلا إذا كان كثيرًا وتراخى في نزعه. واحتج المالكية بأمور منها أنه ﵊ اغتسل بعد أن تطيب لقوله في رواية ابن المنتشر المتقدمة في الغسل: ثم طاف بنسائه، ثم أصبح محرمًا، فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من عادته أن يغتسل عند كل واحدة، ومن ضرورة ذلك أن لا يبقى للطيب أثر، ويرده قوله في الرواية الماضية أيضًا: ثم أصبح محرمًا ينضح طيبًا فهو ظاهر في أن نضح الطيب وهو ظهور رائحته كان في حال إحرامه.

стр. 6055

ودعوى بعضهم أن فيه تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير طاف على نسائه ينضح طيبًا، ثم أصبح محرمًا خلاف الظاهر، ويرده قوله في رواية مسلم: كان إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك، وللنسائي وابن حبان: رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث وهو محرم. وقال بعضهم: إن الوبيص كان بقايا الدهن المطيب الذي يتطيب به فزال، وبقي أثره من غير رائحة، ويرده قول عائشة: ينضح طيبًا. وقال بعضهم: بقي أثره لا عينه، قال ابن العربي: ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عينه بقيت، وقد روى أبو داود وابن أبي شيبة عن عائشة بنت طلحة، قالت: كنا نضمخ وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم، ثم نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله ﷺ فلا ينهانا، فهذا صريح في بقاء عين المطيب، ولا يقال إنَّ ذلك خاص بالنساء لأنهم أجمعوا على أن الرجال والنساء سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين. وقال بعضهم: كان ذلك طيبًا لا رائحة فيه تمسكًا برواية عروة عن عائشة: بطيب لا يشبه طيبكم، قال بعض رواته: يعني لا بقاء له، أخرجه النسائي، ويرد هذا التأويل ما في الذي قبله، ولمسلم: بطيب فيه مسلك، وله أيضًا: كأني انظر إلى وبيص المسك، وللشيخين عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه: بأطيب ما أجد، وللطحاوي والدارقطني عن ابن عمر عن عائشة: بالغالية الجيدة، وهذا يدل على أن قولها: بطيب لا يشبه طيبكم، أي: أطيب منه، لا كما فهمه القائل، يعني: ليس له بقاء. وادعى بعضهم أن ذلك من خصائصه ﷺ ، قاله المهلب والقصار وأبو الفرج من المالكية: قالوا إن الطيب من دواعي النكاح، فنهى الناس عنه، وكان هو أملك الناس لإربه، ففعله، ورجحه ابن العربي بكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح، وقد ثبت عنه ﵊ أنه قال: "حُبِّب إلي النساء والطيب" أخرجه النسائي عن أنس، وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالقياس، وقال المهلب: إنما خص بذلك لمباشرته الملائكة لأجل الوحي، وتعقب بأنه فرع ثبوت الخصوصية، وكيف بها، ويردها حديث عائشة بنت طلحة المتقدم، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عائشة أنها قالت: طيبت أبي بالمسك لإِحرامه حين أحرم، وبقولها: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين، أخرجه الشيخان. واعتذر بعض المالكية بأن عمل أهل المدينة على خلافه، وتعقب بما رواه النسائي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناسًا من أهل

стр. 6056

العلم منهم القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، فسألهم عن التطيب قبل الإِفاضة، فكلهم أمره به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة قد اتفقوا على ذلك، فكيف يدعى مع ذلك أن العمل على خلافه. وقوله: "ولحله قبل أن يطوف بالبيت" أي: لأجل إحلاله من إحرامه قبل أن يطوف طواف الإِفاضة، وسيأتي في اللباس بلفظ: "قبل أن يفيض"، وللنسائي من هذا الوجه: وحين يريد أن يزور البيت، ولمسلم نحوه، وللنسائي عن عروة، عن عائشة: ولحله بعدما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت. واستدل به على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دال على أن للحج تحللين، فمن قال إن الحلق نسك كما هو قول الجمهور وهو الصحيح عند الشافعية يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه، ويؤخذ ذلك من كونه ﷺ في حجته رمى ثم حلق، ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: قبل أن يطوف بالبيت. قال النووي في "شرح المهذب": ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل أن الحلق ليس بنسك إلا الشافعي، وهو في رواية عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف، ولا يتناول تطيبه ﵊ عند الإِحرام تطييب ثيابه لقولها: كنت أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته، فهو خاص بالبدن، وقد اتفقت الشافعية على أنه لا يستحب تطييب الثياب عند الإِحرام، وشذّ المتولي فحكى قولًا باستحبابه. نعم في جوازه خلاف، والأصح الجواز، فلو نزعه ثم لبسه، ففي وجوب الفدية وجهان صحح البغوي وغيره الوجوب. أ. هـ. رجاله خمسة قد مرُّوا: مرّ عبد الله بن يوسف، ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من الغسل، ومرّ أبو القاسم في الحادي عشر عنه، أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6057

باب من أهلَّ ملبِّدا أي: أحرم وقد لبّد شعر رأسه، أي: جعل فيه شيئًا نحو الصمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام، أو يقع فيه القمل. أ. هـ. الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا. والحديث مطابق للترجمة، وقوله: "سمعته يهل ملبّدًا" أي: سمعته يهل في حال كونه ملبدًا، ولأبي داود والحاكم عن ابن عمر أنه ﵊ لبد رأسه بالعسل، يحتمل أنه بفتح المهملتين، ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره، ورواية أبي داود في "سننه" مضبوطة بالمهملتين. والتَّلبيد مستحب عند الشافعية للرفق، وقال ابن بطال: قال جمهور العلماء: من لبَّد رأسه، فقد وجب عليه الحلق، كما فعل ﵊، وبذلك أمر هو وابنه رضي الله تعالى عنهما الناس، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأبي ثور والثوري، وكذا لو ظفر رأسه أو عقص شعره كان حكمه حكم التلبيد. وقال أبو حنيفة: إن الملبّد يجزئه التقصير لما روي عن ابن عباس أنه كان يقول: من لبَّد رأسه أو عقص أو ظفر، فإن كان نوى الحلق فليحلق، وإن لم ينوه، فإن شاء حلق، وان شاء قصر. أ. هـ. رجاله ستة قد مرُّوا: مرّ أصبغ في السابع والستين من الوضوء، ومرّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، ومرّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه. أ. هـ.

стр. 6058

لطائف إسناده: فيه التحديث والإِخبار بالجمع، والعنعنة والسماع، ورواته مصريَّان، وأيلي، ومدنيان. أ. هـ. أخرجه البخاري أيضًا في اللباس، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه فيه. أ. هـ. ثم قال المصنف:

стр. 6059

باب الإِهلال عند مسجد ذي الحليفة أي: لمن حج من المدينة. الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي: مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ. أورد المصنف هذا الحديث من وجهين، وساقه بلفظ مالك، وأما لفظ سفيان فأخرجه الحميدي في "مسنده" بلفظ: هذه البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، واللهِ ما أهلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد، مسجد ذي الحليفة. وأخرجه مسلم بلفظ: كان ابن عمر إذا قيل له الإِحرام من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها، الخ، إلا أنه قال: من عند الشجرة حين قام به بعيره، ويأتي للمصنف بعد أبواب ترجمة: من أهلّ حين استوت به راحلته، وأخرج عن ابن عمر، قال: أهلَّ النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمة، وكان ابن عمر ينكر على رواية ابن عباس بلفظ: ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهلّ، إلى آخر ما مرّ في باب غسل الرجلين من النعل من كتاب الوضوء. والبيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره. أ. هـ. رجاله سبعة قد مرُّوا: مرّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومالك في الثاني منه، ومرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإِيمان، ومرّ

стр. 6060

موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء، ومرّ محل سالم وأبيه عبد الله في الذي قبله. أ. هـ. أخرجه مسلم والباقون إلا ابن ماجه في الحج. أ. هـ. ثم قال المصنف:
следующие страницы →