← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

للفاعل كما لم ينطقوا بأظَنَنت التي أُريتَ بمعناها، وأصل أُرى يريني الله، فعُمِل فيه العمل المشهور من ضم أوله وفتح ما قبل آخره وحذف الفاعل، وزيد على ذلك هنا إبدال الياء همزة للاحتياج إلى ذلك، لأنه لما حذف الفاعل وأنيب المفعول به لزم إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم، ولا يسند له إلا المبدوء بالهمزة، فحذفت الياء، وأُتي بالهمزة عوضَها. وقوله: "فقال: أو مسلمًا" أي: بسكون الواو فقط، فقيل: هي للتنويع، وقيل: للتشريك، وإنه أمره أن يقولهما معًا لأنه أحوط، ويَرُدُّ هَذا رواية ابن الأعْرابي في "معجمه" في هذا الحديث فقال: "لا تَقُل: مؤمنٌ بل مسلمٌ" فوضح أنها للإِضراب، وليس معناه إنكار أن الرجل مؤمنٌ، بل معناه النهي عن القطع بإيمان من لم يُخْتَبَر حاله الخبرة الباطنة، لأن الباطن لا يَطَّلع عليه إلا الله، فالأولى التعبير بالإِسلام الظاهر، بل في الحديث إشارة إلى إيمان المذكور، وهي قوله: "لأعطي الرجل وغيرُهُ أحبَّ إليّ منه" وقوله: "ثمَّ غلبني ما أعلم منه، فعُدت لمقالتي، وعاد رسول الله ﷺ " وليس في رواية الكُشْمِيهَنِيّ إعادة السؤال ثانيًا، ولا الجواب عنه. وقوله: "إني لأُعطي الرجل وغيرُهُ أحب إلي منه" أي: أعجب إليّ منه، وهو جملة حالية "خشية أن يَكُبَّه الله في النار" لكفره إما بارتداده إن لم يُعْطَ، أو لكونه يَنْسُبُ النبي ﷺ إلى البخل، وأما من قوي إيمانه فهو أحب إليّ فأكلُهُ إلى إيمانه، ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه، ولا سوءًا في اعتقاده. وقوله: "يَكُبّه الله" هو بفتح أوله وضم الكاف، يقال: أكَبَّ الرجل إذا أطرق، وكَبَّه غيره إذا قلبه، وهذا على خلاف القياس، لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت فيه الهمزة فَقَصُر، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة منها: أنْسَلَ ريشُ الطائر ونَسَلْتُه، وأنْزفَتِ البئرُ ونَزَفتها، وأمْرَت الناقةُ: درت، ومَرَيْتُها، وأشْبق البعير: رفع رأسه، وشَبَقته،

стр. 632

وأقشع الغيمُ، وقَشَعَتْه الريح، وفي هذا اللفظ كناية، فإن الكَبَّ في النار لازم الكفر، فأُطلق اللازم واريد الملزوم الذي هو الكفر. ومحصل القصة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يُوسع العطاء لمَن أظهر الإِسلام تألفًا، فلما أعطى الرّهْط وهم من المُؤلَّفَة، وترك جُعَيْلًا وهو من المهاجرين، مع أن الجميع سألوه، خاطبه سعد في أمره لأنه كان يرى أن جعيلًا أحق منهم لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع أكثر من مرة، فأرشده النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أمرين: أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيل، مع كونه أحب إليه ممن أعطى، لأنه لو ترك إعطاء المؤلف لم يُؤمن ارتداده فيكون من أهل النار. ثانيهما: إِرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، فَوَضحَ بهذا فائدة رَدِّ الرسول ﵊ على سعد، وأنه لا يستلزم محض الإِنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة بالأوْلى أي: الإشارة، والآخر على طريق الاعتذار. فإن قيل: كيف لم تُقْبل شهادة سعد لجُعيل بالإِيمان، ولو شَهِد له بالعدالة لقُبل منه وهي تستلزم الإِيمان؟ فالجواب أن كلام سعد لم يَخْرُج مخرج الشهادة، وإنما خرج مخرج المدح له، والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقِشَ في لفظه، حتى ولو كان بلفظ الشهادة لما استلزمت المشورة عليه بالأمر الأوْلى رد شهادته، بل السياق يرشِدُ إلى أنه قَبِل قوله فيه، بدليل أنه اعتذر إليه، ويأتي في تعريفه قريبًا حديث أبي ذَرٍّ المصرح فيه بفضله. وفي حديث الباب من الفوائد التفرقة بين حقيقتي الإِيمان والإِسلام، وترك القطع بالإِيمان الكامل لمن لم يُنَصَّ عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحًا، وإن تعرض له بعض الشارحين، نعم هو كذلك فيمن لم يَثْبُت فيه النص كالعشرة، وفيه الرد على غُلاة المرجئة في اكتفائهم في الإِيمان بِنُطْق اللسان، وفيه جواز تصرف الإِمام في مال

стр. 633

المصالح وتقديم الأهم فالأهم، وإن خَفِي وجه ذلك على بعض الرعية، وفيه جواز الشفاعة عند الإِمام فيما يعتقد الشافع جوازه، وتنبيه الصغير للكبير على ما يظن أنه ذَهِلَ عنه، ومراجعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يؤدِّ إلى مفسدة، وأن الإِسرار بالنصيحة أولى من الإِعلان كما مرت الإِشارة إليه في قوله: "فقُمْتُ فسارَرته" وقد يتعين إذا جرّ الإِعلان إلى مفسدة، وفيه أن من أُشير عليه بما يعتقده المُشير مصلحةً لا يُنْكر عليه بل يبين له وجه الصواب، وفيه الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عَيبَ على الشافع إذا رُدَّت شفاعته لذلك، وفيه استحباب ترك الالحاح في السؤال كما استنبطه المؤلف منه في الزكاة، واستنباطه له منه هو من قول سعد الآتي في الزكاة: "فضرب رسول الله ﷺ بيده فجمع بين عُنُقي وكَتِفي، ثم قال: أقْبِل، أي سعد، إني لأُعطي الرجل" أمر من الإِقبال أو القَبول، وعند مسلم "إقبالا" مصدر، أي: أتُقابلني إقبالًا بهذه المعارضة، وسياقه يُشعر بأنه ﷺ كره منه إلحاحه عليه في المسألة، ويُحتمل أن يكون استنباطه من جهة أن المشفوع له ترك السؤال فَمُدِح. رجاله خمسة: الأول: أبو اليَمان، والثاني: شُعيب بن أبي حَمْزة وقد مرّا في السابع من بدء الوحي. ومرّ ابن شِهاب في الثالث منه. الرابع: عامر بن سَعْد بن أبي وقّاص الزُّهريّ المدني. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال العِجْليّ: مدني تابعي ثقة. وذكر البخاري فيمن قال: "لا طلاق قبل النكاح" عامر بن سعد. قال ابن حَجَر: ولا أدري أراد هذا أو عامر ابن سعد البَجَليّ.

стр. 634

روى عن: أبيه، وعثمان، والعباس بن عبد المطلب، وأبي أيوب الأنصاري، وأسامة بن زيد، وأبي هُريرة، وابن عُمر، وعائشة، وخلق. وروى عنه: ابنه داود، وابنا إخوته إسماعيل بن محمَّد، وأشعث ابن إسحاق، وبجاد بن موسى، وابن أخته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف، وسعيد بن المُسَيِّب، وهو من أقرانه، ومُجاهد، والزُّهريّ، وعطاء بن يسار، وعمرو بن دينار، وأبو طُوالة، وعثمان بن حَكيم، وغيرهم. مات بالمدينة سنة أربع ومئة في خلافة الوليد، وقيل: في وفاته غير ذلك. وفي الستة: عامر بن سَعْد سواه واحد، وهو البَجَلي الكوفي، روى عن أبي هُريرة، وأبي قَتادة، وغيرهما، له في البخاري حديث واحد. الخامس: سعد بن أبي وقّاص -بتشديد القاف- واسم أبي وقّاص مالك بن أُهَيب -ويقال له: وهيب- ابن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب القُرشيّ الزُّهريّ أبو إسحاق، أحد العشرة وآخرهم موتًا، وأمه حِمْنة بنت سفيان بن أمية بنت عم أبي سفيان بن حرب. رُوي عنه أنه قال: أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة، وأنه قال: كنت السابع في الإِسلام بعد ستة، وأنه قال: أسلمت قبل أن تُفرض الصلاة. شهد بدرًا والحُديبية وسائر المشاهد كلها، وهو أحد الستة الذين جعل فيهم عُمر الشُّورى لأن رسول الله ﷺ تُوفي وهو عنهم راض. وقال عُمر: إن أصابت الإِمرة سعدًا فذاك، وإلا فلْيستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن عَجْز ولا خِيانة. وقيل: أسلم بعد ثلاثه. وفي "صحيح" البخاري عنه أنه قال: لقد مكثت سبعة أيام وإني لثالث الإِسلام، وهو أول من أراق دمًا في سبيل الله، فقد قال ابن إسحاق في المغازي: "كان أصحاب رسول الله ﷺ بمكة يَسْتخفون بصلاتهم،

стр. 635

فبينا سعد في شعْب من شِعاب مكة في نفر من أصحابه، إذ ظهر عليهم المشركون، فنافروهم وعابوا عليهم دينهم حتى قاتلوهم، فضرب سعد رجلًا من المشركين بِلَحْي جمل فشجه، فكان أول دم أريق في سبيل الله. وهو أيضًا أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان يقال له: فارس الإِسلام، وكان رميه ذلك في جيش عُبَيْدة بن الحارث حين بعثه النبي ﷺ يلقَى عير قريش فترامَوْا بالنَّبْل وفي ذلك يقول سعد: ألا هل أتى رسولَ الله أنّي ... حَمَيْتُ صحَابتي بصُدُور نَبْلي أذُود بهَا عَدُوَّهُم ذِيادا ... بِكُلِّ حُزونةٍ وبكلِّ سَهْلِ فَمَا يَعتَدُّ رامٍ من مَعَدٍّ ... بَسَهم في سبيل الله قَبْلي وجمع رسول الله ﷺ له وللزبير أبويه، فقال لكل واحدٍ منهما فيما روي عنه: "ارمِ فداكَ أبي وأمّي" ولم يقل ذلك لأحد غيرهما فيما يقولون. وروى التِّرمذي من حديث جابر: أقبل سعدٌ، فقال رسول الله ﷺ : "هذا خالي فَلْيُرِني امرؤٌ خاله". وروى الشيخان من حديث عائشة أن النبي ﷺ لما قدم المدينة أرِق ليلة، فقال: "ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرُسُني" إذ سمعنا صوت السلاح، فقال: "مَن هذا؟ " قال: أنا سعد. فقام، وفي رواية فدعا له. وفي الزُّبَير بن بكار من حديث عامر بن سعد، عن أبيه قال: كان رجلٌ من المشركين قد أحرق المسلمين، فنزعت له سهمًا، فأصبت جبهته، فوقع وانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ . وسماه الواقِدِيّ حِبّان بن العرقة، وزاد أنه رمى بسهم، فأصاب ذيل أم أيْمن، وكانت جاءت تسقي الجرحى، فضحك منها، فدفع رسول الله ﷺ سهمًا لسعد، فوقع السهم في نحر حِبّان، فوقع مستلقيًا، وبدت عورته، فضحك رسول الله ﷺ ، وقال: "استعاذ لها".

стр. 636

وهو الذي فتح مدائن كسرى في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وفتح القادسية وغيرها، وهو الذي تولى قتال فارس ففتح الله على يديه أكثر فارس، وهو الذي بني الكوفة، وولاه عمر العراق، وأرسل إليه وهو أمير العراق أن قاتل الفرس، فمضى إليهم، وحالت بينهما دِجلة وهي كالبحر لا تُعْبر إلا بالسفن، فقال للجند الذين معه: ماذا تَرَوْن؟ فقالوا له: ما تأمر، عزم الله لنا ولك الرشد، فلما سمع كلامهم اقتحم الوادي بفرسه، وتبعه المسلمون، فقطعوا دِجلة خيلًا ورجالًا ودَوابٌ حتى لا يُرى وجه الماء من الشاطىء إلى الشاطىء، وسعد يقول في أثناء القطع: حسبُنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليّه -يعني عمر- وليظهرن الله دينه، وليهزمن عدوه إن لم يكن في الجيش ذنوب، وكان الفارس إذا أحسّ بالإِعياء أبان الله له رابيةً في جَوْف الماء يقف عليها حتى يرجع إليه نشاطُهُ ثم يقوم براكبه، وخرجت تلك الخيل تَنْفُضُ أعرافها، وجميع الخلق والدواب سالمة، ولم يَضِع لأحد شيء إلا رجل سقط له قَدَح، فعيَّرَه صاحبه، فقال له: أصابَهُ القدر فطاح. وقال: ما كان الله لِيَسْلُبني قدحي من بين العسكر، فضربته الريح والأمواج حتى أخرجته إلى الشاطىء، فقال للذي عَيّره: ألم أقل لك ما كان الله لِيَسْلبني قدحي من دون غيري؟ وكان ذلك لما في الكتب القديمة من أن هذه الأمة تخوض البحر إلى أعدائها. وفي "تاريخ" أبي العباس السَّرّاج أن جرير بن عبد الله مرّ بعُمر، فسأله عن سعد بن أبي وقاص، فقال: تركته في ولايته أكرمَ الناس وأقلّهم قسوة، هو لهم كالأم البَرّة، يجمع لهم كما تجمع ذَرّة، أشدّ الناس عند الباس، وأحبّ قريش إلى الناس. وكان مجاب الدعوة، مشهورًا بذلك، تُخاف دعوته لاشتهار إجابتها عندهم، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: "اللهُمَّ سدَّد سهمه، وأجِب دعوته" ومما شوهد من إجابة دعوته، هو أن أهل الكوفة شَكَوْه إلى عُمَر بن الخطاب ﵁ حتى قالوا: إنه لا يُحسن الصلاة، فقال - رضي

стр. 637

الله عنه -: أما أنا فكنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، أرْكُدُ في الأوليين، وأخفف في الأخريين، ثم بعث عمر عدلين من الصحابة يسألان عن ذلك، فكلما مرّا بنادٍ من أهل الكوفة يُثني عليه، حتى مرّا بأبي سَعدة الأسَديّ. فقال: أمّا إذ نَشَدْتُماني، فإن سعدًا كان لا يَسري بالسرية، ولا يَقْسم بالسوية، ولا يعدِل في القضية. فقال سعد: اللهم إن كنت تعلم أنه كاذبٌ، فأطل عمره، وأكثر عياله، وعرضه للفتن، فكان يتعرض للإِماء في الطريق ويَغْمِزُهن، فيقلن: ما هذا؟ فيقول: شيخ أصابته دعوة سعد، نسأل الله العافية. وفي "مجابي الدعوة" لابن أبي الدُّنيا من طريق جرير عن مغيرة عن أبيه، قال: كانت امرأة قامتها قامة صبي، فقالوا: هذه ابنة سعد، غمست يدها في طَهوره، فقال: قطع الله يديك، فما نشِبت بعدُ. ولما استعمله عُمر على جيش الفرس، قال له: لا يَغُرَّنَّك أنك خال رسول الله ﷺ ، ففتح الله على يديه القوادس، واستأصل فارس. وكان تزوج امرأة المثنى بن حارثة الشيباني بعد أن استشهد من جراحات أصابته يوم جسر أبي عُبيد، وجلس معها ذات يوم على مكان عال ينظران قتال المسلمين، وكان بسعد جراحات شديدة منعته من القتال، فقالت امرأة المثنى: وامثناه -تندب زوجها الأول، وكان من الشجعان والفرسان- فلطمها سعد ﵁، وقال لها: ما المثنى إلا رجل من المسلمين يقاتل في سبيل الله. وفي تخلفه عن القتال يقول الشاعر: نُقاتِل حتّى أنْزَل الله نصرَهُ ... وسعدٌ بباب القادسيةِ مُعْصَمُ فَرِحْنا وقد آمت نساءٌ كثيرةٌ ... ونسوة سعدٍ ليسَ فيهن أيِّمُ وقال الأُبِّي: إن قائل البيتين قالهما معرضًا بسعد في تركه للقتال،

стр. 638

وإن سعدًا دعا عليه، فقال: اللهم اكفف لسانه ويده، فيبست يده وخرس لسانه. ورُوي عنه أنه قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة أو البعير ماله خَلْط، ثم أصبحت بنو أسد تُعَزِّرُني على الإِسلام، لقد خِبْت إذًا وضلَّ عملي. وروي أنه في حصار الشِّعْب بينما هو يمشي إذ وطىءَ على شيء، قال: فأخذته، فإذا هو رَطْبٌ، فابتلعته، فوالله ما أدري ما هو إلى الآن. وقال: كنت ليلة أبول. فسمعت صلصلةً أو قعقعة تحت البول، فإذا هو قطعة من جلد بعير، فأخذتها، وغسلتها، ثم أحرقتها، ثم رضضتها وسففتها وقويت بها ثلاثًا. ولما قتل عثمان ﵁ اعتزل الفتن، ولزم بيته، وأمر أهله ألا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تتفق الأمة على رجل واحد، وجاءه ابن أخيه هاشم بن عُتبة، وقال له: ها هنا مئة ألف سيف يرون أنك أحق بهذا الأمر، فقال له: أبغي منها سيفًا واحدًا، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئًا، وإذا ضربت به الكافر قطع. ورُوي عن أبي إسحاق أنه قال: أشد أصحاب رسول الله ﷺ أربعة، عُمر وعلي والزبير وسعد. ورُوي عن عامر بن سعد أن أباه حين رأى اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ وتفرقهم اشترى أرضًا ميتة، ثم خرج واعتزل فيها بأهله. وكان سعد من أحد الناس بصرًا، ورأى يومًا شيئًا يزول، فقال لمن معه: ترون شيئًا؟ قالوا: نرى شيئًا كالطائر. قال: أرى راكبًا على بعير، ثم جاء بعد قليل عم سعد على بُخْتيّ، فقال سعد: اللهم إنا نعوذ بك من شر ما جاء به. وطمع معاوية فيه وفي عبد الله بن عُمر ومُحمّد بن مَسْلمة، فكتب

стр. 639

إليهم يدعوهم إلى عونه على الطلب بدم عثمان، ويقول: إنهم لا يكفِّرون من قتله وخذلانه إلا بذلك، ويقول: إن قاتله وخاذله سواء في نثر ونظم كتب لهم به، فأجابه كل واحد منهم يرد عليه ما جاء به من ذلك، ويُنكِر عليه مقالته، ويعرفه أنه ليس أهلا لما يطلبه، وفي جواب سعد له: معاويَ داؤك الدّاءُ العياءُ ... وليسَ لما تجيءُ به دواءُ أيَدْعوني أبو حَسنٍ عليٌّ ... فَلَم أرْدُدْ عليه ما يشاءُ وقُلتُ له ابْغِني سَيفًا بصيرًا ... تُمازُ به العداوة والولاءُ فإن الشّرّ أصغرُهُ كثيرٌ ... وإنَّ الظّهر تُثقلُهُ الدّماءُ أتَطمعُ في الذي أعطى عليًّا ... على ما قَد طِمِعْتَ به العَفاءُ لَيَوم منهُ خيرٌ منك حيًّا ... ومَيْتًا أنت للمرء الفِداءُ فأمّا أمرُ عثمان فدَعْهُ ... فإنَّ الرّأي أذْهَبَه البَلاءُ وقد سئل علي ﵁ عن الذين قعدوا عن نصرته وبيعته، فقال: أولئك قوم خذلوا الحق ولم ينصُروا الباطل. رُوي له عن رسول الله ﷺ مئتا حديث وسبعون حديثًا، اتفقا على خمسة عشر منها، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر. روى له الجماعة. وروى عنه: بنوه إبراهيم، وعامر، ومصعب، وعمر، وعائشة، وروى عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن عُمر، وعائشة، وجابر بن سَمُرة، ومن كبار التابعين: سعيد بن المُسيِّب، وأبو عثمان النَّهْديّ، وقيس بن أبي حازم، وعلْقمة، والأحْنف بن قَيس، وآخرون. مات ﵁ بقصوه بالعقيق على عشرة أميال من المدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: خمس، وهو ابن بضع وسبعين سنة، وحمل إلى المدينة على أعناق الرجال، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذٍ

стр. 640

والي المدينة ودفن بالبقيع في جُبة صوف لقي المشركين فيها يوم بدر، أوصى أن يُكَفّن فيها، وهو آخر العشرة موتًا. وفي الحديث لفظ فلان مبهم، والمراد به جُعَيْل بن سُراقة الضّمْريّ. روى ابن إسحاق في "المغازي" قيل: يا رسول الله أعطيت عُيينة ابن حِصن، والأقرع بن حابس مئة مئة وتركت جُعيلًا، فقال: "والذي نفسي بيده لَجُعيل بن سُراقةَ خير من طِلَاع الأرض مثل عُيينة والأقرع، ولكني أتألفهما وأكل جعيلًا إلى إيمانه" وهذا مرسل حسن. وروى الرُّوياني في "مسنده" وابن عبد الحكم في "فتوح مصر" عن أبي ذرٍّ أن رسول الله ﷺ قال له: "كيف ترى جُعيلًا؟ " قلت: مسكينًا كشكله من الناس. قال: "وكيف ترى فلانًا؟ " قلت: سيدًا من السادات، قال: "لجعيلٌ خير من ملء الأرض مثل هذا؟ " قال: قلت يا رسول الله: ففلان هكذا وتصنع به ما تصنع؟ قال: "إنه رأس قومه، فأتألفهم" وإسناده صحيح. وروى ابن منْده أن جعيلًا أُصيبت عينه في بني قريظة، وجُعيلٌ هذا قيل: أنه هو جعال بن سراقة مصغر، وقيل: إنهما اثنان أخوان. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والإِخبار، وفيه ثلاثة زُهريين مدنيين، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض باعتبار الرواية الآتية: وهم: ابن شِهاب، وعامر، وصالح. وصالح أكبر من ابن شهاب لأنه أدرك ابن عُمر ﵄، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، ومنها أن قوله: عن سَعد أن رسول الله هكذا هو هنا، ووقع في رواية الإِسماعيلي عن سعد هو ابن أبي وقّاص. أخرجه البخاري هنا، وفي الزكاة عن محمَّد بن عزيز وغيره، وأبو داود عن طريق مَعْمر، واعتُرض على مسلم في بعض طرق هذا الحديث في عدم جعله لمعمر بين سفيان والزُّهري، والمحفوظ هو كونه عن سفيان

стр. 641

عن معمر عن الزُّهري، ذكره الدارقُطني في الاستدراكات على مسلم، وفي جواب النووي عنه باحتمال كون سُفيان رواه مرة عن الزّهري مباشرة، ومرة بواسطة مَعمر نظرٌ، لأن الروايات قد تظاهرت عن ابن عُيينة بإثبات مَعمر ولم يوجد إسقاطه إلا عن مُسلم. ثم قال البخاري ورواه يونُس وصالح ومَعمر وابن أخي الزّهري عن الزُّهريّ. فهذه متابعة من هؤلاء الأربعة، أما رواية يونُس فحديثه موصولٌ في كتاب الإِيمان لعبد الرحمن بن عُمر الزُّهريّ الملقب رُسْتَه -بضم الراء وإسكان السين المهملتين وقبل الهاء مثناة من فوق مفتوحة- وأما رواية صالح فحديثه موصول عند المؤلف في كتاب الزكاة، وفيه اللطائف المتقدمة، وأما رواية مَعْمر فحديثه عن أحمد بن حَنْبل والحُميْديّ وغيرهما عن عبد الرزاق عنه، ومر تعريف الثلاثة، أما يونس ومعمر فقد مرّا في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، وأما صالح بن كَيْسان فقد مر في السابع منه أيضًا، وأما رواية ابن أخي الزُّهري فهي موصولة عند مسلم، وفي روايته لطيفة وهي رواية أربعة من بني زُهرة هو وعمه وعامر وأبوه على الولاء. وابن أخي الزُّهريّ: هو محمَّد بن عبد الله بن مُسلم بن عُبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهرة الزُّهري أبو عبد الله المدني. قال أحمد: لا بأس به. وقال مرة: صالح الحديث. وقال ابن عَديّ: لم أر بحديثه بأسًا، ولا رأيت له حديثًا منكرًا، فاذكره إذا روى عنه ثقة. وقال أبو داود: ثقة، سمعت أحمد يُثني عليه، وأخبرني عباس عن يحيى بالثناء عليه. وقال الواقِدي: كان كثير الحديث صالحًا. وقال ابن حِبّان: كان رديء الحفظ كثير الوهم، ويقال: إنه انفرد عن عمه بحديث "كلُّ أمتي مُعافى إلا المجاهرون" وبحديث: "كان ﷺ يأكُلُ بكفِّه كلِّها"، وقول أبي هُريرة في خُطبته: "كل ما هو آت قريبٌ" وقال ابن مَعين مرة:

стр. 642

ضعيف لا يحتج به. ومرة قال: ابن أخي الزُّهري أحب إلي من ابن إسحاق في الزُّهري. وجعله محمَّد بن يحيى من الطبقة الثانية من أصحاب الزُّهري مع أسامة بن زيد، وابن إسحاق، وابن أُويس، وفُليح. قال: وهؤلاء كلهم في حال الضعف والاضطراب. قال: وإذا اختلف أصحاب الطبقة الثانية. فالمَفْزع إلى أصحاب الطبقة الأولى. وقال السّاجيّ: صدوق، تفرد عن عمه بأحاديث لم يتابَع عليها، يعني: الثلاثة المتقدمة، وقال ابن مَعين مرة: ليس بالقوي. وقال مرة: ابن أخي الزُّهري أحب إلي من أبي أُوَيس. وقال الحاكم أبو عبد الله ابن البيع في كتاب "المدخل": ومما عِيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديث ابن أخي الزُّهري، أخرج البخاري له في الأصول، ومسلم في الشواهد. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يُكتب حديثه. وقال الآجُرِّي: سُئل أبو داود عن ابن أخي الزُّهري، فقال: لم أسمع أحدًا يقول فيه بشيء، إلا أن أحمد بن صالح حكى عن ابن أبي أُويس قال أبو داود: طوبى لابن أبي أُويس أن يقاربه. قال ابن حَجر: محمَّد بن يحيى الذُّهليّ أعرف بحديث الزُّهري، وقد بين ما أنكر عليه، فالظاهر أن تضعيف من ضعفه إنما كان بسبب تلك الأحاديث التي أخطأ فيها، ولم أر له في البخاري إلا أحاديث قليلة، أحدها في الأضاحي عن عمه، عن سالم، عن أبيه في النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وهذا قد تابعه عليه مَعمر عند مسلم وغيره، والثاني في وفود الأنصار عن عمه، عن أبي إدريس، عن عُبادة بن الصامت في المتابعة، وهو عنده بمتابعة شُعيب وغيره عن الزُّهري. والثالث في المغازي في قصة الحديبية عن عمه، عن عُروة، عن المُسَوِّر ومروان بن الحكم بمتابعة سفيان بن عُيينة ومعمر وغيرهما، وله عنده غير هذا مما توبع عليه موصولًا ومعلقًا، وروى له الباقون. روى عن: أبيه، وعمه، وصالح بن عبد الله بن أبي فَروة، وعدة. وروى عنه: محمَّد بن إسحاق وهو أكبر منه، وعبد الرحمن بن

стр. 643

إسحاق المَدني ومات قبله، وإبراهيم بن سَعْد، وأبو أُوَيْس المدني، وأمية بن خالد الأزْدي، والقَعْنَبيّ، وغيرهم. قتله غلمانه بأمر ابنه لأمواله بناحية شغب وبَدَا، وكان ابنه سفيهًا شاطرًا قتله للميراث، وذلك في آخر خلافة أبي جعفر سنة اثنتين وخمسين ومئة. وقيل: سنة سبع. ومات أبو جعفر سنة ثمان وخمسين ومئة ثم وثب غلمانه على ابنه بعد سنتين وقتلوه ثم قال المصنف: باب السلام من الإِسلام باب منون، أي: هذا باب. وقوله: "السلام من الإِسلام" في رواية كريمة: "إفشاء السلام" وهو نشره سرًّا أو جهرًا، وهو مطابق للمرفوع في قوله: "من عرفت ومن لم تعرف". ثم قال المصنف وقال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإِيمان: الإِنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإِنفاق من الإِقتار. وقوله: "ثلاث" خصال، وإعرابه نظير ما مر في قوله: "ثلاث من كن فيه". وقوله: "فقد جمع الإِيمان" أي: حاز كماله، والعالم -بفتح اللام- جميع الناس، والإِقتار القلة، وقيل: الافتقار. وعلى الثاني فمن في قوله: "من الإِقتار" بمعنى مع أو عند، وإنما كان من جمع الثلاث مستكملًا للإِيمان لأن مداره عليها، لأن العبد إذا اتصف بالإِنصاف لم يترك لمولاه حقًا واجبًا عليه إلا أدّاه، ولم يترك شيئًا مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يجمع أركان الإِيمان، وبذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق والتواضع وعدم الاحتقار، ويحصُلُ به التآلف والتحابب، والإِنفاق من الإِقتار يتضمن غاية الكرم، لأنه إذا أنفق من الاحتياج كان مع التوسع أكثر إنفاقًا، والنفقة أعم من أن تكون على العيال واجبة أو مندوبة، أو على الضيف والزائر، وكونه من الإِقتار يستلزم الوثوق بالله، والزهد في

стр. 644

الدنيا، وقصر الأمل، وغير ذلك من مهمات الآخرة. وهذا التقرير يُقَوّي أن يكون هذا الحديث مرفوعًا، لأنه يشبه أن يكون كلام من أوتي جوامع الكلم. وقد أخرجه البزار في "مسنده" عن عبد الرزاق بأخرةٍ مرفوعًا، وابن أبي حاتم في "العلل" وابن الأعرابي في "معجمه" كذلك. واستغربه البزار، وقال أبو زرعة: خطأ، لأن عبد الرزاق تغير بأخَرَة. وسماع هؤلاء الذين سمعوه منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع. وأخرجه الطبراني في "الكبير" مرفوعًا بإسناد فيه ضعف، وله شواهد أخرى. ورواه موقوفًا أحمد بن حَنْبل في كتاب الإِيمان من طريق سفيان الثَّوريّ، ورواه يعقوب بن شَيْبة في "مسنده" من طريق شعبة، وزُهير بن معاوية وغيرهما، ورواه أبو القاسم اللالَكائي بسند صحيح عن علي بن أحمد، ورواه رُسْته عن سفيان، وتقدم الكلام على التعليق في الرابع من بدء الوحي. وأما عمار: فهو ابن ياسر بن عامر بن مالك بن كِنانة بن قَيْس بن الحُصَين بن الوديم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عَنْس بالنون الساكنة وهو زيد بن مالك بن أدد بن شَشْجُب بن غريب بن زيد بن كَهلان بن سَبَأ بن يَشْجُب بن يَعْرب بن قحطان كنيته أبو اليقظان حليف بني مخزوم، وأمه سُميّة -بالتصغير- من السمو بنت خياط، مولاة، كان أبوه ياسر قدم من اليمن إلى مكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة، وزوجه أمته سمية، فولدت له عمارًا، فأعتقها أبو حُذيفة. أسلمت هي وياسر مع عمار قديمًا، ولم يكن في المهاجرين من أسلم مع أبويه إلا عمار وأبو بكر ﵄، وقتل أبو جهل سُمية، وكانت أول شهيد في الإِسلام، وكانت مع ياسر وعمار ﵃ يُعَذَّبون بمكة في الله تعالى، فيمُر بهم رسول الله ﷺ ، فيقول لهم:

стр. 645

"صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" وكانوا من المُستضْعفين لأنهم قوم لا عشائر لهم بمكة ولا مَنَعَة ولا قوة، كانت قريش تُعذبهم في الرّمضاء، فكان عمار ﵁ يُعذَّبُ حتى لا يدري ما يقول، وكذلك صُهَيْب، وفكيهة، وبلال، وعامر بن فُهيرة، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ [النحل: ١١٠] ومن قرأ فَتنوا بالفتح، هو ابن عامر، فالمعنى: فتنوا: كفروا وعذبوا المسلمين، كالحضرمِيّ، أكره مولاه جبرًا حتى ارتد، ثم أسلما وهاجرا، وسُهيل عذب ابنه أبا جَنْدل، ثم أسلم بعد. وعن عمرو بن مَيْمون: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان النبي ﷺ يَمُرُّ به ويمر بيده على رأسه، فيقول: "يا نار كوني بردًا على عمار كما كنت على إبراهيم، تقتُلُك الفئة الباغية". وعن ابن ابنه قال: أخذ المشركون عمارًا، فلم يتركوه حتى نال من رسول الله ﷺ ، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى رسول الله ﷺ ، قال له: "ما وراءك؟ " قال: شر يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى نِلْت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: "فكيف تجد قلبك؟ " قال مطمئنًّا بالإيمان. قال: "فإن عادوا فَعُد" وفيه نزل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. قال الكرماني: رُهِن ياسر في القمار، وولده، فقَمَروهم، فصاروا بذلك عبيدًا للقامر، فأعزهم الله بالإِسلام. ولأجل الحلف والولاء اللذين بين بني مخزوم وبين عمار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال غِلْمانه من عمار ما نالوا من الضرب حتى انفتق له فَتْق في بطنه، ورَغَمُوا وكسروا ضِلْعًا من أضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم، وقالوا: والله لئن مات لا قتلنا به أحدًا إلا عثمان. هاجر الهِجرتَيْن، وصلى القِبلتين، وكان من السابقين الأولين في الإِسلام، ومن المهاجرين الأولين، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وأبلى

стр. 646

ببدر بلاءً حسنًا، ثم شهد اليمامة فأبلى فيها أيضًا، ويومئذٍ قُطِعَت أذُنه، وعن عبد الله بن عُمر قال: رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفِرُّون؟ أنا عمار بن ياسر، هَلُمّوا إلي، وأنا أنظر إلى أذنه قد قُطعت فهي تذبذب وهو يقاتل أشد القتال، وكان طويلًا أشهل، بعيد ما بين المِنكبين كما قال الواقدي، وهو أول من بني مسجدًا لله، بني مسجد قُباء، وكان إسلامه بعد بضعة وثلاثين رجلًا هو وصُهَيْب. وأخرج البخاري عين هَمّام، عن عمار قال: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر. وقال عاصم، عن زِر، عن عبد الله: إن أول من أظهر إسلامه سبعة فذكر منهم عمارًا. أخرجه ابن ماجه. وقال إبراهيم بن سعد: بلغنا أن عمار بن ياسر قال: كنت تِرْبًا لرسول الله ﷺ في سنه، لم يكن أحدٌ أقرب به سنًّا مني. ورُوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] قال: عمار بن ياسر، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢] قال: أبو جهل بن هشام. ورُوي عن عائشة أنها قالت: ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أشاء أن أقول فيه إلا قلت، إلا عمار بن ياسر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مُلىءَ عمارٌ إيمانًا إلى أخمص قدميه". وفي رواية: "حُشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أُذُنيْه إيمانًا" وفي رواية "مُلىءَ إيمانًا إلى مُشاشِه". ومن حديث خالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قال: "من أبغض عمارًا أبغضه الله تعالى" قال خالد: فمازلت أحبه من يومئذٍ.

стр. 647

ورُوي من حديث أنس، عن النبي ﷺ أنه قال: "اشتاقت الجنة إلى علي وعمار وسلمان وبلال ﵃". ومن حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "جاء عمارٌ يستأذن على النبي ﷺ يومًا، فعرف صوته، فقال: "مرحبًا بالطيب المُطَيَّب، إيذَنوا له". وأخرج الترمذي عن خالد بن الوليد، قال: كان بيني وبين عمار كلامٌ، فأغلظت له، فشكاني إلى رسول الله ﷺ ، فجاء خالد، فرفع رسول الله ﷺ رأسه، فقال: "مَنْ عادى عمارًا عاداه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله". وفي التِّرمذي عن عائشة مرفوعًا: "ما خُيِّر عمارٌ بين أمرين إلا اختار أيسَرَهما". وأخرج الترمذي، وابن ماجه عن حُذيفة مرفوعًا: "اقْتَدوا بالذين من بعدي، أبي بكر وعمر، واهتدوا بِهَدي عمار". واستعمله عمر على الكوفة، وكتب إليهم: إني بعثت إليكم عمارًا أميرًا، وابن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النُّجباء من أصحاب محمَّد. وقال أبو مسعود وطائفة لحذيفة بن اليمان حين احْتُضر وقد ذكر الفتنة: إذا اختلف الناس بمن تأمرنا؟ قال: عليكم بابن سُمية، فإنه لن يفارق الحق حتى يموت. أو قال: فإنه يدور مع الحق حيث دار. وبعضهم يرفعه عن حُذيفة. وقال عبد الرحمن بن أبْزى: شهدنا مع علي ﵁ صِفّين في ثمان مئة ممن بايع بيعة الرُّضوان، قُتل منهم ثلاثة وستون منهم عمار ابن ياسر. وتواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أن عمارًا تقتُلُه الفئة الباغية،

стр. 648

وأجمعوا على أنه قُتِل مع علي ﵁ بصفين، وهذا من إخباره بالغيب وأعلام نبوته ﷺ . وقال أبو عبد الرحمن السُّلَميّ: رأيت عمار بن ياسر يومًا لا يأخُذُ في ناحية ولا واد من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمَّد ﷺ يَتَّبِعونه كأنه علمٌ لهم، وسمعت عمارًا يومئذٍ يقول لهاشم بن عُتبة: يا هاشم تقدّم، الجنة تحت الأبارِقة، اليوم ألقى الأحبة، محمدًا وحِزْبه، والله لو هزمونا حتى بَلَغوا بنا سَعَفات هَجَرٍ لعلِمنا أنّا على الحق وهم على الباطل، ثم قال: نَحْنُ ضَربناكُم على تنزيلِهِ ... فاليَوْم نضرِبُكُم على تأويلهِ ضربًا يُزيل الهامَ عن مَقيلِهِ ... ويُذهل الخليل عن خَليلهِ أو يَرجِعَ الحقُّ إلى سَبيلهِ قال: فلم أر أصحاب محمَّد ﷺ قُتلوا في موطن ما قُتلوا يومئذٍ. وقال عبد الله بن سَلَمة: لَكَأني انظر إلى عمار يوم صِفين، واستسْقى، فأُتي بشربة من لبن، فشرب، وقال: اليوم ألقى الأحبة، إن رسول الله ﷺ عَهِد إليّ أن آخر شربة تَشْربها من الدنيا شَربة لبن، ثم استسقى، فأتته امرأة طويلة اليدين بإناء فيه صَبوحٌ من لبن، فقال عمار حين شربه: الحمد لله، الجنة تحت الأسنة. ثم قال: والله لو هزمونا ... إلى آخر ما مر. ثم قاتل حتى قتل. وروى الأعمش عن الأحْنف بن قيس في خبر صِفين، قال: ثم حَمَل عمار، فحمل عليه ابن جُزء السَّكْسَكيّ، وأبو العادِية الفَزَاريّ، فأما أبو العادية فطعنه، وأما ابن جُزء فاجتزَّ رأسه اهـ. وإنما قال عمر فيما مر عن عمار وابن مسعود: إنهما من النُّجباء من أصحاب رسول الله ﷺ ، لحديث علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه لم يَكُن نبيٌّ إلا أُعطي سبعة نُجباء وزراء

стр. 649

ورفقاء، وإني أعطيت أربعة عشر: حمزةُ، وجعفر، وأبو بكر، وعُمر، وعلي، والحسن، والحسين، وعبد الله بن مسعود، وسلمان، وعمار، وأبو ذَر، وحُذيفة، والمِقداد، وبلال". له اثنان وستون حديثًا، اتفقا على اثنين منها، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بواحد. روى عن: النبي ﷺ ، وعن حُذيفة بن اليمان. وروى عنه: ابنه محمَّد، وابن ابنه سَلَمة بن محمَّد على خلاف فيه، وابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وأبو الطفيل، وأبو لاس الخُزاعي، وجماعة من التابعين منهم: أبو وائل، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وناجِية بن كعب، وغيرهم. وكانت صِفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، ومات وهو ابن ثلاث وتسعين أو أربع، ودفن هناك بصِفين، دفنه علي ﵁ بثيابه حَسْبما أوصاه بذلك، ولم يُغَسِّله. وقال في "الاستيعاب" روى أهل الكوفة أنه صلى عليه، وهو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يُغسَّلون ولكن يصلى عليهم. وروى العَوّام ابن حَوْشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن السّكسَكيّ، عن أبي وائل قال: رأى أبو مَيْسرة عمرو بن شُرحبيل، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله في المنام أنه دخل الجنة، فإذا هو بقِباب مضروبة، قال: فقلت لمن هذه؟ قالوا: لذي الكَلاع وحَوْشب، وكانا قُتلا مع معاوية. قال: فأين عمار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قال: وقد قتل بعضهم بعضًا؟ قالوا: نعم، لقوا الله فوجدوه واسعَ المغفرة. قال: فما فعل أهل النَهْروان؟ قال: لقوا مَرَحًا. وليس في الصحابة عمار بن ياسر سواه، وفيهم عمار نحو ثمانية على اختلاف في بعض أسمائهم.

стр. 650

الحديث الحادي والعشرون ٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». هذا الحديث تقدم في باب إطعام الطعام، ومرّ الكلام عليه هناك مستوفى، وأعاده المؤلف هنا كعادته في غيره لما اشتمل عليه، وغاير بين شيخيه اللذين حدثاه عن الليث مراعاةً للإِتيان بالفائدة الإِسنادية، وهي تكثير الطرق حيث يحتاج إلى إعادة المتن، فإنه لا يعيد الحديث الواحد في موضعين على صورة واحدة، فإن قيل: كان يمكنه أن يجمع الحكمين في ترجمة واحدة ويخرج الحديث عن شيخيه معًا، فالجواب أن البخاري يقصِد تعديد شُعب الإِيمان كما مر، فخص كل شعبة بباب تنويهًا بذكرها، وقصد التنويه يحتاج إلى التأكيد، فلذلك غاير بين الترجمتين. رجاله خمسة: الأول: قُتيبة بن سَعيد بن جَميل بن طَريف بن عبد الله الثّقفيّ أبو رجاء البَغْلاني. وقال ابن عَدي: اسمه يحيى، وقتيبة لقب له، وهو تصغير قِتبة -بالكسر- واحد الأقتاب -وهي الأمعاء- وقال ابن منْدة: اسمه علي، قيل: إن جده كان مولى للحجّاج بن يوسف. وقال أحمد بن سيّار المَرْوزيّ: كان ثبتًا فيما رُوي، صاحب سنة

стр. 651

وجماعة، وكتب الحديث عن ثلاث طبقات. وقال الفرهياني: قتيبة صدوق، ليس أحد من الكبار إلَّا وقد روى عنه بالعراق، قال: وسمعت عَمرو بن علي يقول: مررت بِمنى على قُتيبة، فجُزْتُه ولم أروِ عنه، ثم نَدِمت على ذلك. وقال الأثرم عن أحمد: إنه ذكر قُتيبة فأثنى عليه، وقال: هو آخر من سمع من ابن لَهيعة. وقال أبو حاتم وابن مَعين والنّسائي: ثقة، زاد النسائي: صدوق. وقال أحمد بن محمَّد بن زياد الكَرْميني: قال لي قُتيبة بن سَعيد: ما رأيتَ في كتابي من علامة الحُمرة فهو علامة أحمد، ومن علامة الخُضرة فهو علامة يحيى بن مَعين. وقال النّسائي أيضًا: كان كثير المال، كما كان كثير الحديث. وقال الحاكم: قتيبة ثقة مأمون، والحديث الذي رواه عن اللّيث، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن أبي الطُّفيل، عن معاذ بن جَبَل في الجمع بين الصلاتين موضوعٌ. ثم روى بإسناده إلى البخاري، قال: قلت لقُتيبة: مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب؟ قال: مع خالد المدائِني: قال محمَّد بن إسماعيل: وكان خالد المدائني هذا يُدخل الأحاديث على الشيوخ. وقال أبو سَعيد بن يونُس: لم يحدث به إلا قُتيبة، ويقال: إنه غَلِطَ، والصواب عن أبي الزُّبير. وقال الخطيب: هو منكرٌ جدًّا من حديثه. وقال ابن حَجَر: ما اعتمده الحاكم من الحكم على ذلك بأنه موضوع ليس بشيء، فإن مقتضى ما استأنس من الحكاية عن البخاري أن خالدًا أدخل هذا الحديث عن الليث، ففيه نسبة الليث مع إمامته وجلالته إلى الغفلة حتى يُدخِلَ عليه خالدٌ ما ليس من حديثه، والصواب ما قاله أبو سعيد بن يونُس إن يزيد بن حَبيب غَلِط من قتيبة، وإن الصواب عن أبي الزُّبير، وكذا رواه مالك وسُفيان عن أبي الزُّبير عن أبي الطفيل، لكن في متن الحديث الذي رواه قُتيبة التصريح بجمع التقديم في وقت الأُولى، وليس ذلك في حديث مالك، وإذا جاز أن يَغْلَطَ في رجل من الإِسناد فجائزٌ أن يغلطَ في لفظةٍ من المتن والحكم عليه بالوضع مع ذلك بعيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.

стр. 652

روى عن: مالك، والليث بن سعد، وسفيان بن عُيينة، وجَرير بن عبد الحميد، وفُضَيْل بن عِياض، وعبد الوهاب الثّقفي، وحمّاد بن زَيْد، ومعاوية بن عمار الدُّهْنيّ، وحفص بن غياث، وهُشيم، وأبي عَوانة، وخلق. وروى عنه: الجماعة سوى ابن ماجه، وروى الترمذي وابن ماجه عنه بواسطة أحمد بن حَنْبل، وروى عنه أيضًا علي بن المَديني، ونُعيم ابن حَمّاد، وأبو بكر الحُميدي، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، ويَحيى ابن مَعين، وماتوا قبله، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، ويعقوب بن شَيبة، وأبو العباس محمَّد بن إسحاق السّرّاج وهو آخر من حدث عنه، وخلق كثير. وفي الزهرة: روى له البخاري ثلاث مئة وثمانية أحاديث، ومسلم ست مئة وثمانية وستين. مات يوم الأربعاء مستهل شعبان سنة أربعين ومئتين، وقيل: سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة ثمان وأربعين، والأول أصح. وقال علي ابن محمَّد السِّمْسار: سمعته يقول: ولدت ببلخ يوم الجمعة حين تعالى النهار لسِتٍّ مضت من رجب سنة ثمان وأربعين ومئة. وليس في الستة قتيبة سواه. وفي الرواة قتيبة بن سعيد السَّمَرْقَنْديّ روى عن سفيان بن عُيينة، روى عنه ابنه محمَّد. والبَغْلاني في نسبه نسبة إلى بَغْلان -كسَكران- قرية من قرى بَلْخ، وبَلْخ بلدة عظيمة بالعراق، وبها نهر جَيْحُون، وهي أشهر بلاد خراسان، وأكثرها خيرًا وأهلًا. الثاني: الليث بن سعد وقد مر في الثالث من بدء الوحي. ومرّ يزيد ابن أبي حَبيب وأبو الخير مَرْثَد في الخامس من كتاب الإِيمان هذا، ومر عبد الله بن عمرو بن العاص في الثالث منه أيضًا.

стр. 653

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مصريون ما خلا قُتيبة فإنه بَلْخيّ كما مر، ورواته كلهم أئمة أجلاء وقد مر في الخامس من الإِيمان مواضع إخراجه. باب كُفران العشير وكفر دون كفر فيه أبو سعيد عن النبي ﷺ - قال ابن العربي: مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانًا، كذلك المعاصي تسمى كفرًا، لكن حيث يُطلق عليها الكُفر، لا يُراد به الكفر المخرج منِ الملة، والكُفْران -بالضم- من الكَفر -بالفتح- وهو السّتر، ومن ثَمَّ سمي ضد الإِيمان كُفرًا لأنه سترٌ على الحق وهو التوحيد، وأُطلق أيضًا على جَحْد النعم، لكن الأكثرون على تسمية ما يقابل الإِيمان كفرًا، وعلى جَحْد النعم: كفرانًا، والعشير هو الزوج، قيل له: عشير، بمعنى معاشر، مثل: أكيل، بمعنى مُؤاكل، فـ "ال" فيه للعهد، أو العشير بمعنى المعاشر، أي: المخالط مطلقًا، فتكون "ال" للجنس، وخُصَّ كفران العشير -على أنه الزوج- من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة، وهي قوله ﷺ : "لَوْ أمَرت أحدًا أن يَسجُد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجُد لزوجها" فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله تعالى، فإذا كفرت المرأة حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية، كان ذلك دليلًا على تهاونها بحق الله، فلذلك يطلق عليها الكفر، ولكنه كُفر لا يخرج من الملة. وقد قال ابن بَطّال: كفر نعمة الزوج هو كفر نعمة الله، لأنها من الله أجراها على يده، وأما قول المصنف: وكفر دون كفر، فأشار إلى أثرٍ رواه أحمد في كتاب الإِيمان، من طريق عطاء بن أبي رباح، والمراد منه أن الكفر يتفاوت، فبعضه أقرب من بعض. فأخذ أموال الناس بالباطل دون قتل النفس بغير حق، وفي بعض الأصول: "وكفر بعد كفر" ومعناه كالأول، والجمهور على جر "وكفر" عطفًا على "كفران" المجرور، ولأبَوي ذر والوقت كفر بالرفع على القطع.

стр. 654

وقوله: "فيه أبو سعيد" أي: يدخل في الباب حديث رواه أبو سعيد، وفي رواية كريمة، فيه عن أبي سعيد، أي: مروي عن أبي سعيد، وفائدة هذا الإِشارة إلى أن للحديث طريقًا غير الطريق المساقة، فيزداد قوة بتكثير الطرق، وهذا المعنى كثير في الترمذي، فيقول في الباب: عن فلان وفلان، وقد قالوا: إن لهذا فوائد أحداها: هذه المارة. الثانية: أن تعلم رواته ليتتبع رواياتهم ومسانيدهم من يرغب في شيء من جمع الطرق أو غيره لمعرفة متابعة أو استشهاد أو غيرهما. الثالثة: ليعرف أن هؤلاء المذكورين رووه، فقد يتوهم مَن لا خبرة له أنه لم يروه غير ذلك المذكور في الإِسناد، فربما رآه في كتاب آخر عن غيره، فيتوهمه غلطًا، وزعم أن الحديث إنما هو من جهة فلان، فإذا قيل في الباب: عن فلان وفلان زال الوهم المذكور. الرابعة: الوفاء بشرطه صريحًا إذ شرطه على ما قيل أن يكون لكل حديث راويان فأكثر. الخامسة: أن يصير الحديث مستفيضًا، فيكون حجة عند المجتهدين الذين اشترطوا كون الحديث مشهورًا في تخصيص القرآن ونحوه، والمشهور أي: المستفيض، ما زاد نقلته على الثلاث كما مر، وحديث أبي سعيد المذكور أخرجه المؤلف في الحيض، وغيره من طريق عِياض بن عبد الله عنه، وفيه قوله ﷺ للنساء: "تَصدَّقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقلن: ولم يا رسول الله؟ قال: "تُكثرن اللعن، وتكْفُرن العشير" الحديث. ويُحتمل أن يريد بذلك حديث أبي سعيد لا يَشْكُر الله من لا يشكر الناس، والأول أظهر، وأجري على مألوف المصنف، ويعضُده إيراده لحديث ابن عباس بلفظ: "وتكفُرن العشير". وقد مر أبو سعيد في الثاني عشر من كتاب الإِيمان هذا.

стр. 655

الحديث الثاني والعشرون ٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ» قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». قوله: "أُريت النار" بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، والتاء هو النائب، والنار المفعول الثاني، أي: أراني الله النار، وفي رواية تأتي في الكسوف: "ورأيت النار" بالواو، وفي رواية: "فرأيت" بالفاء. وقوله: "فإذا أكثر أهلها النساء" برفع أكثر مبتدأ خبره النساء، وفي رواية: "رأيت النار فرأيت أكثر أهلها النساء" بنصب أكثر والنساء مفعولي رأيت، وفي رواية: "أريتُ النار أكثر أهلها النساء" بحذف فرأيت، وحينئذ فقوله: "أريت" بمعنى أُعلمت، والتاء والنار والنساء مفاعيله الثلاثة، وأكثر بدل من النار وفي رواية: "رأيت النار" بالنصب "أكثرُ" بالرفع. لم يذكر المصنف في هذه الرواية هنا رؤيته ﵊ الجنة، وذكرها في الرواية الآتية في الكسوف، فقال فيها: "إني رأيت الجنة، فتناولت منها عُنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار ... إلخ". قال في "الفتح" ظاهره أنها رؤية عين، فمنهم من حمله على أن الحُجُب كُشفت له دونها، فرآها على حقيقتها، وطُويت المسافة بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها، وهذا أشبه بظاهر هذا الخبر، ويؤيده حديث

стр. 656

أسماء في أوائل صفة الصلاة بلفظ: "دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقِطْف من قِطافها" ومنهم من حمله على أنها مُثِّلت له في الحائط كما تنطبع الصورة في المرآة، فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس الآتي في التوحيد: "لقد عُرضت علي الجنةُ والنار آنفًا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي". وفي رواية: "لقد مُثِّلت" ولمسلم: "لقد صُوِّرت" ولا يرد على هذا أن الانطباع إنما هو في الأجسام الصَّقيلة، لأنا نقول هو شرط عادي، فيجوز أن تنخرق العادة خصوصًا للنبي ﷺ ، لكن هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر، ولا مانع من أن يرى الجنة والنار مرتين بل مرارًا على صور مختلفة، وأبْعَد من قال: إن المراد بالرؤية رؤية العلم، فإنه كان عالمًا علمًا تامًا بهما قبل هذا الوقت. قال القُرطبيّ: لا إِحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، سيما على مذهب أهل السنة في أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه ﵊ إدراكًا خاصًا به أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما. وقوله: "ولو أصَبْته" في رواية مسلم: "ولو أخذته" واستشكل مع قوله: "تناولت" وأجيب يحمل التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ، أو بأن الإِرادة مُقَدَّرة، أي: أردت أن أتناول، ثم لم أفعل، ويؤيده حديث جابر عند مسلم: "ولقد مَدَدتُ يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه، ثم بدا لي أن لا أفعل" ومثله للمصنف في آخر الصلاة عن عائشة بلفظ: "حتى لقد رأيْتُني أريد أن آخذ قِطفًا من الجنة حين رأيتُموني جَعَلت أتقدم" ولعبد الرزاق من طريق مُرسلة: "أردتُ أن آخذ منها قِطفًا لأُريكُموه، فلم يُقدَّر" ولأحمد من حديث جابر: "فحِيل بيني وبينه" وقيل: المراد تناولت لنفسي، ولو أخذته لكم، وليس بجيد. وقيل: المراد بقوله: "تناولت" أي: وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على تناوله، لكن لم يقدر لي قطفُه، "ولو أصبته" أي: لو تمكنت من قطفه، ويدل عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خُزيمة: "أهوى بيده ليتناول شيئًا"

стр. 657

وللمصنف في أوائل الصلاة عن أسماء: "حتى لو اجترأت عليها" وكأنه لم يؤذن له في ذلك، فلم يجترىء عليه. قال ابن بَطّال: لم يأخذ العنقود لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى، والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يَفنى. وقيل: إنه لو رآه الناس لكان من إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، فيُخشى أن يقع رفع التوبة، فلا ينفع نفسًا إيمانها. وقيل: لأن الجنة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة، وأما قول ابن العربي عن بعض شيوخه: إن معنى قوله: "لأكلتم منه" أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل دائمًا، بحيث لا يغيب عن ذوقه، فهو باطلٌ، لأنه رأي فلسفيٌّ مبنيٌّ على أن دار الآخرة لا حقيقة لها، وإنما هي أمثال، والحق أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وإذا قطعت خلقت في الحال، فلا مانع أن يخلق الله مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، فالفرق بين الدارين في وجوب الدوام وجوازه. قوله: "ورأيتُ النار" وقع في رواية عبد الرزاق أن رؤيته النار كانت قبل رؤيته الجنة، وذلك أنه قال فيه: عرضت على النبي ﷺ النار، فتأخر عن مصلاه، حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضًا، وإذا رجع عُرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مُصلاه. ولمسلم من حديث جابر: "لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها" وفيه: "ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدمت، حتى قمت في مقامي" وزاد فيه: "ما من شيء توعدونه إلا قد رأيتُهُ في صلاتي هذه" وفي حديث سَمُرة عند ابن خُزيمة: "لقد رأيتُ منذ قُمت أصلي ما أنتم لاقون في دُنياكم وآخرتكم". وقوله: "يكفُرن" بياء المضارعة، جملة مستأنفة تدل على السؤال، كأنه جواب سؤال سائل سأل: يا رسول الله لم؟ قال: "يكفرن"، وفي رواية "بكفرهن" أي: بسبب كفرهن. وقوله: "يكفُرن العشير" أي: الزّوج، أو المعاشر مطلقًا كما مر قريبًا. قال الكِرْماني: لم يُعدِّ كفر العشير بالباء كما عدى الكفر بالله، لأن كفر

стр. 658

العشير لا يتضمن معنى الاعتراف. وقوله: "ويكفُرن الإِحسان" كأنه بيان لقوله: "يكفرن العشير" لأن المقصود كفر إحسان العشير لا كفر ذاته، والمراد بكفر الإِحسان تغطيتُه أو جَحْده، كما يدل عليه آخر الحديث. قال النووي: تَوَعُّدُه على كفران العشير وكفران الإِحسان بالنار يدل على أنهما من الكبائر. وقوله: "لو أحسنتَ إلى إحداهن الدَّهر كله" بيان للتغطية المذكورة، والدهر منصوب على الظرفية، والمراد منه مدة عمر الرجل، أو الزمان كله مبالغة في كُفرانهن، وليس المراد بقوله: "أحسنت" مخاطبة رجل بعينه، بل كل من يتأتى منه أن يكون مخاطبًا، فهو خاصٌّ لفظًا، عام معنىً، فهو على سبيل المجاز، لأن الأصل في الخطاب أن يكون خاصًّا، لكنه جاء على نحو ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] ولو هنا شرطية لا امتناعية من قبيل: نعم العبدُ صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فالحكم ثابت على النقيضين، والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور. وقوله: "ثم رأت منك شيئًا" التنوين فيه للتقليل، أي: شيئًا قليلًا لا يُوافق غرضها من أي نوع كان، أو شيئًا حقيرًا لا يعجبها. وقوله: "قالت ما رأيت منك خيرًا قطُّ" أي: بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومة على الأشهر ظرف زمان لاستغراق ما مضى، وقد مضى ما فيها من اللغات في حديث: "أول ما بُدىء به رسول الله ... إلخ" في بدء الوحي. ووقع في حديث جابر ما يدل على أن المرئي في النار من النساء من اتصف بصفات ذميمةٍ ذُكرت، ولفظه: "وأكثر من رأيت فيها من النساء اللّاتي إن اؤتِمِنَّ أفْشين، وإن سُئلن بَخِلن، وإن سألْن ألْحفن، وإن أُعطينَ لم يَشكُرن" .. الحديث. وفي هذا الحديث من الفوائد وعظ الرئيس المرؤوس وتحريضه على

стр. 659

الطاعة، ومراجعته المتعلم العالم والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه، وجواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجَحْد الحق، وإن المعاصي تُنقص الإِيمان، لأنه جعله كفرًا، ولا يخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار، وإن إيمانهن يزيد بشكر نعمة العشير، فثبت أن الأعمال من الإِيمان، وفيه معجزةٌ ظاهرةٌ للنبي ﷺ ، وما كان عليه من نُصح أمته وتعليمهم ما ينفعهم وتحذيرهم مما يَضرُّهم، وفيه أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان، وجواز العمل في الصلاة إذا لم يَكثُر. وحديث ابن عبّاس هذا طرفٌ من حديث طويل أورده المصنف في باب صلاة الكسوف، ونبه هنا على فائدتين: إحداهما: أن البخاري يذهبُ إلى جواز تقطيع الحديث إذا كان ما يفصله منه لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقًا يُفضي إلى فساد المعنى كما هو أحد الأقوال الأربعة الآتية في الاقتصار على بعض الحديث، فصنيعه ذلك يوهم من لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام، لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء التام، كما وقع في هذا الحديث، فإن أوله هنا قوله ﷺ : "أُريت النار" إلى آخر ما ذكر منه، وأول التام عن ابن عباس قال: خَسَفَت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فذكر صفة صلاة الكسوف، ثم خُطبة النبي ﷺ ، وفيها القَدْر المذكور هنا، فمن أراد عد الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب يظن أن هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف الابتداء، وقد وقع في ذلك من حكى أن عدته بغير تكرار أربعة آلاف ونحوها، كابن الصلاح، والشيخ محي الدين النووي، ومن بعدهما، والحق أن عدته على التحرير ألفا حديث وخمس مئة حديث وثلاثة عشر حديثًا كما يأتي إن شاء الله تحريره في خاتمة هذا الكتاب. الفائدة الثانية تقرر أن البخاري لا يُعيد الحديث إلا لفائدة، لكن تارة تكون في المتن، وتارة تكون في الإِسناد، وتارة فيهما، وحيث تكون في المتن خاصة لا يُعيده بصورته، بل يتصرف فيه، فإن كثرت طرقه أورد لكل باب طريقًا، وإن قلت اختصر المتن أو الإِسناد، وقد صنع

стр. 660

ذلك في هذا الحديث، فإنه أورده هنا، وأورده في مواضع يأتي ذكرها بعد الإِسناد، طورًا يقتصر على موضع الحاجة، وطورًا يورده تامًّا، وعلى هذه الطريقة يُحمل جميع تصرفه، فلا يُوجد في كتابه حديث على صورة واحدة في موضعين فصاعدًا. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن مَسلمة القَعْنبي، وقد مرّ في الثاني عشر من كتاب الإِيمان هذا. ومرّ الإِمام مالك في الثاني من بدء الوحي. والثالث: زيد بن أسلم القُرَشي العَدوي أبو أسامة، ويقال: أبو عبد الله المدني الفقيه مولى عُمر بن الخطاب. وثقه أحمد، وأبو حاتم، والنّسائي، وقال ابن سَعد: كان ثقة كثير الحديث. قال مالك: كان زيد يحدث من تِلقاء نفسه، فإذا قام لم يجترىء عليه أحد. وكان مالك يقول: ما هِبْت أحدًا قطُّ هيبتي زيد بن أسلم. وكان زيد يقول لابن عجلان: اذهب فتعلم كيف يُسأل؟ ثم تعال. وقال العطّاف بن خالد: حدث زيد بن أسلم بحديث، فقال له رجل: يا أبا أسامة عمّن هذا؟ فقال: يا ابن أخي ما كُنا نجالس السفهاء. وكان علي بن الحسين يجلِس إلى زيد بن أسلم، ويَتخطّى مجالس قومه، فقال له نافع بن جُبير بن مُطْعم: تتخطى مجالس قومك إلى عبد عمر بن الخطاب، فقال علي: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه. وقال مالك كانت لزيد بن أسلم حلقة في مسجد رسول الله ﷺ . وقال عبد الرحمن بن زيد: قال لي أبو حازم: لقد رأيتنا في مجلس أبيك أربعين حَبْرًا فقيهًا، أدنى خَصْلة بنا التَّواسي بما في أيدينا، فما رؤي منا متماريان ولا متنازعان في حديث لا ينفعهما قط. وقال أيضًا: كان أبي له جلساء، فربما أرسلني إلى الرجل منهم، قال: فيقبل رأسي ويمسحه، ويقول: والله لَأبوك أحب إلي من ولدي وأهلي، ووالله لو خيرني الله أن يذهبَ

стр. 661

به أو بهم لأحببت بهم ويبقى لي زيد، وقال يعقوب بن شَيْبة: ثقة من أهل العلم والفقه، وكان عالمًا بتفسير القرآن. قال. عُبيد الله بن عمر: لا أعلم به بأسًا، إلا أنه يفسر القرآن برأيه ويكثر منه. وقال ابن عُيينة: كان رجلًا صالحًا، وكان في حفظه شيء. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". روى عن: أبيه، وابن عُمر، وأبي هريرة، وعائشة، وجابر، وربيعة ابن عبّاد الدِّيلي، وسَلمة بن الأكوع، وأنس، وأبي صالح السمّان، والأعْرج، وعلي بن الحسين، وغيرهم. وروى عنه: أولاده الثلاثة أسامة وعبد الله وعبد الرحمن، ومالك، وابن عجلان، وابن جُرَيْج، والسُّفيانان، وسليمان بن بلال، وجَرير بن حازم، ومَعمر، وغيرهم. مات في العشر الأُول من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومئة. وليس في الستة زيد بن أسلم سواه، وأما زيدٌ فكثير. الرابع: عطاء بن يَسار الهِلالي المدني أو محمد القاصّ مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، وهو أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله بني يسار أحد الأعلام. قال ابن مَعين، وأبو زُرعة، والنّسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: قدم الشام، فكان أهل الشام يُكَنّون بأبي عبد الله، وقدم مصر فكان أهلها يُكنّونه بأبي يسار، وكان صاحب قصص وعبادة وفضل. روى عن: مولاته ميمونة، ومعاذ بن جَبَل -وفي سماعه منه نظر- وعن أبي ذَر، وأبي الدّرداء، وزيد بن ثابت، وأبي هُريرة، وعائشة، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وغيرهم. وروى عنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن -وهو من أقرانه- ومحمد بن عمر بن عطاء، وهِلال بن علي، وزيد بن أسلم، وصَفْوان بن سُليم، وعمرو بن دينار، وآخرون.

стр. 662

مات بالاسكندرية سنة ثلاث أو أربع ومئة وهو ابن أربع وثمانين سنة. والهلالي في نسبه نسبة إلى بني هلال بالولاء، حي من هوازن، وهم بنو هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هَوازن، منهم ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، وهو مولاها كما مر، ومنهم حُميد بن ثَوْر الشاعر الصحابي، ومنهم أبو زيد الهِلالي المشهور في الشجاعة والكرم، ولهم بقية في ريف مصر. الخامس: عبد الله بن عباس، وقد مرّ في الخامس من بدء الوحي. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، ورواته كلهم مدنيون إلا ابن عباس، وهو أيضًا أقام بالمدينة، وكلهم أئمة أجلاء كبار. وهذا الحديث أخرجه البخاري، وهو طرف من حديث طويل أورده في صلاة الكسوف بهذا الإِسناد تامًّا، وفي الصلاة في باب من صلى وقُدّامُهُ نارٌ بهذا الإِسناد بعينه، وفي بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر عن غير القَعْنبيّ مقتصرًا على محل الحاجة منه، وفي عِشرة النساء عن شيخ غيرهما، وفي كتاب العلم عن سُليمان بن حَرب. ومسلم في العيدين عن أبي بكر، وغيره عن سفيان. وقد مرّ قريبًا أن هذا الحديث طرف من حديث طويل مختصر، والاقتصار على بعض الحديث في غير التأليف والأبواب في أربعة أقوال. قيل: يمنع مطلقًا تعلق المحذوف بالمثبت تعلقًا يُخِلُّ حذفه بالمعنى أم لا، لأن رواية الحديث ناقصًا تقطعه وتغيره عن وجهه. وقيل: يجوز إن انتفى التعلق المذكور، وإلا فلا يجوز بلا خلاف. وقيل: يجوز إن اَتَمَ إيراد الحديث منه أو من غيره مرة أخرى ليؤمن بذلك من تفويت حكم أو نحوه، وإلا فلا، وإن جوّز قائله الرواية بالمعنى. وقيل يجوز للعالم العارف -وإن لم تَجُز الرواية بالمعنى- لا لغيره.

стр. 663

قال ابن حَجَر ينبغي أن لا يكون هذا الرابع قولًا برأسه، بل يجعل شرطًا لمن أجاز، فإن منع غير العالم من ذا الفعل لا يُخالف فيه أحد. وهذا القول الرابع هو الذي عليه الجمهور، ويوصف بالصحيح دون غيره من بقية الأقوال بشرط أن يكون ما اختصره من المتن غير متعلق بالذي ذكره تعلقًا يُخلُّ حذفه بالمعنى، لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين، أما إذا تعلق به المذكور كالاستثناء والغاية والحال كقوله ﷺ : "لا يُباع الذّهب بالذهب إلا سواء بسواء" فلا يجوز حذفه بلا خلاف، وهذا الخلاف محله إذا وقع الاقتصار على بعض الحديث في الرواية، أما إذا قُطِع الحديث المشتمل على أحكام في الأبواب بحسب الاحتجاج به على مسألة فهو بعيد من المنع، وقد فعله من الأئمة مالك وأحمد والبخاري والنّسائي وغيرهم. وحُكي الخلاف عن أحمد أنه ينبغي أن لا يفعل. قال ابن الصلاح: ولا يخلو من كراهية. ومحل الخلاف أيضًا إذا كان الفاعل غير متهم، وأما إذا كان متهمًا فلا يجوز له أن يفعله سواء رواه ابتداءً ناقصًا أم تامًّا، لأنه إن رواه تامًّا بعد أن رواه ناقصًا اتُّهم بزيادة ما لم يسمعه، أو بالعكس اتُّهم بنسيانه لقلة حفظه، فيجب عليه أن يرويه تامًّا لِيَنفي هذه المَظنّة عن نفسه، فإن خالف ورواه ناقصًا جاز له عدم تكميله بعد ذلك، وكَتْم تلك الزيادة خوفَ اتِّهام الزيادة اهـ ثم قال المصنف: وقوله: "ولا يُكفَّر" بتشديد الفاء المفتوحة، وفي رواية أبي الوقت، بفتح أوله وإسكان الكاف. وقوله: "إلا بالشّرك" أي: أن كل معصية تُؤخذ من ترك واجبٍ أو فعل محرم فهي من أخلاق الجاهلية، والشرك أكبر المعاصي، ولا يُنسب أحد إِلى الكفر بارتكاب معصية إلا بارتكاب الشرك. بابٌ المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي ﷺ : "إنك امرؤ فيك جاهلية" وقول الله تعالى:

стр. 664

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. باب بالتنوين، وسقط عند الأصيلي، والمعاصي مبتدأ، خبره من الجاهلية، والجاهلية زمان الفترة قبل الإِسلام، وسُمي بذلك لكثرة الجهالات فيه، وقد يُطلق في شخص معين أي في حال جاهليته. ومحصل الترجمة أنه لما قَدَّم أن المعاصي يطلق عليها الكفر مجازًا على إرادة كفر النعمة لا كفر الجَحْد، أراد أن يُبّين أنه كفر لا يُخرج من الملة، خلافًا للخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وللمعتزلة القائلين بأنه لا مؤمن ولا كافر، واحتَرَز بالارتكاب عن الاعتقاد، فلو اعتقد حِلَّ حرام معلوم من الدين بالضرورة كفر قطعًا، واستدل المصنف على ما ذكر بقوله ﷺ : "إنك امرؤٌ فيك جاهلية" وبآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، أما الاستدلال بالآية فظاهر، فإنه صيَّر ما دون الشِّرك تحت إمكان المغفرة، فمن مات على التوحيد غيرُ مخلد في النار وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما عساه أن يرتكب، والمراد بالشِّرك في هذه الآية الكفر، لأن من جحد نبوة محمَّد ﷺ مثلًا كان كافرًا ولو لم يَجْعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف، وقد يَردُ الشرك ويراد به ما هو أخص من الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وأما قصة أبي ذرٍّ فإنما ذكرت ليُستدَلَّ بها على أن من بقيت فيه خَصْلة من خِصال الجاهلية سوى الشرك لا يخرُجُ عن الإِيمان بها سواء كانت من الكبائر أم الصغائر. وقوله: "إنك امرؤ فيك جاهلية" أي: إنك في تعييره بأمه على خُلُقٍ من أخلاق الجاهلية، ولست جاهليًا محضًا، مع أن منزلة أبي ذر من الإِيمان في الذِّروة العالية، وإنما وبّخه بذلك على عظيم منزلته عنده تحذيرًا له عن معاودة مثل ذلك، لأنه وإن كان معذورًا بوجه من وجوه العُذر، لكنّ وقوع ذلك من مثله يُستعظم أكثر ممن هو دونه.

стр. 665

الحديث الثالث والعشرون ٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاصِلٍ عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». قوله: "وعليه حُلّة وعلى غلامه حُلّة" هكذا رواه أكثر أصحاب شعبة عنه، والحلة -بضم الحاء- لا تكون إلا من ثوبين غير لَفِقَيْن رداء وإزار، سميت بذلك لأن كل واحد منهما يَحُلُّ على الآخر، وروي عن بعض أهل اللغة أن الحُلة لا تكون إلا من ثوبين جديدين يَحُلُّهما من طيِّهما، فأفاد أصل تسمية الحلة، وهو غير ما مر، والجملة حالية، وفي رواية الإِسماعيلي عن شُعبة: أتيت أبا ذرٍّ، فإذا حلّة عليه منها ثوب وعلى عبده منها ثوب. وهذا يوافق ما في اللغة من أن الحُلّة ثوبان من جنس واحد، ويؤيده ما في رواية الأعمش عند المؤلف في الأدب بلفظ: رأيت عليه بُردًا وعلى غلامه بُردًا، فقلت: لو أخذت هذا فلبِستهُ كانت حلة. ويجمع بين الروايتين بأنه كان عليه بردٌ جيد تحته ثوب خلِق من جنسه. وعلى غلامه كذلك، وكأنه قيل له: لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الذي عليك، وأعطيت الغلام البرد الخَلق بدله، لكانت حلة جيدة، فتلتئمُ بذلك الروايتان. ويحمل قوله في حديث الأعمش: كانت

стр. 666

حلة، أي: كاملة الجَوْدة، فالتنوين للتعظيم، وغلام أبي ذَرٍّ المذكور لم يُسَمَّ، ويحتمل أن يكون أبا مُرَاوح، ويأتي تعريفه في الثالث من العِتق عند روايته هناك. وقوله: "فسألته عن ذلك" أي: عن السبب في إلباسه غلامه نظير لبسه لأنه على خلاف المألوف، فأجابه بحكاية القصة التي كانت سببًا لذلك، وسبب السؤال أن العادة جاريةٌ بأن ثياب الغلام دون ثياب سيده. وقوله: "إني ساببتُ رجلًا" في رواية الإسماعيلي: "شاتمت" وللمؤلف في "الأدب المفرد" "كان بيني وبين رجل كلام" وزاد مسلم: "من إخواني" ومعنى ساببت: وقع بيني وبينه سِباب بالتخفيف، وهو من السبِّ بالتشديد، وهو القطع، وقيل: مأخوذ من السبَّة بالفتح، وهي حلقة الدبر، سمي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد، فعلى الأول المراد قطع المسبوب، وعلى الثاني المراد كشف عورته، لأن من شأن السباب إبداء عورة المسبوب. وقوله: "فعيَّرته بأمه" أي: نسبته إلى العار، زاد في الأدب: "وكانت أمه أعجمية، فنِلت منها، وقلت له: يا ابن السوداء" والأعجمي من لا يفصح باللسان العربي، سواء أكان عربيًا أو عجميًا، والفاء في "فعيرته" قيل: هي تفسيرية، كأنه بين أن التعيير هو السبب على حد قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] فإن قتل الأنفس هو عين التوبة، والظاهر أنه وقع بينهما سِباب وزاد عليه التعيير، فتكون عاطفة، ويدل عليه رواية مسلم: قال: "أعيرته بأمه؟ فقلت: من سَبَّ الرجال سبوا أباه وأمه". وقوله: "أعيرته بأمه؟ " بالاستفهام على وجه الإِنكار التَّوْبيخي. وقوله: "إنك امرؤ فيك جاهلية" امرؤ بالرفع خبر إن، وعين كلمته تابعة للامها في أحوالها الثلاث كما مر في حديث: "إنما الأعمال" وفيك

стр. 667

جاهلية مبتدأ قُدِّم خبره، أي: فيك خصلة من خصال الجاهلية، ولعل هذا كان من أبي ذرٍّ قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خِصال الجاهلية باقية فيه، فلهذا قال كما عند المصنف في الأدب: "قلت: على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم" كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنه، فبين له كون هذه الخصلة مذمومة شرعًا، وكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره أخذًا بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط المواساة لا المساواة. وقد جاء في سبب إلباس أبي ذَرٍّ غلامه مثل لبسه أثر مرفوع أصرح من هذا وأخص، أخرجه الطبراني عن أبي أمامة أن النبي ﷺ أعطى أبا ذرٍّ غلامًا، فقال: "أطعمه مما تأكل وألبسه مما تلبس"، وكان لأبي ذر ثوب، فشقه نصفين، فأعطى الغلام نصفه، فرآه النبي- ﷺ فسأله، فقال: قلت يا رسول الله: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون" قال: "نعم" وفي السياق دِلالة على جواز تعدية عيرته بالباء، وأنكره ابن قُتيبة قائلًا: إنما يُقال: عيرتُهُ أُمَّه، وتبعه بعضهم، وقال آخرون: إنها لغة، وكفى بالحديث دليلًا. وقول الشاعر: أيُّها الشّامتُ المعَيرِّ بالدّهرِ والرجل الذي عيره هو بلالٌ المؤذن مولى أبي بكر الصديق، روى ذلك الوليد بن مُسلم منقطعًا. وروى البرماذي أنه لما شكاه بلال إلى النبي ﷺ ، قال له: "شتمتَ بلالًا وعيرتَه بسواد أمه؟ " قال: نعم. قال: "حَسبتُ أنه بقي فيك شيءٌ من كِبْرِ الجاهلية" فألقى أبو ذرٍّ خده على الأرض، ثم قال: لا أرفع خدي حتى يطأ بلالٌ خدي بقدمه. زاد ابن المُلَقِّن: فوطِىء خده. ويأتي تعريف بلال في التاسع والثلاثين من الإِيمان حيث ذُكر هناك. وقوله: "إخوانكم" يعني من جهة أن الكل أولاد آدم، فهو على سبيل

стр. 668

المجاز، أو من جهة الإِسلام، والمماليك الكفرة إما أن نجعلهم في هذا الحكم تابعين للماليك المؤمنة، أو نخصص هذا الحكم بالمؤمنة. وقوله: "خَوَلكم" بالتحريك مبتدأ خبره إخوانكم، وقدم الخبر للاهتمام بشأن الأخوة، ويجوز أن يكونا خبرين حُذف من كلٍّ مبتدؤه، أي: هم إخوانكم هم خولكم، وأعربه الزَّركشيّ بالنصب، أي: احفظوا. قال أبو البقاء: هو أجود، لكن رواه البخاري في كتاب حسن الخلق: "هم إخوانكم" وهو يُرجح تقدير الرفع، والخَوَل -بفتح المعجمة والواو- هم الخدم، سُمّوا بذلك لأنهم يَتَخوّلون الأمور، أي: يصلحونها. ومنه الخُوليّ لمن يقوم بإصلاح البستان، ويقال: الخول: جمع خائل، وهو الراعي، وقيل: التخويل: التمليك، يقال: خَوّلك الله كذا، أي: ملكك إياه. وقوله: "تحت أيديكم" مجاز عن القدرة أو الملك، أي: وأنتم مالكون إياهم. وقوله: "فليُطعِمه مما يأكُل وليُلبسه مما يلبس" أي من جنس ما يأكل، ومن جنس ما يلبس، والمثناة التحتية في فليطعمه وليلبسه مضمومة، ومن يلبس مفتوحة، والفاء في فمن عاطفة على مقدر، أي: وأنتم مالكون، ويجوز أن تكون سببية على حد قوله: فتُصبح الأرض مخضرة، ومن للتبعيض، فإذا أطعم عبده مما يقتاته كان قد أطعمه مما يأكله، ولا يلزمه أن يُطعمه من كل مأكوله على العموم من الأُدْم وطيبات العيش كما يدل عليه حديث أبي هريرة الآتي في العِتق: "فإن لم يُجْلسه معه، فليناوله لقمةً أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه قد ولي علاجه" فالمراد: المواساة لا المساواة، لكن من أخذ بالأكمل كأبي ذرٍّ فعل المساواة وهو الأفضل، فلا يستأثر المرء على عياله من ذلك وإن كان جائزًا. وفي "الموطأ" و"مسلم" عن أبي هريرة مرفوعًا: "للمَمْلوك طعامه

стр. 669

وكِسْوته من المعروف، ولا يُكلَّف من العمل ما لا يُطيق" وهي يقتضي الرد في ذلك إلى العُرف، فمن زاد عليه كان متطوعًا، وأما ما حكاه ابن بَطّال عن مالك أنه سُئل عن حديث أبي ذر، فقال: كانوا يومئذٍ ليس لهم هذا القوت واستحسنه ففيه نظر لا يَخْفى، لأن ذلك لا يمنع حمل الأمر على عمومه في حق كل أحد بحَسَبِه. قاله في "الفتح". قلت: في نظره نظر، لأن ما نظر فيه هو عين ما مر قريبًا من أن الأمر في ذلك موكول إلى العُرف، فكلام مالك جمعٌ بين الحديثين بيّن فيه أن حديث أبي ذر في زمن ليس لهم فيه هذا القوت المتفاوت المُحتاج فيه إلى حمل الأمر على العُرف. قوله: "ولا تُكلِّفوهُم ما يغلبهم" أي: تعجِز قدرتهم عنه لعظمه أو لصعوبته، والنهي فيه للتحريم، والتكليف: تحميل النفس شيئًا فيه كِلفة، وقيل: هو الأمر بما يَشُقُّ. وقوله: "فإن كلَّفتموهم فأعينُوهُم" أي: كلفتموهم ما يغلِبهم، وحُذف للعلم به، والمراد أن يُكلِّف العبد جنس ما يقدر عليه، فإن كان يستطيعه وحدَه، وإلا فلْيعِنه بغيره، ويُلحق بالعبد الأجير والخادم والضيف والدّابة. وفي الحديث: النهي عن سب العبيد ومن في معناهم وتعييرهم بمن وَلَدهم، والحث على الإِحسان إليهم والرفق بهم، وعدم الترفع على المسلم والاحتقار له، وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإطلاق الأخ على الرقيق، وأن التفاضل الحقيقي بين المسلمين إنما هو في التقوى فلا يُفيد الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى، ويستفيد الوضيع النسب بالتقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. رجاله خمسة: الأول: سليمان بن حرب وقد مرّ في الرابع عشر من كتاب الإِيمان.

стр. 670

ومرّ شعبة بن الحجاج في الثالث منه أيضًا. الثالث: واصل بن حيّان -بتشديد الياء آخر الحروف- الأحْدب الأسديّ الكوفي بيّاع السّابَرِي. قال أبو داود والنّسائي والعجليّ وابن مَعين: ثقة. وقال ابن معين في رواية أخرى: ثبت. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". روى عن: أبي وائل، وشريح القاضي، والمعرور بن سويد، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وروى عنه: أبو إسحاق الشّيباني، وعبد الملك بن سعيد بن أبْجر، وشعبة، والثّوري، وجرير بن حازم. مات سنة عشرين ومئة، وقيل سنة تسع وعشرين. وقال خليفة: مات في خلافة مَرْوان بن محمَّد. وحَيّان إن أخذ من الحين ينصرف، وإن أخذ من الحياة لا ينصرف، وكل ما في الكتب الستة فهو حيان بالياء المشددة بعد الحاء سُمًا أو كُنية ما عدا: حِبّان -بكسر الحاء وبالباء الموحدة- جد أحمد بن سنان بن حِبّان القطان، وحبّان بن موسى المَروزيّ ويأتي قبل عبد الله بن المبارك غير منسوب، روى عنه الشيخان في "صحيحيهما"، وحِبّان بن عَطية وله ذكر في "البخاري" في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وحِبّان بن العَرِقة -لعنه الله تعالى- قاتل سعد بن معاذ له ذكر في "الصحيحين" في حديث عائشة ﵂: أن سعد بن معاذ رماه رجلٌ من قريش يقال له: حبّان بن العَرِقة -بكسر الراء- وقيل: بفتحها، لقب أمه، لُقِّبت بذلك لطيب ريحها، واسمها قِلابة بنت سُعيد -بضم السين- ابن سهم وأما اسم أبيه فقَيْس، أو أبو قيس، وما عدا ثلاثة أيضًا بفتح الحاء: حَبان ابن مُنقذ -بكسر القاف وضم الميم وبالذال المعجمة- له ذكر في "الموطأ" وحفيده حَبّان بن واسع بن حبّان بن مُنقذ وحديثه في "الموطأ" والشيخين، وابن أخي واسع محمَّد بن يحيى بن حَبّان، حديثه في الثلاثة أيضًا،
следующие страницы →