Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
العلم منهم القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، فسألهم عن التطيب قبل الإِفاضة، فكلهم أمره به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة قد اتفقوا على ذلك، فكيف يدعى مع ذلك أن العمل على خلافه.
وقوله: "ولحله قبل أن يطوف بالبيت" أي: لأجل إحلاله من إحرامه قبل أن يطوف طواف الإِفاضة، وسيأتي في اللباس بلفظ: "قبل أن يفيض"، وللنسائي من هذا الوجه: وحين يريد أن يزور البيت، ولمسلم نحوه، وللنسائي عن عروة، عن عائشة: ولحله بعدما يرمي جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت.
واستدل به على حل الطيب وغيره من محرمات الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته على الطواف بالبيت، وهو دال على أن للحج تحللين، فمن قال إن الحلق نسك كما هو قول الجمهور وهو الصحيح عند الشافعية يوقف استعمال الطيب وغيره من المحرمات المذكورة عليه، ويؤخذ ذلك من كونه ﷺ في حجته رمى ثم حلق، ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف في قولها: قبل أن يطوف بالبيت.
قال النووي في "شرح المهذب": ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل أن الحلق ليس بنسك إلا الشافعي، وهو في رواية عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف، ولا يتناول تطيبه ﵊ عند الإِحرام تطييب ثيابه لقولها: كنت أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته، فهو خاص بالبدن، وقد اتفقت الشافعية على أنه لا يستحب تطييب الثياب عند الإِحرام، وشذّ المتولي فحكى قولًا باستحبابه. نعم في جوازه خلاف، والأصح الجواز، فلو نزعه ثم لبسه، ففي وجوب الفدية وجهان صحح البغوي وغيره الوجوب. أ. هـ.
رجاله خمسة قد مرُّوا:
مرّ عبد الله بن يوسف، ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من الغسل، ومرّ أبو القاسم في الحادي عشر عنه، أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6057
باب من أهلَّ ملبِّدا
أي: أحرم وقد لبّد شعر رأسه، أي: جعل فيه شيئًا نحو الصمغ ليجتمع شعره لئلا يتشعث في الإحرام، أو يقع فيه القمل. أ. هـ.
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا.
والحديث مطابق للترجمة، وقوله: "سمعته يهل ملبّدًا" أي: سمعته يهل في حال كونه ملبدًا، ولأبي داود والحاكم عن ابن عمر أنه ﵊ لبد رأسه بالعسل، يحتمل أنه بفتح المهملتين، ويحتمل أنه بكسر المعجمة وسكون المهملة، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره، ورواية أبي داود في "سننه" مضبوطة بالمهملتين.
والتَّلبيد مستحب عند الشافعية للرفق، وقال ابن بطال: قال جمهور العلماء: من لبَّد رأسه، فقد وجب عليه الحلق، كما فعل ﵊، وبذلك أمر هو وابنه رضي الله تعالى عنهما الناس، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأبي ثور والثوري، وكذا لو ظفر رأسه أو عقص شعره كان حكمه حكم التلبيد.
وقال أبو حنيفة: إن الملبّد يجزئه التقصير لما روي عن ابن عباس أنه كان يقول: من لبَّد رأسه أو عقص أو ظفر، فإن كان نوى الحلق فليحلق، وإن لم ينوه، فإن شاء حلق، وان شاء قصر. أ. هـ.
رجاله ستة قد مرُّوا:
مرّ أصبغ في السابع والستين من الوضوء، ومرّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، ومرّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه. أ. هـ.
стр. 6058
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإِخبار بالجمع، والعنعنة والسماع، ورواته مصريَّان، وأيلي، ومدنيان. أ. هـ. أخرجه البخاري أيضًا في اللباس، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه فيه. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6059
باب الإِهلال عند مسجد ذي الحليفة
أي: لمن حج من المدينة.
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي: مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
أورد المصنف هذا الحديث من وجهين، وساقه بلفظ مالك، وأما لفظ سفيان فأخرجه الحميدي في "مسنده" بلفظ: هذه البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، واللهِ ما أهلَّ رسول الله ﷺ إلا من عند المسجد، مسجد ذي الحليفة.
وأخرجه مسلم بلفظ: كان ابن عمر إذا قيل له الإِحرام من البيداء، قال: البيداء التي تكذبون فيها، الخ، إلا أنه قال: من عند الشجرة حين قام به بعيره، ويأتي للمصنف بعد أبواب ترجمة: من أهلّ حين استوت به راحلته، وأخرج عن ابن عمر، قال: أهلَّ النبي ﷺ حين استوت به راحلته قائمة، وكان ابن عمر ينكر على رواية ابن عباس بلفظ: ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهلّ، إلى آخر ما مرّ في باب غسل الرجلين من النعل من كتاب الوضوء.
والبيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره. أ. هـ.
رجاله سبعة قد مرُّوا:
مرّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومالك في الثاني منه، ومرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإِيمان، ومرّ
стр. 6060
موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء، ومرّ محل سالم وأبيه عبد الله في الذي قبله. أ. هـ. أخرجه مسلم والباقون إلا ابن ماجه في الحج. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6061
باب ما لا يلبس المحرم من الثياب
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لاَ يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلاَ الْعَمَائِمَ وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ وَلاَ الْبَرَانِسَ وَلاَ الْخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلاَ تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ".
هذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه غاية الاستيفاء عند آخر حديث من كتاب العلم، وهو هو، وقد زاد الثوري في روايته لهذا الحديث: "ولا القباء" أخرجه عبد الرزاق عنه، ورواه الطبراني من وجه آخر عنه، وأخرجه الدارقطني والبيهقي عن عبيد الله بن عمر، عن نافع أيضًا، والقباء: بوزن سحاب معروف، ويطلق على كل ثوب مفرج، ومنع لبسه على المحرم متفق عليه، إلا أن أبا حنيفة قال: يشترط أن يدخل يديه في كميه إلا إذا ألقاه على كتفيه، ووافقه أبو ثور والخرقي من الحنابلة، وحكى الماوردي نظيره إن كان كمه ضيقًا، فإن كان واسعًا فلا. أ. هـ.
رجاله أربعة قد مرّوا.
وفيه لفظ رجل مبهم، قال في "الفتح": لم يقف على اسمه، مرّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6062
باب الركوب والارتداف في الحج
أورد فيه حديث ابن عباس في إردافه ﷺ أسامة، ثم الفضل، والقصة وإن كانت وردت في حالة الدفع من عرفات إلى مني، لكن يلحق بها ما تضمنته الترجمة في جميع حالات الحج. أ. هـ.
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أُسَامَةَ ﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى. قَالَ: فَكِلاَهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
قوله: "فكلاهما" أي: الفضل بن عباس وأسامة بن زيد، وفي ذكر أسامة إشكال لما عند مسلم عن كريب، أن أسامة قال: وانطلقت أنا في سباق قريش على رجلي؛ لأن مقتضاه أن يكون أسامة سبق إلى رمي الجمرة، فيكون إخباره بمثل ما أخبر به الفضل من التلبية مرسلًا، لكن لا مانع أن يرجع مع النبي ﷺ ، وقد أخرج مسلم عن أم الحصين، قالت: فرأيت أسامة بن زيد وبلالًا في حجة الوداع، وأحدهما آخذ بخطام ناقته ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة، زاد ابن أبي شيبة عن علي بن الحسن، عن ابن عباس، عن الفضل في هذا الحديث: فرماها سبع حصيات، يكبّر مع كل حصاة، وسيأتي هذا الحكم.
قال ابن المنير: الظاهر أنه قصد بإردافه من ذكر ليحدث عنه بما يتفق له في تلك الحالة من التشريع. وفي الحديث أن التلبية تستمر إلى رمي الجمرة يوم النحر، وبعدها يشرع الحاج في التحلل، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقول: التلبية شعار الحج، فإن كنت حاجًا فلبِّ حتى بدء حِلِّك، وبدء حِلِّك أن ترمي جمرة العقبة، وروى سعيد بن منصور، عن ابن عباس، قال: حججت مع عمر إحدى عشرة حجة، وكان يلبي حتى يرمي الجمرة. وباستمرارها قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم،
стр. 6063
وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص، ومذهب مالك أن المحرم يقطع التلبية عند دخول مكة أو عند ابتداء الطواف، على خلافٍ مشهور، ويعاودها بعد السعي، حتى تزول الشمس من يوم عرفة، ويروح إلى مصلاها، فإن وصل قبل الزوال لبَّى إليه، وهكذا قال الأوزاعي والليث أنه يقطعها بزوال الشمس، وروي عن الحسن مثل قول عائشة، قال: إذا صلى الغداة يوم عرفة، وروى الطحاوي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: حججت مع عبد الله، فلما أفاض إلى جمع، جعل يلبي، فقال رجل أعرابي: هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس أم صلوا؟ وأشار الطحاوي إلى أن كل من روى عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لا تشرع، وجمع في ذلك بين ما اختلف من الآثار.
واختلف القائلون باستمرارها إلى رمي الجمرة: هل يقطعها مع رمي أول حصاة، أو عند تمام الرمي؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم ما رواه ابن خزيمة، عن ابن عباس، عن الفضل، قال: أفضت مع النبي ﷺ من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبّر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة، قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسِّر لما أبهم في الروايات الأخرى، وأن المراد بقوله: حضى رمى جمرة العقبة، أي: أتمّ رميها. أ. هـ.
رجاله سبعة:
وفيه ذكر أسامة والفضل، وقد مرّ الجميع، مرّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإِيمان، ومرّ وهب بن جرير في الخامس والأربعين من الوضوء، ومرّ أبوه جرير في السبعين من استقبال القبلة، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، ومرّ عبيد الله المسعودي في السادس منه، ومرّ ابن عباس في الخامس منه، ومرّ أسامة في الخامس من الوضوء، ومرّ الفضل في الثامن عشر من الجماعة. أ. هـ. وأخرجه مسلم. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6064
باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأُزُرْ
هذه الترجمة مغايرة للسابقة التي قبلها من حيث إن تلك معقودة لما لا يلبس من أجناس الثياب، وهذه لما يلبس من أنواعها، والأزر بضم الهمزة والزاي جمع إزار. أ. هـ.
ثم قال: ولبست عائشة ﵂ الثياب المعصفرة وهي محرمة.
وأجاز الجمهور لبس المعصفر للمحرم، وعن أبي حنيفة: المعصفر طيب، وفيه الفدية، واحتج بأن عمر كان ينهى عن الثياب المصبَّغة، وتعقبه ابن المنذر بأن عمر كره ذلك لئلا يقتدي به الجاهل فيظن جواز لبس المورس والمزعفر، ثم ساق له قصة مع طلحة فيها بيان ذلك، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد، والبيهقي من طريق ابن أبي مليكة، وقد مرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. أ. هـ.
ثم قال: وقالت لا تلثم ولا تتبرقع ولا تلبس ثوبًا بورس، ولا زعفران.
قوله: "لا تلثم" بمثناة واحدة وتشديد المثلثة، وهو على حذف إحدى التاءين، وفي رواية أبي ذر: تلتئم بسكون اللام وزيادة مثناة بعدها، أي: لا تغطي شفتها بثوب، وقد وصله البيهقي، وسقط من رواية الحموي من الأصل، وأخرج سعيد بن منصور عن عائشة، قالت: تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن الحسن وعطاء، قالا: لا تلبس المحرمة القفازين والسراويل ولا تبرقع ولا تلثم، وتلبس ما شاءت من الثياب إلا ثوبًا ينفض عنها ورسًا أو زعفرانًا، وهذا يشبه ما ذكر في الأصل عن عائشة، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله، والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها إلا وجهها تسدل عليه الثوب سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال، ولا تخمره إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر، قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها، تعني جدتها، قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمر سدلًا كما جاء عن عائشة، قالت: كنا مع رسول الله ﷺ إذا مرَّ بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات، فإذا جاوز رفعنا، وفيما أخرجه الجماعة: ولا تنتقب المرأة المحرمة دليل على أنه يحرم على المرأة ستر وجهها، وقال المحب الطبري: مفهومه يدل على إباحة تغطية الوجه
стр. 6065
للرجل، وإلا لما كان في التقييد بالمرأة فائدة، قلت: المفهوم هنا أن الرجل أولى بالتغطية، فهو من باب الأولى، وقد ذهب إلى جواز تغطية الرجل المحرم وجهه عثمان بن عفان وزيد بن ثابت ومجاهد، وإليه ذهب الشافعي وجمهور أهل العلم.
وذهب أبو حنيفة ومالك إلى المنع من ذلك، واحتجا بحديث ابن عباس في المحرم الذي وقصته ناقته، فقال ﵊: "لا تخمروا وجهه ولا رأسه" رواه مسلم، ورواه النسائي بلفظ: "وكفنوه في ثوبين خارجا وجهه ورأسه" أ. هـ.
ثم قال: وقال جابر رضي الله تعالى عنه: لا أرى المعصفر طيبًا.
أي: تطيبًا، وقد مرَّ ما فيه من الخلاف قريبًا، وهذا التعليق وصله الشافعي ومسدد، وجابر قد مرّ في الرابع من بدء الوحي. أ. هـ.
ثم قال: ولم تر عائشة بأسًا بالحلي والثوب الأسود والمورد والخف للمرأة.
وصله البيهقي عن ابن باباه المكي أن امرأة سألت عائشة: ما تلبس المرأة في إحرامها، قالت عائشة: تلبس من خزها وبزها وأصباغها وحليها، وأما المورد والمراد به ما صبغ على لون الورد، فسيأتي موصولًا في باب طواف النساء في آخر حديث عطاء، عن عائشة، وأما الخف فوصله ابن أبي شيبة عن ابن عمر والقاسم بن محمد والحسن وغيرهم، وقد مرّ محل عائشة قريبًا. أ. هـ.
ثم قال: وقال إبراهيم: لا بأس أن يبدل ثيابه.
وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة كلاهما عن هشيم، عن مغيرة وعبد الملك ويونس، أما مغيرة فعن إبراهيم، وأما عبد الملك فعن عطاء، وأما يونس فعن الحسن، قالوا: يغير المحرم ثيابه ما شاء، لفظ سعيد، وفي رواية ابن أبي شيبة أنهم لم يروا بأسًا أن يبدل المحرم ثيابه، وأخرج سعيد عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان أصحابنا إذا أتوا بئر ميمون اغتسلوا ولبسوا أحسن ثيابهم، فدخلوا فيها مكة، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي، وقد مرّ في الخامس والعشرين من الإِيمان.
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَمَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ
стр. 6066
يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزْرِ تُلْبَسُ إِلاَّ الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ، وَهْوَ مُهِلٌّ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِىَ لَهُ حَلاَلٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ.
قوله: "ترجل"، أي: سرح شعره، وقوله: "وادَّهن"، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والسيرج، وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته، وأجمعوا على أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه، ففرقوا بين الطيب والزيت في هذا، وقياس كون المحرم ممنوعًا من استعمال الطيب في رأسه أن يباح له استعمال الزيت في رأسه، وقد تقدم الكلام عليه في باب الطيب عند الإحرام.
وقوله: "التي تردع" بفتح المثناة الفوقية، والدال آخره عين مهملتين، وفي رواية بضم أوله وكسر ثالثه، قال عياض: الفتحُ أوجهُ، ومعنى الضم أنها تبقي أثرة، وشرح، أي: تلطخ، يقال: ردع إذا تلطخ، والردع أثر الطيب، وردع به الطيب إذا ألزق بجلده، قال ابن بطال: وقد روي بالمعجمة من قولهم: أردغت الأرض إذا كثرت منافع المياه فيها، والردغ بالغين المعجمة الطين، وليس في شيء من الطرق ضبط هذه اللفظة بالغين المعجمة، ولا تعرض لها عياض، ولا ابن قرقول، ووقع في الأصل: "تردع على الجلد" قال ابن الجوزي: الصواب حذف على، وإثباتها ممكن توجيهه.
وقوله: "فأصبح بذي الحليفة"، أي: وصل إليها نهارًا، ثم بات بها كما يأتي صريحًا عن أنس في الباب الذي بعده.
وقوله: "حتى استوى على البيداء أهلَّ" تقدم ما في هذا من الخلاف، وطريق الجمع المختلف فيه عند ابن عمر في باب غسل النعلين من الوضوء.
وقوله: "وذلك لخمسٍ بقين من ذي القعدة" أخرج مسلم نحوه عن عائشة، واحتج به ابن حزم في حجة الوداع له على أن خروجه ﵊ من المدينة كان يوم
стр. 6067
الخميس، قال: لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا شك، لأن الوقفة يوم الجمعة بلا خلاف، وظاهر قول ابن عباس: "لخمس" يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة بناء على ترك عد يوم الخروج، وقد ثبت أنه ﷺ صلى الظهر بالمدينة أربعًا كما يأتي قريبًا عن أنس، فتعين أنه يوم الخميس، قلت: وهذا بديهي البطلان، لأنه لو كان يوم الخروج يوم الخميس لم يصح أن يكون أول يوم ذي الحجة يوم الخميس، وتعقبه ابن القيم بأن المتعين أن يكون يوم السبت بناء على عدّ يوم الخروج، أو على ترك عده، ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا، ويؤيده ما رواه ابن سعد والحاكم في الإِكليل أن خروجه ﷺ من المدينة كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، وفيه رد على من منع إطلاق القول في التاريخ لئلا يكون الشهر ناقصًا، فلا يصح الكلام، فيقول مثلًا: لخمس إن بقين بزيادة أداة الشرط، وحجة المجيز أن الإِطلاق يكون على الغالب.
ومقتضى قوله أنه دخل مكة لأربع خلون من ذي الحجة أن يكون دخلها صبح يوم الأحد، وبه صرح الواقدي.
وقوله: "والطيب والثياب" مبتدأ خبره محذوف، أي: كذلك، وقوله: "الحجون" بفتح المهملة بعدها جيم مضمومة هو الجبل المطل على المسجد بأعلى مكة على يمين المصعد، وهناك مقبرة مكة، وسيأتي بقية شرح ما اشتمل عليه حديث ابن عباس هذا مفرّقًا في الأبواب. أ. هـ.
رجاله خمسة قد مرُّوا:
مرّ محمد بن أبي بكر المقدمي، وفضيل بن سليمان في الرابع والثمانين من استقبال القبلة، ومرّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء، وكريب في الرابع منه، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي. أ. هـ. وهذا الحديث من افراد البخاري، ورواه مختصرًا، أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6068
باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح
يعني إذا كان حجه من المدينة، والمراد من هذه الترجمة مشروعية المبيت بالقرب من البلد التي يسافر منها ليكون أمكن من التوصل إلى مهماته التي ينساها مثلًا، قال ابن بطال: ليس ذلك من سنن الحج، وإنما هو من جهة الرفق ليلحق به من تأخر عنه، قال ابن المنير: لعله أراد أن يدفع توهم من يتوهم أن الإِقامة في الميقات وتأخير الإحرام شبيه بمن تعداه بغير إحرام، فبين أن ذلك غير لازم حتى ينفصل عنه. أ. هـ.
ثم قال: قاله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ .
وأشار بهذا إلى ما مرَّ في باب خروج النبي ﷺ على طريق الشجرة، وابن عمر قد مرَّ في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. أ. هـ.
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ.
قوله: "حدثني ابن المنكدر" كذا رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه، وخالفهم عيسى بن يونس عنه، فقال: عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، وهي رواية شاذة.
وقوله: "وبذي الحليفة ركعتين" فيه مشروعية قصر الصلاة لمن خرج من بيوت البلد وبات خارجًا عنها ولو لم يستمر سفره، واحتج به أهل الظاهر في قصر الصلاة في السفر القصير، ولا حجة فيه لأنه في ابتداء السفر لا المنتهى، وقد تقدم البحث في أبواب قصر الصلاة، وقد مرّ الخلاف في ابتداء إهلاله ﵊. أ. هـ.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإِيمان، ومرّ هشام بن يوسف وابن جريج
стр. 6069
في الثالث من الحيض، ومرّ محمد بن المنكدر في التاسع والخمسين من الوضوء، ومرّ أنس في السادس من الإيمان. أ. هـ.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإِفراد والإِخبار والعنعنة، وشيخه من أفراده، ورواته بخاري وصنعاني ومكي ومدني، أخرجه أبو داود في الحج. أ. هـ.
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ.
قوله: "وأحسبه" الشك فيه من أبي قلابة، وقد تقدم من طريق ابن المنكدر التي قبلها بغير شك، ويأتي بعد بابين من طريق أخرى عن أيوب بأتم من هذا السياق. أ. هـ.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإِيمان، ومرّ عبد الوهاب وأيوب وأبو قلابة في التاسع منه، ومرّ أنس في السادس منه. أ. هـ. أخرجه مسلم والنسائي. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6070
باب رفع الصوت بالإِهلال
قال الطبري: الإِهلال هنا رفع الصوت بالتلبية، وكل رافع صوته بشيء فهو مهلّ به، وأهلّ القوم الهلال هو من هذا لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم، وسيأتي اختيار البخاري خلاف ذلك بعد أبواب.
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا.
قوله: "وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا" أي: بالحج والعمرة، ومراده بذلك من نوى منهم القرآن، ويحتمل أن يكون على سبيل التوزيع، أي: بعضهم بالحج، وبعضهم بالعمرة، قاله الكرماني، ويشكل عليه في الطريق الأخرى يقول: لبيك بحجة وعمرة معًا، وسيأتي إنكار ابن عمر على أنس ذلك، وسيأتي ما فيه في باب التمتع، والقِران.
وفيه حجة للجمهور في استحباب رفع الأصوات بالتلبية للرجل، بحيث لا يضر بنفسه، وقال في "المجموع": لا يستحب رفع الصوت بها في ابتداء الأحرام، بل يسمع نفسه فقط، واختلف الرواة عن مالك فقال ابن القاسم عنه، لا يرفع صوته بالتلبية إلا في المسجد الحرام، ومسجد مني، وقال في "الموطأ": لا يرفع صوته في مسجد الجماعات، ولم يستثن شيئًا، ووجه الاستثناء أن المسجد الحرام جعل للحاج والمعتمر وغيرهما، وكان الملبي إنما يقصد إليه، فكان ذلك وجه الخصوصية، وكذلك مسجد مني.
ومشهور مذهب مالك أنه يندب توسط رفع الصوت بها كما هو نص خليل، وقد ورد في طلب رفع الصوت بها ما أخرجه مالك في "الموطأ" وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم عن خلاد بن السائب، عن أبيه مرفوعًا: جاءني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي يرفعون أصواتهم بالإِهلال، ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على التابعين في صحابيه، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن بكر بن عبد الله المزني، قال: كنت مع ابن عمر،
стр. 6071
فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين، وأخرج أيضًا بإسناد صحيح عن المطلب بن عبد الله، قال: كان أصحاب النبي ﷺ يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم، وخرج بلفظ: الرجل السابق المرأة والخنثى، فلا يرفعان صوتهما، بل يسمعان أنفسهما فقط، كما في قراءة الصلاة، فإن رفعا كره، وقد اختلف في حكم التلبية، فمذهب الشافعي وأحمد أنها سنة، وفي وجه حكاه الماوردي عن ابن خيران وابن أبي هريرة أنها واجبة يجب بتركها دم، قلت: مذهب مالك فيه خلاف بين سنتها ووجوبها، ويجب الدم بتركها في أول الإِحرام، وقيل عن بعض المالكية إن التلبية واجبة، واتصالها بالإِحرام سنة.
وقال الحنفية: إذا اقتصر على النية ولم يلبّ لا ينعقد إِحرامه؛ لأن الحج تضمن أشياء مختلفة فعلًا وتركًا، فأشبه الصلاة فلا يحصل إلا بالذكر في أوله.
وقال المالكية: لا ينعقد إلا بنية مقرونة بقول أو فعل متعلقين به كالتلبية والتوجه إلى طريق، فلا ينعقد بمجرد النية، وقيل: ينعقد بها، وهو مروي عن الإِمام مالك.
وقال أهل الظاهر: هي نظير تكبيرة الإِحرام للصلاة. أ. هـ.
رجاله خمسة قد مرّوا، مرّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإِيمان، وحماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ محل أيوب وأبي قلابة وأنس في الذي قبله. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6072
باب التلبية
هي مصدر لبَّى، أي قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمرًا. أ. هـ.
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ.
قوله: "لبيك" هو لفظ مثنى عند سيبويه ومن تبعه إلى آخر ما مرّ معناه في باب من خصّ بالعلم قومًا دون قوم من كتاب العلم، وقال ابن عبد البر: قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم ﵇ حين أذَّن في الناس بالحج، وهذا خرّجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في تفاسيرهم، عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قوية، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في مسنده، وابن أبي حاتم عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قيل له: أذِّن في الناس بالحج، قال: ربِّ وما يبلغ صوتي، قال: أذِّن وعليَّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيتِ العتيقِ، فسمعه مَن بين السماء والأرض، ألا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون. وعن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وفيه: فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن، فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ، قال ابن المنير: في مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه تعالى.
وقوله: "إن الحمد" روي بكسر الهمزة على الاستئناف وبفتحها على التعليل والكسر أجود لأن من كسر جعل معناه إن الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال: معناه قال لبيك لهذا السبب، وقال الخطابي. لهج العامة بالفتح، وحكاه الزمخشري عن الشافعي، وقال ابن عبد البر: المعنى عندي واحد، لأن من فتح أراد لبيك لأن الحمد لك على كل حال، وتعقب
стр. 6073
بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، قال ابن دقيق العيد: الكسر أجود لأنه يقتضي أن تكون الإِجابة مطلقة غير معللة، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال، والفتح يدل على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعم، فهو أكثر فائدة، ولما حكى الرافعي الوجهين من غير ترجيح، رجَّح النووي الكسر، وهذا خلاف ما نقله الزمخشري أن الشافعي اختار الفتح، وأن أبا حنيفة اختار الكسر.
وقوله: "والنعمة لك" المشهور فيه النصب، قال عياض: ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفًا، والتقدير: أن الحمد لك والنعمة مستقرة لك، وقال ابن المنير: قرن الحمد والنعمة وأفرد الملك لأن الحمد متعلق النعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نِعَمِه، فجمع بينهما كأنه قال: لا حمد إلا لك؛ لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر لتحقيق أن النعمة كلها لله لأنه صاحب الملك.
وقوله: "والملك" بالنصب أيضًا على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره: والملك كذلك، وعند مسلم عن ابن عمر: كان النبي- ﷺ إذا استوت به راحلته عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ فقال: لبَّيك، الحديث. وللمصنف في اللباس عنه: سمعت رسول الله ﷺ يهلّ ملبّدًا، بقوله: "لبيك اللهم لبَّيك"، الحديث، وقال في آخره: لا يزيد على هذه الكلمات، زاد مسلم: قال ابن عمر: كان عمر يهلّ بهذا ويزيد: لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك، والرغباء إليك، والعمل. وهذا القدر في رواية مالك عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها، فذكر نحوه فعلم أن ابن عمر اقتدى بأبيه في ذلك، وأخرج ابن أبي شيبة عن المسور بن مخرمة، قال: كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع، وزاد: لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك، ذا النعماء والفضل الحسن.
واستدل به على استحباب الزيادة على ما روي عن النبي- ﷺ في ذلك، قال الطحاوي بعد أن أخرجه عن ابن عمر وابن مسعود وجابر وعائشة وعمرو بن معدي كرب: أجمع المسلمون جميعًا على هذه التلبية، غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر ما أحب بلا استحباب ولا كراهة، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، لكن حكى ابن عبد البر عن مالك الكراهة، قال: وهو أحد قولي الشافعي، وحكى البيهقي الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي، فقال: الاقتصار على المرفوع أحب، ولا ضيق أن يزيد عليها، قال: وقال أبو حنيفة: وإن زاد فحسن، وحكى في المعرفة عن الشافعي، قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر وغيره من تعظيم الله ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي
стр. 6074
عن النبي ﷺ مرفوعًا، وإذا اختار قول ما جاء موقوفًا أو أنشأه هو من نفسه مما يليق، قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهذا أعدل الوجوه، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: ثم ليختر من المسألة والثناء ما شاء بعد أن يفرغ من المرفوع.
واستدل المجوزون للزيادة بما أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم عن أبي هريرة، قال: كان من تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك إله الخلق لبيك"، وبزيادة ابن عمر المذكورة، وبما أخرجه أبو داود وابن ماجه عن جابر، قال: أهلَّ رسول الله ﷺ فذكر التلبية، قال: والناس يزيدون: ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع، فلم يقل لهم شيئًا، وروى سعيد بن منصور عن الأسود بن يزيد أنه كان يقول: "لبيك غفار الذنوب"، وفي "تاريخ مكة" للأزرقي بسند معضل: أن رسول الله ﷺ قال: "لقد مرَّ بفج الروحاء سبعون نبيًا تلبيتهم شتى منهم يونس بن متى، وكان يقول: لبيك فرَّاج الكرب، لبَّيك، وكان موسى يقول: لبَّيك أنا عبدك لديك لبيك، قال: وتلبية عيسى: أنا عبدك وابن أمتك بنت عبديك".
وقال قوم: لا ينبغي أن يزاد على ما علمه النبي ﷺ الناس كما في حديث عمرو بن معدي كرب، ثم فعله هو، ولم يقل لبُّوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علَّمهم كما علَّمهم التكبير في الصلاة، فكذلك لا ينبغي أن يتعدى في ذلك شيئًا مما علمه، وأخرج الطحاوي عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع رجلًا يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ ، فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، قال الطحاوي: وبه نأخذ، وهذا يدل على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو ﷺ عليها، وأنه لا بأس بالزيادة لكونه لم يردّها عليهم، وأقرّهم عليها، وهو قول الجمهور كما مرّ.
واستحب الشافعية أن يصلي على النبي ﷺ بعد الفراغ من التلبية، ويسأل الله رضاه والجنة، ويتعوذ به من النار، واستأنسوا لذلك بما رواه الشافعي والدارقطني والبيهقي عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى رضوانه والجنة، واستعفاه برحمته من النار.
وقوله: "وسعديك" في الحديث هو من باب لبيك، فيأتي فيه ما سبق من التثنية والإفراد، ومعناه: أسعِدني إسعادًا بعد إسعاد، فالمصدر فيه مضاف للفاعل، وإن كان الأصل في معناه أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد على أن المصدر فيه مضاف للمفعول لاستحالة ذلك هنا، وقيل: المعنى مساعدة على طاعتك بعد مساعدة، فيكون من المضاف للمنصوب، وقد وقع
стр. 6075
في المرفوع تكرير لفظة لبيك ثلاث مرات، وكذا في الموقوف إلا أن في المرفوع الفصل بين الأولى والثانية بقوله: "اللهم"، وقد اتفقت الأدباء على أن التكرير اللفظي لا يزاد على ثلاث مرات. أ. هـ.
رجاله ستة قد مرُّوا:
مرّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول الإِيمان، قبل ذكر حديث منه. أ. هـ. أخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي. أ. هـ.
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ.
أردف المصنف حديث ابن عمر بحديث عائشة لما فيه من الدلالة على أنه كان يديم ذلك، وقد تقدم أن في حديث جابر عند مسلم التصريح بالمداومة. أ. هـ.
رجاله ستة:
مرّ منهم محمد بن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، ومرّ سفيان الثوري في السابع والعشرين من الإِيمان، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرّ عمارة بن عمير في الخامس عشر من صفة الصلاة، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
السادس: أبو عطية الوادعي الهمداني الكوفي، اختلف في اسمه واسم أبيه، قيل: اسمه مالك بن عامر، وهو الصحيح، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن معين: ثقة، وكذا أبو داود، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة، روى عن ابن مسعود وعائشة وأبي مسعود ومسروق، وروى عنه عمارة بن عمير ومحمد بن سيرين وخيثمة بن عبد الرحمن والأعمش وغيرهم، شهد مع علي مشاهده، ومات في ولاية عبد الملك. أ. هـ.
ثم قال: تابعه أبو معاوية عن الأعمش.
أي: تابع سفيان، وهو الثوري، عن الأعمش، وهذه المتابعة وصلها مسدد في مسنده، وكذلك أخرجها الجوزقي. وأبو معاوية محمد بن خازم مرّ في تعليق بعد الثالث من الإِيمان، والأعمش مرّ محله الآن. أ. هـ.
стр. 6076
ثم قال: وقال شعبة أخبرنا سليمان، سمعت خيثمة، عن أبي عطية، سمعت عائشة ﵂.
وصله أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة، ولفظه مثل لفظ سفيان إلا أنه زاد فيه: ثم سمعتها تلبي، وليس فيه قوله: "لا شريك لك"، وهذا أخرجه أحمد، عن غندر، عن شعبة، وسليمان شيخ شعبة فيه هو الأعمش، والطريقان جميعًا محفوظان، وهو محمول على أن للأعمش فيه شيخين، ورجح أبو حاتم رواية الثوري ومن تبعه على رواية شعبة، فقال: إنها وهم، وأفادت هذه الطريق بيان سماع أبي عطية عن عائشة. أ. هـ. وشعبة مرّ في الثالث من الإيمان وسليمان الأعمش وعائشة مرّ محلهما في الذي قبله، وأبو عطية مرّ فيه وخيثمة هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة، واسمه يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذؤيب الجعفي الكوفي، لأبيه ولجده صحبة، وفدَ جدّه أبو سبرة على النبي ﷺ ومعه ابناه سبرة وعزيز، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وكان رجلًا صالحًا، وكان سخيًا، ولم ينج من فتنة ابن الأشعث إلا هو وإبراهيم النخعي، وقال طلحة بن مصرف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إلى منهما، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال نعيم بن أبي هند: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة، روى عن أبيه، وعلي وابن عباس والنعمان بن بشير وغيرهم، وروى عنه رزين بن حبيش وأبو إسحاق السبيعي والأعمش وطلحة بن مصرف وغيرهم، مات سنة ثمانين. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6077
باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإِهلال عند الركوب على الدابة
سقط من رواية المستملي لفظ التحميد، والمراد بالإِهلال هنا التلبية، وقوله: "عند الركوب"، أي: بعد الاستواء على الدابة، لا حال وضع الرجل مثلًا في الركاب، وهذا الحكم وهو استحباب التسبيح وما ذكر معه قبل الإِهلال قلّ من تعرّض لذكره مع ثبوته، وقيل: أراد المصنف الرد على من زعم أنه يكتفي بالتسبيح وغيره عن التلبية، ووجه ذلك أنه ﷺ أتى بالتسبيح وغيره، ثم لم يكتف به حتى لبى.
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ.
أورد المصنف حديث أنس هذا وهو مشتمل على أحكام تقدم منها ما يتعلق بقصر الصلاة وبالإِحرام، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما يتعلق بالقِران قوله: "ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب" ظاهره أن إهلاله كان بعد صلاة الصبح، لكن عند مسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهلَّ بالحج، وللنسائي عن أنس أنه ﷺ صلَّى الظهر بالبيداء، ثم ركب، ويجمع بينهما بأنه صلاها في آخر ذي الحجة وأول البيداء.
وقوله: "ثم أهلَّ بحجٍّ وعمرة" سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى الكلام عليه في باب التمتع والقِران.
стр. 6078
وقوله: "حتى كان يوم التروية" بضم يوم لأن كان تامة، قوله بيده قيامًا، أي: قائمات، وانتصابه على الحال.
وقوله: "أملحين" تثنية أملح، وهو الأبيض الذي يخالطه سواد، وكان النحر للبدنات بمكة، والذبح للكبشين بالمدينة، أحدهما عن أهل بيته، والآخر عمن لم يضحِّ من أمته. أ. هـ.
رجاله خمسة قد مرُّوا:
مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإِيمان، ومرّ أيوب وأبو قلابة في التاسع منه، وأنس في السادس منه، أخرجه البخاري أيضًا في الحج والجهاد، ومسلم في الصلاة، وكذا أبو داود والنسائي إلا أن أبا داود قطعه، فأخرج بعضه في الصلاة، وبعضه في الحج، وبعضه في الأضاحي. أ. هـ.
ثم قال: قال أبو عبد الله: قال بعضهم هذا عن أيوب، عن رجل، عن أنس.
والبعض المبهم ليس هو إسماعيل ابن علية كما زعم بعضهم، فقد أخرجه المصنف عن مسدد، عنه، في باب نحو البُدْنِ قائمة بدون هذه الزيادة، ووهيب حجة ثقة، وقد جعله عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فعرف أنه المبهم، وقد تابعه عبد الوهاب الثقفي على حديث ذبح الكبشين الأملحين، عن أيوب، عن أبي قلابة كما يأتي إن شاء الله تعالى في الأضاحي، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، والبعض المبهم، قيل أنه إسماعيل ابن علية، وقد مرّ رده، وقيل: حماد بن سلمة، وقيل: أبو قلابة، وقد مرّ محله في الذي قبله، وإسماعيل قد مرّ في الثامن من الإِيمان، وحماد قد مرّ في متابعة بعد الثامن من الوضوء. أ. هـ.
стр. 6079
باب من أهلَّ حين استوت به راحلته قائمة
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً.
أورد حديث ابن عمر هذا مختصرًا، وقد تقدم الكلام عليه، ورواية صالح عن نافع من الأقران، وقد سمع ابن جريج من نافع كثيرًا، وروى هذا عنه بواسطة، وهو قال على قلة تدليسه. أ. هـ.
رجاله خمسة قد مرُّوا:
مرّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرّ صالح بن كيسان في الأخير من بدء الوحي، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6080
باب الإِهلال مستقبل القبلة
الحديث الثامن والثلاثون
وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ الْمَحْرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ اغْتَسَلَ، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ.
قوله: "إذا صلى بالغداة" أي: صلى الصبح بوقت الغداة، وللكشميهني: إذا صلى الغداة، أي: الصبح، وقوله: "فرحلت" بالتخفيف مبنيًا للمجهول، وقوله: "واستقبل القبلة قائمًا" أي: مستويًا على ناقته أو وصفه بالقيام لقيام ناقته، وقد جاء في الرواية الثانية بلفظ: "فإذا استوت به راحلته قائمة، وفهم الداودي من قوله: "استقبل القبلة قائمًا"، أي: في الصلاة، فقال: في السياق تقديم وتأخير، فكانه قال: أمر براحلته فرحلت، ثم استقبل القبلة قائمًا، أي: فصلى صلاة الإحرام، ثم ركب، حكاه ابن التين، قال: وإن كان ما في الأصل محفوظًا فلعله لقرب إهلاله من الصلاة. أ. هـ.
ولا حاجة إلى دعوى التقديم والتأخير، بل صلاة الإِحرام لم تذكر هنا، والاستقبال إنما وقع بعد الركوب، وقد رواه ابن ماجه وأبو عوانة في صحيحه عن نافع بلفظ: كان إذا أدخل رجله في الغرز واستوت به ناقته قائمًا، أهلَّ.
وقوله: "ثم يمسك"، الظاهر أنه أراد: يمسك عن التلبية، وكأنه أراد بالحرم المسجد، والمراد بالإِمساك عن التلبية التشاغل بغيرها من الطواف وغيره لا تركها أصلًا، وقد روى ابن خزيمة في صحيحه عن عطاء، قال: كان ابن عمر يدع التلبية إذا دخل الحرم، ويراجعها بعدما يقضي طوافه بين الصفا والمروة، وأخرج نحوه عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر، قال الكرماني: يحتمل أن يكون مراده بالحرم مني، فيوافق الجمهور في استمرار التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، لكن يشكل عليه قوله في رواية إسماعيل ابن عُلية إذا دخل أدنى الحرم،
стр. 6081
والأولى أن المراد بالحرم ظاهره لقوله بعد ذلك حتى إذا جاء ذا طوى، فجعل غاية الإمساك الوصول إلى ذي طوى، والظاهر أن المراد بالإِمساك ترك تكرار التلبية ومواظبتها، ورفع الصوت بها الذي يفعل في أول الإِحرام لا ترك التلبية رأسًا، قاله في "الفتح"، وهو مخالف لمذهب مالك، وهذا الاحتمال في المراد بالحرم هو الموافق لما مرَّ عن مالك في باب الركوب والارتداف في الحج.
وقوله: "ذا طُوى" بضم الطاء وفتحها وضبطها الأصيلي بكسرها، وادٍ معروف بقرب مكة، ويعرف اليوم ببئر الزاهر، وهو مقصور منون، وقد لا ينون، ونقل الكرماني أن في بعض الروايات: حتى إذا حاذى طوى بحاء مهملة بغير همز وفتح الذال، قال: والأول هو الصحيح؛ لأن اسم الموضع ذو طوى لا طوى فقط.
وقوله: "وزعم" هو من إطلاق الزعم على القول الصحيح، ويأتي من رواية ابن علية عن أيوب بلفظ ويحدث.
رجاله خمسة قد مرُّوا:
مرّ أبو معمر عبد الله بن عمرو وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرّ أيوب في التاسع من الإِيمان، ومرّ محل نافع وابن عمر في الذي قبله. أ. هـ. وأتى البخاري بهذا الحديث تعليقًا، وقد وصله أبو نعيم في "المستخرج" من طريق عباس الدوري، عن أبي معمر، وقال: ذكره البخاري بلا رواية. أ. هـ. أخرجه مسلم. أ. هـ.
ثم قال: تابعه إسماعيل، عن أيوب في الغسل.
أي: وغيره لكن من غير مقصود الترجمة لأن هذه المتابعة وصلها المصنف كما سيأتي بعد أبواب عن ابن علية، ولم يقتصر على الغسل، بل ذكره كله إلا القصة الأولى، وأوله: كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، والباقي مثله، ولهذه النكتة أورد المصنف طريق فليح عن نافع المقتصرة على القصة الأولى بزيادة ذكر الدهن الذي ليست له رائحة طيبة، ولم يقع في رواية فليح التصريح باستقبال القبلة لكنه من لازم التوجه إلى مكة في ذلك الموضع أن يستقبل القبلة، وقد صرح بالاستقبال في الرواية الأولى وهما حديث، وإنما احتاج إلى رواية فليح للنكتة التي بينتها، وبهذا التقرير يندفع اعتراض الإِسماعيلي عليه في إيراده حديث فليح وأنه ليس للاستقبال فيه ذكر، قال المهلب: استقبال القبلة بالتلبية هو المناسب لأنها إجابة لدعوة إبراهيم، ولأن المجيب لا يصلح له أن يولّي المجاب ظهره، بل يستقبله، قال: وإنما كان ابن عمر يدهن ليمنع بذلك القمل عن شعره، ويجتنب ماله رائحة طيبة صيانة
стр. 6082
للإحرام، وهذه المتابعة وصلها البخاري في باب الاغتسال عند دخول مكة على ما يأتي إن شاء الله تعالى، وإسماعيل ابن علية مرّ في الثامن من الإِيمان، ومرّ أيوب في التاسع منه. أ. هـ.
الحديث التاسع والثلاثون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذي الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ.
هذا رواية من الحديث قبله، والكلام عليه هو الكلام على ما قبله. أ. هـ.
رجاله أربعة قد مرُّوا:
مرّ سليمان بن داود في السادس والعشرين من الإِيمان، ومرّ فليح في الأول من العلم، ومرّ نافع في الأخير منه، ومرّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6083
باب التلبية إذا انحدر في الوادي
أورد فيها الحديث الدال على أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين. أ. هـ.
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ أَنَّهُ قَالَ: مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَمَّا مُوسَى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي يُلَبِّى.
قوله: "فذكروا الدجال" قد مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب الدعاء قبل السلام من أبواب صفة الصلاة، وقوله: "أما موسى فكأني أنظر إليه إذا انحدر في الوادي يلبي" وسيأتي بهذا الإسناد بأتم من هذا السياق في كتاب اللباس، وفيه: وأما موسى فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأني انظر إليه إذا انحدر في الوادي، قال المهلب: هذا وهم من بعض رواته لأنه لم يأت أثر ولا خبر أن موسى حي، وأنه سيحج، وإنما أتى ذلك عن عيسى، فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: "ليهلنّ ابن مريم بفج الروحاء". أ. هـ. وهو تغليط للثقات بمجرد التوهم، وسيأتي في اللباس بالإسناد المذكور بزيادة إبراهيم فيه، أفيقال إن الراوي غلط فزاده.
وأخرج مسلم الحديث عن ابن عباس بلفظ: "كأني انظر إلى موسى هابطًا من الثنية واضعًا أصبعيه في أذنيه مارًّا بهذا الوادي وله جؤار إلى الله بالتلبية" قاله لما مرَّ بوادي الأزرق، واستفيد منه تسمية الوادي، وهو خلف أمج بينه وبين مكة ميل واحد، وأمج بفتح الهمزة والميم وبالجيم قرية ذات مزارع هناك، وفي هذا الحديث أيضًا ذكر يونس، أفيقال إن الراوي غلط فيه أيضًا فزاد يونس، وقد اختلف أهل التحقيق في معنى قوله: "كأني انظر" على أوجه:
الأول: هو على الحقيقة، فإن الأنبياء أفضل من الشهداء، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فكذلك الأنبياء، فلا مانع أن يحجوا في هذا الحال، ويصلوا ويتقربوا إلى الله بما
стр. 6084
استطاعوا ما دامت الدنيا وهي دار تكليف باقية، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس أنه ﷺ رأى موسى قائمًا في قبره يصلي، قال القرطبي: حببت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون به، كما يُلهم أهل الجنة الذكر، ويؤيده أن عمل الآخر ذكر ودعاء لقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ الآية، لكن تمام هذا التوجيه أن يقال: إن المنظور إليه هي أرواحهم، فلعلها مثلت له ﷺ في الدنيا، كما مثلت له ليلة الإِسراء، وأما أجسادهم فهي في قبورهم، قال ابن المنير وغيره: يجعل الله لروحه مثالًا فيروى في اليقظة كما يرى في النوم.
ثانيها: أنه ﷺ أري حالهم التي كانوا عليها في حياتهم، فمثلوا له كيف كانوا، وكيف كان حجهم وتلبيتهم، ولهذا قال في رواية ابن عباس عند مسلم: كأني انظر إلى موسى، كأني انظر إلى يونس.
ثالثها: أنه أخبر عما أوحي إليه ﷺ من أمرهم، وما كان منهم، ولشدة القطع به، قال: كأني انظر إليه، ولأجل هذا أدخل حرف التشبيه في الرواية، وحيث أطلقها فهي محمولة على ذلك.
رابعها: كأنها رؤية منام تقدمت له، فأخبر عنها لما حج عندما تذكر ذلك، ورؤيا الأنبياء وحي، واعتمد هذا بعضهم قائلًا: كون هذا في المنام لا يبعد، وقال ابن المنير: توهيم المهلب للراوي وهم منه، وإلا فأي فرق بين موسى وعيسى؛ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل، وأجيب بأن المهلب أراد أن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: كأني انظر إليه، ولهذا استدل بحديث أبي هريرة الذي فيه: "ليهلنَّ ابن مريم"، قلت: إذا كانت صلاتهم في أوقات مختلفة، وفي أماكن مختلفة لا يردها العقل، وقد ثبت بها النقل دل ذلك على حياتهم، وإذا ثبت أنهم أحياء من حيث النقل، فإنه يقويه من حيث النظر كون الشهداء أحياء بنص القرآن، والأنبياء أفضل من الشهداء، وقد جمع البيهقي كتابًا لطيفًا في حياة الأنبياء في قبورهم أورد فيه حديث أنس: الأنبياء أحياء في قبورهم، يصلُّون، أخرجه عن المستلم بن سعيد، وثَّقه أحمد وابن حبان عن الحجاج الأسود، وقد وثقه أحمد، وابن معين، وأخرجه أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه، وأخرجه البزار عن الحجاج الأسود، وصححه البيهقي، وأخرجه البيهقي أيضًا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أحد فقهاء الكوفة بلفظ آخر، قال: إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور، ومحمد سيىء الحفظ.
стр. 6085
وذكر الغزالي والرافعي حديثًا مرفوعًا: أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث، ولا أصلي له إلا أن يؤخذ من رواية ابن أبي ليلى هذه، وليس الأخذ بجيد لأن رواية ابن أبي ليلى قابلة للتأويل، قلت: كيف يصح الأخذ منها وهي فيها التصريح بقوله: بعد أربعين ليلة؟ قال البيهقي: إن صح، فالمراد أنهم لا يتركون يصلون إلا هذا المقدار، ثم يكونون مصلين بين يدي الله تعالى، قال البيهقي: وشاهد الحديث الأول ما ثبت في صحيح مسلم عن أنس رفعه: مررت بموسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم في قبره يصلي، فإن قيل: هذا خاص بموسى، قلنا: قد وجدنا له شاهدًا أخرجه مسلم عن أبي هريرة رفعه: "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، الحديث، وفيه: وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه"، الخ، وفيه: "وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس شبهًا به عروة بن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم، فحانت الصلاة فأممتهم"، قال البيهقي: وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه لقيهم ببيت المقدس، فحضرت الصلاة، فأمَّهم نبينا ﵊، ثم اجتمعوا في بيت المقدس.
وفي حديث أبي ذر ومالك بن صعصعة في قصة الإِسراء أنه لقيهم في السموات، وطرق ذلك صحيحة، فيحمل على أنه رأى موسى قائمًا يصلي في قبره، ثم عرج به هو ومن ذكر من الأنبياء إلى السموات، فلقيهم النبي ﷺ ، ثم اجتمعوا في بيت المقدس، فحضرت الصلاة، فأمهم نبينا ﷺ ، ومن شواهد الحديث ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه وقال فيه: "وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" سنده صحيح، وأخرجه أبو الشيخ بسند جيد بلفظ: "من صلَّى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى عليَّ نائيًا بلغته"، وعند أبي داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره عن أوس بن أوس، رفعه في فضل يوم الجمعة: "فأكثروا على من الصلاة فيه، فإنَّ صلاتكم معروضة عليَّ"، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: "إن اللهَ حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، ومما يشكل على ما تقدم ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه: "ما من أحد يسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇، ورجاله ثقات.
ووجه الإشكال فيه أن ظاهره أن عود الروح إلى الجسد يقتضي انفصالها عنه، وهو الموت، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة:
أحدها أن المراد بقوله: "ردَّ الله عليَّ روحي" أن رد روحه كان سابقًا عقب دفنه لا أنها
стр. 6086
تعاد ثم تنزع، ثم تعاد.
الثاني: سلمنا لكن ليس هو نزع موت بل لا مشقة فيه.
الثالث: أن المراد بالروح الملك الموكل بذلك.
الرابع: المراد بالروح النطق، فتجوز فيه من جهة خطابنا بما نفهم.
الخامس: أنه يستغرق في أمور الملأ الأعلى، فإذا سلم عليه رجع إليه فهمه، فيجيب من سلم عليه، وقد استشكل ذلك من جهة أخرى، وهو أنه يستلزم استغراق الزمان كله في ذلك لاتصال الصلاة والسلام عليه في أقطار الأرض ممن لا يحصى كثرة، وأجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة.
وقوله في الحديث: "إذا انحدر" كذا في الأصول، وحكى عياض أن بعض العلماء أنكروا إثبات الألف، وغلَّط رواته وهو غلط منه إذ لا فرق بين إذا وإذ هنا لأنه وصفه حالة انحداره فيما مضى، وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتاكد عند الهبوط، كما تتأكد عند الصعود، وهذا الحديث، قال الإِسماعيلي، لم يصرح أحد ممن رواه عن ابن عون بذكر النبي ﷺ ، ولا شك أنه مراد؛ لأن ذلك لا يقوله ابن عباس من قبل نفسه ولا عن غير النبي ﷺ . أ. هـ.
رجاله خمسة:
مرّ منهم محمد بن المثنى في التاسع من الإِيمان، ومرّ مجاهد في إثر أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ عبد الله بن عون في التاسع من العلم، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرّ محمد بن أبي عدي في العشرين من الغسل. أ. هـ.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته بصريُّون إلا مجاهد مكي، أخرجه البخاري أيضًا في اللباس، وأحاديث الأنبياء، ومسلم في الإِيمان.
ثم قال المصنف:
стр. 6087
باب كيف تهلّ الحائض والنفساء
أي: كيف تحرم.
أهلّ: تكلم به، واستهللنا، وأهللنا الهلال، كله من الظهور، واستهل المطر: خرج من السحاب، وما أهلّ لغير الله به وهو من استهلال الصبي.
قوله: "أهلّ تكلم به" الخ، هكذا في رواية المستملي والكشميهني، وليس هذا مخالفًا لما قدمناه من أن أصل الإِهلال رفع الصوت، لأن رفع الصوت يقع بذكر الشيء عند طهوره.
وقوله: "وما أهلّ لغير الله به" وهو من استهلال الصبي، أي إنه من رفع الصوت بذلك، فاستهل الصبي، أي رفع صوته بالصياح إذا خرج من بطن أمه، وأهلَّ به لغير الله، أي: رفع الصوت به عند الذبح للأصنام، ومنه استهلال المطر والدمع وهو صوت وقعه بالأرض، ومن لازم ذلك الظهور غالبًا. أ. هـ.
الحديث الحادي والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لاَ يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلاَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ". فَفَعَلْتُ فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: "هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ". قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.
قوله: "وامتشطي وأهلَّي بالحج" هو شاهد هذه الترجمة، وقد سبق في كتاب الحيض
стр. 6088
أوله بلفظ: "وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت"، وقد مرت مباحث هذا الحديث في باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض من كتاب الحيض عند ذكره هناك بدون هذه الزيادة التي في آخره.
وقوله هنا: "ثم طافوا طوافًا آخر" كذا للكشميهني والجرجاني، ولغيرهما طوافًا واحدًا، والأول هو الصواب، قال الخطابي: استشكل بعض أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم بالامتشاط، وكان الشافعي يتأوله على أنه أمرها أن تدع العمرة، وتدخل عليها الحج، فتصير قارنة، قال: وهذا لا يشاكل القصة، وقيل: إن مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة، قال: وهذا لا يعلم وجهه، وقيل: كانت مضطرة إلى ذلك، قال: ويحتمل أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لتهلّ بالحج، لاسيما إن كان ملبّدة، فتحتاج إلى نقض الضفر، وأما الامتشاط فلعلَّ المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفق، حتى لا يسقط منه شيء، ثم تضفره كما كان. أ. هـ.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وقد مرّ الجميع:
مرّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإِيمان، ومرّ مالك وعروة وعائشة في الثاني منه، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ عبد الرحمن في الرابع من الغسل. أ. هـ.
أخرجه البخاري في الحج أيضًا وفي الحيض والمغازي، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي، وأخرجه النسائي أيضًا في الطهارة. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6089
باب من أهلّ في زمن النبي ﷺ كإهلال النبي- ﷺ -
أي: فأقرّه النبي ﷺ على ذلك فجاز الإِحرام على الإِبهام، لكن لا يلزم منه جواز تعليقه إلا على فعل من يتحقق أنه يعرفه لما وقع في حديثي الباب، وأما مطلق الإِحرام على الإِبهام فهو جائز، ثم يصرفه الحرم لما شاء لكونه ﵊ لم ينه عن ذلك، وهذا قول الجمهور.
وعن المالكلية: لا يصح الإِحرام على الإِبهام، وهو قول الكوفيين، قال ابن المنير: وكأنه مذهب البخاري؛ لأنه أشار بالترجمة إلى أن ذلك خاص بذلك الزمان لأن عليًّا وأبا موسى لم يكن عندهما أصل يرجعان إليه في كيفية الإِحرام، فأحالاه على النبي- ﷺ ، وأما الآن فقد استقرت الأحكام، وعرفت مراتب الإِحرام فلا يصح ذلك، وكأنه أخذ الإِشارة من تقييده بزمن النبي- ﷺ ، قاله في "الفتح"، قلت: ما عزاه للمالكلية من أن الإِحرام على الإِبهام لا يصح ليس في مذهبهم إلا إذا كان قولًا ضعيفًا فمذهبهم جواز الإِحرام على الإِبهام، وصرفه ندبًا لحج مفرد إن وقع الصرف قبل طواف القدوم، وقد أحرم في أشهر الحج، وإن كان قبلها صرفه ندبًا لعمرة، وكره لحج، فإن طاف وجب صرفه للإِفراد هذا هو مشهور مذهب مالك. أ. هـ.
ثم قال: "قاله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي- ﷺ ".
يشير إلى ما أخرجه موصولًا في باب بعث علي إلى اليمن من كتاب المغازي، عن ابن عمر، فذكر فيه حديثًا: فقوم علينا علي بن أبي طالب من اليمن حاجًّا، فقال له النبي ﷺ : "بما أهللت فإنَّ معنا أهلك"، قال: أهللت بما أهلّ به النبي ﷺ ، الحديث.
وإنما قال له: "فإن معنا أهلك" لأن فاطمة كانت تمتعت بالعمرة، وأحلت كما بينه مسلم من حديث جابر، وقد مرّ ابن عمر في أول الإيمان. أ. هـ.
الحديث الثاني والأربعون
حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ رضي الله تعالى
стр. 6090
عنه: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا ﵁ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ.
وما في هذا الحديث هو ما مرَّ في المعلق قبله. أ. هـ.
رجاله أربعة قد مرُّوا:
مرّ المكي بن إبراهيم في السابع والعشرين من العلم، ومرّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين منه، ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرّ جابر في الرابع من بدء الوحي، وفيه ذكر علي، وقد مرّ في السابع والأربعين من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته بلخي ومكيان، وهو من رباعيات البخاري. أ. هـ.
ثم قال: وذكر قول سراقة:
وفاعل ذكر، إما جابر وإما المكي، والقائل: وذكر إما البخاري وإما عطاء، يصح هذا الاحتمال إن كان فاعل ذكر جابرًا وإن كان المكي فلا يصح أن يكون إلا البخاري، وقول سراقة: هو سؤاله أعمرتنا لعامنا هذا أو للأبد؟ قال: بل للأبد، وسيأتي موصولًا في أبواب العمرة من وجه آخر عن عطاء، عن جابر، وقد مرّ سراقة بن مالك في السابع عشر والمائة من الجنائز.
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلاَّلُ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ الأَصْفَرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: "بِمَا أَهْلَلْتَ؟ ". قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَالَ: "لَوْلاَ أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ".
قوله: "قدم علي من اليمن" كان سبب بعثه إلى اليمن أنه أرسله ﷺ ليقسم الفيء، وكان ذلك قبل حجة الوداع. أ. هـ.
رجاله خمسة:
مرّ منهم عبد الصمد بن عبد الوارث في السادس والثلاثين من العلم، ومرّ سليم بن حيان في الحادي والتسعين من الجنائز، ومرّ أنس في السادس من الإِيمان، ومرّ محل علي في
стр. 6091
الذي قبله، والباقي اثنان، الأول الحسن بن علي بن محمد الهذلي الخلال أبو علي أو أبو محمد الحلواني، نزيل مكة، قال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً ثبتًا، وقال أبو داود: كان عالمًا بالرجال، وكان لا يستعمل علمه، وقال أيضًا: كان لا ينتقد الرجال، وقال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي وكان حافظًا، وقال ابن عدي: له كتاب صنّفه في السنن، وقال الخليلي: كان يُشبَّه بأحمد في سمته وديانته، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال داود بن الحسين البيهقي: بلغني أنه قال: لا أكفّر من وقف في القرآن، قال داود: فسألت أبا سلمة بن شبيب عنه، فقال: يرمى في الحَشّ، من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر، وقال أحمد: ما أعرفه بطلب الحديث ولا رأيته يطلبه ولم يحمده، ثم قال: يبلغني عنه أشياء أكرهها، وقال مرة: أهل الثغر غير راضين عنه أو ما هذا معناه، وقال الخطيب أبو بكر: كان ثقة حافظًا، وساق بإسناده إليه أنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ما نعرف غير هذا. أ. هـ.
روى عن عبد الله بن نمير وعبد الصمد بن عبد الوارث ويحيى بن آدم وغيرهم، روى عنه الجماعة سوى النسائي وإبراهيم الحربي وجعفر الطيالسي وغيرهم، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين. أ. هـ. والحُلواني في نسبه بضم الحاء نسبة إلى حلوان، بلدة بمصر أو غيرها. أ. هـ.
الثاني مروان الأصفر أبو خلف البصري، يقال: هو مروان بن خاقان، ويقال غيره، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو داود: مروان الأصفر بن خاقان ثقة روى عن أنس، وابن عمر وأبي هريرة ومسروق وغيرهم، وروى عنه خالد الحذاء وعوف الأعرابي وسليم بن حيان وغيرهم. أ. هـ.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، وشيخه حلواني، والباقي بصريون، أخرجه مسلم، وكذا الترمذي، وقال حسن غريب. أ. هـ.
ثم قال: وزاد محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال له النبي ﷺ : "بما أهللت يا علي؟ " قال: بما أهلّ به النبي- ﷺ ، قال: "فأهدِ وامكث حرامًا كما أنت".
قوله: "وامكث حرامًا كما كنت" في حديث ابن عمر المشار إليه، قال: فأمسك فإن معنا هديًا، وقوله عن ابن جريج: يعني عن عطاء، عن جابر، وهذا التعليق وصله الإِسماعيلي من طريق محمد بن بشار وأبو عوانة في صحيحه، وسيأتي معنا أيضًا في المغازي من هذا الوجه، والمذكور في كل من الموضعين قطعة من الحديث، وأورد بقيته معلقًا وموصولًا بهذين
стр. 6092
الإِسنادين في كتاب الاعتصام، وقد مرّ محمد بن بكر في تعليق بعد التاسع من مواقيت الصلاة، ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض. أ. هـ.
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْمٍ بِالْيَمَنِ، فَجِئْتُ وَهْوَ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ: "بِمَا أَهْلَلْتَ؟ ". قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ ". قُلْتُ: لاَ. فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ، فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي، أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي، فَقَدِمَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ.
قوله: "بعثني النبي- ﷺ إلى قومي باليمن" كان سبب بعثه ما أخرجه البخاري في استتابة المرتدين عنه، قال: أقبلت ومعي رجلان من الأشعريين، وكلاهما سأل أن يستعمله، فقال: لن نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى ثم أتبعه معاذًا، وكان وقت بعثه إلى اليمن بعد الرجوع من غزوة تبوك لأنه شهدها مع النبي- ﷺ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في محله.
وقوله: "وهو بالبطحاء" زاد شعبة في روايته الآتية متى يحل المعتمر: منيخ، أي: نازل بها، وكان ذلك في ابتداء قدومه.
وقوله: "بما أهللت" في رواية شعبة فقال: أحججت، قلت: نعم، قال: بما أهللت.
وقوله: "قلت أهللت" في رواية شعبة قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: أحسنت، وقوله: "فأمرني فطفت"، في رواية شعبة: طف بالبيت بالبيت وبالصفا والمروة.
وقوله: "فأتيت امرأة من قومي" في رواية شعبة: امرأة من قيس، والمتبادر إلى الذهن من هذا الإِطلاق أنها من قيس عيلان، وليس بينهم وبين الأشعريين نسبة، لكن في رواية أيوب بن عائذ: امرأة من نساء بني قيس، وظهر من ذلك أن المراد بقيس قيس بن سليم والد أبي موسى الأشعري، وأن المرأة زوج بعض إخوته، وكان لأبي موسى من الإِخوة: أبو رهم، وأبو بردة، قيل: ومحمد، قلت: ما فعلته المرأة لأبي موسى لا يصح إلا إذا كانت محرمًا له.
وقوله: "أو غسلت رأسي" كذا فيه بالشك، وأخرجه مسلم عن سفيان بلفظ: وغسلت
стр. 6093
رأسي، بواو العطف.
وقوله: "فقوم عمر" ظاهر سياقه أن قدوم عمر كان في تلك الحجة وليس كذلك بل البخاري اختصره، وقد أخرجه مسلم، عن عبد الرحمن في مهدي أيضًا بعد قوله: "وغسلت رأسي" فكنت أُفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر، وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم إذ جاء رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فذكر القصة، وفيه: فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك، فذكر جوابه، وقد اختصره المصنف أيضًا عن شعبة، ولكنه أبين من هذا ولفظه: فكنت أفتي به حتى كانت خلافة عمر، فقال: إن أخذنا ... الحديث، ولمسلم أيضًا عن إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، وفي هذه الرواية تبيين عمر العلة التي لأجلها كره التمتع وهي قوله: قد علمت أن النبي ﷺ فعله، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بالنساء، ثم يروحوا في الحج تقطر رؤوسهم، وكان من رأي عمر عدم الترفه في الحج بكل طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر الميل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده به، ومن يفطم ينفطم، وقد أخرج مسلم عن جابر أن عمر قال: افصلوا حجكم عن عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم، وفي رواية: إن الله يحل لرسوله ما شاء، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله.
وقوله: "إن نأخذ بكتاب الله" الخ، محصل جواب عمر في منعه الناس من التحلل بالعمرة أنَّ كتاب الله دالٌّ على منع التحلل لأمره بالإِتمام، فيقتضي استمرار الإِحرام إلى فراغ الحج، وأن سنة رسول الله ﷺ دالَّةٌ على ذلك لأنه لم يحل حتى بلغ الهدي محلّه، لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به هو ﷺ حيث قال: "ولولا أن معي الهدي لأحللت" فدلَّ على جواز الإِحلال لمن لم يكن معه هدي، وتبين من مجموع ما جاء عن عمر في ذلك أنه منع منه سدًّا للذريعة، وقال المازري: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإِفراد الذي هو أفضل لا أنه يعتقد بطلانها وتحريمها، وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليهما كما رواه مسلم بناء على معتقده أن الفسخ كان خاصًا بتلك السنة، قال النووي: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإِفراد كما يظهر من كلامه، ثم انعقد الإِجماع على جواز التمتع من غير كراهة، ونفى الاختلاف في الأفضل كما
стр. 6094
يأتي في الباب الذي بعده، ويمكن أن يتمسك من يقول بأنه إنما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشير إليه قريبًا عن مسلم: إنَّ الله يحلّ لرسوله ما شاء. أ. هـ.
وفي قصة أبي موسى وعلي دلالة على جواز تعليق الأحرام بإحرام الغير مع اختلاف آخر الحديثين في التحلل، وذلك أن أبا موسى لم يكن معه هدي، فصار له حكم النبي ﷺ لو لم يكن معه هدي، وقد قال: لولا الهدي لأحللت، أي فسخت الحج إلى العمرة، كما فعله أصحابه ﵊ بأمره كما يأتي، وأما علي فكان معه هدي، فلذلك أمره بالبقاء على إحرامه، وصار مثله قارنًا، قال النووي: هذا هو الصواب، وتأوله الخطابي وعياض بتأويلين غير مرضيين. أ. هـ. فأما تأويل الخطابي فإنه قال: فعل أبي موسى يخالف فعل علي، وكأنه أراد بقوله: أهللت كإهلال النبي ﷺ ، أي: كما يبينه لي ويعينه لي من أنواع ما يحرم به، فأمره أن يحل بعمل عمرة لأنه لم يكن معه هدي، وأما تأويل عياض فقال: المراد بقوله: فكنت أفتي الناس بالمتعة، أي: بفسخ الحج إلى العمرة، والحاصل لهما على ذلك اعتقادهما أنه ﷺ كان مفردًا مع قوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت"، أي: فسخت الحج وجعلته عمرة، فلهذا أمر أبا موسى بالتحلل لأنه لم يكن معه هدي بخلاف علي، قال عياض وجمهور الأئمة على أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصًّا بالصحابة، وقال ابن المنير: ظاهر كلام عمر التفريق بين ما دلّ عليه الكتاب ودلَّت عليه السنة، وهذا التأويل يقتضي أنهما يرجعان إلى معنى واحد، ثم أجاب بأنه لعلّه أراد إبطال وهم من توهم أنه خالف السنة حيث منع من الفسخ، فبين أن الكتاب والسنة متوافقان على الأَمر بالإِتمام، وأن الفسخ كان خاصًا بتلك السنة لإِبطال اعتقاد الجاهلية أن العمرة لا تصح في أشهر الحج، وأما إذا قلنا: كان قارنًا على ما هو الصحيح المختار، فالمعتمد ما ذكر النووي، وسيأتي بيان اختلاف الصحابة في كيفية التمتع في باب التمتع والقِران إن شاء الله تعالى.
واستدل به على جواز الإِحرام المبهم، وأن المحرم به يصرفه لما شاء، وقد مرّ ما فيه من الخلاف في باب من أهلّ في زمن النبي- ﷺ ، ومحل ذلك ما إذا كان الوقت قابلًا بناء على أن الحج لا ينعقد في غير أشهره كما يأتي قريبًا. أ. هـ.
رجاله خمسة قد مرُّوا:
مرّ ابن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، ومرّ الثوري في السابع والعشرين من الإِيمان، ومرّ قيس بن مسلم وطارق بن شهاب في الثامن والثلاثين منه، ومرّ أبو موسى الأشعري في الرابع منه، والمرأة المبهمة في الحديث لم تسم. أ. هـ.
стр. 6095
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده، وهو دمشقي، والباقون كوفيون، أخرجه مسلم والنسائي في الحج. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
следующие страницы →