Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.
стр. 6091
الذي قبله، والباقي اثنان، الأول الحسن بن علي بن محمد الهذلي الخلال أبو علي أو أبو محمد الحلواني، نزيل مكة، قال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً ثبتًا، وقال أبو داود: كان عالمًا بالرجال، وكان لا يستعمل علمه، وقال أيضًا: كان لا ينتقد الرجال، وقال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي وكان حافظًا، وقال ابن عدي: له كتاب صنّفه في السنن، وقال الخليلي: كان يُشبَّه بأحمد في سمته وديانته، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال داود بن الحسين البيهقي: بلغني أنه قال: لا أكفّر من وقف في القرآن، قال داود: فسألت أبا سلمة بن شبيب عنه، فقال: يرمى في الحَشّ، من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر، وقال أحمد: ما أعرفه بطلب الحديث ولا رأيته يطلبه ولم يحمده، ثم قال: يبلغني عنه أشياء أكرهها، وقال مرة: أهل الثغر غير راضين عنه أو ما هذا معناه، وقال الخطيب أبو بكر: كان ثقة حافظًا، وساق بإسناده إليه أنه قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، ما نعرف غير هذا. أ. هـ.
روى عن عبد الله بن نمير وعبد الصمد بن عبد الوارث ويحيى بن آدم وغيرهم، روى عنه الجماعة سوى النسائي وإبراهيم الحربي وجعفر الطيالسي وغيرهم، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين. أ. هـ. والحُلواني في نسبه بضم الحاء نسبة إلى حلوان، بلدة بمصر أو غيرها. أ. هـ.
الثاني مروان الأصفر أبو خلف البصري، يقال: هو مروان بن خاقان، ويقال غيره، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو داود: مروان الأصفر بن خاقان ثقة روى عن أنس، وابن عمر وأبي هريرة ومسروق وغيرهم، وروى عنه خالد الحذاء وعوف الأعرابي وسليم بن حيان وغيرهم. أ. هـ.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، وشيخه حلواني، والباقي بصريون، أخرجه مسلم، وكذا الترمذي، وقال حسن غريب. أ. هـ.
ثم قال: وزاد محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال له النبي ﷺ : "بما أهللت يا علي؟ " قال: بما أهلّ به النبي- ﷺ ، قال: "فأهدِ وامكث حرامًا كما أنت".
قوله: "وامكث حرامًا كما كنت" في حديث ابن عمر المشار إليه، قال: فأمسك فإن معنا هديًا، وقوله عن ابن جريج: يعني عن عطاء، عن جابر، وهذا التعليق وصله الإِسماعيلي من طريق محمد بن بشار وأبو عوانة في صحيحه، وسيأتي معنا أيضًا في المغازي من هذا الوجه، والمذكور في كل من الموضعين قطعة من الحديث، وأورد بقيته معلقًا وموصولًا بهذين
стр. 6092
الإِسنادين في كتاب الاعتصام، وقد مرّ محمد بن بكر في تعليق بعد التاسع من مواقيت الصلاة، ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض. أ. هـ.
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْمٍ بِالْيَمَنِ، فَجِئْتُ وَهْوَ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ: "بِمَا أَهْلَلْتَ؟ ". قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ ". قُلْتُ: لاَ. فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ، فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي، أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي، فَقَدِمَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ.
قوله: "بعثني النبي- ﷺ إلى قومي باليمن" كان سبب بعثه ما أخرجه البخاري في استتابة المرتدين عنه، قال: أقبلت ومعي رجلان من الأشعريين، وكلاهما سأل أن يستعمله، فقال: لن نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى ثم أتبعه معاذًا، وكان وقت بعثه إلى اليمن بعد الرجوع من غزوة تبوك لأنه شهدها مع النبي- ﷺ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في محله.
وقوله: "وهو بالبطحاء" زاد شعبة في روايته الآتية متى يحل المعتمر: منيخ، أي: نازل بها، وكان ذلك في ابتداء قدومه.
وقوله: "بما أهللت" في رواية شعبة فقال: أحججت، قلت: نعم، قال: بما أهللت.
وقوله: "قلت أهللت" في رواية شعبة قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ﷺ ، قال: أحسنت، وقوله: "فأمرني فطفت"، في رواية شعبة: طف بالبيت بالبيت وبالصفا والمروة.
وقوله: "فأتيت امرأة من قومي" في رواية شعبة: امرأة من قيس، والمتبادر إلى الذهن من هذا الإِطلاق أنها من قيس عيلان، وليس بينهم وبين الأشعريين نسبة، لكن في رواية أيوب بن عائذ: امرأة من نساء بني قيس، وظهر من ذلك أن المراد بقيس قيس بن سليم والد أبي موسى الأشعري، وأن المرأة زوج بعض إخوته، وكان لأبي موسى من الإِخوة: أبو رهم، وأبو بردة، قيل: ومحمد، قلت: ما فعلته المرأة لأبي موسى لا يصح إلا إذا كانت محرمًا له.
وقوله: "أو غسلت رأسي" كذا فيه بالشك، وأخرجه مسلم عن سفيان بلفظ: وغسلت
стр. 6093
رأسي، بواو العطف.
وقوله: "فقوم عمر" ظاهر سياقه أن قدوم عمر كان في تلك الحجة وليس كذلك بل البخاري اختصره، وقد أخرجه مسلم، عن عبد الرحمن في مهدي أيضًا بعد قوله: "وغسلت رأسي" فكنت أُفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر، وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم إذ جاء رجل فقال: إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك، فذكر القصة، وفيه: فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك، فذكر جوابه، وقد اختصره المصنف أيضًا عن شعبة، ولكنه أبين من هذا ولفظه: فكنت أفتي به حتى كانت خلافة عمر، فقال: إن أخذنا ... الحديث، ولمسلم أيضًا عن إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك، وفي هذه الرواية تبيين عمر العلة التي لأجلها كره التمتع وهي قوله: قد علمت أن النبي ﷺ فعله، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بالنساء، ثم يروحوا في الحج تقطر رؤوسهم، وكان من رأي عمر عدم الترفه في الحج بكل طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر الميل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده به، ومن يفطم ينفطم، وقد أخرج مسلم عن جابر أن عمر قال: افصلوا حجكم عن عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم، وفي رواية: إن الله يحل لرسوله ما شاء، فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله.
وقوله: "إن نأخذ بكتاب الله" الخ، محصل جواب عمر في منعه الناس من التحلل بالعمرة أنَّ كتاب الله دالٌّ على منع التحلل لأمره بالإِتمام، فيقتضي استمرار الإِحرام إلى فراغ الحج، وأن سنة رسول الله ﷺ دالَّةٌ على ذلك لأنه لم يحل حتى بلغ الهدي محلّه، لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به هو ﷺ حيث قال: "ولولا أن معي الهدي لأحللت" فدلَّ على جواز الإِحلال لمن لم يكن معه هدي، وتبين من مجموع ما جاء عن عمر في ذلك أنه منع منه سدًّا للذريعة، وقال المازري: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإِفراد الذي هو أفضل لا أنه يعتقد بطلانها وتحريمها، وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليهما كما رواه مسلم بناء على معتقده أن الفسخ كان خاصًا بتلك السنة، قال النووي: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإِفراد كما يظهر من كلامه، ثم انعقد الإِجماع على جواز التمتع من غير كراهة، ونفى الاختلاف في الأفضل كما
стр. 6094
يأتي في الباب الذي بعده، ويمكن أن يتمسك من يقول بأنه إنما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشير إليه قريبًا عن مسلم: إنَّ الله يحلّ لرسوله ما شاء. أ. هـ.
وفي قصة أبي موسى وعلي دلالة على جواز تعليق الأحرام بإحرام الغير مع اختلاف آخر الحديثين في التحلل، وذلك أن أبا موسى لم يكن معه هدي، فصار له حكم النبي ﷺ لو لم يكن معه هدي، وقد قال: لولا الهدي لأحللت، أي فسخت الحج إلى العمرة، كما فعله أصحابه ﵊ بأمره كما يأتي، وأما علي فكان معه هدي، فلذلك أمره بالبقاء على إحرامه، وصار مثله قارنًا، قال النووي: هذا هو الصواب، وتأوله الخطابي وعياض بتأويلين غير مرضيين. أ. هـ. فأما تأويل الخطابي فإنه قال: فعل أبي موسى يخالف فعل علي، وكأنه أراد بقوله: أهللت كإهلال النبي ﷺ ، أي: كما يبينه لي ويعينه لي من أنواع ما يحرم به، فأمره أن يحل بعمل عمرة لأنه لم يكن معه هدي، وأما تأويل عياض فقال: المراد بقوله: فكنت أفتي الناس بالمتعة، أي: بفسخ الحج إلى العمرة، والحاصل لهما على ذلك اعتقادهما أنه ﷺ كان مفردًا مع قوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت"، أي: فسخت الحج وجعلته عمرة، فلهذا أمر أبا موسى بالتحلل لأنه لم يكن معه هدي بخلاف علي، قال عياض وجمهور الأئمة على أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصًّا بالصحابة، وقال ابن المنير: ظاهر كلام عمر التفريق بين ما دلّ عليه الكتاب ودلَّت عليه السنة، وهذا التأويل يقتضي أنهما يرجعان إلى معنى واحد، ثم أجاب بأنه لعلّه أراد إبطال وهم من توهم أنه خالف السنة حيث منع من الفسخ، فبين أن الكتاب والسنة متوافقان على الأَمر بالإِتمام، وأن الفسخ كان خاصًا بتلك السنة لإِبطال اعتقاد الجاهلية أن العمرة لا تصح في أشهر الحج، وأما إذا قلنا: كان قارنًا على ما هو الصحيح المختار، فالمعتمد ما ذكر النووي، وسيأتي بيان اختلاف الصحابة في كيفية التمتع في باب التمتع والقِران إن شاء الله تعالى.
واستدل به على جواز الإِحرام المبهم، وأن المحرم به يصرفه لما شاء، وقد مرّ ما فيه من الخلاف في باب من أهلّ في زمن النبي- ﷺ ، ومحل ذلك ما إذا كان الوقت قابلًا بناء على أن الحج لا ينعقد في غير أشهره كما يأتي قريبًا. أ. هـ.
رجاله خمسة قد مرُّوا:
مرّ ابن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، ومرّ الثوري في السابع والعشرين من الإِيمان، ومرّ قيس بن مسلم وطارق بن شهاب في الثامن والثلاثين منه، ومرّ أبو موسى الأشعري في الرابع منه، والمرأة المبهمة في الحديث لم تسم. أ. هـ.
стр. 6095
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، وشيخ البخاري من أفراده، وهو دمشقي، والباقون كوفيون، أخرجه مسلم والنسائي في الحج. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6096
باب قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾
قال العلماء: تقدير قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، أي: الحج حج أشهر معلومات، أو أشهر الحج، أو وقت الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقال الواحدي: يمكن حمله على غير إضمار، وهو أن الأشهر جعلت نفس الحج اتساعًا لكون الحج يقع فيها كقولهم: ليلٌ نائم، وقال أبو إسحاق في "المهذب": المراد وقت إحرام الحج لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر، فدلَّ على أن المراد وقت الإِحرام به، وأجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة أولها شوال، لكن اختلفوا هل هي ثلاثة بكمالها وهو قول مالك، ونقل عن الإِملاء للشافعي، أو شهران وبعض الثالث وهو الباقين، ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون: عشر ليال من ذي الحجة، وهل يدخل يوم النحر أو لا؟ قال أبو حنيفة وأحمد: نعم، وقال الشافعي: في المشهور المصحح عنه: لا.
واختلف العلماء أيضًا في اعتبار هذه الأشهر هل هو على الشرط أو الاستحباب، فقال ابن عمر وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين: هو شرط فلا يصح الإِحرام بالحج إلا فيها وهو قول الشافعي، واستدل بعضهم بالقياس على الوقوف، وبالقياس على إحرام الصلاة، وليس بواضح لأن الصحيح عند الشافعية أن من أحرم بالحج في غير أشهره انقلب عمرة تجزئه عن عمرة الفرض، وأما الصلاة فلو أحرم قبل الوقت انقلب نفلًا بشرط أن يكون ظانًّا دخول الوقت لا عالمًا، فاختلفا من وجهين، وذهب إلى صحة الإِحرام في جميع السنة مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والثوري.
وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي أوجبه على نفسه بالنية، والقول من تلبية أو ذكرٍ عند مالك، أو بالنية وحدها عند الشافعية، وبالتلبية أو سوق الهدي عند أبي حنيفة.
وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أي: فلا جماع، أو: فلا فحش من الكلام، وقوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾، أي: ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات، وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ أي:
стр. 6097
ولا مراء مع الخدم والرفقة، وقوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ أي: أيامه الثلاثة.
وقرأ رفث وفسوق برفعهم منونًا ابن كثير وأبو عمرو على جعل لا ليسية، وهو خبر بمعنى النهي أو على جعلهما جملتين حذف خبرهما، أو رفث مبتدأ، وفسوق عطف عليه، والخبر محذوف، وقرأ الباقون بالنصب بلا تنوين مبنيين مع لا الجنسية، والجمهور علي بناء جدال على الفتح للعموم.
وقوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ جمع ميقات من الوقت، والفرق بينه وبين المدة والزمان أن المدة المطلقة ابتداء حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزمان مدة مقسومة، والوقت الزمان المفروض لأمر، قال ابن عباس: سأل النبي ﵊ عن الأهلّةِ، فنزلت هذه الآية يعلمون بها حل دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم، وقال أبو العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلّة؟ فنزلت الآية إلى غير هذا. أ. هـ.
ثم قال: وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر كما ذي الحجة.
وصله الطبري والدارقطني عن عبد الله بن دينار، عنه، قال: الحج أشهر معلومات شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وروى البيهقي عن نافع نحوه، والإِسنادان صحيحان.
وأما ما رواه مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن دينار، عنه، قال: من اعتمر في أشهر الحج شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة قبل الحج فقد استمتع، فلعله تجوز في إطلاق ذي الحجة جمعًا بين الروايتين، وليس المراد أن جميع الزمن الذي ذكره وقت لجواز الإِحرام، ألا ترى أن الوقوف وطواف الزيارة وغيرهما لا يجوزان قبل التاسع والعاشر، بل المراد أن بعض هذا الزمن وقت لجواز ابتداء الإِحرام فيه، وهو من شوال إلى طلوع فجر يوم النحر، وبعضه وقت لجواز التحلل وهو من فجر يوم النحر لآخر الحجة، وابن عمر مرَّ في أول الأيمان قبل ذكر حديث منه. أ. هـ.
ثم قال: وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.
وهذا التعليق وصله ابن خزيمة والحاكم والدارقطني، وابن عباس مرّ في الخامس من بدء الوحي. أ. هـ.
ثم قال: "وكره عثمان رضي الله تعالى عنه أن يحرم من خراسان أو كرمان".
стр. 6098
وخُراسان بضم الخاء وهي إقليم واسع، وكِرمان بكسر الكاف وقيل بفتحها، وهو صقع كبير بين فارس وسجستان متصل بخراسان، والأثر وصله سعيد بن منصور أن عبد الله بن عامر أحرم من خراسان، فلما قدم على عثمان لامه فيما صنع وكرهه، وأخرجه عبد الرزاق، قال: أحرم عبد الله بن عامر من خراسان، فقوم على عثمان فلامه، وقال: غزوت، وهان عليك نسكك، ورواه أحمد بن سيار في تاريخ مرو، قال: لما فتح عبد الله بن عامر خراسان، قال: لأجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرمًا، فأحرم من نيسابور، فلما قدم على عثمان لامه على ما صنع.
وهذه أسانيد يقوي بعضها بعضًا، وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه أن ذلك كان في السنة التي قتل فيها عثمان، ومناسبة هذا الأثر للذي قبله أن بين خراسان ومكة أكثر من مسافة أشهر الحج فيستلزم أن يكون أحرم في غير أشهر الحج، فكره ذلك عثمان، وإِلا فظاهره يتعلق بكراهة الإِحرام قبل الميقات، فيكون من متعلق الميقات المكاني لا الزماني. أ. هـ. وقد مرّ عثمان في أثر بعد الخامس من العلم. أ. هـ.
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، قال: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَيَالِي الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلاَ". قَالَتْ فَالآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ قَالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا أَهْلَ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الْهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْعُمْرَةِ، قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ يَا هَنْتَاهْ". قُلْتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: "وَمَا شَأْنُكِ". قُلْتُ: لاَ أُصَلِّي. قَالَ: "فَلاَ يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا". قَالَتْ: فَخَرَجْنَا فِي حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنًى فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنًى فَأَفَضْتُ بِالْبَيْتِ قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي النَّفْرِ الآخِرِ حَتَّى نَزَلَ الْمُحَصَّبَ، وَنَزَلْنَا مَعَهُ فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: "اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا، ثُمَّ ائْتِيَا هَاهُنَا، فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى
стр. 6099
تَأْتِيَانِي". قَالَتْ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ، وَفَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرَ، فَقَالَ: "هَلْ فَرَغْتُمْ". فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ. ضَيْرُ مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ: ضَارَ يَضُورُ ضَوْرًا وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا.
شاهد الترجمة منه قولها مع رسول الله ﷺ في أشهر الحج وليالي الحج وحرم الحج، فإن ذلك كله يدل على أن ذلك كان مشهورًا عندهم معلومًا، وقوله فيه: وحُرُم الحج بضم الحاء المهملة، والراء، أي: أزمنته وأمكنته وحالاته، ورُوي بفتح الراء وهو جمع حرمة، أي: ممنوعات الحج، وقوله: "يا هَنَتاه" بفتح الهاء والنون وقد تسكن بعدها مثناة وآخره هاء ساكنة كناية عن شيء لا يذكر باسمه، تقول في النداء للمذكر: يا هن، وقد تزاد في آخره للسكت، فتقول: يا هنة، وإن تشبع الحركة في النون فتقول: يا هناه، وتزاد في جميع ذلك للمؤنث مثناة، وقال بعضهم: الألف والهاء في آخره كَهُما في الندبة.
وقوله: "قلت لا أصلي" كناية عن أنها حاضت، قال ابن المنير: كنت عن الحيض بالحكم الخاص به، أدبًا منها، وقد ظهر أثر ذلك في بناتها المؤمنات، فكلهن يكنين عن الحيض بحرمان الصلاة، أو غير ذلك.
وقوله: "فلا يضرك" في رواية الكشميهني: فلا يضيرك بكسر الضاد وتخفيف التحتانية من الضير، وقوله: "النفر الآخر" هو رابع أيام مني، والأول هو الثالث منها، وهو بسكون الفاء وفتحها، وقوله: "فإني أنظركما" في رواية الكشميهني: أنتظركما بزيادة مثناة.
وقوله: "حتى إذا فرغت" أي: من الاعتمار، وفرغت من الطواف، وحذف الأول للعلم، وفي الحديث النزول بالمحصب وهو بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الصاد المهملة آخره موضع متسع بين مكة ومنى، وسمي به لاجتماع الحصباء فيه، يحمل السيل لانهباطه وهو الأبطح والبطحاء، وخيف بني كنانة وهو ما بين الجبلين إلى المقابر، وليست المقابر منه، وفرق المحب الطبري بين الأبطح والبطحاء من حيث التذكير والتأنيث لا من حيث المكان، فقال: والأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى، فإذا أردت الوادي قلت الأبطح، وإذا أردت البقعة قلت: البطحاء، والنزول فيه سنة عند أبي حنيفة وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، وقال ابن المنذر: كان ابن عمر يراه سنة، وقال نافع: حصب النبي ﷺ والخلفاء بعده أخرجه مسلم.
وزعم ابن حبيب أن مالكًا كان يأمر بالتحصيب ويستحبه، ويندب عنده أن يصلي به أربع
стр. 6100
صلوات الظهر والعشاء وما بينهما، وبه قال الشافعي، وقال عياض: هو مستحب عند جميع العلماء، وهو عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين، وأجمعوا على أنه ليس بواجب، وأخرج مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما كانوا ينزلون بالمحصب. وأخرجت الستة عن عائشة، قالت: إنما نزل رسول الله ﷺ بالمحصب ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة، فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله.
وقييه: "ضيرًا من ضار يضير ضيرًا" لما كان في قوله: لا يضيرك، روايتان، أشار بقوله: ضيرًا: الأجوف اليائي إلى أن مصدر لا يضيرك ضير، وأشار إلى أن فيه لغتين إحداهما أن يكون من ضار يضير ضيرًا من باب باع يبيع بيعًا، وأشار إلى الثانية بقوله: ويقال ضار يضور ضورًا من باب: قال يقول قولًا، وأشار إلى الرواية الثانية بقوله: وضر يضر ضرًّا بفتح العين في الماضي وضمها في المستقبل، وهذه الجملة من قوله ضير الخ ساقطة في رواية أبي ذر، وهذا الحديث مرّ كثيرٌ من مباحثه في كتاب الحيض، وتأتي بقية منها في الباب الذي بعده. أ. هـ.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر:
مرّ منهم محمد بن بشار في الحادي عشر من العلم، ومرّ أفلح بن حميد في الرابع عشر من الغسل، ومرّ القاسم بن محمد في الحادي عشر منه، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرّ أخوها عبد الرحمن في الرابع من الغسل.
الخامس: أبو بكر عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله بن شريك بن زهير بن سارية أبو يحيى الحنفي البصري، قال أحمد في رواية عنه: ثقة، وفي رواية: أنا أحدث عنه، وقال أبو زرعة: هم ثلاثة أخوة، وهم ثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: هم إخوة أربعة: أبو بكر، وأبو علي، وأبو المغيرة واسمه عمير، وشريك، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال العقيلي: عبد الكبير ثقة، وأخوه أبو علي ثقة، والأخ الثالث يعني عميرًا ضعيف، وقال الدارقطني: هم أربعة إخوة لا يعتمد منهم إلا على أبي بكر، وأبي علي روى عن أفلح بن حميد ومالك والثوري وأسامة بن زيد الليثي وغيرهم، وروى عنه أحمد وإسحاق وبندار وأبو موسى وغيرهم، مات بالبصرة سنة أربع ومائتين. أ. هـ.
стр. 6101
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والسماع والقول، والأولان من الرواة بصريان، والآخران مدنيان، أخرجه البخاري أيضًا، ومسلم والنسائي في الحج. أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 6102
باب التمتع والقِران والإِفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي
أما التمتع فالمعروف أنه الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة، والإِهلال بالحج في تلك السنة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، ويطلق التمتع في عرف السلف على القِران أيضًا، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أنه الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضًا القِران؛ لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده، ومن التمتع فسخ الحج أيضًا إلى العمرة، وأما القِران فوقع في رواية أبي ذر الإقران بالألف وهو خطأ من حيث اللغة كما قاله عياض وغيره، وصورته الإِهلال بالحج والعمرة معًا، وهذا لا خلاف في جوازه، أو الإِهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج أو عكسه، وهذا مختلف فيه.
وأما الإِفراد فالإِهلال بالحج وحده في أشهره عند الجميع، وفي غير أشهره أيضًا عند من يجيزه فيما مرَّ، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء، وأما فسخ الحج فالإِحرام بالحج، ثم يتحلل منه بعمل عمرة فيصير متمتعًا، وفي جوازه اختلاف آخر، وظاهر تصرف المصنف إجازته فإن تقدير الترجمة باب مشروعيته التمتع الخ، ويحتمل أن يكون التقدير باب حكم التمتع الخ، فلا يكون فيه دلالة على أن يجيزه، وقد جوزه أحمد وطائفة من أهل الظاهر، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من الخلف والسلف: إنه خاصٌ بالصحابة وبتلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واعتقادهم أن إيقاعها فيه من أفجر الفجور.
ودليل التخصيص حديث الحارث بن بلال عن أبيه عند أبي داود والنسائي وابن ماجه، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: "بل لكم خاصة" وأجاب القائلون بالأول بأن حديث الحارث بن بلال ضعيف، وقال أحمد: لا يصح حديث في الفسخ أنه كان لهم خاصة، والقارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد،
стр. 6103
لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحج عند مالك والشافعي وأحمد والجمهور خلافًا للحنفية حيث قالوا: لابد للقارن من طوافين وسعيين؛ لأن القِران هو الجمع بين العبادتين، فلا يتحقق إلا بالإِتيان بأفعال كل منهما، والطواف والسعي مقصودان فيهما فلا يتداخلان، إذ لا تداخل في العبادات، وهو محكي عن أبي بكر وعمر وعلي وابنه الحسن، وابن مسعود، ولا يصح عن واحد منهم.
واستدل بعضهم بحديث ابن عمر عند الدارقطني بلفظ أنه جمع بين حجة وعمرة معًا، وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ صنع، وبحديث علي عند الدارقطني أيضًا، وبحديث ابن مسعود، وبحديث عمران بن حصين عنده، وكلها مطعون فيها لضعف رواتها، فلا يصح الاحتجاج بها. أ. هـ.
الحديث السادس والأربعون
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلاَ نُرَى إِلاَّ أَنَّهُ الْحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ، فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَحِضْتُ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ قَالَ: "وَمَا طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ". قُلْتُ: لاَ. قَالَ: "فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا". قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلاَّ حَابِسَتَهُمْ. قَالَ: "عَقْرَي حَلْقَي، أَوَ مَا طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَتْ: قُلْتُ بَلَى. قَالَ: "لاَ بَأْسَ، انْفِرِي". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂، فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهْوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا.
قوله: "خرجنا مع النبي ﷺ " تقدم في الباب الذي قبله بيان الوقت الذي خرجوا فيه.
وقوله: "ولا نرى إلا الحج" بضم النون، أي: ولا نظن، قال ابن التين: ضبطه بعضهم بفتح النون، وبعضهم بضمها، وقال القرطبي: كان هذا قبل أن يعلمن بأحكام الإِحرام وأنواعه، ويحتمل أن ذلك كان اعتقادها من قبل أن تهل، ثم أهلَّت بعمرة، ويحتمل أن يريد بقولها: لا نرى حكاية عن فعل غيرها من الصحابة، وهم كانوا لا
стр. 6104
يعرفون غيره، ولم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره، وتعقبه الدماميني بأن الظاهر غير الاحتمالين المذكورين وهو أن مرادها لا أظن أنا ولا غيري من الصحابة إلا أنه الحج فأحرمنا به، هذا ظاهر اللفظ، وهذا ليس بظاهر لأن قولها: لا نرى إلا أنه الحج ليس صريحًا في إهلالها بالحج، نعم في رواية أبي الأسود عنها كما سيأتي إن شاء الله تعالى مهلِّين بالحج، ولمسلم: لبينا بالحج، وهذا ظاهره أنها مع غيرها من الصحابة كانوا أولًا محرمين بالحج، لكن في رواية عروة عنها في هذا الباب: فمنَّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهلَّ بحجة وعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحج، فيحمل الأول على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه من ترك الاعتمار في أشهر الحج، ثم بين لهم النبي ﷺ وجوه الإِحرام، وجوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحج، وأما عائشة نفسها، فسيأتي إن شاء الله تعالى في أبواب العمرة، وفي حجة الوداع في المغازي عن عروة عنها في أثناء هذا الحديث، قالت: وكنت ممن أهلَّ بعمرة، وقد زعم إسماعيل القاضي وغيره أن الصواب رواية أبي الأسود والقاسم وعمرة عنها، أنها أهلت بالحج مفردًا، ونسب عروة إلى الغلط. وأجيب بأن قول عروة عنها أنها أهلَّت بعمرة صريح، وأما قول أبي الأسود وغيره عنها: لا نرى إلا الحج، فليس صريحًا في إهلالها بحج مفرد، فالجمع بينهما ما سبق من غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه جابر بن عبد الله الصحابي، كما أخرجه مسلم عنه، وكذا رواه طاووس ومجاهد عن عائشة.
ويحتمل في الجمع أيضًا أن يقال: أهلَّت عائشة بالحج مفردًا، كما فعل غيرها من الصحابة، وعلى هذا ينزل حديث الأسود ومن تبعه، ثم أمر النبي ﷺ أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا فصارت متمتعة، وعلى هذا يتنزل حديث عروة: ثم لما دخلت مكة وهي حائض، فلم تقدر على الطواف لأجل الحيض، أمرها أن تحرم بالحج على ما جاء في ذلك من الخلاف.
وقوله: "فلما قدمنا تطوفنا" أي: غيرها، لقولها بعده: فلم أطف، فإنه تبين به أن قولها: تطوفنا من العام الذي أريد به الخاص. وقوله: فأمر النبي ﷺ من لم يكن ساق الهدي أن يحل من الحج بعمل العمرة، وياء يحل مضمومة من الإِحلال، وفي اليونينية بفتحها لا غير، والفاء في فأمر للتعقيب، فيدل على
стр. 6105
أن أمره ﵊ بذلك كان بعد الطواف، وقد قيل إنه أمرهم به بسرف، ولا منافاة بينهما، فالثاني تكرار للأول وتأكيد له.
وقوله: "ونساؤه لم يسقن فأحللن"، وعائشة منهن لكن منعها من التحلل أنها حاضت ليلة دخولها مكة، وقد مضى في الباب قبله بيان ذلك، وأنها بكت، وأن النبي- ﷺ قال لها: كوني في حجك فظاهره أنه ﵊ أمرها أن تجعل عمرتها حجًا، ولهذا قالت: يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج، فأعمرها لأجل ذلك من التنعيم، وقال مالك: ليس العمل على حديث عروة قديمًا ولا حديثًا، قال ابن عبد البر: ليس عليه العمل في رفض العمرة، وجعلها حجًا بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة، وقد اختلف في جوازه من بعدهم كما مرَّ قريبًا، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله: ارفضي عمرتك، أي: اتركي التحلل منها وأدخلي عليها الحج، فتصير قارنة إلى آخر ما مرَّ مستوفى عند ذكر حديث عروة في باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض من كتاب الحيض.
وقوله: "وأرجع أنا بحجة" في رواية الكشميهني: وأرجع لي بحجة، أي: ليس لي عمرة منفردة عن حج حرصت بذلك على تكثير الأفعال كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، وأحرموا بالحج يوم التروية من مكة، فحصل لهم حجة منفردة وعمرة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فأرادت عمرة منفردة كما حصل لبقية الناس.
وقوله: "موعدك كذا وكذا" في الرواية السابقة في باب قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ثم ائتنا هاهنا، أي: المحصب.
وقوله: "قالت صفية ما أُراني" بضم الهمزة، أي: ما أظن نفسي.
وقوله: "إلا حابستهم" بالنصب، أي: القوم عن المسير إلى المدينة، لأني حضت ولم أطف بالبيت، فلعلهم بسببي يتوقفون إلى زمان طوافي بعد الطهارة، وإسناد الحبس إليها مجاز، وفي نسخة: حابستكم بكاف الخطاب، وكانت صفية كما سيأتي إن شاء الله تعالى قد حاضت ليلة النفر، فأراد النبي ﷺ ما يريد الرجل من أهله، وذلك وقت النفر، قالت عائشة: يا رسول الله إنها حائض.
وقوله: "قال عقرا حلقى" بفتح الأول وسكون الثاني فيهما وألفهما مقصورة للتأنيث فلا ينوَّنان، ويكتبان بالألف، هذا الذي لا يكاد يعرف غيره عند المحدثين، وفيه خمسة أوجه:
الأول أنهما وصفان لمؤنث بوزن فعلى، أي عقرها الله في جسدها وحلقها، أي: أصابها
стр. 6106
وجع في حلقها أو حلق شعرها، فهي معقرة محلوقة وهما مرفوعان: خبر مبتدأ محذوف، أي: هي.
ثانيها كذلك إلا أنها بمعنى فاعل، أي: أنها تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها، أي: تستأصلهم، فكأنه وصف من فعل متعد وهما مرفوعان أيضًا بتقدير هي، وبه قال الزمخشري.
ثالثها كذلك، إلا أنه جمع كجريح وجرحى، ويكون وصف المفرد بذالك مبالغة.
رابعها: أنها وصف فاعل لكن بمعنى لا تكد، كعاقر وحلقى، أي: مشؤومة، قال الأصمعي: يقال أصبحت أمه حالقًا، أي: ثاكلًا.
خامسها: أنهما مصدران كدعوى، والمعنى عقرها الله وحلقها، أي: حلق شعرها، أو أصابها بوجع في حلقها كما مرَّ، فيكون منصوبًا بحركة مقدرة على قاعدة المقصور، وليس بوصف. وقال أبو عبيدة: الصواب عقرا حلقا بالتنوين فيهما، قيل له: لم لا يجوز فعلى؟ قال: لأن فعلى تجيء فعنا، ولم يجىء في الدعاء، وهذا دعاء، وقال في "القاموس": عقرى وحلقى، وينونان، وفي الصحاح: ربما قالوا: عقرا وحلقى بلا تنوين، وحاصله جواز الوجهين، فالتنوين على أنه منصوب كسقيا وتركه، إما على أنه مصدر كما في المحكم، أو وصف على بابه، فيكون مرفوعًا كما مرَّ، فالجملة على هذا خبرية، وعلى ما قبله دعائية، وفي "القاموس": والمحكم إطلاق العقرا على الحائض، وكان العقر بمعنى الجرح لما كان فيه سيلان دم، سمي سيلان الدم بذلك، وعلى كل تقدير، فليس المراد حقيقة ذلك لا في الدعاء ولا في الوصف، بل هي كلمة اتسعت فيها العرب، فتطلقها، لا تريد حقيقة معناها، فهي كتربت يداه، ونحو ذلك، وقد مرّ باقي الكلام على حديث صفية في باب المرأة تحيض بعد الإفاضة من كتاب الحيض. أ. هـ.
رجاله ستة:
وفيه ذكر عبد الرحمن، وقد مرّ الجميع، مرّ عثمان بن أبي شيبة وجرير بن عبد الحميد ومنصور بن المعتمر في الثاني عشر من العلم، ومرّ إبراهيم النخعي في الخامس والعشرين من الإِيمان، ومرّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم، ومرّ محل عائشة وعبد الرحمن في الذي قبله رجال كلهم كوفيون، أخرجه البخاري أيضًا، ومسلم، وأبو داود، والنسائي في الحج. أ. هـ. وفي الحديث ذكر صفية بنت حي، وقد مرت في الثالث والثلاثين من الحيض.
стр. 6107
الحديث السابع والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ.
وقوله: "ومنَّا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحجة وعمرة" أي: جمع بينهما، ولأبي ذر بحج وعمرة.
وقوله: "ومنا من أهل بالحج" أي: فقط، وكانوا أولًا لا يعرفون إلا الحج، فبين لهم النبي ﷺ وجوه الإِحرام، وجوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحج.
والحاصل من مجموع الأحاديث أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا ثلاثة أقسام: قسم أحرموا بحج وعمرة أو بحج ومعهم الهدي، وقسم بعمرة ففرغوا منها ثم أحرموا بالحج، وقسم بحج ولا هدي معهم، فأمرهم النبي- ﷺ أن يقبلوه عمرة وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة، وأما عائشة رضي الله تعالى عنها، فكانت أهلَّت بعمرة، ولم تسق هديًا، ثم أدخلت عليها الحج.
وقوله: "أهلَّ رسول الله ﷺ بالحج" أي: مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، وقوله: "لم يحلوا حتى كان يوم النحر" كذا فيه، وسيأتي في حجة الوداع بلفظ: فلم يحلوا بزيادة فاء، وهو الوجه، وفي هذا الحديث جميع أنواع الحج من تمتع وقران وإفراد. وقد قال النووي: أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة: الإِفراد والتمتع والقِران، واختلفوا في أيها أفضل بحسب اختلافهم فيما فعله ﵊ في حجة الوداع.
ومذهب المالكية والشافعية أن الإِفراد أفضل لأنه ﷺ اختاره أولًا، ولأن رواته أخص به ﷺ في هذه الحجة، فإن منهم جابرًا وهو أحسنهم سياقًا لحجه ﵊، ومنهم ابن عمر، وقد قال: كنت تحت ناقته ﵊، يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج، وعائشة وقربها منه ﵊، واطلاعها على باطن أمره وعلانيته، كله معروف مع فقهها، وابن عباس وهو بالمحل المعروف من الفقه والفهم الثاقب، ولأن الخلفاء
стр. 6108
الراشدين بعد النبي ﷺ أفردوا بالحج وواظبوا عليه، وما وقع من الاختلاف عن علي وغيره، فإنما فعلوه لبيان الجواز، وإنما أدخل النبي- ﷺ العمرة على الحج لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، ثم إن الأفضل بعد الإِفراد التمتع ثم القران، هذا عند الشافعية.
وعند المالكية: الذي يلي الإِفراد في الفضل القران لأن القارن في عمله كالمفرد، والمشابه للأفضل يعقبه في الفضل، وعند الشافعية: القران أفضل من الإِفراد للذي لا يعتمر في سنته، قال النووي: لا شك في ذلك، ولم ينقل أحد أن الحج وحده أفضل من القرآن، وتعقبه في الفتح بأن الخلاف ثابت في ذلك قديمًا وحديثًا، أما قديمًا فالثابت عن عمر أنه قال: إنه أتم لحجكم وعمرتكم أن تنشئووا لكل منهما سفرًا، وعن ابن مسعود نحوه أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.
وأما حديثًا، فقد صرح القاضي حسين والمتولي بترجيح الإِفراد، ولو لم يعتمر في تلك السنة، وقد قال عياض: إن إحرامه ﵊ تظافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردًا، وأما رواية من روى أنه كان متمتعًا معناه أمره به لأنه صرح بقوله: ولولا أن معي الهدي لأحللت، فصحَّ أنه لم يتحلل، وأما رواية من روى القِران فهو إخبار عن آخر أحواله لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادي، وقيل له: قل عمرة في حجة، وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه ابن المنذر وابن حزم، وملخصه أن كل من روى عنه الإِفراد حمل على ما أهل به في أول الحال، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القرآن أراد ما استقر عليه أمره.
وذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد في المشهور عنه، واحتجوا بأنه ﵊ تمناه، فقال: لولا أني سقت الهدي لأحللت، ولا يتمنى إلا الأفضل، وأجيب بأنه إنما تمناه تطييبًا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له، واستمر عليه، وقال القاضي حسين: إن ظاهر هذا الحديث غير مراد بالإجماع لأن ظاهره أن سوق الهدي يمنع انعقاد العمرة، وقد انعقد الإجماع على خلافه، وقال ابن قدامة: يترجح التمتع بأن الذي يفرد إن اعتمر بعدها فهي عمرة مختلف في إجزائها عن حجة الإِسلام بخلاف عمرة التمتع فهي مجزئة بلا خلاف، فيترجح التمتع على الإِفراد، ويليه القرآن.
وقال أبو حنيفة والثوري وإسحاق بن راهويه أن القِران أفضل من التمتع والإفراد، ثم التمتع، ثم الإفراد. واختاره من الشافعية المزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي، ومن
стр. 6109
المتأخرين تقي الدين السبكي، وبحث مع النووي في اختياره أنه ﷺ كان قارنًا، وأن الإِفراد مع ذلك أفضل مستندًا إلى أنه ﵊ اختار الإِفراد أولًا، ثم أدخل عليه العمرة لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحج لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور كما في ثالث أحاديث الباب، وملخص ما تعقب به كلامه أن البيان قد سبق منه ﷺ في عُمَرِه الثلاث فإنه أحرم في كل منها في ذي القعدة: عمرة الحديبية التي صُدّ عن البيت فيها، وعمرة القضية التي بعدها، وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد باعتماره مع حجته بيان الجواز فقط مع أن الأفضل خلافه لاكتفى في ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة.
واحتج القائلون بأفضلية القرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وبما رواه البخاري عن عمر مرفوعًا: "وقيل عمرة في حجة" وبحديث أنس: "ثم أهلّ بحج وعمرة"، وبحديث عمران بن حصين عند مسلم: "جمع بين حج وعمرة"، ولأبي داود والنسائي عن البراء مرفوعًا: "إني سقت الهدي وقرنت"، وللنسائي من حديث علي مثله، ولأحمد عن سراقة أن النبي ﷺ قرن في حجة الوداع، وله عن أبي طلحة: جمع بين الحج والعمرة، وللدارقطني عن أبي سعيد وأبي قتادة والبزار عن ابن أبي أوفى ثلاثتهم مرفوعًا مثله.
وأجاب القائلون بالإِفراد عن الآية بأنها ليس فيها إلا الأمر بإتمامها، ولا يلزم منه قرنهما في الفعل، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وأجاب البيهقي عن هذه الأحاديث وغيرها نصرة أنه ﷺ كان منفردًا، فنقل عن سليمان بن حرب أن رواية أبي قلابة عن أنس أنه سمعهم يصرخون بهما جميعًا أثبت من رواية من روى عنه أنه ﷺ جمع بين الحج والعمرة، ثم تعقبه بأن قتادة وغيره من الحفاظ رووه عن أنس كذلك، فالاختلاف فيه على أنس نفسه، قال: فلعله سمع النبي ﷺ يعلم غيره كيف يهل بالقران، فظن أنه أهلَّ عن نفسه.
وأجاب عن حديث حفصة الآتي قريبًا بما نقل عن الشافعي أن معنى قولها: ولم تحل أنت من عمرتك، أي: من إحرامك، وعن حديث عمر بأن جماعة رووه بلفظ: صلى في هذا الوادي، وقال: عمرة في حجة، وهؤلاء أكثر عددًا ممن رواه وقل: عمرة في حجة فيكون إذنًا في القران لا أمرًا للنبي ﷺ في حال نفسه، وعن حديث عمران بأن المراد بذلك إذنه لأصحابه في القران بدليل روايته الأخرى أنه ﷺ أعمر بعض أهله في العشر، وروايته الأخرى أنه ﵊ تمتع، فإن مراده بكل ذلك إذنه في ذلك، وعن حديث البراء بأنه ساقه في قصة علي الآتية في هذا الباب، وقد رواها أنس في هذا الباب وجابر فيما أخرجه
стр. 6110
مسلم، وليس فيه لفظ: وقرنت، وأخرج حديث مجاهد عن عائشة، قالت: لقد علم ابن عمر أن النبي ﷺ قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها في حجته، أخرجه أبو داود، وقال البيهقي: تفرد أبو إسحاق عن مجاهد بهذا، وقد رواه منصور عن مجاهد بلفظ: فقالت: ما اعتمر في رجب قط، وقال: هذا هو المحفوظ كما يأتي في أبواب العمرة، وأشار إلى أنه اختلف فيه على أبي إسحاق، فرواه زهير بن معاوية عنه هكذا، ثم روى حديث جابر أن النبي ﷺ حج حجتين قبل أن يهاجر، وحجة قرن معها عمرة بعد أن هاجر، وحكي عن البخاري أنه أعلَّه لأن من رواته زيد بن الحباب عن الثوري، عن جعفر، عن أبيه، وزيد ربما يهم في الشيء، والمحفوظ عن الثوري مرسل، والمعروف عن جابر أن النبي ﷺ أهل بالحج خالصًا، ثم روى حديث مجاهد عن عائشة، وأعلَّه بداود العطار، وقال إنه تفرَّد بِوَصْله عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار، فأرسله لم يذكر ابن عباس، ثم روى حديث الصبي بن معبد أنه أهل بالحج والعمرة معًا، فأنكر عليه، فقال له عمر: هديت لسنة نبيك، الحديث، وهو في السنن، وفيه قصة.
وأجاب عنه بأنه يدل على جواز القران لأن النبي ﷺ كان قارنًا، ولا يخفى ما في الأجوبة من التعسف، واستدل القائلون بالإِفراد بأنه لا يجب فيه دم بالإِجماع بخلاف التمتع والقران، وهذا ينبني على أن دم القران دم جبران، وقد منعه من رجح القران، وقال إنه دم فضل وثواب كالأضحية، ولو كان دم نقص لما قام الصيام مقامه، ولأنه يؤكل منه، ودم النقص لا يؤكل منه كدم الجزاء، قال في "الفتح": ويترجح رواية من روى القران بأمور منها أن معه زيادة علم على من روى الإفراد وغيره، وبأن من روى الإِفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك، فأشهر من روى عنه الإِفراد عائشة، وقد ثبت عنها أنه اعتمر مع حجته، وابن عمر.
وقد ثبت عنه أنه ﷺ بدأ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج كما سيأتي في أبواب الهدى، وثبت أنه جمع بين حج وعمرة، ثم حدث أن النبي- ﷺ فعل ذلك، وسيأتي أيضًا، وجابر، وقد قال إنه اعتمر مع حجته أيضًا، وروى القران عنه جماعة من الصحابة لم يختلف عليهم فيه، وبأنه لم يقع في شيء من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال: أفردت ولا تمتعت، بل صح عنه أنه قال: قرنت، وصح عنه أنه قال: لولا أن معي الهدي لأحللت، وأيضًا فإن من روى عنه القران لا يحتمل حديثه التأويل إلا بتعسف بخلاف من روى الإِفراد فإنه محمول على أول الحال، وينتفي التعارض، ويؤيده أن من جاء عنه الإِفراد جاء عنه صورة القِران، ومن روى عنه التمتع، فإنه محمول على الاقتصار على سفر واحد للنسكين، ويؤيده أن من جاء عنه
стр. 6111
التمتع لما وصفه، ووصفه بصورة القران لأنهم اتفقوا على أنه لم يحل من عمرته حتى أتم عمل جميع الحج، وهذه إحدى صور القرآن.
وأيضًا فإن رواية القران جاءت عن بضعة عشر صحابيًا بأسانيد جياد بخلاف روايتي الإفراد والتمتع، وهذا يقتضي رفع الشك عن ذلك، والمصير إلى أنه كان قارنًا، ومقتضى ذلك أن يكون القِران أفضل من الإِفراد والتمتع، وقد مرَّ من قال بذلك قريبًا، وقال: من رجح القران أيضًا: هو أشق من التمتع، وعمرته مجزئة بلا خلاف، فيكون أفضل منهما، وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاثة سواء في الفضل، وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة في صحيحه. وعن أبي يوسف: القران والتمتع في الفضل سواء، وهما أفضل من الإِفراد، وعن أحمد: من ساق الهدي فالقِران أفضل له ليوافق فعل النبي- ﷺ ، ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمناه، وأمر به أصحابه، زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشىء لعمرته من بلده سفرًا، فالإِفراد أفضل له، قال: وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، فمن قال: الإِفراد أفضل فعلى هذا يتنزل لأن إعمال مفردين للنسك أكثر مشقة، فيكون أعظم أجرًا، ولتجزىء عنه عمرته من غير نقص ولا اختلاف.
ومن العلماء من جمع بين الأحاديث على نمط آخر مع موافقته على أنه ﵊ كان قارنًا كالطحاوي وابن حبان وغيرهما، فقيل: أهلّ أولًا بعمرة، ثم لم يتحلل منها إلى أن أدخل عليها الحج يوم التروية، ومستند هذا القائل حديث ابن عمر الآتي في أبواب الهدي بلفظ: فبدأ رسول الله ﷺ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، وهذا لا ينافي إنكار ابن عمر على أنس كونه نقل أنه ﷺ أهلَّ بالحج والعمرة كما سيأتي في حجة الوداع من المغازي لاحتمال أن يكون محل إنكاره كونه نقل أنه أهلَّ بهما معًا، والمعروف عنه أنه أدخل أحد النسكين على الآخر، لكن جزمه بأنه ﵊ بدأ بالعمرة مخالف لما عليه أكثر الأحاديث فهو مرجوح، وقيل: أهل أولًا بالحج مفردًا، ثم استمر على ذلك إلى أن أمر أصحابه أن يفسخوا حجهم فيجعلوه عمرة، وفسخ معهم، ومنعه من التحلل من عمرته المذكورة ما ذكره من سوق الهدي، فاستمر معتمرًا إلي أن أدخل عليها الحج حتى تحلل منها جميعًا، وهذا يستلزم أنه أحرم بالحج أولًا وآخرًا، وهو محتمل، لكن الجمع الأول أولى، وقيل إنه- ﷺ أهلَّ بالحج مفردًا، واستمر عليه إلى أن تحلل منه بمنى، ولم يعتمر في تلك السنة، وهو مقتضى من رجح أنه كان مفردًا، والذي يظهر أن من أنكر القران من الصحابة نفى أن يكون أهلَّ بهما جميعًا في أول الحال، ولا ينفي أن يكون أهلَّ بالحج مفردًا، ثم
стр. 6112
أدخل عليه العمرة، فيجتمع القولان كما تقدم.
رجاله خمسة قد مرُّوا:
مرّ عبد الله بن يوسف ومالك وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرّ أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن في الثامن والثلاثين من الغسل.
الحديث الثامن والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا ﵄، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا. فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ، أَهَلَّ بِهِمَا لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ قَالَ: مَا كُنْتُ لأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِ أَحَدٍ.
قوله: "شهدت عثمان وعليًا" سيأتي في آخر الباب عن سعيد بن المسيب أن ذلك كان بعسفان، وقوله: "وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما"، أي: بين الحج والعمرة، يحتمل أن تكون الواو في وأن يجمع بينهما عاطفة، فيكون نهى عن القِران والتمتع معًا، ويحتمل أن يكون عطف تفسير، وهو على ما تقدم من أن السلف كانوا يطلقون على القِران تمتعًا، ووجهه أن القارن يتمتع بترك النصب بالسفر مرتين، فيكون المراد أن يجمع بينهما قرانًا، أو إيقاعًا لهما في سنة واحدة بتقديم العمرة على الحج.
وقوله: "فلما رأى علي" أي: النهي الواقع من عثمان عن المتعة والقِران، فالمفعول محذوف، وهو النهي كما قدرنا.
وقوله: "أهلَّ بهما لبيك بعمرة وحجة"، أي: قائلًا لبيك، الخ، وفي رواية سعيد بن المسيب، فقال علي: ما تريد إلى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله ﷺ ، وفي رواية الكشميهني: إلا أن تنهى بحرف الاستثناء، زاد مسلم، فقال عثمان: دعنا عنك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، ورواه النسائي عن سعيد بن المسيب بلفظ: نهى عثمان عن التمتع، وزاد فيه: فلبى علي وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان، فقال له علي: ألم تسمع رسول الله ﷺ تمتع؟ قال: بلى. وله من وجه آخر: سمعت رسول الله ﷺ يلبي بهما جميعًا، زاد مسلم عن عبد الله بن شقيق، عن عثمان، قال: أجل، لكنا كنا خائفين، قال النووي: لعله أشار إلى عمرة القضية سنة سبع، لكن لم يكن في تلك السنة حقيقة تمتع، إنما كان عمرة وحدها، وهذه رواية شاذة، فقد روى هذا الحديث مروان بن الحكم وسعيد بن المسيب، وهما
стр. 6113
أعلم من عبد الله بن شقيق، فلم يقولا ذلك، والتمتع إنما كان في حجة الوداع، وقد قال ابن مسعود كما ثبت عنه في الصحيحين: كنا آمن ما يكون الناس، وقال القرطبي: قوله: "خائفين" أي: من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتع، وهذا جمع حسن، ولكن لا يخفى بعده، ويحتمل أن يكون عثمان أشار إلى أن الأصل في اختياره ﵊ فسخ الحج إلى العمرة في حجة الوداع دفع اعتقاد قريش منع العمرة في أشهر الحج، وكان ابتداء ذلك بالحديبية, لأن إحرامهم بالعمرة كان في ذي القعدة، وهو من أشهر الحج، وهناك يصح إطلاق كونهم خائفين، أي: من وقوع القتال بينهم وبين المشركين، وكان المشركون صدوهم عن الوصول إلى البيت، فتحللوا من عمرتهم، وكانت أول عمرة وقعت في أشهر الحج، ثم جاءت عمرة القضية في ذي القعدة أيضًا، ثم أراد ﷺ تأكد ذلك بالمبالغة فيه حتى أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة.
وقوله: "ما كنت لأدع سنة" الخ، زاد النسائي والإِسماعيلي: فقال عثمان: تراني أنهى الناس وأنت تفعله، فقال: ما كنت أدع، وفي قصة عثمان وعلي من الفوائد إشاعة العالم ما عنده من العلم، واظهاره ومناظرة ولاة الأمر وغيرهم في تحقيقه لمن قوي على ذلك لقصد مناصحة المسلمين والبيان بالفعل مع القول، وجواز الاستنباط من النص لأن عثمان لم يخْفَ عليه أن التمتع والقِران جائزان، وإنما نهى عنهما ليعمل بالأفضل، كما وقع لعمر، لكن خشي علي أن يحمل غيره النهي على التحريم، فأشاع جواز ذلك وكل منهما مجتهد مأجور، وقد ذكر ابن الحاجب حديث عثمان في التمتع دليلًا لمسألة اتفاق أهل العصر الثاني بعد اختلاف أهل العصر الأول، فقال: وفي الصحيح أن عثمان كان نهى عن المتعة، قال البغوي: ثم صار إجماعًا وتعقب بأن نهي عثمان عن المتعة إن كان المراد به الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، فلم يستقو عليه الإجماع لأن الحنفية يخالفون فيه، وإن كان المراد به فسخ الحج إلى العمرة، فكذلك لأن الحنابلة يخالفون فيه كما مرَّ، ووراء ذلك أن رواية النسائي السابقة مشعرة بأن عثمان رجع عن النهي، فلا يصح التمسك به، ولفظ البغوي في شرح السنة بعد أن ساق حديث عثمان: هذا خلاف علي. وأكثر الصحابة على الجواز، واتفقت عليه الأئمة بعد، فحمله على أن عثمان نهى عن التمتع، والظاهر أن عثمان ما كان يبطله، وإنما كان يرى أن الإفراد أفضل منه، وإذا كان كذلك، فلم تتفق الأئمة على ذلك، فإن الخلاف في أي الأمور الثلاثة أفضل باق، وفيه أن المجتهد لا يلزم مجتهدًا آخر بتقليده لعدم إنكار عثمان على علي ذلك مع كون عثمان الإِمام إذ ذاك.
стр. 6114
رجاله ستة ، وفيه ذكر عثمان وعلي ﵄، وقد مرَّ الجميع.
ومرَّ محمد بن بشار في الحادي عشر من العلم، ومرَّ الحكم بن عتيبة في الثامن والخمسين منه، ومرَّ شعبة في الثالث من الإيمان, ومرَّ محمد بن جعفر غندر في الخامس والعشرين منه، ومرَّ علي زين العابدين في الخامس من الغسل، ومرَّ مروان بن الحكم في الرابع والخمسين من الوضوء، ومرَّ عثمان في أثر بعد الخامس من العلم، ومرَّ علي في السابع والأربعين منه.
وهذا الحديث من أفراد البخاري.
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ. قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: حِلٌّ كُلُّهُ.
قوله: "كانوا يرون العمرة" بفتح أوله، أي: يعتقدون، والمراد أهل الجاهلية، ولابن حبان، عن ابن عباس، قال: والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون، فذكر نحوه، فعرف بهذا تعيين القائلين.
وقوله: "من أفجر الفجور" هذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة عن غير أصل.
وقوله: "ويجعلون المحرم صفر" كذا في جميع الأصول من الصحيحين، وقال النووي: كان ينبغي أن يكتب بالألف، وعلى تقدير حذفها لابد من قراءته منصوبًا لأنه مصروف بلا خلاف، والمشهور في اللغة الربيعية كتابة المنصوب بغير ألف، فلا يلزم من كتابته بغير ألف أن لا يصرف فيقرأ بالألف، وسبقه عياض إلى نفي الخلاف فيه، لكن في المحكم: كان أبو عبيدة لا يصرفه، فقيل له: إنه لا يمتنع الصرف حتى يجتمع علتان، فما هما؟ قال: المعرفة والساعة، ومراده بالساعة أن الأزمنة ساعات، والساعة مؤنثة، وحديث ابن عباس هذا حجة قوية لأبي عبيدة، ونقل بعضهم أن في صحيح مسلم صفرًا بالألف، وأما جعلهم ذلك،
стр. 6115
فقال النووي: قال العلماء: المراد الإخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، فكانوا يسمون المحرم صفرًا، ويحلونه ويؤخرون تحريم المحرم إلى نفس صفر لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة فيضيق عليهم فيها ما اعتادوه من المقاتلة والغارة بعضهم على بعض فضللهم الله في ذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، قال المفسرون: كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرًا، حتى رفضوا خصوص الأشهر، واعتبروا مجرد العدد، ويحرِّمونه عامًا فيتركونه على حرمته، قيل إن أول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني، كان يقوم على جمل في الموسم فينادي إن آلهتكم قد أحلَّت لكم المحرم فأحلُّوه، ثم ينادي في القبائل أن آلهتكم قد حرَّمت عليكم المحرم فحرِّموه، وقيل: الغلمس واسمه حذيفة بن عبيد الكناني، وقيل غير ذلك.
وأما تسمية الشهر صفرًا، فقال رؤبة: أصلها أنهم كانوا يغيرون فيه بعضهم على بعض، فيتركون منازلهم صفرًا، أي: خالية من المتاع، وقيل: لإصفار أماكنهم من أهلها، وقال ابن دريد: الصفران شهران من السنة، سمي أحدهما في الإسلام المحرم، وقد سمي بذلك لإصفار مكة من أهلها، وقال الفراء: لأنهم كانوا يخلون البيوت فيه لخروجهم إلى البلاد، وقيل: كانوا يزيدون في كل أربع سنين شهرًا يسمونه صفرًا الثاني، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرًا، ولذلك قال ﵊: "السنة اثنا عشر شهرًا"، وكانوا يتطيرون، ويرون أن الآفات فيه واقعة.
وقوله: "وكانوا يقولون إذا برأ الدبر" بفتح المهملة والموحدة، أي: ما كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها، ومشقة السفر فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج.
وقوله: "وعفا الأثر" اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها، ويحتمل أثر الدبر المذكور، وفي سنن أبي داود، وعفا الوبر، أي: كثر وبر الإبل الذي حلق بالرحال، وهذه الألفاظ تقرأ ساكنة الراء لإرادة السجع، ووجه تعلق جواز الاعتمار بانسلاخ صفر مع كونه ليس من أشهر الحج، وكذلك المحرم أنهم لما جعلوا المحرم صفرًا ولا يستقرون ببلادهم في الغالب، ويبرأ دبر إبلهم إلا عند انسلاخه، ألحقوه بأشهر الحج على طريق التبعية، وجعلوا أول أشهر الاعتمار شهر المحرم الذي هو في الأصل صفر، والعمرة عندهم في غير أشهر الحج.
وقوله: "قدم النبي ﷺ " كذا في الأصول بدون فاء، وقد أخرجه المصنف في أيام الجاهلية بلفظ: فقدم بزيادة فاء، وهو الوجه، وكذا أخرجه مسلم والإسماعيلي.
وقوله: "صبيحة رابعة" أي: يوم الأحد، وقوله: "مهلين بالحج"، وفي رواية إبراهيم بن
стр. 6116
الحجاج: وهم يلبون بالحج، وهي مفسرة لقوله: مهلِّين، واحتجَّ به من قال: كان حج النبي ﷺ مفردًا، وأجاب من قال كان قارنًا بأنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة.
وقوله "أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم" أي: لما كانوا يعتقدون أولًا، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج: فكبر ذلك عندهم.
وقوله: "أي الحل" كأنهم كانوا يعرفون أن للحج تحللين، فأرادوا بيان ذلك، فبين لهم أنهم يتحللون الحل كله لأن العمرة ليس لها إلا تحلل واحد، وفي رواية الطحاوي: أي الحل نحل؟ قال: الحل كله.
رجاله خمسة قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان, ومرَّ عبد الله بن طاووس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرَّ طاووس في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين بعد الأربعين من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، أخرجه البخاري أيضا في أيام الجاهلية، ومسلم والنسائي في الحج.
الحديث الخمسون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَأَمَرَهُ بِالْحِلِّ.
هذا الحديث أورده هنا مختصرًا، وقد تقدم تامًا مشروحًا بالاستيفاء قبل بباب، ووقع للكشميهني: فأمره بالحل على الالتفات. أ. هـ.
رجاله ستة قد مرُّوا:
مرَّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان, ومرَّ غندر في الخامس والعشرين منه، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ قيس بن مسلم وطارق بن شهاب في الثامن والثلاثين منه، ومرَّ أبو موسى في الرابع منه.
وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه قريبًا.
стр. 6117
الحديث الحادي والخمسون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ".
قوله: "حلوا بعمرة" أي: بعملها, لأنهم فسخوا الحج إلى العمرة، فكان إحرامهم بالعمرة سببًا لسرعة حلهم.
وقوله: "ولم تحلل" بفتح أوله وكسر ثالثه، أي: لم تحل، وإظهار التضعيف لغة، وقوله: "أنت من عمرتك" أي: المضمومة إلى الحج، فيكون قارنًا كما هو في أكثر الأحاديث، وحينئذ فلا تمسك به لمن قال إنه ﵊ كان متمتعًا لكونه ﵊ أقر على أنه كان محرمًا بعمرة, لأن اللفظ محتمل للتمتع والقران، فتعين بقوله ﵊ في رواية عبيدالله بن عمر عند الشيخين: حتى أحل من الحج أنه كان قارنًا، ولا يتجه القول بأنه كان متمتعًا لأنه لا جائز أن يقال إنه استمر على العمرة خاصة، ولم يحرم بالحج أصلًا لأنه يلزم منه أنه لم يحج تلك السنة، وهذا لا يقوله أحد، وقد روى عنه القِران في الأحاديث المتقدمة، وجنح الأصيلي وغيره إلى توهيم مالك في قوله: ولم تحل أنت من عمرتك، وأنه لم يقله أحد في حديث حفصة غيره، وتعقبه ابن عبد البر على تقدير تسليم انفراده بأنها زيادة حافظ فيجب قبولها على أنه لم ينفرد، فقد تابعه أيوب وعبيد الله بن عمر، وهما مع ذلك حفاظ أصحاب نافع، ورواية عبيد الله بن عمر عند مسلم.
وقد أخرجه مسلم من رواية ابن جريج، والبخاري من رواية موسى بن عقبة، والبيهقي من رواية شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن نافع بدونها، وفي رواية عبيد الله بن عمر عند الشيخين: فلا أحل حتى أحل من الحج كما مرَّ، ولا تنافي هذه رواية مالك لأن القارن لا يحل من العمرة ولا من الحج حتى ينحر، فلا حجة فيه لمن تمسك به في أنه ﵊ كان متمتعًا لأن قول حفصة: ولم تحل من عمرتك.
وقوله: "هو حتى أحل من الحج" ظاهر في أنه كان قارنًا، وأجاب من قال كان مفردًا عن قوله: ولم تحل من عمرتك بأجوبة منها ما قاله الشافعي: معناه ولم تحل أنت من إحرامك
стр. 6118
الذي ابتدأته معهم بنية واحدة بدليل قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة"، وقيل: معناه: ولم تحل من حجك بعمرة، كما أمرت أصحابك، قالوا: وقد تأتي من بمعنى الباء كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ , أي: بأمر الله، والتقدير: ولم تحل أنت بعمرة من إحرامك، وقيل: ظننت أنه فسخ حجة بعمرة كما فعل أصحابه بأمره، فقالت: ولم تحل أنت أيضًا من عمرتك، ولا يخفى تكلف بعض هذه التأويلات، والذي تجتمع به الروايات أنه ﵊ كان بمعنى أنه أدخل العمرة على الحج بعد أن أهلَّ به مفردا لا أنه أوَّل ما أهلَّ أحرم بالحج والعمرة معًا، فعمدة رواة الإفراد أول الإحرام، وعمدة رواة القِران آخره.
وأما من روى أنه كان متمتعًا كابن عمر وعائشة وأبي موسى الأشعري وابن عباس في الصحيحين، وعمران بن حصين في مسلم فأراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع، وقد انتفع بالاكتفاء بفعل واحد، ويؤيد ذلك أنه لم يعتمر في تلك السنة عمرة منفردة، ولو جعلت حجته منفردة لكان غير معتمر في تلك السنة، وقد مرَّ القول بهذا، ومرَّ القول بأن الحج مفردًا في السنة أفضل منه القِران، وقال الإِمام الشافعي: معلوم في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به كجواز إضافته إلى الفاعل كقولك: بني فلان دارًا إذا أمر ببنائها، وضرب الأمير فلانًا إذا أمر بضربه، ورجم النبي ﷺ ماعزًا وقطع يد سارق رداء صفوان، وإنما أمر بذلك، ومثله كثير في كلام العرب، وكان أصحاب النبي ﵊ منهم القارن والمفرد والمتمتع، وكل منهم يأخذ عنه فعل نسكه، ويصدر عن فعله، فجاز أن تضاف إليه ﷺ على معنى أنه أمر بها وأذن فيها.
وقوله: "إني لبدت رأسي" بفتح اللام والموحدة المشددة من التلبيد، وهو أن يجعل المحرم في رأسه شيئًا من نحو الصمغ ليجتمع الشعر ولا يدخل فيه قمل، وقد مرَّ.
وقوله: "وقلدت هديي" هو تعليق شيء في عنق الهدي ليعلم، وليس التلبيد والتقليد من الحل ولا من عدمه، وإنما هو لبيان أنه من أول الأمر مستعد لدوام إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، والتلبيد مشعر بمدة طويلة.
وقوله: "فلا أحل حتى أنحر" وهذا موافق لقوله ﵊ الآتي في حديث جابر: "لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله"، ولحديث عائشة الآتي بلفظ: "من أحرم بعمرة فأهدى فلا يحل حتى ينحر".
واستدل به على أن من ساق الهدي لا يتحلل من عمل العمرة حتى يحل بالحج ويفرغ
стр. 6119
منه لأنه جعل العلة في بقائه على إحرامه كونه أهدى، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد ومن وافقهما، ويؤيده حديث عائشة أول حديث الباب: "فأمر من لم يكن ساق الهدي أن يحل", والأحاديث بذلك متظافرة.
وأجاب الجمهور عنه بأنه ليس العلة في ذلك سوق الهدي، وإنما السبب فيه إدخال العمرة على الحج، ويدل له قوله في رواية عبيد الله بن عمر المذكورة حتى أحل من الحج، وعبر عن الإحرام بالحج بسوق الهدي لأنه كان ملازمًا له في تلك الحجة، فإنه قال لهم: "من كان معه الهدي فليهل بالحج مع عمرته، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا"، ولما كان ﵊ قد أدخل العمرة على الحج، لم يفده الإحرام بالعمرة سرعة الإحلال لبقائه على الحج، فشارك الصحابة في الإحرام بالعمرة، وفارقهم ببقائه على الحج وفسخهم له.
والجواب مشكل على القائل بأنه ﵊ كان مفردًا، وقال بعض العلماء: ليس لمن قال كان مفردًا عن هذا الحديث انفصال لأنه إن قال به استشكل عليه كونه علل عدم التحلل بسوق الهدي؛ لأن عدم التحلل لا تمتنع على من كان قارنًا عنده، ويجاب عنه بما مرَّ من أنه كان قارنًا بمعنى أنه أدخل العمرة على الحج بعد أن أهلَّ به مفردًا لا أنه أول ما أهل أحرم بالحج والعمرة معًا.
رجاله ستة قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرّت حفصة أم المؤمنين في الثالث والستين من الوضوء.
فيه رواية الصحابي عن الصحابية، ورواية الأخ عن الأخت، أخرجه البخاري في موضعين في الحج وفي اللباس وفي المغازي، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
الحديث الثاني والخمسون
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ، قَالَ: تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَأَمَرَنِي، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلاً يَقُولُ لِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ:
стр. 6120
سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: لِمَ؟ فَقَالَ: لِلرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُ.
قوله: "فنهاني ناس"، قال في "الفتح": لم أقف على أسمائهم، وكان ذلك في زمن ابن الزبير، وكان ينهى عن المتعة، كما رواه مسلم عن أبي الزبير، عنه، وعن جابر، ونقل ابن أبي حاتم عن ابن الزبير أنه كان لا يرى التمتع إلا للمحصر، ووافقه علقمة وإبراهيم، وقال الجمهور: لا اختصاص بذلك للمحصر.
وقوله: "فأمرني" أي: أن استمر على عمرتي، ولأحمد ومسلم: فأتيت ابن عباس، فسألته عن ذلك، فأمرني بها، ثم انطلقت إلى البيت فنمت، فأتاني آت في منامي.
وقوله: "وعمرة متقبلة" في رواية النضر عن شعبة كما يأتي في أبواب الهدي: متعة متقبلة، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه عمرة متقبلة، وقد تقدم تفسير المبرور في أوائل الحج.
وقوله: "فقال: سنة أبي القاسم" هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه سنة، ويجوز فيه النصب، أي: وافقت سنة أبي القاسم، أو على الاختصاص، وفي رواية النضر، فقال: الله أكبر، سنة أبي القاسم.
وقوله: "فقال للرؤيا" أي: لأجل الرؤيا المذكورة التي رأيت بتاء المتكلم، أي: ليقص على الناس هذه الرؤيا المبينة لحال المتعة، قال المهلب: ففي هذا دليل على أن الرؤيا الصادقة شاهد على أمور اليقظة، وفيه نظر لأن الرؤيا الحسنة من الأنبياء ينتفع بها في التأكيد لا في التأسيس والتجديد، فلا يسوغ لأحد أن يسند فتياه إلى منام، ولا يتلقى من غير الأدلة الشرعية حكمًا من الأحكام، قلت: ما قاله المهلب ليس مخالفًا لما ذكر؛ لأن قوله: شاهد على أمور اليقظة هو معنى التأكيد.
ويؤخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يسره، وفرح العالم بموافقته الحق، والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي، وعرض الرؤيا على العالم، والتكبير عند المسرة، والعمل بالأدلة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل العلم، ليعمل بالراجح منه الموافق للدليل.
رجاله أربعة قد مرُّوا:
مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ أبو حمزة في السادس والأربعين منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وقد مرَّ هذا الحديث في باب أداء الخمس من الإيمان,
стр. 6121
وأخرجه البخاري أيضًا، وأخرجه مسلم.
الحديث الثالث والخمسون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، قَالَ: قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِي أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً. فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ أَسْتَفْتِيهِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلاَلاً، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً". فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَقَالَ: "افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلاَ أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لاَ يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ". فَفَعَلُوا. قال أبو عبد الله: أبو شهاب ليس له مسند إلا هذا.
قوله: "حجك مكياً" في رواية الكشميهني: حجتك مكية، يعني: قليلة الثواب لقلة مشقتها، وقال ابن بطال: معناه أنك تنشىء حجك من مكة، كما ينشىء أهل مكة منها، فيفوتك فضل الإحرام من الميقات.
وقوله: "يوم ساق البدن معه" بضم الموحدة وإسكان الدال: جمع بدنة، وذلك في حجة الوداع، وقد رواه مسلم عن أبي نعيم بلفظ: عامَ ساق الهدي.
وقوله: "أحلوا من إحرامكم" أي: اجعلوا حجكم عمرة، وتحللوا منها بالطواف والسعي.
وقوله: "وقصروا" إنما أمرهم بذلك لأنهم يهلون بعد قليل بالحج، فأخر الحلق لهم لأن بين دخولهم وبين يوم التروية أربعة أيام فقط.
وقوله: "اجعلوا التي قدمتم بها متعة، أي: اجعلوا الحجة المفردة التي أهللتم بها عمرة تتحللوا منها فتصيروا متمتعين، فأطلق على العمرة متعة مجازًا، والعلاقة بينهما ظاهرة، وفي رواية عطاء عند مسلم: فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، ومثله في رواية الباقر عن عبد الله في الخبر الطويل عند مسلم.
وقوله: "فلولا أني سقت الهدي" الخ، فيه ما كان ﵊ من تطييب قلوب أصحابه، وتلطفه بهم وحلمه عنهم، وفيه استعمال "لو" في مثل هذا, ولا تعارض بينه وبين حديث: "لو تفتح عمل الشيطان" لأن المراد بذلك باب التلهف على أمور الدنيا لما فيه من
стр. 6122
عدم صورة التوكل، وعدم نسبة الفعل للقضاء والقدر، أما في القربات كهذا الحديث فهذا المعنى منتفٍ فلا كراهة فيه.
وقوله: "لا يحل مني حرام" بحسر حاء يحل، أي: شيء حرام، والمعنى: لا يحل مني ما حرم علي، وفي رواية مسلم: لا يحل مني حرامًا بالنصب على المفعولية، وعلى هذا يقرأ يحل بضم أوله والفاعل محذوف تقديره: لا يحل طول المكث ونحو ذلك مني شيئًا حرامًا حتى يبلغ الهدي محله، أي: إذا نحو يوم مني، وقد مرَّ باقي الكلام عليه عند حديث حفصة الذي قبله بحديث.
وقوله: قال أبو عبد الله: أبو شهاب ليس له حديث مسند إلا هذا، أي: لم يرو حديثًا مرفوعًا إلا هذا الحديث، قال مغلطاي: كأنه يقول: من كان هكذا لا يجعل حديثه أصلاً من أصول العلم، وما قاله لا يضره إذا كان موصوفًا بصفة من يصحح حديثه، ثم كلام مغلطاي محمولٌ على ظاهر الإطلاق، وقد أجاب غيره بأنه مقيد بالرواية عن عطاء، فإن حديثه هذا طرف من حديث جابر الطويل الذي انفرد مسلم بسياقه عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، وفي هذا الطرف زيادة بيان لصفة التحلل من العمرة، ليس في الحديث الطويل حيث قال فيه: "أحلوا من إحرامكم بطواف البين وبين الصفا والمروة وقصروا ثم أقيموا حلالاً إلى يوم التروية وأهلُّوا بالحج".
ويستفاد منه جواز جواب المفتي لمن سأله عن حكم خاص بأن يذكر له قصة مسندة مرفوعة إلى النبي ﷺ تشتم على جواب سؤاله، ويكون ما اشتملت عليه من الفوائد الزائدة على ذلك زيادة خير، وينبغي أن يكون محله ذلك لائقًا بحال السائل.
رجاله أربعة قد مرّوا:
مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ أبو شهاب في التاسع والأربعين من الزكاة، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي.
الحديث الرابع والخمسون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ﵄ وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي الْمُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا.
стр. 6123
قوله: "أهلَّ بهما جميعًا" هذا هو القِران، قال في "الكواكب": فإن قلت: الاختلاف بينهما كان في التمتع، وهذا قران، فكيف يكون فعله مثبتًا لقوله نافيًا قول صاحبه، وأجاب بأن القران أيضًا نوع من التمتع لأنه يتمتع بما فيه من التخفيف، أو كان القِران عند عثمان كالتمتع بدليل ما تقدم حيث قال: وأن يجمع بينهما، وكان حكمهما عنده واحدًا، منعًا وجوازًا، والمراد بالمتعة العمرة في أشهر الحج سواء كانت في ضمن الحج أو متقدمة عنه منفردة، وسبب تسميتها متعة ما فيها من التخفيف الذي هو تمتع.
وهذا الحديث قد تقدم ثاني أو ثالث أحاديث الباب، ومرَّ باقي الكلام عليه هناك، فاشتملت أحاديث الباب على ما ترجم به، فحديث عائشة من طريق يؤخذ منه الفسخ والإفراد، وحديث علي من طريقه يؤخذ منه التمتع والقِران، وحديث ابن عباس يؤخذ منه الفسخ، وكذا حديث أبي موسى وجابر، وحديث حفصة يؤخذ منه أن من تمتع بالعمرة إلى الحج لا يحل من عمرته إن كان ساق الهدي، وكذا حديث جابر، وحديث ابن عباس الثاني تؤخذ مشروعية التمتع، وكذلك حديث جابر أيضًا.
رجاله سبعة قد مرّوا:
مرَّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر منه، ومرَّ عمرو بن مرة في السبعين من الجماعة، ومرَّ حجاج بن محمد الأعور في السابع والثلاثين من الزكاة، ومرّ عثمان في أثر بعد الخامس من العلم، ومرّ علي في السابع والأربعين منه.
ثم قال المصنف:
стр. 6124
باب من يلبي بالحج وسماه
أي: عيّنه.
الحديث الخامس والخمسون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً.
أورد الحديث هنا عن مجاهد مختصرًا، وهو بين فيما ترجم له، ويؤخذ منه فسخ الحج إلى العمرة، وقد ذهب الجمهور إلى أنه منسوخ، وذهب ابن عباس إلى أنه محكم، وبه قال أحمد وطائفة يسيرة كما مرَّ.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرّ مسدد في السادس من الإيمان, ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ مجاهد في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي.
ثم قال المصنف:
стр. 6125
باب التمتع على عهد رسول الله ﷺ -
كذا في رواية أبي ذر، وسقط لغيره على عهد إلى آخره، ولبعضهم باب بغير ترجمة، وكذا ذكره الإسماعيلي، والأول أولى، وفي الترجمة إشارة إلى الخلاف في ذلك، وإن كان الأمر استقر بعد على الجواز.
الحديث السادس والخمسون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ، عَنْ عِمْرَانَ ﵁، قَالَ: تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ الْقُرْآنُ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
وقوله: "عن عمران" لمسلم: عن مطرف، بعث إلى عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال إني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك، فذكر الحديث.
وقوله: "ونزل القرآن" أي: بجوازه، يشير إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية، ورواه مسلم عن همام بلفظ: "ولم ينزل فيه القرآن", أي: يمنعه ويوضحه رواية مسلم عن قتادة بلفظ: ثم لم ينزل فيه كتاب الله ولم ينه عنها نبي الله، وفي رواية له: ولم ينزل فيه قرآن بحرمة، وفي رواية له أخرى: فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم تنه عنه حتى مضى لوجهه.
وللإسماعيلي عن همام: تمتعنا مع رسول الله ﷺ ، ونزل فيه القرآن، ولم ينهنا رسول الله ﷺ ، ولم ينسخها شيء، وأخرجه المصنف في تفسير البقرة عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بلفظ: أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله ﷺ ، ولم ينزل قرآن بحرمة، فلم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء.
وقوله: "قال رجل برأيه ما شاء"، وفي رواية أبي العلاء: ارتأى كل امرىء بعدما شاء أن يرتئي، قائل ذلك هو عمران بن حصين، ووهم من زعم أنه مطرف الراوي عنه، لثبوت ذلك
стр. 6126
في رواية أبي رجاء عن عمران كما ذكرته قبل، وقال ابن التين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان، وأغرب الكرماني فقال: الظاهر أن المراد به عثمان، وكان لقرب قصة عثمان مع علي جزم بذلك، وذلك غير لازم، فقد سبقت قصة عمر مع أبي موسى في ذلك، ووقعت لمعاوية أيضًا مع سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم قصة في ذلك، والأولى أن يفسر بعمر، فإنه أول من نهى، وكان من بعده كان تابعاً له في ذلك، ففي مسلم أن ابن الزبير أيضًا كان ينهى، وابن عباس كان يأمر بها، فسألوا جابرًا، فأشار إلى أن أول من نهى عنها عمر، ثم إن في حديث عمر ما يعكر على عياض وغيره في جزمهم أن المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحج إلى العمرة لا العمرة التي يحج بعدها، فإن في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها متعة الحج، وفي رواية له أيضًا أن رسول الله ﷺ أعمر بعض أهله في العشر، وفي رواية له جمع بين حج وعمرة، ومراده التمتع المذكور، وهو الجمع بينهما في عام واحد كما يأتي تصريحًا في الباب بعده في حديث ابن عباس، وقد تقدم البحث فيه في حديث أبي موسى.
وفيه من الفوائد أيضًا جواز نسخ القرآن بالقرآن، ولا خلاف فيه، وجواز نسخه بالسنة، وفيه اختلاف شهير، ووجه الدلالة منه قوله، ولم ينه عنها رسول الله ﷺ ، فإن مفهومه أنه لو نهى عنها لامتنعت، ويستلزم رفع الحكم ومقتضاه جواز النسخ، وقد يؤخذ منه أن الإجماع لا ينسخ لكونه حصر وجوه المنع في نزول آية، أو نهي من النبي ﷺ , وفيه وقوع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنص.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ همام في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرَّ قتادة في السادس من الإيمان، ومرَّ مطرف بن الشخير في الرابع والخمسين من صفة الصلاة، ومرَّ عمران بن حصين في الحادي عشر من التيمم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريُّون، أخرجه مسلم في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6127
باب قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
وقوله ذلك في الآية إشارة إلى التمتع لأنه سبق فيها فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي إلى أن قال ذلك وهذا قول أبي حنيفة فلا تمتع ولا قِران عنده لحاضري المسجد الحرام فيكره له التمتع والقران، فإِن تمتع أو قرن فعليه دم جبرًا وهما في الآفاقي مستحبان ويلزمه الدم شكرًا، وعند غير أبي حنيفة الإشارة راجعة إلى حكم التمتع وهو الفدية فلا يجب على أَهل مكة دم إذا أَحرموا من الحل بالعمرة ولا يكره لهم التمتع والقِران وهذا قول مالك والشافعي وأحمد. وقد اختلف العلماء في حاضري المسجد الحرام من هم:
فقال مالك: أَهل مكة ومن حولها سوى أَهل المناهل كعسفان وسوى أَهل مني وعرفة.
وقال ابن حبيب عن مالك وأصحابه: ومن كان دون مسافة القصر من مكة حكمه حكم المكي.
وقيل: إن من دون المواقيت كالمكي ولم يعزه اللخمي.
وقال الحنفية: هم أَهل المواقيت ومن دونها.
وقال مكحول: من كان منزله دون المواقيت.
وهو قول الشافعي في القديم، وقال في الجديد: من كان من مكة على دون مسافة القصر.
ووافقه أحمد، واعتبرت المسافة من الحرم.
قالوا: لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فهو الحرم إلا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فهو نفس الكعبة. واعتبرها الرافعي في المحرر من مكة، قال في "المهمات": وبه الفتوى، وأيده الشافعي بأن أعتبارها من الحرم يؤدي إلى إدخال البعيد عن مكة وإخراج القريب منها لاختلاف المواقيت والقريب من الشيء، يقال: إنه حاضره،
стр. 6128
قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، أي: قريبة منه.
وقال نافع والأعرج: هم أهل مكة بعينها، واختاره الطحاوي ورجَّحه.
وقال طاووس وطائفة: هم أهل الحرم، وهو الظاهر.
الحديث السابع والخمسون
وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْبَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ البراء، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اجْعَلُوا إِهْلاَلَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ. فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ وَقَالَ: مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا، وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إِلَى أَمْصَارِكُمْ. الشَّاةُ تَجْزِي، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ ﷺ ، وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وَأَشْهُرُ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ.
والرَّفث: الجماع.
والفسوق: المعاصي.
والجدال: المراء.
قوله: "وقال أبو كامل" وصله الإسماعيلي عن القاسم المطرز، عن أحمد بن سنان، عن أَبي كامل، فذكره بطوله، لكنه قال: عثمان بن سعد، بدل قوله: عثمان بن غياث، وكلاهما بصري، وله رواية عن عكرمة، لكن ابن غياث ثقة، وابن سعد ضعيف، وأشار الإسماعيلي إلى أن شيخه القاسم وهم في قوله: عثمان بن سعد، وذكر أبو مسعود في "الأطراف" أنه وجده من رواية مسلم بن الحجاج، عن أبي كامل، كما ساقه البخاري، قال: فأظن البخاري أخذه عن مسلم لأَني لم أَجده إلا من رواية مسلم، وتعقب باحتمال أن يكون البخاري أخذه عن أحمد بن سنان، فإنه أحد مشايخه، ويحتمل أيضًا أن يكون أخذه من أبي كامل نفسه، فإنه
стр. 6129
أدركه وهو من الطبقة الوسطى من شيوخه، وليس له ذكر في كتابه غير هذا الموضع، ويأتي تعريفه في السند.
وقوله: "فلما قدمنا مكة"، أي: قربها لأنَّ ذلك كان بسرف، كما تقدم عن عائشة.
وقوله: "اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة" الخطاب بذلك لمن كان أحرم بالحج مفردًا كما تقدم واضحًا عن عائشة إنهم كانوا ثلاث فرق.
وقوله: "طفنا" في رواية الأصيلى فطفنا بزيادة فاء، وهو الوجه، ووجه الأَول بالحمل على الاستئناف أو هو جواب لمَّا، وقال: جملة حالية، و"قد" مقدّرة فيها.
وقوله: "ونسكنا المناسك", أي: من الوقوف والمبيت وغير ذلك.
وقوله: "وأتينا النساء" المراد به غير المتكلم؛ لأن ابن عباس لم يكن إذ ذاك بالغًا.
وقوله: "عشية التروية"، أي: بعد الظهر ثامن ذي الحجة، وفيه حجة على من استحب تقديمه على يوم التروية كما نقل عن الحنفية وعن الشافعية يختص استحباب يوم التروية بعد الزوال بمن ساق الهدي.
وقوله: "فقد تم حجنا" وللكشميهني: وقد بالواو، ومن هنا إلى آخر الحديث موقوف على ابن عباس، ومن هنا إلى أوله مرفوع.
وقوله: "فصيام ثلاثة أيام في الحج" سيأتي عن عائشة وابن عمر موقوفًا أن آخرها يوم عرفة، فإن لم يفعل صام أيام منى الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وبه قال الزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي في القديم، ثم رجع عنه، وأخذ بعموم النهي عن صيام أيام التشريق.
وقوله: "وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم" كذا أورده ابن عباس وهو تفسير للرجوع في قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، ويوافقه حديث ابن عمر الآتي في باب من ساق الهدي معه مرفوعًا، قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل، إلى أن قال: فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهذا قول الجمهور، وعن الشافعي معناه: إذا رجع إلى مكة وعبر عنه مرة بالفراغ من أعمال الحج. ومعنى الرجوع التوجه من مكة، فيصومها في الطريق إن شاء وهو قول مالك وإسحاق بن راهويه، وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقوله: "الشاة تجزيء" أي: عن الهدي، وهي جملة حالية وقعت بدون واو، وسيأتي
стр. 6130
في أبواب الهدي بيان ذلك.
وقوله: "بين الحج والعمرة" بيان للمراد بقوله: فجمعوا نسكين، وهو بإسكان السين، قال الجوهري: النسك بالإسكان العبادة، وبالضم الذبيحة.
وقوله: "فإن الله أنزله"، أي: الجمع بين الحج والعمرة، وأخذ بقوله: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج.
وقوله: "وسنة نبيه" أي: شرعه، حيث أمر أصحابه به.
وقوله: "غير أهل مكة" ينصب غير على الحال أو جرّه على النعت.
وقوله: "وذلك" إشارة إلى التمتع على مذهب ابن عباس القائل إن أهل مكة لا متعة لهم، وهو قول أبي حنيفة، وقد مرَّ استيفاء ذلك في الترجمة.
وقوله: "التي ذكر الله" أي: بعد آية التمتع حيث قال: الحج أشهر معلومات، وقد مرَّ نقل الخلاف في ذي الحجة هل هو بكماله أو بعضه في باب الحج أشهر معلومات.
وقوله: "فمن تمتع في هذه الأشهر" ليس لهذا القيد مفهوم لأن الذي يعتمر في غير أشهر الحج لا يسمى متمتعًا، ولا دم عليه، وكذلك المكي عند الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة كما مرَّ، ويدخل في عموم قوله: فمن تمتع من إحرام بالعمرة في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده ثم حج منها، وبه قال الحسن البصري، وهو مبني على أن التمتع إيقاع العمرة في أشهر الحج فقط، والذي ذهب إليه الجمهور أن التمتع أن يجمع الشخص الواحد بينهما في سفر واحد في أشهر الحج في عام واحد، وأن يقدم العمرة، وأن لا يكون مكيًا، فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم يكن متمتعًا.
وقوله: "والمراء الجدال" روى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، قال: ولا جدال في الحج، تماري صاحبك حتى تغضبه، وكذا أخرج عن ابن عمر نحوه، وأخرج عن مجاهد، قال: قد صار الحج في ذي الحجة لا شهر ينسأ، ولا شك في الحج لأن أهل الجاهلية كانوا يحجون في غير ذي الحجة.
رجاله خمسة قد مرَّ منهم:
عكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، والباقي ثلاثة:
الأول: أبو كامل فضيل بالتصغير بن حسين بن طلحة البصري الجحدري، ابن أخي
следующие страницы →