← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

في رواية أبي رجاء عن عمران كما ذكرته قبل، وقال ابن التين: يحتمل أن يريد عمر أو عثمان، وأغرب الكرماني فقال: الظاهر أن المراد به عثمان، وكان لقرب قصة عثمان مع علي جزم بذلك، وذلك غير لازم، فقد سبقت قصة عمر مع أبي موسى في ذلك، ووقعت لمعاوية أيضًا مع سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم قصة في ذلك، والأولى أن يفسر بعمر، فإنه أول من نهى، وكان من بعده كان تابعاً له في ذلك، ففي مسلم أن ابن الزبير أيضًا كان ينهى، وابن عباس كان يأمر بها، فسألوا جابرًا، فأشار إلى أن أول من نهى عنها عمر، ثم إن في حديث عمر ما يعكر على عياض وغيره في جزمهم أن المتعة التي نهى عنها عمر وعثمان هي فسخ الحج إلى العمرة لا العمرة التي يحج بعدها، فإن في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها متعة الحج، وفي رواية له أيضًا أن رسول الله ﷺ أعمر بعض أهله في العشر، وفي رواية له جمع بين حج وعمرة، ومراده التمتع المذكور، وهو الجمع بينهما في عام واحد كما يأتي تصريحًا في الباب بعده في حديث ابن عباس، وقد تقدم البحث فيه في حديث أبي موسى. وفيه من الفوائد أيضًا جواز نسخ القرآن بالقرآن، ولا خلاف فيه، وجواز نسخه بالسنة، وفيه اختلاف شهير، ووجه الدلالة منه قوله، ولم ينه عنها رسول الله ﷺ ، فإن مفهومه أنه لو نهى عنها لامتنعت، ويستلزم رفع الحكم ومقتضاه جواز النسخ، وقد يؤخذ منه أن الإجماع لا ينسخ لكونه حصر وجوه المنع في نزول آية، أو نهي من النبي ﷺ , وفيه وقوع الاجتهاد في الأحكام بين الصحابة، وإنكار بعض المجتهدين على بعض بالنص. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ همام في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرَّ قتادة في السادس من الإيمان، ومرَّ مطرف بن الشخير في الرابع والخمسين من صفة الصلاة، ومرَّ عمران بن حصين في الحادي عشر من التيمم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريُّون، أخرجه مسلم في الحج. ثم قال المصنف:

стр. 6127

باب قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وقوله ذلك في الآية إشارة إلى التمتع لأنه سبق فيها فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي إلى أن قال ذلك وهذا قول أبي حنيفة فلا تمتع ولا قِران عنده لحاضري المسجد الحرام فيكره له التمتع والقران، فإِن تمتع أو قرن فعليه دم جبرًا وهما في الآفاقي مستحبان ويلزمه الدم شكرًا، وعند غير أبي حنيفة الإشارة راجعة إلى حكم التمتع وهو الفدية فلا يجب على أَهل مكة دم إذا أَحرموا من الحل بالعمرة ولا يكره لهم التمتع والقِران وهذا قول مالك والشافعي وأحمد. وقد اختلف العلماء في حاضري المسجد الحرام من هم: فقال مالك: أَهل مكة ومن حولها سوى أَهل المناهل كعسفان وسوى أَهل مني وعرفة. وقال ابن حبيب عن مالك وأصحابه: ومن كان دون مسافة القصر من مكة حكمه حكم المكي. وقيل: إن من دون المواقيت كالمكي ولم يعزه اللخمي. وقال الحنفية: هم أَهل المواقيت ومن دونها. وقال مكحول: من كان منزله دون المواقيت. وهو قول الشافعي في القديم، وقال في الجديد: من كان من مكة على دون مسافة القصر. ووافقه أحمد، واعتبرت المسافة من الحرم. قالوا: لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فهو الحرم إلا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فهو نفس الكعبة. واعتبرها الرافعي في المحرر من مكة، قال في "المهمات": وبه الفتوى، وأيده الشافعي بأن أعتبارها من الحرم يؤدي إلى إدخال البعيد عن مكة وإخراج القريب منها لاختلاف المواقيت والقريب من الشيء، يقال: إنه حاضره،

стр. 6128

قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾، أي: قريبة منه. وقال نافع والأعرج: هم أهل مكة بعينها، واختاره الطحاوي ورجَّحه. وقال طاووس وطائفة: هم أهل الحرم، وهو الظاهر. الحديث السابع والخمسون وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْبَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ البراء، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اجْعَلُوا إِهْلاَلَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلاَّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ. فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ وَقَالَ: مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا، وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إِلَى أَمْصَارِكُمْ. الشَّاةُ تَجْزِي، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ ﷺ ، وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وَأَشْهُرُ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ. والرَّفث: الجماع. والفسوق: المعاصي. والجدال: المراء. قوله: "وقال أبو كامل" وصله الإسماعيلي عن القاسم المطرز، عن أحمد بن سنان، عن أَبي كامل، فذكره بطوله، لكنه قال: عثمان بن سعد، بدل قوله: عثمان بن غياث، وكلاهما بصري، وله رواية عن عكرمة، لكن ابن غياث ثقة، وابن سعد ضعيف، وأشار الإسماعيلي إلى أن شيخه القاسم وهم في قوله: عثمان بن سعد، وذكر أبو مسعود في "الأطراف" أنه وجده من رواية مسلم بن الحجاج، عن أبي كامل، كما ساقه البخاري، قال: فأظن البخاري أخذه عن مسلم لأَني لم أَجده إلا من رواية مسلم، وتعقب باحتمال أن يكون البخاري أخذه عن أحمد بن سنان، فإنه أحد مشايخه، ويحتمل أيضًا أن يكون أخذه من أبي كامل نفسه، فإنه

стр. 6129

أدركه وهو من الطبقة الوسطى من شيوخه، وليس له ذكر في كتابه غير هذا الموضع، ويأتي تعريفه في السند. وقوله: "فلما قدمنا مكة"، أي: قربها لأنَّ ذلك كان بسرف، كما تقدم عن عائشة. وقوله: "اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة" الخطاب بذلك لمن كان أحرم بالحج مفردًا كما تقدم واضحًا عن عائشة إنهم كانوا ثلاث فرق. وقوله: "طفنا" في رواية الأصيلى فطفنا بزيادة فاء، وهو الوجه، ووجه الأَول بالحمل على الاستئناف أو هو جواب لمَّا، وقال: جملة حالية، و"قد" مقدّرة فيها. وقوله: "ونسكنا المناسك", أي: من الوقوف والمبيت وغير ذلك. وقوله: "وأتينا النساء" المراد به غير المتكلم؛ لأن ابن عباس لم يكن إذ ذاك بالغًا. وقوله: "عشية التروية"، أي: بعد الظهر ثامن ذي الحجة، وفيه حجة على من استحب تقديمه على يوم التروية كما نقل عن الحنفية وعن الشافعية يختص استحباب يوم التروية بعد الزوال بمن ساق الهدي. وقوله: "فقد تم حجنا" وللكشميهني: وقد بالواو، ومن هنا إلى آخر الحديث موقوف على ابن عباس، ومن هنا إلى أوله مرفوع. وقوله: "فصيام ثلاثة أيام في الحج" سيأتي عن عائشة وابن عمر موقوفًا أن آخرها يوم عرفة، فإن لم يفعل صام أيام منى الثلاثة التي بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وبه قال الزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي في القديم، ثم رجع عنه، وأخذ بعموم النهي عن صيام أيام التشريق. وقوله: "وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم" كذا أورده ابن عباس وهو تفسير للرجوع في قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، ويوافقه حديث ابن عمر الآتي في باب من ساق الهدي معه مرفوعًا، قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل، إلى أن قال: فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهذا قول الجمهور، وعن الشافعي معناه: إذا رجع إلى مكة وعبر عنه مرة بالفراغ من أعمال الحج. ومعنى الرجوع التوجه من مكة، فيصومها في الطريق إن شاء وهو قول مالك وإسحاق بن راهويه، وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. وقوله: "الشاة تجزيء" أي: عن الهدي، وهي جملة حالية وقعت بدون واو، وسيأتي

стр. 6130

في أبواب الهدي بيان ذلك. وقوله: "بين الحج والعمرة" بيان للمراد بقوله: فجمعوا نسكين، وهو بإسكان السين، قال الجوهري: النسك بالإسكان العبادة، وبالضم الذبيحة. وقوله: "فإن الله أنزله"، أي: الجمع بين الحج والعمرة، وأخذ بقوله: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج. وقوله: "وسنة نبيه" أي: شرعه، حيث أمر أصحابه به. وقوله: "غير أهل مكة" ينصب غير على الحال أو جرّه على النعت. وقوله: "وذلك" إشارة إلى التمتع على مذهب ابن عباس القائل إن أهل مكة لا متعة لهم، وهو قول أبي حنيفة، وقد مرَّ استيفاء ذلك في الترجمة. وقوله: "التي ذكر الله" أي: بعد آية التمتع حيث قال: الحج أشهر معلومات، وقد مرَّ نقل الخلاف في ذي الحجة هل هو بكماله أو بعضه في باب الحج أشهر معلومات. وقوله: "فمن تمتع في هذه الأشهر" ليس لهذا القيد مفهوم لأن الذي يعتمر في غير أشهر الحج لا يسمى متمتعًا، ولا دم عليه، وكذلك المكي عند الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة كما مرَّ، ويدخل في عموم قوله: فمن تمتع من إحرام بالعمرة في أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده ثم حج منها، وبه قال الحسن البصري، وهو مبني على أن التمتع إيقاع العمرة في أشهر الحج فقط، والذي ذهب إليه الجمهور أن التمتع أن يجمع الشخص الواحد بينهما في سفر واحد في أشهر الحج في عام واحد، وأن يقدم العمرة، وأن لا يكون مكيًا، فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم يكن متمتعًا. وقوله: "والمراء الجدال" روى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، قال: ولا جدال في الحج، تماري صاحبك حتى تغضبه، وكذا أخرج عن ابن عمر نحوه، وأخرج عن مجاهد، قال: قد صار الحج في ذي الحجة لا شهر ينسأ، ولا شك في الحج لأن أهل الجاهلية كانوا يحجون في غير ذي الحجة. رجاله خمسة قد مرَّ منهم: عكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، والباقي ثلاثة: الأول: أبو كامل فضيل بالتصغير بن حسين بن طلحة البصري الجحدري، ابن أخي

стр. 6131

كامل بن طلحة، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال أحمد: أبو كامل بصير بالحديث، متقن، يشبه الناس، وله عقل، وقال علي ابن المديني: ثقة، روى عن حماد بن زيد، وأبي عوانة، وأبي معشر البراء وغيرهم. وروى عنه: البخاري تعليقًا، ومسلم وأبو داود والنسائي بواسطة، وأبو زرعة وغيرهم، ولد سنة خمس وأربعين ومائة، ومات سنة سبع وثلاثين ومائتين. الثاني: أبو معشر البرَّاء بتشديد الراء، يوسف بن يزيد البصري العطار، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال محمد بن أبي بكر المقدمي: حدثنا أبو معشر البراء وكان ثقة، وقال ابن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال أبو داود: ليس بذاك، قال في "المقدمة": له في البخاري ثلاثة أحاديث أحدها عن ابن عباس في قصة الرقية بفاتحة الكتاب، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري، والآخر عن سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية، والثالث عن عثمان، عن عكرمة، عن ابن عباس في الحج، أورده بصيغة التعليق، وليس له في مسلم سوى حديث واحد في صوم يوم عاشوراء، وما له في السنن الأربعة شيىء. روى عن عبيد الله بن الأخنس وسعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية، وخالد بن ذكران وغيرهم، وروى عنه زيد بن الخطاب ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأبو كامل الجحدري وغيرهم. الثالث: عثمان بن غياث الراسبي، ويقال: الزهراني البصري، وثقه العجلي، وابن معين، وأحمد، والنسائي، وقال أبو داود وأحمد: كان مرجئًا، وقال ابن معين وابن المديني: كان يحيى بن سعيد القطان يضعف حديثه في التفسير عن عكرمة، قال في "المقدمة": لم يخرج له البخاري عن عكرمة سوى موضع واحد معلقًا، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي. روى عن أبي عثمان النهدي وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم، وروى عنه شعبة والقطان ووكيع وابن المبارك وغيرهم. ثم قال المصنف:

стр. 6132

باب الاغتسال عند دخول مكة قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزىء منه الوضوء وفي "الموطأ" أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا من احتلام، وظاهره أن غسله لدخوله مكة كان لجسده دون رأسه، وقال الشافعية: إن عجز عن الغسل تيمم، وقال ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة، وإنما ذكروه للطواف والغسل لدخول مكة، هو في الحقيقة للطواف، قلت: قول ابن التين هذا عجيب، فإن المالكية عندهم يندب الغسل عند دخول مكة ويندب أن يكون بذي طوى، فهما ندبان. الحديث الثامن والخمسون حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄، إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وقوله: "ثم يبيت بذي طوى" بضم الطاء وفتحها. وقوله: "ويغتسل" أي: به. وقوله: "كان يفعل ذلك" يحتمل أن الإشارة به إلى الفعل الأَخير وهو الغسل وهو مقصود الترجمة، ويحتمل أنها إلى الجميع وهو الأَظهر، وسيأتي في الباب الذي يليه ذكر المبيت فقط مرفوعًا من رواية ابن عمر، وتقدم الحديث بأتم من هذا في باب الإهلال مستقبل القبلة. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ يعقوب بن إبراهيم وإسماعيل ابن عُلية في الثامن من الإيمان, ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومر نافع في الأخير من العلم، وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث في باب الإهلال مستقبل القبلة. ثم قال المصنف:

стр. 6133

باب دخول مكة نهارًا أو ليلًا ثم قال: بات النبي ﷺ بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يفعله. هذا متن حديث ابن عمر يذكره الآن وقد ترك سنده أولًا، ثم رواه بسنده. الحديث التاسع والخمسون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: بَاتَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِي طُوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ. الحديث ظاهر في الدخول نهارًا، وقد أخرجه مسلم عن نافع بلفظ: كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارًا، وأما الدخول ليلًا فلم يقع منه ﵊ إلا في عمرة الجعرانة، فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلًا فقضى أمر العمرة، ثم رجع ليلًا فأصبح بالجعرانة كبائت، كما رواه أصحاب السنن الثلاثة من حديث محرش الكعبي، وترجم عليه النسائي دخول مكة ليلًا، وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يستحبون أَن يدخلوا مكة نهارًا، ويخرجوا منها ليلًا، وأَخرج عن عطاء: أن شئتم فادخلوا ليلًا إِنكم لستم كرسول الله ﷺ إنه كان إِماماً فأحب أن يدخلها نهارًا ليراه الناس. وقضية هذا أن من كان إمامًا يقتدى به يستحب له أن يدخلها نهارًا، وعند المالكية: يندب دخول مكة نهارًا لكل حاج، وعند أكثر الشافعية: دخول مكة نهارًا أفضل من الليل، وقال بعض الشافعية: هما سواء، فإن النبي ﷺ دخلها في عمرة الجعرانة ليلًا، وهو المذكور في الهداية عن أبي حنيفة.

стр. 6134

رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومر نافع في الأخير من العلم، ومرَّ محل ابن عمر في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6135

باب من أَين يدخل مكة ؟ الحديث الستون حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. قال في "الفتح": أخرج هذا الحديث عن معن بن عيسى، عن مالك، وليس في "الموطأ" ولا في "غرائب مالك" للدارقطني، ولم أقف عليه إلا من رواية معن بت عيسى، وقد تابع إبراهيم بن المنذر عليه عبد الله بن جعفر البرمكي، عن معن بن عيسى، وقد عز على الإسماعيلي استخراجه، فأخرجه عن ابن ناجية، عن البخاري مثله، وزاد في آخره -يعني ثنيتي مكة-، وهذه الزيادة أخرجها أبو داود أيضًا، حيث أخرج الحديث عن عبد الله بن جعفر البرمكي، وقد ذكره المصنف في الباب الذي بعده من طريق أخرى عن نافع، وسياقه أتم، ويأْتي فيه إيضاح الثنية العليا والثنية السفلى. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ معن بن عيسى في الثاني والمائة من الوضوء، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ محل نافع وابن عمر في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6136

باب من أين يخرج من مكة ؟ الحديث الحادي والستون حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِى بِالْبَطْحَاءِ، وَخرج مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. قوله: "من كَداء" بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف، وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلاة مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحَجُون بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى، فسهلها معاوية، ثم عبد الملك، ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل موضع منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة، وكل عقبة في جبل أو طريق عال، فيه تسمى ثنية. وقوله: "الثنية السفلى" ذكر في ثالث أحاديث الباب، وخرج من كُدى، وهو بضم الكاف، مقصور، وهي عند باب شبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع، قال عياض والقرطبي وغيرهما: اختلف في ضبط كداء وكدى، فالأكثر على أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالضم والقصر، وقيل بالعكس، قال النووي: هو غلط. واختلف في المعنى الذي لأجله خالف ﷺ بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من في طريقه، فذكر شيئًا مما قيل في العيد، وقد استوفيت ما قيل فيه هناك، وبعضه لا يتأتى اعتباره هنا، وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: الحكمة في ذلك هو أنه دخل من طريق الفتح تفاؤلًا بحصول الفتح والبركة، وخرج من المضمومة تفاؤلًا بضم ما حصل له من الخير معه، وقيل: لأن إبراهيم لما دخل مكة، دخل منها، وقيل: لأنه ﷺ خرج منها مختفيًا في الهجرة، فأراد

стр. 6137

أن يدخلها ظاهرًا عاليًا، وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلًا للبيت، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح فاستمر على ذلك، والسبب في ذلك قول أبي سفيان بن حرب للعباس: لا أُسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء، فقلت: ما هذا؟ قال: شيء طلع بقلبي، وإن الله لا يطلع الخيل هناك أبدًا، قال العباس: فذكرت أبا سفيان ذلك لما دخله، وللبيهقي عن ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ لأبي بكر: "كيف قال حسان؟ " فأَنشد: عدمت بنيتي أن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء فتبسم وقال: "ادخلوها من حيث قال حسان"، وقد حكى الحميدي، عن أبي العباس العذري أن بمكة موضعًا ثالثًا يقال له عندي، وهو بالضم والتصغير، يخرج منه إلى جهة اليمن، قال المحب: حققه العذري عن أهل المعرفة بمكة، قال: وقد بني عليها باب مكة الذي يدخل منه أهل اليمن. رجاله خمسة: وهذا السند بعينه هو الذي قبل هذا بحديث، ثم قال أبو عبد الله: كان يقال: هو مسدد كاسمه، وقال: سمعت يبيح بن معين يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لو أن مسددًا أتيته في بيته فحدثته لاستحق ذلك وما أبالي كتبي كانت عندي أو عند مسدد أبو عبد الله المراد به البخاري نفسه، ومسدد ويحيى القطان مرَّ محلهما في الذي قبل هذا بحديثين، والباقي هو يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام بن عبد الرحمن المري الغطفاني مولاهم أبو زكريا البغدادي إمام الجرح والتعديل, الحافظ أبو زكريا، قال النسائي أبو زكريا: الثقة المأمون، أحد الأئمة في الحديث. وقال ابن المديني: لا أعلم أحدًا من لدن آدم ﵇ كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين، وقال أيضًا: انتهى علم الناس إلى يحيى بن معين، وفي رواية عنه: انتهى العلم إلى يحيى بن آدم، وبعده إلى يحيى بن معين، وفي رواية عنه: إلى ابن المبارك، وبعده إلى يحيى بن معين، وقال ابن عدي: كان معين على خراج الري، فخلف لابنه ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم، فانفقه كلّه على الحديث، وقال محمد بن نصر الطبري: دخلت على ابن معين، فوجدت عنده كذا وكذا سفطا، وسمعته يقول: كل حديث لا يوجد هاهنا، وأشار بيده إلى الأسفاط، فهو كذب، وسمعته يقول: قد كتبت بيدي ألف ألف

стр. 6138

حديث، وقال صالح جزرة: ذكر لي أن يحيى بن معين خلّف من الكتب لما مات ثلاثين قمطرًا، وعشرين جبًا، وقال صالح بن محمد: خلَّف يحيى من الكتب مائة قمطر، وأربعة عشر قمطر، وأربع جِباب شبرانية مملوءة كتبًا، والسفط محركة كالجوالق أو كالقفة والقمطر كسجل ما تصان به الكتب، والجب بالضم المزادة يخاط بعضها ببعض. وقال مجاهد بن موسى: كان ابن معين يكتب الحديث نيفاً وخمسين مرة، وقال: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه، وقال يحيى القطان: ما قدم علينا مثل هذين أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وقال ابن سعد: كان قد أكثر من كتابة الحديث، وعرف به، وكان لا يكاد يحدّث، وقال الخطيب: كان إمامًا ربانيًا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا، وقال ابن حبان في "الثقات": أصله من سرخس، وكان من أهل الدين والفضل، وممن رفض الدنيا في جمع السنن, وكثرت عنايته بها وجمعها وحفظها حتى صار عَلَمًا يقتدى به في الأخبار، وإمامًا يرجع إليه في الآثار، وقال العجلي: ما خلق الله تعالى أحدًا كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين، ولقد كان يجتمع مع أحمد وابن المديني ونظرائهم، فكان هو الذي ينتخب لهم الأحاديث لا يتقدمه منهم أحد، ولقد كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وتلبست، فيقول: هذا الحديث كذا وهذا كذا، فيكون كما قال. وقال الدوري: سمعته يقول: القرآن كلام الله تعالى وليس بمخلوق، وسمعته يقول: الإيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل. وقال ابن المديني: دار حديث الثقات على ستة، ثم قال: ما شذّ عن هؤلاء يصير إلى اثني عشر، ثم صار حديث هؤلاء كلهم إلى ابن معين. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي ابن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكتبهم له، وفي رواية عنه: أعلمهم بصحيحه وسقيمه ابن معين، وقال صالح بن محمد: أعلم من أدركت بعلل الحديث ابن المديني، وبفقهه أحمد بن حنبل، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وفي رواية عنه: يحيى أعلم بالرجال والكنى وقيل لأبي داود: أيما أعلم بالرجال عليّ أو يحيى؟ قال: عليّ عالم بالرجال، وليس عند عليّ من خبر أهل الشام شيء، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سمعت عليًا يقول: كنت إِذا قدمت إلى بغداد منذ أربعين سنة كان الذي يذاكرني أحمده بن حنبل، فربما اختلفنا في الشيء، فنسأل يحيى بن معين، فيقوم فيخرجه ما كان أعرفه بموضع حديثه، وقال ابن المديني أيضًا: ما رأيت يحيى بن معين استفهم حديثاً ولا ردّه.

стр. 6139

وقال عمرو الناقد: ما كان في أصحابنا أعلم بالإسناد من يحيى بن معين ما قدر أحد يقلب عليه إسنادًا قط، وسئل الفرهياني عن يحيى وأحمد وعليّ وأبي خيثمة، فقال: أما عليّ فاعلمهم بالعلل، وأما يحيى، فأعلمهم بالرجال، وأحمد بالفقه، وأبو خيثمة من النبلاء، وقيل لابن الرومي: سمعت بعض أصحاب الحديث يحدث بأحاديث يحيى، ويقول: حدثني من لم تطلع الشمس على أكبر منه فقال وما يعجب: سمعت ابن المديني يقول: ما رأيت في الناس مثله، وقيل لابن الرومي أيضًا: سمعت أبا سعيد الحداد يقول: الناس كلهم عيال على يحيى بن معين، فقال: صدق، ما في الدنيا مثله، وقال ابن الرومي: ما رأيت أحدًا قط يقول الحق في المشايخ غير يحيى، وقال هارون بن بشير الرازي: رأيت يحيى بن معين استقبل القبلة رافعًا يديه يقول: اللهم إن كنت تكلمت في رجلٍ وليس كذابًا، فلا تغفر لي، وقال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام فكنت أول من بكر عليه، فسألته أنْ يمليَ عليَّ شيئًا، فأخذ الكتاب يملي، فإذا بإنسان يدق الباب، فقال الشيخ: من هذا؟ قال: أحمد بن حنبل، فأَذن له والشيخ على حاله، والكتاب في يده لا يتحرك، فإذا بآخر، فذكر أحمد بن الدورقي، وعبد الله بن الرومي، وزهير بن حرب كلهم يدخل والشيخ على حالته، فإذا بآخر يدق الباب. قال الشيخ: من هذا؟ قال يحيى بن معين: فرأيت الشيخ ارتعدت يده، ثم سقط الكتاب من يده، وقال يحيى بن معين: قدم علينا عبد الوهاب بن عطاء، فكتب إلى أهل البصرة: قدمت بغداد وقبلني يحيى بن معين والحمد لله. وقيل لابن الرومي أيضًا: سمعت أبا سعيد الحداد يقول: لولا ابن معين ما كتبت الحديث، وإنا لنذهب إلى الحديث فننظر في كتبه فلا نرى فيها إلا كل حديث صحيح حتى يجيء أبو زكرياء، فأول شيء يقع في يده الخطأ، ولولا أنه عَرَّفْنَاه ما عرفناه، قال ابن الرومي: وما يعجب، لقد نفعنا الله تعالى به، ولقد كان المحدث يحدثنا لكرامته عليه، ولقد كنا في مجلس لبعض أصحابنا، فقلت له: يا أبا زكريا، أما نفيدك حديثاً وفينا يومئذ عليّ وأحمد، فقال: ما هو؟ فقلت: حديث كذا وكذا، فقال: هذا غلط، فكان كما قال. وقال ابن الرومي: كنت عند أحمد، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله أُنظر في هذه الأحاديث، فإن فيها خطأ، قال: عليك بأبي زكريا، فإنه يعرف الخطأ، قال: وكنت أنا وأحمد نختلف إلى يعقوب بن إبراهيم في المغازي، فقال أحمد: إن يحيى هنا، قلت: وما نصنع به، قال: يعرف الخطأ، وقال أحمد: كان ابن معين أَعلمنا بالرجال، وقال أيضًا: السماع مع يحيى بن معين شفاء لما في الصدور، وقال الدوري: رأيت أحمد في مجلس روح بن

стр. 6140

عبادة سنة خمس ومائتين يسأل يحيى بن معين عن أشياء يقول: يا أبا زكريا: كيف حديث كذا وكذا، يريد أن يستثبته في أحاديث قد سمعوها، كلما قال يحيى كتبه أحمد، وقلما سمعت أحمد يسميه باسمه بل بكنيته، وقال أحمد أيضًا: هاهنا رجل خلقه الله تعالى لهذا الشأن يظهر كذب الكذابين، يعني ابن معين. وقال الأثرم: رأى أحمدُ يحيى بن معين بصنعاء يكتب صحيفة معمر عن أبان، عن أنس، فقال له أحمد: تكتب هذه الصحيفة وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه، فقال: نعم أكتبها فاحفظها، وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسان بعده فيجعل لنا ثانيًا. وقال أحمد أيضاً: حديث لا يعرفه ابن معين، فليس هو بحديث، وفي رواية: فليس هو ثابتًا. وقال أبو حاتم: إذا رأيت البغدادي يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة، وإذا رأيته يبغض ابن معين فاعلم أنَّه كذَّاب إنما يبغضه لما بين من أمر الكذابين. وقال أبو زرعة: لم ينتفع به لأنه كان يتكلم في الناس ويروى هذا عن عليّ من وجوه، وقال الحسن بن عليل العنزي: حدثنا يحيى بن معين، قال: أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثًا، ما أعلمت أحدًا به، وأعلمته فيما بيني وبينه، ولقد طلب إليَّ خلف بن سالم أن أذكرها فما قلت له قال يحيى، وما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وما استقبلت رجلًا في وجهه بما يكره، ولكن أُبين له خطأه، فإن قبل، وإلا تركته. وقال يحيى أيضًا: من لم يكن سمحًا في الحديث كان كذابًا، قيل له: كيف يكون سمحًا؟ قال: إذا شك في الحديث تركه، وقال إبراهيم بن هانىء: رأيت أبا داود يقع في يحيى بن معين، فقلت: تقع في مثل يحيى؟ فقال: من جر ذيول الناس جروا ذيله. وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أحد ممن امتحن فأجاب، وذكر ابن معين وأبا نصر التمَّار، وذكر ابن عباس الدوري أن يحيى بن معين انفرد بأشياء في الفقه خالف فيها مذهه في زكاة الفطر، قال: لا بأس أن يعطى فضة، وقال: لا أرى أن يتزوج الرجل امرأته على سورةٍ من القرآن، وقال في الرجل يصلي خلف الصف وحده: يعيد، وفي امرأة ملّكتْ أمرها رجلًا فأنكحها، قال: بل يذهب إلى القاضي، فإن لم يكن فإلي الوالي، وذكر عنه أشياء غير ذلك.

стр. 6141

ولد يحيى بن معين سنة ثمان وخمسين ومائة، ومات بمدينة الرسول ﷺ لسبع ليال بقين من ذي القعدة قبل أن يحج سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وله سبع وسبعون سنة إلا نحواً من عشرة أيام، وغسل على أعواد النبي ﷺ ، وحمل على سريره، ودفن بالبقيع، وصلى عليه صاحب الشرطة، ونودي بين يديه: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله ﷺ , ورأى رجل النبي ﷺ وأصحابه مجتمعين فسألهم، فقال: جئت لهذا الرجل أصلي عليه فإنه كان يذب عن حديثي. وقال حبيش بن مبشر: رأيت يحيى بن معين في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، وأعطاني وزوجني ثلاثمائة حوراء، وأدخلني عليه مرتين، وقال فيه بعض أهل الحديث. ذهب العلم بعيث كل محدث ... وبكل مختلف من الإسناد وبكل وهم في الحديث ومشكل ... يعني به علماء كل بلاد روى عن عبد السلام بن حرب، وعبد الله بن المبارك، وحفص بن غياث، وابن عيينة، وعبد الرزاق، ووكيع، وخلق. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن أبي الحواري، وابن سعد، وداود بن رشيد، وأبو خيثمة وهم من أقرانه، وخلق كثير. الحديث الثاني والستون حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلاَهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا". وهذا الحديث الكلام عليه هو الذي مرَّ في الذي قبله. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ الحميدي وسفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرّ هشام وأبو عروة وعائشة في الثاني منه، ومرَّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان, أخرجه البخاري أيضًا في المغازي، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي.

стр. 6142

الحديث الثالث والستون حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ، وَخَرَجَ مِنْ كُدًا مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ". وقوله: "من أعلى مكة" كذا رواه أَبو أُسامة فقلبه، والصواب ما رواه عمرو وحاتم، عن هشام دخل في كداء من أعلى مكة، والظاهر أن الوهم فيه ممن دون أَبي أُسامة، فقد رواه أحمد عن أبي أسامة على الصواب. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ محمود بن غيلان في السابع والأربعين من مواقيت الصلاة، ومرَّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ محل هشام وعروة وعائشة في الذي قبله. أ. هـ. الحديث الرابع والستون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ عَلَى كِلْتَيْهِمَا مِنْ كَدَاءٍ وَكُدًا، وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. قوله: "قال هشام" هو ابن عروة بالإسناد المذكور. وقوله: "وكان عروة يدخل من كلتيهما": في رواية الكشميهني "على" بدل "من". وقوله: "وأكثر ما يدخل من كُدا"، أي: بالضم والقصر للجميع. وقوله: "وكانت أقربهما إلى منزله" فيه اعتذار هشام لأَبيه لكونه روى الحديث وخالفه لأنه رأى أن ذلك ليس بحتم لازم، وكان ربما فعله، وكثيرًا ما يفعل غيره بقصد التيسير. رجاله ستة قد مرّوا: مرَّ أحمد بن صالح في الرابع والسبعين من استقبال القبلة، ومرّ عبد الله بن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله بحديث. أخرجه البخاري أيضًا في المغازي.

стр. 6143

الحديث الخامس والستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ. وَكَانَ عُرْوَةُ أَكْثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ, وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. قوله: "وكان عروة أكثر ما يدخل من كداء" وهي بالفتح والمد، وهذه تخالف الرواية السابقة التي بالضم وهي التي تحتاج إلى اعتذار هشام عن أبيه. رجاله أربعة قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن عبد الوهاب في السادس والأربعين من العلم، ومرّ حاتم بن إسماعيل في الخامس والخمسين من الوضوء، ومرَّ محل هشام وعروة في الذي قبله بحديثين. الحديث السادس والستون حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ. وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا وَأَكْثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ أَقْرَبِهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ. اختلف على هشام بن عروة في وصل هذا الحديث وإرساله، وأورد البخاري الوجهين مشيرًا إلى أن رواية الإرسال لا تقدح في رواية الوصل لأن الذي وصله حافظ وهو ابن عيينة، وقد تابعه ثقتان، ولعله إنما أورد الطريقين المرسلين ليستظهر بهما على وهم أبي أُسامة الذي أشرت له أولًا. رجاله أربعة قد مرّوا: مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان ومرَّ محل هشام وعروة قريبًا مرات. ثم قال: قال أبو عبد الله كداء وكدا موضعان، هذا وقع في رواية المستملي وحده، والمراد بأبي عبد الله المصنف: وهذا تفسير غير مفيد، فمعلوم أنهما موضعان بمجرد السياق، وقد يسر الله بنقل ما فيهما من ضبط وتعيين جهة كل منهما. ثم قال المصنف:

стр. 6144

باب فضل مكة وبنيانها وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ , وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ , وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ , رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قوله: "فضل مكة وبنيانها" ليس في الآيات ولا الحديث ذكر لبنيان مكة، لكن بنيان الكعبة كان سبب بنيان مكة وعمارتها، فاكتفى به، ولكنَّهم اختلفوا في أول من بني الكعبة، فقيل: أول من بناها آدم ﵇ ذكره ابن إسحاق، وقيل: أول من بناها شيث ﵇، وكانت قبل أن يبنيها خيمة من ياقوتة حمراء، يطوف بها آدم ﵇ ويستأنس بها لأنها نزلت إليه من الجنة، وقيل: أول من بناها الملائكة وذلك لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية، خافوا وطافوا بالعرش سبعًا يسترضون الله ويتضرعون إليه فأمرهم الله تعالى أن يبنوا البيت المعمور في السماء السابعة وأن يجعلوا طوافهم له لكونه أهون من طواف العرش، ثم أمرهم أن يبنوا في كل سماء بيتاً وفي كل أرض بيتًا، قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتًا، وروي أن الملائكة حين أسست الكعبة انشقت الأرض إلى منتهاها، وقذفت منها حجارة أمثال الإبل، فتلك القواعد من البيت التي وضع عليها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام البيت، فلما جاء الطوفان رفع البيت وأودع الحجر الأسود أبا قبيس، وروى عبد الرزاق عن عطاء وسعيد بن المسيب أن آدم بناه من خمسة أجبل من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، وجبل لبنان، والجدى، وهذا غريب! وروى البيهقي في "دلائل النبوة" في بناء الكعبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: بعث الله جبريل إلى آدم وحواء ﵉، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، ثم قيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس، وقال ابن كثير: إنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيف، والأشبه أن يكون هذا مرفوعًا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب.

стр. 6145

وقوله: "وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ " قوله: بالجر عطف على قوله: "فضل مكة"، أي: وفي بيان تفسير قوله تعالى، وهذه أربع آيات سبق كلها في رواية كريمة، وفي رواية الباقين بعض الآية الأولى، وفي رواية أبي ذر كل الآية الأولى، ثم قالوا إلى قوله: ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾، أي: واذكر إذْ جعلنا البيت، والبيت اسمٌ غالب للكعبة كالثريا للنجم. وقوله تعالى: ﴿مثابةَّ﴾، أي: مرجعًا للحجاج والعمار يتفرَّقون عنه ثم يعودون إليه، وروى عبد بن حميد بإسناد جيد عن مجاهد، قال: يحجون ثم يعودون، وهو مصدر وصف به الموضع. وقوله: "وأمنا" أي: موضع آمن، وهو كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾، والمراد ترك القتال فيه. وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ أي: وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة، ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾، أو على مثابة، أي: ثوبوا إلى الله واتخذوا، والأمر فيه للاستحباب بالاتفاق، وقرأ نافع وابن عامر: "واتخذوا" بلفظ الماضي عطف على جعلنا، أو على تقدير إذ، أي: "وإذ جعلنا"، و"إذ اتخذوا"، ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه أَثر قدميه على الأصح، وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفة وغيرها من المناسك لأنه قام فيها ودعا، وقيل: الحرم كله، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليه أوائل الصلاة في باب واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. وقوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ استدل به على جواز صلاة الفرض والنفل داخل البيت، وخالف مالك في الفرض. وقوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ ويأتي حديث أن إبراهيم حرم مكة وقد مرَّ الجمع بينه وبين حديث إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس في باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب من كتاب العلم. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بدل من أهله، أي: وارزق المؤمنين من أهله خاصة، ومن كفر عطف عن من آمن، قيل: قاس إبراهيم الرزق على الإمامة فعرف الفرق بينهما وأن الرزق قد يكون استدراجاً وإلزامًا للحجة. وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ قد مرَّ بعض الكلام على القواعد في باب

стр. 6146

من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر، الخ، من كتاب العلم، ويأتي استيفاء الكلام عليها في أحاديث الباب وظاهر الآية أنه كان مؤسسًا قبل إبراهيم، وهذا يوافقه ما مرَّ من قذف الأرض الحجارةَ للملائكة حين بنوا البيت، ويحتمل أن يكون المراد بالرفع نقلها من مكانها إلى مكان البيت كما سيأتي. وقوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، أي: يقولون: ربنا تقبل منا، وقد أظهره ابن مسعود في قراءته. وقوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ روى عبد بن حميد، عن أبي مجلز، قال: لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأراه الطواف بالبيت سبعًا، قال: وأحسبه بين الصفا والمروة، ثم أتى به عرفة، فقال: أعرفت، قال: نعم، فمن ثم سميت عرفات، ثم أتى به جمعًا، فقال: هاهنا يجمع الناس الصلاة، ثم أتى به مِنى، فعرض لهما الشيطان، فأَخذ جبريل سبع حصيات، فقال: ارمه بها وكبّر مع كلّ حصاة. وقوله: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾، قيل: طلب الثبات على الإيمان لأنهما معصومان، وقيل: أراد أن يعرف الناس أن ذلك الموقف مكان التربة، وقيل: المعنى وتب على من اتبعنا. الحديث السابع والستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلاَنِ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِىِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ. فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: "أَرِنِي إِزَارِي". فَشَدَّهُ عَلَيْهِ. هذا الحديث أحد الأحاديث التي أخرجها البخاري عن شيخه أبي عاصم النبيل بواسطة، وهذا الحديث قد مرَّ عن جابر من وجه آخر في باب كراهة التعري في الصلاة أوائل كتاب الصلاة، واستوفيتُ مباحثه هناك غاية الاستيفاء، وهنا ألفاظ مغايرة لألفاظ في السابق، هنا: فخرّ إلى الأرض، وفي السابق: فجعله على منكبه فسقط مغشيًا عليه. وقوله: "فطمحت عيناه" بفتح المهلمة والميم، أي: ارتفعتا، والمعنى أنه صار ينظر إلى فوق، وفي رواية عبد الرزاق، عن ابن جريج في أوائل السيرة النبوية: ثم أفاق. وقوله: "أرني إزاري"، أي: أعطني، وحكى ابن التين كسر الراء وسكونها، وقد قُرىء بهما، وفي رواية عبد الرزاق الآتية: إزاري إزاري، بالتكرار.

стр. 6147

وقوله: "فشدّه عليه" زاد زكرياء بن إسحاق: فما رؤي بعد ذلك عريانًا. رجاله خمسة قد مرّوا: مرّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان, ومرّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، ومرّ عمرو بن دينار في الثالث والخمسين منه، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرّ جابر في الرابع من بدء الوحي، وفيه ذكر العباس، وقد مرَّ في الثالث والستين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع. وروي بالإفراد والإخبار، بالافراد والسماع، والقول، وشيخه من أفراده، وهو بخاري، ثم بصري، ثم مدنيان، أخرجه البخاري أيضًا في بنيان الكعبة، ومسلم في الطهارة. الحديث الثامن والستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا: "أَلَمْ تَرَىْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: "لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ". فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ﵁: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلاَمَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلاَّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. هذا الحديث ساقه المصنف من أربعة طرق. وقوله: "أخبر عبد الله بن عمر" بنصب عبد الله على المفعولية، وظاهره أن سالمًا كان حاضرًا لذلك، فيكون من روايته عن عبد الله بن محمد، وقد صرح بذلك أبو أُويس، عن ابن شهاب، لكنَّه سماه عبد الرحمن بن محمد، فوهم. أخرجه أحمد، وأغرب إبراهيم بن طهمان فرواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك" والمحفوظ الأول، وقد رواه معمر، عن ابن شهاب، عن سالم، لكنه اختصره، وأخرجه مسلم عن نافع، عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة فتابع سالمًا فيه، وزاد في المتن: ولا نفقت كنز الكعبة، ولم توجد هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق أُخرى

стр. 6148

أخرجها أبو عوانة، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، وسيأتي إن شاء الله تعالى البحث فيها في باب كسوة الكعبة. وقوله: "قومك"، أي: قريش. وقوله: "اقتصروا عن قواعد إبراهيم" وسيأتي في التي بعدها بيان ذلك. وقوله: "لولا حِدثان" بكسر المهملة وسكون الدال بعدها مثلثة بمعنى الحدوث، أي: قرب عهدهم. وقوله: "لفعلت"، أي: لرددتها على قواعد إبراهيم. وقوله: "فقال عبد الله"، أي: ابن عمر بالإسناد المذكور، وقد رواه معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه بهذه القصة مجردة. وقوله: "لئن كانت" ليس هذا شكًا من ابن عمر في صدق عائشة، لكن يقع في كلام العرب كثيرًا صورة التشكيك، والمراد التقرير واليقين. وقوله: "ما أُرى" بضم الهمزة، أي: أظن وهي رواية معمر، وزاد في آخر الحديث: ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك ونحوه في رواية أبي أُويس المذكورة. وقوله: "استلام" افتعال من السلام، والمراد به لمس الركن بالقبلة، أو اليد. وقوله: "يليان الحجر"، أي: يقربان من الحجر بكسر المهملة وسكون الجيم، وهو معروف على صفة الدائرة وقدرها تسع وثلاثون ذراعًا، والقدر الذي أخرج من الكعبة يأتي قريبًا بعد حديثين. رجاله سبعة قد مرّوا إلاَّ عبد الله بن محمد. مرَّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان, ومرَّ سالم بن عبد الله في الرابع عشر منه، ومرَّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ مالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، والباقي عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي أخو القاسم بن محمد، قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال: مصعب الزبيري أُمه أم ولد قُتل بالحرة، وكانت الحرة في ذي القعدة سنة ثلاث وستين، روى عن عائشة في قصة بناء الكعبة، وروى عنه: سالم بن عبد الله ونافع مولى ابن عمر. أخرجه البخاري أيضًا في أحاديث الأنبياء، وفي التفسير ومسلم في الحج والنسائي فيه وفي التفسير.

стр. 6149

الحديث التاسع والستون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا الأَشْعَثُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ". قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ". قوله: "عن الجدر" بفتح الجيم وسكون المهملة للأكثر، وفي رواية المستملي الجدار، قال الخليل: الجدر لغة في الجدار، ووهم من ضبطه بضمها لأن المراد الحجر، ولأبي داود الطيالسي عن أبي الأحوص: الجدر أو الحجر بالشك، ولأبي عوانة عن الأشعث: الحجر بغير شك. وقوله: "أمن البيت هو؟ " قال: نعم، هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت، وكذا قوله في التي بعد هذه "أن أدخل الجدر في البيت" وبذلك كان يفتي ابن عباس، فقد روى عبد الرزاق عنه أنه قال: لو وليت من البيت ما ولي ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البيت، فلم يطاف به إن لم يكن من البيت، وروى الترمذي والنسائي عن عائشة، قالت: كنتُ أُحب أن أصلي في البيت فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني الحجر، فقال: "صل فيه فإنما هو قطعة من البيت ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت"، ونحوه لأبي داود عنها وأبي عوانة أيضًا، ولأحمد عنها، وفيه أنها أرسلت إلى شيبة الحجبي ليفتح لها البيت بالليل، فقال: ما فتحناه في جاهلية ولا إسلام بليل، وهذه الروايات كلها مطلقة، وقد جاءت روايات أصح منها مقيدة منها لمسلم عنها في حديث الباب حتى أزيد فيه من الحجر، وله من وجه آخر عنها: "فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمِّي لأُريك ما تركوا منه فأراها قريبًا من سبعة أذرع"، وله عن عبد الله بن الزبير عنها في هذا الحديث وَزِدت فيها من الحجر ستة، وسيأتي في آخر الطريق الرابعة عن عروة أنه أراه لجرير بن حازم فحزره ستة أذرع أو نحوها، ولسفيان بن عيينة في "جامعه" عن مجاهد أن ابن الزبير زاد فيها ستة أذرع مما يلي الحجر، وله أيضًا عن ابن الزبير ستة أذرع وشبر، وهكذا ذكر الشافعي عن عدد لقيهم من أهل العلم من قريش، كما أخرجه البيهقي في "المعرفة" عنه، وهذه الروايات كلها تجتمع على أنها فوق الستة ودون السبعة، وأما رواية عطاء عند مسلم عن عائشة مرفوعًا: "لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع" فهي شاذة، والرواية السابقة أرجح لما فيها من الزيادة عن الثقات

стр. 6150

الحفاظ، ثم ظهر لرواية عطاء وجه وهو أنه أُريد بها ما عدا الفُرجة التي بين الركن والحجر، فتجتمع مع الروايات الأخرى فإن الذي عدته الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا وقع عند الفاكهي من حديث أبي عمرو بن عدي بن الحمراء أن النبي ﷺ قال لعائشة في هذه القصة: "ولا دخلت فيها من الحجر أربعة أذرع"، فيحتمل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويجمع بين الروايات كلها بذلك، وستأتي ثمرة هذا البحث في آخر الكلام على هذا الحديث. وقوله: "ألم تري"، أي: ألم تعرفي. وقوله: "قصرت بهم النفقة" بتشديد الصاد، أي: النفقة الطيبة التي أخرجوها لذلك كما جزم به الأزرقي وغيره، ويوضحه ما ذكر ابن إسحاق في "السيرة" أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم وهو جدّ جعدة بن هبيرة بن أبي وهيب المخزومي، قال لقريش: لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيب، ولا تدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحد من الناس، وروى سفيان بن عيينة في "جامعه" عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه أنه شهد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زهرة أدرك، فسأله عمر عن بناء الكعبة، فقال: إن قريشًا تقربت ببناء الكعبة، أي: بالنفقة الطيبة، فعجزت، فتركوا بعض البيت في الحجر، فقال عمر: صدقت. وقوله: "ليدخلوا" في رواية المستملي يدخلوا بغير لام، زاد مسلم عن عائشة: فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط. وقوله: "حديثٌ عهدهم" بتنوين حديث. وقوله: "بجاهلية" في رواية الكشميهني: بالجاهلية، وتقدم في كتاب العلم حديث عهد بكفر، ولأبي عوانة عن عائشة: حديث عهد بشرك. وقوله: "فأخاف أن تنكر قلوبهم" في رواية أشعث: تنفر بالفاء بدل الكاف، ونقل ابن بطال عن بعض علمائهم أن النفرة التي خشيها ﷺ أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم. وقوله: "أن أدخل الجدر" كذا وقع هنا، وهو مؤول بمعنى المصدر، أي: أخاف إنكار قلوبهم إدخال الحجر، وجواب لولا محذوف، وقد رواه مسلم عن أبي الأحوص بلفظ: فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أُدخل فأَثبت جواب لولا، وكذا أَثبته الإسماعيلي عن أشعث، ولفظه: لنظرت فأَدخلته.

стр. 6151

رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ مسدد في السادس من الإيمان, ومرَّ أبو الأحوص في العشرين من صفة الصلاة، ومرَّ الأشعث في الثالث والثلاثين من الوضوء، ومرَّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. الحديث السبعون حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْلاَ حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ ثُمَّ لَبَنَيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَإِنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بِنَاءَهُ وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا". قوله: "عن أبيه، عن عائشة" كذا رواه مسلم عن أبي معاوية، والنسائي عن عبدة بن سليمان، وأبو عوانة عن علي بن مسهر، وأحمد عن عبد الله بن نمير كلّهم عن هشام، وخالفهم القاسم بن معن، فرواه عن هشام، عن أبيه، عن أخيه عبد الله بن الزبير، عن عائشة، أخرجه أبو عوانة، ورواية الجماعة أرجح، فإنَّ رواية عروة عن عائشة لهذا الحديث مشهورة من غير هذا الوجه، وسيأتي في التي بعد هذه عن يزيد بن رومان عنه، وكذا لأبي عوانة عن قتادة وأبي النضر كلاهما عن عروة، عن عائشة بغير واسطة، ويحتمل أن يكون عروة حمل عن أخيه، عن عائشة منه شيئًا زائدًا على روايته عنها، كما وقع للأسود بن يزيد مع ابن الزبير في كتاب العلم. وقوله: "وجعلت له خلفًا" بسكون اللام وضم التاء من جعلت، عطفًا على قوله لبنيته، وضبطها القابسي بفتح اللام وسكون المثناة عطفًا على استقصرت وهو وهم فإن قريشًا لم تجعل له بابًا من خلف وإنما هم النبي ﷺ بجعله فلا يغتر بمن حفظ هذه الكلمة بفتح ثم سكون. وقوله: "خلفًا" بفتح المعجمة وسكون اللام بعدها فاء، وقد فسره في الرواية المعلقة الآتية، فقال: يعني بابًا، أي: آخر من خلف يقابل الباب المقدم، وضبطه الحربي في "الغريب" بكسر الخاء المعجمة، قال: والخالفة عمود في مؤخر البيت، والصواب الأول، وبينه قوله في الرواية الرابعة: وجعلت لها بابين.

стр. 6152

رجاله خمسة قد مرُّوا: مرَّ عبيد بن إسماعيل في الثاني والعشرين من الحيض، ومرَّ أبو أُسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ هشام وأبو عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، أخرجه مسلم. ثم قال: قال أبو معاوية: حدثنا هشام، خلفا، يعني بابًا. قوله: "حدثنا هشام" يعني ابن عروة بسنده هذا والتفسير المذكور من قول هشام بينه أبو عوانة عن علي بن مسهر، عن هشام، قال: الخلف الباب، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي أُسامة وأدرج التفسير والتعليق وصله مسلم والنسائي، ولم يقع في روايتهما التفسير المذكور، وأبو معاوية محمد بن خازم وقد مرَّ في تعليق بعد الثالث من الإيمان. الحديث الحادي والسبعون حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ! لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ". فَذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ. قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الآنَ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَاهُنَا. قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا. يزيد الأول في السند هو ابن هارون. وقوله: "عن عروة" كذا رواه الحفاظ من أصحاب يزيد بن هارون عنه، فأخرجه أحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان، وأحمد بن منيع في "مسانيدهم" عنه فكذا، والنسائي عن عبد الرحمن بن محمد بن سَلّام، والإسماعيلي عن هارون الحمال، والزعفراني، كلهم عن يزيد بن هارون، وخالفهم الحارث بن أبي أسامة، فرواه عن يزيد بن هارون، فقال: عن عبد الله بن الزبير بدل عروة بن الزبير، وهكذا أخرجه الإسماعيلي عن أبي الأزهر، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، قال الإسماعيلي: إن كان أبو الأزهر ضبطه، فكان يزيد بن رومان سمعه من الأخوين، وقد تابعه محمد بن مشكان، كما أخرجه الجوزقي، ويزيد قد حمله عن الأخوين، لكن رواية الجماعة أوضح فهي أصحُّ.

стр. 6153

وقوله: "حديث عهد" كذا لجميع الروة بالإضافة من غير واو وقال المطرزي: لا يجوز حذف الواو في مثل هذا فالصواب حديثو عهدٍ. وقوله: "فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه" زاد وهب بن جرير: في روايته وبنائه. وقوله: "قال يزيد: هو ابن رومان" بالإسناد المذكور. وقوله: "وشهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه" إلى قوله: "كأسنمة الإبل" هكذا ذكره يزيد بن رومان مختصرًا، وقد ذكره مسلم وغيره واضحًا فروى مسلم عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما احترق البيت إلى آخر ما مرَّ مستوفى عند ذكر هذا الحديث في باب من ترك بعض الاختيار من كتاب العلم. وقوله: "كأسنمة الإبل" تقدم ما فيه في الحديث المذكور وهو قواعد إبراهيم ﵇، وقد قال الطبري: اختلف في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل أهما أحدثاها أم كانت قبلهما؟ ثم روي بسند صحيح عن ابن عباس، قال: كانت قواعد البيت قبل ذلك، ومن طريق عطاء، قال: قال آدم: أي رب! لا أسمع أصوات الملائكة، قال: ابنِ لي بيتا ثم أحفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل حتى بناه إبراهيم بعد. وقد مرَّ هذا وزيادة. وقوله: "قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها". وقوله: "فحزرت" بتقديم الزاي على الراء، أي: قدرت. وقوله: "ستة أذرع" أو نحوها قد ورد ذلك مرفوعًا إلي النبي ﷺ كما تقدم عند الطريق الثانية وهي أرجح الروايات، والجمع بين المختلف منها ممكن وهو أولى من دعوى الاضطراب والطعن في الروايات المقيدة لأجل الاضطراب، كما جنح إليه ابن الصلاح وتبعه النووي, لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذر الترجيح أو الجمع، ولم يتعذر ذلك هنا، فيتعين حمل المطلق على المقيد كما هي قاعدة مذهبهما، ويؤيده أن الأحاديث المطلقة والمقيدة متواردة على سبب واحد وهو أن قريشًا قصروا عن بناء إبراهيم ﵊، وأن ابن الزبير أعاده علي بناء إبراهيم، وأن الحجاج أعاده علي بناء قريش، ولم تأتِ رواية قط صريحة أن جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت. قال المحب الطبري: الأصح أن القيد الذي في الحجر من البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التي جاء فيها أن الحجر من البيت مطلقة، فيحمل المطلق على المقيد فإن إطلاق

стр. 6154

اسم الكل على البعض سائغ مجازًا، وإنما قال النووي ذلك نصرة لما رجحه من أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعي نص على ايجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه، ونقل غيره إنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة، ولا عن أحد من الصحابة ومن بعدهم أنه طاف داخل الحجر، وكان عملًا مستمرًا، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت، وهذا متعقب، فإنه لا يلزم من ايجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت، فقد نص الشافعي أيضًا كما ذكره البيهقي في "المعرفة" أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش لقيهم كما تقدم فعلى هذا فلعله رأى ايجاب الطواف من وراء الحجر احتياطًا. وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب، فلعل النبي ﷺ ومن بعده فعلوه استحبابًا للراحة من تسور الحجر، لاسيما والرجال يطوفون جميعًا فلا يؤمن من المرأة التكشف، فلعلهم أرادوا حسم هذه المادة، وأما ما نقله المهلب عن ابن أبي زيد أن حائط الحِجَر لم يكن مبنيًا في زمن النبي ﷺ وأبي بكر حتى كان عمر فبناه ووسعه قطعًا للشك، وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت ففيه نظر، وقد أشار المهلب إلى أن عمدته في ذلك ما يأتي في باب بنيان الكعبة في أوائل السيرة النبوية بلفظ: لم يكن حول البيت حائط كانوا يصلون حول البيت حتى كان عمر، فبنى حوله حائطًا جدره قصيرة، فبناه ابن الزبير. وهذا إنما هو في حائط المسجد لا في المسجد، فدخل الوهم على قائله من هنا, ولم يزل الحجر موجودًا في عهد النبي ﷺ , كما صرح به كثير من الأحاديث الصحيحة, قلت: ما قاله ليس فيه دليل على أن الحائط كان قبل عمر، وما أول به الكلام من أنه في حائط المسجد غير ظاهر، ويرده قوله: "فبناه ابن الزبير" لأن ابن الزبير إنما بني البيت لا حائط المسجد، وكون الحجر موجودًا في زمنه ﵊ لا يدل على وجود الحائط المحوط فيمكن أن يكون المراد بالموجود محله المعروف فتأمل. ثم قال في "الفتح": نعم في الحكم بفساد طواف من دخل الحجر، وخلى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظر، وقد قال بصحته جماعة من الشافعية كإمام الحرمين، ومن المالكية كأبي الحسن اللخمي، وذكر الأزرقي أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعًا وثلث ذراع منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعًا، فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت، فلا يفسد طواف من طاف دونه، وأما قول المهلب إن الفضاء لا يسمى بيتًا، وإنما البيت البنيان لأن شخصًا لو حلف لا يدخل بيتًا فانهدم ذلك

стр. 6155

البيت فلا يحنث بدخوله، فليس بواضح، فإن المشروع من الطواف ما شرع للخليل بالاتفاق، فعلينا أن نطوف حيث طاف، ولا يسقط ذلك بانهدام حرم البيت لأن العبادات لا يسقط المقدور عليه منها بفوات المعجوز عنه، فحرمة البقعة ثابتة ولو فقد الجدار، وأما اليمين فمتعلقة بالعرف، ويؤيد ما قلناه أنه لو انهدم مسجد، فنقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها, ولا حرمة لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد، فدلَّ على أن البقعة أصل للجدار بخلاف العكس، أشار إلى ذلك ابن المنير. وفي حديث بناء الكعبة من الفوائد غير ما تقدم ما ترجم عليه المصنف في العلم، وهو ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس، والمراد بالاختيار هو عبارته المستحب، وفيه اجتناب ولى الأمر ما يتسرع الناس إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا، وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب، وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدىء بدفع المفسدة، وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاهد استحباب عمل المصلحة وحديث الرجل مع أهله في الأمور العامة، وحرص الصحابة على امتثال أوامر النبي ﷺ . وحكى ابن عبد البر، وتبعه عياض وغيره عن الرشيد أو المهدي أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه، وهذا بعينه هو خشية جدهم الأعلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، فأشار على ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة، ويجدد بناءها بأن يرمم ما وهي منها ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص، وقال له: لا آمن أن يجيىء من بعدك أمير فيغير الذي صنعت، أخرجه الفاكهاني عن عطاء، عنه، وذكر الأزرقي أنَّ سليمان بن عبد الملك همّ بنقض ما فعله الحجاج، ثم ترك لما ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك، ولم يقف صاحب "الفتح" في شيء من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء، ولا من دونهم غير من الكعبة شيئا مما صنعه الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها مرة بعد مرة، وفي سقفها، وسلم سطحها، وجدد فيها الرخام، فذكر الأزرقي عن ابن جريج أنَّ أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، ووقع في جدارها الشامي ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتم بذلك

стр. 6156

سلطان الإِسلام الملك المؤيد، وأرجو من الله تعالى أن يسهل له ذلك. ثم حججت سنة أربع وعشرين وتأملت المكان الذي قيل عنه، فلم أجده في تلك البشاعة، وقد رمّم ما تشعث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى أن نقض سقفها في سنة سبع وعشرين على يد بعض الجند، فجدد أسقفها ورخم السطح، فلما كان في سنة ثلاث وأربعين، صار المطر إذا ينزل إلى داخل الكعبة أشد مما كان أولًا، فأداه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرة أخرى، وسد ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، فأنكر أن يكون أمر بذلك، وجهز بعض الجند لكشف ذلك، فتعصب للأول بعض من جاور، واجتمع الباقون رغبة ورهبة، فكتبوا محضرًا بأنه ما فعل شيئاً إلا عن ملأ منهم، وأن كل ما فعله مصلحة، فسكن غضب السلطان، وغطى عنه الأمر، وقد جاء عن عياش بن أبي ربيعة المخزومي بالتحتانية قبل الألف، وبعدها شين معجمة عن النبي ﷺ ,قال: "إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظموا هذه الحرمة -يعني الكعبة- حق تعظيممها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا" أخرجه أحمد، وابن ماجه، وعمر بن شبة في "كتاب مكة"، وسنده حسن، فنسأل الله الكريم الحنّان المنّان أن يمنّ علينا بالنجاة من الفتن في ديننا ودُنيانا، وأن يفرّج عنا ما نحن فيه من الكرب وتشتيت الشمل والغربة عن الحبيب ﵊ والأهل والعيال، ومما يتعجب منه أنه لم يقفق الاحتياج إلى الإصلاح في الكعبة إلا فيما صنعه الحجاج، إما من الجدار الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلم الذي جدده للسطح والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع فإنما هو لزيادة محضة كالرخام، أو التحسين كالباب والميزاب، وكذلك ما حكاه الفاكهاني عن عبد الله بن بكر السهمي، عن أبيه، قال: جاورت بمكة، فعابت اسطوانة من أساطين البيت فأخرجت وجيء بأُخرى ليدخلوها مكانها فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل والكعبة لا تفتح ليلًا، فتركوها ليعودوا من غد ليصلحوها فجاؤوا من غد فأصابوها أقوم من قِدح بكسر القاف السهم، وهذا إسناد قوي رجاله ثقات، وبكر هو ابن حبيب من كبار أتباع التابعين، وكأن القصة كانت في أوائل دولة بني العباس وكانت الاسطوانة من خشب. رجاله ستة: وفيه ذكر ابن الزبير، وقد مرّوا إلا ابن رومان، مرَّ بيان ابن عمرو في الثامن والأربعين من التهجد، ومرَّ يزيد بن هارون في الخامس عشر من الوضوء, ومرَّ جرير بن حازم في

стр. 6157

السبعين من استقبال القبلة، ومرَّ محل عروة وعائشة في الذي قبله، والسابع يزيد بن رومان بضم الراء أبو روح الأسدي المدني، مولى آل الزبير، قال النسائي وابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان عالمًا كثير الحديث، ثقة، قرأ القرآن على عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة، وقرأ عليه نافع بن أبي نعيم، روى عن ابن الزبير وأنس وعبيد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر وغيرهم، وروى عنه هشام بن عروة، ومالك، وجرير بن حازم، وغيرهم، مات سنة ثلاثين ومائة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته شيخه بخاري من أفراده وواسطي وبصري ومدنيان، أخرجه النسائي في الحج. وقد مرَّ ابن الزبير في الثامن والأربعين من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 6158

باب فضل الحرم وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقوله جلَّ ذكره: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله: "فضل الحرم"، أي: المكي، وهو ما أحاط بمكة وأطاف بها من جوانبها، جعل الله تعالى له حكمها في الحرمة تشريفًا لها، وسمي حرمًا لتحريم الله تعالى فيه كثيرًا مما ليس بمحرم في غيره من المواضع وحده من طريق المدينة عند التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، وقيل: أربعة، ومن طريق اليمن طرف أَضاة لِبْن بفتح الهمزة والضاد المعجمة، ولبن بكسر اللام وسكون الموحدة على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال بتقديم المثناة الفوقية على السين، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن غرة سبعة أميال، وقيل: ثمانية، ومن طريق جدة عشرة أميال، وقال الرافعي: هو من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن العراق على سبعة، ومن الجعرانة على تسعة أميال، ومن الطائف على سبعة، ومن جدة على عشرة، وقد نظم ذلك بعضهم، فقال: وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رمت إتقانه وسبعة أميال عراق وطائف ... وجدة عشر ثم تسع جعرانة وزاد أبو الفضل هنا بيتين، فقال: ومن يمن سبع بتقديم سينها ... فسل ربك الوهاب يرزقك غفرانه وقد زيد في حد لطائف أربع ... ولم يرض جمهور كذا القول رجحانه وقال ابن سراقة في كتابه "الأعداد": الحرم موضع واحد في الأرض وهو مكة وما حولها، ومسافة ذلك ستة عشر ميلًا في مثلها وذلك بريد واحد، وثلث في بريد، وثلث على الترتيب، والسبب في بعد بعض الحدود وقرب بعضها ما قيل إن الله تعالى لما أَهبط على آدم بيتًا من ياقوتة أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، فنفرت الجن والشياطين ليقربوا منها، فاستعاذ منهم بالله، وخاف على نفسه منهم، فبعث الله ملائكة فحفوا بمكة فوقفوا مكان الحرم، وذكر بعض

стр. 6159

اهل الكشف والمشاهدات أنهم يشاهدون تلك الأنوار واصلةٌ إلى حدود الحرم، فحدود الحرم موضع وقوف الملائكة، وقيل: إن الخليل لما وضع الحجر الأسود في الركن أضاء له نور وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشياطين فوقفت عند الأعلام فبناها الخليل ﵇ حاجزًا. رواه مجاهد، عن ابن عباس. وعنه: أن جبريل ﵇ أَرى إبراهيم ﵇ موضع أنصاب الحرم فنصبها، ثم جددها إسماعيل ﵇، ثم جددها قُصيُّ بن كلاب، ثم جددها النبي ﷺ ، ثم لما ولي عمر رضي الله تعالى عنه بعث أربعة من قريش فنصبوا أنصاب الحرم، ثم جددها معاوية رضي الله تعالى عنه، ثم عبد الملك بن مروان. وقوله:"وقوله تعالى" بالجر، عطف على المجرور قبله بالإضافة، ووجه تعلق الآية بالترجمة من جهة إضافة الربوبية إلى البلدة، فإنه على سبيل التشريف لها، وهي أصل الحرم. وقوله: "أولم نمكن لهم حرما آمناً، الآية" روى النسائي في "التفسير" أن الحارث بن عامر بن نوفل قال للنبي ﷺ إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، فأنزل الله ردًا عليه: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾، الآية، أي: الله جعلهم في بلد أمين، وهم منه في أمان في حال كفرهم، فكيف لا يكون أمنًا لهم بعد أن أسلموا وتابعوا الحق. الحديث الثاني والسبعون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا". قوله: "ولا ينفر صيده"، أي: لا يزعج من مكانه، فإن نفره عصى سواء تلف أم لا، لكن إن تلف في نفاره قبل السكون ضمن دمه بالتنفير لأنه إذا حرم التنفير فالإتلاف أولى. وقوله: "ولا يلتقط لقطته" بفتح القاف وسكونها، قال الأزهري والمحدثون: لا يعرفون عبر الفتح، ونقل الطيبي عن صاحب "شرح السنة" أنه قال: اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكنها، وقال الخليل: هو بالسكون، وأما الفتح فهو كثير الالتقاط، قال الأزهري: هو

стр. 6160

القياس، وقال ابن بري: هذا هو الصواب لأن الفعلة للفاعل كالضحكة لكثير الضحك، قلت: المعروف أنه للكثرة فعلة، بضم الفاء وفتح اللام كضحكة لا فعلة بالتحريك، وفي "القاموس": اللقط محركة بغير تاء، وكحزمة وهمزة وثمامة ما التقط. وقوله: "إلا من عرفها"، أي: أشهرها، ثم يحفظها لمالكها ولا يتملكها، أي: عرفها ليعرف مالكها ثم يردها إليه، وهذا المنزع قد مرَّ الكلام عليه مستوفى عند حديث أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلًا، الخ، في باب كتابة العلم من كتاب العلم. رجاله ستة ، قد مرّوا: مرَّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ جرير بن عبد الحميد، ومنصور بن المعتمر في الثاني عشر منه، ومرَّ مجاهد في أثر أول الإيمان, ومرَّ طاووس بعد الأربعين من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. أخرجه البخاري أيضًا في الحج، وفي الجهاد، وفي الجزية، ومسلم وأبو داود في الحج والجهاد، والترمذي في السير، والنسائي في البيعة وفي الحج. ثم قال المصنف:

стр. 6161

باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة كَقَوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ , الباد: الطارىء، معكوفًا: محبوسًا. أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نضلة، قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن، أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده انقطاع وإرسال، وقال بظاهره ابن عمر ومجاهد وعطاء: قال عبد الرزاق، عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، فأخبرني أن عمر نهى أن تُبوَّب دور مكة لأنها ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو واعتذر عن ذلك لعمر. وروى الطحاوي عن مجاهد أنه قال: مكة مباح لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها. وروى عبد الرزاق عن مجاهد، عن ابن عمر: لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها. وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف، واختلف عن محمد. وبالجواز قال الجمهور، واختاره الطحاوي، ويجاب عن حديث علقمة على تقدير صحته بحمله على ما سيجمع به ما اختلف عن عمر في ذلك. واحتج الشافعي بحديث أُسامة الذي أورده المصنف في هذا الباب، قال الشافعي: فأضاف الملك إلى عقيل ومن ابتاعها منه. وبقوله عام الفتح: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فأضاف الدار إليه، قلت: إذا كان هذا القول بعد إسلام أبي سفيان لم تكن في الحديث حجة لأن ملكه لداره يتقرر بمجرد إسلامه قبل فتح مكة، واحتج ابن خزيمة بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ , فنسب الله الديار إليهم كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دور ليست بملك لهم، قال: ولو كانت الدور التي باعها عقيل لا تملك، لكان جعفر وعلي

стр. 6162

أولى بها إذ كانا مسلمين دونه، وسيأتي في البيوع أَثر عمر أنه اشترى دارًا للسجن بمكة، ولا يعارض ما جاء عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أنه كان ينهى أن تغلق دور مكة في زمن الحاج أخرجه عبد بن حميد، وقال عبد الرزاق عن مجاهد أن عمر قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث شاء. وقد تقدم من وجه آخر عن عمر، فيجمع بينهما بكراهة الكراء رفقًا بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء، وإلى هذا جنح الإِمام أحمد وآخرون، واختلف عن مالك في ذلك، قال القاضي إسماعيل: ظاهر القرآن يدل على أن المراد به المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر دور مكة، وقال الأبهري: لم يختلف قول مالك في أن مكة فتحت عنوة، واختلفوا هل مَنَّ عليهم بها لعظم حرمتها، أو أقرت للمسلمين؟ ومن ثم جاء الاختلاف في بيع دورها والكراء، والراجح عند من قال: إنها فتحت عنوة أنَّ النبي ﷺ مَنَّ بها على أهلها، فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك، ذكره السهيلي وغيره، ويأتي قريبًا إتمام الكلام على فتحها هل كان عنوة أو صلحًا. وقد اختلف أهل التأويل في المراد بقوله هنا المسجد الحرام، هل هو الحرم كله، أو مكان الصلاة فقط؟ واختلفوا أيضًا: هل المراد بقوله سواء في الأمن والاحترام، أو فيما هو أعم من ذلك؟ وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضًا، قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم، وأن اسم المسجد الحرم واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بير ولا قبر، ولا التغوط ولا البول، ولا إلقاء الجيف والنتن، قال: ولا نعلم عالمًا منع من ذلك ولا كره لحائض ولا لجنب دخول الحرم، ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة وحوانيتها, ولا يقول بذلك أحد. والقول بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ورد عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم بأسانيد إليهم كلها ضعيفة. وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، الباء في بإلحاد صلة، أي: ومن يرد فيه إلحادًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ , قال في "الكشاف": ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال: ومن يرد فيه مرادًا ما عاد لا عن القصد. وقوله: "بإلحاد وبظلم" حالان مترادفان وخبران في قوله: "إن الذين كفروا" محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذقهم من عذاب أليم. وقوله: "البادي" الطارىء هو تفسير منه بالمعنى، وهو مقتضى ما جاء عن ابن عباس

стр. 6163

وغيره كما رواه عبد بن حميد وغيره، وقال الإسماعيلي: البادي: الذي يكون في البدو، وكذا من كان ظاهر البلد فهو باد ومعنى الآية أن المقيم والطارىء سيان، وروى عبدالرزاق عن قتادة: سواء العاكف فيه والباد، قال: سواء فيه أهل مكة وغيرهم. وقوله: "معكوفًا: محبوسًا" كذا وقع هنا وليست هذه الكلمة في الآية المذكورة وإنما هي في آية الفتح ومناسبة ذكرهاهنا قوله في الآية العاكف، والتفسير المذكور قاله أبو عبيدة في المجاز والمراد بالعاكف المقيم، وروى الطحاوي عن أبي حصين، قال: أردت أن أعتكف وأنا بمكة، فسألت سعيد بن جبير، فقال: أنت عاكف، ثم قرأ هذه الآية. الحديث الثالث والسبعون حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟. فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ ". وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٌّ ﵄ شَيْئًا؛ لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: لاَ يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآيَةَ. في رواية مسلم أن علي بن الحسين أخبره أن عمرو بن عثمان أخبره. وقوله: "أين تنزل في دارك؟ " حذف أداة الاستفهام من قوله: في دارك بدليل رواية ابن خزيمة والطحاوي عن ابن وهب بلفظ: أتنزل في دارك؟ وكذا أخرجه الجوزقي عن أصبغ، وللمصنف في "المغازي" عن الزهري: أين تنزل غدًا؟ فكأنه استفهمه أولًا عن مكان نزوله، ثم ظنّ أنه ينزل في داره، فاستفهمه عن ذلك، وظاهر هذه القصة أن ذلك كان حين أراد دخول مكة، ويزيده وضوحًا رواية زمعة بن صالح عن الزهري بلفظ: لما كان يوم الفتح قبل أن يدخل النبي ﷺ مكة، قيل: أين تنزل، أفي بيوتكم؟ الحديث. وروى علي ابن المديني عن محمد بن علي بن الحسين، قال: قيل للنبي ﷺ حين قدم مكة: أين تنزل؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من طل؟ " قال علي ابن المديني: ما أشك أن محمد بن علي بن الحسين أخذ هذا الحديث عن أبيه، لكن في حديث أبي هريرة أنه عليه

стр. 6164

الصلاة والسلام قال ذلك حين أراد أن ينفر من مني فيحمل على تعدد القصة، وقوله: "وهل ترك عقيل؟ " في رواية مسلم وغيره: "وهل ترك لنا؟ ". وقوله: "من رباع أو دور"؛ الرباع جمع رَبْع بفتح الراء وسكون الموحدة، وهو المنزل المشتمل على أبيات، وقيل: هو الدار فعلى هذا، فقوله: أو دور إما للتأكيد أو من شك الراوي، وفي رواية محمد بن أبي حفصة: من منزل، وجمع النكرة وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاري يفيد العموم للإشعار بأنه لم يترك من الرباع المتعددة شيئًا، ومن للتبعيض، وأخرج الفاكهاني هذا الحديث عن محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره: ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثم صارت لعبد المطلب ابنه، فقسمها بين ولده حين عمر، ثم صار للنبي ﷺ حق أبيه عبد الله، وفيها ولد النبي ﷺ . وقوله: "وكان عقيل ورث أبا طالب" الخ، محصله أنَّ النبي ﷺ لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ﷺ لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها، وحكى الفاكهاني أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار، وزاد في روايته عن محمد بن أبي حفصة، فكان علي بن الحسين يقول: من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشعب، أي: حصة جدهم علي من أبيه أبي طالب، وقال الداودي وغيره: كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره وأمضى النبي ﷺ تصرفات الجاهلية تأليفًا لقلوب من أسلم منهم. وقال الخطابي: وعندي أن تلك الدار كانت قائمة على ملك عقيل، فإنما لم ينزلها رسول الله ﷺ لأنها دور هجروها في الله تعالى، فلم يرجعوا فيما تركوه، وتعقب بأن سياق الحديث يقتضي أن عقيلًا باعها، ومفهومه أنه لو تركها لنزلها، وقد مرَّ قريبًا أن هذه القصة وقعت عند دخول مكة يوم الفتح. وقد اختلف العلماء هل مكة فتحت عنوة أو صلحًا، فذهب الجمهور إلى أنها فتحت عنوة، وتمسكوا بما أخرجه مسلم وأحمد والنسائي عن أبي هريرة، قال: أقبل رسول الله ﷺ وقد بعث على إحدى الجنبتين خالد بن الوليد، وبعث الزبير على الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر بضم المهملة وتشديد السين المهملة، جمع حاسر، أي: الذين لا سلاح لهم، فقال لي: يا أبا هريرة اهتف لي بالأنصار، فهتف بهم، فجاؤوا فأطافوا به، فقال لهم: أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى: احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا، قال أبو هريرة: فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحدًا منهم إلا قتلناه، فجاء أبو

стр. 6165

سفيان، وقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، قال: فقال رسول الله ﷺ : "من أغلق بابه فهو آمن". وعند الشافعي ورواية عن أحمد أنها فتحت صلحًا لما وقع من التأمين ولإضافة الدور إلى أهلها, ولأنها لم تقسم، ولأن القائمين لم يملكوا دورها وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها. واحتج الجمهور بما وقع من التصريح بالأمر بالقتال ووقوعه من خالد بن الوليد، وبتصريحه ﵊ بأنها أحلت ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي به في ذلك، وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح عنوة، ويمنّ على أهلها، ويترك لهم دورهم وغنائمهم, لأن قسمة الأرض المغنومة ليس متفقًا عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة ومن بعدهم، وقد فتحت أكثر البلاد عنوة، فلم تقسم وذلك في زمن عمر وعثمان مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يمكن أن يدعي اختصاصها به دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسك ومتعبد الخلق، وقد جعلها الله تعالى حرمًا سواء العاكف فيه والبادي. وأما قول النووي: "احتج الشافعي بالأحاديث المشهورة من أن النبي ﷺ صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة" ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه إن كان مراده ما وقع له من قوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن كما تقدّم، وكذا من دخل المسجد كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من أُشير إليه بذلك الكف عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك لأنهم استعدوا للحرب كما ثبت في حديث أبي هريرة عند مسلم أن قريشًا وبشت أوباشًا لها وأتباعًا، فقالوا: تقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أُصيبوا أعطيناه الذي سألنا، فقال النبي ﷺ : "أترون أوباش قريش"، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى إلى آخر الحديث المار قريبًا، وإن كان مراده بالصلح وقوع عقد به، فهذا لم ينقل، والظن أنه عني الاحتمال الأول، وفيه ما ذكر وتمسك أيضًا من قال أنه آمنهم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصة الفتح، فقال العباس: أحد بعض المطابة، أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، ثم قال في القصة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وعند موسى بن عقبة في "المغازي" أن أبا سفيان وحكيم بن حزام قالا: يا رسول الله! كنت حقيقًا أن تجعل عدتك
следующие страницы →