← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة كَقَوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ , الباد: الطارىء، معكوفًا: محبوسًا. أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نضلة، قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن، أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده انقطاع وإرسال، وقال بظاهره ابن عمر ومجاهد وعطاء: قال عبد الرزاق، عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، فأخبرني أن عمر نهى أن تُبوَّب دور مكة لأنها ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو واعتذر عن ذلك لعمر. وروى الطحاوي عن مجاهد أنه قال: مكة مباح لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها. وروى عبد الرزاق عن مجاهد، عن ابن عمر: لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها. وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف، واختلف عن محمد. وبالجواز قال الجمهور، واختاره الطحاوي، ويجاب عن حديث علقمة على تقدير صحته بحمله على ما سيجمع به ما اختلف عن عمر في ذلك. واحتج الشافعي بحديث أُسامة الذي أورده المصنف في هذا الباب، قال الشافعي: فأضاف الملك إلى عقيل ومن ابتاعها منه. وبقوله عام الفتح: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فأضاف الدار إليه، قلت: إذا كان هذا القول بعد إسلام أبي سفيان لم تكن في الحديث حجة لأن ملكه لداره يتقرر بمجرد إسلامه قبل فتح مكة، واحتج ابن خزيمة بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ , فنسب الله الديار إليهم كما نسب الأموال إليهم، ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دور ليست بملك لهم، قال: ولو كانت الدور التي باعها عقيل لا تملك، لكان جعفر وعلي

стр. 6162

أولى بها إذ كانا مسلمين دونه، وسيأتي في البيوع أَثر عمر أنه اشترى دارًا للسجن بمكة، ولا يعارض ما جاء عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أنه كان ينهى أن تغلق دور مكة في زمن الحاج أخرجه عبد بن حميد، وقال عبد الرزاق عن مجاهد أن عمر قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث شاء. وقد تقدم من وجه آخر عن عمر، فيجمع بينهما بكراهة الكراء رفقًا بالوفود، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء، وإلى هذا جنح الإِمام أحمد وآخرون، واختلف عن مالك في ذلك، قال القاضي إسماعيل: ظاهر القرآن يدل على أن المراد به المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر دور مكة، وقال الأبهري: لم يختلف قول مالك في أن مكة فتحت عنوة، واختلفوا هل مَنَّ عليهم بها لعظم حرمتها، أو أقرت للمسلمين؟ ومن ثم جاء الاختلاف في بيع دورها والكراء، والراجح عند من قال: إنها فتحت عنوة أنَّ النبي ﷺ مَنَّ بها على أهلها، فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك، ذكره السهيلي وغيره، ويأتي قريبًا إتمام الكلام على فتحها هل كان عنوة أو صلحًا. وقد اختلف أهل التأويل في المراد بقوله هنا المسجد الحرام، هل هو الحرم كله، أو مكان الصلاة فقط؟ واختلفوا أيضًا: هل المراد بقوله سواء في الأمن والاحترام، أو فيما هو أعم من ذلك؟ وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضًا، قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ جميع الحرم، وأن اسم المسجد الحرم واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بير ولا قبر، ولا التغوط ولا البول، ولا إلقاء الجيف والنتن، قال: ولا نعلم عالمًا منع من ذلك ولا كره لحائض ولا لجنب دخول الحرم، ولا الجماع فيه، ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة وحوانيتها, ولا يقول بذلك أحد. والقول بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ورد عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم بأسانيد إليهم كلها ضعيفة. وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، الباء في بإلحاد صلة، أي: ومن يرد فيه إلحادًا، كما في قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ , قال في "الكشاف": ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال: ومن يرد فيه مرادًا ما عاد لا عن القصد. وقوله: "بإلحاد وبظلم" حالان مترادفان وخبران في قوله: "إن الذين كفروا" محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذقهم من عذاب أليم. وقوله: "البادي" الطارىء هو تفسير منه بالمعنى، وهو مقتضى ما جاء عن ابن عباس

стр. 6163

وغيره كما رواه عبد بن حميد وغيره، وقال الإسماعيلي: البادي: الذي يكون في البدو، وكذا من كان ظاهر البلد فهو باد ومعنى الآية أن المقيم والطارىء سيان، وروى عبدالرزاق عن قتادة: سواء العاكف فيه والباد، قال: سواء فيه أهل مكة وغيرهم. وقوله: "معكوفًا: محبوسًا" كذا وقع هنا وليست هذه الكلمة في الآية المذكورة وإنما هي في آية الفتح ومناسبة ذكرهاهنا قوله في الآية العاكف، والتفسير المذكور قاله أبو عبيدة في المجاز والمراد بالعاكف المقيم، وروى الطحاوي عن أبي حصين، قال: أردت أن أعتكف وأنا بمكة، فسألت سعيد بن جبير، فقال: أنت عاكف، ثم قرأ هذه الآية. الحديث الثالث والسبعون حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟. فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟ ". وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٌّ ﵄ شَيْئًا؛ لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: لاَ يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآيَةَ. في رواية مسلم أن علي بن الحسين أخبره أن عمرو بن عثمان أخبره. وقوله: "أين تنزل في دارك؟ " حذف أداة الاستفهام من قوله: في دارك بدليل رواية ابن خزيمة والطحاوي عن ابن وهب بلفظ: أتنزل في دارك؟ وكذا أخرجه الجوزقي عن أصبغ، وللمصنف في "المغازي" عن الزهري: أين تنزل غدًا؟ فكأنه استفهمه أولًا عن مكان نزوله، ثم ظنّ أنه ينزل في داره، فاستفهمه عن ذلك، وظاهر هذه القصة أن ذلك كان حين أراد دخول مكة، ويزيده وضوحًا رواية زمعة بن صالح عن الزهري بلفظ: لما كان يوم الفتح قبل أن يدخل النبي ﷺ مكة، قيل: أين تنزل، أفي بيوتكم؟ الحديث. وروى علي ابن المديني عن محمد بن علي بن الحسين، قال: قيل للنبي ﷺ حين قدم مكة: أين تنزل؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من طل؟ " قال علي ابن المديني: ما أشك أن محمد بن علي بن الحسين أخذ هذا الحديث عن أبيه، لكن في حديث أبي هريرة أنه عليه

стр. 6164

الصلاة والسلام قال ذلك حين أراد أن ينفر من مني فيحمل على تعدد القصة، وقوله: "وهل ترك عقيل؟ " في رواية مسلم وغيره: "وهل ترك لنا؟ ". وقوله: "من رباع أو دور"؛ الرباع جمع رَبْع بفتح الراء وسكون الموحدة، وهو المنزل المشتمل على أبيات، وقيل: هو الدار فعلى هذا، فقوله: أو دور إما للتأكيد أو من شك الراوي، وفي رواية محمد بن أبي حفصة: من منزل، وجمع النكرة وإن كانت في سياق الاستفهام الإنكاري يفيد العموم للإشعار بأنه لم يترك من الرباع المتعددة شيئًا، ومن للتبعيض، وأخرج الفاكهاني هذا الحديث عن محمد بن أبي حفصة، وقال في آخره: ويقال: إن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم بن عبد مناف، ثم صارت لعبد المطلب ابنه، فقسمها بين ولده حين عمر، ثم صار للنبي ﷺ حق أبيه عبد الله، وفيها ولد النبي ﷺ . وقوله: "وكان عقيل ورث أبا طالب" الخ، محصله أنَّ النبي ﷺ لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثاه من أبيهما لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ﷺ لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها، وحكى الفاكهاني أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار، وزاد في روايته عن محمد بن أبي حفصة، فكان علي بن الحسين يقول: من أجل ذلك تركنا نصيبنا من الشعب، أي: حصة جدهم علي من أبيه أبي طالب، وقال الداودي وغيره: كان من هاجر من المؤمنين باع قريبه الكافر داره وأمضى النبي ﷺ تصرفات الجاهلية تأليفًا لقلوب من أسلم منهم. وقال الخطابي: وعندي أن تلك الدار كانت قائمة على ملك عقيل، فإنما لم ينزلها رسول الله ﷺ لأنها دور هجروها في الله تعالى، فلم يرجعوا فيما تركوه، وتعقب بأن سياق الحديث يقتضي أن عقيلًا باعها، ومفهومه أنه لو تركها لنزلها، وقد مرَّ قريبًا أن هذه القصة وقعت عند دخول مكة يوم الفتح. وقد اختلف العلماء هل مكة فتحت عنوة أو صلحًا، فذهب الجمهور إلى أنها فتحت عنوة، وتمسكوا بما أخرجه مسلم وأحمد والنسائي عن أبي هريرة، قال: أقبل رسول الله ﷺ وقد بعث على إحدى الجنبتين خالد بن الوليد، وبعث الزبير على الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر بضم المهملة وتشديد السين المهملة، جمع حاسر، أي: الذين لا سلاح لهم، فقال لي: يا أبا هريرة اهتف لي بالأنصار، فهتف بهم، فجاؤوا فأطافوا به، فقال لهم: أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى: احصدوهم حصدًا حتى توافوني بالصفا، قال أبو هريرة: فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحدًا منهم إلا قتلناه، فجاء أبو

стр. 6165

سفيان، وقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم، قال: فقال رسول الله ﷺ : "من أغلق بابه فهو آمن". وعند الشافعي ورواية عن أحمد أنها فتحت صلحًا لما وقع من التأمين ولإضافة الدور إلى أهلها, ولأنها لم تقسم، ولأن القائمين لم يملكوا دورها وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها. واحتج الجمهور بما وقع من التصريح بالأمر بالقتال ووقوعه من خالد بن الوليد، وبتصريحه ﵊ بأنها أحلت ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي به في ذلك، وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح عنوة، ويمنّ على أهلها، ويترك لهم دورهم وغنائمهم, لأن قسمة الأرض المغنومة ليس متفقًا عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة ومن بعدهم، وقد فتحت أكثر البلاد عنوة، فلم تقسم وذلك في زمن عمر وعثمان مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يمكن أن يدعي اختصاصها به دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسك ومتعبد الخلق، وقد جعلها الله تعالى حرمًا سواء العاكف فيه والبادي. وأما قول النووي: "احتج الشافعي بالأحاديث المشهورة من أن النبي ﷺ صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة" ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه إن كان مراده ما وقع له من قوله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن كما تقدّم، وكذا من دخل المسجد كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من أُشير إليه بذلك الكف عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك لأنهم استعدوا للحرب كما ثبت في حديث أبي هريرة عند مسلم أن قريشًا وبشت أوباشًا لها وأتباعًا، فقالوا: تقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أُصيبوا أعطيناه الذي سألنا، فقال النبي ﷺ : "أترون أوباش قريش"، ثم قال بإحدى يديه على الأخرى إلى آخر الحديث المار قريبًا، وإن كان مراده بالصلح وقوع عقد به، فهذا لم ينقل، والظن أنه عني الاحتمال الأول، وفيه ما ذكر وتمسك أيضًا من قال أنه آمنهم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصة الفتح، فقال العباس: أحد بعض المطابة، أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، ثم قال في القصة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وعند موسى بن عقبة في "المغازي" أن أبا سفيان وحكيم بن حزام قالا: يا رسول الله! كنت حقيقًا أن تجعل عدتك

стр. 6166

وكيدك بهوازن، فإنهم أبعد رحما وأشد عداوة، فقال: "إني لأرجو أن يجمعها الله لي فتح مكة، وإعزاز الإِسلام بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم"، فقال أبو سفيان وحكيم: ادعوا الناس بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها أآمنون هم؟ قال: "من كف يده، وأغلق داره فهو آمن"، قالوا: فابعثنا نؤذن فيهم بذلك، قال: "انطلقوا، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم فهو آمن"، ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها، فلما توجها قال العباس: يا رسول الله! إني لا آمن أبا سفيان أن يرتد فرده حتى تريه جنود الله، قال: "افعل". فذكر القصة، وفي ذلك تصريح بعموم التأمين، فكان هذا أمانًا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة، فمن ثم قال الشافعي: كانت مكة مأمونة ولم يكن فتحها عنوة، والأمان كالصلح، وأما الذين تعرضوا للقتال أو الذين استثنوا من الأمان وأمر أن يقتلوا ولو تعلقوا بأستار الكعبة فلا يستلزم ذلك أنها فتحت عنوة، ويمكن الجمع بين حديث أبي هريرة في أمره ﷺ بالقتال وبين حديث تأمينه ﷺ لهم بأن يكون التأمين علق على شرط، وهو ترك قريش المجاهرة بالقتال، فلما تفرقوا إلى دورهم ورضوا بالتأمين المذكور لم يستلزم أن أوباشهم الذين لم يقبلوا ذلك، وقاتلوا خالد بن الوليد ومن معه، فقاتلهم حتى قتلهم وهزمهم أن تكون البلد فتحت عنوة؛ لأن العبرة بالأصول لا بالأتباع، وبالأكثر لا بالأقل، ولا خلاف مع ذلك أنها لم يجر فيها قسم غنيمة ولا سبي من أهلها ممن باشر القتال أحد، وهو مما يؤيد قول من قال: لم يكن فتحها عنوة، وعند أبي داود بإسناد حسن عن جابر أنه سئل: هل غنمتم يوم الفتح شيئًا؟ قال: لا وجنحت طائفة -منهم الماوردي- إلى أن بعضها فتح عنوة لما وقع من قصة خالد بن الوليد المذكورة، وقرر ذلك الحاكم في "الإكليل"، والحق أن صورة فتحها كان عنوة ومعاملة أهلها معاملة من دخلت بأمان، ومنع جمع منهم السهيلي ترتب عدم قسمتها، وجواز بيع دورها وإجارتها على أنها فتحت صلحًا. أما أولًا: فلأن الإِمام مخير في قسمة الأرض بين الغانمين إذا انتزعت من الكفار وبين إبقائها وقفًا على المسلمين، ولا يلزم من ذلك منع بيع الدور وإجارتها. وأما ثانيًا: فقال بعضهم: لا تدخل الأرض في حكم الأموال؛ لأن من مضى كانوا إذا غلبوا الكفار لم يغنموا الأموال فتنزل النار فتأكل، أو تصير الأرض عمومًا لهم كما قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، والمسألة مشهورة، هذا حاصل ما ذكر

стр. 6167

في كون مكة فتحت عنوة أو صلحًا. وقوله في آخر الحديث: "فكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: لا يرث المؤمن الكافر" في رواية الإسماعيلي، فمن أجل ذلك كان عمر يقول، وهذا القدر الموقوف على عمر قد ثبت مرفوعًا بهذا الإسناد، وهو عند المصنف في المغازي عن محمد بن أبي حفصة ومعمر، عن الزهري، وأخرجه مفردًا في الفرائض عن ابن جريج، ولفظ رواية المغازي: لا يرث المؤمن الكافر ولا السفر المؤمن، ولفظ رواية الفرائض: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ويأتي قريبًا ما فيها من الروايات. وقوله: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية، بالنصب يعني: بتمامها أو بتقدير اقرا، يعني أنهم كانوا يفسرون قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ بولاية الميراث، أي: يتولى بعضهم بعضًا في الميراث وغيره وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نسخ الله تعالى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، والذي يفهم من الآية المسوقة هنا أن المؤمنين يرث بعضهم بعضًا، ولا يلزم منه أن المؤمن لا يرث الكافر، لكنه مستفاد من بقية الآية المشار إليها بقول المصنف الآية، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ أي: من توليهم في الميراث لأن الهجرة كانت في أول عهد البعثة من تمام الإيمان، فمن لم يكن مهاجرًا كأنه ليس مؤمنًا، فلهذا لم يرث المؤمن المهاجر من لم يهاجر تقدم لفظ الحديث: "لا يرث المؤمن الكافر"، وأخرجه النسائي بلفظ: "لا يتوارث أهل ملتين"، وجاءت رواية شاذة عن ابن عيينة مثلها، وله شاهد عند الترمذي، عن جابر، وآخر عند أبي يعلى عن عائشة، وثالث من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده في السنن الأربعة، وسند أبي داود فيه إلى عمرو صحيح، وتمسك بها من قال: لا يرث أهل ملة كافرة من أهل ملة أخرى كافرة. وجملها الجمهور على أن المراد بإحدى الملتين الإِسلام وبالأخرى الكفر، فيكون مساويًا للرواية التي بلفظ حديث: وهو أولى من حملها على ظاهر عمومها، حتى يمتنع على اليهودي مثلًا أن يرث من النصراني. ومذهب مالك أن اليهودي والنصراني لا يتوارثان، وما سواهما من الكفر كمجوسي وعابد وثن، ودهري ملّة واحدة يرث بعضهم بعضًا. والأصح عند الشافعية أن الكافر يرث الكافر، وهو قول الحنفية والأكثر ومقابله عن أحمد،

стр. 6168

وعنه: التفرقة بين الذمي والحربي، وكذا عند الشافعية، وعن أبي حنيفة: لا يتوارث حربي من ذمي، فإن كانا حربيين شرطا أن يكونا من دار واحدة. وعند الشافعية لا فرق، وعندهم وجه كالحنفية، وعن الثوري وربيعة: وطائفة الكفر ثلاث ملل: يهودية ونصرانية وغيرهم، فلا ترث ملة من هذه من ملة من الملتين، وعن طائفة من أهل المدينة والبصرة: كل فريق من الكفار ملة، فلم يورثوا مجوسيًا، من وثني ولا يهوديًا من نصراني وهو قول الأوزاعي، وبالغ فقال: لا يرث أهل نِحلة من دين واحد أهل نحلة أُخرى منه كاليعقويية والملكية من النصارى. واختلف في المرتد، فقال الشافعي وأحمد: يصير ماله إذا مات فيئًا للمسلمين، وقال مالك: يكون فيئًا إلا إن قصد بردته أن يحرم ورثته المسلمين فيكون لهم، وكذا قال في الزنديق، وعن أبي يوسف ومحمد: لورثته المسلمين، وعن أبي حنيفة: ما كسبه قبل الردة لورثته المسلمين، وبعد الردة لبيت المال، وعن بعض التابعين كعلقمة: يستحقه أهل دينه الذي انتقل إليه، وعن داود: يختص بورثته من أهل الدين الذي انتقل إليه، ولم يفصّل. والحاصل من ذلك ستة مذاهب حررها الماوردي، واحتج القرطبي في "المفهم" لمذهبه بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ , فهي ملل متعددة، وشرائع مختلفة، وأما ما احتجوا به من قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ فوحد الملة، فلا حجة فيه لأن الوحدة في اللفظ، وفي المعنى الكثرة لأنه أضافه إلى مفيد الكثرة كقول القائل: أخذ من علماء الدين علمهم، يريد علم كل منهم، قال: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، الخ، والجواب أن الخطاب بذلك وقع لكفار قريش، وهم أهل وثن، وأما ما أجابوا به عن حديث: "لا يتوارث أهل ملتين"، بأن المراد ملة الإِسلام، وملة الكفر، فالجواب عنه بأنه إذا صح في حديث أسامة فمردود في غيره، واستدل بقوله: "لا يرث المسلم الكافر" على جواز تخصيص عموم الكتاب بالآحاد؛ لأن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ عام في الأولاد، فخص منه الولد الكافر، فلا يرث من المسلم بالحديث المذكور، وأجيب بأن المنع حصل بالإجماع، وخبر الواحد إذا حصل الإجماع على وفقه كان التخصيص بالإجماع لا بالخبر فقط، لكن يحتاج من احتج في الشق الثاني به إلى جواب، وقد قال بعض الحذاق: طريق العام هنا قطعي، ودلالته على كل فرد ظنية، وطريق الخاص هنا ظنية، ودلالته عليه قطعية فيتعادلان، ثم يترجح الخاص بأن العمل به يستلزم الجمع بين الدليلين المذكورين بخلاف عكسه، وحديث: "لا يرث المسلم الكافر", قال

стр. 6169

البخاري: إذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث، فأشار إلى أن عمومه يتناول هذه الصورة، فمن قيد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل, وحجة الجماعة أن الميراث يستحق بالموت، فإذا انتقل عن ملك الميت بموته لم تنتظر قسمته؛ لأنه استحقال في انتقل عنه، ولو لم يقسم المال، قال ابن المنير: صورة المسألة إذا مات مسلم وله ولدان مثلًا، مسلم وكافر، فأسلم الكافر قبل قسمة المال، قال ابن المنذر: ذهب الجمهور إلى الأخذ بما دلّ عليه عمرم حديث أُمامة من أنه لا يرث المسلم الكافر، الخ، إلا ما جاء عن معاذ، قال: "يرث المسلم من الكافر من غير عكس", واحتج بأنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "الإِسلام يزيد وينقص" أخرجه أبو داود وصححه الحاكم عن أبي الأسود الدؤلي، عنه، قال الحاكم: صحيح الإسناد، وتعقب بالانقطاع بين أبي الأسود ومعاذ، ولكن سماعه منه ممكن، وقد زعم الجوزقاني أنه باطل، وهي مجازفة، وقال القرطبي: هو كلام محكي، ولا يروى، كذا قال، وقد رواه من تقدم ذكره، فكأنه ما وقف على ذلك. وأخرج أحمد بن منيع بسند قوي عن معاذ أنه كان يورث المسلم من الكافر بغير عكس، وأخرج مسدد عنه أن أخوين اختصما إليه، مسلم ويهودي مات أبوهما يهوديًا فحاز ابنه اليهودي ماله، فنازعه المسلم، فورّث معاذ المسلم. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن معقل، قال: ما رأيت قضاءً أحسن من قضاءٍ قضى به معاوية: نرث أهل الكتاب ولا يرثوننا، كما يحل النكاح فيهم ولا يحل لهم، وبه قال مسروق، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وإسحاق، وحجة الجمهور أنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده. وأما الحديث فليس نصًا في المراد بل هو محمول على أنه يفضل غيره من الأديان، ولا تعلق له بالإرث، وقد عارضه قياس آخر وهو أن التوارث يتعلق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر، لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ بأن الذي يتزوج الحربية ولا يرثها، وأيضًا فإن الدليل ينقلب فيما لو قال الذمي: أرث المسلم لأنه يتزوج إلينا، وفيه قول ثالث، وهو الاعتبار بقسمة الميراث، جاء ذلك عن عمر وعثمان وعكرمة والحسن وجابر بن زيد، وهو رواية عن أحمد، وحديث الباب الذي فيه كلام عمر يرد هذا المعزوّ له. رجاله سبعة: وفيه ذكر عليّ وجعفر وعقيل وأبي طالب، وقد مرَّ الجميع: مرَّ أصبغ في السابع والستين

стр. 6170

من الوضوء، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ عليّ في السابع والأربعين منه، ومرَّ عقيل في الثامن منه، ومرّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ علي زين العابدين في الخامس من الغسل، ومرَّ عمرو بن عثمان بن عفان في السابع والأربعين من الجنائز، وجعفر بن أبي طالب في التاسع منها، ومرَّ أُسامة بن زيد في الخامس من الوضوء ومرَّ أبو طالب في الرابع من الاستسقاء، وفيه أيضًا ذكر عمر بن الخطاب، وقد مرَّ في الأول من بدء الوحي، وفيه ذكر طالب المكنى به أبوه، وقد مات كافرًا فقيد مع الوحش. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، ورواته مصريان وأيلي ومدنيون. أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد والمغازي، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه فيه وفي الفرائض. ثم قال المصنف:

стр. 6171

باب نزول النبي ﷺ مكة، أي: موضع نزوله الحديث الرابع والسبعون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: "مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ". قوله: "حين أراد قدوم مكة"، وفي رواية: "الفتح": "حين أراد حنيناً"، ولا منافاة بين الروايتين، إذ معنى حين أراد حنينًا أي: في غزوة الفتح؛ لأن غزوة حنين عقب غزوة الفتح، وفي الرواية التي في الحديث بعد هذا بلفظ: قال وهو بمنى: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة" وهذا يدل على أنه قال ذلك في حجته لا في غزوة الفتح، فهو شبيه برواية الفتح في الاختلاف في ذلك، فيحمل قوله: "حين أراد قدوم مكة"، أي: صادرًا من مني إليها لطواف الوداع، ويحتمل التعدد. وقوله: "إن شاء الله تعالى" هو على سبيل التبرك والامتثال للآية. وقوله: "بخيف بني كنانة"، أي: في خَيْف وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء، وهو ما انحدر عن غلظ الجبل، وارتفع عن مسيل الماء، وكنانة يأتي الكلام عليها في الذي بعده. وقوله: "حيث تقاسموا على الكفر"، أي: حيث تحالفت قريش على أن لا يبايعوا بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يخالطوهم ولا يؤوهم، وحصروهم في الشعب، وكان ذلك أول يوم من المحرم سنة سبع من البعثة لما بلغ قريشًا فعل النجاشي بجعفر وأصحابه وإكرامه لهم، قال إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أصحاب المغازي: لما رأت قريش أن الصحابة قد نزلوا أرضًا أصابوا بها أمانًا، وأن عمر أسلم، وأن الإِسلام فشى في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأدخلوا النبي ﷺ شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه لذلك حتى كفّارهم فعلوا ذلك، حميةً على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك أجمعوا أن يكتبوا بينهم وبين بني هاشم والمطلب كتابًا

стр. 6172

أن لا يعاملوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ ، ففعلوا ذلك، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف، فشلت أصابعه، ويقال: إن الذي كتبها هو النضر بن الحارث، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدري، قال ابن إسحاق: فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فكانوا معه كلهم إلا أبا لهب، فكان مع قريش، قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا، وجزم موسى بن عقبة بأنها كانت ثلاث سنين حتى جهدوا, ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات إلا خفية، حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على أنه أرسل إلى بعض أقاربه شيئًا من الصلات، إلى أن قام في نقض الصحيفة نفرٌ من أشدهم في ذلك صنيعًا هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وكانت أم أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل أن يتزوجها جده، فكان يصلهم وهم في الشعب، ثم مشى إلى زهير بن أبي أمية، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فكلمه في ذلك فوافقه ومشيا جميعًا إلى المطعم بن عدي، وإلى زمعة بن الأسود، فاجتمعوا على ذلك، فلما جلسوا بالحجر تكلموا في ذلك وأنكروه وتواطؤوا عليه، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، وفي آخر الأمر أخرجوا الصحيفة فمزقوها، وأبطلوا حكمها، وذكر ابن إسحاق أنهم وجدوا الأرضة قد أكلت جميع ما فيها إلا اسم الله تعالى، وأما ابن إسحاق وموسى بن عقبة فذكروا عكس ذلك أن الأرضة لم تدع اسمًا لله تعالى إلا أكلته، وبقي ما فيها من الظلم والقطيعة. وذكر الواقدي أن خروجهم من الشعب كان في سنة عشر من المبعث، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وقال في "الطبقات": سبب نقض الصحيفة أن الله أطلع نبيه ﵊ على أمر صحيفتهم، وأن الأرضة أكلت ما كان فيها من جور وظلم وبغي، وبقي ما فيها من اسم الله تعالى، فذكر ذلك النبي ﷺ لأبي طالب، فقال أبو طالب لكفار قريش: إن ابن أخي أخبرني ولم يَكْذُبْني قط، إن الله تعالى سلط على صحيفتكم الأرضة، فلحست ما كان فيها من جور وظلم، وبقي ما فيها من ذكر الله تعالى، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته لكم فقتلتموه، أو استحييتموه، قالوا: قد أَنصفتنا رؤوسهم، فقال أبو طالب: علام نحبس ونحصر وقد بأن الأمر، فتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا، وهم الأربعة المذكورة آنفًا، وعدي بن قيس، وأبو البحتري بن هاشم، ولبسوا السلاح، ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم، ففعلوا، فلما رأت قريش ذلك سقط في أيديهم وعرفوا أن لن يسلموهم، ومات أبو طالب بعد أن خرجوا بقليل، قال ابن إسحاق: ومات هو وخديجة في عام واحد، فنالت قريش من النبي

стр. 6173

- ﷺ ما لم تكن تنله في حياة أبي طالب، ولم لم يثبت عند البخاري شيء من هذه القصة، اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة؛ لأن فيه دلالة على أصل القصة، والذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث: "تقاسموا على الكفر"، وإنما اختار النبي ﷺ النزول في ذلك الموضع ليتذكر ما كانوا فيه فيشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه من الفتح العظيم، وتمكنهم من دخول مكة ظاهرًا رغم أنف من سعى في إخراجه منها، ومبالغة في الصفح عن الذين أساؤوا ومقابلتهم بالمن والإحسان, ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، وأبو سلمة في الرابع منه، وأبو هريرة في الثاني من الإيمان. أخرجه البخاري في الهجرة وفي المغازي. الحديث الخامس والسبعون حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ بِمِنًى: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ". يَعْنِي ذَلِكَ الْمُحَصَّبَ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لاَ يُنَاكِحُوهُمْ، وَلاَ يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ ﷺ . قوله: "عن أبي سلمة" في رواية مسلم: حدثني أبو سلمة، حدثنا أبو هريرة. وقوله: "يعني ذلك" والأول أصع، والظاهر أن جميع ما بعد قوله: يعني بذلك المحصب إلى آخر الحديث من قول الزهري أدرج في الخبر، فقد رواه شعيب كما في هذا الباب، وإبراهيم بن سعد كما يأتي في السيرة، ويونس كما يأتي في التوحيد، كلهم عن ابن شهاب مقتصرين على الموصول منه إلى قوله: على الكفر، ومن ثمّ لم يذكر مسلم في روايته شيئًا من ذلك. وقوله: "ذلك أن قريشاً وكنانة" فيه إشعار بإن في كنانة من ليس قرشيًا، إذ العطف يقتضي المغايرة، فيترجح القول بأن قريشًا من ولد فهر بن مالك على القول بأنهم من ولد كنانة، نعم لم يعقب النضر غير مالك، ولا مالك غير فهو، فقريش ولد النضر بن كنانة، وأما كنانة فأعقب

стр. 6174

من غير النضر، فلهذا وقعت المغايرة. وقوله: "علي بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب" كذا وقع عنده بالشك، وعند البيهقي: وبني المطلب بغير شك، فكان الوهم منه، وسيأتي على الصواب في آخر الباب. وقوله: "أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم"، وعند الإسماعيلي: أن لا يكون بينهم وبينهم شيء، وهي أعم، وهذا هو المراد بقوله في الحديث: "على الكفر", وقد مرَّ مستوفى. وقوله: "حتى يسلموا" بضم أوله وإسكان المهملة وكسر اللام. رجاله ستة ، قد مرّوا: مرَّ الحميدي في الأول من بدء الوحي، ومرَّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من مواقيت الصلاة، ومرَّ الأوزاعي في العشرين من العلم، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله. ثم قال: وقال سلامة، عن عقيل ويحيى بن الضحاك، عن الأوزاعي: أخبرني ابن شهاب، وقالا: بني هاشم وبني المطلب. قال أبو عبد الله: بني المطلب أشبه، وقد تابع يحيى ابن الضحاك على الجزم بقوله: "بني هاشم وبني المطلب محمد بن مصعب، عن الأوزاعي، أخرجه أحمد وأبو عوانة أيضًا، وتعليق سلامة وصله ابن خزيمة في صحيحه من طريقه، وتعليق يحيى وصله أبو عوانة في "صحيحه"، والخطيب في "المدرج". ورجال التعليقين خمسة قد مرّوا إلا يحيى، مرَّ سلامة بن روح في تعليق بعد الرابع من الجنائز، ومرَّ عقيل بن خالد في الثالث من بدء الوحي، ومرّ محل ابن شهاب والأوزاعي في الذي قبله، ويحيى هو ابن عبد الله الضحاك البابلتي أبو سعيد الحراني مولى بني أُمية، أصله من الري، وهو ابن امرأة الأوزاعي، قال أحمد بن حنبل: أما السماع فلا يدفع، وقال أبو حاتم: يحمل عليه، وقال ابن أبي حاتم: يأتي عن الثقات بأشياء معضلة يهم فيها فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به، وقال عبد الله الدورقي: قدم يحيى بن معين حران، فطمع البابلتي أن يجيئه، فوجه إليه بصرَّةٍ فيها ذهب وطعام طيب، فقبل الطعام وردّ الصرة، فلما رحل سألوه عنه، فقال: والله إنَّ صلته لحسنة، وإن طعامه لطيّب إلا أنه لم يسمع والله من الأوزاعي شيئًا. وقال ابن عدي: لِيَحيى البابلتي عن الأوزاعي أحاديث صالحة، وفيها انفرادات، وأثرُ الضعف على حديثه بَيِّنٌ، وقال الخليلي: شيخ مشهور أكثر من الأوزاعي، وطعنوا في سماعه

стр. 6175

منه. ليس له في البخاري سوى هذا الوضع. روى عن الأوزاعي، وابن أبي ذيب، وأبي بكر بن أبي مريم، وغيرهم. وروى عنه: ربيبه أبو شعيب عبد الله بن الحسن بن أحمد الحراني، وإبراهيم بن يعقوب الجوزقاني وغيرهم، مات سنة ثماني عشرة ومائتين، والبابلتي في نسبه بباءين موحدتين الثانية مضمومة بعدها لام مضمومة، ثم مثناة من فوق مشددة نسبة إلى بابلت، قيل: اسم جد أبيه، وكان من الملوك، وقال الحاكم أبو أحمد: بابلت قرية بين حران والرقة، وقيل: إنها بالجزيرة. ثم قال المصنف:

стр. 6176

باب قول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ لم يذكر في هذه الترجمة حديثًا وكأنه أشار إلى حديث ابن عباس في قصة إسكان إبراهيم لهاجر وابنها في مكان مكة، وسيأتي مبسوطًا في أحاديث الأنبياء إن شاء الله تعالى، ووقع في شرح ابن بطّال ضم هذا الباب إلى الذي بعده، فقال بعد قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾، وقول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ إلى آخره، ثم قال: فيه أبو هريرة، فذكر أحاديث الباب الثاني. ثم قال المصنف:

стр. 6177

باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كأنه يشير إلى أن قوله: ﴿قِيَامًا﴾، أي: قوامًا، وأنها ما دامت موجودة فالدين قائم، ولهذه النكتة أورد في الباب قصة هدم الكعبة في آخر الزمان، وقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية، فقال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة، وعن عطاء، قال: قيامًا للناس لو تركوه عامًا لم ينظروا أن يهلكوا. الحديث السادس والسبعون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ". قوله: "يخرب الكعبة" فعل ومفعول. وقوله: "ذو السويقتين" فاعل تثنية سويقة، وهي تصغير ساق، أي: له ساقان دقيقان. وقوله: "من الحبشة", أي: رجل من الحبشة؛ والحبشة جنس من السودان، وهم من ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان، وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش، ووقع في هذا الحديث عند أحمد، عن أبي هريرة بأتم من هذا, ولفظه: "يبايع للرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل هذا البيت إلا أهله؛ فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فيخربونه لا يعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه", ولأبي قرة في "السنن"، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة", ونحوه لأبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وزاد أحمد والطبراني عن مجاهد، عنه: فيسلبها حليتها ويجردها من كسولها كأني انظر إليه أصيلع أو أفيدع، يضرب عليها بمسحاته أو بمعوله، وللفاكهاني عن مجاهد نحوه، وزاد: قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة

стр. 6178

جئت انظر إليه هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو، فلم أرها، قيل: هذا الحديث يخالف قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾؛ ولأن الله حبس عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد إن صارت قبلة للمسلمين، وأجيب بأن ذلك محمول على أنه يقع في آخر الزمان قرب قيام الساعة، بحيث لا يبقى في الأرض أحد يقول: "الله الله"، كما ثبت في "صحيح مسلم": "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله"، ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: لا يعمر بعده أبدًا، قلت: وأوضح من هذا الجواب أن عدم تسليط أصحاب الفيل عليه كان لوجود النبي ﷺ بعد ذلك، وإقامة الدين في هذه المدة الطويلة، وتسليط الحبشة عليه كان لخراب الدين وانقضائه، وقد وقع قبل ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشام له في زمن يزيد بن معاوية، ثم من بعده في وقائع كثيرة من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة، فقتلوا من المسلمين في المطاف من لا يحصى كثرةً، وقلعوا الحجر الأسود، فحولوه إلى بلادهم، ثم أعادوه بعد مدة طويلة، ثم غُزِي مرارًا بعد ذلك، وكل ذلك لا يعارض قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين، فهو مطابق لقوله ﵊: "ولن يستحل هذا البيت إلا أهله" فوقع ما أخبر به ﷺ وهو من علامات نبوته وليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها، وسيأتي في الباب الذي بعد باب زيادة في هذا، قلت: ما جاء في الأحاديث السابقة من أن ذا السويقتين يستخرج كنز الكعبة لا أدري معناه؛ لأن الكعبة الآن، ومنذ مدة طويلة لا كنز لها اللهم إلا تكون يطرأ لها كنز. رجاله ستة: مرَّ منهم علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ الزهري في الثالث منه، وابن المسيب في التاسع عشر من الإيمان, وأبو هريرة في الثاني منه، والباقي زياد بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني أبو عبد الرحمن، سكن مكة، ثم تحول إلى اليمن، فسكن قرية يقال لها: عك، وكان شريك ابن جريج، قال مالك: حدثنا زياد بن سعد، وكان ثقة من أهل خراسان؛ سكن مكة وقدم علينا المدينة، وكان له هيئة وصلاح، وقال ابن عيينة: كان عالمًا بحديث الزهري، وكان أثبت أصحاب الزهري، وقال أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: ثقة ثَبْت، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وقال الخليلي: ثقة يحتج به، وقال ابن المديني: كان من أهل التثبت في العلم، وقال العجلي: مكي ثقة، روى عن: الزهري

стр. 6179

وثابت بن عياض الأحنف وأبي الزناد وغيرهم. وروى عنه: مالك وابن عيينة وابن جريج وغيرهم. والحديث أخرجه مسلم في الفتن، والنسائي في الحج والتفسير. الحديث السابع والسبعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (ح). وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ، هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ، فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ رَمَضَانَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ". المقصود من هذا الحديث هنا قوله في هذه الطريق: "وكان يومًا تستر فيه الكعبة"، فإنه يفيد أن أهل الجاهلية كانوا يعظمون الكعبة قديمًا بالستور، ويقومون بها، وعرف بهذا جواب الإسماعيلي في قوله: "ليس في الحديث شيء مما ترجم به سوى بيان اسم الكعبة المذكور في الآية". ويستفاد من الحديث أيضًا معرفة الوقت الذي كانت الكعبة تُكْسَى فيه من كل سنة وهو يوم عاشوراء، وكذا ذكر الواقدي بإسناد، عن أبي جعفر الباقر أن الأمر استمر على ذلك في زمانهم، ثم تغير ذلك بعدد، فصارت تكسى في يوم النحر، وصاروا يعمدون إليه في ذي القعدة فيعلقون كسوته إلى نحو نصفه، ثم صاروا يقطعونها، فيصير البيت كهيئة المحرم، فإذا حل الناس يوم النحر كسوه الكسوة الجديدة، وقد قال الإسماعيلي: إن البخاري جمع بين رواية عقيل وابن أبي حفصة في المتن، وليس في رواية عقيل ذكر الستر، ثم ساقه بدونه عن عقيل، وهو كما قال، وعادة البخاري التجوز في مثل هذا، وقد رواه الفاكهاني عن ابن أبي حفصة، فصرح بسماع الزهري له من عروة. وقوله: "كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال: "من شاء أن يصومه فليصمه، ومن شاء أن يتركه فليتركه"، وفي روايتها الآتية في آخر الصوم: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن

стр. 6180

شاء تركه، وأفادت هذه الرواية تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء، وقد كان أول قدومه للمدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية. وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصيام عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض، فقد نسخ فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة. وقد نقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرضية عاشوراء، لكن انقرض القائلون بذلك، ونقل ابن عبدالبر الإجماع على أنه الآن ليس بفرض، والإجماع على أنه مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك، وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه كما مرَّ، وفي المجلس الثالث من مجالس الباغندي عن عكرمة أنه سئل عن ذلك، فقال: أذنبت قريش ذنبأ في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك، وعاشوراء بالمد على المشهور، وحكي فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه إسلامي، وأنه لا يعرف في الجاهلية، ورد ذلك عليه بأن ابن العرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، وهذا الأخير لا دلالة فيه على ما قال ابن دريد، واختلف أهل الشرع في تعيينه، فقال الأكثر: هو اليوم العاشر، قال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء، فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة، غلبت عليه الإسمية، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ عَلَمًا على اليوم العاشر، وذكر أبو منصور الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا وضاروراء وساروراء ودالولاء، من الضار والسار والدالّ، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر، وهذا قول الخليل وغيره. وقال الزين بن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلته الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلته الآتية. وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من إوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية

стр. 6181

أيام، ثم أوردوها في التاسع، قالوا: أوردنا عِشرًا بكسر العين، وكذلك إلى الثلاثة، وروى مسلم عن الحكم بن الأعرج: انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء؟ قال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: نعم، وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع لكن قال الزين بن المنير: قوله: "إذا أصبحت من تاسعه فأصبح؛ يشعر بأنه أراد العاشر لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهي الليلة العاشرة، ويقوي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا عن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ ، قال: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع، فمات قبل ذلك، فإنه ظاهر في أنه ﷺ كان يصوم العاشر وهمّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك، ثم ما هم به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر إما احتياطًا له، وإما مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم، ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: "صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يومًا قبله ويومًا بعده"، وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولاسيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فتحت مكة، واشتهر أمر الإِسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضًا، كما ثبت في الصحيح فهذا من ذلك فوافقهم أولًا، وقال: "نحن أحق بموسى منكم"، ثم أحب مخالفتهم فأمر أن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافًا لهم، ويؤيده رواية الترمذي بلفظ: أمرنا رسول الله ﷺ بصيام عاشوراء يوم العاشر، وقال بعض أهل العلم: قوله ﷺ في "صحيح مسلم": "لئن عشت إلى قابل لأصومنَّ التاسع" يحتمل أمرين: أحدهما: أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع. والثاني: أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفي ﷺ قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر معه. رجاله تسعة ، قد مرّوا: مرَّ يحيى بن بكير والليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، وعروة وعائشة في الثاني، وعبد الله بن المبارك في السادس منه، ومحمد بن مقاتل في السابع من العلم، ومحمد بن أبي حفصة في تعليق بعد الثالث والعشرين من مواقيت الصلاة.

стр. 6182

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، ورواته: مصريان وايلي ومدنيان ومروزيان وبصري. الحديث الثامن والسبعون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. قوله: "ليحجن البيت" بضم أوله وفتح المهملة والجيم ونون التوكيد. رجاله سبعة ، مرت منهم خمسة: مرَّ إبراهيم بن طهمان في التاسع والعشرين من كتاب الغسل، ومرَّ حجاج بن حجاج في تعليق بعد العشرين من التقصير، ومرَّ قتادة بن دعامة في السادس من الإيمان، ومرَّ أبو سعيد الخدري في الثاني عشر منه، ومرَّ عبد الله بن أبي عتبة في الرابع والثلاثين من العيدين. والباقي اثنان: الأول: أحمد بن أبي عمرو؛ واسم أبي عمرو: حفص بن عبد الله بن راشد السلمي النيسابوري، قال النسائي: لا بأس به، صدوق، قليل الحديث، وقال مسدد بن قطن: ما رأيت أحدًا أتم منه صلاة، وأمر مسلم بالكتابة عنه، وقال النسائي أيضًا: ثقة روى عن أبيه، والحسن بن الوليد القرشي، والجارود بن يزيد العامري وغيرهم، وروى عنه البخاري وأبو داود والنسائي ومسلم في غير "الصحيح"، وأبو عوانة وغيرهم، قال المستملي: مات ليلة الأربعاء لأربع خلون من المحرم سنة ثمان وخمسين ومائتين، وخيل لي أن الميدان امتلأ من الخلق. الثاني: أبوه حفص بن عبد الله بن راشد السلمي أبو عمرو، وقيل: أبو سهل قاضي نيسابور، قال أحمد بن سلمة: كان كاتب الحديث لإبراهيم بن طهمان، وقال محمد بن عقيل: كان قاضيًا عشرين سنة بالأثر، ولا يقضى بالرأي ألبتة، وقال أبو حاتم: هو أحسن حالًا من حفص بن عبد الرحمن، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال قطن بن إبراهيم: سمعته يقول: ما أقبح بالشيخ المحدث يجلس للقوم فيحدث من كتاب، وقال محمد بن عبد الوهاب عن حفص: قال لي إبراهيم بن طهمان: كأني بك يا أبا عمرو قد استقضيت، روى عن إبراهيم بن طهمان في نسخة، وعن إسرائيل بن يونس، وعن

стр. 6183

أبيه يونس، وابن أبي ذيب وغيره. وروى عنه ابنه وقطن بن إبراهيم، ومحمد بن عقيل الخزاعي وغيرهم، مات يوم السبت لخمس بقين من شعبان سنة تسع ومائتين. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع، والعنعنة، وشيخه من أفراده، ورواته نيسابوريان وهروي نيسابوري وبصريون. ثم قال: تابعه أبان وعمران عن قتادة، فقال عبد الرحمن، عن شعبة، قال: "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت", والأول: أكثر سمع قتادة عبد الله وعبدالله أبا سعيد قوله: عن قتادة، أي: على لفظ المتن، وقد تابع هؤلاء سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أخرجه عبد بن حميد، عن روح بن عبادة، عنه، ولفظ: أن الناس ليحجوه ويعتمرون ويغرسون النخل بعد خروج يأجوج ومأجوج. وقوله: "فقال عبد الرحمن: عن شعبة"، يعني قتادة بهذا السند، وقوله: "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت"، وصله الحاكم عن أحمد بن حنبل، عنه، قال البخاري: والأول أكثر أي: لاتفاق من تقدم ذكره على هذا اللفظ، وانفراد شعبة بما يخالفهم، وإنما قال ذلك لأن ظاهرهما التعارض لأن المفهوم من الأول أن البيت يحج بعد أشراط الساعة، ومن الثاني أنه لا يحج بعدها, ولكن يمكن الجمع بين الحديثين بأنه لا يلزم من حج الناس بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج في وقتٍ ما عند قرب ظهور الساعة، ويظهر -والله أعلم- أن المراد بقوله: "ليحجن البيت"، أي: مكان البيت لما مرَّ من أن الحبشة إذا خربوه لم يعمر بعد ذلك، قلت: لا يلزم أن يكون المراد بالبيت مكانه لإمكان أن يكون التخريب متأخرًا عن زمن الحج، وبعد التخريب لا يحصل حج، وقد مرَّ في الجواب عن معارضة الحديث لآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا﴾ الخ، أن هذا التخريب حين لا يبقى على وجه الأرض من يقول: الله الله، وقول البخاري: سمع قتادة عبد الله بن أبي عتبة، وعبد الله سمع أبا سعيد الخدري، غرضه منه هو أنه لم يقع فيه تدليس، وهل أراد بهذا أن كُلاًّ منهما سمع هذا الحديث بخصوصه أو في الجملة؟ فيه احتمال، وقد جاء عن عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة مصرحًا بسماع قتادة من عبد الله بن أبي عتبة في حديث: "كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها"، وهو عند أحمد وعند أبي عوانة في "مستخرجه" من وجه آخر. أما متابعة أبان فوصلها الإِمام أحمد عن عفان وغيره.

стр. 6184

وأما متابعة عمران فوصلها أحمد أيضًا عن سليمان بن داود الطيالسي وأبو يعلى وابن خزيمة. ورجال المتابعتين ثلاثة: مرَّ أبان بن يزيد العطار في تعليق بعد السابع والثلاثين من الإيمان, ومرّ قتادة في السادس منه وعمران هو ابن داود بفتح الواو العمي أبو العوام القطان البصري، قال عمرو بن علي: كان ابن مهدي يحدث عنه، وكان يحيى لا يحدث عنه، وقد ذكره يحيى يومًا فأحسن الثناء عليه، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، وقال ابن معين: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس بشيء، لم يرو عنه يحيى بن سعيد، وقال أبو داود: هو من أصحاب الحسن، وما سمعت إلا خيرًا، وقال مرة: ضعيف أفتى في أيام إبراهيم بن عبد الله بن حسن بفتوى شديدة فيها بسفك الدماء، وذلك أن إبراهيم بن عبد الله بن حسن لما خرج يطلب الخلافة استفتاه عن شيء فأفتاه بفتيا قتل فيها رجال مع إبراهيم، وأخوه محمد خرجا على المنصور في طلب الخلافة لأن المنصور كان في زمن بني أمية بايع محمدًا بالخلافة، فلما زالت دولة بني أممة وولي المنصور الخلافة تطلب محمد فقدر فألح في طلبه، فظهر بالمدينة ويايعه قوم، وأرسل أخاه إبراهيم إلى البصرة، فملكها، وبايعه قوم، فقد أنهما قتلا، وقتل معهما جماعة كثيرة، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: هو يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الساجي: صدوق وثّقه عفان، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال الحكم: صدوق، وأورد له العقيلي، عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن، عن أبي هريرة حديث: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء", قال: لا يتابع عليه بهذا اللفظ، ولا يعرف إلا به، وقال البخاري: صدوق يهم، وقال ابن شاهين في "الثقات": كان من أخص الناس بقتادة، وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم، روى عن قتادة ومحمد بن سيرين، وأبي جمرة الضبعي وغيرهم، وروى عنه ابن مهدي وأبو داود الطيالسي ومسلم بن قتيبة وغيرهم. ثم قال المصنف: وعبد الرحمن المراد به ابن مهدي، وقد مرَّ في الأول من استقبال القبلة، ومرَّ شعبة في الثالث من الإيمان. ثم قال المصنف:

стр. 6185

باب كسوة الكعبة أي: حكمها في التصرف فيها ونحو ذلك الحديث التاسع والسبعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسِيِّ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لاَ أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلاَ بَيْضَاءَ إِلاَّ قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلاَ؟. قَالَ: هُمَا الْمَرْآنِ أَقْتَدِى بِهِمَا. قوله: "على الكرسي" في رواية عبد الرحمن بن محمد المحاربي عند ابن ماجه والطبراني بهذا السند: بعث معي رجل بدراهم هدية إلى البيت، فدخلت البيت وشيبة جالس على كرسي، فناولته إياها، فقال: لك هذه فقلت: لا, ولو كانت لي لم آتك بها. وقوله: "صفراء ولا بيضاء"، أي: ذهبًا ولا فضة، قال القرطبي: غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة، وإنما أراد الكنز الذي بها وهو ما كان يهدى إليها ويدخر ما يزيد على الحاجة، وأما الحلي فمحبسة عليها كالقناديل، فلا يجوز صرفها في غيرها، وقال ابن الجوزي: كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال تعظيمًا لها فيجتمع فيها. وقوله: "إلا قسمته"، أي: المال، وفي رواية عمر بن شبّة في "كتاب مكة": إلا قسمتها، وفي رواية عبد الرحمن بن مهدي عند المصنف في "الاعتصام": إلا قسمتها بين المسلمين، وعند الإسماعيلي: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين. وقوله: "قلت: إن صاحبيك لم يفعلا" في رواية ابن مهدي، قلت: ما أنت بفاعل؟ قال: لم قلت: لم يفعله صاحباك؟ وعند الإسماعيلي والمحاربي، قال: ولم ذلك؟ قلت: لأن رسول الله ﷺ قد رأى مكانه، وأبو بكر، وهما أحوج منك إلى المال، ولم يحركاه.

стр. 6186

وقوله: "هما المرآن" تثنية مرء بفتح الميم، ويجوز ضمها، والراء سكنة على كل حال بعدها همزة، أي: الرجلان. وقوله: "أقتدي بهما" في رواية عمر بن شبة تكرير قوله: "المرآن أقتدي بهما"، وفي رواية ابن مهدي في "الاعتصام": "يقتدى بهما" على البناء للمجهول، وعند الإسماعيلي والمحاربي: فقام كما هو وخرج ودار نحو هذه القصة بين عمر أيضا وأُبّي بن كعب، أخرجه عبد الرزاق وعمر بن شبة، عن الحسين أن عمر أراد أن يخرج كنز الكعبة فينفقه في سبيل الله، فقال له أبي بن كعب: قد سبقك صاحباك، فلو كان فضلاً لفعلاه، لفظ عمر بن شبة، ولفظ عبد الرزاق: فقال أبيّ بن كعب: والله ما ذاك لك، قال: ولم؟ قال: أقره رسول الله ﷺ ، قال ابن بطال: أراد عمر إنفاقه في منافع المسلمين لكثرته، ثم لما ذكر بأن النبي ﷺ لم يتعرض له أمسك، وإنما تركا ذلك -والله تعالى أعلم- لأن ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف، فلا يجوز تغييره عن وجهه، وفي ذلك تعظيم الإِسلام وترهيب العدو، أما التعليل الأول فليس بظاهر من الحديث لاحتمال أن يكون تركه ﵊ لذلك رعاية لقلوب قريش، كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ويؤيده ما في بعض طرق حديث عائشة عند مسلم في بناء الكعبة: لأنفقت كنز الكعبة، ولفظه: "لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض"، الحديث، وهذا التعليل هو المعتمد. وحكى الفاكهاني في "كتاب مكة" أنه ﵊ وجد فيها يوم الفتح ستين أوقية، فقيل: لو استعنت بها على حربك فلم يحركه، وعلى هذا فإنفاته جائز كما لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم لزوال سبب الامتناع، ولولا قوله في الحديث: "في سبيل الله" لأمكن أن يحمل الإنفاق على ما يتعلق بها فيرجع إلى أن حكمه حكم التحبيس، ويمكن أن يحمل قوله: "في سبيل الله" على ذلك؛ لأن عمارة الكعبة يصدق عليه أنه في سبيل الله، واستدل التقي السبكي بحديث الباب على جواز تعليق قناديل الذهب والفضة في الكعبة، ومسجد المدينة، فقال: هذا الحديث عمدة في مال الكعبة، وهو ما يهدى إليها، أو ينذر لها، قال: وأما قول الرافعي: لا يجوز تحلية الكعبة بالذهب والفضة، ولا تعليق قناديلها فيها، حكى الوجهين في ذلك: أحدهما الجواز تعظيمًا كما في المصحف، والآخر: المنع إذ لم ينقل من فعل السلف، فهذا مشكل لأن للكعبة من التعظيم ما ليس لبقية المساجد بدليل سترها بالحرير والديباج، وفي جواز ستر المساجد بذلك خلاف من تمسك للجواز بما وقع

стр. 6187

في أيام الوليد بن عبد الملك من تذهيبه سقوف المسجد النبوي، قال: ولم ينكر ذلك عمر بن عبد العزيز ولا أزاله في خلافته، ثم استدل للجواز بأن استعمال الذهب والفضة إنما هو فيما يتعلق بالأواني المعدة للأكل والشرب ونحوهما، قال: وليس في تحلية المساجد بالقناديل الذهب شيء من ذلك، وقد قال الغزالي: من كتب القرآن بالذهب فقد أحسن؛ فإنه لم يثبت في الذهب إلا تحريمه على الأمة فيما ينسب للذهب، وهذا بخلافه، فيبقى على أصل الحل ما لم ينته إلى الإسراف، وتعقب بأن تجويز ستر الكعبة بالديباج قام عليه الإجماع. وأما التحلية بالذهب والفضة فلم ينقل عن فعل من يقتدى به، والوليد لا حجة في فعله، وترك عمر بن عبد العزيز النكير أو الإزالة يحتمل عدة معاني، فلعله كان لا يقدر على الإنكار خوفًا من سطوة الوليد، ولعله لم يزلها؛ لأنها لا يتحصل منها شيء، ولاسيما إن كان الوليد جعل في الكعبة صفائح، فلعله رأى أن تركها أولى لأنها لا يتحصل منها شيء، ولاسيما إن كان الوليد جعل في الكعبة صفائح، فلعله رأى أن تركها أولى لأنها صارت في حكم المال الموقوف فكأنه أحفظ لها من غيره، وربما أدى قلعه إلى إزعاج بناء الكعبة فتركه، ومع هذه الاحتمالات لا يصلح الاستدلال بذلك للجواز، قاله في "الفتح". قلت: الوليد لم يذكر عنه تحلية الكعبة وإنما ذكر عنه تحلية سقوف المسجد النبوي فتأمل. وقوله: "إن الحرام من الذهب" إنما هو استعماله في الأكل والشرب، الخ، هو متعقب بأن استعمال كل شيء بحسبه، واستعمال قناديل الذهب للزينة، وأما استعمالها للايقاد فممكن على بعد، وتمسكه بما قاله الغزالي يشكل عليه بأن الغزالي قيده بما لم ينته إلى الإسراف، والقنديل الواحد من الذهب يكفي تحلية عدة مصاحف، وقد أنكر السبكي على الرافعي تمسكه في المنع يكون ذلك لم ينقل عن السلف، وجوابه أن الرافعي تمسك بذلك مضمومًا إلى شيء آخر، وهو أنه قد صح النهي عن استعمال الحرير والذهب، فلما استعمل السلف الحرير في الكعبة دون الذهب مع عنايتهم بها وتعظيمها، دل على أنه بقي عندهم على عموم النهي، وقد نقل الشيخ الموفق الإجماع على تحريم استعمال أواني الذهب والقناديل من الأواني بلا شك، واستعمال كل شيء بحسبه، وقد قال الإسماعيلي: ليس في حديث الباب لكسوة الكعبة ذكر يعني، فلا يطابق الترجمة، وقال ابن بطال: معنى الترجمة صحيح ووجهها أنه معلوم أن الملوك في كل زمان كانوا يتفاخرون بكسوة الكعبة برفيع الثياب المنسوجة بالذهب وغيره، كما يتفاخرون بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاري أن عمر لما رأى

стр. 6188

قسمة الذهب والفضة صوابًا، كان حكم الكسوة حكم المال تجوز قسمتها، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة، وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون مقصوده التنبيه على أن كسوة الكعبة مشروع، والحجة فيه أنها لم تزل تقصد بالمال يوضع فيها على وجه الزينة إعظامًا لها، فالكسوة من هذا القبيل، قال: ويحتمل أن يكون أراد ما في بعض طرق الحديث كعادته، ويكون هناك طريق موافقة للترجمة إما لخلل شرطها، وإما لتبحر الناظر في ذلك، وإذا تقرر ذلك فيحتمل أن يكون أخذه من قول عمر: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة، فالمال يطلق على كل شيء، فتدخل فيه الكسوة. وقد ثبت في الحديث: "ليس لك من مالك إلا ما لبست فأبليت"، قال: ويحتمل أيضًا، فذكر نحو ما قال ابن بطال، وزاد: فأراد التنبيه على أنه موضع اجتهاد وأن رأي عمر جواز التصرف في المصالح، وأما الترك الذي احتج به عليه شيبة فليس صريحًا في المنع، والذي يظهر جواز قسمة الكسوة العتيقة إذ في بقائها تعريض لإتلافها, ولا جمال في كسوة عتيقة مطوية، قال: ويؤخذ من رأي عمر أن صرف المال في المصالح آكد من صرفه في كسوة الكعبة، لكن الكسوة في هذه الأزمنة أهم، قال: واستدلال ابن بطال بالترك على إيجاب بقاء الأحباس لا يتم إلا إن كان القصد بمال الكعبة إقامتها، وحفظ أصولها إذا احتيج إلى ذلك، ويحتمل أن يكون القصد منه منفعة أهل الكعبة وسدنتها أو إرصاده لمصالح الحرم أو لأعم من ذلك، وعلى كل تقدير فهو تحبيس لا نظير له، فلا يقاس عليه، ولشى في شيء من طريق حديث شيبة هذا ما يتعلق بالكسوة إلا أنَّ الفاكهاني روى في "كتاب مكة" عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: دخل علي شيبة الحجبي، فقال: يا أم المؤمنين، إن ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثر، فننزعها ونحفر بيرًا فنعمقها وندفنها لكي لا تلبسها الحائض والجنب، قالت: بئسما صنعت، ولكن بعها فاجعل ثمنها في سبيل الله وفي المساكين، فإنها إذا نزعت عنها لم يضر من لبسها من حائض أو جنب، فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع له، فيضعها حيث أمرته. وأخرجه البيهقي، لكن في إسناده ضعيف، وإسناد الفاكهاني سالم منه. وأخرج الفاكهاني أيضًا عن ابن خيثم، قال: حدثني رجل من بني شيبة، قال: رأيت شيبة بن عثمان يقسِّمُ ما سقط من كسوة الكعبة على المساكين، وأخرج عن ابن أبي نجيح، عن أبيه أن عمر كان ينزع كسوة الكعبة كل سنة فيقسمها على الحاج، فلعل البخاري أشار إلى شيء من ذلك، وقد اختلف في الكسوة هل يجوز التصرف فيها بالبيع ونحوه، فقال

стр. 6189

الفضل بن عبدان من الشافعية: لا يجوز قطع شيء من أستار الكعبة، ولا نقله ولا بيعه ولا شراؤه، ولا وضعه بين أوراق المصحف، ومن حمل من ذلك شيئًا لزمه رده، وأقره الرافعي عليه، وقال ابن فرحون من المالكية: وهذا على وجه الاستحسان، والنصوص تخالفه، وقال الباجي: وقد استخف مالك شراء كسوة الكعبة، وقال ابن الصلاح: أمْرُ ذلك إلى الإِمام يصرفه في بعض مصارف بيت المال بيعًا وعطاءً, واحتج بما مرَّ قريبًا عن عمر بن الخطاب، قال النووي: وهو حسن متعين: لئلا تتلف بالبلى، وبه قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة، وجوزوا لمن أخذها لبسها, ولو حائضًا أو جنبًا، ونبه في "المهمات" على أن ما قاله النووي هنا مخالف لما وافق عليه الرافعي في آخر الوقف من تصحيح أنها تباع إذا لم يبق فيها جمال، ويصرف ثمنها في مصالح المسجد. ثم قال: واعلم أن للمسألة أحوالًا: أحدها: أن توقف على الكعبة، وحكمها ما مرَّ، وخطأه غيره بأن الذي مرَّ محله فيما إذا كساها الإِمام من بيت المال، أما إذا وقفت فلا يتعقل عالم جواز صرفها في مصالح غير الكعبة. ثانيها: أن يملكها مالكها للكعبة فلقيّمها أن يفعل فيها ما يراه من تعليقها عليها أو بيعها وصرف ثمنها في مصالحها. ثالثها: أن يوقف شيء على أن يؤخذ ربعه، وتكسى به الكعبة كما في هذا العصر، فإن الإِمام قد وقف على ذلك بلادًا، قال: وقد تلخص لي في هذه المسألة أنه إن شرط الواقف عليها شيئًا من بيع أو عطاء لأحد أو غير ذلك فلا كلام، وإن لم يشترط شيئًا نظر إن لم يقف الناظر تلك فله بيعها وصرف ثمنها في كسوة أخرى، وإن وقفها فيأتي فيه ما مرَّ من الخلاف في البيع، نعم بقي قسم آخر وهو الواقع في هذا الوقت وهو أن الواقف لم يشترط شيئًا من ذلك، وشرط تجديدها كل سنة مع علمه بأن بني شيبة كانوا يأخذونها كل سنة لما كانت تكتسى من بيت المال, فهل يجوز لهم أخذها الآن، أو تباع ويصرف ثمنها في كسوة أخرى؟ فيه نظر، والمتجه الأول، ويدل له حديث: "كلوا منه بالمعروف"، واختلف في بدء كسوة الكعبة، فروى الفاكهاني عن وهب بن منبه أنه قال: زعموا أن النبي ﷺ نهى عن سب حسان بن أسعد وهو تبع، وكان أول من كسى البيت الوصائل، ورواه الواقدي، عن همام، عن أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه الحارث بن أبي أُسامة في "مسنده" عنه، ومن وجه آخر عن عمر موقوفًا، وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: بلغنا أن تبعًا أول من كسى الكعبة

стр. 6190

الوصائل، فسترت بها، قال: وزعم بعض علمائنا أن أول من كسى الكعبة إسماعيل ﵇، وحكى الزبير بن بكار عن بعض علمائهم أن عدنان أول من وضع أنصاب الحرم، وأول من كسى الكعبة، أو كسيت في زمنه، وحكى البلاذري أن أول من كساها الأنطاع عدنان بن أد، وروى الواقدي عن إبراهيم بن أبي ربيعة، قال: كسي البيت في الجاهلية الأنطاع، ثم كساه النبي ﷺ الثياب اليمانية، ثم كساه عمر وعثمان القباطي، ثم كساه الحجاج الديباج، وروى الفاكهاني بإسناد حسن عن سعيد بن المسيب، قال: لما كان عام الفتح أتت امرأة تجمر الكعبة، فاحترقت ثيابها وكانت كسوة المشركين فكساها المسلمون بعد ذلك، وقال أبو بكر بن أبي شيبة، عن ليث بن أبي سليم: كانت كسوة الكعبة على عهد النبي ﷺ المسوح. والأنطاع ليث ضعيف، والحديث معضل، وقال أبو بكر أيضًا، عن محمد بن إسحاق، عن عجوز من أهل مكة، قالت: أصيب عثمان بن عفان وأنا بنت أربع عشرة سنة، قالت: ولقد رأيت البيت وما عليه كسوة إلا ما يكسوه الناس الكساء الأحمر يطرح عليه، والثوب الأبيض، قال ابن إسحاق: بلغني أن البيت لم يكس في عهد أبي بكر ولا عمر، أي: لم نجدد له كسوة. وروى الفاكهاني بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكسو بدنه القباطي والجران يوم يقلدها، فإذا كان يوم النحر نزعها ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان فناطها على الكعبة، زاد في رواية صحيحة: فلما كست الأمراء الكعبة جللها القباطي، ثم تصدق به، وهذا يدل على أن الأمر كان مطلقًا للناس، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه قالت: سألت عائشة: أنكسو الكعبة؟ قالت: الأمراء يكفونكم، وروى عبد الرزاق، عن هشام بن عروة أن أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير، وفيه إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف، وتابعه محمد بن الحسن بن زبالة؛ وهو ضعيف أيضًا، أخرجه الزبير، عنه، عن هشام، وروى الواقدي عن أبي جعفر الباقر، قال: كساها يزيد بن معاوية الديباج، وفيه إسحاق بن أبي فروة ضعيف، وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج: أخبرت أن عمر كان يكسوها القباطي، وأخبرني غير واحد أن النبي ﷺ كساها القباطي، والحبرات، وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان، وأن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا: أصاب ما نعلم لها من كسوة أوفق منه. وروى أبو عروبة في "الأوائل" عن الحسن، قال: أول من لبّس الكعبة القباطي النبي ﷺ , وروى الفاكهاني في "كتاب مكة" عن جسرة، نقال: أصاب خالد بن جعفر بن كلاب

стр. 6191

لطيمة في الجاهلية فيها نمط من ديباج فأرسل به إلى الكعبة، فنيط عليها، فعلى هذا هو أول من كسى الكعبة الديباج. وروى الدارقطني في "المؤتلف" أن أول من كسى الكعبة الديباج: نتيلة بنت حبان، والدة العباس بن عبد المطلب، كانت أضلت العباس صغيرًا، فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج، وذكر الزبير بن بكار أنها أضلت ابنها ضرار بن عبد المطلب شقيق العباس، فنذرت إن وجدته أن تكسوَ البيت، فرده عليها رجل من جذام، فكست الكعبة ثيابًا بيضًا، وهذا محمول على تعدد القصة. وحكى الأزرقي أن معاوية كساها الديباج والقباطي والحبرات، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، والقباطي في آخر رمضان، فحصل في أن أول من كساها مطلقًا ثلاثة أقوال: إسماعيل وعدنان وتبع؛ وهو أسعد, ولا تعارض بين ما روي عنه أنه كساها الأنطاع والوصائل؛ لأن الأزرقي حكى في "كتاب مكة" أن تبعًا أري في المنام أن يكسو الكعبة فكساها الأنطاع، ثم أري أن يكسوها فكساها الوصائل؛ وهي ثياب حبرة من عصب اليمن، ثم كساها الناس بعده في الجاهلية، ويجمع بين الأقوال الثلاثة -إن كانت ثابتة- بأن إسماعيل أول من كساها مطلقًا، وأما تبع فأول من كساها ما ذكر، وأما عدنان فلعله أول من كساها بعد إسماعيل، وسيأتي في غزوة الفتح ما يشعر بأنها كانت تكسى في رمضان. وحصل في أول من كساها الديباج ستة أقوال: خالد أو نتيلة أو معاوية أو يزيد أو ابن الزبير أو الحجاج، ويجمع بينها بأن كسوة خالد ونتيلة لم تشملها كلها، وإنما كان فيما كساها شيء من الديباج، وأما معاوية فلعله كساها في آخر خلافته، فصادف ذلك خلافة ابنه يزيد، وأما ابن الزبير فكأنه كساها ذلك بعد تجديد عمارته، فأوليته بذلك الاعتبار، لكن لم يداوم على كسوتها الديباج، فلما كساها الحجاج بأمر عبد الملك استمر ذلك، فكأنه أول من داوم على كسوتها الديباج كل سنة، وقول ابن جريج: أول من كساها ذلك عبدالملك يوافق القول الأخير، فإن الحجاج إنما كساها بأمر عبد الملك وقول ابن إسحاق: إن أبا بكر وعمر لم يكسوا الكعبة فيه نظر لما مرَّ عن ابن أبي نجيح، عن أبيه أن عمر كان ينزعها كل سنة، لكن يعارضه ما حكاه الفاكهاني عن بعض المكيين أن شيبة بن عثمان استأذن معاوية في تجريد الكعبة، فأذن له، فكان أول من جردها من الخلفاء، وكانت كسوتها قبل ذلك تطرح عليها شيئًا فوق شيء، وقد تقدم سؤال شيبة لعائشة أنها تجتمع عندهم، فتكثر، إلخ. وذكر الأزرقي أن أول من ظاهر الكعبة بين كسوتين عثمان بن عفان، وذكر الفاكهاني أن

стр. 6192

أول من كساها الديباج الأبيض المأمون بن الرشيد، واستمر بعده، وكسيت في أيام الفاطميين الديباج الأبيض، وكساها محمد بن سبكتكين ديباجًا أصفر، وكساها الناصر العباسي ديباجًا أخضر، ثم كساها ديباجًا أسود، فاستمر إلى الآن، وقد ذكر بعضهم حكمة حسنة في سواد كسوة الكعبة، فقال: كأني يشير إلى فقد أناس كانوا حوله، فلبس السواد حزنًا عليهم، وهذه الحكمة في غاية المناسبة لآخر الزمان، ولم تزل الملوك تتداول كسوتها إلى أن وقف عليها الصالح بن إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة قرية من نواحي القاهرة يقال لها: ببسوس، كان اشترى الثلثين منها من وكليل بيت المال، ثم وقفها كلها على هذه الجهة، فاستمر ولم تزل تكسى من هذا الوقف إلى سلطنة الملك المؤيد شيخ سلطان العصر، فكساها من عنده سنة لضعف وقفها، ثم فوض أمرها إلى بعض أمنائه، وهو القاضي زين الدين عبد الباسط بسط الله له في رزقه وعمره، فبالغ في تحسينها بحيث يعجز الواصف عن صفة حسنها، جزاه الله على ذلك أفضل الجزاء، وحاول ملك الشرق شاه روخ في سلطنة الأشرف برسباي أن يأذن له في كسوة الكعبة، فامتنع، فعاد راسله أن يأذن له أن يكسوها من داخلها فقط، فأبى، فعاد راسله أن يرسل الكسوة إليه ويرسلها إلى الكعبة، ويكسوها ولو يومًا واحدًا، واعتذر بأنه نذر أن يكسوها ويريد الوفاء بنذره، فاستفتى أهل العصر، فتوقفت عن الجواب، وأشرف إلى أنه إن خشي منه الفتنة فيجاب دفعًا للضرر وتسرع جماعة إلى عدم الجواز، ولم يستندوا إلى طائل، بل إلى موافقة هوى السلطان، ومات الأشرف على ذلك. رجاله ثمانية ، قد مرّوا إلا شيبة: مرَّ عبد الله بن عبد الوهاب في السادس والأربعين من العلم، ومرَّ خالد بن الحارث في تعليق بعد الثاني من استقبال القبلة، ومرَّ قبيصة وسفيان الثوري في السابع والعشرين من الإِيمان، ومرَّ واصل الأحدب في الثالث والعشرين منه، ومرَّ أبو وائل في الحادي والأربعين من الإيمان, ومرَّ واصل الأحدب في الثالث والعشرين منه، ومرَّ أبو وائل في الحادي والأربعين منه، ومرَّ عمر بن الخطاب في الأول من بدء الوحي، الثامن شيبة بن عثمان وهو الأوقص بن أبي طلحة بن عبد الله بن عبد العزى بن عبد الداربن قصي القرشي العبدري أبو عثمان أو أبو صفية أمه أم جميل هند بنت عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار أخت مصعب بن عمير، أسلم يوم الفتح، وقتل أبوه يوم أحد كافرًا، قتله علي بن أبي طالب، ولبنته صفية بنت شيبة صحبة، وكان شيبة ممن ثبت يوم حنين بعد أن كان أراد أن يغتال النبي ﷺ ,

стр. 6193

فقد أخرج ابن سعد والواقدي وغيرهما أن عثمان هذا خرج مع النبي ﷺ يوم حنين مشركًا يريد أن يغتال رسول الله ﷺ ، فرأى من رسول الله ﷺ غرة، قال: فجئته من خلفه فدنوت، ثم دنوت، حتى إذا لم يبق إلا أن أتره بالسيف، وقع لي شهاب من نار كالبرق، فرجعت القهقرى، فالتفت إلى، فقال: "تعال يا شيبة"، فوضع يده على صدري، فرفعت إليه بصري، وهو أحب إلى من سمعي وبصري، وفي رواية: إنه لما أقبل يريد ذلك رآه النبي ﷺ ، فقال له: "يا شيبة! هلمّ لا أم لك"، فقذف الله في قلبه الرعب ودنا من رسول الله ﷺ ، ووضع يده على صدره، ثم قال: "أخسىء عنك الشيطان"، فأخذه ونزع وقذف الله في قلبه الإيمان, فأسلم، وقاتل بين يدي النبي ﷺ ، وكان ممن صبر معه حينئذٍ، وكان من خيار المسلمين. وروى ابن سعد أن النبي ﷺ دعا شيبة بن عثمان فأعطاه مفتاح الكعبة، وقال: "دونك هذا فأنت أمين الله على بيته"، وروى مصعب الزبيري أنه دفعه إليه وإلى ابن عمه عثمان بن طلحة بن أي طلحة، وقال: "خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة إلى يوم القيامة، يا بني أبي طلحة لا يأخذها منكم إلا ظالم"، وذكر الواقدي أن النبي ﷺ أعطاها يوم الفتح لعثمان، وأن عثمان ولي الحجابة إلى أن مات، فوليها شيبة، فاستمرت في ولده، قال ابن عبد البر: شيبة هذا هو جد بني شيبة، حجبة البيت إلى اليوم دون سائر الناس أجمعين، وقال يعقوب بن سفيان: أقام شيبة للناس الحج سنة تسع وثلاثين، وكان السبب في ذلك أن عليًا بعث قثم بن العباس ليقيم للناس الحج، ويعث معاوية يزيد بن شجرة، فتنازعا، فسعى بينهما أبو سعيد الخدري وغيره، فاصطلحا على أن يقيم الحج شيبة بن عثمان، ويصلي بالناس، وله في البخاري هذا الحديث عن عمر. روى عن: النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وروى عنه: أبو وائل، وعكرمة، وابنه مصعب، وغيرهم، مات في آخر خلافة معاوية سنة تسع وخمسين، وقيل: توفي في أيام يزيد، وأوصى إلى عبد الله بن الزبير، وذكره بعضهم في المؤلفة قلوبهم وهو من فضلائهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته: بصريان وكوفيون، أخرجه البخاري في الاعتصام أيضًا، وأبو داود وابن ماجه في الحج. ثم قال المصنف:

стр. 6194

باب هدم الكعبة أي: في آخر الزمان ثم قال: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ". في رواية غير أبي ذر، قالت، بحذف الواو، وهذا طرف من حديث وصله المصنف في البيوع عن نافع بن جبير، عنها بلفظ: "يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم"، قالت: قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: "يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم"، ومناسبته لهذه الترجمة من جهة أن فيه إشارة إلى أن غزو الكعبة سيقع فمرة يهلكهم الله قبل الوصول إليها، وأخرى يمكنهم، والظاهر أن غزو الذين يخربونه متأخر عن الأولين، وها أنا أتكلم على الحديث بتمامه فأقول: قوله في الحديث: "حدثتني عائشة"، هكذا قال إسماعيل بن زكريا، عن محمد بن سوقة، وخالفه سفيان بن عيينة، عن محمد بن سوقة، فقال: "عن أم سلمة، أخرجه الترمذي، ويحتمل أن يكون نافع بن جبير سمعه من كل منهما؛ فإن روايته عن عائشة أتم من روايته عن أم سلمة، وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن عائشة، وروى من حديث حفصة شيئًا منه، وروى الترمذي عن صفية نحوه. وقوله: "يغزو جيش الكعبة"، في رواية مسلم: عبث النبي ﷺ في منامه، فقلنا له: صنعت شيئاً لم تكن تفعله! قال: "العجب أن ناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش"، وزاد في رواية أخرى: أن أم سلمة، قالت ذلك زمن ابن الزبير، وفي رواية أخرى: أن عبد الله بن صفوان أحد رواة الحديث عن أم سلمة، قال: والله ما هو هذا الجيش. وقوله: "ببيداء من الأرض"، في رواية مسلم: "بالبيداء"، وفي حديث صفية على الشك، وفي رواية لمسلم عن أبي جعفر الباقر، قال: "هى بيداء المدينة"، والبيداء: مكان

стр. 6195

معروف تقدم بيانه في باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة. وقوله: "بأولهم وآخرهم"، زاد الترمذي في حديث صفية: "ولم ينج أوسطهم"، وزاد مسلم في حديث حفصة: "فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم", واستغنى بهذا عن تكلم الجواب عن حكم الأوسط, وأن العرف يقضي بدخوله فيمن هلك، أو لكونه آخرًا بالنسبة للأول، وأولًا بالنسبة للآخر، فيدخل. وقوله: "وفيهم أسواقهم" كذا عند البخاري بالمهملة، والقاف جمع سوق، وعليه ترجم في البيوع، والمعنى: أهل أسواقهم، أو السوقة منهم. وقوله: "ومن ليس منهم", أي: من رافقهم ولم يقصد موافقتهم، ولأبي نعيم عن إسماعيل بن زكرياء: "وفيهم أشرافهم" بالمعجمة، والراء والفاء، وعند الإسماعيلي: "وفيهم سواهم"، وقال: وقع في رواية البخاري: "أسواقهم"، وأظنه تصحيفًا فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق، والظاهر أن لفظ: سواهم هو التصحف، فإنه بمعنى قوله: "ومن ليس منهم" فيلزم منه التكرار بخلاف رواية البخاري. نعم، أقرب الروايات إلى الصواب رواية أبي نعيم، وليس في لفظ: "أسواقهم" ما يمنع أن يكون الخسف بالناس فالمراد بالأسواق أهلها، فيخسف بالمقاتلة منهم، ومن ليس من أهل القتال كالباعة. وفي رواية مسلم: فقلنا: إن الطريق يجمع الناس. قال: نعم فيهم المستبصر، أي: المستبين لذلك للمقاتلة -والمجبور- بالجيم والموحدة، أي: المكره، -وابن السبيل-، أي: سألك الطريق معهم، وليس منهم، والغرض كله أنها استشكلت وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة، فوقع الجواب بأن العذاب يقع عامًا لحضور آجالهم، ويبعثون بعد ذلك على نياتهم، وفي رواية مسلم: "يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتًى", وفي حديث أم سلمة عند مسلم: فقلت: يا رسول الله! فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: "يخسف به ولكن يبعث يوم القيامة على نيته", أي: يخسف بالجميع لشؤم الأشرار، ثم يعامل كل أحد عند الحساب بحسب قصده، قال المهلب في هذا الحديث: أن من كثّر سواد قوم في المعصية مختارًا أن العقوبة تلزمه معهم، قال: واستنبط منه مالك عقوبة من يجالس شربة الخمر، وان لم يشرب، وتعقبه ابن المنير بأن العقوبة في الحديث الهجمة السماوية، فلا يقاس عليها العقوبات الشرعية، وبؤيده آخر الحديث حيث قال: "ويبعثون على نياتهم", قلت: الاستنباط ظاهر، والتعقب باطل؛ لأن

стр. 6196

الحاضرين مع أهل الفساد لولا أنهم مؤاخذون بمعصتهم ما خسف بهم، وكذلك المجالس لشربة الخمر، فإنه عاص فيعاقب على ذلك، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، وفي هذا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل، والتحذير من مصاحبة أهل الظلم، ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر إلى ذلك، ويتردد النظر في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة هل هي إعانة لهم على ظلمهم، أو هي من ضرورة البشرية، ثم يعتبر عمل كل أحد بنيته، وعلى الثاني يدل ظاهر الحديث، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة، فينتقم منهم فيخسف بهم، وتعقب بأن في بعض طرقه عند مسلم: "أن ناسًا من أمتي" والذين يهدمونها من كفار الحبشة، وأيضًا فمقتضى كلامهم أنه يخسف بهم بعد أن يهدموها، ويرجعوا، وظاهر الخبر أنه يخسف بهم قبل أن يصلوا إليها، قلت: قد مرَّ في أول الكلام على الحديث أن غزو الذين يخربونه متأخر عن الأولين، وعائشة مرت في الثاني من بدء الوحي. الحديث الثمانون حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا". قوله: "كأني به" كذا في جميع الروايات عن ابن عباس في هذا الحديث، والظاهر أن فيه شيئًا حذف، ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث علي رضي الله تعالى عنه عند أبي عبيد في غريب الحديث، قال: "استكثروا من الطواف بالبيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع -أو قال: أصمع- حمش الساقين، قاعد عليها وهي تهدم"، ورواه الفاكهاني من هذا الوجه، ولفظه: أصعل بدل أصلع، وقال: "قائمًا عليها يهدمها بمسحاته"، وروى يحيى الحماني في مسنده من وجه آخر عن علي مرفوعًا، قلت: هذا له حكم الرفع، على كل حال سواء صرح الراوي برفعه أو لم يصرح لأنه لا يعلم إلا من جهته ﷺ . وقوله: "كأني به"، قال العيني: لفظ به يحتمل الضمير فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن يعود على البيت والقرينة الحالية تدل عليه، أي: كأني متلبس به. الثاني: أن يعود إلى القالع بالقرينة الحالية أيضًا.

стр. 6197

الثالث: أنه ضمير مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ فإن ضمير هنّ هو المبهم الذي فسره سبع سموات، وهو تمييز والظاهر ما مرَّ أن في الحديث حذفًا، وهو الذي ارتضاه في الفتح، وكل الاحتمالات المذكورة لا يتضح معها المعنى. وقوله في حديث علي: "أصلع أو أصعل أو أصمع: الأصلع من ذهب شعر مقدم رأسه، والأصعل: الصغير الرأس، والأصمع: الصغير الأذنين، وقول: "حمش الساقين" بفتح المهملة وسكون الميم ثم معجمة: أي دقيق الساقين، وهو موافق لما في رواية أبي هريرة "ذو السويقتين". وقوله: "أسود أفحج" بوزن أفعل بفاء ثم حاء مهملة، ثم جيم، والفحج تباعد ما بين الساقين، قال الطيبي: وفي إعرابه أوجه، قيل: أسود منصوب على الذم، والمنصوب على الذم قد يكون نكرة، كما في قول النابغة: مقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع فوجوه منصوب على الذم، وأفحج منصوب صفة لسابقه، ويجوز أن يكون أسود أفحج حالين متداخلين أو مترادفين من ضمير به، وقيل: هما بدلان من الضمير المجرور وفتحا لأنهما غير منصرفين، وإبدال المظهر من المضمر جائز: كزره خالدًا وقبله اليد، وفي بعض الأصول: أسود أفحج برفعهما على أن أسود مبتدأ خبره يقلعها، والجملة حال بدون الواو، والضمير في به للبيت، أي: كأني متلبس به أو أسود خبر مبتدأ محذوف، والضمير في به للقالع، أي: كأني بالقالع هو أسود. وقوله: "أفحج" خبر بعد خبر. وقوله: "يقلعها حجرًا حجرًا"، أي: يقلع الأسودُ الأفحجُ الكعبةَ حجرًا حجرًا حال نحو بوبته بابًا بابًا، أي: مبوبًا، أو هو بدل من الضمير المنصوب في يقلعها، وقد روى ابن الجوزجي حديثاً طويلًا مرفوعًا فيه: "وخراب مكة من الحبشة، على يد حبشي أفحج الساقين، أزرق اليين، أفطس الأنف كبير البطن، معه أصحاب ينقضونها حجرًا حجرًا، ويتناولونها حتى يرموا بها -يعني الكعبة- إلى البحر، وخراب المدينة من الجوع، واليمن من الجراد", وذكر الحليمي أن خراب الكعبة يكون في زمن عيسى ﵇، وقال القرطبي: بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى، وهذا هو الصحيح.

стр. 6198

رجاله خمسة: قد مرَّ منهم يحيى بن سعيد القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن أبي مليكة في تعليق بعد الأربعين منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ عمرو بن علي بن بحر بن كثير الفلاس في السابع والأربعين من الوضوء والباقي عبيد الله بن الأخنس أبو مالك النخعي، الكوفي، الخزاز، بمعجمات، ويقال: مولى الأزد، قال أحمد وأبو داود وابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطىء كثيرًا، روى عن ابن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، وأبي الزبير، وغيرهم، وروى عنه: يحيى القطان، وسعيد بن أبي عروبة، وروح بن عبادة، وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواته بصريان وكوفي ومكي. الحديث الحادي والثمانون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ". قوله: "عن ابن شهاب" الخ، كذا رواه الليث، وتابعه عبد الله بن وهب عند أبي نعيم، وخالفهما ابن المبارك فرواه عن الزهري، عن سحيم مولى بني زهرة، عن أبي هريرة رواه الفاكهاني، عن نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، فإن كان محفوظًا فيكون للزهري فيه شيخان عن أبي هريرة، وهذا الحديث قد مرّت مباحثه مستوفاة عند ذكره في باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ الخ. رجاله ستة ، قد مرّوا: مرَّ يحيى بن بكير، والليث وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ويونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإيمان, ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه. ثم قال المصنف:

стр. 6199

باب ما ذكر في الحجر الأسود ويسمى الركن الأسود، وهو في ركن الكعبة الذي يلي الباب من جانب المشرق، وارتفاعه من الأرض ذراعان وثلثا ذراع على ما قاله الأزرقي، وبينه وبين المقام ثمانية وعشرون ذراعًا، أورد في الباب حديث عمر في تقبيل الحجر، وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وردت فيه أحاديث منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "أن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما" ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" أخرجه أحمد والترمذي، وصححه ابن حبان، وفي إسناده رجى أبو يحيى، وهو ضعيف، قال الترمذي: حديث غريب، ويروى عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، وقال أبو حاتم: وقفه أشبه، والذي رفعه ليس بقوي، ومنها حديث ابن عباس مرفوعًا، وصححه الترمذي: "نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" وفيه عطاء بن السائب، وهو صدوق، لكنه اختلط، وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى في "صحيح ابن خزيمة"، فيقوى بها، وقد رواه النسائي عن حماد بن سلمة، عن عطاء مختصرًا، ولفظه: الحجر الأسود من الجنة، حماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، وفي "صحيح ابن خزيمة" أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق. وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم، وله شاهد عن أنس عند الحاكم أيضًا، وقد اعترض بعض الملحدين على الحديث الماضي، فقال: كيف سودته خطايا المشركين، ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد، وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان ذلك، وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ على العكس من البياض، وقال المحب الطبري: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد، فتأثيرها في القلب أشد، وقد روى الحميدي في فضائل مكة بإسناد ضعيف عن ابن عباس: إنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، فإن ثبت فهذا هو الجواب، وإنما أذهب الله نور الحجر والمقام ليكون إيمان الناس بكونهما حقًا إيمانًا بالغيب، ولو لم يطمس لكان الإيمان بهما إيمانًا

стр. 6200

بالمشاهدة، والإيمان الموجب للثواب هو الإيمان بالغيب، وينبغي أن يتأمل كيف أبقى الله الحجر على صفة السواد أبدًا مع ما مسه من أيدي الأنبياء والمرسلين المقتضي لتبييضه ليكون ذلك عبرة لذوي الأبصار، وواعظًا لكل من وافاه من ذوي الأفكار، ليكون ذلك باعثًا على مباينة الزلات، ومجانبة الذنوب الموبقات. الحديث الثاني والثمانون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. قوله: "عن إبرهيم" هو ابن يزيد النخعي، وقد رواه سفيان الثوري بإسناد آخر عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، عن عمر، أخرجه مسلم. وقوله: "إني أعلم أنك حجر" في رواية أسلم الآتية بعد باب عن عمر أنَّه قال: أما والله إني لأعلم أنك. وقوله: "لا تضر ولا تنفع"، أي: إلا بإذن الله، وروى الحاكم عن أبي سعيد الخدري أن عمر لما قال هذا، قال له علي بن أبي طالب: إنه يضر وينفع، وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، وقال: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق، وعينان وشفتان يشهد لمن استلمه بالتوحيد"، وفي رواية: يتشهد لمن وافاه بالموافاة فهو أمين في هذا الكتاب"، فقال له عمر: لا أبقاني الله في أرض لستَ بها يا أبا الحسن، وفي إسناده أبو هارون العبدي، وهو ضعيف جدًا، وقد روى النسائي من وجه آخر ما يشعر بأن عمر رفع قوله ذلك إلى النبي ﷺ , أخرجه عن ابن عباس، قال: رأيت عمر قبَّل الحجر ثلاثًا، ثم قال: إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُكَ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك. ومن غرائب المتون ما في ابن أبي شيبة في آخر مسند أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن رجل رأى النبي ﷺ وقف عند الحجر، فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ثم قَبَّلَه، ثم حج أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فوقف عند الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يُقَبَّلك ما قَبَّلْتُكَ، فليراجع إسناده، فإن صح حكم ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر هذا الجواب عن علي، أعني قوله: "بل يضر وينفع" بعدما قال النبي ﷺ : "لا تضر ولا تنفع" لأنه صورة معارضة لا جرم أن الذهبي قال
следующие страницы →