Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.
стр. 6196
الحاضرين مع أهل الفساد لولا أنهم مؤاخذون بمعصتهم ما خسف بهم، وكذلك المجالس لشربة الخمر، فإنه عاص فيعاقب على ذلك، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، وفي هذا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل، والتحذير من مصاحبة أهل الظلم، ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر إلى ذلك، ويتردد النظر في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة هل هي إعانة لهم على ظلمهم، أو هي من ضرورة البشرية، ثم يعتبر عمل كل أحد بنيته، وعلى الثاني يدل ظاهر الحديث، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا الجيش الذي يخسف بهم هم الذين يهدمون الكعبة، فينتقم منهم فيخسف بهم، وتعقب بأن في بعض طرقه عند مسلم: "أن ناسًا من أمتي" والذين يهدمونها من كفار الحبشة، وأيضًا فمقتضى كلامهم أنه يخسف بهم بعد أن يهدموها، ويرجعوا، وظاهر الخبر أنه يخسف بهم قبل أن يصلوا إليها، قلت: قد مرَّ في أول الكلام على الحديث أن غزو الذين يخربونه متأخر عن الأولين، وعائشة مرت في الثاني من بدء الوحي.
الحديث الثمانون
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا".
قوله: "كأني به" كذا في جميع الروايات عن ابن عباس في هذا الحديث، والظاهر أن فيه شيئًا حذف، ويحتمل أن يكون هو ما وقع في حديث علي رضي الله تعالى عنه عند أبي عبيد في غريب الحديث، قال: "استكثروا من الطواف بالبيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع -أو قال: أصمع- حمش الساقين، قاعد عليها وهي تهدم"، ورواه الفاكهاني من هذا الوجه، ولفظه: أصعل بدل أصلع، وقال: "قائمًا عليها يهدمها بمسحاته"، وروى يحيى الحماني في مسنده من وجه آخر عن علي مرفوعًا، قلت: هذا له حكم الرفع، على كل حال سواء صرح الراوي برفعه أو لم يصرح لأنه لا يعلم إلا من جهته ﷺ .
وقوله: "كأني به"، قال العيني: لفظ به يحتمل الضمير فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أن يعود على البيت والقرينة الحالية تدل عليه، أي: كأني متلبس به.
الثاني: أن يعود إلى القالع بالقرينة الحالية أيضًا.
стр. 6197
الثالث: أنه ضمير مبهم يفسره ما بعده على أنه تمييز كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ فإن ضمير هنّ هو المبهم الذي فسره سبع سموات، وهو تمييز والظاهر ما مرَّ أن في الحديث حذفًا، وهو الذي ارتضاه في الفتح، وكل الاحتمالات المذكورة لا يتضح معها المعنى.
وقوله في حديث علي: "أصلع أو أصعل أو أصمع: الأصلع من ذهب شعر مقدم رأسه، والأصعل: الصغير الرأس، والأصمع: الصغير الأذنين، وقول: "حمش الساقين" بفتح المهملة وسكون الميم ثم معجمة: أي دقيق الساقين، وهو موافق لما في رواية أبي هريرة "ذو السويقتين".
وقوله: "أسود أفحج" بوزن أفعل بفاء ثم حاء مهملة، ثم جيم، والفحج تباعد ما بين الساقين، قال الطيبي: وفي إعرابه أوجه، قيل: أسود منصوب على الذم، والمنصوب على الذم قد يكون نكرة، كما في قول النابغة:
مقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع
فوجوه منصوب على الذم، وأفحج منصوب صفة لسابقه، ويجوز أن يكون أسود أفحج حالين متداخلين أو مترادفين من ضمير به، وقيل: هما بدلان من الضمير المجرور وفتحا لأنهما غير منصرفين، وإبدال المظهر من المضمر جائز: كزره خالدًا وقبله اليد، وفي بعض الأصول: أسود أفحج برفعهما على أن أسود مبتدأ خبره يقلعها، والجملة حال بدون الواو، والضمير في به للبيت، أي: كأني متلبس به أو أسود خبر مبتدأ محذوف، والضمير في به للقالع، أي: كأني بالقالع هو أسود.
وقوله: "أفحج" خبر بعد خبر.
وقوله: "يقلعها حجرًا حجرًا"، أي: يقلع الأسودُ الأفحجُ الكعبةَ حجرًا حجرًا حال نحو بوبته بابًا بابًا، أي: مبوبًا، أو هو بدل من الضمير المنصوب في يقلعها، وقد روى ابن الجوزجي حديثاً طويلًا مرفوعًا فيه: "وخراب مكة من الحبشة، على يد حبشي أفحج الساقين، أزرق اليين، أفطس الأنف كبير البطن، معه أصحاب ينقضونها حجرًا حجرًا، ويتناولونها حتى يرموا بها -يعني الكعبة- إلى البحر، وخراب المدينة من الجوع، واليمن من الجراد", وذكر الحليمي أن خراب الكعبة يكون في زمن عيسى ﵇، وقال القرطبي: بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى، وهذا هو الصحيح.
стр. 6198
رجاله خمسة:
قد مرَّ منهم يحيى بن سعيد القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن أبي مليكة في تعليق بعد الأربعين منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ عمرو بن علي بن بحر بن كثير الفلاس في السابع والأربعين من الوضوء والباقي عبيد الله بن الأخنس أبو مالك النخعي، الكوفي، الخزاز، بمعجمات، ويقال: مولى الأزد، قال أحمد وأبو داود وابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطىء كثيرًا، روى عن ابن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، وأبي الزبير، وغيرهم، وروى عنه: يحيى القطان، وسعيد بن أبي عروبة، وروح بن عبادة، وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، ورواته بصريان وكوفي ومكي.
الحديث الحادي والثمانون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ".
قوله: "عن ابن شهاب" الخ، كذا رواه الليث، وتابعه عبد الله بن وهب عند أبي نعيم، وخالفهما ابن المبارك فرواه عن الزهري، عن سحيم مولى بني زهرة، عن أبي هريرة رواه الفاكهاني، عن نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، فإن كان محفوظًا فيكون للزهري فيه شيخان عن أبي هريرة، وهذا الحديث قد مرّت مباحثه مستوفاة عند ذكره في باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ الخ.
رجاله ستة ، قد مرّوا:
مرَّ يحيى بن بكير، والليث وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ويونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر من الإيمان, ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه.
ثم قال المصنف:
стр. 6199
باب ما ذكر في الحجر الأسود
ويسمى الركن الأسود، وهو في ركن الكعبة الذي يلي الباب من جانب المشرق، وارتفاعه من الأرض ذراعان وثلثا ذراع على ما قاله الأزرقي، وبينه وبين المقام ثمانية وعشرون ذراعًا، أورد في الباب حديث عمر في تقبيل الحجر، وكأنه لم يثبت عنده فيه على شرطه شيء غير ذلك، وقد وردت فيه أحاديث منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "أن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما" ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" أخرجه أحمد والترمذي، وصححه ابن حبان، وفي إسناده رجى أبو يحيى، وهو ضعيف، قال الترمذي: حديث غريب، ويروى عن عبد الله بن عمرو موقوفًا، وقال أبو حاتم: وقفه أشبه، والذي رفعه ليس بقوي، ومنها حديث ابن عباس مرفوعًا، وصححه الترمذي: "نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" وفيه عطاء بن السائب، وهو صدوق، لكنه اختلط، وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى في "صحيح ابن خزيمة"، فيقوى بها، وقد رواه النسائي عن حماد بن سلمة، عن عطاء مختصرًا، ولفظه: الحجر الأسود من الجنة، حماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، وفي "صحيح ابن خزيمة" أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا: إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق.
وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم، وله شاهد عن أنس عند الحاكم أيضًا، وقد اعترض بعض الملحدين على الحديث الماضي، فقال: كيف سودته خطايا المشركين، ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد، وأجيب بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله لكان ذلك، وإنما أجرى الله العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ على العكس من البياض، وقال المحب الطبري: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة، فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد، فتأثيرها في القلب أشد، وقد روى الحميدي في فضائل مكة بإسناد ضعيف عن ابن عباس: إنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، فإن ثبت فهذا هو الجواب، وإنما أذهب الله نور الحجر والمقام ليكون إيمان الناس بكونهما حقًا إيمانًا بالغيب، ولو لم يطمس لكان الإيمان بهما إيمانًا
стр. 6200
بالمشاهدة، والإيمان الموجب للثواب هو الإيمان بالغيب، وينبغي أن يتأمل كيف أبقى الله الحجر على صفة السواد أبدًا مع ما مسه من أيدي الأنبياء والمرسلين المقتضي لتبييضه ليكون ذلك عبرة لذوي الأبصار، وواعظًا لكل من وافاه من ذوي الأفكار، ليكون ذلك باعثًا على مباينة الزلات، ومجانبة الذنوب الموبقات.
الحديث الثاني والثمانون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
قوله: "عن إبرهيم" هو ابن يزيد النخعي، وقد رواه سفيان الثوري بإسناد آخر عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، عن عمر، أخرجه مسلم.
وقوله: "إني أعلم أنك حجر" في رواية أسلم الآتية بعد باب عن عمر أنَّه قال: أما والله إني لأعلم أنك.
وقوله: "لا تضر ولا تنفع"، أي: إلا بإذن الله، وروى الحاكم عن أبي سعيد الخدري أن عمر لما قال هذا، قال له علي بن أبي طالب: إنه يضر وينفع، وذكر أن الله لما أخذ المواثيق على ولد آدم كتب ذلك في رق وألقمه الحجر، وقال: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق، وعينان وشفتان يشهد لمن استلمه بالتوحيد"، وفي رواية: يتشهد لمن وافاه بالموافاة فهو أمين في هذا الكتاب"، فقال له عمر: لا أبقاني الله في أرض لستَ بها يا أبا الحسن، وفي إسناده أبو هارون العبدي، وهو ضعيف جدًا، وقد روى النسائي من وجه آخر ما يشعر بأن عمر رفع قوله ذلك إلى النبي ﷺ , أخرجه عن ابن عباس، قال: رأيت عمر قبَّل الحجر ثلاثًا، ثم قال: إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُكَ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ذلك.
ومن غرائب المتون ما في ابن أبي شيبة في آخر مسند أبي بكر رضي الله تعالى عنه عن رجل رأى النبي ﷺ وقف عند الحجر، فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ثم قَبَّلَه، ثم حج أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فوقف عند الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يُقَبَّلك ما قَبَّلْتُكَ، فليراجع إسناده، فإن صح حكم ببطلان حديث الحاكم لبعد أن يصدر هذا الجواب عن علي، أعني قوله: "بل يضر وينفع" بعدما قال النبي ﷺ : "لا تضر ولا تنفع" لأنه صورة معارضة لا جرم أن الذهبي قال
стр. 6201
في مختصره عن العبدي: إنه ساقط، قال الطبري: إنما قال عمر ما قال؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد عمر أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول الله ﷺ لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته، كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان.
وقال المهلب: حديث عمر هذا يرد على من قال إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده، فمعاذ الله أن تكون لله جارحة، وإنما شرع تقبيله اختيارًا ليعلم بالمشاهدة طاعة من يطيع، وذلك شبيه بقصة إبليس حيث أمر بالسجود لآدم، قلت: ما نفاه المهلب لا يحتمل اعتقاد موحد له، وإنما المراد ما قاله الخطابي، فإنه قال: معنى أنه يمين الله في الأرض أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد، وجرت العادة بأن العهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد موالاته والاختصاص به، فخاطبهم بما يعهدونه، وقال المحب الطبري: معناه أن كل ملك إذا قدم عليه الوافد قبل يمينه، فلما كان الحاج أول ما يقدم يسن له تقبيله نزل منزلة الملك، ولله المثل الأعلى، وقول عمر هذا التسليم للشارع في أمور الدين وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي ﷺ فيما يفعله، ولو لم تعلم الحكمة فيه.
وفيه: وقع ما وقع لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصة ترجع إلى ذاته.
وفيه بيان السنن بالقول والفعل، وأن الإِمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر ويوضح ذلك، وقد قال في "الفتح": قال شيخنا في شرح الترمذي: فيه كراهة تقبيل ما لم يرد الشرع بتقبيله، وأما قول الشافعي: ومهما قُبِّل من البيت فهو حسن فلم يرد به الاستحباب؛ لأن المباح من جملة الحسن عند الأُصوليين، واستنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الأركان جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره، فأما تقبيل يد الآدمي لدينه أو لعلمه أو شرفه فإنه مستحب، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة ذكرناها في كتابنا استحالة المعية بالذات، وذكرنا هناك ما فيه الكفاية، وأما ما روي عن مالك كراهته فمحله عنده: إذا كان على وجه التكبر والتعظيم، وأما غير الآدمي فنقل عن الإِمام أحمد أنه سئل عن تقبيل منبر النبي ﷺ ، وتقبيل قبره، فلم ير به بأسًا، قال في "الفتح": واستبعد بعض أتباعه صحة ذلك، قلت: الظاهر أنه ابن تيمية لأنه هو المنكر للتبرك بآثار الصالحين، ونقل عن ابن أبي الصيف اليماني أحد علماء مكة في الشافعية جواز تقبيل المصحف وأجزاء
стр. 6202
الحديث وقبور الصالحين، وبالله تعالى التوفيق.
رجاله ستة ، قد مرّوا إلا عابس:
مرَّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين من العلم، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، والباقي عابس بن ربيعة النخعي، قال أبو داود: جاهلي سمع من عمر، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: هو من مذحج وكان ثقة، له أحاديث يسيرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره أبو نعيم في الصحابة، روى عن عمر وحذيفة وعائشة، وروى عنه أولاده عبد الرحمن وإبراهيم، وأسماء، وإبراهيم بن يزيد النخعي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار به، والعنعنة، ورواته: شيخه بصري، والبقية كوفيون، أخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي.
ثم قال المصنف:
стр. 6203
باب إغلاق البيت ويصلي في أي نواحي البيت شاء
أورد فيه حديث ابن عمر عن بلال في صلاة النبي ﷺ في الكعبة بين العمودين، وتعقب بأنه يغاير الترجمة من جهة أنها تدل على التخيير، والفعل المذكور يدل على التعيين، وأجيب بأنه حمل صلاة النبي ﷺ في ذلك الموضع بعينه على سبيل الاتفاق لا على سبيل القصد، لزيادة فضل في ذلك المكان على غيره، ويحتمل أن يكون مراده أن ذلك الفعل ليس حتمًا، وإن كانت الصلاة في تلك البقعة التي اختارها النبي ﷺ أفضل من غيرها، ويؤيده ما سيأتي في الباب الذي يليه من تصريح ابن عمر بنص الترجمة مع كونه كان يقصد المكان الذي صلى فيه النبي ﵊ فيه لفضله، وكأن المصنف أشار بهذه الترجمة إلى الحكمة في إغلاق الباب حينئذٍ وهو أولى من دعوى ابن بطال أن الحكمة فيه لئلا يظن الناس أن ذلك سنة، وهو مع ضعفه منتقض بأنه لو أراد إخفاء ذلك ما اطلع عليه بلال ومن كان معه، وإثبات الحكم بذلك يكفي فيه نقل الواحد.
الحديث الثالث والثمانون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلاَلٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحُوا، كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلاَلاً فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.
قوله: "دخل رسول الله ﷺ البيت" كان ذلك في عام الفتح كما وقع مبينًا عن نافع عند المصنف في كتاب الجهاد بزيادة فوائد، ولفظه: أقبل النبي ﷺ يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، وفي رواية فليح عن نافع الآتية في المغازي: وهو مردف أسامة على القصواء، ثم اتفقا ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد، وفي رواية فليح: عند البيت، وقال لعثمان: ائتنا بالمفتاح، فذهب إلى أُمه سُلافة بضم المهملة، فأبت أن تعطيه، فقال: والله لتعطيه أو لأخرجن هذا السيف من صلبي، فلما رأت ذلك أعطته فجاء به إلى رسول الله ﷺ ففتح الباب، وفاعل فتح هو عثمان المذكور، لكن روى الفاكهاني من طريق ضعيفة عن ابن عمر، قال: كان بنو أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة، فأخذ رسول الله ﷺ -
стр. 6204
المفتاح ففتحها بيده.
وقوله: "هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان"، زاد مسلم: ولم يدخلها معهم أحد، وعند النسائي عن نافع زيادة الفضل بن عباس، ولأحمد عن ابن عباس: حدثني أخي الفضل وكان معه حين دخل الكعبة أنه لم يصل في الكعبة.
وقوله: "فأغلقوا عليهم" زاد أبو عوانة: من داخل، وزاد يونس: فمكث نهارًا طويلًا، وفي رواية فليح: "زمانًا" بدل "نهارًا"، وفي الرواية الماضية في الصلاة: فأطال، ولمسلم: فمكث فيها مليًا، وله أيضًا من رواية عبيد الله: فأجافوا عليهم الباب طويلًا, وللنسائي، عن ابن أبي مليكة: فوجدت شيئًا، فذهبت ثم جئت سريعًا، فوجدت النبي ﷺ خارجًا منها، وفي "الموطأ": فأغلقاها عليه، والضمير لعثمان وبلال، ولمسلم: فأجاف عليهم عثمان الباب، والجميع بينهما أن عثمان هو المباشر لذلك لأنه من وظيفته، ولعل بلالًا ساعده في ذلك، ورواية الجميع يدخل فيها الأمر بذلك، والراضي له.
وقوله: "فلما فتحو كنت أول من ولج"، في رواية فليح: ثم خرج فابتدر الناس الدخول فسبقتهم.
وفي رواية أيوب: وكنت رجلًا شابًا قويًا، فبادرت الناس فبدرتهم.
وفي رواية جويرية: كنت أول الناس ولج على أثره.
وفي رواية ابن عون: فرقيت الدرجة فدخلت البيت، وأفاد الأزرقي في كتاب مكة أن خالد بن الوليد كان على الباب يذب عنه الناس وكأنه جاء بعدما دخل النبي ﷺ وأغلق.
وقوله: "فلقيت بلالًا فسألته" قد مرَّ في أوائل كتاب الصلاة عن مالك ما صنع، وقد مرت مباحث هذا الحديث في باب: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ أول كتاب الصلاة مستوفاة غاية الاستيفاء.
رجاله خمسة ، وفي ذكر أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، وقد مرَّ الجميع:
مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان, ومرَّ سالم في الرابع عشر منه، ومرَّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ الليث وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ أسامة بن زيد في الخامس من الوضوء، ومرَّ بلال في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ عثمان بن طلحة في الحادي والسبعين من استقبال القبلة، أخرجه مسلم والنسائي في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6205
باب الصلاة في الكعبة
الحديث الرابع والثمانون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قال: أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ الْوَجْهِ حِينَ يَدْخُلُ، وَيَجْعَلُ الْبَابَ قِبَلَ الظَّهْرِ، يَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثِ أَذْرُعٍ، فَيُصَلِّي يَتَوَخَّى الْمَكَانَ.
قوله:"قِبل" بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: مقابل.
وقوله: "يتوخّى" بتشديد الخاء المعجمة، أي: يقصد.
وقوله: "ليس على أحد بأس"، الظاهر أنه من كلام ابن عمر مع احتمال أن يكون من كلام غيره، وقد تقدم الحديث المرفوع في كتاب الصلاة في باب الصلاة بين السواري، والكلام عليه هو الكلام على الذي قبله.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر بلال، وقد مرّوا:
مرّ أحمد بن محمد في الثالث والمائة من الوضوء ومرَّ ابن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ محل ابن عمر وبلال في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
стр. 6206
باب من لم يدخل الكعبة
كأنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم أن دخولها من مناسك الحج، وقد تقدم البحث فيه في باب: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ , واقتصر المصنف على الاحتجاج بفعل ابن عمر لأنه أشهر من روى عن النبي ﷺ دخول الكعبة، فلو كان دخولها عنده من المناسك لما أخل به مع كثرة اتباعه.
ثم قال: وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يحج كثيرًا ولا يدخل، وهذا التعليق وصله الثوري في جامعه، وابن عمر مرَّ محله الآن.
الحديث الخامس والثمانون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: "لاَ".
قوله: "اعتمر"، أي: في سنة سبعة عام القضية.
وقوله: "أدخل رسول الله ﷺ " الهمزة للاستفهام، أي: في تلك العمرة، قال النووي: قال العلماء: سبب ترك دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، فلما كان في الفتح أمر بإزالة الصور، ثم دخلها كما في حديث ابن عباس الذي بعد هذا إلى آخر ما مرَّ مستوفى في باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ أوائل الصلاة.
رجاله أربعة:
مرَّ مسدد في السادس من بدء الوحي، ومرَّ خالد بن عبد الله الطحان في السادس والخمسين من الوضوء، ومرَّ إسماعيل بن أبي خالد في الثالث من الإيمان, ومرَّ عبد الله بن أبي أوفى في التاسع والتسعين من الزكاة، وفي الحديث لفظ رجل مبهم لم أقف على من
стр. 6207
سماه، وهذا الإسناد نصفه بصري، ونصفه كوفي، أخرجه البخاري أيضًا في الحج وفي المغازي، وأبو داود في الحج، وكذا النسائي وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6208
باب من كبر في نواحي البيت
الحديث السادس والثمانون
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلاَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَمَا وَاللَّهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ". فَدَخَلَ الْبَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ.
أورد حديث ابن عباس أنه ﵊ كبّر في البيت ولم يصلّ فيه، واحتج به مع كونه يرى تقديم حديث بلال في إثباته الصلاة فيه عليه، ولا معارضة في ذلك بالنسبة إلى الترجمة لأن ابن عباس أثبت التكبير ولم يتعرض له بلال، وبلال أثبت الصلاة ونفاها ابن عباس، فاحتج المصنف بزيادة ابن عباس، وتقدم إثبات بلال على نفي غيره لأمرين إلى آخر ما مرَّ مستوفى عند ذكر هذا الحديث في باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ أوائل كتاب الصلاة.
وقوله: "وفيه الآلهة" -أي: الأصنام-، وأطلق عليها الآلهة باعتبار ما كانوا يزعمون، وفي جواز إطلاق ذلك وقفة، والذي يظهر كراهيته، وكانت تماثيل على صور شتى، فامتنع النبي ﷺ من دخول البيت وهي فيه لأنه لا يقر على باطل، ولأنه لا يحب فراق الملائكة، وهي لا تدخل بيتًا فيه صورة.
وقوله: "في أيديهما الأزلام" جمع زَلم، بفتح الزاي وضمها، وهي الأَقلام أو القداح، وهي أعواد نحتوها وكتبوا في أحدها: افعل، وفي الآخر: لا تفعل، وفي الثالث: غفل، أو: لا شيء، وقال الفراء: كان على الواحد: أمرني ربي، وعلى الثاني: نهاني ربي، وعلى الثالث: غفل؛ فإذا أراد أحدهم سفرًا أو حاجة أخرج واحدًا، فإن طلع الأمر فَعَلَ أو الناهي تَرَك، أو الغفل أعاد الضرب حتى يخرج له افعل أو لا تفعل، فكانت سبعة على صفة واحدة مكتوب عليها: لا. نعم. منهم. من غيرهم. ملصق. العقل. فضل العقل. وكانت بيد السادن، فإذا أرادوا خروجًا أو تزويجًا أو حاجة ضرب السادن، فإن خرج نعم ذهب، وإن
стр. 6209
خرج لا، كفّ، وإن شكّوا في نسب واحد أتوا به إلى الصنم، فضرب بتلك الثلاثة التي هي: منهم. من غيرهم. ملصق، فإن خرج منهم كان من أوسطهم نسبًا، وإن خرج من غيرهم كان حليفًا، وإن خرج ملصق لم يكن له نسب ولا حلف، وإن جنى أحد جناية واختلفوا على من العقل ضربوا، فإن خرج العقل على من ضرب عليه، عقل وبرىء الآخرون، وكانوا إذا عقلوا العقل، وفضل الشيء منه، واختلفوا فيه، أتوا السادن فضرب، فعلى من وجب أدّاه، وقال ابن إسحاق: إن أعظم أصنام قريش هبل -وكان في جوف الكعبة-، وكانت الأزلام عنده يتحاكمون عنده فيما أشكل عليهم، فما خرج منها رجعوا إليه، وهذا لا يدفع أن يكون آحادهم يستعملونها منفردين كما في قصة سراقة، وروى الطبري عن سعيد بن جبير، قال: الأزلام حصى بيض، وعن مجاهد، قال: حجارة مكتوب عليها، وعنه: كانوا يضربون بها لكل سفر وغزو وتجارة، وهذا محمول على غير التي كانت في الكعبة، والذي تحصل من كلام أهل النقل أن الأزلام كانت عندهم على ثلاثة أنحاء:
أحدها: لكل أحد، وهي ثلاثة كما تقدم.
ثانيها: للأحكام، وهي التي عند الكعبة، وكان عند كل كاهن وحاكم للعرب مثل ذلك، وكانت سبعة مكتوب عليها ما مرَّ قريبًا.
وثالثها: قداح الميسر -وهي عشرة، سبعة مخططة، وثلاثة غفل، وكانوا يضربون بها مقامرة، وفي معناها كل ما يتقامر به كالنرد والكعاب وغيرها.
وقوله: "أمّ والله" كذا للأكثر بحذف الألف، ولبعضهم أما بإثبات الألف.
وقوله: "لقد علموا" قيل: وجه ذلك أنهم كانوا يعلمون اسم أول من أحدث الاستقسام بها وهو عمرو بن لحي وكانت نسبتهم إلى إبراهيم وولده ﵉ الاستقسام بها افتراء عليهما لتقدمهما على عمرو.
وقوله: "لم يستقسما"، أي: لم يطلبا القسم، أي: معرفة ما قسم لهما، وما طلب وقوع السقي.
رجاله خمسة ، قد مرّوا:
مرَّ أبو معمر وعبد الوارث وعكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ أيوب في التاسع من الإيمان، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
والحديث أخرجه أبو داود في الحج، فليس من أفراد البخاري كما قيل.
ثم قال المصنف:
стр. 6210
باب كيف كان بدء الرمل
أي: ابتداء مشروعيته، وهو بفتح الراء والميم، وهو الإسراع، وقال ابن دريد: هو شبه بالهرولة، وأصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه.
الحديث السابع والثمانون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ، وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
قوله: "قدم رسول الله ﷺ "، أي: في عمرة القضية سنة سبع.
وقوله: "يقدَم بفتح الدال، مضارع قدم بكسرها أي: يرد، وقوله: وقد وهنهم، ولابن السكن بحذف الواو، ووهنهم أضعفهم، والضمير للصحابة، وقوله: حمى يثرب بفتح الموحدة، غير منصرف اسم المدينة الشريفة في الجاهلية، وحمى رفع على الفاعلية، ولأبي ذر أنه يقدم عليكم وقد بالفاء والرفع، فاعل يقدم، أي: جماعة، وحينئذ يكون قوله: وهنهم حمى يثرب في موضع رفع صفة لوفد، وضمير أنه ضمير الشأن.
وقوله: "أن يرملوا" بضم الميم وهو بموضع مفعول يأمرهم، تقول: أمرته كذا وأمرته بكذا، والأشواط بفتح الهمزة بعدها معجمة جمع شوط بفتح الشين وهو الجري مرة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة، وإنما أمرهم بالرمل في الأشواط الثلاثة ليرى المشركون قوتهم بهذا الفعل لأنه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم، ولذا قالوا كما في مسلم: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا.
وقوله: "وأن يمشوا بين الركنين"، أي: اليمانيين حيث لا يراهم المشركون لأنهم كانوا مما يلي الحجر من قبل قعيقعان.
стр. 6211
وقوله: "ولم يمنعه أن يأمرهم"، أي: من أن يأمرهم فحذف الجار لعدم اللبس، وموضع أن وتاليها بعد حذفه جر أو نصب، قولان.
وقوله: "أن يرملوا الأشواط كلها"، أي: بأن يرملوا، فحذف الجار كذلك أو لا حذف أصلا؛ لأنه يقال: أمرته بكذا وأمرته كذا.
وقوله: "إلا الإبقاء عليهم" بكسر الهمزة وسكون الموحدة، وبالقاف ممدودًا مصدر بقي عليه إذا وفق به، وهو مرفوع فاعل لم يمنعه، أي: لم يمنعه ﵊ أن يأمرهم بالرمل في الطوفات كلها إلا الإبقاء عليهم، لكن الإبقاء لا يناسب أن يكون هو الذي منعه من ذلك إذ الإبقاء معناه الرفق، فلابدّ من تأويله بإرادة ونحوها.
أي: لم يمنعه من الأمر بالرمل في الأربعة إلا إرادته ﵊ الإبقاء عليهم، فلم يأمرهم به، وهم لا يفعلون شيئًا إلا بأمره، وقول الزركشي: وتبعه ابن حجر والعيني يجوز النصب على أنه مفعول لأجله، ويكون في يمنعهم ضمير عائد إلى النبي ﷺ هو فاعله، تعقبه في المصابيح بأن تجويز النصب مبني على أن يكون في لفظ البخاري لم يمنعهم، وليس كذلك إنما فيه لم يمنعه، فرفع الإبقاء متعين لأنه هو الفاعل، وهذا الذي قاله الزركشي وقع للقرطبي في شرح مسلم، وفي الحديث: فلم يمنعهم، فجوز فيه الوجهين، وهو ظاهر لكن نقله إلى ما في البخاري غير متأت.
وقد اختلف العلماء في الرمل، هل هو سنة من سنن الحج لا يجوز تركها أو ليس بسنة؟ لأنه كان لعلة وقد زالت فمن شاء فعله اختيارًا فروي عن عمر وابن مسعود أنه سنة، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وقال آخرون: ليس بسنة، من شاء فعله، ومن شاء تركه، وهذا قول طاووس والحسن وعطاء والقاسم وغيرهم، والجمهور على أنه يستوعب البيت بالرمل.
وفي قوله: "لا يرمل بين الركنين"، والمرأة لا ترمل بالإجماع لأنه يقدح في الستر، وليست من أهل الجَلَد ولا تهرول أيضًا بين الصفة والمروة في السعي، ولا يشرع تدارك الرمل، فلو تركه في الثلاث لم يقضه في الأربع لأن هيئتها السكينة، فلا تغير، وهو خاص بطواف يعقبه سعي على المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماشٍ وراكب، ولا دم بتركه عند الجمهور، واختلف عند المالكية، وقال الطبري: قد ثبت أن الشارع رمل ولا مشرك بمكة يومئذ في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج إلا أن تاركه ليس تاركًا لعمل بل لهيئة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضًا صوته لم يكن تاركًا للتلبية بل لصفتها, ولا شيء
стр. 6212
عليه، وفي الحديث جواز تسمية الطوفة شوطًا، ونقل عن مجاهد والشافعي كراهته، ويؤخذ منه جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابًا لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم، وفيه جواز المعاريض بالفعل كما تجوز بالقول، وربما كانت بالفعل أولى.
رجاله خمسة ، قد مرّوا:
مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان, وحماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأيوب في التاسع منه، وسعيد بن جبير، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي. أخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي.
ثم قال المصنف:
стр. 6213
باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول ما يطوف ويرمل ثلاثًا
أورد فيه حديث ابن عمر وهو مطابق للترجمة من غير مزيد.
الحديث الثامن والثمانون
حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، قال: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ.
قوله: "يخب" بفتح أوله وضم الخاء المعجمة بعدها موحدة، أي: يسرع في مشيه، والخبب بفتح المعجمة والموحدة العدو السريع، يقال: خبت الدابة إذا أسرعت وراوحت بين قدميها، وهذا يشعر بترادف الرمل والخبب عند هذا القائل.
وقوله: "أول ما يطوف" منصوب على الظرفية.
وقوله: "من السبع" بفتح أوله، أي: السبع طوفات، وظاهره أن الرمل يستوعب الطوفة فهو مغاير لحديث ابن عباس الذي قبله، فإنه صريح في عدم الاستيعاب، ولكنهم لما رملوا في حجة الوداع أسرعوا في جميع كل طوفة، فكانت سنة مستقلة، ولهذه النكتة سأل عبيد الله بن عمر نافعًا كما في الحديث الأخير من الباب الذي يليه عن مشي عبد الله بن عمر بين الركنين اليمانيين، فأعلمه أنه إنما كان يفعله ليكون أسهل عليه في استلام الركن، أي: كان يرفق بنفسه ليتمكن من استلام الركن عند الازدحام، وهذا الذي قاله نافع إن كان استند فيه إلى فهمه فلا يدفع احتمال أن يكون ابن عمر فعل ذلك اتباعًا للصفة الأولى من الرمل لما عرف من مذهبه في الاتباع.
رجاله ستة قد مرّوا:
مرَّ أصبغ في السابع والستين من الوضوء، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ سالم
стр. 6214
في الرابع عشر من الإيمان، وأبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه.
وأخرجه مسلم والنسائي في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6215
باب الرمل في الحج والعمرة
أي: في بعض الطواف، والقصد إثبات بقاء مشروعيته وهو الذي عليه الجمهور، ومرَّ في الباب الذي قبله بباب ذكر بعض من خالف فيه.
الحديث التاسع والثمانون
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ هو ابن سلام، قال: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، قال: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ ﷺ ثَلاَثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
قوله: "سعى"، أي: أسرع المشي في الطوفات الثلاث الأول.
وقوله: "في الحج والعمرة"، أي: حجة الوداع وعمرة القضية؛ لأن الحديبية لم يكن فيها الطواف، والجعرانة لم يحضرها ابن عمر إذْ لم يكن معه فيها, ولهذا أنكرها والتي مع حجته اندرجت أفعالها في الحج، فلم يبق إلا عمرة القضاء، نعم عند الحاكم عن أبي سعيد: رمل رسول الله ﷺ في حجته وعمره كلها وأبو بكر وعمر والخلفاء.
رجاله خمسة مرَّ منهم:
سريج بن النعمان في الخامس والعشرين من الجمعة، وفليح في الأول من العلم، ونافع في الأخير منه، ومرَّ محل ابن عمر في الذي قبله، وشيخ البخاري ذكره بلفظ محمد غير منسوب، وقد قيل: إنه محمد بن يحيى الذهلي، وهذا مرَّ في العشرين من العيدين، وقيل: إنه محمد بن سلام وهذا مرَّ في الثالث عشر من الإيمان, وقيل: إنه محمد بن عبد الله بن نمير، وهذا قد مرَّ في الأول من العمل في الصلاة، وقيل: إنه محمد بن رافع، وهذا لم يتقدم وهو ابن رافع بن أبي زيد، واسمه سابور القشيري مولاهم أبو عبد الله النيسابوري الزاهد، قال أحمد: محمد بن يحيى أحفظ، ومحمد بن رافع أورع، وقال البخاري: حدثنا محمد بن رافع وكان من خيار عباد الله، وقال النسائي: حدثنا محمد بن رافع الثقة المأمون، وقال أبو زرعة: شيخ صدوق قدم علينا، وكان قد رحل مع أحمد، وقال زكرياء بن دلويه: بعث طاهربن
стр. 6216
عبد الله بن طاهر إلى محمد بن رافع بخمسة آلاف فردَّها، قال زكرياء: وكان يخرج إلينا في الشتاء الشاتي، وقد لبس لحافه الذي يلبسه بالليل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ثبتًا فاضلًا، قال الحاكم: هو شيخ خراسان في الصدق والرحلة، وقال عثمان بن أبي شيبة: ذاك الزاهد، وقال جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ: ما رأيت من المحدثين أهيب منه، كان يستند فيأخذ الكتاب، فيقرأ بنفسه فلا ينطق أحد، ولا يتبسم، وقال مسلم بن الحجاج: محمد بن رافع ثقة مأمون صحيح الكتاب، وقال محمد بن شاذان: حدثنا محمد بن رافع الثقة المأمون، وقال أحمد بن سيار: محمد بن رافع كان ثقة حسن الرواية عن أهل اليمن، وقال النسائي ومسلمة: ثقة ثبت، وفي الزهرة: روى عنه البخاري سبعة عشر حديثًا، ومسلم ثلاثمائة حديث، واثنين وعشرين حديثًا.
روى عن ابن عيينة وأبي معاوية الضرير وأبي داود الطيالسي وغيرهم، وروى عنه الجماعة سوى ابن ماجه وأبو زرعة وأبو حاتم وخلق كثير، مات سنة خمس وأربعين ومائتين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول.
ثم قال: تابعه الليث، قال: حدثني كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، وهذه المتابعة وصلها النسائي من طريق شعيب بن الليث، عن أبيه، والبيهقي من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، ولفظه حديث ابن عمر السابق.
ورجال المتابعة أربعة قد مرّوا: مرَّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ كثير بن فرقد في الثلاثين من العيدين، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الحديث التسعون
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بن أبي كثير، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لِلرُّكْنِ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ، إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ.
قوله: "للركن" أي: الأسود، وظاهره أنه خاطبه بذلك، وإنما فعله ليسمع الحاضرين،
стр. 6217
وقد مرَّ استيفاء الكلام على مقالته هذه في باب ما ذكر في الحجر الأسود حين ما ذكر فيه أول هذا الحديث.
وقوله: "ثم قال"، أي: بعد استلامه.
وقوله: "ما لنا وللرمل" في رواية بعضهم: "والرمل" بغير لام وهو بالنصب على الأفصح، وزاد أبو داود: "فيم الرمل والكشف عن المناكب" وهو الإضطباع وهي هيئة تعين على إسراع المشي بأن يدخل رداءه تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على منكبه الأيسر، فيبدي منكبه الأيمن ويستر الأيسر، وهو مستحب عند الجمهور سوى مالك، قاله ابن المنذر.
وقوله: "انما كنا راءينا" بوزن فاعلنا من الرؤية، أي: أريناهم بذلك أنا أقوياء، قاله عياض، وقال ابن مالك: من الرياء، أي: أظهرنا لهم القوة ونحن ضعفاء، ولهذا روي: رايينا بياءين حملًا على الرياء، وإن كان أصله الرءياء بهمزتين، ومحصله أن عمر كان همّ بترك الرمل في الطواف لأنه عرف سببه، وقد انقضى فهمَّ أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن تكون له حكمة ما اطلع عليها، فرأى أن الإتباع أولى من طريق المعنى، وأيضًا فإن فاعل ذلك إذا فعله تذكر السبب الباعث على ذلك فيتذكر نعمة الله على إعزاز الإِسلام وأهله، واستشكل قول عمر: راءينا مع أن الرياء بالعمل مذموم، والجواب أن صورته وإن كانت صورة الرياء لكنها ليست مذمومة لأن المذموم أن يظهر العمل ليقال: إنه عامل ولا يعمله بغيبة إذا لم يره أحد، وأما الذي وقع في هذه القصة فإنما هو من قبيل المخادعة في الحرب لأنهم أوهموا المشركين أنهم أقوياء لئلا يطمعوا فيهم، وقد ثبت أن الحرب خدعة.
وقوله: "فلا نحب أن نتركه" زاد الإسماعيلي في آخره: ثم رمل، ويؤيده أنهم اقتصروا عند مراءات المشركين على الإسراع إذا مرّوا من جهة الركنين الشاميين لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية فإذا مرّوا بين الركنين اليمانيين مشوا على حالتهم وهيئتهم كما هو بين في حديث ابن عباس المار.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ سعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من العلم، ومرَّ محمد بن جعفر في التاسع من الحيض، ومرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان, ومرَّ أبوه أسلم في الحادي والتسعين من الزكاة، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي.
أخرجه البخاري أيضًا في الحج، ومسلم، والنسائي.
стр. 6218
الحديث الحادي والتسعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلاَمَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلاَ رَخَاءٍ، مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا. قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي لِيَكُونَ أَيْسَرَ لاِسْتِلاَمِهِ.
قال الإسماعيلي بعد أن أخرج هذا الحديث مقتصرًا على المرفوع منه، وزاد فيه: قال نافع: ورأيت ابن عمر يزاحم على الحجر حتى يدمى، قال الإسماعيلي: ليس هذا الحديث من باب الرمل في شيء، وأجيب بأن القدر المتعلق بالترجمة ثابت عند البخاري، ووجهه أن معنى قوله: كان ابن عمر يمشي بين الركنين، أي: دون غيرهما وكان يرمل ومن ثم سأل الراوي نافعًا عن السبب في كونه كان يمشي في بعض دون بعض.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان, ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء, ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
أخرجه مسلم والنسائي في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6219
باب استلام الركن بالمحجن
أي: بكسر الميم وسكون المهملة، وفتح الجيم بعدها نون هو عصى محنية الرأس، والحجن الاعوجاج، وبذلك سمي الحجون، والاستلام افتعال من السلام بكسر السين وهي الحجارة، فلما كان لمسا للحجر له قيل له استلام أو من السلام بفتحها وهو التحية، قاله الأزهري؛ لأن ذلك الفعل سلام على الحجر، وأهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا، أو هو استلئام مهموز من الملاءمة وهي الاجتماع، أو استفعل من اللامة وهي الدرع لأنه إذا لمس الحجر تحصن بحصن من العذاب، كما يتحصن باللامة من الأعداء، فإن قيل: كان القياس على هذا أن يقال: استلأم لا استلم أُجيب باحتمال أن يكون خفف بنقل حركة الهمزة إلى اللام الساكنة قبلها، ثم حذفت الهمزة.
الحديث الثاني والتسعون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.
قوله: "يستلم الركن بمحجن" المراد بالركن الحجر الأسود، زاد مسلم عن أبي الطفيل: ويقبل المحجن، وله عن ابن عمر أنه استلم الحجر الأسود بيده ثم قبلها، ورفع ذلك، ولسعيد بن منصور عن عطاء، قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وجابرًا إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس أحسبه قال كثيرًا، وبهذا قال الجمهور: أن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده، فإن لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء في يده، وقبَّل ذلك الشيء فإن لم يستطع أشار إليه، واكتفى بذلك، وعن مالك: لا يقبل يده، وفي رواية عنه: يضع يده على فمه من غير تقبيل، وفي الحديث الطواف على البعير، قال النووي: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيًا إلا لعذر مرض أو نحوه، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى به، فإن كان لغير عذر كان خلاف الأولى، وقال إمام الحرمين: من أدخل البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد بشيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها
стр. 6220
المسجد مكروه، وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبا من غير عذر، منهم الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب والعبدري، والمشهور الأول، والمرأة والرجل في ذلك سواء، والمحمول على الأكتاف كالراكب، وبه قال أحمد وداود وابن المنذر، وقال مالك وأبو حنيفة: إن طاف راكبًا بعذر أجزأه، ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر فعليه دم، قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف، فلو طاف زحفًا مع القدرة على القيام فهو صحيح لكنه يكره، وقال أبو الطيب في التعليقة: طوافه زحفا كطوافه ماشيًا منتصبًا لا فرق بينهما، واعتذروا عن ركوب سيدنا ﷺ بأن الناس كثروا عليه وغشوه بحيث أن العواتق خرجن من البيوت لينظرن إليه، أو لأنه يستفتى، أو لأنه كان يشكو، وقد تقدم الكلام على إدخال البعير في المسجد في باب إدخال البعير المسجد آخر أبواب المساجد من كتاب الصلاة، وفي الحديث الرد على من كره تسمية حجة النبي ﷺ حجة الوداع.
رجاله سبعة قد مرّوا:
مرَّ أحمد بن صالح في الرابع والسبعين من استقال القبلة، ومرَّ يحيى بن سليمان في الخامس والخمسين من العلم، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر منه، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عبيد الله المسعودي في السادس منه، وابن عباس في الخامس منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع، والإخبار بالإفراد، والعنعنة، والقول، ورجاله: مصريون، وأيلي، ومدنيان، وأخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود وابن ماجه.
ثم قال: تابعه الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن عمه، وهذه المتابعة أخرجها الإسماعيلي، ولم يقل في حجة الوداع ولا على بعير.
ورجاله ثلاثة قد مرّوا:
مرَّ عبد العزيز الدراوردي في السابع من مواقيت الصلاة، ومرَّ ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله في متابعة بعد العشرين من الإيمان, وقد مرَّ محل الزهري في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
стр. 6221
باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين
أي: دون الركنين الشاميين واليماني بتخفيف الياء على المشهور لأن الألف عوض عن ياء النسب، فلو شددت لكان جمعًا بين العوض والمعوض، وجوّز سيبويه التشديد، وقال: إن الألف زائدة.
الحديث الثالث والتسعون
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قال: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ الْبَيْتِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ لاَ يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ.
قوله: "وقال محمد بن بكر", قال في "الفتح": لم أره من طريق محمد بن بكر، وقد أخرجه الجوزقي من طريق عثمان بن الهيثم، به، ومن في قوله، ومن يتقي استفهامية على سبيل الإنكار.
وقوله: "إنه لا يستلم هذان الركنان"، الضمير في أنه ضمير الشأن، ويستلم بالبناء للمجهول في رواية أكثر، وللحموي والمستملي: لا نستلم هذين الركنين بفتح النون ونصب هذين الركنين على المفعولية، وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى غاية الاستيفاء عند حديث ابن عمر في باب غسل الرجلين في النعلين من كتاب الوضوء.
رجاله سبعة قد مرّوا:
مرَّ محمد بن بكر في تعليق بعد التاسع من مواقيت الصلاة، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ معاوية في الثالث عشر منه، ومرَّ ابن الزبير في الثامن والأربعين منه، ومرَّ أبو الشعثاء في الثالث والثلاثين من الوضوء, ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وأورد البخاري هذا الحديث معلقًا، وقد وصل قوله: "وكان معاوية" الخ، الإِمام أحمد في "مسنده"، والترمذي، والحاكم، ووصل تعليق ابن
стр. 6222
الزبير ابن أبي شيبة من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير.
الحديث الرابع والتسعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلاَّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ.
هذا الحديث الكلام عليه هو الكلام على الذي قبله، وقد مرَّ محل الكلام عليه.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ أبو الوليد هشام بن عبد الملك في العاشر من الإيمان, ومرَّ الليث بن سعد، وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، وسالم بن عبد الله في الرابع عشر من الإيمان, وأبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه.
ثم قال المصنف:
стр. 6223
باب تقبيل الحجر
بفتح المهملة والجيم، أي: الأسود.
الحديث الخامس والتسعون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قال: أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، قال: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ: لَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى عند ذكره في باب ما ذكر في الحجر الأسود.
رجاله ستة قد مرّوا، إلا أحمد بن سنان:
مرَّ يزيد بن هارون في الخامس عشر من الوضوء ومرَّ ورقاء بن عمر في التاسع منه، ومرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان, ومرَّ أبوه أسلم في الحادي والتسعين من الزكاة، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، والباقي أحمد بن سنان بن أسد بن حبان بكسر الحاء، القطان أبو جعفر الواسطي الحافظ، قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال أيضًا: إمام أهل زمانه، وقال الدارقطني: كان من الثقات الأثبات، وقال إبراهيم بن أرومة: أعدنا عليه ما سمعناه من بندار وأبي موسى لإتقانه وحفظه، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات" له في البخاري، وحديث واحد روى عن يحيى القطان وأبي أحمد الزبيري ويزيد بن هارون وغيرهم، وروى عنه: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم، مات سنة ست أو ثمان أو تسع وخمسين ومائتين.
الحديث السادس والتسعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ. فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ، أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ، قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ.
стр. 6224
قوله: "حدثنا حماد" في رواية أبي الوقت ابن زيد.
وقوله: "عن الزبير بن عربي" في رواية أبي داود الطيالسي: عن حماد حدثنا الزبير.
وقوله: "أرأيت ان زحمت"، أي: أخبرني ما أصنع إذا زحمت ورحمت بضم الزاي بغير إشباع، وفي بعض الروايات بزيادة واو.
وقوله: "اجعل أرأيت في اليمن" يشعر بأن الرجل يماني، وفي رواية أبي داود المذكورة: "اجعل أرأيت عند ذلك الكوكب"، وإنما قال له ذلك لأنه فهم منه معارضة الحديث بالرأي، فأنكر عليه ذلك، وأمره إذا سمع الحديث أن يأخذ به، ويتقي الرأي، والظاهر أن ابن عمر لم ير الزحام عذرًا في ترك الاستلام، وقد روى سعيد بن منصور عن القاسم بن محمد، قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمى، ومن طريق أخرى أنه قيل له في ذلك، فقال: هوت الأفئدة إليه، فأريد أن يكون فؤادي معهم، وروى الفاكهاني عن ابن عباس كراهة المزاحمة، وقال: لا يؤذي ولا يؤذى ولابن المنذر عن نافع، قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر وقبّل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله، ويستفاد منه استحباب الجمع بين التسليم والتقبيل بخلاف الركن اليماني فيستلمه فقط، والاستلام هنا المسح باليد، والتقبيل بالفم، وروى الشافعي عن ابن عمر، قال: استقبل النبي- ﷺ الحجر فاستلمه، ثم وضع شفتيه عليه طويلًا، والمستحب في التقبيل أن لا يرفع به صوته، وروى الفاكهاني عن سعيد بن جبير قال: إذا قبلت الركن فلا ترفع بها صوتك كقبلة النساء.
رجاله أربعة:
مرَّ منهم مسدد في السادس من الإيمان, ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، والرابع الزبير بن عربي النمري أبو سلمة، بصري، قال أحمد: أراه لا بأس به، وقال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، أخرجوا له واحدًا في استلام الحجر، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى عن ابن عمر، وروى عنه ابنه إسماعيل وحماد بن زيد وسعيد بن زيد ومعمر.
وفي الحديث لفظ رجل مبهم وهو الزبير بن عربي هذا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والسؤال، وفيه أن رجاله بصريون، أخرجه الترمذي والنسائي في الحج.
стр. 6225
ثم قال: وقال محمد بن يوسف الفربري: وجدت في كتاب أبي جعفر، قال أبو عبد الله: الزبير بن عدي كوفي، والزبير بن عربي بصري، لما وقف البخاري على التصحيف في الزبير بن عربي بالراء حيث روي بالدال نبه عليه بقوله الزبير بن عربي بالراء بصري، والزبير بن عدي بالدال كوفي، وهما راويان تابعيان، وإدخال هذا من أحد نساخ البخاري، والقصد منه تمييز الزبير بن عربي المار عن الزبير بن عدي، ومحمد بن يوسف مرَّ في أثر بعد الرابع من العلم، وأبو عبد الله المراد به البخاري، والباقي من المذكورين هنا اثنان الأول أبو جعفر محمد بن أبي حاتم وراق البخاري، ولم أقف إلى الآن على تعريفه، والثاني: الزبير بن عدي الهمداني اليامي أبو عدي الكوفي، قاضي الري، قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: ثقة، وقال أحمد أيضًا: صالح الحديث مقارب الحديث، وقال العجلي: ثقة ثبت، وكان صاحب سنة، وقال أبو داود الطيالسي: لا نعرف للزبير بن عدي عن أنس إلا حديثًا واحدًا، وقال البخاري: كان من العباد، وقال الدارقطني: ثقة، وبشر: متروك، روى عن الزبير بواطيل، وقال الفسوي: تابعي ثقة. روى عن أنس وأبي وائل ومصعب بن سعد وغيرهم، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد وهو من أقرانه والثوري ومسعر وغيرهم، مات بالري سنة إحدى وثلاثين ومائة، وصلى عليه نباتة بن حنظلة.
ثم قال المصنف:
стр. 6226
باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه
قوله: "الركن"، أي: الأسود.
الحديث السابع والتسعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ.
قد تقدم هذا الحديث قبل بابين، وشرح باستيفاء، قال ابن التين: تقدم أنه كان يستلمه بالمحجن، فيدل على قربه من البيت، لكن من طاف راكبًا يستحب له أن يبعد إن خاف أن يؤذي أحدًا فيحمل فعله ﷺ على الأمن من ذلك، ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريبًا حيث أمن ذلك، وأن يكون في حال إشارته بعيدًا حيث خاف ذلك.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ محمد بن المثنى وعبدالوهاب في التاسع من الإيمان, ومرَّ خالد الحذاء وعكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، أخرجه البخاري في الحج أيضا، وفي الطلاق، والترمذي والنسائي في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6227
باب التكبير عند الركن
الحديث الثامن والتسعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ.
والمراد بالشيء الذي يشير به المحجن المصرح به في الرواية الماضية، وفيه استحباب التكبير عند الركن الأسود في كل طوفة، واستحب الشافعي وأصحاب مذهبه والحنابلة أن يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر باسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ , وروى الشافعي عن أبي نجيح، قال: أخبرت أن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: يا رسول الله! كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: "قولوا: باسم الله، والله أكبر إيمانًا بالله، وتصديقا لإجابة محمد ﷺ "، ولم يثبت ذلك كما قاله ابن جماعة، وصح في أبي داود والنسائي والحاكم وابن حبان في صحيحيهما أنه ﵊ قال بين الركنين اليمانيين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، قال ابن المنذر: لا نعلم خبرا ثابتًا عنه ﵊ يقال في الطواف غيره.
ونقل الرافعي أن قراءة القرآن في الطواف أفضل من الدعاء غير المأثور، وأن المأثور أفضل منها سلمنا ذلك لكن لم يثبت عنه ﵊ كما مرَّ عن ابن المنذر، إلا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ , الآية، وهي قرآن، وإنما ثبت بين الركنين، وحينئذ يكون هو أفضل ما يقال بين الركنين، وبكون هو وغيره من القرآن أفضل من الذكر والدعاء في باقي الطواف إلا التكبير عند استلام الحجر، فإنه أفضل تأسيًا به ﵊، والصحيح عند الحنابلة أنه لا بأس بقراءة القرآن، وجزم صاحب "الهداية" في "التجنيس" بأن ذكر الله أفضل منها، وكرهها المالكية.
رجاله خمسة قد مرّوا:
стр. 6228
مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرَّ خالد بن عبد الله الطحان في السادس والخمسين من الوضوء، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله.
ثم قال: تابعه إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء، أي: تابع خالدًا الطحان إبراهيم، يعني في التكبير، وأشار بذلك إلى أن رواية عبدالوهاب عن خالد المذكورة في الباب الذي قبله الخالية عن التكبير لا تقدح في زيادة خالد الطحان لمتابعة إبراهيم له، وهذه المتابعة وصلها البخاري في كتاب الطلاق، وقد مرَّ إبراهيم بن طهمان في التاسع والعشرين من الغسل، وخالد الحذاء مرَّ محله في الذي قبله بحديث.
ثم قال المصنف:
стр. 6229
باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته ثم صلي ركعتين، ثم خرج إلى الصفا
قال ابن بطال: غرضه بهذه الترجمة الرد على من زعم أن المعتمر إذا طاف حل قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، فأراد أن يبين أن قول عروة: فلما مسحوا الركن حلوا، محمول على أن المراد استلموا الحجر الأسود، وطافوا وسعوا حلوا، بدليل حديث ابن عمر الذي أردفه به في هذا الباب، وسيأتي إتمام الكلام على قول عروة المذكور عند ذكره قريبًا.
الحديث التاسع والتسعون
حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قال: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ، قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ ﵁ فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلاَنٌ وَفُلاَنٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا.
قوله: "ذكرت لعروة، فأخبرتني عائشة" حذف البخاري صورة السؤال وجوابه، واقتصروا على المرفوع منه، وقد ذكره مسلم من هذا الوجه، ولفظه أن رجلًا من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير، عن رجل يهل بالحج، فإذا طاف: أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل فقل له: إن رجلًا يقول ذلك، قال: فسألته، قال: لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج، قال: فتصدى لي الرجل، فحدثته فقال: فقل له فإن كان رجلًا كان يخبر أن رسول الله ﷺ قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزبير فعلا ذلك، قال: فجئته، أي: عروة، فذكرت له ذلك، فقال: من هذا، فقلت: لا أدري، أي: لا أعرف اسمه، قال: فما باله لا يأتيني بنفسه، يسألني أظنه عراقيًا، يعني: وهم يتعنتون في المسائل، قال: قد حج رسول الله ﷺ ، فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به رسول الله ﷺ حين قدم مكة أنه توضأ، فذكر الحديث،
стр. 6230
والرجل الذي سأل لم أقف على اسمه.
وقوله: "فإن رجلًا كان يخبر" عني به ابن عباس، فإنه كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي وأهلّ بالحج إذا طاف يحل من حجه، وأن من أراد أن يستمر على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبي ﷺ لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرة، وقد أخرج المصنف ذلك في باب: حجة الوداع في المغازي عن ابن جريج، حدثني عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا طاف بالبيت فقد حل، فقلت: من أين؟ فقال: هذا ابن عباس، قال: من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ , ومن أمر النبي ﵊ أصحابه أن يحلوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد ذلك المعرف، قال: كان ابن عباس يراه قبل وبعد، والمعرف كمعظم الموقف بعرفات.
وأخرجه مسلم عن ابن جريج بلفظ: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غيره إلا حل، قلت لعطاء: من أين تقول ذلك؟ فذكره، ولمسلم عن قتادة: سمعت أبا حسان الأعرج، قال: قال رجل لابن عباس: ما هذه الفتيا أن من طاف بالبيت فقد حل؟ فقال: سنة نبيكم، وإن رغمتم، وله عن وبرة بن عبد الرحمن، قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ قال: نعم، قال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حج رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف فبقول رسول الله أحق أن نأخذ أو بقول ابن عباس إن كنت صادقًا، وإذا تقرر ذلك فمعنى قوله في حديث أبي الأسود: قد فعل ذلك رسول الله ﷺ , أي: أمر به وعرف أن هذا مذهب لابن عباس خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل، منهم إسحاق بن راهويه، وعرف أن مأخذه فيه ما ذكر، وجواب الجمهور أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يفسخوا حجهم فيجعلوه عمرة، ثم اختلفوا فذهب الأكثر إلى أن ذلك كان خاصًا بهم، وذهب طائفة إلى أن ذلك جائز لمن بعدهم، وقد مرَّ ما فيه، واتفقوا كلهم على أن من أهل بالحج مفردًا لا يضره الطواف بالبيت، وبذلك إحتج عروة في حديث الباب أن النبي ﷺ بدأ بالطواف ولم يحل من حجه، ولا صار عمرة، وكذا أبو بكر وعمر، فمعنى قوله: "ثم لم تكن عمرة"، أي: لم تكن الفعلة عمرة هذا إن كان بالنصب على أنه خبر كان، ويحتمل أن تكون كان تامة، والمعنى: ثم لم تحصل عمرة، وهي على هذا بالرفع، وفي رواية مسلم: بدل عمرة غيره بغين معجمة، وياء ساكنة آخره هاء، قال عياض: وهو تصحيف، قال النووي: لها وجه، أي: لم يكن غير الحج، وكذا وجهه القرطبي.
стр. 6231
وقوله: "ثم حججت مع أبي الزبير" كذا للأكثر، والزبير بالكسر بدل من أبي، وفي وراية الكشميهني: مع ابن الزبير، يعني أخاه عبد الله، قال عياض: وهو تصحيف، وسيأتي في الطريق الآتية بعد أربعة عشر بابًا مع أبي الزبير بن العوام، وكان سبب هذا التصحيف أنه وقع في تلك الطريق من الزيادة بعد ذكر أبي بكر وعمر ذكر عثمان، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، قال: ثم حججت مع أبي الزبير فذكره، وقد عرف أن قتل الزبير كان قبل معاوية، وابن عمر، لكن لا مانع أن يحجا قبل قتل الزبير، فرآها عروة، أو لم يقصد بقوله، ثم الترتيب، فإن فيها أيضًا، "ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر" فأعاد ذكره مرة أخرى، وأغرب بعض الشارحين فرجح رواية الكشميهني موجهًا لها بما ذكرته، وقد أوضحت جوابه بحمد الله تعالى.
وقوله: "وقد أخبرتني أمي" هي أسماء بنت أبي بكر، وأختها هي عائشة، واستشكل من حيث أن عائشة في تلك الحجة لم تطف لحيضها، وأجيب بالحمل على أنه أراد حجة أخرى غير حجة الوداع، فقد كانت عائشة بعد النبي ﷺ تحج كثيرًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى شيء من هذا في أبواب العمرة.
وقوله: "فلما مسحوا الركن حلوا"، أي: صاروا حلالًا، وقد مرَّ عند الترجمة وجه الجمع بينها وبينه، وتمام ما قيل في لفظ عروة هذا هو أن ابن التين قال: إن معنى قول عروة: مسحوا الركن، أي: ركن المروة، أي: عند ختم السعي، وهو متعقب برواية عبد الله مولى أسماء عن أسماء، قالت: اعتمرت أنا وعائشة والزبير وفلان وفلان، فلما مسحنا البيت أحللنا، أخرجه المصنف، وسيأتي في أبواب العمرة، وقال النووي: لابد من تأويل قوله: مسحوا الركن؛ لأن المراد به الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف، ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بالإجماع، فتقديره: فلما مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا وحلوا، وحذفت هذه المقدرات للعلم بها لظهورها، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل تمام الطواف، ثم مذهب الجمهور أنه لابد من السعي بعده، ثم الحلق، وتعقب بأن المراد بمسح الركن الكناية عن تمام الطواف، لاسيما واستلام الركن يكون في كل طوفة، فالمعنى: فلما فرغوا من الطواف حلوا.
وأما السعي والحلق فمختلف فيهما كما قال، ويحتمل أن يكون المعنى: فلما فرغوا من الطواف وما يتبعه حلُّوا وأراد بمسح الركن هنا استلامه بعد فراغ الطواف والركعتين كما وقع في حديث جابر فحينئذ لا يبقى إلا تقدير وسعوا؛ لأن السعي شرط عند عروة بخلاف ما نقل
стр. 6232
عن ابن عباس، وأما تقدير حلقوا فينظر في رأي عروة، فإن كان الحلق عنده نسكًا فيقدر في كلامه، إلا فلا.
وفي هذا الحديث استحباب الابتداء بالطواف للقادم لأنه تحية المسجد الحرام، واستثنى بعض الشافعية ومن وافقه المرأة الجميلة أو الشريفة التي لا تبرز فيستحب لها تأخير الطواف إلى الليل إن دخلت نهارًا، وكذا من خاف فوت مكتوبة أو جماعة مكتوبة أو مؤكدة أو فائتة فإن ذلك كله يقدم على الطواف، وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه، وعن مالك وأبي ثور من الشافعية: عليه دم، وهل يتداركه من تعمد تأخيره لغير عذر وجهان كتحية المسجد، وفيه الوضوء للطواف، وليس فيه دلالة على الاشتراط إلا إذا انضم إليه قوله ﵊: "خذوا عني مناسككم" وباشتراط الوضوء للطواف، قال الجمهور: وخالف فيه بعض الكوفيين.
ومن الحجة عليهم قوله ﷺ لعائشة لما حاضت: "غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري"، وقد قال النووي في "شرح المهذب": انفرد أبو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط في الطواف، واختلف أصحابه في وجوبها وجبرانها بالدم إن فعله، وتعقب عليه بأنه لم ينفرد، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن شعبة، قال: سألت الحكم وحمادًا ومنصورًا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا بأسًا به، وروي عن عطاء: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدًا ثم حاضت أجزأ عنها، ويمكن أن يكون النووي أراد انفراده عن الأئمة الثلاثة، لكن عند أحمد رواية أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم، وكذلك عند المالكية.
رجاله ستة وفيه ذكر أبي بكر وعمر والزبير وأسماء، وقد مرَّ الجميع: مرَّ أصبغ وعمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء، ومرَّ محمد بن عبد الرحمن في الثامن والثلاثين من الغسل، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ الزبير في الثامن والأربعين منه، ومرت أسماء في الثامن والعشرين منه، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء, ومرَّ عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عمر في الأول منه. وفي الحديث فلان وفلان ولم أر من سماهما.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والذكر، رواته: بصريون ومدنيان، أخرجه مسلم في الحج.
стр. 6233
الحديث المائة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
قوله: "ثم سجد سجدتين" المراد بهما ركعتا الطواف.
وقوله: "ثم يطوف بين الصفا والمروة": المراد به السعي بينهما، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى حيث ترجم له المصنف بعد خمسة عشر بابًا.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ أبو ضمرة أنس بن عياض في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس منه، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الحديث الحادي والمائة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قال: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
أخرج المصنف حديث ابن عمر من وجهين كلاهما من رواية نافع عنه، الأولى: من رواية موسى بن عقبة، والثانية: من رواية عبيد الله، والراوي عنهما واحد وهو أبو ضمرة أنس بن عياض، زاد في الرواية الأولى: ثم سجد سجدتين ... إلخ، ما مرَّ وزاد في الثانية: إنه يخب ثلاثة أطواف، وأنه يسعى بطن المسيل، وقد مرَّ الكلام على الرمل في باب كيف كان بدء الرمل، ومرَّ الكلام على قوله: يخب في باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة.
وقوله: "بطن المسيل الوادي" لأنه المكان الذي يجتمع فيه السيل.
وقوله: "بطن" منصوب على الظرف.
стр. 6234
رجاله خمسة:
مرَّ محلهم في الذي قبله إلا عبيد الله العمري، وقد مرَّ في الرابع عشر من الوضوء مع أبي ضمرة.
ثم قال المصنف:
стр. 6235
باب طواف النساء مع الرجال
أي: هل يختلطن بهم أو يطفن معهم على حدة بغير اختلاط، أو ينفردن.
الحديث الثاني والمائة
وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ، قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟ قُلْتُ: أَبَعْدَ الْحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ. قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لاَ تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْكِ. وَأَبَتْ. يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ الْبَيْتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ، وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهِىَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ. قُلْتُ: وَمَا حِجَابُهَا؟ قَالَ هِيَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ لَهَا غِشَاءٌ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا.
هذا أحد الأحاديث التي أخرجها عن شيخه أبي عاصم النبيل بواسطة، وقد ضاق على الإسماعيلي مخرجه، فأخرجه أولًا من طريق البخاري، ثم أخرجه هكذا وكذا البيهقي، وأما أبو نعيم فقد أخرجه أولًا من طريق البخاري، ثم أخرجه من طريق أبي قرة موسى بن طارق، عن ابن جريج قال مثله غير قصة عطاء مع عبيد بن عمير، قال أبو نعيم: هذا حديث عزيز ضيق المخرج، وقد أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن جريج بتمامه، وكذا أخرجه الفاكهاني في كتاب مكة عن ابن جريج، فذكره بتمامه أيضًا.
وقوله: "إذ منع ابن هشام" هو إبراهيم أو أخوه محمد، ويأتي تعريفهما قريبًا في السند، وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهاني عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلًا معهن، فضربه بالدِّرَة وهذا إن صحّ لم يعارض الأول لأن ابن هشام منعهن أن يطفن حين يطوف الرجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه
следующие страницы →