Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
وقوله: "ثم حججت مع أبي الزبير" كذا للأكثر، والزبير بالكسر بدل من أبي، وفي وراية الكشميهني: مع ابن الزبير، يعني أخاه عبد الله، قال عياض: وهو تصحيف، وسيأتي في الطريق الآتية بعد أربعة عشر بابًا مع أبي الزبير بن العوام، وكان سبب هذا التصحيف أنه وقع في تلك الطريق من الزيادة بعد ذكر أبي بكر وعمر ذكر عثمان، ثم معاوية وعبد الله بن عمر، قال: ثم حججت مع أبي الزبير فذكره، وقد عرف أن قتل الزبير كان قبل معاوية، وابن عمر، لكن لا مانع أن يحجا قبل قتل الزبير، فرآها عروة، أو لم يقصد بقوله، ثم الترتيب، فإن فيها أيضًا، "ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر" فأعاد ذكره مرة أخرى، وأغرب بعض الشارحين فرجح رواية الكشميهني موجهًا لها بما ذكرته، وقد أوضحت جوابه بحمد الله تعالى.
وقوله: "وقد أخبرتني أمي" هي أسماء بنت أبي بكر، وأختها هي عائشة، واستشكل من حيث أن عائشة في تلك الحجة لم تطف لحيضها، وأجيب بالحمل على أنه أراد حجة أخرى غير حجة الوداع، فقد كانت عائشة بعد النبي ﷺ تحج كثيرًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى شيء من هذا في أبواب العمرة.
وقوله: "فلما مسحوا الركن حلوا"، أي: صاروا حلالًا، وقد مرَّ عند الترجمة وجه الجمع بينها وبينه، وتمام ما قيل في لفظ عروة هذا هو أن ابن التين قال: إن معنى قول عروة: مسحوا الركن، أي: ركن المروة، أي: عند ختم السعي، وهو متعقب برواية عبد الله مولى أسماء عن أسماء، قالت: اعتمرت أنا وعائشة والزبير وفلان وفلان، فلما مسحنا البيت أحللنا، أخرجه المصنف، وسيأتي في أبواب العمرة، وقال النووي: لابد من تأويل قوله: مسحوا الركن؛ لأن المراد به الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف، ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بالإجماع، فتقديره: فلما مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا وحلوا، وحذفت هذه المقدرات للعلم بها لظهورها، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل تمام الطواف، ثم مذهب الجمهور أنه لابد من السعي بعده، ثم الحلق، وتعقب بأن المراد بمسح الركن الكناية عن تمام الطواف، لاسيما واستلام الركن يكون في كل طوفة، فالمعنى: فلما فرغوا من الطواف حلوا.
وأما السعي والحلق فمختلف فيهما كما قال، ويحتمل أن يكون المعنى: فلما فرغوا من الطواف وما يتبعه حلُّوا وأراد بمسح الركن هنا استلامه بعد فراغ الطواف والركعتين كما وقع في حديث جابر فحينئذ لا يبقى إلا تقدير وسعوا؛ لأن السعي شرط عند عروة بخلاف ما نقل
стр. 6232
عن ابن عباس، وأما تقدير حلقوا فينظر في رأي عروة، فإن كان الحلق عنده نسكًا فيقدر في كلامه، إلا فلا.
وفي هذا الحديث استحباب الابتداء بالطواف للقادم لأنه تحية المسجد الحرام، واستثنى بعض الشافعية ومن وافقه المرأة الجميلة أو الشريفة التي لا تبرز فيستحب لها تأخير الطواف إلى الليل إن دخلت نهارًا، وكذا من خاف فوت مكتوبة أو جماعة مكتوبة أو مؤكدة أو فائتة فإن ذلك كله يقدم على الطواف، وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه، وعن مالك وأبي ثور من الشافعية: عليه دم، وهل يتداركه من تعمد تأخيره لغير عذر وجهان كتحية المسجد، وفيه الوضوء للطواف، وليس فيه دلالة على الاشتراط إلا إذا انضم إليه قوله ﵊: "خذوا عني مناسككم" وباشتراط الوضوء للطواف، قال الجمهور: وخالف فيه بعض الكوفيين.
ومن الحجة عليهم قوله ﷺ لعائشة لما حاضت: "غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري"، وقد قال النووي في "شرح المهذب": انفرد أبو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط في الطواف، واختلف أصحابه في وجوبها وجبرانها بالدم إن فعله، وتعقب عليه بأنه لم ينفرد، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن شعبة، قال: سألت الحكم وحمادًا ومنصورًا وسليمان عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا بأسًا به، وروي عن عطاء: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدًا ثم حاضت أجزأ عنها، ويمكن أن يكون النووي أراد انفراده عن الأئمة الثلاثة، لكن عند أحمد رواية أن الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم، وكذلك عند المالكية.
رجاله ستة وفيه ذكر أبي بكر وعمر والزبير وأسماء، وقد مرَّ الجميع: مرَّ أصبغ وعمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء، ومرَّ محمد بن عبد الرحمن في الثامن والثلاثين من الغسل، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ الزبير في الثامن والأربعين منه، ومرت أسماء في الثامن والعشرين منه، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء, ومرَّ عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عمر في الأول منه. وفي الحديث فلان وفلان ولم أر من سماهما.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والذكر، رواته: بصريون ومدنيان، أخرجه مسلم في الحج.
стр. 6233
الحديث المائة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
قوله: "ثم سجد سجدتين" المراد بهما ركعتا الطواف.
وقوله: "ثم يطوف بين الصفا والمروة": المراد به السعي بينهما، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى حيث ترجم له المصنف بعد خمسة عشر بابًا.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ أبو ضمرة أنس بن عياض في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس منه، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الحديث الحادي والمائة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قال: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
أخرج المصنف حديث ابن عمر من وجهين كلاهما من رواية نافع عنه، الأولى: من رواية موسى بن عقبة، والثانية: من رواية عبيد الله، والراوي عنهما واحد وهو أبو ضمرة أنس بن عياض، زاد في الرواية الأولى: ثم سجد سجدتين ... إلخ، ما مرَّ وزاد في الثانية: إنه يخب ثلاثة أطواف، وأنه يسعى بطن المسيل، وقد مرَّ الكلام على الرمل في باب كيف كان بدء الرمل، ومرَّ الكلام على قوله: يخب في باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة.
وقوله: "بطن المسيل الوادي" لأنه المكان الذي يجتمع فيه السيل.
وقوله: "بطن" منصوب على الظرف.
стр. 6234
رجاله خمسة:
مرَّ محلهم في الذي قبله إلا عبيد الله العمري، وقد مرَّ في الرابع عشر من الوضوء مع أبي ضمرة.
ثم قال المصنف:
стр. 6235
باب طواف النساء مع الرجال
أي: هل يختلطن بهم أو يطفن معهم على حدة بغير اختلاط، أو ينفردن.
الحديث الثاني والمائة
وَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ، قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟ قُلْتُ: أَبَعْدَ الْحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ. قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لاَ تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْكِ. وَأَبَتْ. يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ الْبَيْتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ، وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهِىَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ. قُلْتُ: وَمَا حِجَابُهَا؟ قَالَ هِيَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ لَهَا غِشَاءٌ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا.
هذا أحد الأحاديث التي أخرجها عن شيخه أبي عاصم النبيل بواسطة، وقد ضاق على الإسماعيلي مخرجه، فأخرجه أولًا من طريق البخاري، ثم أخرجه هكذا وكذا البيهقي، وأما أبو نعيم فقد أخرجه أولًا من طريق البخاري، ثم أخرجه من طريق أبي قرة موسى بن طارق، عن ابن جريج قال مثله غير قصة عطاء مع عبيد بن عمير، قال أبو نعيم: هذا حديث عزيز ضيق المخرج، وقد أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن جريج بتمامه، وكذا أخرجه الفاكهاني في كتاب مكة عن ابن جريج، فذكره بتمامه أيضًا.
وقوله: "إذ منع ابن هشام" هو إبراهيم أو أخوه محمد، ويأتي تعريفهما قريبًا في السند، وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك، لكن روى الفاكهاني عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال: فرأى رجلًا معهن، فضربه بالدِّرَة وهذا إن صحّ لم يعارض الأول لأن ابن هشام منعهن أن يطفن حين يطوف الرجال مطلقًا، فلهذا أنكر عليه
стр. 6236
عطاء، واحتج بصنيع عائشة وصنيعها شبيه بهذا المنقول عن عمر، قال الفاكهاني: ويذكر عن ابن عيينة أن أول من فرق بين الرجال والنساء في الطواف خالد بن عبد الله القسري، وهذا إن ثبت فلعله منع ذلك وقتًا، ثم تركه فإنه كان أمير مكة في زمن عبد الملك بن مروان، وذلك قبل ابن هشام بمدة طويلة.
وقوله: "كيف تمنعهن؟ " معناه أخبرني ابن جريج بزمان المنع قائلًا فيه: كيف تمنعهن؟
وقوله: "وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال"، أي: غير مختلطات بهم.
وقوله: "بعد الحجاب" في رواية المستملي أبعد بإثبات همزة الاستفهام وكذا هو للفاكهاني.
وقوله: "إي لعمري" هو بكسر الهمزة بمعنى نعم.
وقوله: "لقد أدركته بعد الحجاب" ذكر عطاء هذا لرفع توهم من يتوهم أنه حمل ذلك عن غيره، ودل على أنه رأى ذلك منهن، والمراد بالحجاب نزول آية الحجاب، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وكان ذلك في تزويج النبي ﷺ بزينب بنت جحش، ولم يدرك ذلك عطاء قطعًا.
وقوله: "يخالطن" في رواية المستملي: يخالطهن في الموضعين والرجال بالرفع على الفاعلية.
وقوله: "حجرة" بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها راء، أي: ناحية، قال القزاز: هو مأخوذ من قولهم: نزل فلان حجرة من الناس، أي: معتزلًا، وفي رواية الكشميهني: حجره بالزاي، وهي رواية عبدالرزاق، فإنه فسره في آخره، فقال: يعني محجوزاً بينها وبين الرجال بثوب، وأنكر ابن قرقول حجرة بضم أوله وبالراء، وليس بمنكر، فقد حكاه ابن عديس، وابن سيده، فقالا: يقال: قعد حجرة بالفتح والضم، أي: ناحية.
وقوله: "فقالت امرأة يحتمل أنها دقرة" بكسر الدال، ويأتي تعريفها في السند.
وقوله: "انطلقي عنك"، أي: عن جهة نفسك.
وقوله: "يخرجن" زاد الفاكهاني، وكن يخرجن.
وقوله: "متنكرات" في رواية عبد الرزاق مستترات، واستنبط منه الداوودي جواز النقاب للنساء في الطواف، وهو في غاية البعد، قلت: ليس ببعيد لأن التنكر لا يمكن إلا بتغطية
стр. 6237
الوجه أو بعضه.
وقوله: "إذا دخلن البيت قمن" في رواية الفاكهاني: سترن.
وقوله: "حين يدخلن" في رواية الكشميهني: حتى يدخلن، وكذا هو للفاكهاني، والمعنى إذا أردن دخول البيت وقفن حتى يدخلن حال كون الرجال مخرجين منه.
وقوله: "وكنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير"، أي: الليثي، والقائل ذلك عطاء، وسيأتي في أول الهجرة عنه، زرت عائشة مع عبيد بن عمير.
وقوله: "وهي مجاورة في جوف ثبير"، أي: مقيمة فيه، واستنبط منه ابن بطال الاعتكاف في غير المسجد لأن ثبيرًا خارج عن مكة، وهو في طريق مني، وهذا مبني على أن المراد بثبير الجبل المشهور الذي كانوا في الجاهلية يقولون: أشرق ثبير كي ما نغير، وسيأتي بعد قليل، وهذا هو الظاهر وهو جبل المزدلفة، لكن بمكة خمسة جبال أخرى يقال لكل منها: ثبير، ذكره أبو عبيد البكري، وياقوت، وغيرهما، فيحتمل أن يكون المراد لأحدهما لكن يلزم من إقامة عائشة هناك أنها أرادت الاعتكاف، سلمنا، لكن لعلها اتخذت في المكان الذي جاورت فيه مسجدًا عتكفت فيه وكأنها لم يتيسر لها مكان في المسجد الحرام تعتكف فيه، فاتخذت ذلك.
وقوله: "وما حجابها" زاد الفكهاني حينئذ.
وقوله: "تركية"، قال عبد الرزاق: هي قبة صغيرة من لبود تضرب في الأرض.
وقوله: "درعا موردًا"، أي: قميصًا لونه لون الورد، ولعبد الرزاق درعًا معصفرًا، وأنا صبي، فبين بذلك سبب رؤيته إياها، ويحتمل أن يكون رأى ما عليها اتفاقًا.
رجاله أربعة وفيه ذكر ابن هشام وذكر عائشة وعبيد بن عمير، وقد مرَّ الجميع -إلا ابن هشام-:
مرَّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، ومرَّ عمرو بن علي الفلاَّس في السابع والأربعين من الوضوء, ومرَّ عبيد بن عمير في الرابع منه، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين من العلم، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
وابن هشام المراد به إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن
стр. 6238
عمر بن مخزوم، خال هشام بن عبد الملك، ووالي المدينة، وأخوه محمد بن هشام، وكانا خاملين قبل الولاية، وقيل: ابن هشام المراد به أخوه محمد تولى محمد إمرة مكة، وتولى إبراهيم إمرة المدينة، وفوض هشام لإبراهيم إمرة الحج بالناس في خلافته، وفي سنة خمس وعشرين ومائة كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر الثقفي، فقدم عليه، فدفع إليه خالد بن عبد الله القسري، ومحمد أو إبراهيم بن هشام المذكورين، وأمره بقتلهم، فعذبهم حتى قتلهم، وفي الحديث لفظ: "امرأة"، قال في "الفتح": لم أقف على اسمها، ويحتمل أن تكون دِقْرة بكسر المهملة وسكون القاف امرأة روى عنها يحيى بن أبي كثير أنها كانت تطوف مع عائشة بالليل، فذكر قصة أخرجها الفاكهاني، وغلط من ذكرها في الصحابة، بل هي تابعية من الطبقة الأولى، يقال إنه بنت غالب الراسبية، بصرية، والدة عبد الرحمن بن أذينة، أخرج لها النسائي من روايتها عن عائشة في العدة، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين، لها عن عائشة حديث في التصليب في الثوب، روى عنها محمد بن سيرين، وبديل بن ميسرة، ووهم فيها ابن أبي حاتم، فظنها رجلًا فقال: دقرة روى عن عائشة، وروى عنه بديل بن ميسرة.
الحديث الثالث والمائة
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قال: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ﵂ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ". فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهْوَ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾.
قوله: "أني أشتكي" أي أنها ضعيفة، وقد بين المصنف عن هشام بن عروة، عن أبيه سبب طواف أم سلمة، وأنه طواف الوداع وسيأتي بعد ستة أبواب.
وقوله: "وأنتِ راكبة" في رواية هشام على بعيرك.
وقوله: "والنبي ﷺ يصلي" في رواية هشام: والناس يصلون، وبيّن فيها أنها صلاة الصبح، وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس ليكون أستر لها ولا تقطع صفوفهم أيضًا، ولا يتأذون بدابتها، وفيه جواز الطواف للراكب إذا كان لعذر، وقد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب استلام الركن بالمحجن، وهذا الحديث قد مرَّ في باب إدخال البعير المسجد للعلة، ومرت مباحثه هناك.
стр. 6239
رجاله ستة قد مرّوا:
مرَّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان, ومرَّ مالك وعروة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ محمد بن عبد الرحمن في الثامن والثلاثين من الغسل، ومرت زينب بنت أبي سلمة في السبعين من العلم، ومرت أم سلمة في السادس والخمسين منه.
ثم قال المصنف:
стр. 6240
باب الكلام في الطواف
أي: إباحته، وإنما لم يصرح بذلك لأن الخبر ورد في كلام يتعلق بأمر بمعروف لا بمطلق الكلام، ولعله أشار إلى الحديث المشهور عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا: الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير، أخرجه أصحاب السنن, وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقد استنبط منه ابن عبد السلام أن الطواف أفضل أعمال الحج لأن الصلاة أفضل من الحج، فيكون ما اشتملت عليه أفضل، قال: وأما حديث: "الحج عرفة" فلا يتعين التقدير معظم الحج عرفة، بل يجوز إدراك الحج بالوقوف بعرفة، وفي هذا نظر ولو سلم، فما لا يتقوم الحج إلا به أفضل مما ينجبر، والوقوف والطواف سواء في ذلك فلا تفضيل.
الحديث الرابع والمائة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، قال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ، أَوْ بِخَيْطٍ، أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "قُدْهُ بِيَدِهِ".
قوله: "بإنسان ربط يده إلى إنسان" زاد أحمد عن ابن جريج: إلى إنسان آخر، وفي رواية النسائي عن ابن جريج: قد ربط يده بإنسان.
وقوله: "يسير" بمهملة مفتوحة وياء ساكنة معروف، وهو ما يقد من الجلد وهو الشراك.
وقوله: "أو بشيء غير ذلك" كأنَّ الراوي لم يضبط ما كان مربوطاً به، وقد روى أحمد والفاكهاني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ أدرك رجلين وهما مقترنان، فقال: "ما بال القِران" قالا: إنا نذرنا لنقترنن حتى نأتي الكعبة، فقال: "أطلقا أنفسكما ليس هذا نذرًا، إنما النذر ما يبتغى به وجه الله تعالى" وإسناده إلى عمرو حسن، قال في "الفتح": لم أقف على تسمية هذين الرجلين صريحًا إلى آخر ما يأتي في السند.
стр. 6241
وقوله: "قُدْ بيده" بضم القاف وسكون الدال، فعل أمر، وفي رواية أحمد والنسائي: "قده" بإثبات هاء الضمير، وهو للرجل المقود، قال النووي: وقطعه ﵊، السير محمول على أنه لم تمكن إزالة هذا المنكر إلا بقطعه، أو أنه دل على صاحبه، فتصرف فيه، وقال غيره: كان أهل الجاهلية يتقربون إلى الله بهذا الفعل، وهذا بين من حديثي عمرو بن شعيب المار وخليفة بن بشر الآتي في السند، وقال ابن بطال في هذا الحديث أنه يجوز للطائف فعل ما خف من الأفعال وتغيير ما يراه الطائف من المناكر، وفيه الكلام في الأمور الواجبة والمستحبة والمباحة، قال ابن المنذر: أولى ما شغل به المرء نفسه في الطواف ذكر الله وقراءة القرآن، ولا يحرم الكلام المباح إلا أن الذكر أسلم، وحكى ابن التين خلافًا في كراهة الكلام المباح، وعن مالك تقييد الكراهة بالطواف الواجب، قال ابن المنذر: واختلفوا في القراءة، فكان ابن المبارك يقول: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، وفعله مجاهد، واستحبه الشافعي وأبو ثور، وقيّده الكوفيون بالسر، وروي عن عروة والحسن كراهته، وعن عطاء ومالك أنه محدث، وعن مالك: لا بأس به إذا أخفاه ولم يكثر منه، قال ابن المنذر: من أباح القراءة في البوادي والطرق، ومنعه في الطواف لا حجة له.
وقد استحبت الشافعية للطائف أن لا يتكلم إلا بذكر الله تعالى، وأنه يجوز الكلام في الطواف ولا يبطل ولا يكره، لكن الأفضل تركه إلا أن يكون كلامًا في خير كأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو تعليم جاهل، أو جواب فتوى، وقد روى الشافعي عن إبراهيم بن نافع، قال: كلمت طاووسًا في الطواف فكلمني، وفي النسائي عن ابن عباس: الطواف بالبيت صلاة، فأقلوا فيه الكلام فليتأدب الطائف بآداب الصلاة خاضعًا حاضر القلب، ملازم الأدب في ظاهره وباطنه، مستشعرًا بقلبه عظمة من يطوف ببيته، وليتجنب الحديث فيما لا فائدة فيه، لاسيما في محرم كغيبة ونميمة.
وقد روي عن وهيب بن الورد، قال: كنت في الحجر تحت الميزاب، فسمعت: من تحت الأستار إلى الله أشكو وإليك يا جبريل ما ألقى من الناس من تفككهم حولي في الكلام، أخرجه الأزرقي وغيره، وقد مرَّ في باب التكبير عند الركن في حديث ابن عباس أن القرآن هو أفضل ما يقال في حالة الطواف، فراجعه، ونقل ابن التين عن الداوودي أن في هذا الحديث من نذر ما لا طاعة لله تعالى فيه، لا تلزمه، وتعقبه بأنه ليس في الحديث شيء من ذلك، وإنما ظاهر الحديث أنه كان ضرير البصر، ولهذا قال له: "قده بيده"، ولا يلزم
стр. 6242
من أمره له بأن يقوده أنه كان ضريرًا بل يحتمل أن يكون لمعنى آخر غير ذلك، وأما ما أنكره من النذر فمتعقب بما في النسائي عن ابن جريج في هذا الحديث أنه قال أنه نذر، ولهذا أخرجه البخاري في أبواب النذر، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
رجاله ستة قد مرّوا:
مرت الثلانة الأول بهذا النسق في الثالث من الحيض، ومرَّ سليمان بن أبي مسلم الأحول في الأول من التهجد بالليل، ومرَّ طاووس في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين بعد الأربعين من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، وفي الحديث لفظ إنسانين مبهمين، قال في "الفتح": لم أقف على تسمية هذين الرجلين صريحًا إلا أن في الطبراني من طريق فاطمة بنت مسلم: حدثني خليفة بن بشر، عن أبيه أنه أسلم، فرد عليه النبي ﷺ ماله وولده، ثم لقيه هو وابنه طلق مقترنين بحبل، فقال: "ما هذا؟ " قال: حلفت لئن ردّ الله علي مالي وولدي لأحجنَّ بيت الله مقرونًا، فأخذ النبي ﷺ الحبل فقطعه، وقال لهما: "حُجَّا، إنَّ هذا من عمل الشيطان"، فيمكن أن يكون بشر وابنه طلق صاحبي القصة.
وبشر هذا قال ابن حجر في "الإصابة": غير منسوب، وليس له هو وولده طلق من التعريف غير هذا الحديث، قال في "الفتح": وأغرب الكرماني، فقال: قيل اسم الرجل المقود ثواب ضد العقاب، قال: ولم أر ذلك لغيره، ولا أدري من أين أخذه، قلت: يؤيد ما قاله ابن حجر كون ثواب هذا لم يكن له ذكر في الصحابة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول، ورواته: رازي وصنعاني ومكيان ويماني، أخرجه البخاري أيضًا في الحج وفي الأيمان والنذور، وأبو داود في الأيمان والنذور، والنسائي فيه، وفي الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6243
باب إذا رأى سيرًا أو شيئًا يكره في الطواف قطعه
الحديث الخامس والمائة
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَطَعَهُ.
قوله: "فقطعه"، قال ابن بطال: إنما قطعه لأن القود بالأزمة إنما يفعل بالبهائم، وهو مثلة، وهذا الحديث مختصر من الذي قبله، وقد مرَّ الكلام عليه في الذي قبله.
رجاله خمسة:
مرَّ محلهم في الذي قبله إلا أبو عاصم، وقد مرَّ هو في أثر بعد الرابع من العلم.
ثم قال المصنف:
стр. 6244
باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك
الحديث السادس والمائة
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِى أَمَّرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: "أَلاَ لاَ يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ".
هذا الحديث قد تقدم بأتم من هذا في أوائل الصلاة في باب ما يستر من العورة، واستوفي الكلام عليه هناك.
رجاله سبعة قد مرّوا:
مرَّ يحيى بن بكير، والليث، وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ حميد بن عبد الرحمن في الثلاثين من الإيمان, ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ أبو بكر الصديق في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة، الخ، بعد الحادي والسبعين من الوضوء.
ثم قال المصنف:
стр. 6245
باب إذا وقف في الطواف
أي: هل ينقطع طوافه أو لا؟ وكأنه أشار بذلك إلى ما روي عن الحسن أن من أقيمت عليه الصلاة وهو في الطواف فقطعه أن يستأنفه، ولا يبني على ما مضى، وخالفه الجمهور، فقالوا: يبني، وقيده مالك بصلاة الفريضة، وهو قول الشافعي، وفي غيرها إتمام الطواف أولى، فإن خرج بني، وقال أبو حنيفة وأشهب بقطعه ويبني، واختار الجمهور قطعه للحاجة، وقال نافع: طول القيام في الطواف بدعة.
ثم قال: وقال عطاء فيمن يطوف: فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه إذا سلم يرجع إلى حيث قطع عليه، فيبني، وَصَلَ نحوه عبد الرزاق عن ابن جريج، قلت لعطاء: الطواف الذي تقطعه على الصلاة وأعتد به أيجزيء؟ قال: نعم، وأحب إلى أن لا يعتد به، قال: فأردت أن أركع قبل أن أتم سبعي، قال: لا، أوف سبعك إلا أن تمنع من الطواف، وقال سعيد بن منصور، عن عطاء إنه كان يقول في الرجل يطوف بعض طوافه ثم تحضر الجنازة: يخرج فيصلي عليها، ثم يرجع فيقضي ما بقي عليه من طوافه، وعطاء مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم.
ثم قال: ويذكر نحوه عن ابن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهم، وما روي عن ابن عمر لفظ جميل بن زيد الذي رواه عنه، قال: رأيت ابن عمر طاف بالبيت، فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم، ثم قام فبنى على ما مضى من طوافه، وما روي عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال عطاء أن عبد الرحمن طاف في إمارة عمرو بن سعيد على مكة في خلافة معاوية، فخرج عمرو إلى الصلاة، فقال له عبد الرحمن: أنظرني حتى أنصرف على وتر، فانصرف على ثلاثة أشواط، ثم صلى، ثم أتم ما بقي، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس، قال: من بدت له حاجة وخرج إليها فليخرج على وتر من طوافه، ويركع ركعتين، ففهم بعضهم منه أنه يجزىء عن ذلك، ولا يلزمه الإتمام، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عطاء: إن كان الطواف تطوعًا، وخرج في وتر، فإنه يجزىء عنه، وعن أبي الشعثاء أنه أقيمت الصلاة وقد طاف خمسة أشواط فلم يتم ما بقي، ولم يذكر البخاري في الباب حديثًا مرفوعًا
стр. 6246
إشارة إلى أنه لم يجد شيئًا على شرطه، وقد أسقط ابن بطال في شرحه ترجمة الباب الذي يليه، فصارت أحاديثه لترجمة إذا وقف في الطواف، ثم استشكل إيراد كونه ﵊ طاف أُسبوعًا وصلى ركعتين في هذا الباب، وأجاب بأنه يستفاد منه أنه ﵊ لم يقف، ولا جلس في طوافه، فكانت السنّة فيه الموالاة، أما ما روي عن ابن عمر، فقد وصله سعيد بن منصور، وأما ما روي عن عبد الرحمن فقد وصله عبد الرزاق عن ابن جريج، وابن عمر مرَّ في أول الإيمان, قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عبد الرحمن في الرابع من كتاب الغسل.
ثم قال المصنف:
стр. 6247
باب صلى النبي ﷺ لسبوعه ركعتين
السُبوع: بضم المهملة والموحدة لغة قليلة في الأسبوع، قال ابن التين: هو جمع سُبع بالضم ثم السكون، كبرد وبرود، ووقع في حاشية "المصباح" مضبوطًا بفتح أوله.
ثم قال: وقال نافع: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يصلي لكل سبوع ركعتين؛ وصله عبد الرزاق عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر أنه كان يطوف بالبيت سبعًا ثم يصلي ركعتين، وعن معمر، عن نافع أن ابن عمر كان يكره قرن الطواف، ويقول: على كل سبع صلاة ركعتين، وكان لا يقرن، ونافع مرَّ في الأخير من العلم، ومرَّ محل ابن عمر الآن.
ثم قال: وقال إسماعيل بن أمية: قلت للزهري: إن عطاء يقول: تجزىء المكتوبة من ركعتي الطواف، فقال: السنة أفضل، لم يطف النبي ﷺ سبوعًا قط إلا صلَّى ركعتين، وهذا وصله ابن أبي شيبة مختصرًا، ولفظ الزهري: مضت السُّنَّة أن مع كل أسبوع ركعتين، ووصله عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري بتمامه، وأراد الزهري أن يستدل على أن المكتوبة لا تجزيء عن ركعتي الطواف بما ذكره من أنه ﵊ لم يطف أسبوعًا قط إلا صلَّى ركعتين، وفي الاستدلال بذلك نظر؛ لأن قوله: إلا صلَّى ركعتين أعم من أن يكون فرضًا أو نفلًا؛ لأن الصبح ركعتان، فتدخل في ذلك، لكن الحيثية مرعية، والزهري لا يخفى عليه ذلك، فلم يرد بقوله: إلا صلى ركعتين، أي: من غير المكتوبة، وإسماعيل مرَّ في الحادي والستين من الزكاة، ومرَّ الزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم.
الحديث السابع والمائة
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵄: أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. قَالَ: وَسَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فَقَالَ: لاَ يَقْرَبِ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
стр. 6248
قوله: "وطاف بين الصفا والمروة" فيه تجويز لأنه يسمى سعيًا لا طوافاً، إذ حقيقة الطواف الشرعية فيه غير موجودة، أو هي حقيقة لغوية، ووجه الدلالة منه لمقصود الترجمة وهو أن القِرَان بين الأسابيع خلاف الأولى من جهة أن النبي ﷺ لم يفعله، وقد قال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا قول أكثر الشافعية وأبي يوسف، وعن أبي حنيفة ومحمد: يكره، وأجازه الجمهور بغير كراهة، وروى ابن أبي شيبة بإسناد جيد عن المسور بن مخرمة أنه كان يقرن بين الأسابيع إذ طاف بعد الصبح والعصر، فإذا طلعت الشمس أو غربت صلى لكل أسبوع ركعتين، وهذا الحديث قد مرَّ بعينه في باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ , ومرَّ الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة ، قد مرّوا:
مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان, ومرَّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع منه، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ محل ابن عمر في الأثر الثاني من هذه الآثار.
ثم قال المصنف:
стр. 6249
باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج إلى عرفة ويرجع بعد الطواف الأول
الحديث الثامن والمائة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قال: حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قال: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، فَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ.
الحديث ظاهر فيما ترجم له، وهو لا يدل على أن الحاج يمنع من الطواف قبل الوقوف، فلعله ﵊ ترك الطواف تطوعًا خشية أن يظن أحد أنه واجب، وكان يحب التخفيف على أُمته، واجتزأ عن ذلك بما أخبرهم به من فضل الطواف بالبيت، ونقل عن مالك أن الحاج لا يتنفل بطواف حتى يتم حجه، وعنه: الطواف بالبيت أفضل من صلاة النافلة لمن كان من أهل البلاد البعيدة وهو المعتمد، ونقل ابن التين عن الداوودي أن الطواف الذي طافه النبي ﷺ حين قدم مكة من فروض الحج، ولا يكون إلا وبعده السعي، قال ابن التين: قوله: من فروض الحج ليس بصحيح؛ لأنه كان مفردًا، والمفرد لا يجب عليه طواف القدوم لقدومه، وليس طواف القدوم للحج، ولا هو فرض من فروضه، وهو كما قاله في "الفتح"، قلت: ابن التين مالكي، ومذهب مالك أن طواف القدوم واجب يجبر بالدم.
رجاله خمسة ، قد مرّوا:
مرَّ محمد بن أبي بكر، وفضيل بن سليمان في الرابع والثمانين من استقبال القبلة، ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء ومرَّ كريب في الرابع منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول، ورواته: مصريان ومدنيان، وهذا الحديث من أفراد البخاري.
ثم قال المصنف:
стр. 6250
باب من صلى ركعتي الطواف خارجًا من الحرم
هذه الترجمة معقودة لبيان إجزاء صلاة ركعتي الطواف في أي موضع أراد الطائف، وإن كان ذلك خلف المقام أفضل، وهو متفق عليه إلا في الكعبة أو الحجر، ولذلك عقبها بترجمة من صلى ركعتي الطواف خلف المقام، ثم قال: وصلى عمر رضي الله تعالى عنه خارجًا من الحرم، وسيأتي هذا التعليق بعد بابين بلفظ: وطاف عمر بعد الصبح، وركب حتى صلى الركعتين بذي طوى، وصله مالك عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عمر، به، ورواه ابن منده في "أماليه"، ولفظه: أن عمر طاف بعد الصبح سبعًا ثم خرج إلى المدينة، فلما كان بذي طوى وطلعت الشمس صلى ركعتين؛ ووصله البيهقي من حديث مالك، وعمر مرَّ في الأول من بدء الوحي.
الحديث التاسع والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهْوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ، وَأَرَادَتِ الْخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتْ صَلاَةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ". فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ.
قوله: "وحدثني محمد بن حرب" الخ، هكذا عطف هذه على التي قبلها، وساقه هنا على لفظ الرواية الثانية، وتجوز في ذلك؛ فإن اللفظين مختلفان، وقد تقدم لفظ الرواية الأولى في باب طواف الرجال مع النساء، ويأتي بعد بابين أيضًا.
وقوله: "عن عروة، عن أم سلمة"، كذا للأكثر، ووقع للأصيلي عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة.
стр. 6251
وقوله: "عن زينب" زيادة في هذه الطريق، فقد أخرجه أبو علي بن السكن، عن محمد بن حرب، وليس فيه زينب، وقال الدارقطني: لم يسمعه عروة عن أم سلمة، وأخرجه الإسماعيلي والنسائي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة، وسماع عروة من أم سلمة ممكن فإنه أدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة وهو معها في بلد واحد، والحديث في قصتين متغايرتين إحداها صلاة الصبح يوم النحر، والأُخرى صلاة صبح يوم الرحيل من مكة، وقد تقدم الكلام على حديث أم سلمة في باب إدخال البعير المسجد للعلة آخر أبواب المساجد، وفي باب طواف النساء مع الرجال.
وموضع الحاجة من هنا قوله في آخره: فلم تصل حتى خرجت، أي: من المسجد، أو من مكة، فدلَّ على جواز صلاة الطواف خارجًا من المسجد إذ لو كان ذلك شرطًا لازمًا لما أقرها النبي ﷺ على ذلك، وفي رواية حسان عند الإسماعيلي: "إذا قامت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك من وراء الناس وهم يصلون"، قالت: ففعلت ذلك ولم أصل حتى خرجت، أي: فصليت، وبهذا ينطبق الحديث مع الترجمة، وفيه رد على من قال: يحتمل أن تكون أكملت طوافها قبل فراغ صلاة الصبح، ثم أدركتهم في الصلاة، فصلت معهم صلاة الصبح، ورأت أنها تجزئها عن ركعتي الطواف، وإنما لم يبت البخاري الحكم في هذه المسألة، لاحتمال كون ذلك يختص بمن كان له عذر لكون أم سلمة كانت شاكية، ولكون عمر إنما فعل ذلك لكونه طاف بعد الصبح، وكان لا يرى التنفل بعده مطلقًا حتى تطلع الشمس كما مرَّ مصرحًا به، واستدل به على أن من نسي ركعتي الطواف قضاهما حيث ذكرهما من حلٍّ أو حرم، وهو قول الجمهور، وعن الثوري: يركعهما حيث شاء ما لم يخرج من الحرم، وعن مالك: إن لم يركعهما حتى تباعد ورجع إلى بلده، فعليه دم، قال ابن المنذر: ليس ذلك أكثر من صلاة المكتوبة، وليس على من تركها غير قضائها حيث ذكرها.
رجاله تسعة ؛ لأنه أخرجه من طريقين.
مرَّ منهم: عبد الله بن يوسف ومالك وهشام بن عروة وأبو عروة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ محمد بن عبد الرحمن في الثامن والثلاثين من الغسل، ومرت زينب بنت أبي سلمة في السبعين من العلم، ومرت أم سلمة في السادس والخمسين منه، ومرَّ محمد بن حرب النشائي ويحيى بن أبي زكرياء في السادس والأربعين والمائة من الجنائز.
стр. 6252
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالجمع والعنعنة، وفيه أربعة مدنيون، وشاميان، ورواية الصحابية عن الصحابية، ورواية الابن عن الأب، ورواية البنت عن الأم.
ثم قال المصنف:
стр. 6253
باب من صلّى ركعتي الطواف خلف المقام
الحديث العاشر والمائة
حَدَّثَنَا آدَمُ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
وفي حديث جابر الطويل في صفة حجة الوداع عند مسلم: طاف، ثم تلا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فصلى عند المقام ركعتين، قال ابن المنذر: احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء إلا ما ذكر عن مالك من أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يعيد، وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بذلك مستوفى في أوائل كتاب الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
رجاله أربعة ، قد مرّوا:
مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان, وابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم.
ثم قال المصنف:
стр. 6254
باب الطواف بعد الصبع والعصر
أي: ما حكم صلاة الطواف حينئذ؟ وقد ذكر فيه آثارًا مختلفة، ويظهر من صنيعه أنه يختار فيه التوسعة، وكأنه أشار إلى ما رواه الشافعي وأصحاب السنن, وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما عن جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: "يا بني عبد مناف! من ولي منكم من أمر الناس شيئًا فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار"، وإنما لم يخرجه لأنه ليس على شرطه، وقد أخرج المصنف أحاديث تتعلق بصلاة الطواف، ووجه تعلقها بالترجمة، أما من جهة أن الطواف صلاة فحكمها واحد، أو من جهة أن الطواف مستلزم للصلاة التي تشرع بعده، وهو أظهر، وأشار به إلى الخلاف المشهور في المسألة، قال ابن المنذر: رخص في الصلاة بعد الطواف في كل وقت جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، ومنهم من كره ذلك أخذًا بعموم النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، وهو قول عمر والثوري وطائفة، وذهب إليه أبو مالك وأبو حنيفة، وقال أبو الزبير: رأيت البيت يخلو بعد هاتين الصلاتين ما يطوف به أحد، وروى أحمد بإسناد حسن عن جابر، قال: كنا نطوف، فنمسح الركن الفاتحة والخاتمة، ولم نكن نطوف بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، قال: وسمعت رسول ال ﷺ يقول: "تطلع الشمس بين قرني شيطان".
ثم قال: وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يصلي ركعتي الطواف ما لم تطلع الشمس، وصله سعيد بن منصور، عن عطاء أنهم صلوا الصبح بغلس، وطاف ابن عمر بعد الصبح سبعًا، ثم التفت إلى أفق السماء، فرأى أن عليه غلسًا، قال: فاتبعته حتى انظر أي شيء يصنع، فصلى ركعتين، قال: وحدثنا داود العطار عن عمرو بن دينار: رأيت ابن عمر طاف سبعًا بعد الفجر، وصلى ركعتين وراء المقام، هذا إسناد صحيح، وهذا جار على مذهب ابن عمر في اختصاص الكراهة بحال طلوع الشمس وحال غروبها، وقد تقدم ذلك عنه صريحًا في أبواب المواقيت، وروى الطحاوي عن مجاهد، قال: كان ابن عمر يطوف بعد العصر ويصلي ما كانت الشمس بيضاء نقية، فإذا اصفرّت وتغيرت طاف طوافًا واحدًا حتى
стр. 6255
يصلي المغرب، ثم يصلي ركعتين، وفي الصبح نحو ذلك، وقد جاء عن ابن عمر أنه كان لا يطوف بعد هاتين الصلاتين، قال سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن نافع أن ابن عمر كان لا يطوف بعد صلاة العصر ولا بعد صلاة الصبح، وأخرجه ابن المنذر، عن أيوب أيضًا، ومن طريق أخرى عن نافع: كان ابن عمر إذا طاف بعد الصبح لا يصلي حتى تطلع الشمس، وإذا طاف بعد العصر لا يصلي حتى تغرب الشمس، ويجمع بين ما اختلف عنه في ذلك بأنه كان في الأغلب يفعل ذلك، والذي يعتمد من رأيه عليه التفصيل.
ثم قال: وطاف عمر بعد الصبح، فركب حتى صلى الركعتين بذي طوى، قال الطحاوي: فهذا عمر رضي الله تعالى عنه أخر الصلاة إلى أن يدخل وقتها، وهذا بحضرة جماعة من الصحابة، ولم ينكره عليه منهم أحد، ولو كان ذلك الوقت عنده وقت صلاة الطواف لصلى، ولما أخر ذلك لأنه لا ينبغي لأحد طاف بالبيت إلا أن يصلي حينئذ إلا من عذر، وقد مرَّ من أخرجه قبل بابين، ومرَّ عمر في أول حديث من بدء الوحي.
الحديث الحادي عشر والمائة
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الْبَصْرِيُّ، قال: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ نَاسًا طَافُوا بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى الْمُذَكِّرِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلُّونَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَعَدُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِى تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاَةُ قَامُوا يُصَلُّونَ.
قوله: "عن حبيب" هو المعلم، ويأتي تعريفه في السند، وقد ضاق على الإسماعيلي وأبي نعيم مخرجه، فتركه الإسماعيلي وأخرجه أبو نعيم من طريق البخاري هذه.
وقوله: "ثم قعدوا إلى المذكر" بالمعجمة وتشديد الكاف، اسم فاعل، أي: الواعظ، وضبطه ابن الأثير في النهاية بالتخفيف بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه، قال: وأرادت موضع الذكر، إما الحِجْر، وإما الحَجَر.
وقوله: "الساعة التي تكره فيها الصلاة" أي: التي عند طلوع الشمس وكأن المذكورين كانوا يتحرون ذلك الوقت، فأخروا الصلاة إليه قصدًا، فلذلك أنكرت عليهم عائشة هذا أنْ كانت ترى أن الطواف سبب لا تكره مع وجود الصلاة في الأوقات المنهية، ويحتمل أنها كانت تحمل النهي على عمومه، ويدل لذلك ما رواه ابن أبي شيبة، عن عطاء، عن عائشة أنها قالت: إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر أو العصر فطف وأخر الصلاة حتى تغيب
стр. 6256
الشمس، أو حتى تطلع، فصلّ لكل أسبوع ركعتين، وهذا إسناد حسن.
رجاله ستة ، مرَّ منهم:
يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء ومرَّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، والباقي اثنان:
الأول: الحسن بن عمر شقيق بن أسماء الجرمي أبو علي البصري، سكن الري، وكان يتجر إلى بلخ، فعرف بالبلخي، قال البخاري وأبو حاتم: صدوق، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال صالح جزرة وقد سئل عنه: شيخ صدوق، روى عن يزيد بن زريع وعبد الوارث ومعتمر وحماد بن زيد، وغيرهم، وروى عنه: البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين بالبصرة.
الثاني: حبيب بن أبي قريبة، ويقال: ابن زيد، أو ابن أبي بقية المعلم أبو محمد البصري مولى معقل بن يسار، قال عمرو بن علي: كان يحيى لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وقال أحمد وابن معين وأبو زرعة: ثقة، وقال أحمد أيضًا: ما أصح حديثه! وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات" قال في المقدمة: له في البخاري في الحج حديث عن عطاء، عن ابن عباس، وآخر عن عطاء، عن جابر، وعلق له في بدء الخلق عن عطاء، عن جابر، والأحاديث الثلاثة بمتابعة ابن جريج له عن عطاء، هذا جميع ما له عنده، وروى له الجماعة، روى عن: عطاء والحسن وعمرو بن شعيب، وهشام بن عروة وغيرهم، وروى عنه: حماد بن سلمة ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي وغيرهم، مات سنة خمس وثلاثين ومائة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته: بصريون ومكي ومدني، والحديث من أفراده.
الحديث الثاني عشر والمائة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنِ الصَّلاَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا.
وهذا الحديث مباحثه قد تقدمت في أبواب مواقيت الصلاة.
رجاله خمسة ، قد مرّوا:
стр. 6257
مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ونافع في الأخير منه، وأبو ضمرة في الرابع عشر من الوضوء وموسى بن عقبة في الخامس منه، وعبد الله بن عمر في أول الإيمان.
الحديث الثالث عشر والمائة
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ- قال: حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ يَطُوفُ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَيُخْبِرُ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهَا إِلاَّ صَلاَّهُمَا.
قوله: "قال عبد العزيز" يعني بالإسناد المذكور، وليس بمعلق، وكان عبد الله بن الزبير استنبط جواز الصلاة بعد الصبح من جواز الصلاة بعد العصر، فكان يفعل ذلك بناء على اعتقاده أن ذلك على عمومه، وقد تقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في أواخر المواقيت قبيل الأذان في باب ما يصلي بعد العصر من الفوائت، وبيّنا هناك أن عائشة أخبرت أن رسول الله ﷺ لم يتركهما، وأن ذلك من خصائصه، أعني المواظبة على ما يفعله من النوافل لا صلاة الراتبة في وقت الكراهة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والذي يظهر أن ركعتي الطواف تلتحق بالرواتب.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم الحسن بن محمد في الخامس من الاستسقاء، ومرَّ عبد الله بن الزبير في الثامن والأربعين من العلم، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، والباقي اثنان:
الأول: عبيدة بن حميد بن صهيب التيمي، وقيل: الليثي، وقيل: الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي المعروف بالحذاء، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: لم يكن حذَّاءً، كان يجالس الحذَّائين فنسب إليهم، وقال أحمد: لم يكن حذاء إنما هو الظاعني، والحذاء هو ابن أبي رائطة، وسئل أحمد عنه هو والبكائي، فقال: عبيدة أحب إلي وأصح حديثًا منه، وقال أيضًا: ما أحسن حديثه، وقال الأثرم: أحسن أحمد الثناء عليه جدًا، ورفع أمره، وقال: ما أدري ما للناس، ثم ذكر صحة حديثه، وقال: وكان قليل السقط، وأما التصحيف فليس نجده عنده، وقال ابن معين مرة: ثقة، وقال مرة: ما به المسكين بأس، ليس له بخت، وقال مرة: ما به بأس عابوه أنه يقعد عند أهل الكتب، وقال ابن المديني: أحاديثه صحاح، وما رويت
стр. 6258
عنه شيئًا، وضعفه وقال مرة: ما رأيت أصح حديثًا منه ولا أصح رجالًا، وقال يعقوب بن شيبة: كتب الناس عنه ولم يكن من الحفاظ المتقنين، وذكره سعدويه يومًا، فقال: كان صاحب كتاب وكان مؤدب محمد بن هارون، وقال ابن عمار: ثقة، وقال زكرياء الساجي: ليس بالقوي، وهو من أهل الصدق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن نمير: كان شريك يستعين به في المسائل، وقال ابن سعد: كان ثقة صالح الحديث، صاحب نحو وعربية وقراءة القرآن، قدم بغداد فصيّره هارون مع ابنه محمد، فلم يزل معه حتى مات، وقال العجلي: لا بأس به, وقال الدارقطني: ثقة، وكان من الحفاظ، وذكره ابن شاهين في الثقات، وقال: قال عثمان بن أبي شيبة: عبيدة، ثقة صدوق، قال في "المقدمة" له: في الصحيح ثلاثة أحاديث:
أحدها: في الأدب عن ابن عباس في قصة القبرين اللذين يعذب من فيهما وهو عنده في الطهارة من رواية جرير بن منصور.
ثانيها: في الدعاء عن مصعب بن سعد، عن أبيه في قوله: "اللهم إني أعوذ بك من البخل والجبن"، الحديث، وهو عنده في الدعاء أيضًا عن شعبة وزائدة عن عبد الملك.
ثالثها: في الحج عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة في الصلاة بعد العصر، وهذا حديث فرد عنده إلا أن الرواية عن عائشة في ذلك مروية عنده من طرق، وروى له أصحاب السنن الأربعة.
روى عن عبد الملك بن عمير، وعبد العزيز بن رفيع والأعمش وحميد الطويل وغيرهم، وروى عنه الثوري وهو أكبر منه، وأحمد بن حنبل ومحمد بن سلام وابنا أبي شيبة وغيرهم، ولد سنة سبع ومائة، ومات سنة تسعين ومائة.
الثاني: عبد العزيز بن رفيع الأسدي أبو عبد الله المكي الطائفي، سكن الكوفة، قال البخاري: له نحو ستين حديثًا، وقال أحمد ويحيى وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال جرير: كان أتى عليه نيف وتسعون سنة، فكان يتزوج، فلا تمكث معه المرأة من كثرة جماعه، حتى تقول: فارقني، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: يقوم حديثه مقام الحجة، روى عن أنس وابن الزبير وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وروى عنه عمرو بن دينار، وهو من شيوخه، والأعمش وأبو إسحاق الشيباني وشعبة والسفيانان وغيرهم، مات سنة ثلاثين ومائة.
стр. 6259
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالإِفراد والجمع والإِخبار بالأفراد والرؤية، ورواته: بغدادي وكوفي ومكي، سكن الكوفة، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي، ورواية الراوي عن خالته، والحديث من أفراده.
ثم قال المصنف:
стр. 6260
باب المريض يطوف راكبًا
قد تقدم الكلام على الطواف راكبًا في باب استلام الركن بالمحجن استيفاءً تامًا.
الحديث الرابع عشر والمائة
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَهْوَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ.
قد مرَّ هذا الحديث في باب التكبير عند الركن، وزاد أبو داود في حديثه: فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين، وقد مرَّ في باب إدخال البعير المسجد آخر أبواب المساجد أن المصنف حمل سبب طوافه ﵊ راكباً على أنه كان من شكوى، الخ، ما مرَّ هناك.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ إسحاق بن شاهين في الرابع عشر من الحيض، ومرَّ خالد بن عبد الله الطحان في السادس والخمسين من الوضوء ومرَّ خالد الحذاء، وعكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
الحديث الخامس عشر والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ". فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهْوَ يَقْرَأُ بِـ ﴿الطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾.
وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب ادخال البعير المسجد للعلة، ومرَّ أيضًا في باب طواف النساء مع الرجال.
رجاله ستة قد مرّوا:
стр. 6261
مرَّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان, ومرَّ مالك وعروة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ محمد بن عبد الرحمن في الثامن والثلاثين من الغسل، ومرت زينب بنت أم سلمة في السبعين من العلم، ومرت أم سلمة في السادس والخمسين منه.
ثم قال المصنف:
стр. 6262
باب سقاية الحاج
أخرج الفاكهاني عن عطاء، قال: سقاية الحاج زمزم، وقال الأزرقي: كان عبد مناف يحمل الماء في الروايا والقرب إلى مكة، وسكبه في حياض من أدم بفناء الكعبة للحجاج، ثم فعله ابنه هاشم بعده، ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم، كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس، قال ابن إسحاق: لما ولي قصي بن كلاب أمر الكعبة كانت إليه الحجابة والسقاية واللواء والرفادة ودار الندوة، ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية والرفادة، والبقية للأخوين، ثم ذكر نحو ما تقدم وزاد: ثم ولي السقاية من بعد عبد المطلب ابنه العباس، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا، فلم تزل بيده حتى قام الإِسلام وهي بيده، فأقرها رسول الله ﷺ معه، فهي اليوم إلى بني العباس، وروى الفاكهاني عن الشعبي، قال: تكلم العباس وعلي وشيبة بن عثمان في السقاية والحجابة، فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، قال: حتى تفتح مكة، ومن طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن العباس لما مات أراد علي أن يأخذ السقاية، فقال له طلحة: أشهد لرأيت أباه يقوم بها، وإن أباك أبا طالب لنازل في إبله بالأراك بعرفة، قال: فكف عليّ عن السقاية، وعن ابن جريج، قال: قال العباس: يا رسول الله لو جمعت لنا الحجابة والسقاية، فقال: "إنما أعطيتكم ما ترزؤن ولم أعطكم ما ترزؤن" الأول بضم أوله وسكون الراء وفتح الزاي، والثاني بفتح أوله وضم الزاي، أي: أعطيتكم ما ينقصكم لا ما تنقصون به الناس، وروى الطبراني والفاكهاني عن السائب المخزومي أنه كان يقول: اشربوا من سقاية العباس فإنه من السنة.
الحديث السادس عشر والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.
стр. 6263
وعند أحمد في "مسنده" أذن للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي مني من أجل السقاية، والمراد بأيام مني ليلة الحادي عشر، واللتان بعدها، وفي رواية ابن جريج عند أحمد أن مبيت تلك الليلة بمنى وكأنه بمنى ليلة الحادي عشر؛ لأنها تعقب يوم الإفاضة، وأكثر الناس يفيضون يوم النحر، ثم في الذي يليه، وهو الحادي عشر، وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور.
وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية: إنه سنة ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف، ولا يحصل المبيت إلا بمعقم الليل، وهل يختص الإذن بالسقاية وبالعباس أو بغيره ذلك من الأوصاف المقيّدة في هذا الحكم، فقيل: يختص الحكم بالعباس وهو جمود، وقيل: يدخل معه آله، وقيل: قومه وهم بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك، ثم قيل أيضًا: يختص الحكم بسقاية العباس حتى لو عملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم من عممه وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين، وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته، أو مريض يتعاهده بأهل السقاية كما جزم الجمهور بإلحاق الرعاء خاصة لما أخرجه الترمذي، وقال صحيح حسن أنه ﵊ رخص للعباس ولرعاء الإبل وهو قول أحمد.
واختاره ابن المنذر، أعني الاختصاص بأهل السقاية والرعاء للإبل، والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك، وعليه اقتصر صاحب المغني.
وقال المالكيهَ: يجب الدم في المذكورات سوى الرعاء، قالوا: ومن ترك المبيت بغير عذر، وجب عليه دم عن كل ليلة، والمرخص فيه عند المالكية لصاحب السقاية ترك المبيت خاصة فلابد أن يأتي نهارًا للرمي، ثم ينصرف لأن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ليلاً ويفرغه في الحياض، وأما الراعي فقد رخص له أن ينصرف بعد رمي العقبة، ويترك المبيت ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، ويأتي اليوم الثالث عشر فيرمي لليومين اليوم الثاني الذي فاته وهو في رعيه، والثالث الذي حضر فيه، ثم إن شاء تعجل، وإن شاء أقام لرمي الثالث من أيام الرمي، وقال الشافعي: عن كل ليلة مد، وقيل عنه التصدق بدرهم، وعن الثلاث دم، وهي رواية عن أحمد، والمشهور عنه وعن الحنفية: لا شيء عليه، واحتجت الحنفية على
стр. 6264
أن المبيت بمنى سنة بأنه لو كان واجبًا لما رخص في تركه لأهل السقاية، وأجابوا عن قول الآخرين: لولا أنه واجب لما احتاج لإذن بأن مخالفة السنة عندهم كان مجانبًا جدًا خصوصًا إذا انضم إليها الإنفراد عن جميع الناس مع الرسول ﵊، فاستأذن لإسقاط الإساءة الكائنة بسبب عدم موافقته ﵊ لما فيه من إظهار المخالفة المستلزمة لسوء الأدب لأنه ﵊ كان يبيت بمنى ليالي أيام التشريق، وفي الحديث أيضًا استيذان الأمراء والكبراء فيما يطرأ من المصالح والأحكام، وبدار من استؤمر إلى الإذن عند ظهور المصلحة.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ عبد الله بن أبي الأسود في التاسع والستين من صفة الصلاة، ومرَّ أبو ضمرة وعبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء, ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث.
الحديث السابع عشر والمائة
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ: "اسْقِنِي". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ. قَالَ: "اسْقِنِي". فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: "اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ"، ثُمَّ قَالَ: "لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ". يَعْنِي عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ.
وقوله: "فاستسقى"، أي: طلب الشرب، والفضل هو ابن العباس، ويأتي قريبًا في السند محل تعريفه.
وقوله: "إنهم يجعلون أيديهم فيه"، في رواية الطبراني عن عكرمة في هذا الحديث أن العباس قال له: إن هذا قد مرث، أفلا أسقيك من بيوتنا، قال: "لا اسقني مما يشرب منه الناس".
وقوله: "قال: اسقني" زاد أبو علي بن السكن في روايته: فناوله العباس الدلو.
وقوله: "فشرب منه" وفي رواية الطبراني المذكورة: فأتى به فذاقه، فقطب، ثم دعا بماء فكسره، قال: "وتقطيبه إنما كان لحموضته وكسره بالماء ليهون عليه شربه، وعرف بهذا جنس
стр. 6265
المطلوب شربه إذ ذاك، وقد أخرج مسلم عن بكر بن عبد الله المزني، قال: كنت جالسًا مع ابن عباس, فقال: قدم رسول الله ﷺ وخلفه أسامة، فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ، فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: "أحسنتم كذا فاصنعوا".
وقوله: "لولا أن تغلبوا" بضم أوله على البناء للمجهول، قال الداودي: أي إنكم لا تتركوني أستسقي ولا أحب أن أفعل بكم ما تكرهون فتغلبوا، وقال غيره: معناه: لولا أن تقع لكم الغلبة بأن يجب عليكم ذلك بسبب فعلي، وقيل: معناه: لولا أن يغلبكم الولاة عليها حرصًا على حيازة هذه المكرمة، والذي يظهر أن معناه: لولا أن تغلبكم الناس على هذا العمل إذا رأوني قد عملته لرغبتم في الاقتداء بي، فيغلبوكم بالمكاثرة لفعلت، ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم عن جابر: أتى النبي ﷺ بني عبدالمطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم.
واستدل بهذا على أن السقاية خاصة ببني العباس، وفيه الشرب من سقاية الحاج، وقال طاووس: الشرب من سقاية العباس من تمام الحج، وقال عطاء: لقد أدركت هذا الشراب، وإن الرجل ليشرب فتلتزق شفتاه من حلاوته، فلما ذهبت الحرية وولي العبيد تهاونوا بالشراب، واستخفوا به، وروى ابن أبي شيبة عن السائب بن عبد الله أنه أمر مجاهدًا مولاه بأن يشرب من سقاية الحاج، ويقول: إنه من تمام السنة، وروى ابن جريج عن نافع أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحج.
واستدل به الخطابي على أن الظاهر أن أفعاله فيما يتصل بأُمور الشريعة على الوجوب، فتركه الفعل شفقة أن يتخذ سنة، وفيه نظر، وقال ابن بزيزة: أراد بقوله: "لولا أن تغلبوا" قصر السقاية عليهم وأن لا يشاركوا فيها"، واستدل به على أن الذي أُرصد للمصالح لا يحرم على النبي ﷺ , ولا على آله تناوله لأن العباس أرصد سقاية زمزم لذلك، وقد شرب منها النبي ﷺ , قال ابن المنير: يحمل الأمر في هذا على أنها مرصدة للنفع العام، فتكون للغني في معنى الهدية، وللفقير صدقة، وقال ابن التين: شربه ﵊ لا يخلو أن يكون ذلك من مال الكعبة الذي كان يؤخذ لها من الخمس أو من مال العباس الذي عمله للغني والفقير فشرب منه ﵊ ليسهل على الناس، وفيه أنه لا يكره طلب السقي من الغير ولا رد ما يعرض على المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه لأن رده ﵊ لما عرض عليه العباس مما يؤتى به من نبيذ لمصلحة التواضع التي ظهرت من شربه مما يشرب منه الناس، وفيه الترغيب في سقي الماء خصوصًا ماء زمزم، وفيه تواضح
стр. 6266
النبي ﷺ ، وحرص أصحابه على الاقتداء به وكراهة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات، وقال ابن المنير: فيه أن الأصل في الأشياء الطهارة لتناوله ﵊ من الشراب الذي غمست فيه الأيدي.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر العباس والفضل وقد مرَّ الجميع:
مرَّ إسحاق بن شاهين في الرابع عشر من الحيض، ومرَّ محل جميع الخمسة في الذي قبله بحديثين، ومرَّ العباس في الثالث والستين من الوضوء، ومرَّ ابنه الفضل في الثامن عشر من الجماعة.
ثم قال المصنف:
стр. 6267
باب ما جاء في زمزم
بفتح الزايين وسكون الميم الأولى، وسميت بذلك لكثرة مائها، والماء الزمزم هو الكثير، وقيل: لزم هاجر ماءها حين انفجرت، فقد قيل: إنها كانت تحوض له وتقول له: زم زم، أي: اسكن، اسكن، فسميت بذلك، وقيل: سميت بذلك لاجتماعها، نُقل عن ابن هشام، وقال أبو زيد: الزمزمة من الناس خمسون ونحوهم، وعن مجاهد إنما سميت زمزم لأنها مشتقة من الهزمة والهزمة الغمز بالعقب في الأرض، أخرجه الفاكهاني بإسناد صحيح عنه، وقيل: لحركتها، قاله الحربي، وقيل: لأنها زمت بالميزان لئلا تأخذ يمينًا وشمالًا وأول من أظهرها جبريل سقيًا لإسماعيل ﵊ عندما ظمىء وحفرها الخليل ﵇ بعد جبريل فيما ذكره الفاكهاني، ثم غيبت بعد ذلك لاندراس موضعها لاستخفاف جرهم بحرمة الحرم والكعبة أو لدفنهم لها عندما نفوا من مكة، ثم منحها الله تعالى عبد المطلب فحفرها بعد أن أعلمت له في المنام بعلامات استبان له بها موضعها، ولم تزل ظاهرة إلى الآن، وتسمى الشباعة، وبركة، ونافعة، ومضنونة، وبرة، وميمونة، وكافية، وعاقبة، ومغذية، ومروية، وطعام طعم، وشفاء سقم، وتأتي قصتها في شأن إِسماعيل وهاجر في أحاديث الأنبياء، وقصة حفر عبد المطلب لها في أيام الجاهلية إن شاء الله تعالى، ولها فضائل وردت في أحاديث لم يذكر المؤلف شيئًا منها لكونها لم تكن على شرطه صريحًا، وفي مسلم: عن أبي ذر مرفوعًا: "ماء زمزم طعام طعم"، زاد الطيالسي: وشفاء سقم، وفي "المستدرك" عن ابن عباس مرفوعًا: "ماء زمزم لما شرب له"، وصححه البيهقي في "الشعب"، وصححه ابن عيينة فيما نقله ابن الجوزي في الأذكاء، وكذا صححه ابن حبان، ووثق رجاله الحافظ الدمياطي إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، قال في "الفتح": وإرساله أصح، وله شاهد عن جابر، وهو أتم منه، أخرجه الشافعي وابن ماجه، ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي، فذكر العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي وعنده من طريق حمزة الزيات عن أُبي، وبالجملة فقد ثبتت صحة هذا الحديث إلا ما قيل: إن الجارود تفرد عن ابن عيينة بوصله، ومثله لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، وهو من رواية الحميدي وابن أبي عمر
стр. 6268
وغيرهما ممن لازم ابن عيينة أكثر من الجارود فيكون أولى لكن الذي يحتاج إليه الحكم بصحة المتن عن النبي ﷺ ولا علينا كونه من خصوص طريق بعينها، وهنا أمور تدل عليه منها أن مثله لا مجال للرأي فيه فوجب كونه سماعًا، وكذا إن قلنا: العبرة في تعارض الوصل والوقف والإرسال للواصل بعد كونه ثقة لا الأحفظ ولا غيره مع أنه قد صح تصحيح ابن عيينة له كما مرَّ، وروى الدارقطني والبيهقي مرفوعًا: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم" وقد شربه جماعة من السلف والخلف لمآرب فنالوها، وأولى ما يشرب لتحقق التوحيد والموت عليه والعزة بطاعة الله.
الحديث الثامن عشر والمائة
وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِىء حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ".
قوله: "وقال عبدان: سيأتي في أحاديث الأنبياء أتم منه بلفظ، وقال لي عبدان: وأورده هنا مختصرًا وقد وصله الجوزقي بتمامه عن محمد بن الليث، عن عبدان بطوله، وقد تقدم الكلام عليه في أوائل الصلاة في باب كيف فرضت الصلاة في حديث الإسراء، والمقصود منه قوله هنا: ثم غسله بماء زمزم.
رجاله ستة قد مرّوا: مرَّ عبدان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، ومرَّ أبو ذر في الثالث والعشرين منه.
الحديث التاسع عشر والمائة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ. ثم قَالَ عَاصِمٌ: فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ، مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ عَلَى بَعِيرٍ.
قال ابن بطال وغيره: أراد البخاري أن الشرب من ماء زمزم من سنن الحج، وقد مرَّ عن
стр. 6269
طاووس وعطاء ما في ذلك في حديث ابن عباس في باب سقاية الحاج، ومرَّ هناك عن نافع أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحج، فكأنه لم يثبت عنده أن النبي ﷺ شرب منه لأنه كان كثير الاتباع للآثار، أو خشي أن يظن الناس أن ذلك من تمام الحج كما نقل عن طاووس.
وقوله: "فحلف ما كان يومئذ إلا على بعير" عند ابن ماجه من هذا الوجه، قال عاصم: فذكرت ذلك لعكرمة، فحلف بالله ما فعل، أي: ما شرب قائمًا؛ لأنه كان حينئذ راكبًا، وقد تقدم أن عند أبي داود من رواية عكرمة عن ابن عباس أنه أناخ فصلى ركعتين، فلعل شربه من زمزم كان بعد ذلك، ولعل عكرمة إنما أنكر شربه قائمًا لنهيه عنه، لكن ثبت عن عليّ عند البخاري أنه ﷺ شرب قائمًا فيحمل على بيان الجواز، فقد روي في النهي عن الشرب قائمًا أحاديث كثيرة، ورويت في إباحته أحاديث.
فمما روي في النهي عنه ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا، وفي لفظ له عن أنس، عن النبي ﷺ أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا، قال قتادة: فقلنا: فالأكل، قال: ذاك أشد وأخبث، وفي رواية عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا، وفي رواية: نهى عن الشرب قائمًا، وفي رواية له عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقىء"، وروى الترمذي عن الجارود بن المعلى أن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائمًا.
ومن أحاديث الإباحة ما أخرجه البخاري عن النزال أتى عليّ رضي الله تعالى عنه على باب الرحبة بماء فشرب قائمًا، فقال: إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت، ورواه أبو داود أيضًا، وروى الترمذي عن ابن عمر، قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وروى أيضًا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا، وقال: هذا حديث حسن، وروى الطحاوي، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يشرب قائمًا، ورواه البزار أيضًا في "مسنده"، وروى الطحاوي أيضًا عن البراء بن زيد أن أم سليم حدثته أن النبي ﷺ شرب وهو قائم من فيّ قربة، وفي لفظ له أنه ﵊ دخل عليها وفي بيتها قربة معلقة، فشرب من القربة قائمًا، وأخرجه أحمد والطبراني، وقال النووي: اعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالًا باطلة، والصواب منها أن النهي محمول على
стр. 6270
كراهة التنزيه، وأما شربه قائمًا، فلبيان الجواز، ومن زعم نسخًا فقد غلط، فكيف يكون نسخًا مع إمكان الجمع، وإنما يكون النسخ لو ثبت التاريخ فأنى له ذلك، وقال الطحاوي ما ملخصه أنه ﵊ أراد بهذا النهي الإشفاق على أمته لأنه يخاف من الشرب قائمًا الضرر وحدوث الداء كما قال لهم: "أما أنا فلا آكل متكئًا"، وقد اختلف العلماء في الشرب قائمًا بحسب اختلاف الأحاديث، فمنهم من كرهه ومنهم من أباحه.
رجاله ستة قد مرّوا إلا الفزاري.
مرَّ محمد بن سلام في الثالث عشر من الإيمان، ومرَّ الشعبي في الثالث منه، ومرَّ عاصم بن سليمان في الخامس والثلاثين من الوضوء ومرَّ عكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، والفِزاري بكسر الفاء المراد به مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو عبد الله الكوفي الحافظ، سكن مكة ودمشق، وهو ابن عم أبي إسحاق الفزاري، من شيوخ أحمد، ثقة مشهور، قال أحمد: كان ثقة، حافظًا، يحفظ حديثه كله كأنه نصب عينه، وقال أيضًا: ما كان أحفظه!، وقال ابن معين ويعقوب بن شيبة والنسائي: ثقة، وقال الدوري: سألت ابن معين عن حديث مروان بن معاوية، عن علي بن أبي الوليد، قال: هذا علي بن غراب، والله ما رأيت أحيل للتدليس منه، وقال ابن المديني: ثقة فيما يروي عن المعروفين، ضعيف فيما يروي عن المجهولين، وقال العجلي: ثقة ثبت ما حدَّث عن المعروفين فصحيح، وما حدَّث عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوق لا يدفع عن صدقه، وتكثر روايته عن المجهولين، وقال ابن نمير: كان يلتقط الشيوخ من السكك، وقال أبو داود: كان يقلب الأسماء، وقال ابن معين: كان مروان يغير الأسماء، يعمي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن خالد، وإنما هو حكم بن ظهير، وقال أيضًا: ثقة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن معين أيضًا: وجدت بخط مروان: وكيع رافضيٌّ، فقلت له: وكيع خير منك، فسبني، وقال الذهبي: كان عالمًا، لكنه يروي عمن دب ودرج، وكان فقيرًا ذا عيال، فكانوا يرونه -يعني الذين يروي عنه- كأنه يجازيهم، قال في "المقدمة": أخرج البخاري من حديثه عن خمسة من شيوخه المعروفين وهم حميد، وعاصم الأحول، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو يعقوب العبدي، وهاشم بن هاشم.
روى عن حميد الطويل، وهؤلاء المذكورين، وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وزكرياء بن عدي وغيرهم، مات فجأة سنة ثلاث
следующие страницы →