Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
النبي ﷺ ، وحرص أصحابه على الاقتداء به وكراهة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات، وقال ابن المنير: فيه أن الأصل في الأشياء الطهارة لتناوله ﵊ من الشراب الذي غمست فيه الأيدي.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر العباس والفضل وقد مرَّ الجميع:
مرَّ إسحاق بن شاهين في الرابع عشر من الحيض، ومرَّ محل جميع الخمسة في الذي قبله بحديثين، ومرَّ العباس في الثالث والستين من الوضوء، ومرَّ ابنه الفضل في الثامن عشر من الجماعة.
ثم قال المصنف:
стр. 6267
باب ما جاء في زمزم
بفتح الزايين وسكون الميم الأولى، وسميت بذلك لكثرة مائها، والماء الزمزم هو الكثير، وقيل: لزم هاجر ماءها حين انفجرت، فقد قيل: إنها كانت تحوض له وتقول له: زم زم، أي: اسكن، اسكن، فسميت بذلك، وقيل: سميت بذلك لاجتماعها، نُقل عن ابن هشام، وقال أبو زيد: الزمزمة من الناس خمسون ونحوهم، وعن مجاهد إنما سميت زمزم لأنها مشتقة من الهزمة والهزمة الغمز بالعقب في الأرض، أخرجه الفاكهاني بإسناد صحيح عنه، وقيل: لحركتها، قاله الحربي، وقيل: لأنها زمت بالميزان لئلا تأخذ يمينًا وشمالًا وأول من أظهرها جبريل سقيًا لإسماعيل ﵊ عندما ظمىء وحفرها الخليل ﵇ بعد جبريل فيما ذكره الفاكهاني، ثم غيبت بعد ذلك لاندراس موضعها لاستخفاف جرهم بحرمة الحرم والكعبة أو لدفنهم لها عندما نفوا من مكة، ثم منحها الله تعالى عبد المطلب فحفرها بعد أن أعلمت له في المنام بعلامات استبان له بها موضعها، ولم تزل ظاهرة إلى الآن، وتسمى الشباعة، وبركة، ونافعة، ومضنونة، وبرة، وميمونة، وكافية، وعاقبة، ومغذية، ومروية، وطعام طعم، وشفاء سقم، وتأتي قصتها في شأن إِسماعيل وهاجر في أحاديث الأنبياء، وقصة حفر عبد المطلب لها في أيام الجاهلية إن شاء الله تعالى، ولها فضائل وردت في أحاديث لم يذكر المؤلف شيئًا منها لكونها لم تكن على شرطه صريحًا، وفي مسلم: عن أبي ذر مرفوعًا: "ماء زمزم طعام طعم"، زاد الطيالسي: وشفاء سقم، وفي "المستدرك" عن ابن عباس مرفوعًا: "ماء زمزم لما شرب له"، وصححه البيهقي في "الشعب"، وصححه ابن عيينة فيما نقله ابن الجوزي في الأذكاء، وكذا صححه ابن حبان، ووثق رجاله الحافظ الدمياطي إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، قال في "الفتح": وإرساله أصح، وله شاهد عن جابر، وهو أتم منه، أخرجه الشافعي وابن ماجه، ورجاله ثقات إلا عبد الله بن المؤمل المكي، فذكر العقيلي أنه تفرد به، لكن ورد من رواية غيره عند البيهقي وعنده من طريق حمزة الزيات عن أُبي، وبالجملة فقد ثبتت صحة هذا الحديث إلا ما قيل: إن الجارود تفرد عن ابن عيينة بوصله، ومثله لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، وهو من رواية الحميدي وابن أبي عمر
стр. 6268
وغيرهما ممن لازم ابن عيينة أكثر من الجارود فيكون أولى لكن الذي يحتاج إليه الحكم بصحة المتن عن النبي ﷺ ولا علينا كونه من خصوص طريق بعينها، وهنا أمور تدل عليه منها أن مثله لا مجال للرأي فيه فوجب كونه سماعًا، وكذا إن قلنا: العبرة في تعارض الوصل والوقف والإرسال للواصل بعد كونه ثقة لا الأحفظ ولا غيره مع أنه قد صح تصحيح ابن عيينة له كما مرَّ، وروى الدارقطني والبيهقي مرفوعًا: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم" وقد شربه جماعة من السلف والخلف لمآرب فنالوها، وأولى ما يشرب لتحقق التوحيد والموت عليه والعزة بطاعة الله.
الحديث الثامن عشر والمائة
وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فُرِجَ سَقْفِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِىء حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ".
قوله: "وقال عبدان: سيأتي في أحاديث الأنبياء أتم منه بلفظ، وقال لي عبدان: وأورده هنا مختصرًا وقد وصله الجوزقي بتمامه عن محمد بن الليث، عن عبدان بطوله، وقد تقدم الكلام عليه في أوائل الصلاة في باب كيف فرضت الصلاة في حديث الإسراء، والمقصود منه قوله هنا: ثم غسله بماء زمزم.
رجاله ستة قد مرّوا: مرَّ عبدان وعبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، ومرَّ أبو ذر في الثالث والعشرين منه.
الحديث التاسع عشر والمائة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ. ثم قَالَ عَاصِمٌ: فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ، مَا كَانَ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ عَلَى بَعِيرٍ.
قال ابن بطال وغيره: أراد البخاري أن الشرب من ماء زمزم من سنن الحج، وقد مرَّ عن
стр. 6269
طاووس وعطاء ما في ذلك في حديث ابن عباس في باب سقاية الحاج، ومرَّ هناك عن نافع أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحج، فكأنه لم يثبت عنده أن النبي ﷺ شرب منه لأنه كان كثير الاتباع للآثار، أو خشي أن يظن الناس أن ذلك من تمام الحج كما نقل عن طاووس.
وقوله: "فحلف ما كان يومئذ إلا على بعير" عند ابن ماجه من هذا الوجه، قال عاصم: فذكرت ذلك لعكرمة، فحلف بالله ما فعل، أي: ما شرب قائمًا؛ لأنه كان حينئذ راكبًا، وقد تقدم أن عند أبي داود من رواية عكرمة عن ابن عباس أنه أناخ فصلى ركعتين، فلعل شربه من زمزم كان بعد ذلك، ولعل عكرمة إنما أنكر شربه قائمًا لنهيه عنه، لكن ثبت عن عليّ عند البخاري أنه ﷺ شرب قائمًا فيحمل على بيان الجواز، فقد روي في النهي عن الشرب قائمًا أحاديث كثيرة، ورويت في إباحته أحاديث.
فمما روي في النهي عنه ما أخرجه مسلم عن أنس أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا، وفي لفظ له عن أنس، عن النبي ﷺ أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا، قال قتادة: فقلنا: فالأكل، قال: ذاك أشد وأخبث، وفي رواية عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا، وفي رواية: نهى عن الشرب قائمًا، وفي رواية له عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : "لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي فليستقىء"، وروى الترمذي عن الجارود بن المعلى أن النبي ﷺ نهى عن الشرب قائمًا.
ومن أحاديث الإباحة ما أخرجه البخاري عن النزال أتى عليّ رضي الله تعالى عنه على باب الرحبة بماء فشرب قائمًا، فقال: إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت، ورواه أبو داود أيضًا، وروى الترمذي عن ابن عمر، قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وروى أيضًا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت النبي ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا، وقال: هذا حديث حسن، وروى الطحاوي، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يشرب قائمًا، ورواه البزار أيضًا في "مسنده"، وروى الطحاوي أيضًا عن البراء بن زيد أن أم سليم حدثته أن النبي ﷺ شرب وهو قائم من فيّ قربة، وفي لفظ له أنه ﵊ دخل عليها وفي بيتها قربة معلقة، فشرب من القربة قائمًا، وأخرجه أحمد والطبراني، وقال النووي: اعلم أن هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالًا باطلة، والصواب منها أن النهي محمول على
стр. 6270
كراهة التنزيه، وأما شربه قائمًا، فلبيان الجواز، ومن زعم نسخًا فقد غلط، فكيف يكون نسخًا مع إمكان الجمع، وإنما يكون النسخ لو ثبت التاريخ فأنى له ذلك، وقال الطحاوي ما ملخصه أنه ﵊ أراد بهذا النهي الإشفاق على أمته لأنه يخاف من الشرب قائمًا الضرر وحدوث الداء كما قال لهم: "أما أنا فلا آكل متكئًا"، وقد اختلف العلماء في الشرب قائمًا بحسب اختلاف الأحاديث، فمنهم من كرهه ومنهم من أباحه.
رجاله ستة قد مرّوا إلا الفزاري.
مرَّ محمد بن سلام في الثالث عشر من الإيمان، ومرَّ الشعبي في الثالث منه، ومرَّ عاصم بن سليمان في الخامس والثلاثين من الوضوء ومرَّ عكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، والفِزاري بكسر الفاء المراد به مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري أبو عبد الله الكوفي الحافظ، سكن مكة ودمشق، وهو ابن عم أبي إسحاق الفزاري، من شيوخ أحمد، ثقة مشهور، قال أحمد: كان ثقة، حافظًا، يحفظ حديثه كله كأنه نصب عينه، وقال أيضًا: ما كان أحفظه!، وقال ابن معين ويعقوب بن شيبة والنسائي: ثقة، وقال الدوري: سألت ابن معين عن حديث مروان بن معاوية، عن علي بن أبي الوليد، قال: هذا علي بن غراب، والله ما رأيت أحيل للتدليس منه، وقال ابن المديني: ثقة فيما يروي عن المعروفين، ضعيف فيما يروي عن المجهولين، وقال العجلي: ثقة ثبت ما حدَّث عن المعروفين فصحيح، وما حدَّث عن المجهولين ففيه ما فيه، وليس بشيء، وقال أبو حاتم: صدوق لا يدفع عن صدقه، وتكثر روايته عن المجهولين، وقال ابن نمير: كان يلتقط الشيوخ من السكك، وقال أبو داود: كان يقلب الأسماء، وقال ابن معين: كان مروان يغير الأسماء، يعمي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن خالد، وإنما هو حكم بن ظهير، وقال أيضًا: ثقة ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن معين أيضًا: وجدت بخط مروان: وكيع رافضيٌّ، فقلت له: وكيع خير منك، فسبني، وقال الذهبي: كان عالمًا، لكنه يروي عمن دب ودرج، وكان فقيرًا ذا عيال، فكانوا يرونه -يعني الذين يروي عنه- كأنه يجازيهم، قال في "المقدمة": أخرج البخاري من حديثه عن خمسة من شيوخه المعروفين وهم حميد، وعاصم الأحول، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو يعقوب العبدي، وهاشم بن هاشم.
روى عن حميد الطويل، وهؤلاء المذكورين، وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وزكرياء بن عدي وغيرهم، مات فجأة سنة ثلاث
стр. 6271
وتسعين ومائة قبل التروية بيوم، ومروان هذا مرَّ في الحادي والثلاثين من مواقيت الصلاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالجمع والعنعنة، والقول، وشيخه من أفراده وهو بيكندي، ثم كوفيان وبصري، أخرجه البخاري في الأشربة، والترمذي في الأشربة والشمائل، والنسائي في الحج، وابن ماجه في الأشربة.
ثم قال المصنف:
стр. 6272
باب طواف القارن
أي: هل يكتفي بطواف واحد أو لابدّ من طوافين؟ وإنما لم يبين ذلك بل أطلق للاختلاف فيه كما مرَّ، وكما يأتي فقد مرَّ الكلام عليه في باب التمتع والقران.
الحديث العشرون والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ثُمَّ لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا. فَقَدِمْتُ مَكَّةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ ﷺ : "هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ". فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا.
موضع الحاجة منه قوله: "وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة" فإنما طافوا طوافًا واحدًا، وفي الرواية الأولى من حديث ابن عمر الذي بعده: "فطاف لهما طوافًا واحدًا" مثل رواية عائشة، وفي الرواية الثانية: "ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول"، وفي هذه الرواية الأخيرة رفع احتمال قد يؤخذ من الرواية الأولى أن المراد بقوله طوافًا وحدًا، أي: طاف لكل منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، والحديثان ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد، وقد رواه سعيد بن منصور بأصرح من سياق حديثي الباب في الرفع، ولفظه عن النبي ﷺ ، قال: "من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد"، وأعلّه الطحاوي بأن الدراوردي أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسك في تخطئته بما رواه أيوب والليث وموسى بن عقبة عن نافع، مثل سياق ما في الباب من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال إن النبي ﷺ فعل ذلك لا أنه روى هذا اللفظ عن النبي ﷺ ، وهو تعليل مردود، فالدراوردي صدوق، وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين.
واحتج الحنفية لمذهبهم بما روي عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما
стр. 6273
طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل، وطرقه عن علي عند عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج عن ابن مسعود بإسناد ضعيف، وأخرج عن ابن عمر نحو ذلك، وفيه الحسن بن عمارة، وهو متروك، والمخرج في الصحيحين والسنن عنه في طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد، وقال البيهقي: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم وطواف الإفاضة، وأما السعي مرتين فلم يثبت، وقال ابن حزم: لا يصح عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه في ذلك شيء أصلًا، قال في "الفتح": لكن روى الطحاوي وغيره مرفوعًا عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها إذا اجتمعت، ولم أر في الباب أصح من حديثي ابن عمر وعائشة المذكورين في الباب، وأجاب الطحاوي عن حديث ابن عمر بأنه اختلف عليه في كيفية إحرام النبي ﷺ وأن الذي يظهر من مجموع الروايات عنه أنه ﵊ أحرم أولًا بحجة ثم فسخها، فصيّرها عمرة، ثم تمتع بها إلى الحج، كذا قال الطحاوي مع جزمه قبل ذلك بأنه كان قارنًا، وهب أن ذلك كما قال، فلم لا يكون قول ابن عمر: هكذا فعل رسول الله ﷺ ، أي: أمر من كان قارنًا أن يقتصر على طواف واحد، وحديث ابن عمر المذكور ناطق بأنه ﵊ كان قارنًا، فإنه مع قوله فيه: تمتع رسول الله ﷺ ، وصف فعل القِران حيث قال: بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهلّ بالحج، وهذا من صور القِران، وغايته أنه سماه تمتعًا لأن الإحرام عنده بالعمرة في أشهر الحج كيف كان يسمى تمتعًا، ثم أجاب عن حديث عائشة بأنها أرادت بقولها: "وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا لهما طوافًا واحدًا" تعني الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج؛ لأن حجتهم كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف لها إلا طواف واحد بعد عرفة، قال: والمراد بقولها: "جمعوا بين الحج والعمرة" جمع متعة لا قِران.
ويا للعجب كيف ساغ له التأويل وحديث عائشة مفصل للحالتين، فإنها صرحت بفعل من تمتع، ثم من قرن حيث قالت: "فطاف الذين أهلوا بالعمرة، ثم أحلوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى" فهؤلاء أهل التمتع، ثم قالت: "وأما الذين جمعوا" الخ، فهؤلاء أهل القران، وهذا بيّن من أن يحتاج إلى إيضاح. وروى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، ومن طريق طاووس عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، وهذا صريح في الإجزاء، وإن كان العلماء اختلفوا فيما كانت عائشة محرمة به، وروى عبد الرزاق عن سلمة بن كهيل، قال: حلف طاووس ما طاف أحد من أصحاب النبي ﷺ لحجه وعمرته إلا
стр. 6274
طوافًا واحدًا، وهذا إسناد صحيح وفيه بيان ضعف ما روي عن علي وابن مسعود من ذلك، وقد روى آل بيت علي منه مثل الجماعة، قال جعفر الصادق بن محمد، عن أبيه: أنه كان يحفظ عن علي: للقارن طواف واحد، خلاف ما يرويه أهل العراق عنه، ومما يضعف ما روي عن علي من ذلك أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحج أن يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، والذين احتجوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحج، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلت عليه، وإلا فلا حجة فيها، وقال ابن المنذر: احتج أبو أيوب من طريق النضر بأنا أجزنا جميعًا للحج والعمرة سفرًا واحدًا، وإحرامًا واحدًا، وتلبية واحدة، فكذلك يجزي عنهما طواف واحد، وسعي واحد؛ لأنهما خالفا في ذلك سائر العبادات، وفي هذا القياس مباحث كثيرة أعرضنا عنها، واحتج غيره بقوله ﵊: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" وهو صحيح كما مرَّ، فدل على أنها بعد أن دخلت فيها لا تحتاج إلى عمل آخر غير عمله، والحق أن المتبع في ذلك السنة الصحيحة، وهي غنية عن غيرها، وقد تقدم الكلام على مباحث هذا الحديث في كتاب الحيض، وفي باب التمتع والقِران.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄، وقد مرَّ
الجميع:
مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك، وعروة، وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عبد الرحمن في الرابع من الغسل.
الحديث الحادي والعشرون والمائة
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ دَخَلَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَظَهْرُهُ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: إِنِّي لاَ آمَنُ أَنْ يَكُونَ الْعَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ، فَيَصُدُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَلَوْ أَقَمْتَ. فَقَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثُمَّ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا.
قوله: "دخل ابنه" أي: ابن عبد الله بن عمر.
стр. 6275
وقوله: "وظهره في الدار"، مبتدأ وخبره، والجملة وقعت حالًا، والمراد من الظهر مركوبه الذي يركبه من الإبل، والمعنى: أن عبد الله بن عمر كان عازمًا على الحج، وأحضر مركوبه ليركب عليه، فقال له ابنه عبد الله ما قال.
وقوله: "إني لا آمن" بالمد وفتح الميم المخففة، أي: أخاف، هذه رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: إني لا إيْمَن بكسر الهمزة وسكون الباء وفتح الميم، وهي لغة تميم، فإنهم يكسرون حرف المضارعة غير الباء من مستقبل ماضيه على فعل بالكسر، ولا يكسرون إذا كان ماضيه بالفتح إلا أن يكون فيه حرف حلق نحو أذهب وألحق.
وقوله: "فلو أقمت" يحتمل أن تكون كلمة لو للتمني فلا تحتاج إلى جواب، ويحتمل أن تكون للشرط وجوابه محذوف، أي: فلو أقمت في هذه السنة وتركت الحج لكان خير لعدم الأمن.
وقوله: "فإن حيل بيني وبينه" كذا للأكثر، وللكشميهني: وإن يُحَلْ، بضم الياء وفتح المهملة واللام ساكنة.
وقوله: "وإن حيل بيني وبينه"، أي: منعت من الوصول إليه لأتطوف، تحللت بعمل عمرة، وهذا يبين أن المراد بقوله: "ما أمرهما إلا واحد" يعني الحج والعمرة في جواز التحلل منهما بالإحصار، أو في إمكان الإحصار عن كل منهما، ويؤيد الثاني قوله في رواية يحيى القطان بعد قوله: "ما أمرهما إلا واحد": إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحج، فكأنه رأى أولًا أن الإحصار عن الحج أشد من الإحصار عن العمرة لطول زمن الحج وكثرة أعماله، فاختار الإهلال بالعمرة، ثم رأى أن الإحصار بالحج يفيد التحلل عنه بعمل العمرة، فقال: ما أمرهما إلا واحد.
وقوله: "أشهدكم أني قد أوجبت مع عمرتي حجًا"، أي: ألزمت نفسي ذلك، وكأنه أراد تعليم من يريد الاقتداء به وإلا فالتلفظ ليس بشرط.
وقوله: "فطاف لهما طوافًا واحدًا" قد مرَّ الكلام عليه مستوفى في الذي قبله، وفي الحديث أن الصحابة كانوا يستعملون القياس ويحتجون به، وفيه من الفوائد أن من أحصر بالعدو بأن منعه من المضي في نسكه حجًا كان أو عمرة جاز له التحلل بأن ينوي ذلك وينحر هديه، ويحلق رأسه أو يقصره، وفيه جواز إدخال الحج على العمرة، وهو قول الجمهور لكن شرطه عند الأكثر أن يكون قبل الشروع في طواف العمرة، وقيل: إن كان قبل مضي أربعة
стр. 6276
أشواط صح، وهو قول الحنفية، وقيل: بعد إتمام الطواف، وهو قول المالكية، أي: لا يصح الإدخال عندهم إذا كان بعد تمام الطواف والركوع، ونقل ابن عبد البر أن أبا ثَوْرٍ شذّ فمنع إدخال الحج على العمرة قياسًا على منع إدخال العمرة على الحج، وفيه أن القارن يقتصر على طواف واحد، وقد مرَّ ما فيه، وفيه أن القارن يهدي، وشذّ ابن حزم فقال: لا هدي على القارن، وفيه جواز الخروج إلى النسك في الطريق المظنون خوفه إذا رُجي السلامة، قاله ابن عبد البر.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر عبد الله بن عبد الله وقد مرّوا:
مرَّ يعقوب بن إبراهيم، وإسماعيل ابن عُلية في الثامن من الإيمان، وأيوب في التاسع منه، ونافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عبد الله بن عبد الله في السادس والتسعين من صفة الصلاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته: شيخه، دورقي، وبصريان، ومدني، أخرجه البخاري في الحج ومسلم فيه.
الحديث الثاني والعشرون والمائة
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَرَادَ الْحَجَّ عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ. فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةً. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي. وَأَهْدَى هَدْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْحَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قوله: "قد أوجبت عمرة" في "الموطأ": خرج إلى مكة يريد الحج، فقال: إن صددت، فذكره ولا اختلاف فإنه خرج أولًا يريد الحج، فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلا واحد، فأضاف إليها الحج، فصار قارنًا، وفي رواية أيوب: فأهلَّ بالعمرة من
стр. 6277
الدار، والمراد بالدار: المنزل الذي نزله بذي الحليفة، ويؤيده ما في رواية جويرية أن ذلك وقع بعد أن سار ساعة، ويحتمل أن يحمل على الدار التي بالمدينة، ويجمع بأنه أهلّ بالعمرة من داخل بيته، ثم أعلن بها وأظهرها بعد أن استقر بذي الحليفة، وفي رواية الليث هذه أوجب عمرة ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء، قال: ما شأن العمرة والحج إلا واحد، ولو كان إيجابه العمرة من داره التي بالمدينة لكان ما بينها وبين ظاهر البيداء أكثر من ساعة.
وقوله: "بطوافه الأول"، أي: الذي طافه يوم النحر للإضافة، وتوهم بعضهم أنه أراد طواف القدوم، فمحله على السعي، وقال ابن عبد البر: فيه حجة لمالك في قوله: إن طواف القدوم إذا وصل بالسعي يجزىء عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلًا أو نسيه حتى رجع إلى بلده وعليه الهدي، قال: ولا أعلم أحدًا قال به غيره وغير أصحابه، وتعقب بأنه إن حمل قوله: "طوافه الأول على طواف القدوم، فإنه أجزأ عن طواف الإفاضة"، كان ذلك دالًا على الإجزاء مطلقًا ولو تعمده لا بقيد الجهل والنسيان، لا إذا حملنا قوله: طوافه الأول على طواف الإفاضة يوم النحر، أو على السعي، ويؤيد التأويل الثاني حديث جابر عند مسلم: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول وهو محمول على ما حمل عليه حديث ابن عمر المذكور، وفي نسخة الصغاني عقب طريق ابن عمر الثانية تعلية السند المذكور لبعض الرواة، ولفظه: قال أبو إسحاق: حدثنا قتيبة، ومحمد بن رمح، قالا: حدثنا الليث مثله، وأبو إسحاق هذا إن كان هو المستملي فقد سقط بينه وبين قتيبة وابن رمح رجل، وإن كان غيره فيحتمل أن يكون إبراهيم بن معقل النسفي الراوي عن البخاري.
رجاله أربعة ، وفيه ذكر الحجاج وابن الزبير، وقد مرَّ الجميع:
مرَّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ محل نافع، وابن عمر في الذي قبله، ومرَّ ابن الزبير في الثامن والأربعين من العلم، ومرَّ الحجاج في السابع والثلاثين من مواقيت الصلاة.
ثم قال المصنف:
стр. 6278
باب الطواف على وضوء
قد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب من طاف إذا قدم.
الحديث الثالث والعشرون والمائة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ عُمَرُ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ. ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ ﵁ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلاَ يَسْأَلُونَهُ، وَلاَ أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى، مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لاَ يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي وَخَالَتِي، حِينَ تَقْدَمَانِ لاَ تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لاَ تَحِلاَّنِ. وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلاَنٌ وَفُلاَنٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا.
قوله: "ما كانوا يبدؤون بشيء حين يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت"، قال ابن بطال: لابد من زيادة لفظ: أول بعد لفظ أقدامهم، وأجاب الكرماني بأن معناه: ما كانوا يبدؤون بشيء آخر حين يضعون أقدامهم في المسجد لأجل الطواف، وحاصله أنّه لم يتعين حذف لفظ أول، بل يجوز أن يكون الحذف في موضع آخر لكن الأول أولى؛ لأن الثاني يحتاج إلى جعل من بمعنى من أجل، وهو قليل، وأيضًا فلفظ أول قد ثبت في بعض الروايات، وثبت أيضًا في مكان آخر من الحديث نفسه، وفي رواية الكشميهني: حتى يضعوا، بدل:
стр. 6279
حين يضعوا، وتوجيهه ظاهر.
وقوله: "ثم إنهما لا تحلان"، أي: سواء كان إحرامهما بالحج وحده وبالقران خلافًا لمن قال: إن من حج مفردًا فطاف حل بذلك، كما مرَّ عن ابن عباس.
وقوله: "أمي" يعني أسماء، وخالته يعني عائشة، قال الداودي: ما ذكر من حج عثمان هو من كلام عروة، وما قبله من كلام عائشة، وقال أبو عبد الملك: منتهى حديث عائشة عند قوله: ثم لم تكن عمرة، ومن قوله: ثم حج أبو بكر، الخ من كلام عروة، فعلى هذا يكون بعض هذا منقطعًا؛ لأن عروة لم يدرك أبا بكر ولا عمر، نعم أدرك عثمان وعلي، قول الدراوردي: يكون الجميع متصلًا، وهو الأظهر، وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث مستوفى في باب من طاف بالبيت إذا قدم.
رجاله ستة:
وفيه ذكر أبي بكر وعمر وابنه عبد الله والزبير وأسماء وعثمان ومعاوية وقد مرَّ الجميع:
مرَّ أحمد بن عيسى في الرابع والسبعين من استقبال القبلة، ومرَّ ابن وهب ومعاوية في الثالث عشر من العلم، ومرَّ عثمان في أثر بعد الخامس منه، ومرَّ الزبير في الثامن والأربعين منه، ومرت أسماء في الثامن والعشرين منه، ومرَّ عمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين منه، ومرَّ محمد بن عبد الرحمن في الثامن والثلاثين من الغسل، ومرَّ عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عمر في الأول منه، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
فهذه ثلاثة عشر رجلًا مرَّ تعريفهم ولله الحمد.
ثم قال المصنف:
стр. 6280
باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله
أي: وجوب السعي بينهما مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله، قاله ابن المنير.
وقوله: "وجعل على صيغة المجهول، أي: جعل وجوب السعي بين الصفا والمروة، وفي نسخة: وجعلا، أي: الصفا والمروة، وتمام هذا تفسير أهل اللغة للشعائر، قال الأزهري: الشعائر المقالة التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها، وقال الجوهري: الشعائر أعمال الحج، وكل ما جعل عملًا لطاعة الله ويمكن أن يكون الوجوب مستفادًا من قول عائشة: ما أتم الله حج امرىء ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، وهو في بعض طرق حديثها المذكور في هذا الباب عند مسلم، واحتج ابن المنذر للوجوب بحديث صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراه بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء، ثم ألف ساكنة، ثم هاء، وهي إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين، فرأيت رسول الله ﷺ يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي، وسمعته يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"، أخرجه الشافعي وأحمد وغيرهما.
وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف، ومن ثم قال ابن المنذر: إن ثبت فهو حجة في الوجوب، وله طريق أخرى في "صحيح ابن خزيمة" مختصرة، وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولى، وإذا انضمت إلى الأولى قويت، واختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فعند الدارقطني، عنها، أخبرتني نسوة من بني عبد الدار فلا يضره الاختلاف، والعمدة في الوجوب قوله ﵊: "خذوا عني مناسككم".
واستدل بعضهم بحديث أبي موسى في إهلاله المتقدم وفيه: طف بالبيت وبين الصفا والمروة، واختلف أهل العلم في هذا، فالجمهور قالوا: هو ركن لا يتم الحج بدونه، وعن أبي حنيفة: واجب يجبر بالدم، وبه قال الثوري في الناسي لا في العامد، وبه قال عطاء، وعنه: أنه سنة لا يجب بذكر شيء، وبه قال أنس فيما نقله ابن المنذر، واختلف عن أحمد
стр. 6281
كهذه الأقوال الثلاثة، وعند الحنفية تفصيل فيما إذا ترك بعض السعي كما هو عندهم في الطواف بالبيت، وأغرب ابن العربي فحكى الإجماع على أن السعي ركن في العمرة، وإنما الاختلاف في الحج، وأغرب الطحاوي فقال في كلام له على المشعر: قد ذكر الله أشياء في الحج لم يرد بذكرها إيجابها في قول أحد من الأمة، من ذلك قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، فكل أجمع على أنه لو حج ولم يطوف بهما أنه قد تم حجه، وعليه دم، وقد أطنب ابن المنير في الرد في حاشيته على ابن بطال.
الحديث الرابع والعشرون والمائة
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَتْ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إِلاَّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ، كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالَّذِينَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الإِسْلاَمِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَمَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.
стр. 6282
قوله: "فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة"، الخ، الجواب محصله أن عروة احتج للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحب بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك، ومحصل جواب عائشة أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرحة بنفي الإثم عن الفاعل، والمباح يحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين لأنهم توهموا من كونهم كانوا يفعلوا ذلك في الجاهلية أن لا يستمر في الإِسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم.
وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر، ولا مانع أن يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة، فيقال له: لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفيه عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفي الإثم عن التارك، وقد جاء في بعض الشواذ باللفظ الذي قالت عائشة: أنها لو كانت للإباحة لكانت كذلك، حكاه الطبري وابن أبي داود في المصاحف، وابن المنذر وغيرهم عن أُبي بن كعب وابن مسعود، وابن عباس، وأجاب الطبري بأنها محمولة على القراءة المشهورة، ولا زائدة، وكذا قال الطحاوي، وقال غيره: لا حجة في الشواذ إذا خالفت المشهور، وقال الطحاوي أيضًا: لا حجة لمن قال: إن السعي مستحب بقوله: "فمن تطوع خيرًا" لأنه راجع إلى أصل الحج والعمرة لا إلى خصوص السعي لإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع.
وقوله: "يهلون لمناة"، أي: يحجون لها، ومَناة بفتح الميم والنون الخفيفة: صنم كان في الجاهلية، وقال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل، وكانوا يعبدونها، والطاغية صفة لها إسلامية.
وقوله: "بالمُشَلل" بضم أوله وفتح المعجمة ولامين الأولى مفتوحة مثقلة هي الثنية المشرفة على قديد، زاد سفيان عن الزهري: بالمشلل من قديد أخرجه مسلم، وأصله للمصنف كما يأتي في تفسير: والنجم، وله في تفسير: البقرة عن عروة، قال: قلت لعائشة وأنا يومئذ حديث السن فذكر الحديث، وفيه: كانوا يهدون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، أي: مقابله، وقديد بالتصغير قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه.
وقوله: "إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة" ظاهره أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة، ويقتصرون على الطواف بمناة، فسألوا عن حكم الإِسلام في
стр. 6283
ذلك، ويصرح بذلك رواية سفيان المذكورة بلفظ: إنما كان من أهلّ بمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، وفي رواية معمر عن الزهري: إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، أخرجه البخاري تعليقًا، ووصله أحمد وغيره، وعند مسلم عن يونس، عن الزهري أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا هم وغسان يهلون لمناة، فتحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة، فطرق الزهري متفقة، واختلف فيه على هشام بن عروة، عن أبيه، فرواه مالك عنه بنحو رواية شعيب عن الزهري، ورواه أبو أُسامة عنه بلفظ: إنما أنزل الله هذا في أناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية، فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، أخرجه مسلم، وظاهره يوافق رواية الزهري، وبذلك جزم محمد بن إسحاق فيما رواه الفاكهاني أن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديدًا، فكانت الأزد وغسان يحجونها ويعظمونها إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات، وفرغوا من مني أتوا مناة، فأهلُّوا لها، فمن أهل لها لم يطف بين الصفا والمروة، قال: وكانت مناة للأوس والخزرج والأزد من غسان، ومن دان دينهم من أهل يثرب، فهذا يوافق رواية الزهري.
وأخرج مسلم عن أبي معاوية، عن هشام هذا الحديث فخالف فيه جميع ما تقدم ولفظه: إنما كان ذلك لأن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر: أساف ونائلة، فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلون، فلما جاء الإِسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فهذه الرواية تقتضي أن تحرجهم، إنما كان لئلا يفعلوا في الإِسلام شيئًا كانوا يفعلونه في الجاهلية؛ لأن الإِسلام أبطل أفعال الجاهلية إلا ما أذن فيه الشارع، فخشوا أن يكون ذلك من أمر الجاهلية الذي أبطله الشارع، فهذه الرواية توجيهها ظاهر بخلاف رواية أبي أسامة، فإنها تقتضي أن التحرج عن الطواف بين الصفا والمروة لكونهم كانوا يفعلونه في الجاهلية، ولا يلزم من تركهم فعل شيء في الجاهلية أن يتحرجوا من فعله في الإِسلام، ولولا الزيادة التي في رواية يونس حيث قال: "وكانت سنة في آبائهم" لكان الجمع بين الروايتين ممكنًا بأن تقول: وقع في رواية الزهري حذف تقديره إنهم كانوا يهلون في الجاهلية لمناة، ثم يطوفون بين الصفا والمروة، فكان من أهلّ أي: بعد ذلك في الإِسلام يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة لئلا يضاهي فعل الجاهلية، ويمكن أن يكون في رواية أبي أسامة حذف تقديره: كانوا إذا أهلّوا لمناة في الجاهلية، فجاء الإِسلام، فظنوا أنه أبطل ذلك، فلا يحل لهم، ويبين ذلك رواية أبي معاوية المارة حيث قال فيها: فلما جاء الإِسلام
стр. 6284
كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، إلا أنه وقع فيها وهم غير هذا نبّه عليه عياض، فقال: قوله: "لصنمين على شط البحر" وهم، فإنهما ما كانا قط على شط البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، إنما كانت مناة مما يلي جهة البحر، وسقط من روايته أيضًا: إهلالهم أولًا لمناة، فكأنهم كانوا يهلون لمناة فيبدؤون بها، ثم يطوفون بين الصفا والمروة لأجل إساف ونائلة، فمن ثم تحرجوا من الطواف بينهما في الإِسلام، ويؤيد ما ذكر حديث أنس في الباب الذي بعده بلفظ: أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم؛ لأنها كانت من شعار الجاهلية.
وروى النسائي بإسناد قوي عن زيد بن حارثة قال: كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس، يقال لهما: إساف ونائلة، كان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما، الحديث، وروى الطبراني وابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس، قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، وروى الفاكهاني وإسماعيل القاضي في "الأحكام" بإسناد صحيح عن الشعبي، قال: كان صنم بالصفا يدعى إساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمى بهما، وقال: إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم، فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية.
وذكر الواحدي في "أسبابه" عن ابن عباس نحو هذا، وزاد فيه: يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخا حجرين، فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عُبدا، والباقي نحوه، وروى الفاكهاني بإسناد صحيح إلى أبي مجلز نحوه، وفي كتاب مكة لعمر بن شبة بإسناد قوي عن مجاهد في هذه الآية، قال: قالت الأنصار: إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فنزلت، وعن الكلبي، قال: كأن الناس أول ما أسلموا كرهوا الطواف بينهما لأنه كان على كل واحد منهما صنم، فنزلت، فهذا كله يوضح قوة رواية أبي معاوية، وتقدمها على رواية غيره، ويحتمل أن يكون الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين، منهم من كان يطوف بينهما على ما اقتضته رواية أبي معاوية، ومنهم من كان لا يقربهما على ما اقتضته رواية الزهري، وأشركا الفريقين في الإِسلام على التوقف عن الطواف بينهما لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية، فيجمع بين الروايتين بهذا، وقد أشار إلى نحو هذا الجمع البيهقي، وقول عائشة: وقد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بين الصفا والمروة، أي: فرضه بالسنة، وليس مرادها نفي فرضيتها، ويؤيده قولها: لم يتم الله حج أحدكم ولا عمرته ما لم يطف بينهما.
стр. 6285
وقوله: "ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن"، القائل: هو الزهري، وفي رواية سفيان، عن الزهري، عند مسلم، قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن فأعجبه.
وقوله: "إن هذا العلم" كذا للأكثر، أي: إن هذا هو العلم المتين، وللكشميهني: إن هذا لَعلم بفتح اللام، وهي لام التوكيد، وبالتنوين على أنه الخبر.
وقوله: "إن الناس إلا من ذكرت عائشة"، إنما ساغ له هذا الاستثناء مع أن الرجال الذين أخبروه أطلقوا ذلك لبيان الخبر عنده من رواية الزهري له عن عروة عنها، ومحصل ما أخبره به أبو بكر بن عبد الرحمن أن المانع لهم من التطوف بينهما أنهم كانوا يطوفون بالبيت، وبين الصفا والمروة في الجاهلية، فلما أنزل الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بينهما ظنوا رفع ذلك الحكم، فسألوا: هل عليهم من حرج إن فعلوا ذلك بناء على ما ظنوه من أن التطوف بينهما من فعل الجاهلية، ووقع في رواية سفيان المذكورة: إنما كان من لا يطوف بينهما من العرب يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية.
وقوله: "فأسمع هذه الآية" نزلت في الفريقين، كذا في معظم الروايات بإثبات الهمزة وضم العين بصيغة المضارع للمتكلم، وضبطه الدمياطي في نسخته بالوصل، وسكون العين بصيغة الأمر، والأول أصوب، وفي رواية سفيان المذكورة: فأُراها نزلت، وهو بضم الهمزة، أي: أظنها، وحاصله إن سبب نزول الآية على هذا الأسلوب كان للرد على الفريقين الذين تحرجوا أن يطوفوا بينهما لكونه عندهم من أفعال الجاهلية، والذين امتنعوا من الطواف بينهما لكونهما لم يذكرا.
وقوله: "حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت" يعني تأخر نزول آية البقرة في الصفا والمروة عن آية الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، والمعنى أنهم امتنعوا من السعي بين الصفا والمروة لأن قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ دل على الطواف بالبيت ولا ذكر للصفا والمروة فيه حتى نزل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ بعد نزول: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ﴾، وفي رواية المستملي وغيره: حتى ذكر بعد ذلك ما ذكر الطواف بالبيت، قال في "الفتح": وفي توجيهه عسر، قال العيني: لا عسر فيه، فقد وجهه الكرماني، فقال: لفظ ما ذكر بدل من ذلك، أو أن ما مصدرية، والكاف مقدر كما في قوله: زيد أسد، أي: ذكر السعي بعد ذكر الطواف كذكر الطواف واضحًا جليًا ومشروعًا مأمورًا به، قلت: هذا التوجيه الذي قال فيه: لا عسر فيه ما فوقه عسر، ولم يتبين به معنى اللفظ.
стр. 6286
رجاله خمسة ، قد مرّوا:
مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرَّ الزهري في الثالث منه، ومرَّ عروة وعائشة في الثاني منه، وفي الحديث ذكر أبي بكر بن عبد الرحمن وهو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، وقد مرَّ في الستين من صفة الصلاة.
والحديث أخرجه النسائي في الحج والتفسير.
ثم قال المصنف:
стр. 6287
باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة
أي: كيفيته بين الصفا والمروة.
وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: السعي من دار بني عباد إلى زقازق بني أبي حسين.
وجه مطابقته للترجمة من حيث إنه جاء في السعي بين الصفا والمروة، أنه من دار من بني عباد.
وعباد بفتح العين وتشديد الباء الموحدة، والزقاق بضم الزاي وبقافين: السكة، يذكر ويؤنَّث، فأهل الحجاز يؤنثون الطريق والصراط والسبيل والسوق والزقاق، وبنو تميم يذكرون هذا كله، وهذا التعليق وصله الفاكهاني عن نافع، قال: نزل ابن عمر من الصفا حتى إذا حاذى باب بني عباد سعى حتى إذا انتهى إلى الزقاق الذي يسلك بين دار بني أبي حسين ودار بنت قرظة، ومن طريق عبيد الله بن أبي يزيد، قال: رأيت عبد الله بن عمر يسعى في مجلس بني عباد إلى زقاق ابن أبي حسين، قال سفيان: هو بين هذين العلمين، وروى ابن أبي شيبة عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد وعطاء، قال: رأيتهما يسعيان من خوخة بني عباد إلى زقاق بني أبي حسين، قال: فقلت لمجاهد: فقال: هذا بطن المسيل الأول، والعلمان اللذان أشار إليهما معروفان إلى الآن، وروى ابن خزيمة والفاكهاني عن أبي الطفيل، قال: سألت ابن عباس عن السعي، قال: لما بعث الله جبريل إلى إبراهيم ﵉ ليريه المناسك، عرض له الشيطان بين الصفا والمروة، فأمر الله أن يجيز الوادي، قال ابن عباس: فكانت سنة، وسيأتي في أحاديث الأنبياء أنّ ابتداء ذلك كان من هاجر، وروى الفاكهاني بإسناد حسن عن ابن عباس: هذا ما أورثتكموه أم إسماعيل، وسيأتي حديثه في آخر الباب في سبب فعل النبي ﷺ ذلك، ووصل هذا التعليق أيضًا ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر، ومرَّ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 6288
الحديث الخامس والعشرون والمائة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلاَثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَقُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَمْشِي إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ؟ قَالَ: لاَ. إِلاَّ أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الرُّكْنِ فَإِنَّهُ كَانَ لاَ يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ.
قوله: "الطواف الأول"، أي: طواف القدوم.
وقوله: "خب" بفتح المعجمة وتشديد الموحدة، وقد تقدم في باب من طاف إذا قدم مكة.
وقوله: "وكان يسعى بطن المسيل"، أي: المكان الذي يجتمع فيه السيل.
وقوله: "بطن" منصوب على الظرفية، وهذا مرفوع عن ابن عمر، وكأن المصنف بدأ بالموقوف عنه في الترجمة لكونه مفسرًا لحد السعي، والمراد شدة المشي، وإن كان جميع ذلك يسمى سعيًا.
وقوله: "فقلت لنافع" القائل عبيد الله بن عمر المذكور، وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بالاستلام قبل بأبواب في باب الرمل بالحج والعمرة.
رجاله خمسة ، قد مرّوا -إلا محمد بن عبيد-:
مرَّ عيسى بن يونس في الثامن عشر والمائة من صفة الصلاة، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ محل ابن عمر، الآن الباقي محمد بن عبيد بن ميمون المدني التبان التيمي، يقال: مولى ابن جدعان، وقيل: إنه مولى هارون بن يزيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي، وقيل: إنه محمد بن عبيد بن حاتم، فيحتمل أن يكون حاتم جدًا لمحمد بن عبيد بن ميمون، ويحتمل أن يكون آخر، وفي الزهرة روى عنه البخاري ثلاثة عشر حديثًا، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، روى عن أبيه وعيسى بن يونس والدراوردي وغيرهم، وروى عنه البخاري وابن ماجه وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم.
الحديث السادس والعشرون والمائة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ
стр. 6289
رضي الله عنهما، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
هذا الحديث مرَّ الكلام عليه في باب صلى النبي لسُبوعه ركعتين، وقال ابن الملقن: هنا قال صاحب "المحيط" من الحنفية: لو بدأ بالمروة وختم بالصفا أعاد شوطًا؛ فإن البداءة واجبة، ولا أصل لما قال الكرماني إن الترتيب ليس بشرط، ولكن تركه مكروه لترك السنة، فيستحب إعادة الشوط، والكرماني المذكور عالم من الحنفية، وليس هو شمس الدين الكرماني شارح البخاري، فإنه شافعي المذهب يرى الترتيب شرطًا في صحة السعي، وأخرج مسلم في هذا الباب حديث جابر أنه ﵊ لما فرغ من الركعتين بعد طوافه خرج إلى الصفا، فقال: "أبدأ بما بدأ الله به"، ورواه النسائي بلفظ الأمر، فقال: "ابدؤوا بما بدأ الله به"، واستدل به على اشتراط البداءة، وقال ابن عبد السلام: المروة أفضل من الصفا؛ لأنها تقصد بالذكر والدعاء أربع مرات بخلاف الصفا فإنما تقصد ثلاثًا، قال: وأما البداءة بالصفا فليس بوارد لأنه وسيلة، وفي هذا نظر لأن الصفا تقصد أربعًا أيضًا أولها عند البداءة، فكل منهما مقصود بذلك، ويمتاز بالابتداء، وعند التنزل يتعادلان، ثم ما ثمرة هذا التفضيل مع أن العبادة المتعلقة بهما لا تتم إلا بهما معًا، قلت: يمكن أن تكون الثمرة كثرة الأجر في الدعاء على الفضلى منهما، ويشترط أن يكون السعي بعد طواف صحيح سواء كان طواف قدوم أو إفاضة، ولا يصح بعد طواف الوداع، فلو سعى وطاف أعاده إن كان بمكة، وإن رجع إلى أهله بعث بدم، وشذ إمام الحرمين، فقال: قال بعض أئمتنا: لو قدّم السعي على الطواف اعتد بالسعي، وهذا غلط، ونقل الماوردي وغيره الإجماع على اشتراط ذلك، وقال عطاء: يجوز السعي من غير تقدم طواف وهو غريب، وعند المالكية: يصح أن يكون السعي بعد طواف نفل، والموالاة بين مرات السعي، فلو تخلل بيسير أو طويل بينهن لم يضر، وكذا بينه وبين الطواف، ويستحب السعي على طهارة من الحدث والنجس ساترًا عورته، والمرأة تمشي ولا تسعى لأنه أستر لها كما مرَّ، وقال ابن التين: يكره للرجل أن يقعد على الصفا إلا لعذر، وضعّف ابن القاسم في روايته عن مالك رفع يديه على الصفا والمروة، وقال ابن حبيب: يرفعهما حذو منكبيه وبطونهما إلى الأرض، ثم يكبر ويهلل ويدعو، وقال غيره من المتأخرين: الدعاء والتضرع إنما يكون وبطونهما إلى السماء، ولو ترك السعي ببطن
стр. 6290
المسيل ففي وجوب الدم قولان عن مالك.
رجاله خمسة ، قد مرّوا:
مرَّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرَّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ جابر في الرابع منه، ومرَّ محل ابن عمر في الذي قبله.
الحديث السابع والعشرون والمائة
حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ تَلاَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
هذا رواية من الحديث الذي قبله، والكلام على الأول هو الكلام عليه، وقد مرَّ هذا الحديث في باب من صلى ركعتي الطواف خلف المقام.
رجاله أربعة قد مرّوا:
مرَّ المكي بن إبراهيم في السابع والعشرين من العلم، وعمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، وابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الحديث الثامن والعشرون والمائة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. لأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وهذا الحديث قد تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبله.
رجاله أربعة، قد مرّوا:
مرَّ أحمد بن محمد شبويه في متابعة بعد الثامن من التقصير، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ عاصم الأحول في الخامس والثلاثين من الوضوء، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان.
стр. 6291
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع، والقول، وشيخه من أفراده، وهو وشيخه مروزيان، وعاصم بصري، أخرجه البخاري أيضًا في التفسير، ومسلم في المناسك، والترمذي والنسائي في الحج.
الحديث التاسع والعشرون والمائة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: إِنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيُرِىَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ.
قد مرَّ الكلام على هذا الحديث في باب بدء الرمل.
رجاله خمسة ، قد مرّوا:
مرَّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، وعمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرَّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه، وعطاء في التاسع والثلاثين من العلم.
الحديث الثلاثون والمائة
زَادَ الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قال: سَمِعْتُ عَطَاءً، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.
أي: زاد الحميدي التصريح بالتحديث من عمرو لسفيان، ومن عطاء لعمرو، وهكذا في مسند الحميدي رواية بشر بن موسى، عنه، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في "المستخرج".
رجاله رجال الأول إلا الحميدي، وقد مرَّ في الأول من بدء الوحي:
ثم قال المصنف:
стр. 6292
باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت وإذا سعى على غير وضوء بين الصفا والمروة
جزم بالحكم الأول لتصريح الأخبار التي ذكرها في الباب بذلك، وأورد المسألة الثانية مورد الاستفهام للاحتمال، وكأنه أشار إلى ما روى عن مالك في حديث الباب بزيادة ولا بين الصفا والمروة، قال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن مالك إلا يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري، فإن كان يحيى حفظه فلا يدل على اشتراط الوضوء للسعي لأن السعي يتوقف على تقدم طواف قبله، فإن كان الطواف ممتنعًا امتنع لذلك لا لاشتراط الطهارة له، وقد روي عن ابن عمر أيضًا، قال: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، قال: وحدثنا ابن فضيل، عن عاصم، قلت لأبي العالية: أتقرأ الحائض؟ قال: ولا تطوف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ولم يذكر ابن المنذر اشتراط الطهارة للسعي عن أحد من السلف إلا عن الحسن البصري، وقد حكى ابن تيمية رواية عند الحنابلة مثله.
وأما ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عمر: إذا طافت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فلتسع.
وعن عبد الأعلى، عن الحسن، مثله، وهذا إسناد صحيح عن الحسن، فلعله يفرق بين الحائض والمحدث كما مرَّ عن الكوفيين، وقال ابن بطال: كأن البخاري فهم أن قوله ﵊ لعائشة: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" أن لها أن تسعى، ولهذا قال: وإذا سعى على غير وضوء، وهو توجيه جيد لا يخالف التوجيه المتقدم، وهو قول الجمهور، وحكى ابن المنذر قولين عن عطاء فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإِجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتج بحديث أسامة بن شريك أن رجلًا سأل النبي ﷺ : فقال: سعيت قبل أن أطوف! قال: "طف ولا حرج"، وقال الجمهور: لا يجزئه، وأوّلوا حديث أسامة على من سعى بعد طواف القدوم، وقبل طواف الإفاضة.
стр. 6293
الحديث الحادي والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلاَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي".
هذا الحديث قد تقدم في أول باب من كتاب الحيض، ومرَّ الكلام عليه هناك، والمقصود منه هنا قوله فيه: "وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري"، وهو بفتح التاء والطاء المهملة المشددة وتشديد الهاء أيضًا، وهو على حذف إحدى التاءين وأصله تتطهري، ويؤيده ما في رواية مسلم حتى تغتسلي، والحديث ظاهر في نهي الحائض عن الطواف بالبيت حتى ينقطع دمها، وتغتسل لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معنى الحائض الجنب والمحدث، وهو قول الجمهور، وذهب جمع من الكوفيين إلى عدم الاشتراط إلى آخر ما مرَّ مستوفى في باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من الغسل، وأبوه القاسم في الحادي عشر منه.
الحديث الثاني والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (ح)، وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ، غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَمَعَهُ هَدْيٌ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى، وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلاَ أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ". وَحَاضَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ، فَأَمَرَ
стр. 6294
عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.
قوله: "وذكر أحدنا يقطر منيًا" أي: بسبب قرب عهدنا بالجماع، أي: كنا متمتعين بالنساء.
وقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت"، أي: لو عرفت في أول الحال ما عرفت في آخر الحال من جواز العمرة في أشهر الحج لما أهديت، وكنت متمتعًا، وهذا الحديث تقدم الكلام عليه مرارًا، تكلم عليه في أول الحيض، وتكلم عليه في باب التمتع والقِران، وفي باب كيف تهل الحائض؟ وغير ذلك من أبواب كتاب الحج هذا والمقصود منه هنا قوله: "غير أنها لم تطف بالبيت"، وقد ساقه المصنف هنا بلفظ خليفة، وسيأتي لفظ محمد بن المثنى في باب عمرة التنعيم.
رجاله ستة ، وفيه ذكر عليّ وطلحة وعائشة وعبد الرحمن بن أبي بكر وقد مرَّ الجميع:
مرَّ محمد بن المثنى وعبد الوهاب في التاسع من الإيمان، ومرَّ خليفة بن خياط في الخامس والتسعين من الجنائز، ومرَّ حبيب المعلم في الحادي عشر والمائة من هذا الكتاب، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ علي في السابع والأربعين منه، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، ومرَّ طلحة بن عبيد الله في التاسع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ عبد الرحمن في الرابع من الغسل.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته: كلّهم بصريون إلا عطاء، فإنه مكي، والحديث أخرجه أبو داود في الحج.
الحديث الثالث والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِى خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ أَنْ أُخْتَهَا كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَكَانَتْ أُخْتِى مَعَهُ فِي سِتِّ غَزَوَاتٍ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِى الْكَلْمَى وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى. فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لاَ تَخْرُجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ". فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ سَأَلْنَهَا، أَوْ قَالَتْ: سَأَلْنَاهَا، فَقَالَتْ: وَكَانَتْ لاَ تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلاَّ
стр. 6295
قَالَتْ: بِأَبِي. فَقُلْنَا: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي. فَقَالَ: "لِتَخْرُجِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ أَوِ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ، فَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، فَقُلْتُ: الْحَائِضُ؟ فَقَالَتْ: أَوَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَتَشْهَدُ كَذَا وَتَشْهَدُ كَذَا.
وهذا الحديث قد تقدم في الحيض في باب شهود الحائض العيدين، واستوفي الكلام عليه هناك، وفي العيدين، والغرض منه هنا قولها في آخره: "أوليس تشهد عرفة وتشهد كذا وكذا" فهو المطابق لقول جابر: "فنسكت المناسك كلها إلا الطواف بالبيت"، وكذا قولها: "وتعتزل الحُيَّضُ المُصلَّى"، فإنه يناسب قوله: "إن الحائض لا تطوف بالبيت" لأنها إذا أمرت باعتزال المصلى، كان اعتزالها للمسجد بل للمسجد الحرام بل للكعبة من باب الأولى.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ مؤمل في الرابع والعشرين من التهجد، ومرَّ إسماعيل ابن عُلية في الثامن من الإيمان، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرت حفصة بنت سيرين وأم عطية في الثاني والثلاثين من الوضوء، وقد مرَّ هذا الحديث في الحيض.
ثم قال المصنف:
стр. 6296
باب الإهلال من البطحاء وغيرها للمكي والحاج إذا خرج من منى
كذا في معظم الروايات، وفي نسخة معتمدة عن أبي الوقت إلى منى، وكذا ذكره ابن بطال في شرحه، والإسماعيلي في مستخرجه، ولا إشكال فيه، وعلى الأول فلعله أشار إلى الخلاف في ميقات المكي، كما يأتي قريبًا.
وقوله: "للمكي"، أي: إذا أراد الحج.
وقوله: "الحاج"، أي: الآفاقي إذا كان قد دخل مكة متمتعًا، قال النووي: ميقات من بمكة من أهلها وغيرهم نفس مكة على الصحيح، وقيل: مكة وسائر الحرم، والثاني مذهب الحنفية.
واختلف في الأفضل فاتفق المذهبان على أنه من باب المنزل، وفي قول للشافعي: من المسجد، وحجة الصحيح ما تقدم في أول كتاب الحج عن ابن عباس حتى أهل مكة يهلُّون منها، وقال مالك وأحمد وإسحاق: يهل من جوف مكة، والأفضل من المسجد، قال أشهب: من داخله لا من بابه، وقال ابن حبيب: من بابه، ولا يخرج إلى الحل إلاَّ محرمًا.
واختلفوا في الوقت الذي يهل فيه، فذهب الجمهور إلى أن الأفضل أن يكون يوم التروية، وروى مالك وغيره بإسناد منقطع وابن المنذر بإسناد متصل عن عمر أنه قال لأهل مكة: ما لكم يقدم الناس عليكم شعثًا، وأنتم تنضحون طيبًا مدهنين إذا رأيتم الهلال فأهلوا بالحج، وهو قول ابن الزبير، ومن أشار إليهم عبيد بن جريج في تعليقه الآتي قريبًا بقوله لابن عمر: أهل الناس إذا رأوا الهلال، وقيل: إن ذلك محمول على الاستحباب، وبه قال مالك وأبو ثور، وقال ابن المنذر: الأفضل أن يهل يوم التروية إلا المتمتع الذي لا يجد الهدي ويريد الصوم، فيعجل الإهلال ليصوم ثلاثة أيام بعد أن يحرم، واحتج الجمهور بحديث ابن الزبير عن جابر وهو الذي علقه المصنف في هذا الباب.
ثم قال: وسئل عطاء عن المجاور يلبي بالحج، فقال: كان ابن عمر ﵄ يلي يوم التروية إذا صلى الظهر واستوى على راحلته.
стр. 6297
رواه سعيد بن منصور من طريقه بلفظ: رأيت ابن عمر في المسجد، فقيل له: قد رؤي الهلال، فذكر قصة فيها، فأمسك حتى كان يوم التروية، فأتى البطحاء، فلما استوت به راحلته أحرم، وروى مالك في "الموطأ" أن ابن عمر أهل لهلال ذي الحجة، وذلك أنه كان يرى التوسعة في ذلك، وعطاء مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ ابن عمر أول كتاب الإيمان، قبل ذكر حديث منه.
ثم قال: وقال عبد الملك، عن عطاء، عن جابر رضي الله تعالى عنه: قدمنا مع النبي ﷺ ، فأحللنا حتى يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر لبينا بالحج.
وصله مسلم عن عطاء، عن جابر، قال: أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا، الحديث، وفيه: أيها الناس أحلوا، فأحللنا حتى كان يوم التروية، وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج، وقد روى عبد الملك بن جريج نحو هذه القصة، وسيأتي في أثناء حديث.
وقوله: "بظهر"، أي: وراء ظهورنا.
وقوله: "أهللنا بالحج"، أي: جعلنا مكة من ورائنا في يوم التروية حال كوننا مهلين بالحج، فعلم أنهم حين الخروج من مكة كانوا محرمين، وعطاء مرَّ محله الآن، وجابر مرَّ في الرابع من بدء الوحي، وعبد الملك يحتمل أنه ابن جريج وقد مرَّ في الثالث من الحيض، ويحتمل أنه ابن أبي سليمان، وهذا هو الظاهر لأن مسلمًا وصله من طريقه، وهو عبد الملك بن أبي سليمان، واسم أبي سليمان ميسرة أبو محمد، ويقال: أبو سليمان أبو عبد الله العرزمي أحد الأئمة، قال ابن مهدي: كان شعبة يعجب من حفظه.
وقال سفيان الثوري: حفاظ الناس إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان، وذكر جماعة، وقال أيضًا: حدثني الميزان عبد الملك بن أبي سليمان، وقال ابن المبارك: عبد الملك ميزان، وقال أبو داود: كان ثقة عن أحمد، وسئل يحيى بن معين عن حديث عطاء، عن جابر في الشفعة، فقال: هو حديث لم يحدث به أحد إلا عبد الملك، وقد أنكره الناس عليه، ولكن عبد الملك ثقة صدوق، لا يرد على مثله، قيل له: تكلم فيه شعبة، قال: نعم، قال شعبة: لو جاء عبد الملك بآخر مثله لرميت بحديثه. وقال أحمد: هذا حديث منكر، وعبد الملك ثقة، وقال أيضًا: عبد الملك من الحفاظ إلا أنه كان يخالف ابن جريج، وابن جريج أثبت منه عندنا، وقال أيضًا: عبد الملك من أعيان الكوفيين، وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أحمد ويحيى يقولان: عبد الملك بن أبي سليمان ثقة، وقال يحيى بن معين أيضًا:
стр. 6298
ضعيف، وهو أثبت في عطاء من قيس بن سعيد، وقال الدارمي: قلت لابن معين: أيّما أحب إليك عبد الملك بن أبي سليمان أو ابن جريج، قال: كلاهما ثقة، وقال ابن عمار: ثقة حجة، وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وقال أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن أبي سليمان: ثقة متقن فقيه، وقال يعقوب بن سفيان عن عبد الملك: فزاري من أنفسهم، ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا ثبتًا، وقال الساجي: صدوق روى عنه يحيى بن سعيد القطان جزءًا ضخمًا.
وقال الترمذي: ثقة مأمون لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة، وقال: قد كان شعبة حدث عنه، ثم تركه، ويقال: إنه تركه لحديث الشفعة الذي تفرد به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وكان من خيار أهل الكوفة وحفاظهم، والغالب على من يحفظ ويحدث أن يهم، وليس في الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت صحت عنه السنة بأوهام، يهم فيها، والأولى فيه قبول ما يروي بتثبت، وترك ما صح أنه وهم فيه ما لم يفحش، فمن غلب خطؤه على صوابه استحق الترك، روى عن أنس وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم، وروى عنه شعبة والثوري وابن المبارك والقطان وغيرهم، مات في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة.
والعرزمي في نسبه نسبة إلى جبانة عرزم بالكوفة كان نزلها.
ثم قال: وقال أبو الزبير عن جابر: أهللنا من البطحاء.
وصله أحمد ومسلم عن ابن جريج، عنه، عن جابر، قال: أمرنا النبي ﷺ إذا أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الأبطح، وأخرجه مسلم مطولًا عن الليث، عن أبي الزبير، فذكر قصة فسخهم الحج إلى العمرة، وقصة عائشة لما حاضت، وفيه: ثم أهللنا يوم التروية، وزاد عن زهير، عن أبي الزبير: أهللنا بالحج، وأبو الزبير مرَّ متابعة بعد الثامن والخمسين من الجماعة والإمامة، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي.
ثم قال: وقال عبيد بن جريج لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: رأيتك إذا كنت بمكة أهلّ الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى يوم التروية، فقال: لم أر النبي ﷺ يهل حتى تنبعث به راحلته.
قال ابن بطال وغيره: وجه احتجاج ابن عمر على ما ذهب إليه أنه يهل يوم التروية إذا كان بمكة بإهلال النبي ﷺ ، وهو إنما أهل حين انبعثت به راحلته بذي الحليفة، ولم يكن بمكة ولا كان ذلك يوم التروية من جهة أنه ﵊ أهلّ من ميقاته من حين ابتدائه في عمل حجته، واتصل له عمله، ولم يكن بينهما مكث ربما انقطع به العمل،
стр. 6299
فكذلك المكي إذا أهلّ يوم التروية اتصل عمله بخلاف ما لو أهلّ من أول الشهر، وقد قال ابن عباس: لا يهل أحد من مكة بالحج حتى يريد الرواح إلى مني، وهذا التعليق وصله البخاري في باب غسل الرجلين في النعلين من كتاب الوضوء مطولًا، وقد مرَّ عبيد بن جريج في الحادي والثلاثين من الوضوء، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
ثم قال المصنف:
стр. 6300
باب أين يصلي الظهر يوم التروية
أي: يوم الثامن من ذي الحجة، وقد مرَّ ما قيل في سبب تسمية التروية بذلك في باب غسل الرجلين في النعلين في كتاب الوضوء حين ذكر حديث ابن عمر هناك.
الحديث الرابع والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ. ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
قال الترمذي: تفرد به إسحاق الأزرق عن الثوري، ولأجل هذه النكتة أردفه البخاري بطريق أبي بكر بن عياش، عن عبد العزيز، وهي وإن كان قصر فيها كما سنوضحه لكن فيها متابعة قوية لطريق إسحاق، وله شواهد منها ما في حديث جابر الطويل في صفة الحج عند مسلم: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلّوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، الحديث.
وروى أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم عن ابن عباس، قال: صلى النبي ﷺ بمنى خمس صلوات، وله عن ابن عمر أنه كان يحب إذا استطاع أن يصلي الظهر بمنى يوم التروية وذلك أن رسول الله ﷺ صلى الظهر بمنى، وحديث ابن عمر في "الموطأ" عن نافع، عنه موقوفًا، ولابن خزيمة والحاكم عن عبد الله بن الزبير، قال: من سنة الحج أن يصلي الإِمام الظهر وما بعدها، والفجر بمنى، ثم يغدون إلى عرفة.
وقوله: "يوم النفر" بفتح النون وسكون الفاء، والمراد به الرجوع من منى بعد انقضاء أعمال الحج.
وقوله: "بالأَبطح"، أي: البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها: المحصب والمعرس، وحدّها ما بين الجبلين إلى المقبرة.
стр. 6301
وقوله: "كما يفعل أمراؤك" فيه إشعار بأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم في مكان معين، فأشار أنس إلى أن الذي يفعلونه جائز، وإن كان الأتباع أفضل، وأمر أنس السائل له بعد أن بين له ما سأل عنه باتباع الأمراء خشية منه عليه أن يحرص على ذلك فينسب إلى المخالفة أو تفوته الصلاة إلى الجماعة، فقال له: صل مع الأمراء حيث يصلون، وفيه الإشارة إلى متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة، وفي الحديث أن السنة أن يصلي الحاج الظهر يوم التروية بمنى لأنه ﵊ خرج إلى منى قبل الظهر، وصلى فيها الظهر والعصر، وفي كتاب شرف المصطفى لأبي سعد النيسابوري أن خروجه ﵊ يوم التروية كان ضحى، وفي سيرة الملا أنه ﷺ خرج إلى منى بعدما زاغت الشمس، وفي "شرح الموطأ" للقرطبي أنه ﵊ خرج إلى منى عشية يوم التروية والخروج يوم التروية هو مذهب الجمهور، وروى الثوري في جامعه عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير صلى الظهر يوم التروية بمكة، وقد مرت الرواية عنه قريبًا أن السنة أن يصليها بمنى، فلعل ما نقله عمرو عنه لضرورة أو لبيان الجواز، وقد روى ابن المنذر عن ابن عباس، قال: إذا زاغت الشمس فليرح إلى منى، قال ابن المنذر: في حديث ابن الزبير أن من السنة أن يصلي الإِمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، وقال به علماء الأمصار قال: ولا أعلم عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئًا، ثم روى عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه، وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء.
وقال ابن المنذر: والخروج إلى منى في كل وقت مباح، إلا أن الحسن وعطاء قالا: لا بأس أن يتقدم الحاج إلى منى قبل يوم التروية بيوم أو يومين، وكرهه مالك، وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي إلا إن أدركه وقت الجمعة فعليه أن يصليها قبل أن يخرج، وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف سبعًا، ويركع ويخرج، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج، وقال النووي: ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة حيث يصلون الظهر في أول وقتها هذا هو الصحيح المشهور من نصوص الشافعي، وفيه قول ضعيف أنهم يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، ومرَّ سفيان الثوري في السابع والعشرين منه، ومرَّ أنس في السادس منه، ومرَّ عبد العزيز بن رفيع في الثالث عشر
стр. 6302
والمائة من هذا الكتاب، والباقي إسحاق بن يوسف بن مرداس بكسر الميم المخزومي الواسطي، المعروف بالأزرق، قيل لأحمد: إسحاق بن يوسف ثقة، قال: إي والله ثقة، وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صحيح الحديث، صدوق لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك، وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البزار: كان ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وربما غلط، روى عن ابن عون والأعمش والثوري وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل وقتيبة، ويحيى بن معين وغيرهم، ولد سنة سبع عشرة ومائة ومات سنة خمس وتسعين ومائة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالإفراد والجمع والعنعنة والقول والسؤال: وشيخه من أفراده، وهو بخاري ثم واسطي، ثم كوفي، ثم مكي، أخرجه البخاري في الحج أيضًا، وكذا مسلم والترمذي والنسائي.
الحديث الخامس والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَقِيتُ أَنَسًا (ح)، وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلَقِيتُ أَنَسًا ﵁ ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْيَوْمَ الظُّهْرَ، فَقَالَ: انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ.
هذا فيه اختصار توضحه رواية سفيان، بين له المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ الظهر يوم التروية وهو منى، ثم قال له: افعل كما يفعل أمراؤك، ولما خلت رواية أبي بكر بن عياش عن القدر المرفوع، وقع في بعض الطرق عنه وهم، فرواه الإسماعيلي عن عبد الحميد بن بيان، عنه، بلفظ: أين صلى النبي ﷺ الظهر هذا اليوم؟ قال: صلى حيث يصلي أمراؤك، قال الإسماعيلي: قوله: "صلى" غلط ويحتمل أن تكون كانت صل بصيغة الأمر كغيرها من الروايات فأشبع الناسخ اللام فكتب بعدها ياء فقرأها الراوي بفتح اللام، وفي رواية عبد الله بن محمد زيادة لفظة في هذا الباب لم يتابعه عليها سائر الرواة عن إسحاق وهي قوله: أين صلى الظهر والعصر؟ فإن لفظ العصر لم يذكره غيره، وقد روى هذا الحديث اثنا عشر نفسًا عن إسحاق الأزرق، ولم يقل أحد منهم في روايته: والعصر، وادَّعى الداودي أن ذكر العصر هنا وهم، وإنما ذكر العصر في النفر، وتعقب بأن العصر مذكور في هذه الرواية في الموضعين،
стр. 6303
وقد تقدم التصريح في حديث جابر عند مسلم بأنه صلى الظهر والعصر وما بعد ذلك إلى صبح يوم عرفة بمنى، فالزيادة في نفس الأمر صحيحة إلا أن عبد الله بن محمد تفرد بذكرها عن إسحاق دون بقية أصحابه.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ أبو بكر بن عياش في الثامن والأربعين والمائة من الجنائز، ومرَّ إسماعيل بن أبان في الثامن والأربعين من الجمعة، ومرَّ محل عبد العزيز وأنس في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
стр. 6304
باب الصلاة بمنى
هل يقصر الرباعية أو لا؟
الحديث السادس والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلاَفَتِهِ.
تقدمت هذه الترجمة والأحاديث المذكورة فيها في أبواب قصر الصلاة، لكن غاير في بعض أسانيدها، فإنه أورد حديث ابن عمر هناك عن نافع، عنه، وهنا عن ولده عبيد الله عنه.
وقوله: وعثمان صدرًا من خلافته" زاد في رواية نافع المذكورة، ثم أتمها، وقد مرت مباحثه هناك.
رجاله ستة ، وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان وقد مرَّ الجميع:
مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر منه، ومرَّ عثمان في أثر بعد الخامس منه، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عمر في الأول منه، ومرَّ عبيد الله بن عبد الله في الخامس والسبعين من استقبال القبلة.
الحديث السابع والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ.
وأورد حديث حارثة هناك عن أبي الوليد، وهنا عن آدم كلاهما عن شعبة، ومرَّ الكلام عليه هناك.
رجاله أربعة قد مرّوا:
مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ أبو إسحاق السبيعي في الثالث والثلاثين منه،
стр. 6305
ومرَّ حارثة بن وهب في الرابع من التقصير.
الحديث الثامن والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَيَالَيْتَ حَظِّى مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
أورد هذا الحديث هنا عن سفيان، وهناك عن عبد الواحد كلاهما عن الأعمش.
وقوله: "فليت حظي من أربع ركعتان" قال الداودي: خشي ابن مسعود أن يجزىء الأربع فاعلها، وتبع عثمان كراهة لخلافه، وأخبر بما يعتقده، وقال: يريد أنه لو صلى أربعًا تكلفها فليتها تقبل كما تقبل الركعتان، والذي يظهر أنه قال ذلك على سبيل التفويض إلى الله تعالى لعدم إطلاعه على الغيب وهل يقبل الله صلاته أم لا؟ فتمنى أن يقبل منه من الأربع التي يصليها ركعتان، ولو لم يقبل الزائد، وهو يشعر بأن المسافر غير عنده بين القصر والإتمام، والركعتان لابد منهما، ومع ذلك فكان يخاف أن لا يقبل منه شيء، فحاصله أنه قال: إنما أتم متابعة لعثمان، وليت الله قبل مني ركعتين من الأربع، وقد تقدم الكلام على بقية فوائد هذا الحديث عند ذكره في أبواب القصر.
رجاله ستة وفيه ذكر أبي بكر وعمر وقد مرَّ الجميع:
مرَّ قبيصة وسفيان في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأعمش وإبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين منه، ومرَّ ابن مسعود في الأثر الأول منه، ومرَّ عبد الرحمن بن يزيد في الخامس من التقصير، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء ومرَّ عمر الآن في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
следующие страницы →