Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.
стр. 6301
وقوله: "كما يفعل أمراؤك" فيه إشعار بأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم في مكان معين، فأشار أنس إلى أن الذي يفعلونه جائز، وإن كان الأتباع أفضل، وأمر أنس السائل له بعد أن بين له ما سأل عنه باتباع الأمراء خشية منه عليه أن يحرص على ذلك فينسب إلى المخالفة أو تفوته الصلاة إلى الجماعة، فقال له: صل مع الأمراء حيث يصلون، وفيه الإشارة إلى متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة، وفي الحديث أن السنة أن يصلي الحاج الظهر يوم التروية بمنى لأنه ﵊ خرج إلى منى قبل الظهر، وصلى فيها الظهر والعصر، وفي كتاب شرف المصطفى لأبي سعد النيسابوري أن خروجه ﵊ يوم التروية كان ضحى، وفي سيرة الملا أنه ﷺ خرج إلى منى بعدما زاغت الشمس، وفي "شرح الموطأ" للقرطبي أنه ﵊ خرج إلى منى عشية يوم التروية والخروج يوم التروية هو مذهب الجمهور، وروى الثوري في جامعه عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير صلى الظهر يوم التروية بمكة، وقد مرت الرواية عنه قريبًا أن السنة أن يصليها بمنى، فلعل ما نقله عمرو عنه لضرورة أو لبيان الجواز، وقد روى ابن المنذر عن ابن عباس، قال: إذا زاغت الشمس فليرح إلى منى، قال ابن المنذر: في حديث ابن الزبير أن من السنة أن يصلي الإِمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، وقال به علماء الأمصار قال: ولا أعلم عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئًا، ثم روى عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه، وعادة أهل مكة أن يخرجوا إلى منى بعد صلاة العشاء.
وقال ابن المنذر: والخروج إلى منى في كل وقت مباح، إلا أن الحسن وعطاء قالا: لا بأس أن يتقدم الحاج إلى منى قبل يوم التروية بيوم أو يومين، وكرهه مالك، وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي إلا إن أدركه وقت الجمعة فعليه أن يصليها قبل أن يخرج، وقال ابن حبيب: إذا مالت الشمس يطوف سبعًا، ويركع ويخرج، وإن خرج قبل ذلك فلا حرج، وقال النووي: ويكون خروجهم بعد صلاة الصبح بمكة حيث يصلون الظهر في أول وقتها هذا هو الصحيح المشهور من نصوص الشافعي، وفيه قول ضعيف أنهم يصلون الظهر بمكة ثم يخرجون.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، ومرَّ سفيان الثوري في السابع والعشرين منه، ومرَّ أنس في السادس منه، ومرَّ عبد العزيز بن رفيع في الثالث عشر
стр. 6302
والمائة من هذا الكتاب، والباقي إسحاق بن يوسف بن مرداس بكسر الميم المخزومي الواسطي، المعروف بالأزرق، قيل لأحمد: إسحاق بن يوسف ثقة، قال: إي والله ثقة، وقال ابن معين والعجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: صحيح الحديث، صدوق لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: كان من أعلمهم بحديث شريك، وقال الخطيب: كان من الثقات المأمونين وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال البزار: كان ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة، وربما غلط، روى عن ابن عون والأعمش والثوري وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل وقتيبة، ويحيى بن معين وغيرهم، ولد سنة سبع عشرة ومائة ومات سنة خمس وتسعين ومائة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالإفراد والجمع والعنعنة والقول والسؤال: وشيخه من أفراده، وهو بخاري ثم واسطي، ثم كوفي، ثم مكي، أخرجه البخاري في الحج أيضًا، وكذا مسلم والترمذي والنسائي.
الحديث الخامس والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَقِيتُ أَنَسًا (ح)، وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَلَقِيتُ أَنَسًا ﵁ ذَاهِبًا عَلَى حِمَارٍ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْيَوْمَ الظُّهْرَ، فَقَالَ: انْظُرْ حَيْثُ يُصَلِّي أُمَرَاؤُكَ فَصَلِّ.
هذا فيه اختصار توضحه رواية سفيان، بين له المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ الظهر يوم التروية وهو منى، ثم قال له: افعل كما يفعل أمراؤك، ولما خلت رواية أبي بكر بن عياش عن القدر المرفوع، وقع في بعض الطرق عنه وهم، فرواه الإسماعيلي عن عبد الحميد بن بيان، عنه، بلفظ: أين صلى النبي ﷺ الظهر هذا اليوم؟ قال: صلى حيث يصلي أمراؤك، قال الإسماعيلي: قوله: "صلى" غلط ويحتمل أن تكون كانت صل بصيغة الأمر كغيرها من الروايات فأشبع الناسخ اللام فكتب بعدها ياء فقرأها الراوي بفتح اللام، وفي رواية عبد الله بن محمد زيادة لفظة في هذا الباب لم يتابعه عليها سائر الرواة عن إسحاق وهي قوله: أين صلى الظهر والعصر؟ فإن لفظ العصر لم يذكره غيره، وقد روى هذا الحديث اثنا عشر نفسًا عن إسحاق الأزرق، ولم يقل أحد منهم في روايته: والعصر، وادَّعى الداودي أن ذكر العصر هنا وهم، وإنما ذكر العصر في النفر، وتعقب بأن العصر مذكور في هذه الرواية في الموضعين،
стр. 6303
وقد تقدم التصريح في حديث جابر عند مسلم بأنه صلى الظهر والعصر وما بعد ذلك إلى صبح يوم عرفة بمنى، فالزيادة في نفس الأمر صحيحة إلا أن عبد الله بن محمد تفرد بذكرها عن إسحاق دون بقية أصحابه.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ أبو بكر بن عياش في الثامن والأربعين والمائة من الجنائز، ومرَّ إسماعيل بن أبان في الثامن والأربعين من الجمعة، ومرَّ محل عبد العزيز وأنس في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
стр. 6304
باب الصلاة بمنى
هل يقصر الرباعية أو لا؟
الحديث السادس والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلاَفَتِهِ.
تقدمت هذه الترجمة والأحاديث المذكورة فيها في أبواب قصر الصلاة، لكن غاير في بعض أسانيدها، فإنه أورد حديث ابن عمر هناك عن نافع، عنه، وهنا عن ولده عبيد الله عنه.
وقوله: وعثمان صدرًا من خلافته" زاد في رواية نافع المذكورة، ثم أتمها، وقد مرت مباحثه هناك.
رجاله ستة ، وفيه ذكر أبي بكر وعمر وعثمان وقد مرَّ الجميع:
مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر منه، ومرَّ عثمان في أثر بعد الخامس منه، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عمر في الأول منه، ومرَّ عبيد الله بن عبد الله في الخامس والسبعين من استقبال القبلة.
الحديث السابع والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ ﵁، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ.
وأورد حديث حارثة هناك عن أبي الوليد، وهنا عن آدم كلاهما عن شعبة، ومرَّ الكلام عليه هناك.
رجاله أربعة قد مرّوا:
مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ أبو إسحاق السبيعي في الثالث والثلاثين منه،
стр. 6305
ومرَّ حارثة بن وهب في الرابع من التقصير.
الحديث الثامن والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ ﵁ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَيَالَيْتَ حَظِّى مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
أورد هذا الحديث هنا عن سفيان، وهناك عن عبد الواحد كلاهما عن الأعمش.
وقوله: "فليت حظي من أربع ركعتان" قال الداودي: خشي ابن مسعود أن يجزىء الأربع فاعلها، وتبع عثمان كراهة لخلافه، وأخبر بما يعتقده، وقال: يريد أنه لو صلى أربعًا تكلفها فليتها تقبل كما تقبل الركعتان، والذي يظهر أنه قال ذلك على سبيل التفويض إلى الله تعالى لعدم إطلاعه على الغيب وهل يقبل الله صلاته أم لا؟ فتمنى أن يقبل منه من الأربع التي يصليها ركعتان، ولو لم يقبل الزائد، وهو يشعر بأن المسافر غير عنده بين القصر والإتمام، والركعتان لابد منهما، ومع ذلك فكان يخاف أن لا يقبل منه شيء، فحاصله أنه قال: إنما أتم متابعة لعثمان، وليت الله قبل مني ركعتين من الأربع، وقد تقدم الكلام على بقية فوائد هذا الحديث عند ذكره في أبواب القصر.
رجاله ستة وفيه ذكر أبي بكر وعمر وقد مرَّ الجميع:
مرَّ قبيصة وسفيان في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأعمش وإبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين منه، ومرَّ ابن مسعود في الأثر الأول منه، ومرَّ عبد الرحمن بن يزيد في الخامس من التقصير، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة بعد الحادي والسبعين من الوضوء ومرَّ عمر الآن في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
стр. 6306
باب صوم يوم عرفة
يعني بعرفة، أي: ما حكمه؟ وكأنه لم تثبت عنده الأحاديث الواردة في الترغيب في صومه على شرطه، وأصحها حديث أبي قتادة عند مسلم أنه يكفِّر سنة آتية، وسنة ماضية، والجمع بينه وبين حديثي الباب أن يحمل على غير الحاج، أو على من لم يضعفه صيامه عن الذكر والدعاء المطلوب للحاج وسيأتي قريبًا.
الحديث التاسع والثلاثون والمائة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا سَالِمٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ، شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ.
قوله: "سمعت عميرًا مولى أم الفضل" في رواية الصوم مولى عبد الله بن عباس فمن قال: مولى أم الفضل فباعتبار أصله، ومن قال: مولى ابن عباس فباعتبار ما آل إليه حاله لأن أم الفضل هي والدة ابن عباس، وقد انتقل إلى ابن عباس ولاء موالي أمه، وليس لعمير في البخاري سوى هذا الحديث، وحديث آخر في التيمم.
وقوله: "شك الناس يوم عرفة" وفي رواية الصوم أن ناسًا تماروا، أي: اختلفوا، وعند الدارقطني في الموطآت عن مالك: اختلف ناس من أصحاب رسول الله ﷺ في صوم النبي ﷺ ، وهذا يشعر بأن صوم يوم عرفة كان معروفًا عندهم معتادًا لهم في الحضر، وكان من جزم بأنه صائم استند إلى ما ألفه من العبادة، ومن جزم بأنه غير صائم قامت عنده قرينة كونه مسافرًا، وقد عرف نهيه عن صوم الفرض في السفر فضلًا عن النفل.
وقوله: "فبعثت" أي: بسكون المثلثة وضم التاء الفوقية بلفظ المتكلم، وفي رواية أبوي ذر والوقت: فبعثت بفتح المثلثة وسكوت المثناة، أي: أم الفضل، ونفي كتاب الصوم: فأرسلت، وفي رواية الصوم أيضًا أن المرسلة هي ميمونة بنت الحارث، فيحتمل التعدد، ويحتمل أنهما معًا أرسلتا، فنسب ذلك إلى كل منهما؛ لأنهما كانتا أختين، فتكون ميمونة
стр. 6307
أرسلت بسؤال أم الفضل لها في ذلك لكشف الحال، ويحتمل العكس، ولم يسم الرسول في طرق حديث أم الفضل، لكن روى النسائي عن ابن عباس ما يدل على أنه كان الرسول بذلك، ويقوي ذلك أنه كان ممن جاء عنه أنه أرسل إما أمه وإما خالته.
وقوله: "بشراب"، في رواية الصوم: وهو واقف على بعيره، زاد أبو نعيم في "المستخرج" عن مالك: وهو يخطب الناس بعرفة، وللمصنف في "الأشربة": وهو واقف عشية عرفة، ولأحمد والنسائي عن عبد الله بن عباس، عن أمه أم الفضل أن رسول الله ﷺ أفطر بعرفة.
وقوله: "فشربه" زاد في حديث ميمونة: والناس ينظرون، وفي حديثها: فأرسلت إليه بحلاب بكسر المهملة، وهو الإناء الذي يجعل فيه اللبن، وقيل: الحلاب: اللبن المحلوب، وقد يطلق على الإناء، ولو لم يكن فيه لبن.
واستدل بالحديث على استحباب الفطر يوم عرفة بعرفة، وفيه نظر لأن فعله المجرد لا يدل على نفي الاستحباب إذ قد يترك الشيء المستحب لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ، نعم روى أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة والحاكم عن عكرمة أن أبا هريرة حدثهم أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، وأخذ بظاهره بعض السلف، فجاء عن يحيى بن سعيد الأنصاري: يجب فطر يوم عرفة للحاج، وعن ابن الزبير وأسامة بن زيد وعائشة أنهم كانوا يصومونه، وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن عثمان.
وعن قتادة مذهب آخر، قال: لا بأس به إن لم يضعف عن الدعاء، ونقله البيهقي في المعرفة عن الشافعي في القديم، واختاره المتولي والخطابي من الشافعية، وقال الجمهور: يستحب فطره حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له أجر الصائم، قال في "المجموع": قول الجمهور سواء أضعفه الصوم عن الدعاء وأعمال الحج أم لا؟، وعند المالكية: يكره للحاج صومه لئلا يضعفه عن العبادة، والصحيح عند الشافعية أنه خلاف الأولى لا مكروه، وعلى كل حال يستحب فطره للحاج للاتباع كما دل عليه حديث الباب، وإن كان قيل فيه ما تقدم، وليتقوى به على الدعاء، وعند الحنفية عدم الكراهة كما قالت الشافعية، وقال الطبري: إنما أفطر رسول الله ﷺ بعرفة ليدل على الاختيار للحاج بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة، وقيل: إنما أفطر لموافقته يوم الجمعة، وقد نهى عن إفراده بالصوم، ويبعده سياق أول الحديث، وقيل: إنما كره صوم يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده ما رواه أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعًا:
стр. 6308
يوم عرفة ويوم النحر وأيام مني عيدنا أهل الإِسلام، وفي الحديث أن العيان أقطع للحجة، وأنه فوق الخبر، وأن الأكل والشرب في المحافل مباح، ولا كراهة فيه للضرورة، وفيه قبول الهدية من المرأة من غير استفصال منها هل هو من مال زوجها أو لا، ولعل ذلك من القدر الذي لا تقع فيه المشاحة، قال المهلب: وفيه نظر لما تقدم من احتمال أنه من بيت ميمونة زوج النبي ﷺ ، وفيه تأسي الناس بأفعاله ﵊، وفيه البحث والاجتهاد في حياته ﵊، والمناظرة بين الرجال والنساء، والتحيل على الاطلاع على الحكم بغير سؤال، وفيه فطنة أم الفضل لاستكشافها عن الحكم الشرعي بهذه الوسيلة اللطيفة اللائقة بالحال لأن ذلك كان يوم حر بعد الظهيرة، قال ابن المنير: لم ينقل أنه ﵊ ناول فضله أحدًا، فلعله علم أنها خصته به، فيؤخذ منه مسألة التمليك المقيد، ولا يخفى بعده، وقد وقع في حديث ميمونة: فشرب منه، وهو مشعر بأنه لم يستوف شربه، وقال الزين بن المنير: لعل استبقاءه لما في القدح كان قصد الإطالة زمن الشرب حتى يعم نظر الناس إليه ليكون أبلغ في البيان، وفيه الركون في حال الوقوف.
رجاله ستة قد مرّوا:
مرَّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ سالم أبو النضر في السابع والستين من الوضوء، ومرت أم الفضل في الثاني والثلاثين من صفة الصلاة، وعمير هو ابن عبد الله الهلالي أبو عبد الله المدني، مولى أم الفضل، قال ابن إسحاق: حدثني الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس، وكان ثقة، وقد مرَّ في الرابع من التيمم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته: بصري ومكي ومدنيون، أخرجه البخاري في الحج أيضًا وفي الأشربة، ومسلم في الصوم، وكذا أبو داود.
ثم قال المصنف:
стр. 6309
باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة
أي: مشروعيتهما، وغرضه بهذه الترجمة الرد على من قال بقطع المحرم التلبية إذا راح إلى عرفة.
الحديث الأربعون والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه، وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلاَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلاَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ.
قد وافق أنسًا على روايته عبد الله بن عمر، أخرجه مسلم.
وقوله: "وهما غاديان"، أي: ذاهبان غدوة.
وقوله: "كيف كنتم تصنعون؟ " أي: من الذكر، ولمسلم عن محمد بن أبي بكر، قلت لأنس غداة عرفة: ما تقول في التلبية في هذا اليوم.
وقوله: "فلا ينكر" بضم أوله على البناء للمفعول، وفي رواية موسى بن عقبة: لا يعيب أحدنا على صاحبه، وفي حديث ابن عمر المشار إليه عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: غدونا مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفات، منَّا الملبّي، ومنا المكبّر، وفي رواية له قال عبد الله بن أبي سلمة: فقلت لعبيد الله: عجبًا لكم كيف لم تسألوه: ماذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع؟ وأراد عبد الله بن أبي سلمة بذلك الوقوف على الأفضل؛ لأن الحديث يدل على التخيير بين التكبير والتلبية من تقريره ﵊ لهم على ذلك، فأراد أن يعرف ما كان يصنع هو ليعرف الأفضل من الأمرين، وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة عند حديث ابن عباس في باب الركوب والارتداف في الحج، ومرَّ في العيدين أيضًا في باب التكبير أيام منى، وإذا غدا إلى عرفة.
стр. 6310
رجاله أربعة قد مرّوا:
مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ محمد بن أبي بكر الثقفي في التاسع عشر من العيدين، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان.
ثم قال المصنف:
стр. 6311
باب التهجير بالرواح يوم عرفة
أي: من نمرة، لحديث ابن عمر أيضًا: غدا رسول الله ﷺ حين صلى الصبح في صبيحة يوم عرفة، حتى أتى عرفة، فنزل نمرة، وهو منزل الإمام الذي ينزل فيه بعرفة حتى إذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله ﷺ مهجرًا، فجمع بين الظهر والعصر، ثم خطب الناس، ثم راح فوقف، أخرجه أبو داود وأحمد، وظاهره أنه توجه من منى حين صلى الصبح بها، لكن في حديث جابر الطويل عند مسلم أن توجهه ﵊ منها كان بعد طلوع الشمس، ولفظه: فضربت له قبة بنمرة، فنزل بها حتى زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت، فأتى بطن الوادي ونمرة بفتح النون وكسر الميم، موضع بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات.
الحديث الحادي والأربعون والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنْ لاَ يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الْحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: الرَّوَاحَ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ. قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجَ. فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي، فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ، وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: صَدَقَ.
وقوله: "حين كتب عبد الملك إلى الحجاج" يعني حين بعثه إلى قتال ابن الزبير.
وقوله: "في الحج"، أي: في أحكام الحج، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: فركب هو وسالم وأنا معهما، وفي روايته: قال ابن شهاب: وكنت يومئذٍ صائمًا، فلقيت من الحرّ شدة، واختلف الحفاظ في رواية معمر هذه، فقال يحيى بن معين: هي وهم، وابن شهاب لم ير ابن عمر ولا سمع منه، وقال الذهلي: لست أدفع رواية معمر لأن
стр. 6312
ابن وهب روى عن العمري، عن ابن شهاب نحو رواية معمر، وروى عنبسة بن خالد، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: وفدت إلى مروان وأنا محتلم، قال الذهلي: ومروان مات سنة خمس وستين، وهذه القصة كانت سنة ثلاث وسبعين، وقال غيره: إن رواية عنبسة هذه وهم، وإنما قال الزهري: وفدت على عبد الملك، ولو كان الزهري وقد على مروان لأدرك جلة الصحابة ممن ليست له عنهم رواية إلا بواسطة، وقد أدخل مالك وعقيل وإليهما المرجع في حديث الزهري، بينه وبين ابن عمر في هذه القصة سالمًا، فهذا هو المعتمد.
وقوله: "فصاح عند سرادق الحجاج"، أي: خيمته، زاد الإسماعيلي: أين هذا، أي: الحجاج، ومثله يأتي بعد باب من رواية القعنبي.
وقوله: "وعليه ملحفة" بكسر الميم، إزار كبير، والمعصفر: المصبوغ بالعصفر.
وقوله: "يا أبا عبد الرحمن" هي كنية ابن عمر.
وقوله: "الرواح" بالنصب، أي: عجِّل أورح.
وقوله: "إن كنت تريد السنة"، في رواية ابن وهب: إن كنت تريد أن تصيب السنة.
وقوله: "فأنظرني" بالهمزة وكسر الظاء المعجمة: أي: أخرني، وللكشميهني بألف وصل، وضم الظاء، أي: انتظرني.
وقوله: "فنزل"، أي: ابن عمر كما صرح به بعد بابين.
وقوله: "فاقصر" بألف موصولة ومهملة مكسورة، قال ابن عبد البر: هذا الحديث يدخل عندهم في المسند لأن المراد بالسنة سنة النبي ﷺ إذا أطلقت ما لم تضف إلى صاحبها كسنة العمرين، وهذه مسألة خلاف عند أهل الحديث والأصول وجمهورهم على ما قال ابن عبد البر، وهي طريقة البخاري ومسلم، ويؤيده قول سالم لابن شهاب الآتي بعد باب إذ قال له: أفعل ذلك رسول الله ﷺ ؟ فقال: وهل يتبعون في ذلك إلا سنته.
وقوله: "وعجل الوقوف" كذا رواه القعنبي وأشهب، قال ابن عبد البر: وهو عندي غلط؛ لأن أكثر الرواة عن مالك قالوا: وعجل الصلاة، قال: ورواية القعنبي لها وجه لأن تعجيل الوقوف يستلزم تعجيل الصلاة، وقد وافق القعنبي عبد الله بن يوسف كما هنا، ورواية أشهب التي أشار لها عند النسائي فهؤلاء ثلاثة رووه هكذا، فالظاهر أن الاختلاف فيه من مالك، وكأنه ذكره باللازم لأن الفرض بتعجيل الصلاة حينئذ تعجيل الوقوف، قال ابن بطال: وفي هذا الحديث الغسل للوقوف بعرفة لقول الحجاج لعبد الله: أنظرني، فانتظره وأهل العلم
стр. 6313
يستحبونه، ويحتمل أن يكون ابن عمر إنما انتظره لحمله على اغتساله عن ضرورة، نعم روى مالك في "الموطأ" أن ابن عمر كان يغتسل لوقوفه عشية عرفة، وقال الطحاوي: فيه حجة لمن أجاز المعصفر للمحرم، وتعقبه ابن المنير بأن الحجاج لم يكن يتقي المنكر الأعظم من سفك الدماء وغيره حتى يتقي المعصفر، وإنما لم ينهه ابن عمر لعلمه بأنه لا ينجع فيه النهي، ولعلمه بأن الناس لا يقتدون بالحجاج، وفيه نظر لأن الاحتجاج إنما هو بعدم إنكار ابن عمر، فبعدم إنكاره يتمسك الناس في اعتقاد الجواز، وقد تقدم الكلام على المعصفر والمصبوغ في آخر كتاب العلم آخر حديث منه، وقال المهلب: فيه جواز تأمير الأدون على الأفضل، وتعقبه ابن المنير بأن صاحب الأمر في ذلك عبد الملك، وليس بحجة، ولاسيما في تأمير الحجاج، وأما ابن عمر فإنما أطاع لذلك فرارًا من الفتنة، قال: وفيه أن إقامة الحج إلى الخلفاء وأن الأمير يعمل في الدين بقول أهل العلم، ويصير إلى رأيهم، وفيه مداخلة العلماء السلاطين، وأنهم لا نقيصة عليهم في ذلك، قلت: فعل ابن عمر ليست فيه مداخلة قطعًا، وقد مرَّ أنه إنما حمله عليه الفرار من الفتن، وفيه فتوى التلميذ بحضرة معلمه عند السلطان وغيره، وابتداء العالم بالفتوى قبل أن يسأل عنه، وتعقبه ابن المنير بأن ابن عمر إنما ابتدأ بذلك لمسألة عبد الملك له في ذلك، فالظاهر أنه كتب إليه بذلك كما كتب إلى الحجاج، قلت: المراد بابتداء العالم بالفتوى ما فعله سالم من قوله: إن كنت تريد السنة، إلخ، لا ما فعله أبوه، وفيه اللهم بالإشارة والنظر لقول سالم: فجعل الحجاج ينظر إلى عبد الله، فلما رأى ذلك، قال: صدق، وفيه طلب العلو في العلم لتشوق الحجاج إلى سماع ما أخبره به سالم من أبيه ابن عمر، ولم ينكر ابن عمر ذلك، قلت: هذا من فعل الحجاج، والحجاج لا يحتج بأفعاله، إذ يمكن أن يكون قصده التكبر والتعنت في الأخذ عن سالم.
وللمسألة مدارك غير هذا منها حديث ضمام المتقدم في كتاب العلم، وفيه تعليم الفاجر السنن لمنفعة الناس، وفيه احتمال المفسدة الخفيفة لتحصل المصلحة الكبيرة يؤخذ ذلك من مضى ابن عمر إلى الحجاج، وتعليمه له، وفيه الحرص على نشر العلم لانتفاع الناس به، وفيه صحة الصلاة خلف الفاسق، وأن التوجه إلى المسجد الذي بعرفة حين تزول الشمس للجمع بين الظهر والعصر في أول وقت الظهر سنة، ولا يضر التأخر بقدر ما يشتغل به المرء من متعلقات الصلاة كالغسل ونحوه، وفيه الخطبة في اليوم التاسع، وفي الحج عند المالكية والحنفية ثلاث خطب: الأولى في اليوم السابع بعد الظهر يعلم الناس فيها أفعال الحج، وعند المالكية فيها قولان: هل هي خطبة واحدة لا يجلس وسطها؟ والمشهور أنهما خطبتان، وأنهما
стр. 6314
سنة، والثانية في اليوم التاسع خطبتان كالجمعة، والثالثة في اليوم الحادي عشر بمنى للحمد والشكر على التوفيق لمناسك الحج، والحض على الطاعة، والتحذير من المعاصي، وعند الحنابلة ثلاثة أيضًا إلا أنهم يبدلون خطبة اليوم السابع بخطبة بمنى يوم النحر، وعند الشافعية أربع بزيادة خطبة بمنى يوم النفر الأول.
رجاله خمسة قد مرّوا:
وفيه ذكر عبد الملك، والحجاج مرّ محل عبد الله بن يوسف، ومالك في الذي قبله، ومرَّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، ومرَّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ الحجاج في السابع والثلاثين من مواقيت الصلاة، والباقي عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي أبو الوليد المدني، ثم الدمشقي، وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، قال ابن سعد: شهد يوم الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين وحفظ أمرهم، وكان عابدًا ناسكًا قبل الخلافة، وكان قد جالس الفقهاء، وحفظ عنهم، وكان قليل الحديث، واستعمله معاوية على المدينة، وقال عبادة بن نسي: قيل لابن عمر: من نسأل بعدكم؟ قال: إن لمروان ابنًا فقيهًا فسلوه، وقال نافع: لقد رأيت المدينة وما بها أشد تشميرًا ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله، ولا أطول صلاة، ولا أطلب للعلم من عبد الملك، وقال الشعبي: ما جالست أحدًا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك، فإني ما ذاكرته حديثًا، ولا شعرًا إلا زادني فيه، وقال العجلي: ولد لستة أشهر، وخطب خطبة بليغة، ثم قطعها وبكى، ثم قال: يا رب إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي، فبلغ ذلك الحسن فبكى، وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتبت هذا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من فقهاء المدينة وقرائهم قبل أن يلي ما ولي وهو بغير الثقات أشبه، وقع ذكره في مسلم في حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أنه حدث طارقًا أمير المدينة بحديث في العمرى، قال: فكتب طارق بذلك إلى عبد الملك بن مروان، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر، فأمضى ذلك طارق، وروى في صحيح البخاري عن عروة بن الزبير أنه سأله عن سيف الزبير، قال: فقلت له: فيه فلّة، فقال: صدقت: بهن فلول من قراع الكنائب.
قال عمرو بن علي بايع مروان لابنيه، فقام عبد الملك بالحرب، وكانت الفتنة من يوم مات معاوية بن يزيد إلى أن استقام الناس لعبد الملك تسع سنين، وقد ملك عبد الملك ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا ليلتين، ومات في النصف من شوال سنة ست وثمانين، وقيل: أول ما
стр. 6315
بويع في شهر رمضان سنة خمس وستين وكانت الجماعة عليه، وقيل: سنة ثلاث وسبعين وأخباره كثيرة جدًا، وإنما ذكرت منها القدر الذي ذكره المحدثون.
روى عن أبيه ومعاوية وعثمان وأبي هريرة وغيرهم، وروى عنه ابنه محمد وعروة بن الزبير والزهري وغيرهم، وقال مصعب الزبيري: هو أول من سمي في الإِسلام عبد الملك.
وهذا الحديث أخرجه النسائي أيضًا في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6316
باب الوقوف على الدابة بعرفة
الحديث الثاني والأربعون والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ.
هذا الحديث تقدم الكلام عليه مستوفى قبل بابين، وموضع الحاجة منه قوله فيه: "وهو واقف على بعيره"، وأصرح منه حديث جابر الطويل عند مسلم ففيه: ثم ركب إلى الموقف فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، واختلف أهل العلم في أيهما أفضل الركوب أو تركه بعرفة، فذهب الجمهور إلى أن الأفضل الركوب لكونه ﵊ وقف راكبًا، ومن حيث النظر فإن في الركوب عونًا على الاجتهاد في الدعاء والتضرع المطلوب حينئذ كما ذكروا مثله في الفطر، وذهب آخرون إلى أن استحباب الركوب يختص بمن يحتاج الناس إلى التعليم منه، وعن الشافعي قوله: إنهما سواء، واستدل به على أن الوقوف على ظهر الدابة مباح، وأن النهي الوارد في ذلك محمول على ما إذا أجحف بالدابة.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو النضر في السابع والستين من الوضوء، ومرَّ عمير في الرابع من التيمم، ومرت أم الفضل في الثاني والثلاثين من صفة الصلاة.
ثم قال المصنف:
стр. 6317
باب الجمع بين الصلاتين بعرفة
لم يبين حكم ذلك، وذهب الجمهور إلى أن ذلك الجمع المذكور يختص بمن يكون مسافرًا بشرطه، وعن مالك والأوزاعي وهو وجه للشافعية، فيه أن الجمع بعرفة جمع للنسك، فيجوز لكل أحد، وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن القاسم بن محمد، سمعت ابن الزبير يقول: إن من سنة الحج أن الإِمام يروح إذا زالت الشمس يخطب، فيخطب الناس، فإذا فرغ من خطبته نزل فصلى الظهر والعصر جميعًا، واختلف فيمن صلى وحده كما يأتي قريبًا.
ثم قال: وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا فاتته الصلاة مع الإِمام جمع بينهما.
وصله إبراهيم الحربي في المناسك له عن همام أن نافعًا حدثه أن ابن عمر كان إذا لم يدرك الإِمام يوم عرفة جمع بين الظهر والعصر في منزله، وأخرج الثوري في جامعه عن نافع مثله، وأخرجه ابن المنذر، وبهذا قال الجمهور، وخالفهم في ذلك النخعي والثوري وأبو حنيفة، فقالوا: يختص بمن صلى مع الإِمام، وخالف أبا حنيفة في ذلك صاحباه، والطحاوي، ومن أقوى الأدلة لهم صنيع ابن عمر هذا، وقد روى حديث جمع النبي ﷺ بين الصلاتين، وكان مع ذلك يجمع وحده، فدل على أنه عرف أن الجمع لا يختص بالإمام، ومن قواعدهم أن الصحابي إذا خالف ما روى دل على أن عنده علمًا بأن مخالفه أرجح تحسينًا للظن به، فينبغي أن يقال هذا هنا، وأما صلاة المغرب فعند أبي حنيفة ومحمد وزفر: يجب تأخيرها إلى العشاء، فلو صلاها في الطريق أعاد، وعن مالك: يجوز لمن به أو بدابته عذر، فيصليها، لكن بعد مغيب الشفق الأحمر إن وقف مع الإِمام، وإن لم يقف معه صلى كل واحدة في وقتها، وعن "المدونة": يعيد من صلى المغرب قبل أن يأتي جمعًا، وكذا من جمع بينها وبين العشاء بعد مغيب الشفق، فيعيد العشاء، وعن أشهب: إن جاء جمعًا قبل الشفق جمع، وقال ابن القاسم: حتى يغيب، وعند الشافعية وجمهور أهل العلم: لو جمع تقديمًا أو تأخيرًا قبل جمع أو بعد أن نزلها أو أفرد أجزأ، وفاتت السنة، واختلافهم مبني على أن الجمع بعرفة وبمزدلفة للنسك أو للسفر، وعند المالكية لا يجمع العرفي بعرفة ولا المزدلفي
стр. 6318
بمزدلفة، ويجمع كل واحد منهما بالبقعة الأخرى، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث.
الحديث الثالث والأربعون والمائة
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ ﵁: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلاَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ. إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السُّنَّةِ. فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ تَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلاَّ سُنَّتَهُ
وقوله: "فهجر بالصلاة" أمر من التهجير، أي: صل بالهاجرة، وهي شدة الحر.
وقوله: "إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر" في السنة بضم المهملة وتشديد النون، أي: سنة النبي ﷺ ، وكأن ابن عمر فهم من قول ولده سالم، فهجر بالصلاة، أي: الظهر والعصر معًا، فأجاب بذلك، فطابق كلام ولده، وقال الطيبي: قوله في السنة هو حال من فاعل يجمعون، أي: متوغلين في السنة، قاله تعريضًا بالحجاج.
وقوله: "فقلت لسالم" القائل هو ابن شهاب.
وقوله: "أفعل" بهمزة استفهام.
وقوله: "وهل يتبعون بذلك" بتشديد المثناة وكسر الموحدة بعدها مهملة، كذا للأكثر من الأتباع، وللكشميهني: يبتغون في ذلك بسكون الموحدة وفتح المثناة بعدها معجمة من الابتغاء، أي: لا يطلبون في ذلك الفعل إلا سنة النبي ﷺ ، وفي رواية الحموي بحذف في، وهي مقدرة.
رجاله خمسة قد مرّوا:
وفيه ذكر ابن الزبير والحجاج، مرَّ الليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ محل سالم وابن عمر والحجاج في الذي قبله بحديث، ومرَّ ابن الزبير في الثامن والأربعين من العلم.
هذا الحديث ذكره البخاري معلقًا وقد وصله الإسماعيلي من طريق يحيى بن بكير.
ثم قال المصنف:
стр. 6319
باب قصر الخطبة بعرفة
قيد المصنف قصر الخطبة بعرفة اتباعًا للفظ الحديث، وقد أخرج مسلم الأمر باقتصار الخطبة في أثناء حديث لعمار أخرجه في الجمعة، قال ابن التين: أطلق أصحابنا العراقيون أن الإمام لا يخطب يوم عرفة، وقال المدنيون والمغاربة: يخطب، وهو قول الجمهور، ويحمل قول العراقيين على معنى أنه ليس لما يأتي به من الخطبة تعلق بالصلاة كخطبة الجمعة، وكأنهم أخذوه من قول مالك: كل صلاة يخطب لها يجهر فيها بالقراءة، فقيل له: فعرفة يخطب فيها ولا يجهر بالقراءة؟ فقال: إنما تلك للتعليم.
الحديث الرابع والأربعون والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْحَجِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ وَأَنَا مَعَهُ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ أَوْ زَالَتْ، فَصَاحَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ: أَيْنَ هَذَا؟ فَخَرَحَ إِلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الرَّوَاحَ. فَقَالَ: الآنَ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَنْظِرْنِي أُفِيضُ عَلَيَّ مَاءً. فَنَزَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ حَتَّى خَرَجَ، فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي. فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ الْيَوْمَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ، وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقَ.
هذا الحديث مرَّ الكلام عليه في باب التهجير بالرواح قريبًا.
رجاله خمسة قد مرّوا:
وفيه ذكر الحجاج وعبد الملك وقد مرَّ الجميع، مرّ محل عبد الله بن مسلمة، ومالك في الذي قبله بحديث، ومرَّ محل ابن شهاب وسالم وأبيه والحجاج في الذي قبله بحديثين، ومرَّ عبد الملك بن مروان فيه.
ثم قال المصنف:
стр. 6320
باب التعجيل إلى الموقف
كذا للأكثر هذه الترجمة بغير حديث، وسقط من رواية أبي ذر أصلًا، وفي نسخة الصغاني هنا ما لفظه: "يدخل في الباب حديث مالك عن ابن شهاب المذكور في الباب الذي قبل هذا، ولكني أريد أن أدخل فيه غير معاذ" يعني حديثًا لا يكون تكرر كله سندًا ومتنًا لأن أصل قصد البخاري أن لا يكرر، فكلما وقع فيه من تكرار الأحاديث إنما هو حيث تكون هناك مغايرة، إما في السند وإما في المتن حتى إنه لو أخرج الحديث في موضعين عن شيخين حدثاه به عن مالك، أو أخرجه في موضعين بسندٍ واحد لكن اختصر من المتن شيئًا أورده في موضع موصولًا، وفي موضع معلقًا، لا يكون عنده معادًا ولا مكررًا، وهذه الطريق لم يخالفها إلا في مواضع يسيرة مع طول الكتاب إذا بعد ما بين البابين بعدًا شديدًا، وقال الكرماني: في بعض النسخ عقب هذه الترجمة، قال أبو عبد الله: يزاد في هذا الباب هم حديث مالك عن ابن شهاب، لكني لا أريد أن أدخل فيه معادًا، وكأنه لم يحضره حينئذ طريق للحديث المذكور عن مالك غير الطريقين اللتين ذكرهما.
وقوله في الزيادة المذكورة هم هي بفتح الهاء وسكون الميم، وهي بمعنى أيضًا لفظة اصطلح عليها أهل بغداد، ليست بفارسية ولا عربية.
ثم قال المصنف:
стр. 6321
باب الوقوف بعرفة
أي: دون غيرها فيما دونها أو فوقها.
الحديث الخامس والأربعون والمائة
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قال: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي (ح). وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعم، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ مِنَ الْحُمْسِ فَمَا شَأْنُهُ هَاهُنَا
قوله: "أضللت بعيرًا" كذا للأكثر في الطريق الثانية، وفي رواية الكشميهني لي كما في الأولى.
وقوله: "فذهبت أطلبه يوم عرفة"، في رواية الحميدي في مسنده ومن طريقه أخرجه أبو نعيم: أضللت بعيرًا لي يوم عرفة، فخرجت أطلبه بعرفة، فعلى هذا فقوله يوم عرفة يتعلق بأضللت، فإن جبيرًا إنما جاء إلى عرفة ليطلب بعيره لا ليقف بها.
وقوله: "من الحمس" بضم المهملة وسكون الميم بعدها مهملة جمع أحمس، والحمس روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث عن مجاهد، قال: الحمس قريش، ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وغزوان وبني عامر وبني صعصعة وبني كنانة إلا بني بكر والأحمس في كلام العرب الشديد، وسموا بذلك لما شددوا على أنفسهم، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لا يأكلون لحمًا ولا يبنون وبرًا ولا شعرًا، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم، وروى إبراهيم أيضًا عن عبد العزيز بن عمران، قال: سموا حمسًا بالكعبة لأنها حمساء حجرها أبيض يضرب إلى السواد، والأول أشهر وأكثر، وأنه من التحمس وهو التشدد، قال أبو عبيدة: تحمس تشدد ومنه حمس الوغى إذا اشتد، وأخرج إبراهيم الحربي: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم فدخل في
стр. 6322
الحمس من غير قريش ثقيف وغيرهم ممن مرَّ، وعرف بهذا أن المراد بهذه القبائل من كانت له من أمهاته قرشية لا جميع القبائل المذكورة.
وقوله: "فما شأنه هاهنا" في رواية الإسماعيلي: فما له خرج من الحرم، وزاد مسلم بعد قوله: فما شأنه هاهنا وكانت قريش تعد من الحمس، وبيَّن الحميدي في مسنده أن هذه الزيادة من قول سفيان، ولفظه متصلًا بقوله: ما شأنه هاهنا، قال سفيان: والأحمس: الشديد على دينه، وكانت قريش تسمى الحمس، وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم إنكم إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون من الحرم، وعند الإسماعيلي: فما له خرج من الحرم، قال سفيان: الحمس قريش، وكانت تسمى الحمس، وكانت لا تجاوز الحرم، ويقولون: نحن أهل الله لا نخرج من الحرم، وكان سائر الناس يقف بعرفة وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ وعرف بهاتين الروايتين معنى حديث جبير، وكأن البخاري حذفها استغناء برواية عروة ولكن في سياق رواية سفيان فوائد زائدة، وقد روى بعض ذلك ابن خزيمة وابن راهويه عن نافع بن جبير، عن أبيه، قال: كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة ويقولون: نحن الحمس، فلا نخرج من الحرم، وقد تركوا الموقف بعرفة، قال: فرأيت النبي ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم، ويدفع إذا دفعوا، وعن ابن إسحاق في "المغازي" مختصرًا، وفيه توفيقًا من الله تعالى له.
وأخرجه ابن إسحاق أيضًا عن جبير بن مطعم، قال: أضللت حمارًا لي في الجاهلية فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفًا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت علمت أن الله وقفه لذلك، وأفادت هذه الرواية أن رواية جبير له لذلك كانت قبل الهجرة، وذلك قبل أن يسلم جبير، وهو نظير روايته أنه سمعه يقرأ في المغرب بالطور، وذلك قبل أن يسلم جبير أيضًا، كما مرَّ، وتضمن ذلك التعقب على السهيلي حيث ظن أن رواية جبير لذلك كانت في الإِسلام في حجة الوداع، فقال: انظر كيف أنكر جبير هذا، وقد حج بالناس عتاب سنة ثمان وأبو بكر سنة تسع، ثم قال: إما أن يكونا وقفا بجمع كما كانت قريش تصنع، وإما أن يكون جبير لم يشهد معهما الموسم، وقال الكرماني وقفة رسول الله ﷺ بعرفة كانت سنة عشر، وكان جبير حينئذ مسلمًا؛ لأنه أسلم يوم الفتح، فإن كان سؤاله عن ذلك إنكارًا أو تعجبًا، فلعله لم يبلغه نزول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، وإن كان للاستفهام عن حكمة المخالفة لما كانت عليه الحمس فلا إشكال ويحتمل أن يكون لرسول
стр. 6323
الله ﷺ وقفة بعرفة قبل الهجرة.
وهذا الأخير هو المعتمد كما تبين لك بالأدلة، وكأنه تبع السهيلي في ظنه أنها حجة الوداع أو وقع له اتفاقًا.
رجاله ستة قد مرّوا إلا جبيرًا:
مرَّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرَّ محمد بن جبير في الرابع والثلاثين من صفة الصلاة، والباقي جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي، يكنى أبا محمد، وقيل: أبا عدي، أمه أم جميل بنت سعيد، من بني عامر بن لؤي، وقيل: أم حبيب بنت سعيد. قال مصعب الزبيري: كان جبير بن مطعم من حلماء قريش وساداتهم، وكان يؤخذ عنه النسب، وكان أنسب قريش لقريش وللعرب قاطبة، وكان يقول: إنما أخذت النسب عن أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر ﵁ أنسب العرب، وروى ابن إسحاق أن عمر حين أتى ينسب النعمان دعا بجبير بن مطعم أسلم يوم الفتح، وقيل: عام خيبر، وكان أتى النبي ﷺ في فداء أسارى بدر كافرًا روي أنه قال: أتيت النبي ﷺ لأكلمه في أسارى بدر، فوافقته وهو يصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته وهو يقرأ، وقد خرج صوته من المسجد: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾، قال: فكأنما صدع قلبي، وفي رواية: سمعته يقرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، إلى: ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾، فكاد قلبي يطير، فلما قضى صلاته كلمته في أسارى بدر، فقال: "لو كان الشيخ أبوك حيًا فأتانا فيهم شفّعناه"، وفي رواية: "لو أن أباك"، أو: "لو أن المطعم بن عدي كان حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له" فكان أول ما دخل الإيمان في قلبه سماعه لقراءة والطور، وكانت للمطعم عند رسول الله ﷺ يد، وكان من أشراف قريش، وإنما كان هذا القول منه ﷺ في المطعم بن عدي لأنه هو الذي كان أجار رسول الله ﷺ حين قدم من الطائف من دعاء ثقيف، وكان أحد الذين قاموا في شأن الصحيفة التي كتبتها قريش علي بني هاشم، وكانت وفاة المطعم في صفر سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بنحو سبعة أشهر.
وذكر ابن إسحاق أن جبيرًا من المؤلفة الذين حسن إسلامهم، وأن النبي أعطاه مائة من الإبل، له عن رسول الله ﷺ ستون حديثًا اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر، روى عنه ابناه محمد ونافع وسليمان بن صرد وابن المسيب وطائفة، وروى عنه ابن
стр. 6324
المسيب أنه أتى النبي ﷺ هو وعثمان، فسألاه أن يقسم لهما كما قسم لبني هاشم والمطلب، وقالا: إن قرابتنا واحدة، أي أن هاشمًا والمطلب ونوفلًا جد جبير، وعبد شمس جد عثمان إخوة فأبى وقال: "إنما بنو هاشم والمطلب شيء واحد"، مات بالمدينة سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين، وهذا مرَّ في السابع من الغسل فهو مكرر.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والسماع والقول، أخرجه مسلم والنسائي في الحج.
الحديث السادس والأربعون والمائة
حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلاَّ الْحُمْسَ، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ، وَكَانَتِ الْحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ، يُعْطِى الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا، وَتُعْطِي الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الْحُمْسُ طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَيُفِيضُ الْحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْحُمْسِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.
قوله: "قال عروة"، في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، فذكره.
وقوله: "والحمس قريش وما ولدت" زاد معمر، وكان ممن ولدت قريش خزاعة وبنو كنانة وبنو عامر بن صعصعة، وقد مرَّ في الذي قبله ما قيل في تفسير الحمس.
وقوله: "فأخبرني أبي" القائل هو هشام بن عروة، والموصول من الحديث هذا القدر في سبب نزول الآية، وسيأتي في تفسير سورة البقرة بوجه أتم من هذا.
وقوله: "فدفعوا إلى عرفات" بالبناء للمجهول، وفي رواية الكشميهني: فرفعوا بالراء، ولمسلم عن هشام: رجعوا إلى عرفات، والمعنى أنهم أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها، ثم يفيضوا منها، وقد مرَّ في طريق جيد سبب امتناعهم من ذلك، وقد تقدم الكلام على قصة الطواف عريانًا في أوائل الصلاة، وعرف برواية عائشة أن المخاطب بقوله تعالى: ﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ النبي ﷺ والمراد به من كان لا يقف بعرفة من قريش وغيرهم، وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الضحاك أن المراد بالناس هنا إبراهيم الخليل عليه
стр. 6325
السلام، وعنه المراد به الإِمام، وعن غيره آدم، وقرىء في الشواذ: الناسي بكسر السين بوزن القاضي، والأول أصح، نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي وغيره عن يزيد بن شيبان، قال: كنا وقوفًا بعرفة فأتانا ابن مربع بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء، فقال: إني رسول الله إليكم يقول لكم: كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث إبراهيم، الحديث، ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ بل هو لأعم من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة رضي الله تعالى عنها.
ودل هذا الحديث على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الإفاضة من عرفة، وظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة لأنها ذكرت بلفظ، ثم ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وأجاب بعض المفسرين بأن الأمر بالذكر عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر لما ورد منه على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير: فإذا أفضتم فاذكروا، ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيث كان الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفات إلى المشعر الحرام فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ولتكن إفاضتكم من المكان الذي يفيض منه الناس غير الحمس، وقيل: إن "ثم" في الآية بمعنى الواو، واختاره الطحاوي، وقيل: لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب، والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام إلى آخر ما مرَّ قريبًا، وقال الزمخشري: موقع "ثم" هنا موقعها من قولك أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، فتأتي، ثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بيَّن لهم مكان الإفاضة، فقال: ثم أفيضوا لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب والأخرى خطأ، قال الخطابي: تضمن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الأمر بالوقوف بعرفة لأن الإفاضة إنما تكون عند اجتماع قبله، وكذا قال ابن بطال: وزاد وبيَّن الشارع مبتدأ الوقوف بعرفة ومنتهاه، وعرفات علم للموقف وهو منصرف إذ لا تأنيث فيه؛ لأن التاء الموجودة فيه علامة جمع المؤنث، ولا يصح تقدير التاء فيها لأن هذه التاء التي هي لجمع المؤنث مانعة من التقدير كما لا يقدر تاء التأنيث في "بنت" لاختصاص التاء التي فيها بالمؤنث، فمنعت تقدير التاء، وسميت عرفات بهذا الاسم إما لأنها وصفت لإبراهيم ﵊، فلما أبصرها عرفها أو لأن جبريل ﵊ حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها، فقال: عرفت أو لأن آدم ﵊ هبط من الجنة بأرض الهند، وحواء ﵍ بجدة، فالتقيا ثم تعارفا، أو لأن الناس
стр. 6326
يتعارفون بها، أو لأن إبراهيم ﵇ عرف حقيقة رؤياه في ذبح ولده ثمة، أو لأن الخلق يعترفون فيها بذنوبهم، أو لأن فيها جبالًا والجبال هي الأعراف، وكل عال فهو عرف، وجمع بفتح الجيم وسكون الميم هي المزدلفة، وسمي به لأن آدم ﵊ اجتمع فيها مع حواء ﵍، وازدلف إليها إلى أن دنا منها، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، وأهلها يزدلفون، أي: يتقربون إلى الله تعالى بالوقوف فيها، والوقوف بعرفة من أعظم أركان الحج، ثبت ذلك من فعل النبي ﷺ .
وقوله: "أما فعله" فروى الإِمام أحمد عن يعقوب بن عاصم بن عروة، قال: سمعت الشريد يقول: أشهد لو وقفت مع رسول الله ﷺ بعرفات، قال: فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعًا، والشريد بفتح الشين هو ابن سويد الثقفي، وروى الطبري عن عبد الله بن ربيعة، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يقف فيه في الجاهلية، وأما قوله: فروى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال: "هذه عرفة، وهو الموقف، وعرفة كلها موقف"، الحديث، وروى ابن حبان في "صحيحه" عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل عرفات موقف، فارفعوا عن عرنة، وكل مزدلفة موقف فارفعوا عن محسر، وكل فجاج منى منحر، وفي كل أيام التشريق ذبح".
وفي هذه الأحاديث تعيين عرفة للوقوف وأنه لا يجزيء بغيرها، وهو قول أكثر أهل العلم، وروى ابن المنذر عن مالك أنه يصح الوقوف بعرفة، والحديث المذكور حجة عليه، وحدّ عرفة ما رواه الأزرقي في "تاريخ مكة" بإسناده إلى ابن عباس، قال: حد عرفة من قبل المشرق على بطن عرنة إلى جبال عرفة، إلى وصيق إلى ملتقى وصيق إلى وادي عرنة، وقال الشافعي في "الأوسط" من مناسكه: وعرفة ما جاوز بطن عرنة، وليس الوادي ولا المسجد منها إلى الجبال المقابلة مما يلي حوائط ابن عامر، وطريق الحضن، وما جاوز ذلك فليس بعرفة، والحضن بالفتح والضاد المعجمة المفتوحة أيضًا وابن عامر هو عبد الله بن عامر بن كرز، كان له حائط فيه عين، وهو الآن خراب.
وقال ابن بطال: اختلفوا إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس، ولم يقف بها ليلًا، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر، والنهار من يوم عرفة تبع، فإن وقف جزءًا من الليل، أي: جزءًا كان قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه.
وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي: الاعتماد على النهار من يوم عرفة من وقت الزوال والليل كلّه تبع؛ فإن وقف جزءًا من النهار أجزأه، وإن وقف جزءًا من الليل أجزأه، إلا أنهم
стр. 6327
يقولون: إن وقف جزءًا من النهار بعد الزوال دون الليل كان عليه دم، وإن وقف جزءًا من الليل دون النهار لم يجب عليه دم، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الوقوف من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، فسووا بين أجزاء الليل وأجزاء النهار، وقال ابن قدامة: وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال ابن جريج: عليه بدنة، وقال الحسن بن أبي الحسن: عليه هدي من الإبل، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارًا فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه، وقد روى نافع عن ابن عمر أنه قال: من لم يقف بعرفة ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، وعن عروة بن الزبير مثله، ورفعه ابن عمر مرة: من فاته عرفات بليل، فقد فاته الحج، وعن عمرو بن شعيب، رفعه قال: من جاوز وادي عرفة قبل أن تغيب الشمس فلا حج له، وهذه الأحاديث ضعفها ابن حزم، وعن عروة بن مضرس الطائي مرفوعًا: من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه، رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
رجاله ستة قد مرّوا:
مرَّ فروة بن أبي المغراء في التاسع والأربعين والمائة من الجنائز، ومرَّ علي بن مسهر في الرابع والمائة من استقبال القبلة، ومرَّ هشام، وعروة، وعائشة، في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول، ورواته: كوفيان ومدنيان.
ثم قال المصنف:
стр. 6328
باب السير إذا دفع من عرفة
الحديث السابع والأربعون والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَجْوَةٌ مُتَّسَعٌ، وَالْجَمِيعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ، وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ. مَنَاصٌ لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ.
في رواية ابن خزيمة عن هشام: سمعت أبي.
وقوله: "سئل أسامة وأنا جالس" في رواية النسائي عن مالك: وأنا جالس معه، وفي رواية مسلم: عن هشام، عن أبيه سئل أسامة وأنا شاهد، أو قال: سألت أسامة بن زيد.
وقوله: "حين دفع" في رواية "الموطأ": حين دفع من عرفة.
وقوله: "العنق" بالتحريك هو السير الذي بين الإِبطاء والإسراع، وقال في "المشارق": هو سير سهل في سرعة، وقال القزاز: العنق سير سريع، وقيل: المشي الذي يتحرك به عنق الدابة، وفي "الفائق": العنق الخطو الفسيح، وانتصب العنق على المصدر المؤكد من لفظ الفعل.
وقوله: "نص"، أي: أسرع، قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها، وأصل النص غاية المشي، ومنه: نصصت الشيء رفعته، ثم استعمل في ضرب سريع من السير.
وقوله: "قال هشام" هو ابن عروة الراوي كما بيّنه مسلم وأبو عوانة أن التفسير من كلامه، وأدرجه يحيى القطان فيما أخرجه المصنف في "الجهاد"، وسفيان فيما أخرجه النسائي، ووكيع فيما أخرجه ابن خزيمة كلّهم عن هشام، وجعل إسحاق في "مسنده" التفسير من كلام وكيع، وجعله ابن خزيمة من كلام سفيان ووكيع، وسفيان إنما أخذ التفسير من هشام، وقد رواه أكثر
стр. 6329
رواة "الموطأ" عن مالك، ولم يذكروا التفسير، وكذلك رواه أبو داود الطيالسي.
وقال ابن خزيمة: في هذا الحديث دليل على أن الحديث الذي رواه ابن عباس عن أسامة أنه قال: فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا أنه محمول على حال الزحام دون غيره، وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود وحفص بن عمر، عن ابن عباس، عن أسامة أن النبي ﷺ أردفه حين أفاض من عرفة، وقال: "أيها الناس عليكم السكينة، فإن البر ليس بالإيجاف"، قال: فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا، الحديث، وسيأتي بعد باب عن ابن عباس ليس فيه أسامة، ويأتي الكلام عليه هناك، وأخرجه مسلم عن ابن عباس، عن أسامة في أثناء حديث، قال: فما زال يسير على هينته حتى أتى جمعًا، وهذا يشعر بأن ابن عباس إنما أخذه عن أسامة.
وقال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الترجمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام، وفيه أن السلف كانوا يحرصون على السؤال عن كيفية أحواله ﵊ في جميع حركاته وسكونه ليقتدوا به في ذلك.
وقوله: "فجوة" أي: بفتح الفاء وسكون الجيم، المكان المتسع، ورواه أبو مصعب ويحيى بن بكير، عن مالك، بلفظ: فُرْجة بضم الفاء وسكون الراء، وهو بمعنى الفجوة، وجمعه فجوات بفتحتين، وفجاء بالكسر والمد، وكذلك ركوة وركوات وركاء.
وقوله: "مناص ليس حين فرار" أي: هرب وهو تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، وإنما ذكر هذا الحرف هنا لقوله: نص، ولا تعلق له به إلا لدفع من يتوهم أن أحدهما مشتق من الآخر، وإلا فمادة نص غير مادة ناص، قال أبو عبيدة: في المجاز: المناص مصدر من قوله: ناص ينوص، وقال الطبري: الصواب في صفة السير في الإفاضتين جميعًا ما صحت به الآثار إلا في وادي محسر فإنه يوضع، أي: يسرع لما رواه الترمذي عن جابر أن النبي ﷺ أوضع في وادي محسر، ولو أوضع أحد في موضع العنق أو العكس لم يلزمه شيء لإجماع الجميع على ذلك، غير أنه يكون مخطئًا.
رجاله ستة قد مرّوا:
مرت الأربعة الأول بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أسامة بن زيد في الخامس من الوضوء.
стр. 6330
أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد، ومسلم في المناسك، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6331
باب النزول بين عرفة وجمع
أي: لقضاء الحاجة ونحوها وليس من المناسك.
الحديث الثامن والأربعون والمائة
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَالَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: "الصَّلاَةُ أَمَامَكَ".
قوله: "حيث أفاض"، في رواية أبي الوقت: حين، وهي أولى؛ لأنها ظرف زمان، وحين: ظرف مكان، وفي حيث ست لغات، ضمّ آخرها وفتحه وكسره، وبالواو بدل الياء مع الحركات الثلاث.
وقوله: "مال إلى الشعب" بيَّن محمد بن حرملة في روايته أنه قرب المزدلفة.
رجاله ستة قد مرّوا: مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ يحيى بن سعيد الأنصاري في الأول من بدء الوحي، ومرَّ موسى بن عقبة، وأسامة في الخامس من الوضوء، ومرَّ كريب في الرابع منه.
الحديث التاسع والأربعون والمائة
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الَّذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيَتَوَضَّأُ، وَلاَ يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ.
وقوله: "فينتفض" بفاء وضاد معجمة، أي: يستجمر، وأخرجه الفاكهاني عن سعيد بن جبير، قال: دفعت مع ابن عمر من عرفة حتى إذا وازينا الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء المغرب، دخله ابن عمر فتنفض فيه، ثم توضأ وكبر، فانطلق حتى جاء جمعًا، فأقام فصلى المغرب، فلما سلم قال: الصلاة، ثم صلى العشاء. وأصله في الجمع بجمع عند مسلم
стр. 6332
وأصحاب السنن، وروى الفاكهاني أيضًا عن عطاء، قال: أردف النبي ﷺ أسامة، فلما جاء الشعب الذي يصلي فيه الخلفاء الآن المغرب نزل فأهراق الماء، ثم توضأ، وظاهر هذين الطريقين أن الخلفاء كانوا يصلون المغرب عند الشعب المذكور قبل دخول وقت العشاء وهو خلاف السنة في الجمع بين الصلاتين بمزدلفة.
وعند مسلم عن كريب: لما أتى الشعب الذي ينزله الأمراء، وله عن كريب أيضًا: الشعب الذي ينيخ الناس فيه للمغرب، والمراد بالخلفاء والأمراء في هذا الحديث بنو أمية، فلم يوافقهم ابن عمر على ذلك، وقد جاء عن عكرمة إنكار ذلك، وروى الفاكهاني عن ابن أبي نجيح: سمعت عكرمة يقول: اتخذه رسول الله ﷺ مبالًا، واتخذتموه مصلى، وكأنه أنكر بذلك على من ترك الجمع بين الصلاتين لمخالفة السنة في ذلك، وكان جابر يقول: لا صلاة إلا بجمع، أخرجه ابن المنذر بإسناد صحيح، ونقل عن الكوفيين وعن ابن القاسم صاحب مالك وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلى أجزأه، وهو قول أبي يوسف والجمهور، وقد مرَّ الكلام بأتم من هذا على هذه المسألة في باب الجمع بين الصلاتين بعرفة.
رجاله أربعة ، قد مرّوا:
مرَّ موسى بن إسماعيل المنقري في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ جويرية في الأربعين من الغسل، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الحديث الخمسون والمائة
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ، فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا. فَقُلْتُ: الصَّلاَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "الصَّلاَةُ أَمَامَكَ". فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ. قَالَ كُرَيْبٌ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ الْفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ.
قوله: "ردِفت رسول الله ﷺ " بكسر الدال، أي: ركبت وراءه، وفيه الركوب حال الدفع من عرفة، والارتداف على الدابة، ومحله إذا كانت مطيقة، وارتداف أهل الفضل، ويعد ذلك من إكرامهم للرديف.
стр. 6333
وقوله: "فصببت" بفتح الواو، أي: الماء الذي يتوضأ به، ويؤخذ منه الاستعانة في الوضوء، وقد مرَّ الكلام عليه في كتاب الوضوء في باب الرجل يوضىء صاحبه، وهذا الحديث قد مرت مباحثه في باب إسباغ الوضوء.
وقوله: "ثم ردف الفضل"، أي: ركب خلفه ﵊، وفي رواية مسلم: قال كريب: فقلت لأسامة: كيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل بن العباس، وانطلقت أنا في سياق قريش على رجلي، إلى آخر ما مرّ في باب الركوب والارتداف في الحج، ومرَّ هناك الكلام على ما قيل في انقطاع التلبية عند الأئمة.
واستدل بالحديث على جمع التأخير وهو إجماع بمزدلفة، لكنه عند الشافعية وطائفة بسبب السفر، وعند المالكية والحنفية بسبب النسك، وأغرب الخطابي، فقال: فيه دليل على أنه لا يجوز أن يصلي الحاج المغرب إذا أفاض من عرفة حتى يبلغ المزدلفة، ولو أجزأته في غيرها لما أخرها النبي ﷺ عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام.
رجاله سبعة ، قد مرّوا إلا ابن حرملة:
مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرّ إسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين منه، ومرَّ محل كريب وأسامة في الذي قبله بحديث، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ أخوه الفضل في الثامن عشر من الجماعة، والسابع محمد بن أبي حرملة القرشي أبو عبد الله المدني، مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: هو الذي يروي عنه خصيف ويقول: حدثني ابن حويطب القرشي ينسبه إلى مواليه، وقال ابن سعد: توفي في أول خلافة أبي جعفر المنصور، وكان كثير الحديث، روى عن ابن عمر، وفي سماعه منه نظر، وسالم بن عبد الله، وكريب وغيرهم، وروى عنه: ابنه إسحاق، ومالك، وابن أبي حازم، وإسماعيل بن جعفر، وغيرهم. أ. هـ.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول، ورواته: شيخه بقلاني بلخي، والبقية مدنيون، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي، ورواية الأخ عن الأخ، وثلاثة من الصحابة.
أخرجه مسلم في الحج أيضًا.
ثم قال المصنف:
стр. 6334
باب أمر النبي ﷺ بالسكينة عند الإفاضة وإشارته لهم بالسوط
الحديث الحادي والخمسون والمائة
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ، قال: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، قال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى وَالِبَةَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ". أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا. خِلاَلَكُمْ: مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ، وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا: بَيْنَهُمَا.
وقوله: "مولى المطلب" أي: ابن عبد الله بن حنطب.
وقوله: "مولى والبة" بكسر اللام بعدها موحدة خفيفة، بطن من بني أسد.
وقوله: "زجرًا" بفتح الزاي وسكون الجيم بعدها راء، أي: صياحًا لحثّ الإبل.
وقوله: "وضربًا"، زاد في رواية كريمة: وصوتًا، وكأنها تصحيف من قوله: وضربا فظُنتْ معطوفة.
وقوله: "عليكم بالسكينة" أي: في السير، والمراد السير بالرفق وعدم المزاحمة، فإن البر ليس بالإيضاع، أي: السير السريع، ويقال: هو سير مثل الخبب، فبين ﵊ أن تكلف الإسراع في السير ليس من البر، أي: مما يتقرب به، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله: لما خطب بعرفة: ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غفر له، وقال المهلب: إنما نهاهم عن الإسراع إبقاءً عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة.
وقوله: "أوضعوا": أسرعوا، هو من كلام المصنف، وهو قول أبي عبيدة في المجاز.
وقوله: "خلالكم" من التخلل بينكم هو أيضًا من قول أبي عبيدة، ولفظه: ولأوضعوا،
стр. 6335
أي: لأسرعوا خلالكم، أي: بينكم، وأصله من التخلل، وقال غيره: المعنى: وليسعوا بينكم بالنميمة، يقال: أوضع البعير أسرعه، وخص الراكب لأنه أسرع من الماشي.
وقوله: "وفجرنا خلالهما: بينهما" هو لأبي عبيدة أيضًا، ولفظه: وفجرنا خلاهما، أي: وسطهما، وبينهما وإنما ذكر البخاري هذا التفسير لمناسبة أوضعوا للفظ الإيضاع، ولما كان متعلق أوضعوا بالخلال ذكر تفسيره تكثيرًا للفائدة.
رجاله خمسة ، مرَّ منهم:
سعيد بن أبي مريم في الرابع والأربعين من العلم، ومرَّ عمرو بن أبي عمرو في الأربعين منه، ومرَّ سعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، الخامس إبراهيم بن سويد بن حبان المدني، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أتى بمناكير، قال في "المقدمة": روى له البخاري حديثًا واحدًا في الحج من روايته عن عمرو بن أبي عمرو، وله شواهد.
روى عن عمرو بن أبي عمرو ويزيد بن أبي عبيد وعبد الله بن محمد بن عقيل وغيرهم، وروى عنه سعيد بن أبي مريم وابن وهب.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالإفراد، ورواته: شيخه بصري ومدنيان وكوفي، والحديث من أفراد البخاري.
ثم قال المصنف:
стр. 6336
باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة
أي: المغرب والعشاء، وقد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، وقبل هذا الباب بباب.
الحديث الثاني والخمسون والمائة
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، ﵄ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ. فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلاَةُ؟. فَقَالَ: "الصَّلاَةُ أَمَامَكَ". فَجَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.
وقوله: "عن كريب، عن أسامة"، قال ابن عبد البر: رواه أصحاب مالك عنه هكذا إلا أشهب وابن الماجشون، فإنهما أدخلا بين كريب وأسامة عبد الله بن العباس، أخرجه النسائي، وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه في باب إسباغ الوضوء.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ موسى بن عقبة، وأسامة في الخامس من الوضوء، وكريب في الرابع منه.
ثم قال المصنف:
стр. 6337
باب من جمع بينهما ولم يتطوع
قوله: "بينهما"، أي: الصلاتين المذكورتين.
وقوله: "ولم يتطوع"، أي: لم يتنفل بينهما.
الحديث الثالث والخمسون والمائة
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلاَ عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
قوله: "جمع النبي ﷺ المغرب والعشاء" كذا لأبي ذر، ولغيره بين المغرب والعشاء.
وقوله: "بجمع"، أي: بفتح الجيم وسكون الميم، أي: المزدلفة، وقد مرَّ الكلام على اشتقاقها، وعلى اشتقاق المزدلفة في باب إسباغ الوضوء من كتاب الوضوء.
وقوله: "بإقامة": لم يذكر الأذان، وسيأتي بحثه في الباب التالي له.
وقوله: "ولم يسبح بينهما"، أي: لم ينتقل.
وقوله: "ولا على أثر كل واحدة منهما"، أي: عقبها.
ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة، صرّح بأنه لم يتنفل بينهما بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها، لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سنّة العشاءين عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود الآتي في الباب الذي بعده.
رجاله خمسة قد مرّوا:
مرَّ آدم في الثالث من الإيمان، ومرَّ سالم في السابع عشر منه، ومرَّ أبوه عبد الله في أوله
стр. 6338
قبل ذكر حديث منه، ومرَّ ابن أبي ذئب في الستين من العلم، ومرَّ الزهري في الثالث من بدء الوحي.
الحديث الرابع والخمسون والمائة
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ.
قوله: "حدثني يحيى" الخ، زاد مسلم: عن عبد الله بن يزيد، وكان أميرًا على الكوفة على عهد ابن الزبير.
وقوله: "بالمزدلفة" مبين لقوله في رواية مالك التي أخرجها في المغازي بلفظ: "أنه صلَّى مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع المغرب والعشاء جميعًا"، وللطبراني عن جابر الجعفي عن عدي، بهذا الإِسناد: صلى بجمع المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة، وفيه رد على قول ابن حزم: إن حديث أبي أيوب ليس فيه ذكر أذان ولا إقامة؛ لأن جابرًا، وإن كان ضعيفًا فقد تابعه محمد بن أبي ليلى عن عدي، على ذكر الإقامة فيه عند الطبراني أيضًا، فيقوي كل واحد منهما بالآخر. اهـ.
رجاله ستة قد مرّوا:
مرَّ خالد بن مخلد في الرابع من العلم، ومرَّ سليمان بن بلال في الثاني من الإيمان، ومرَّ عدي بن ثابت وعبد الله بن يزيد في الثامن والأربعين منه، ومرَّ يحيى بن سعيد في الأول من بدء الوحي، ومرَّ أبو أيوب في العاشر من الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالإفراد، والقول، وشيخه: كوفي، والباقون مدنيون.
وفيه: رواية التابعي عن التابعي، ورواية الصحابي عن الصحابي، أخرجه البخاري أيضًا في المغازي، ومسلم في المناسك، والنسائي في الصلاة وفي الحج، وابن ماجه في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6339
باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما
أي: من المغرب والعشاء بالمزدلفة.
الحديث الخامس والخمسون والمائة
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: حَجَّ عَبْدُ اللَّهِ ﵁، فَأَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالْعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرَى رَجُلاً- فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، قَالَ عَمْرٌو: لاَ أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلاَّ مِنْ زُهَيْرٍ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لاَ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ، فِي هَذَا الْمَكَانِ، مِنْ هَذَا الْيَوْمِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هُمَا صَلاَتَانِ تُحَوَّلاَنِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلاَةُ الْمَغْرِبِ بَعْدَمَا يَأْتِي النَّاسُ الْمُزْدَلِفَةَ، وَالْفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الْفَجْرُ. قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
قوله: "حج عبد الله" في رواية أحمد والنسائي عن زهير بالإسناد: حج عبد الله بن مسعود، فأمرني علقمة أن ألزمه، فلزمته، فكنت معه، وفي رواية إسرائيل الآتية بعد باب: خرجت مع عبد الله إلى مكة، ثم قدمنا جمعًا.
وقوله: "حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك"، أي: من مغيب الشفق.
وقوله: فأمر رجلًا، قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو عبد الرحمن بن يزيد، فإن في رواية حسن بن موسى عند أحمد وحسين بن عياش عند النسائي: فكنت معه، فأتينا المزدلفة، فلما كان طلع الفجر، قال: قم، فقلت له: إن هذه الساعة ما رأيتك صليت فيها.
وقوله: "ثم أمر أُرى رجلًا فأذن وأقام، قال عمرو: لا أعلم، الشك إلا من زهير" أُرى بضم الهمزة، أي: أظن، وقد بيَّن عمرو شيخ البخاري فيه أن الشك من شيخه زهير، وأخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن موسى، عن زهير، مثل ما رواه عنه عمرو، ولم يقل ما قال عمرو،
стр. 6340
وأخرجه البيهقي عن زهير، وقال فيه: ثم أمر، قال زهير: أُرى، فأذن وأقام وسيأتي بعد باب في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق بأصرح مما قال زهير، ولفظه: ثم قدمنا جمعًا فصلى الصلاتين كل واحدة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بفتح العين بينهما، ورواه ابن خزيمة وأحمد عن أبي إسحاق بلفظ: فأذن وأقام، ثم صلى المغرب، ثم تعشى، ثم قام فأذن وأقام وصلى العشاء، ثم بات بجمع حتى إذا طلع الفجر فأذن وأقام، ولأحمد عن أبي إسحاق أيضًا: فصلى بنا المغرب، ثم دعا بعشاء فتعشى، ثم قام فصلى العشاء، ثم رقد، وعند الإسماعيلي: عن ابن أبي ذيب في هذا الحديث: ولم يتطوع قبل كل واحدة منهما ولا بعدها، ولأحمد من رواية زهير: فقلت له: إن هذه الساعة ما رأيتك صليت فيها.
وقوله: "فلما طلع الفجر" في رواية المستملي والكُشميهني: فلما حين طلع الفجر، وفي رواية الحسين بن عياش، عن زهير: فلما كان حين طلع الفجر.
وقوله: "قال عبد الله" يعني ابن مسعود.
وقوله: "عن وقتهما" كذا للأكثر، وللسرخسي عن وقتها بالإفراد، وسيأتي بعد باب في رواية إسرائيل رفع هذه الجملة إلى النبي ﷺ .
وقوله: "حتى يبزغ" بزاي مضمومة وغين معجمة، أي: بطلع.
وفي هذا الحديث مشروعية الأذان والإقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مرويًا عن النبي ﷺ ، ولو ثبت عنه لقلت به، ثم أخرج عن أبي إسحاق في هذا الحديث، قال أبو إسحاق: فذكرته لأبي جعفر محمد بن علي، فقال: أما نحن أهل البيت، فهكذا نصنع، قال ابن حزم: وقد روي عن عمر من فعله، أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه، ثم تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه، فأذن لهم ليجتمعوا، ليجمع بهم، ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حق عمر لكونه كان الإمام الذي يقيم للناس حجهم، لم يتأت له ذلك في حق ابن مسعود لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لا يحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم، وقد أخذ بظاهره مالك وهو اختيار البخاري.
وروى ابن عبد البر، عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفًا، ومع كونه لم يروه، وبترك ما روى عن أهل المدينة، وهو مرفوع، قال ابن عبد البر: وأعجب أن من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن
следующие страницы →