← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة أي: المغرب والعشاء، وقد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، وقبل هذا الباب بباب. الحديث الثاني والخمسون والمائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، ﵄ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ. فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلاَةُ؟. فَقَالَ: "الصَّلاَةُ أَمَامَكَ". فَجَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. وقوله: "عن كريب، عن أسامة"، قال ابن عبد البر: رواه أصحاب مالك عنه هكذا إلا أشهب وابن الماجشون، فإنهما أدخلا بين كريب وأسامة عبد الله بن العباس، أخرجه النسائي، وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه في باب إسباغ الوضوء. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ موسى بن عقبة، وأسامة في الخامس من الوضوء، وكريب في الرابع منه. ثم قال المصنف:

стр. 6337

باب من جمع بينهما ولم يتطوع قوله: "بينهما"، أي: الصلاتين المذكورتين. وقوله: "ولم يتطوع"، أي: لم يتنفل بينهما. الحديث الثالث والخمسون والمائة حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلاَ عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. قوله: "جمع النبي ﷺ المغرب والعشاء" كذا لأبي ذر، ولغيره بين المغرب والعشاء. وقوله: "بجمع"، أي: بفتح الجيم وسكون الميم، أي: المزدلفة، وقد مرَّ الكلام على اشتقاقها، وعلى اشتقاق المزدلفة في باب إسباغ الوضوء من كتاب الوضوء. وقوله: "بإقامة": لم يذكر الأذان، وسيأتي بحثه في الباب التالي له. وقوله: "ولم يسبح بينهما"، أي: لم ينتقل. وقوله: "ولا على أثر كل واحدة منهما"، أي: عقبها. ويستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة، صرّح بأنه لم يتنفل بينهما بخلاف العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها، لكنه تنفل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سنّة العشاءين عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود الآتي في الباب الذي بعده. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ آدم في الثالث من الإيمان، ومرَّ سالم في السابع عشر منه، ومرَّ أبوه عبد الله في أوله

стр. 6338

قبل ذكر حديث منه، ومرَّ ابن أبي ذئب في الستين من العلم، ومرَّ الزهري في الثالث من بدء الوحي. الحديث الرابع والخمسون والمائة حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ. قوله: "حدثني يحيى" الخ، زاد مسلم: عن عبد الله بن يزيد، وكان أميرًا على الكوفة على عهد ابن الزبير. وقوله: "بالمزدلفة" مبين لقوله في رواية مالك التي أخرجها في المغازي بلفظ: "أنه صلَّى مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع المغرب والعشاء جميعًا"، وللطبراني عن جابر الجعفي عن عدي، بهذا الإِسناد: صلى بجمع المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة واحدة، وفيه رد على قول ابن حزم: إن حديث أبي أيوب ليس فيه ذكر أذان ولا إقامة؛ لأن جابرًا، وإن كان ضعيفًا فقد تابعه محمد بن أبي ليلى عن عدي، على ذكر الإقامة فيه عند الطبراني أيضًا، فيقوي كل واحد منهما بالآخر. اهـ. رجاله ستة قد مرّوا: مرَّ خالد بن مخلد في الرابع من العلم، ومرَّ سليمان بن بلال في الثاني من الإيمان، ومرَّ عدي بن ثابت وعبد الله بن يزيد في الثامن والأربعين منه، ومرَّ يحيى بن سعيد في الأول من بدء الوحي، ومرَّ أبو أيوب في العاشر من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالإفراد، والقول، وشيخه: كوفي، والباقون مدنيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي، ورواية الصحابي عن الصحابي، أخرجه البخاري أيضًا في المغازي، ومسلم في المناسك، والنسائي في الصلاة وفي الحج، وابن ماجه في الحج. ثم قال المصنف:

стр. 6339

باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما أي: من المغرب والعشاء بالمزدلفة. الحديث الخامس والخمسون والمائة حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: حَجَّ عَبْدُ اللَّهِ ﵁، فَأَتَيْنَا الْمُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالْعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلاً فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرَى رَجُلاً- فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، قَالَ عَمْرٌو: لاَ أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلاَّ مِنْ زُهَيْرٍ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لاَ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إِلاَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ، فِي هَذَا الْمَكَانِ، مِنْ هَذَا الْيَوْمِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هُمَا صَلاَتَانِ تُحَوَّلاَنِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلاَةُ الْمَغْرِبِ بَعْدَمَا يَأْتِي النَّاسُ الْمُزْدَلِفَةَ، وَالْفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الْفَجْرُ. قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ. قوله: "حج عبد الله" في رواية أحمد والنسائي عن زهير بالإسناد: حج عبد الله بن مسعود، فأمرني علقمة أن ألزمه، فلزمته، فكنت معه، وفي رواية إسرائيل الآتية بعد باب: خرجت مع عبد الله إلى مكة، ثم قدمنا جمعًا. وقوله: "حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك"، أي: من مغيب الشفق. وقوله: فأمر رجلًا، قال في "الفتح": لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو عبد الرحمن بن يزيد، فإن في رواية حسن بن موسى عند أحمد وحسين بن عياش عند النسائي: فكنت معه، فأتينا المزدلفة، فلما كان طلع الفجر، قال: قم، فقلت له: إن هذه الساعة ما رأيتك صليت فيها. وقوله: "ثم أمر أُرى رجلًا فأذن وأقام، قال عمرو: لا أعلم، الشك إلا من زهير" أُرى بضم الهمزة، أي: أظن، وقد بيَّن عمرو شيخ البخاري فيه أن الشك من شيخه زهير، وأخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن موسى، عن زهير، مثل ما رواه عنه عمرو، ولم يقل ما قال عمرو،

стр. 6340

وأخرجه البيهقي عن زهير، وقال فيه: ثم أمر، قال زهير: أُرى، فأذن وأقام وسيأتي بعد باب في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق بأصرح مما قال زهير، ولفظه: ثم قدمنا جمعًا فصلى الصلاتين كل واحدة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بفتح العين بينهما، ورواه ابن خزيمة وأحمد عن أبي إسحاق بلفظ: فأذن وأقام، ثم صلى المغرب، ثم تعشى، ثم قام فأذن وأقام وصلى العشاء، ثم بات بجمع حتى إذا طلع الفجر فأذن وأقام، ولأحمد عن أبي إسحاق أيضًا: فصلى بنا المغرب، ثم دعا بعشاء فتعشى، ثم قام فصلى العشاء، ثم رقد، وعند الإسماعيلي: عن ابن أبي ذيب في هذا الحديث: ولم يتطوع قبل كل واحدة منهما ولا بعدها، ولأحمد من رواية زهير: فقلت له: إن هذه الساعة ما رأيتك صليت فيها. وقوله: "فلما طلع الفجر" في رواية المستملي والكُشميهني: فلما حين طلع الفجر، وفي رواية الحسين بن عياش، عن زهير: فلما كان حين طلع الفجر. وقوله: "قال عبد الله" يعني ابن مسعود. وقوله: "عن وقتهما" كذا للأكثر، وللسرخسي عن وقتها بالإفراد، وسيأتي بعد باب في رواية إسرائيل رفع هذه الجملة إلى النبي ﷺ . وقوله: "حتى يبزغ" بزاي مضمومة وغين معجمة، أي: بطلع. وفي هذا الحديث مشروعية الأذان والإقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مرويًا عن النبي ﷺ ، ولو ثبت عنه لقلت به، ثم أخرج عن أبي إسحاق في هذا الحديث، قال أبو إسحاق: فذكرته لأبي جعفر محمد بن علي، فقال: أما نحن أهل البيت، فهكذا نصنع، قال ابن حزم: وقد روي عن عمر من فعله، أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه، ثم تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه، فأذن لهم ليجتمعوا، ليجمع بهم، ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حق عمر لكونه كان الإمام الذي يقيم للناس حجهم، لم يتأت له ذلك في حق ابن مسعود لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لا يحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم، وقد أخذ بظاهره مالك وهو اختيار البخاري. وروى ابن عبد البر، عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين مع كونه موقوفًا، ومع كونه لم يروه، وبترك ما روى عن أهل المدينة، وهو مرفوع، قال ابن عبد البر: وأعجب أن من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن

стр. 6341

مسعود مع أنهم لا يعدلون به أحدًا، والجواب عن مالك أنه اعتمد على صنيع عمر في ذلك، وإن كان لم يروه في "الموطأ"، واختار الطحاوي ما جاء عن جابر في حديثه الطويل عند مسلم أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهذا قول الشافعي في القديم. ورواية عن أحمد، وبه قال ابن الماجشون وابن حزم، وقوّاه الطحاوي بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وقال الشافعي في الجديد، والثوري: وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث أسامة الماضي قريبًا حيث قال: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس، ولم يحلوا حتى أقام العشاء، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات أخرجه الطحوي وغيره، وكأنه كان يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عند أحمد. واستدل بحديث ابن مسعود على جواز التنفل بين الصلاتين لمن أراد الجمع بينهما لكون ابن مسعود تعشى بين الصلاتين، ولا حجة فيه لأنه لم يرفعه، ويحتمل أن لا يكون قصد الجمع، وظاهر صنيعه يدل على ذلك لقوله: إن المغرب تحول عن وقتها، فرأى أنه وقت هذه المغرب خاصةً، ويحتمل أن يكون قصد الجمع وكان يرى أن العمل بين الصلاتين هذه المغرب خاصة، ويحتمل أن يكون قصد الجمع، وكان يرى أن العمل بين الصلاتين لا يقطعه إذا كان ناويًا للجمع، ويحمل قول تحول عن وقتها، أي: المعتاد، وأما إطلاقه على صلاة الصبح أنها تحول عن وقتها، فليس معناه أنه أوقع الفجر قبل طلوعها، وإنما أراد أنها وقعت قبل الوقت المعتاد فعلها في الحضر، ولا حجة فيه لمن منع التغليس بصلاة الصبح لأنه ثبت عن عائشة وغيرها كما مرَّ في المواقيت التغليس بها، بل المراد هنا أنه كان إذا أتاه المؤذن بطلوع الفجر صلى ركعتي الفجر في بيته، ثم خرج فصلى الصبح مع ذلك بغلس، وأما بمزدلفة، فكان الناس مجتمعين، والفجر نصب أعينهم، فبادر بالصلاة أول ما بزغ حتى إن بعضهم كان لم يتبين له طلوعه، وهو بيّن في رواية إسرائيل الآتية حيث قال: "صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع". واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود هذا على ترك الجمع بين الصلاتين في غير يوم عرفة، وجمع لقول ابن مسعود ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، وأجاب المجوزون بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد ثبت الجمع بين الصلاتين من حديث ابن عمر وأنس وابن عباس وغيرهم، وتقدم في موضعه بما فيه كفاية، وأيضًا

стр. 6342

فالاستدلال به إنما هو من طريق المفهوم، وهم لا يقولون به، وأما من قال به فشرطه أن لا يعارضه منطوق، وأيضًا فالحصر فيه ليس على ظاهره لإجماعهم على مشروعية الجمع بين الظهر والعصر. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ عمرو بني خالد وزهير وأبو إسحاق بهذا النسق في الثالث والثلاثين من الإيمان، ومرَّ ابن مسعود في أول أثر منه، ومرَّ عبد الرحمن بن يزيد في الخامس من التقصير. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والسماع والقول، وشيخه من أفراده، وهو حراني، والبقية كوفيون، وفيه رواية التابعي عن التابعي، أخرجه البخاري في الحج أيضًا، والنسائي فيه. ثم قال المصنف:

стр. 6343

باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويقدم إذا غاب القمر وقوله: "ضعفة" الضَّعفة بفتح العين: جمع ضعيف من النساء والصبيان والمشائخ العاجزين، وأصحاب الأمراض خوف الزحام عليهم. وقوله: "بليل"، أي: في ليل من منزله بجمع. وقوله: "ويقدم" بفتح القاف وكسر الدال على البناء للفاعل، والفاعل ضمير راجع إلى لفظ من، وبفتح الدال على البناء للمجهول، والنائب الضمير الراجع إلى الضعفة. وقوله: "إذا غاب القمر" بيان للمراد من قوله: "بليل" ومغيب القمر تلك الليلة يقع عند أوائل الثلث الأخير، ومن ثم قيده الشافعي ومن تبعه بالنصف الثاني، قال صاحب "المغني": لا نعلم خلافًا في جواز تقديم الضعفة بليل من جمع إلى منى. الحديث السادس والخمسون والمائة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلاَةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قوله: "قال سالم"، في رواية مسلم عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله أخبره. وقوله: "المشعر" بفتح الميم والعين، وحكى الجوهري كسر الميم، وقيل إنه لغة أكثر العرب، وقال ابن قرقول: كسر الميم لغة لا رواية، وقال ابن قتيبة: لم يقرأ بها في الشواذ، وقيل: بل قرئ بها، حكاه الهذلي، ويسمى المشعر؛ لأنه معلم للعبادة، والحرام لأنه من الحرام أو لحرمته.

стр. 6344

وقوله: "ما بدا لهم" بغير همز، أي: ظهر لهم وأشعر ذلك بأنه لا توقيت لهم فيه. وقوله: "ثم يرجعون" في رواية مسلم: ثم يدفعون، وهو أوضح، ومعنى الأول أنهم يرجعون عن الوقوف إلى الدفع، ثم يقدمون منى على ما فصل في الخبر. وقوله: "لصلاة الفجر"، أي: عند صلاة الفجر. وقوله: "وكان ابن عمر يقول أرخص في أولئك" الخ، كذا وقع فيه أرخص، وفي بعض الروايات رخص بالتشديد، وهو أظهر من حيث المعنى لأنه من الترخيص لا من الرخص، واحتج به ابن المنذر لقول من أوجب المبيت بمزدلفة على غير الضعفة لأن حكم من لم يرخص له ليس كحكم من رخص له، قال. ومن زعم أنهما سواء لزمه أن يجيز المبيت في غير منى لسائر الناس لكونه ﵊ أرخص لأصحاب السقاية وللرعاء أن لا يبيتوا بمنى، قال: فإن قال لا تعدوا بالرخص مواضعها فليستعمل ذلك هنا، ولا يأذن لأحد أن يتقدم من جمع إلا من رخص له رسول الله ﷺ . وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فقال علقمة والنخعي والشعبي: من ترك المبيت بمزدلفة فإنه الحج، وقال عطاء والزهري وقتادة والشافعي والكوفيون وإسحاق: عليه دم، قالوا: ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل النصف، وقال مالك: إن مرَّ بها لم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع وصحح الرافعي من الشافعية هذا المذهب، وقال النووي: يجب المبيت بمزدلفة على غير المعذور، ويحصل المبيت بها بحضورها لحظة في النصف الثاني كالوقوف بعرفة، نصّ عليه في "الأم" وبه قطع جمهور العراقيين وأكثر الخراسانيين، وقيل: يشترط معظم الليل، كما لو حلف لا يبيت بموضع فإنه لا يحنث إلا بمعظم الليل، وهذا صححه الرافعي، واستشكله من جهة أنهم لا يصلونها حتى يمضي ربع الليل مع جواز الدفع بعد نصف الليل. وقال أبو حنيفة بوجوب المبيت أيضًا، ووقّت الوقوف بالمشعر بعد طلوع القجر إلى أن يسفر جدًا، قال العيني: عند أصحابنا الحنفية لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان لعذر الزحام فتعجل السير إلى منى فلا شيء عليه، وقال القسطلاني: المعروف أن المشعر موضع خاص بالمزدلفة، ويحصل أصل السنة بالمرور، وإن لم يقف كما في عرفة، نقله في "الكفاية" عن القاضي، وأقره، وقال النووي وابن الصلاح: المشعر جبل صغير بآخر المزدلفة، يقال له قُزح بضم القاف وفتح الزاي ثم حاء مهملة، وهو منها لأنها ما بين حازمي عرفة ووادي محسر، وقد استبدل الناس الوقوف به علي بناء محدث هناك

стр. 6345

يظنونه المشعر، وليس كما يظنون، لكن يحصل الوقوف عنده أصل السنة، أي: وكذا بغيره من مزدلفة على الأصح، وقال ابن الحاج: المزدلفة والمشعر والجمع قزح، ألفاظ مترادفة، وفي قول ابن عمر: فإذا قدموا رموا الجمرة دلالة على جواز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، وسيأتي ذلك صريحًا من صنيع أسماء بنت أبي بكر في الحديث الثالث من هذا الباب، ويأتي الكلام عليه فيه إن شاء الله تعالى. رجاله ستة قد مرّوا: مرَّ يحيى بن بكير، والليث، وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ سالم في السابع عشر من الإيمان، ومرَّ أبوه عبد الله أوله قبل ذكر حديث منه. الحديث السابع والخمسون والمائة حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. وفائدة هذا الحديث تعيين من أذن لهم النبي ﷺ من أهله في ذلك، وأورده من وجهين، ويأتي ما في الطريقة الثانية. رجاله خمسة قد مرّوا: مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، وحماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، وأيوب في التاسع منه، وعكرمة في السابع عشر من العلم، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي. اهـ. الحديث الثامن والخمسون والمائة حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ: سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ. وفي هذه الرواية فإنا ممن قدم، وهذه يفهم منها دفع ما يتوهم من قوله في الرواية السابقة بعثني أن البعث كان خاصًا به، فإنهما دالة على أنه لم يختص به، وقد أخرجه المصنف في باب حج الصبيان بلفظ: في الثقل، زاد مسلم: أو قال في الضعفة، وقد أخرجه مسلم عن سفيان بإسناد آخر مثله، وأخرجه الطحاوي عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ للعباس ليلة المزدلفة: "اذهب بضعفائنا ونسائنا فليصلوا الصبح بمنى، وليرموا جمرة العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس"، قال: فكان عطاء يفعله بعدما كبر وضعف ولأبي داود

стр. 6346

عن ابن عباس، كان رسول الله ﷺ يقدم ضعفاء أهله بغلس، ولأبي عوانة عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يقدم العيال والضعفة إلى منى من المزدلفة. رجاله أربعة قد مرّوا: مرَّ علي ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه، ومرَّ عبيد الله بن أبي يزيد في التاسع من الوضوء. الحديث التاسع والخمسون والمائة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ، عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لاَ. فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا. فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهْ مَا أُرَانَا إِلاَّ قَدْ غَلَّسْنَا. قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ. قوله: "حدثني عبد الله مولى أسماء" هكذا رواه جماعة مسلم وابن خزيمة ومسلم وأحمد والإسماعيلي والطبراني والطحاوي وأبو نعيم عن ابن جريج، عن عبد الله مولى أسماء، وأخرجه أبو داود، عن ابن جريج، عن عطاء، أخبرني مخبر، عن أسماء، وأخرجه مالك عن عطاء، أن مولى أسماء أخبره، فالظاهر أن ابن جريج سمعه من عطاء، ثم لقي عبد الله، فأخذه عنه، ويحتمل أن يكون مولى أسماء شيخ عطاء غير عبد الله. وقوله: "قالت يا بني" تعني مولاها عبد الله. وقوله: "قالت: فارتحلوا" في رواية مسلم: قالت: ارتحل بي. وقوله: "فمضينا حتى رمت الجمرة" في رواية ابن عيينة: فمضينا بها. وقوله: "يا هنتاه"، أي: هذه. وقد سبق ضبطه في باب ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. وقوله: "ما أُرانا" بضم الهمزة، أي: أظن، وفي رواية مسلم بالجزم، فقلت لها: لقد غلسنا، وفي رواية مالك: لقد جئنا منى بغلس، وفي رواية داود العطار: لقد ارتحلنا بليل، وفي رواية أبي داود: فقلت: إنا رمينا الجمرة بليل وغلسنا، أي: جئنا بغلس. وقوله: "أذن للظعن" بضم الظاء المعجمة والعين، ويجوز تسكينها، وهي المرأة في

стр. 6347

الهودج، ثم أطلق على المرأة مطلقًا، وفي رواية أبي داود: إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله ﷺ ، وفي رواية مالك: لقد كنا نفعل ذلك مع من هو خير منك، تعني النبي ﷺ . واستدل بهذا الحديث على جواز الرمي قبل طلوع الشمس عند من خص التعجيل بالضعفة، وعند من لم يخصص، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: لا يرمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال أحمد وإسحاق والجمهور. وزاد إسحاق: ولا يرميها قبل طلوع الشمس، وبه قال النخعي ومجاهد والثوري وأبو ثور، ورأى جواز ذلك قبل طلوع الفجر عطاء وطاووس والشعبي والشافعي، ومذهب الشافعي رمي الجمرة من نصف الليل. واستدل بحديث عائشة أخرجه أبو داود بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ أرسل أم سلمة ليلة النحر، فرمت قبل الفجر ثم أفاضت، فدل على أن وقت الرمي بنصف ليلة النحر لأنه ﵊ علق الرمي بما قبل الفجر، وهو صالح لجميع الليل، ولا ضابط له، فجعل النصف ضابطًا لأنه أقرب إلى الحقيقة مما قبله، ولأنه وقت به للدفع من مزدلفة، ولأذان الصبح، فكان وقت الرمي كما بعد الفجر، ومذهب مالك: يحل بطلوع الفجر، وقبله لغو حتى للنساء والضعفة، واحتج الشافعي أيضًا بحديث أسماء هذا، واحتج إسحاق والحنفية بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال لغلمان بني عبد المطلب: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"، وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وابن حبان عن الحسن العُرَن بضم المهملة، وفتح الراء عن ابن عباس، وأخرجه الترمذي والطحاوي عن مقسم عنه، وأخرجه أبو داود عن عطاء، عنه، وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، ومن ثم صححه الترمذي وابن حبان، وإذا كان من رخص له منع أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمن لم يرخص له أولى. ويجمع بين حديث ابن عباس هذا وحديث أسماء بجمل الأمر في حديث ابن عباس على الندب، ويؤيده ما أخرجه الطحاوي عن شعبة مولى ابن عباس عنه، قال: بعثي النبي ﷺ مع أهله، وأمرني أن أرمي مع الفجر، وقال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي ﷺ ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رمى حينئذ فلا إعادة عليه إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. واستدل به أيضًا على إسقاط الوقوف بالمشعر الحرام عن الضعفة، ولا دلالة فيه؛ لأن رواية أسماء ساكنة عن الوقوف، وقد بينته رواية ابن عمر التي قبلها، وقد اختلف السلف في

стр. 6348

هذه المسألة، فكان بعضهم يقول: من مرَّ بمزدلفة، فلم ينزل بها، فعليه دم، ومن نزل بها ثم دفع منها في أي وقت كان من الليل، فلا دم عليه، ولو لم يقف مع الإِمام، وبهذا قال مالك كما مرَّ، وقال مجاهد وقتادة والزهري والثوري: من لم يقف بها فقد ضيع نسكًا وعليه دم، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وأبي ثور وروى عن عطاء، وبه قال الأوزاعي: لا دم عليه مطلقًا، وإنما هو منزل من شاء نزله، ومن شاء لم ينزل به، وروى الطبري بسند فيه ضعف عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: إنما جمع منزل لدلج المسلمين، وذهب ابن بنت الشافعي وابن خزيمة إلى أن الوقوف بها ركن لا يتم إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، ونقله ابن المنذر عن علقمة والنخعي. والعجب بأن الله لم يذكر الوقوف وإنما ذكر الذكر، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وقد أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج، فالموطن الذي يكون الذكر فيه أحرى أن يكون فرضًا، قال: وما احتجوا به من حديث عروة بن مضرس باسم الفاعل رفعه، قال: من شهد معنا صلاة الفجر بالمزدلفة، وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، فلا حجة فيه لإجماعهم أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة ولم يصلها مع الإِمام حتى فاتته، أي: حجه تام. وحديث عروة أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان والحاكم والدارقطني، ولفظ أبي داود عنه: أتيت رسول الله ﷺ بالموقف، يعني: بجمع، قلت: يا رسول الله جئت من جبل طيىء فأكللتُ مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﷺ : "من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه"، وللنسائي: من أدرك جمعًا مع الإِمام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإِمام والناس فلم يدرك"، ولأبي يعلى: "ومن لم يدرك جمعًا فلا حج له". وقد صنف أبو جعفر العقيلي جزءًا في إنكار هذه الزيادة، وبيَّن أنها من رواية مطرف عن الشعبي، عن عروة، وأن مطرفًا كان يهم في المتون، وقد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم أنه من لم يصل صلاة الصبح أن الحج يفوته التزامًا لما ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه فحكى الإجماع على الإجزاء، كما حكاه الطحاوي.

стр. 6349

وبحث المبيت بمزدلفة قد تقدم في باب من قدم ضعفة أهله إلا أن هذا أوسع، وآخر وقت الرمي غروب الشمس من كل يوم، فعند المالكية: يجب الدم على من أخَّر الرمي إلى الليل، والليل قضاء، وقال أبو حنيفة: آخر وقته آخر النهار، وقال أبو يوسف: يمتد إلى وقت الزوال، فإذا زالت الشمس يفوت الوقت، ويكون فيما بعده قضاء، فإن لم يرم حتى غربت الشمس يرمي قبل الفجر من اليوم الثاني، قال العيني: ولا شيء عليه في قول أبي يوسف ومحمد، وفي قول أبي حنيفة عليه دم للتأخير، وعند الشافعي قولان في قول إذا غربت الشمس فات الوقت، وعليه دم، وفي قول: لا يفوت إلا في آخر أيام التشريق. رجاله خمسة: مرَّ منهم مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرت أسماء في الثامن والعشرين من العلم، والباقي عبد الله بن كيسان القرشي التيمي أبو عمر المدني مولى أسماء بنت أبي بكر، قال أبو داود: ثبت، وقال الحاكم: أبو أحمد من أجلّة التابعين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ليس له في البخاري إلا هذا الحديث وآخر يأتي في أبواب العمرة، روى عن أسماء، وعن ابن عمر، وروى عنه صهره عطاء بن أبي رباح، وهو من أقرانه، وعمرو بن دينار وابن جريج، وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع وبالإفراد. الحديث الستون والمائة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ جَمْعٍ وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبْطَةً فَأَذِنَ لَهَا. قوله ثقيلة، أي: من عظم جسمها، وقوله: ثبطة بفتح المثلثة وكسر الموحدة بعدها مهملة خفيفة أي: بطيئة الحركة كأنها تثبط بالأرض أي: نشبث بها ولم يذكر محمد بن كثير عن سفيان الثوري ما استأذنته سودة فيه، فلذلك عقبه بطريق أفلح عن القاسم المبينة لذلك، وقد أخرجه ابن ماجه عن الثوري فبين ذلك ولفظه إن سودة بنت زمعة كانت امرأة ثبطة فاستأذنت النبي ﷺ أن تدفع من جمع قبل دفعة الناس فأذن لها ولأبي عوانة عن الثوري قدم رسول الله ﷺ سودة ليلة جمع وأخرجه مسلم عن وكيع ولم يسق لفظه وعن عبد الرحمن بن القاسم

стр. 6350

بلفظ وددت أني كنت استأذنت رسول الله ﷺ كما استأذنته سودة فأصلي الصبح بمنى فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس فذكر بقية الحديث مثل سياق محمد بن كثير وله نحوه عن أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم وفيه من الزيادة وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإِمام. رجاله خمسة وفيه ذكر سودة وقد مرَّ الجميع. مرَّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين من العلم ومرَّ سفيان الثوري في السابع والعشرين من الإيمان ومرَّ عبد الرحمن في الخامس عشر من الغسل ومرَّ أبوه القاسم في الحادي عشر منه، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرت سودة في الثاني عشر من الوضوء. أخرجه مسلم وابن ماجه في الحج. الحديث الحادي والستون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ. وقوله أفلح بن حميد عن القاسم في رواية الإسماعيلي عن أفلح أخبرنا القاسم وله عن أبي بكر الحنفي عن أفلح سمعت القاسم وقوله إن تدفع قبل حطمة الناس في رواية مسلم عن القعنبي عن أفلح أن تدفع قبله وقبل حطمة الناس. والحطمة بفتح الحاء وسكون الطاء المهملتين: الرَّحمة. وقوله فلأن أكون بفتح اللام فهو متبدأ وخبره أحب. وقوله مفروح به من كل شيء، وعند مسلم عن أفلح ما يشعر بأن تفسير الثبطة بالثقيلة من القاسم راوي الحديث. ولفظه وكانت امرأة ثبطة يقول القاسم والثبطة: الثقيلة. ولأبي عوانة عن أفلح بلفظ: وكانت امرأة ثبطة. قال: الثبطة الثقيلة. وله عن أفلح أيضًا، وكانت امرأة ثبطة يعني ثقيلة. فعلى هذا فقوله في رواية محمد بن كثير وكانت امرأة ثقيلة ثبطة من الأدراج الواقع قبل ما أدرج عليه. وأمثلته قليلة جدًا، وسببه أن الراوي أدرج التفسير بعد الأصل فظن الراوي الآخر أن اللفظين ثابتان في أصل المتن فقدم وأَخر. رجاله أربعة: وفيه ذكر سودة وقد مرَّ الجميع: مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ أفلح بن حميد في الرابع عشر من الغسل، ومرَّ محمد القاسم وعائشة وسودة في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6351

باب متى يصلي الفجر بجمع الحديث الثاني والستون والمائة حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلاَةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إِلاَّ صَلاَتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا. وقوله لغير ميقاتها في رواية غير أبي ذر "بغير" بالموحدة بدل اللام، والمراد في غير وقتها المعتاد كما بيَّناه في الكلام على هذا الحديث في باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما. اهـ. رجاله ستة قد مرّوا، مرَّ عمر بن حفص وأبوه حفص بن غياث في الثاني عشر من الغسل، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان ومرَّ عمارة بن عمير في الخامس عشر من صفة الصلاة، ومرَّ عبد الرحمن بن يزيد في الخامس من التقصير، ومرَّ عبد الله بن مسعود في أول أثر من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية الابن عن الأب. أخرجه مسلم في الحج وأبو داود فيه، والنَّسائي فيه، وفي الصلاة. الحديث الثالث والستون والمائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى الصَّلاَتَيْنِ، كُلَّ صَلاَةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الْفَجْرُ. وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَلاَ يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا، وَصَلاَةَ الْفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ. ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ. فَمَا أَدْرِي أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ ﵁ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.

стр. 6352

قوله خرجت في رواية غير أبي ذر خرجنا. وقوله: "العشاء بينهما" بفتح المهملة لا بكسرها أي: الأكل وقد مرَّ إيضاحه. وقوله فلا يقدم بفتح الدال. وقوله حتى يعتموا أي: يدخلوا في العتمة، وهو وقت العشاء الآخرة كما تقدم بيانه في المواقيت، وقوله لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن يعني عثمان كما بين في آخر الكلام وقوله فما أدري هو كلام عبد الرحمن يزيد الراوي عن ابن مسعود وأخطأ من قال إنه كلام ابن مسعود والمراد أن السنة الدفع من المشعر الحرام عند الإسفار قبل طلوع الشمس خلافًا لما كان عليه أهل الجاهلية كما في حديث عمر الذي بعده. وعند أحمد عن أبي إسحاق من الزيادة في هذا الحديث أن نظير هذا القول صدر من ابن مسعود عند الدفع من عرفة أيضًا. ولفظه لما وقفنا بعرفة غابت الشمس فقال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن كان قد أصاب السنة قال: فما أدري أكلام ابن مسعود أسرع أم إفاضة عثمان، قال فأوضع الناس ولم يزد ابن مسعود على العنق حتى أتى جمعًا وله أيضًا عن أبي إسحاق في هذا الحديث أفاض ابن مسعود من عرفة على هيئته لا يضرب بعيره حتى أتى جمعًا، وروى سعيد ابن منصور أن ابن مسعود أوضع بعيره في وادي محسر وهذه الزيادة مرفوعة في حديث جابر الطويل في صفة الحج عند مسلم. وقوله فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وقد مرَّ الكلام مستوفى على ما قيل في قطع التلبية وما فيه من الخلاف في باب الركوب والارتداف في الحج ومرَّ الكلام على الحديث مستوفى في باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما. رجاله خمسة: وفيه ذكر أمير المؤمنين عثمان، وقد مرَّ الجميع، ومرَّ عبد الله بن رجاء في تعليق بعد الثالث من كتاب الصلاة ومرَّ إسرائيل ابن يونس في السابع والستين من العلم ومرَّ أبو إسحاق السبيعي في الثالث والثلاثين من الإيمان، ومرَّ محل عبد الرحمن وعبد الله في الذي قبله وعثمان في أثر بعد الخامس من العلم. ثم قال المصنف: أي بعد الوقوف بالمشعر الحرام.

стр. 6353

باب متى يدفع من جمع الحديث الرابع والستون والمائة حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بن الحجاج، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لاَ يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. قوله لا يفيضون زاد يحيى القطان عن شعبة من جمع أخرجه الإسماعيلي وكذا هو للمصنف في أيام الجاهلة عن الثوري عن أبي إسحاق، وزاد الطبراني عن سفيان حتى يروا الشمس على ثبير. وقوله: ويقولون أشرق ثبير بفتح أوله فعل أمر من الإشراق أي: أُدخل في الشروق، وقال ابن التين: وضبطه بعضهم بكسر الهمزة كأنه ثلاثي من شرق وليس ببين والمشهور أن المعنى لتطلع عليك الشمس. وقيل معناه أضىء يا جبل وليس ببين أيضًا، وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة جبل معروف هناك وهو على يسار الذاهب إلى منى وهو أعظم جبال مكة عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه. زاد أبو الوليد عن شعبة كيما نغير، أخرجه الإسماعيلي ومثله لابن ماجه عن أبي إسحاق، وللطبري عن أبي إسحاق أشرق ثبير لعلنا نغير. قال الطبري: معناه كي ما ندفع للنحر وهو من قولهم أغار الفرس إذا أسرع في عدوه قال ابن التين: وضبطه بعضهم بسكون الراء في ثبير، وفي نغير لإرادة السجع. وقوله ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس الإفاضة الدفعة قاله الأصمعي، ومنه أفاض القوم في الحديث إذا دفعوا فيه، ويحتمل أن يكون فاعل أفاض عمر فيكون انتهاء حديثه ما قبل هذا، ويحتمل أن يكون فاعل أفاض النبي ﷺ لعطفه على قوله خالفهم، وهذا هو المعتمد. وفي رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عند الترمذي فأفاض، وفي رواية الثوري فخالفهم النبي ﷺ فأفاض، وللطبري عن أبي إسحاق بسنده كان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس وأن رسول الله ﷺ كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس وله من رواية إسرائيل فدفع لقدر صلاة القوم المسفرين لصلاة الغداة، وأوضح من ذلك ما في حديث جابر الطويل عند مسلم،

стр. 6354

ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله تعالى وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا فدفع قبل أن تطلع الشمس وقد تقدم حديث ابن مسعود في ذلك. وصنيع عثمان بما يوافقه. وروى ابن المنذر عن أبي إسحاق قال: سألت عبد الرحمن بن يزيد متى دفع عبد الله من جمع قال: كانصراف القوم المسفرين من صلاة الغداة. وروى الطبري عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لما أصبح رسول الله ﷺ بالمزدلفة غدا فوقف على قزح وأردف الفضل ثم قال: هذا الموقف وكل المزدلفة موقف حتى إذا أسفر دفع. وأصله في الترمذي دون قوله حتى إذا أسفر، ولابن خزيمة عن ابن عباس كان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة حتى إذا طلعت الشمس فكانت على رؤوس الجبال كأنها العمام على رؤوس الرِّجال دفعوا، فدفع رسول الله ﷺ حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس. وللبيهقي عن المسور بن مخرمة نحوه، وفي هذا الحديث فضل الدفع من الموقف بالمزدلفة عند الإسفار، وقد تقدم بيان الاختلاف فيمن دفع قبل الفجر عند حديث أسماء الماضي قبل باب. ونقل الطبري الإجماع على أن من لم يقف فيه حتى طلعت الشمس فإنه الوقوف، قال ابن المنذر: وكان الشافعي وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذه الأخبار. قلت ظاهر الأخبار الدفع عند الإسفار، فما فيها واحد قال على الدفع ليلًا الذي هو مذهب الشافعي كما مرَّ، وكان مالكًا يرى أن يدفع عند الإسفار، واحتج له بعض أصحابه بأن النبي ﷺ لم يعجل الصلاة مغلسًا إلا ليدفع قبل الشمس فكل من بعد دفعه من طلوع الشمس كان أولى. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ حجاج بن منه الذي الثامن والأربعين من الإِيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه ومرَّ أبو إسحاق في الثالث والثلاثين منه، ومرَّ عمرو بن ميمون الجزري في الخامس والتسعين من الوضوء، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه فقول بعضهم إنه من أفراد، غير صحيح. ثم قال المصنف:

стр. 6355

باب التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمي الجمرة والارتداف في السير في رواية الكشميهني حين يرمي وهو أصوب، قال الكرماني: ليس في الحديث ذكر التكبير، فيحتمل أن يكون أشار إلى الذكر الذي في خلال التلبية، أو أراد أن يستدل على أن التكبير غير مشروع حينئذٍ؛ لأن قوله: لم يزل يدل على إدامة التلبية وإدامتها تدل على ترك ما عداها أو هو مختصر من حديث فيه ذكر التكبير والمعتمد أنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما جرت به عادته، فعند أحمد وابن أبي شيبة والطحاوي عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله خرجت مع رسول الله ﷺ فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتكبير. الحديث الخامس والستون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ الْفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ. قوله: "فأخبر الفضل" في رواية مسلم عن عطاء: فأخبرني ابن عباس أن الفضل أخبره، وهذا الحديث والذي بعده قد مرَّ استيفاء الكلام عليهما في باب الركوب والارتداف في الحج. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين منه، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ أخوه الفضل في الثامن عشر من الجماعة. الحديث السادس والستون والمائة حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى قَالَ: فَكِلاَهُمَا قَالاَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.

стр. 6356

والحديث قد مرَّ في الذي قبله محل استيفاء الكلام عليه. رجاله تسعة: قد مرّوا إلا زهير، مرَّ وهب بن جرير في الخامس والأربعين من الوضوء ومرَّ أبوه جرير بن حازم في السبعين من استقبال القبلة، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ الزهري في الثالث منه، ومرَّ عبيد الله المسعودي في السادس منه، ومرَّ محل ابن عباس وأخيه الفضل في الذي قبله، والباقي زهير بن حرب بن شداد الحرشي أبو خيثمة النسائي نزيل بغداد مولى بني الحريش، بن كعب وكان اسم جده أشتال فعرب شدادًا، قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: يكفي قبيلته. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال يعقوب بن شيبة: زهير أثبت من عبد الله بن أبي شيبة، وكان في عبد الله تهاون بالحديث لم يكن يفصل هذه الأشياء، يعني الألفاظ، وقال جعفر الفريابي قلت لابن نمير أيهما أحب إليك؟ فقال أبو خيثمة: وجعل يطريه ويضع من أبي بكر، وقال أبو داود: ما كان أحسن علمه، وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال الحسين بن فهم: ثقة، وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقة ثبتًا حافظًا متقنًا، وقال ابن قانع: كان ثقةً ثبتًا. وقال ابن حبان في الثقات: كان متقنًا ضابطًا من أقران أحمد وابن معين، وقال ابن وضاح: ثقة من الثقات لقيته ببغداد. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال في الزهرة: روى عنه مسلم ألف حديث ومائتي حديث وإحدى وثمانين حديثًا روى عن عبد الله بن إدريس وابن عيينة، وحفص بن غياث، وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وغيرهم، ولد سنة ستين ومائة، ومات ليلة الخميس لسبع خلون من شعبان سنة اثنتين أو أربع وثلاثين ومائتين وهو ابن أربع وسبعين سنة. والحرشي بمهملتين مفتوحة في نسبةً بنسبته إلى حريش بن كعب نسبته ولاء كما مرَّ، والحريش هذا من قيس عيلان، وهو بفتح الحاء على ظاهر القاموس فيه رواية التابعي عن التابعي وثلاثة من الصحابة. ثم قال المصنف:

стр. 6357

باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كذا في رواية أبي ذر وأبي الوقت، وساق في طريق كريمة ما بين قوله: الهدي وقوله: حاضري المسجد الحرام وغرض المصنف بذلك تفسير الهدي وذلك لأنه لما انتهى في صفة الحج إلى الوصول إلى منى أراد أن يذكر أحكام الهدي والنحر لأن ذلك يكون غالبًا بمنى، وإنما كان غرضه هنا تفسير الهدي؛ لأن غيره مما اشتملت عليه الآية الكريمة مذكور في غير هذا الباب، والمراد بقوله: فمن تمتع في حال الأمن لقوله: فإذا أمنتم فمن تمتع وفيه حجة للجمهور في أن التمتع لا يختص بالمحصر، وروى الطبري عن عروة قال: في قوله: فإذا أمنتم أي: من الوجع ونحوه، قال الطبري والأشبه بتأويل الآية أن المراد بها الأمن من الخوف لأنها نزلت وهم خائفون بالحديبية فبينت ما يعملون حال الحصر وما يعملون حال الأمن. الحديث السابع والستون والمائة حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ الْمُتْعَةِ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْهَدْي فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ قَالَ: وَكَأَنَّ نَاسًا كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ . قد تقدم طريق لهذا الحديث في آخر باب التمتع والقِران وقد تقدم الكلام عليه هناك والغرض منه هنا بيان الهدي. وقوله سألته عن الهدي فقال فيها: أي: في المتعة يعني يجب على من تمتع دم، وقوله جزور بفتح الجيم وضم الزاي أي: بعير ذكرًا كان أو أنثى وهو مأخوذ من الجزر أي: القطع ولفظها مؤنث تقول هذه جزور. وقوله: "أو شرك" بكسر الشين المعجمة وسكون الراء أي: مشاركة في دم أي: حيث يجزىء الشيء الواحد عن جماعة، وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر قال: خرجنا مع

стр. 6358

رسول الله ﷺ مهلين بالحج فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة، وبهذا قال الشافعي والجمهور سواء كان الهدي تطوعًا أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقربين بذلك أو كان بعضهم يريد التقرب بذلك، وبعضهم يريد اللحم. وعن أبي حنيفة يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين بالهدي، وعن زفر مثله بزيادة أن تكون أسبابهم واحدة، وعن داود وبعض المالكية يجوز في هدي التطوع دون الواجب، وعن مالك لا يجوز مطلقًا. واحتج له إسماعيل القاضي بأن حديث جابر إنما كان بالحديبية حيث كانوا محصرين. وأما حديث ابن عباس فخالف أبا جمرة عنه ثقات أصحابه فرووا عنه أن ما استيسر من الهدي شاة ثم ساق ذلك بأسانيد صحيحة عنهم عن ابن عباس قال: وقد روى ليث عن طاووس عن ابن عباس مثل رواية أبي جمرة وليث ضعيف. قال: وحدَّثنا سليمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن ابن عباس قال: ما كنت أرى أن دمًا واحدًا يقضي عن أكثر من واحد. قال في الفتح: ليس بين رواية أبي جمرة ورواية غيره منافاة؛ لأنه زاد عليهم بذكر الاشتراك ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما اقتصر ابن عباس على الشاة لقصد الرد على من زعم اختصاص الهدي بالإبل والبقر وذلك واضح فيما نذكره بعد هذا. وأما رواية محمد عن ابن عباس فمنقطعة ومع ذلك لو كانت متصلة احتمل أن يكون ابن عباس أخبر أنه كان لا يرى ذلك من جهة الاجتهاد حتى صح عنده النقل بصحة الاشتراك فأفتى به أبا جمرة، وبهذا تجتمع الأخبار وهو أولى من الطعن في رواية من أجمع العلماء على توثيقه والاحتجاج بروايته وهو أبو جمرة الضبعي. وقد روى عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك ثم رجع عن ذلك لما بلغته السنة. قال أحمد: حدَّثنا عبد الوهاب، عن مجاليد، عن الشعبي قال: سألت ابن عمر قلت: الجزور والبقرة تجزىء عن سبعة؟ قال: يا شعبي ولها سبعة أنفس قال: قلت: فإن أصحاب محمد يزعمون أن رسول الله ﷺ سن الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة قال: فقال ابن عمر: لرجل أكذلك يا فلان قال: نعم، قال: ما شعرت بهذا، وأما تأويل إسماعيل لحديث جابر بأنه كان بالحديبية فلا يدفع الاحتجاج بالحديث، بل روى مسلم عن جابر في أثناء حديث قال: فأمرنا رسول الله ﷺ إذا أحللنا أن نهدي ونجمع النفر منا في الهدية، وهذا يدل على صحة أصل الاشتراك واتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب فقال: تجزيء عن عشرة وبه قال إسحاق بن راهويه وابن خزيمة من الشافعية، واحتج لذلك في صحيحه وقواه واحتج له ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج أنه ﵊ قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير. الحديث، وهو في

стр. 6359

الصحيحين، وأجمعوا على أن الشاة لا يصح الإشتراك فيها، وقوله: أو شاة هو قول الجمهور، ورواه الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة عنهم، ورويا بإسناد قوي عن القاسم بن محمد عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر، ووافقهما القاسم وطائفة، قال إسماعيل القاضي في الأحكام لا أظنهم ذهبوا إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾ فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البدن. قال: ويرد هذا قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. وأجمع المسلمون على أن في الظبي شاة فوقع عليها اسم هدي، وقد احتج بذلك ابن عباس فأخرج الطبري بإسناد صحيح عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قال ابن عباس: الهدي شاة فقيل له في ذلك فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقوون به ما في الظبي قالوا شاة، قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وقوله متعة متقبلة قال الإسماعيلي وغيره: تفرد النضر بقوله متعة ولا أعلم أحدًا من أصحاب شعبة رواه عنه إلا قال عمرة وقال أبو نعيم قال: أصحاب شعبة كلهم عمرة إلا النضر فقال: متعة، وقد أشار المصنف إلى هذا بما علقه بعده. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ إسحاق بن منصور الكوسيح في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو جمرة في السادس والأربعين منه، ومرَّ النضر بن شميل في متابعة بعد السابع عشر من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. ثم قال: وقال آدم ووهب بن جرير وغندر: عن شعبة عمرة متقبلة وحج مبرور وقد تقدم في أوائل الحج معنى حج مبرور، أما طريق آدم فوصلها البخاري في باب التمتع والقران عنه، وأما طريق وهب فوصلها البيهقي، وأما طريق غندر فوصلها أحمد وأخرجها مسلم والرجال الأربعة قد مرّوا: مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ غندر في الخامس والعشرين، ومرَّ وهب بن جرير في الخامس والأربعين من الوضوء. ثم قال المصنف:

стр. 6360

باب ركوب البدن لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال مجاهد: سميت البدن لبدنها. والقانع: السائل. والمعتر الذي يعتر بالبدن، من غني أو فقير، وشعائر استعظام البدن واستحسانها والعتيق عتقه من الجبابرة، ويقال وجبت سقطت إلى الأرض، ومنه وجبت الشمس. هكذا في رواية أبي ذر والوقت وساق في رواية كريمة الآيتين واستدل المصنف لجواز ركوب البدن بعموم قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ وأشار إلى قول إبراهيم النخعي لكم فيها خير من شاء ركب ومن شاء حلب، أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنه بإسناد جيد والبدن بسكون الدال في قراءة الجمهور، وقرأ الأعرج وهي رواية عن عاصم بضمها وأصلها من الإبل وألحقت بها البقر شرعًا. وقوله: قال مجاهد: سميت البدن لبدنها، أي: بفتح الموحدة والمهملة للأكثر وبضمها وسكون الدال لبعضهم، وفي رواية الكشميهني لبدانتها أي: سمنها، وكذا أخرجه عبد بن حميد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: إنما سميت البدن من قبل السمانة ومجاهد مرَّ في الإيمان قبل ذكر حديث منه وقوله والقانع: السائل، والمعتر الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير، أي: يطيف بها متعرضًا لها، وهذا التعليق أخرجه عبد بن حميد عن عثمان ابن الأسود. قلت: لمجاهد ما القانع؟ قال: جارك الذي ينتظر ما دخل بيتك، والمعتر الذي يعتر ببابك ويريك نفسه ولا يسألك شيئًا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أيضًا: القانع هو الطامع، وقال مرة: هو السائل، ومن طريق الثوري، عن سعيد بن جبير، والمعتر الذي يعتريك أي: يزورك ولا يسألك وعن ابن جريج، عن مجاهد المعتر، الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير، وقال الخليل: القنوع المتذلل للمسألة قنع إليه مال وخضع وهو السائل والمعتر الذي يعترض ولا يسأل، ويقال قنع بكسر النون إذا رضي وقنع بفتحها إذا سأل، وقرأ الحسن المعتري وهو بمعنى المعتر وقوله وشعائر الله استعظام البدن واستحسانها. أخرجه عبد بن حميد أيضًا عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال: استعظام البدن واستحسانها

стр. 6361

واستمانها. ورواه ابن أبي شيبة عن مجاهد عن ابن عباس نحوه، لكن فيه ابن أبي ليلى وهو سيء الحفظ. وقوله: والعتيق عتقه من الجبابرة أخرجه عبد بن حميد أيضًا عن مجاهد قال: إنما سمى العتيق؛ لأنَّه اعتق من الجبابرة، وقد جاء هذا مرفوعًا أخرجه البزار عن عبد الله بن الزبير وقوله: ويقال وجبت سقطت إلى الأرض، ومنه وجبت الشمس وهو قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم عنه قال: فإذا وجبت أي سقطت، وكذا أخرجه الطبري من طريقين عن مجاهد. الحديث الثامن والستون والمائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا. فَقَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ. فَقَالَ ارْكَبْهَا. قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ. قوله عن الأعرج لم تختلف الرواة عن مالك عن أبي الزناد فيه ورواه ابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أو عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه سعيد بن منصور عنه. ورواه الثوري عن أبي الزناد بالإسنادين مفرقًا وقوله رأى رجلًا قال: في الفتح لم أقف على اسمه بعد طول البحث. وقوله: يسوق بدنة كذا في معظم الأحاديث، ولمسلم عن أنس مرَّ ببدنة أو هدية، ولأبي عوانة أو هدي وهو مما يوضح أنه ليس المراد بالبدنة مجرد مدلولها اللغوي. ولمسلم عن أبي الزناد بينما رجل يسوق بدنة مقلدة وسيأتي للمصنف في باب تقليد البدن أنها كانت مقلدة فعلًا. وقوله فقال: اركبها زاد النسائي عن قتادة والجوزقي عن ثابت كلاهما عن أنس وقد جهده المشي، ولأبي يعلى عن الحسن عن أنس حافيًا، لكنها ضعيفة، وقوله ويلك في الثانية أو في الثالثة وعند مسلم من رواية همام ويلك اركبها ويلك اركبها. ولأحمد عن أبي الزناد وعن عجلان عن أبي هريرة قال: اركبها ويحك قال: إنها بدنة قال: اركبها ويحك زاد أبو يعلى عن الحسن فركبها وقد مرَّ أنها ضعيفة، لكن سياق المصنف عن عكرمة عن أبي هريرة فلقد رأيته راكبها يساير النبي ﷺ والنعل في عنقها وتبين من هذه الطرق أنه أطلق البدنة على الواحدة من الإبل المهداة إلى البيت الحرام، ولو كان المراد مدلولها اللغوي لم يحصل الجواب بقوله إنها بدنة؛ لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظن أنه خفي عليه كونها هديًا، فلذلك قال إنها بدنة، والحق أن ذلك لم يخف على النبي ﵊ لكونها كانت مقلدة، ولهذا قال: له لما زاد في مراجعته ويلك، وقوله له: ويلك قال القرطبي: قاله له: تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه، وبهذا جزم ابن عبد البر وابن العربي وبالغ حتى قال: الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا قال ولولا أنه

стр. 6362

عليه الصلاة والسلام اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل لا محالة. قال القرطبي: ويحتمل أن يكون فهم منه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها فزجره عن ذلك فعلى الحالتين هي إنشاء ورجحه عياض وغيره قالوا والأمر هنا، وإن قلنا إنه للإرشاد، ولكنه استحق الذم عن امتثال الأمر والذي يظهر أنه ما ترك الامتثال عنادًا ويحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه غرم بركوبها أو إثم وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه فتوقف فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال، وقيل لأنَّه كان أشرف على هلكة من الجهد وويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة فالمعنى أشرفت على الهلكة فاركب فعلى هذا فهي أخبار. وقيل: هي كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها كقولهم لا أم لك، ويقويه ما تقدم في بعض الروايات بلفظ ويحك بدل ويلك، قال الهروي: ويل تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، وويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها وأستدل بالحديث على جواز ركوب الهدي سواء كان واجبًا أو متطوعًا به لكونه ﵊ لم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك، فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك، وأصرح من هذا ما أخرجه أحمد عن علي رضي الله تعالى عنه أنه سئل أهل يركب الرجل هديه؟ فقال: لا بأس، قد كان النبي ﷺ يمر بالرجال يمشون فيأمرهم يركبون هديه أي: هدي النبي ﵊. إسناده صالح وبالجواز مطلقًا قال عروة بن الزبير ونسبه ابن المنذر لأحمد وإسحاق وبه قال أهل الظاهر وهو الذي جزم به النووي في الروضة تبعًا لأصله في الضحايا ونقله في شرح المهذب عن القفال والماوردي ونقل فيه عن أبي حامد والبنديجي وغيرهما تقييده بالحاجة وقال الرباني: تجويزه بغير حاجة يخالف النص وهو الذي حكاه الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق وأطلق ابن عبد البر كراهة ركوبها بغير حاجة عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء وقيده صاحب الهداية من الحنفية بالاضطرار إلى ذلك وهو المنقول عن الشعبي عند ابن أبي شيبة ولفظه لا يركب الهدي إلا من لا يجد منه أو لفظ الشافعي الذي نقله ابن المنذر وترجم له البيهقي بركب إذا اضطرر كوبًا غير فادح. وقال ابن العربي: عن مالك يركب للضرورة فإذا استراح نزل ومقتضى من قيده بالضرورة أن من انتهت ضرورته لا يعود إلى ركوبها إلا من ضرورة أخرى، والدليل على اعتبار هذه القيود الثلاثة وهي الاضطرار والركوب بالمعروف وانتهاء الراكب بانتهاء الضرورة ما رواه مسلم عن جابر مرفوعًا اركبها بالمعروف إذا الجئت إليها حتى تجد ظهرًا، فإن مفهومه أنه إذا وجد غيرها تركها. وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي قال: يركبها إذا أعيا قدر ما يستريح على ظهرها. وفي المسألة مذهب خامس وهو المنع مطلقًا. نقله ابن العربي عن أبي حنيفة، وشنع

стр. 6363

عليه، ولكن مذهبه هو ما مرَّ عن صاحب الهداية من تقييد الركوب بالاضطرار -إلا أنه قال: ومع ذلك فإنه يضمن ما نقص منها بركوبه وضمان النقص وافق عليه الشافعية في الهدي الواجب كالنذر. ومذهب سادس وهو وجوب ذلك نقله ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر تمسكًا بظاهر الأمر ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة، ورده بأن الذين ساقوا الهدي في عهد رسول الله ﷺ كانوا كثيرًا ولم يأمر أحدًا منهم بذلك، وفيه نظر لما تقدم من حديث علي وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح، رواه أبو داود في المراسيل عن عطاء كان النبي ﷺ يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركبها غير منهكها، فإن نتجت حمل عليها ولدها ولا يمتنع القول بوجوبه إذا تعين طريقًا إلى إنقاذ مهجة إنسان من الهلاك واختلف المجيزون هل يحمل عليها متاعه فمنعه مالك وأجازه الجمهور، وهل يحمل عليها غيره أجازه الجمهور أيضًا بالتفصيل المتقدم. ونقل عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها، وقال الطحاوي: في اختلاف العلماء قال أصحابنا والشافعي: إن احتلب منها شيئًا تصدق به فإن أكله تصدق بثمنه ويركب إذا احتاج فإن نقصه ذلك ضمن وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يغرم ولا يركب إلا عند الحاجة، فإن ركب لم يغرم. وقال الثوري: لا يركب إلا إذا اضطر. وفي الحديث تكرير الفتوى والندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر وزجر من لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه وجواز مسايرة الكبار في السفر وأن الكبير إذا رأى مصلحة للصغير لا يأنف عن إرشاده إليها واستنبط منه المصنف جواز انتفاع الواقف بوقفه وهو موافق للجمهور في الأوقاف العامة، أما الخاصة فالوقف على النفس لا يصح عند المالكية والشافعية ومن وافقهم. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه. أخرجه البخاري أيضًا في الوصايا وفي الأدب. ومسلم في الحج وكذا أبو داود والنسائي. وفي الحديث لفظ رجل لم يسم. الحديث التاسع والستون والمائة حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، وَشُعْبَةُ بن حجاج قَالاَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ارْكَبْهَا. قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: ارْكَبْهَا. قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: ارْكَبْهَا ثَلاَثًا. قوله عن أنس في رواية علي بن الجعد عند الإسماعيلي سمعت أنس بن مالك وقوله:

стр. 6364

قال: اركبها ثلاثًا كذا في رواية أبي ذر مختصرًا، وفي رواية غيره قال: إنها بدنة قال: اركبها، قال: إنها بدنة قال: اركبها ثلاثًا وهذا أخرجه أبو مسلم الكجي في السنن عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري وأخرجه الإسماعيلي عن مسلم كذلك، لكن قال: في آخره ويلك بدل ثلاثًا. وللترمذي عن قتادة فقال له: في الثالثة أو الرابعة اركبها ويحك أو ويلك وللنسائي عن قتادة قال في الرابعة: اركبها. رجاله خمسة: مرَّ مسلم بن إبراهيم وهشام الدستوائي في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه ومرَّ قتادة وأنس في السادس منه، وقد مرت مباحث هذا الحديث في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6365

باب من ساق البدن معه أي: من الحل إلى الحرم قال المهلب: أشار المصنف إلى أن يعرف أن السنة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم فإن اشتراه من الحرم خرج به إذا حج إلى عرفة وهو مالك قال: فإن لم يفعل فعليه البدل وهو قول الليث وقال الجمهور: إن وقف به بعرفة فحسن وإلا فلابدل عليه وقال أبو حنيفة: ليس بسنة؛ لأن النبي ﷺ إنما ساق الهدي من الحل، لأن مسكنه كان خارج الحرم وهذا كله في الإبل، وأما البقر فقد يضعف عن ذلك، والغنم أضعف ومن ثم قال مالك: لا تساق إلا من عرفة أو ما قرب منها؛ لأنها تضعف عن قطع طول المسافة. الحديث السبعون والمائة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ، (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ). فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْىَ مِنَ النَّاسِ. وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

стр. 6366

قوله: عن عقيل في رواية مسلم حدَّثني عقيل وقوله: تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج قال المهلب: معناه أمر بذلك كما تقول رجم ولم يرجم لأنه كان ينكر على أنس قوله إن قرن ويقول: بل كان مفردًا، وأما قوله وبدأ فأهل بعمرة فمعناه أمرهم بالتمتع وهو أن يهلوا بالعمرة أولًا ويقدموها قبل الحج. قال: ولابد من هذا التأويل لدفع التناقض عن ابن عمر ولم يتعين هذا التأويل المتعسف، وقد قال ابن المنير إن حمل قوله تمتع على معنى أمر من أبعد التأويلات والاستشهاد عليه بقوله رجم، وإنما أمر بالرجم من أوهن الاستشهادات؛ لأن الرجم من وظيفة الإِمام، والذي يتولاه إنما يتولاه نيابة عنه. وأما عمل الحج من إفراد وقران وتمتع فإنه وظيفة كل أحد عن نفسه ثم أجاز تأويلًا آخر وهو أن الراوي عهد أن الناس لا يفعلون إلا كفعله لاسيما مع قوله خذوا عني مناسككم، فلما تحقق أن الناس تمتعوا ظنَّ أنه ﵊ تمتع فأطلق ذلك ولم يتعين هذا أيضًا، بل يحتمل أن يكون معنى قوله تمتع محمولًا على مدلوله اللغوي وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغيرها، بل قال النووي: إن هذا هو المتعين قال: وقوله: بالعمرة إلى الحج أي: بإدخال العمرة على الحج. وقد مرَّ في باب التمتع والقران تقرير هذا التأويل وإنما أشكل هنا قوله بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج لأن الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب استقر على أنه بدأ أولًا بالحج، ثم أدخل عليه العمرة كما تقدم وهذا بالعكس، وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال أي: لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما فقال: لبيك بعمرة وحجة معًا، وهذا مطابق لحديث أنس المتقدم، لكن قد أنكر ابن عمر ذلك على أنس فيحتمل أن يحمل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنه ﵊ جمع بينهما، أي: في ابتداء الأمر ويعين هذا التأويل قوله في نفس الحديث وتمتع الناس إلخ. فإن الذين تمتعوا إنما بدأوا بالحج، لكن فسخوا حجهم إلى العمرة حتى حلوا بعد ذلك بمكة، ثم حجوا من عامهم وقوله فساق معه الهدي من ذي الحليفة أي: من الميقات وفيه الندب إلى سوق الهدي من المواقيت، ومن الأماكن البعيدة وهو من السنن التي أغفلها كثير من الناس. وقوله فإنه لا يحل من شيء تقدم بيانه في حديث حفصة في باب التمتع والقران، وقوله ويقصر كذا لأبي ذر، وعند الأكثر فليقصر وكذا في رواية مسلم قال النووي: معناه أنه يفعل الطواف والسعي والتقصير ويصير حلالًا، وهذا دليل على أن الحلق أو التقصير نسك وهو الصحيح، وقيل استباحة محظور قال: وإنما أمره بالتقصير دون الحلق مع أن الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه في الحج، وقوله وليحلل بكسر اللام التي قبل الأخيرة مجزوم هو أمر معناه الخبر، أي: قد صار حلالًا فله فعل كل ما كان محظورًا عليه في الإحرام ويحتمل أن يكون أمرًا على الإباحة لفعل ما كان عليه حرامًا بعد الإحرام.

стр. 6367

وقوله: "ثم ليهل بالحج" أي: يحرم وقت خروجه إلى عرفة، ولهذا أتى بثم الدالة على التراخي فلم يرد أنه يهل بالحج عقب إحلاله من العمرة. وقوله: "فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج" أي: لم يجد الهدي بذلك المكان ويتحقق ذلك بأن يعدم الهدي أو يعدم ثمنه حينئذٍ أو يجد ثمنه لكن يحتاج إليه لأهم من ذلك أو يجده لكن يمتنع صاحبه من بيعه أو يمتنع من بيعه إلا بغلاء فينقل إلى الصوم كما هو نص القرآن والمراد بقوله: في الحج أي: بعد الإحرام به، وقال النووي: هذا هو الأفضل، فإن صامها قبل الإهلال في الحج أجزأه على الصحيح، وأما قبل التحلل من العمرة فلا على الصحيح قاله مالك وجوزه الثوري وأصحاب الرأي وعلى الأول فمن استحب صيام عرفة بعرفة قال: ويحرم يوم السابع ليصوم السابع والثامن والتاسع، وإلا فيحرم يوم السادس ليفطر بعرفة، فإن فاته الصوم قضاه، وقيل: يسقط ويستقر الهدي في ذمته وهو قول الحنفية، قالوا: لا يصوم الثلاثة ولا السبعة بعد يوم النحر وعند مالك يصوم أيام التشريق وفي صومها قولان عند الشافعية أظهرها لا يجوز. وقال النووي: وأصحهما من حيث الدليل الجواز وقوله وسبعة إذا رجع إلى أهله أي: وطنه مكة أو غيرها في مذهب مالك وأحمد، وأصح قولي الشافعي أو معنى رجعتم فرغتم من أعمال الحج، وهو قول الشافعي الثاني، ومذهب أبي حنيفة قائلين إن الفراغ سبب الرجوع، فأطلق السبب على المسبب، فلو صام السبعة بمكة جاز عند الحنفية ولا يجوز عند غيرهم إلا أن ينوي الإقامة بها. وقوله: ثم خب تقدم الكلام عليه في باب استلام الحجر الأسود، وتقدم الكلام على السعي في باب الصفا والمروة. وقوله: ثم سلم فانصرف فأتى الصفا ظاهره أنه لم يتخلل بينهما عمل آخر، لكن في حديث جابر الطويل في صفة الحج عند مسلم ثم رجع إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم خرج من باب الصفا وقوله: ثم حل من كل شيء حرم منه تقدم أن سبب عدم إحلاله هو كونه ساق الهدي وإلا لكان يفسخ الحج إلى العمرة ويتحلل منها كما أمر به أصحابه. وقوله: "وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدى وساق الهدي من الناس. وقوله: "من أهدى" فاعل قوله وفعل وفيه إشارة إلى عدم خصوصيته ﵊ بذلك ووقع في رواية أبي الوقت بين قوله: وفعل مثل ما فعل وفاعله الذي هو من أهدى لفظ باب، وقال فيه: عن عرورة عن عائشة إلخ. وهو خطأ شنيع لما فيه من الفصل بين الفعل والفاعل، ويصير الفاعل محذوفًا ووقع هنا في هذا اللفظ اختلاف بين العلماء أعرضت عن ذكره. وقوله: "وعن عروة" أن عائشة رضي الله تعالى عنها أخبرته إلخ. هذا أخرجه مسلم من

стр. 6368

رواية شعيب فساق حديث ابن عمر إلى قوله: من الناس، ثم أعاد الإسناد بعينه إلى عائشة، قال: عن رسول الله ﷺ في تمتعه بالحج إلى العمرة وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن عبد الله، وقد تعقب المهلب قول الزهري بمثل الذي أخبرني سالم فقال: يعني مثله في الوهم؛ لأن أحاديث عائشة كلها شاهدة بأنه حج مفردًا، قال في الفتح: وليس وهمًا إذ لا مانع من الجمع بين الروايتين بمثل ما جمع به بين المختلف عن ابن عمر بأن يكون المراد بالإفراد في حديثها، البداءة بالحج وبالتمتع بالعمرة إدخالها على الحج وهو أولى من توهيم جيل من أجيال الحفظ، واستدل به على أن التحلل لا يقع بمجرد طواف القدوم خلافًا لابن عباس وهو واضح، وقد تقدم البحث فيه وفيه مشروعية طواف القدوم للقارن والرمل فيه إن عقبه بالسعي وتسمية السعي طوافًا وطواف الإفاضة يوم النحر، واستدل به على أن الحلق ليس بركن، وليس بواضح؛ لأنه لا يلزم من ترك ذكره في هذا الحديث أن لا يكون وقع، بل هو داخل في عموم قوله: حتى قضى حجه. رجاله ثمانية: قد مرّوا: مرت الأربعة: الأول بهذا النسق في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ سالم في السابع عشر من الإيمان، ومرَّ أبوه في أوله قبل ذكر حديث منه. فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته: مصريان وأيلي ومدنيان، ومرَّ عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الحج. ثم قال المصنف:

стр. 6369

باب من اشترى الهدي من الطريق أي سواء كان في الحل أو الحرم إذ سوقه معه من بلده ليس بشرط، وقال ابن بطال: أراد أن يبين أن مذهب ابن عمر في الهدي أنه ما أدخل من الحل إلى الحرم لأن قُدَيْدًا من الحل ولا يخفى أن في الترجمة أعم من فعل ابن عمر فكيف تكون بيانًا له. الحديث الحادي والسبعون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لأَبِيهِ: أَقِمْ، فَإِنِّي لاَ آمَنُهَا أَنْ تُصَدُّ عَنِ الْبَيْتِ. قَالَ: إِذًا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي الْعُمْرَةَ. فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَالَ مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ. ثُمَّ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ، ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا. قوله: فإني لا آمنها بالمد وفتح الميم الخفيفة وقد تقدم في باب طواف القارن بلفظ: لا آمن والهاء هنا ضمير الفتنة لا آمن الفتنة أن تكون سببًا في صدك عن البيت. وفي رواية المستملي والسرخسي: لا أيْمَنها وقد تقدم ضبطه وشرح الحديث في باب طواف القارن. وقوله: إن تصد في رواية السرخسي إن ستصد. وقوله: "فأهل بالعمرة" زاد في رواية أبي ذر من الدار وكذا أخرجه أبو نعيم عن أبي النعمان شيخ البخاري فيه ويؤخذ منه جواز الإحرام قبل الميقات، وللعلماء فيه اختلاف فنقل ابن المنذر الإجماع على الجواز، ثم قيل هو أفضل من الإحرام من الميقات، وقيل: دونه. وقيل: مثله. وقيل: من كان له ميقات معين فهو في حقه أفضل، وإلا فمن داره، وللشافعية في أرجحية الميقات من الدار اختلاف، وقال الرافعي: يؤخذ من تعليلهم أن من أمن على نفسه كان أرجح في حقه، وإلا فمن الميقات أفضل، وقد تقدم قول المصنف، وكره عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان في باب قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. وقوله: "فلم يحل حتى حل" في رواية السرخسي حتى أحل بزيادة ألف والحاء مفتوحة وهي لغة شهيرة يقال: حل وأحل.

стр. 6370

رجاله ستة قد مرّوا. ومرَّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ عبد الله بن عبد الله بن عمر في السادس والتسعين من صفة الصلاة، ومرَّ محل أبيه في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6371

باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم قال ابن بطال: غرضه أن يبين أن المستحب أن لا يشعر المحرم ولا يقلد إلا في ميقات بلده والذي يظهر أن غرضه الإشارة إلى رد قول مجاهد لا يشعر حتى يحرم أخرجه ابن أبي شيبة لقوله في الترجمة: من أشعر ثم أحرم ووجه الدلالة لذلك من حديث المسور قوله: حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم فإن ظاهره البداءة بالتقليد ومن حديث عائشة. قوله: ثم قلدها وأشعرها وما حرم عليه شيء، فإنه يدل على أن تقدم الإحرام ليس شرطًا في صحة التقليد والإشعار وأبين من ذلك لتحصيل مقصود الترجمة ما أخرجه مسلم عن ابن عباس قال صلَّى النبيُّ ﷺ الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. ثم قال: وقال نافع: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أهدى زمن الحديبية وأشعره بذي الحليفة يطعن في شق سنامه الأيمن بالشفرة ووجهها قبل القبلة باركة قوله زمن الحديبية، وقع عند الكشميهني من المدينة، وهذا وصله مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان إذا أهدى هديًا من المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قلده بذي الحليفة يقلده قبل أن يشعره وذلك في مكان واحد وهو متوجه إلى القبلة يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر، ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به، فإذا قدم غداة النحر نحوه، وعن نافع عن ابن عمر كان إذا طعن في سنام هديه وهو يشعره قال: "بسم الله والله أكبر". وأخرج البيهقي عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يشعر بدنه من الشق الأيسر إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشعرها من الشق الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة، وتبين بهذا أن ابن عمر كان يطعن بالأيمن تارة، وفي الأيسر تارة بحسب ما يتهيأ له ذلك، فإن كانت البدنة ذللا أشعرها من الأيسر وإن كانت صعبة قرن بدنتين، ثم قام بينهما وأشعر إحداهما من الأيمن والأخرى من الأيسر وإلى الإشعار في الجانب الأيمن ذهب الشافعي وصاحبا أبي حنيفة وأحمد في رواية، وإلى الأيسر ذهب مالك وأحمد في رواية، قال في الفتح: ولم أر في حديث ابن عمر ما يدل على تقدم ذلك على إحرامه وذكر ابن عبد البر في الاستذكار عن مالك قال: لا يشعر الهدي إلا عند الإهلال يقلده ثم يشعره ثم يصلي ثم يحرم.

стр. 6372

وفي الحديث مشروعية الإشعار وبه قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاوي كراهته عن أبي حنيفة وذهب غيره إلى استحبابه للإتباع حتى صاحباه فقالا: هو حسن، وقال مالك يختص الإشعار بما لها سنام وصفته أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هديًا أو يضرب صفحة سنامها بحديدة حتى يتلطخ بالدم ظاهرًا ولا نظر إلى ما فيه من الإِيلام؛ لأنه لا منع إلا ما منعه الشرع، وقال ابن حبيب: يشعر طولًا. وقال السفاقسي: عرضًا، والعرض عرض السنام من العنق إلى الذنب، وقال مجاهد: أشعر من حيث شئت، وأبعد من منع الإشعار واعتل بأنه كان مشروعًا قبل النهي عن المثلة فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع، وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان وقال الخطابي وغيره: اعتلال من كره الإِشعار بأنه من المثلة مردود، بل هو من باب آخر كالكي وشق أذن الحيوان ليصير علامة، وغير ذلك من الوسم وكالختان والحجامة، وشفقة الإنسان على المال عادة فلا يخشى ما توهموه من سريان الحرج حتى يفضي ذلك إلى الهلاك ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيده الذي كرهه به كان يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه فيكون قريبًا، وقد قال الطحاوي: ثبت عن عائشة وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه فدل على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه لثبوت فعله عن النبي ﷺ وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإِشعار، وانتصر له الطحاوي في المعاني فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف من هلاك البدن كسراية الجرح لاسيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سد الباب على العامة، لأنهم كانوا لا يراعون الحد في ذلك. وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك فلا، قلت: أبو حنيفة ليس مذهبه سد الذرائع، فلو كان في هذا ذريعة كان مالك أولى بسدها منه؛ لأن ذلك مذهبه، وروي عن إبراهيم النخعي أنه كره الإشعار أيضًا، ذكر ذلك الترمذي قال: سمعت أبا السائب قال: كنا عند وكيع فقال له رجل: روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة؟ فقال له وكيع: أقول لك: أشعر رسول الله ﷺ وتقول: قال إبراهيم، ما أحقك بأن تحبس، وبهذا يتعقب على الخطابي حيث قال: لا أعلم أحدًا كره الإِشعار إلا أبا حنيفة، وخالفه صاحباه فقالا بقول الجماعة، وعلى ابن حزم أيضًا في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع ويتعين الرجوع إلى ما قال الطحاوي، فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه واتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلا سعيد بن جبير، وعند المالكية ما له أسنمة من البقر يشعر وما لا فلا، واتفقوا على أن الغنم لا تشعر لضعفها ولكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار، وكذا لا تقلد كراهة عند مالك، وإشعارها حرام، ويقلد البقر مطلقًا وندب كون التقليد نعلين معلقين بشيء من نبات الأرض وفائدة الإشعار الإعلام بأنها صارت هديًا ليتبعها من يحتاج إلى ذلك وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أو ضلَّت عرفت أو عطبت عرفها

стр. 6373

المساكين بالعلامة فأكلوا منها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه. الحديث الثاني والسبعون والمائة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ قَالاَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ. تقدم عند الترجمة وجه الدلالة من هذا الحديث وهذا الحديث يأتي مطولًا جدًا في باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب من كتاب الشروط، ويأتي الكلام عليه هناك إذ لا يمكن الكلام عليه هنا لاختصاره. رجاله سبعة: قد مرّوا. مرَّ أحمد بن محمد بن مردويه في الثالث والمائة من الوضوء، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ الزهري في الثالث منه، وعروة في الثاني منه، ومرَّ مسور ومروان في الرابع والخمسين من الوضوء فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول ورواته: مروزيان وبصري يمني والبقية مدنيون، ومروان من أفراده، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابة والتابعي أخرجه البخاري في عشرة مواضع مختصرًا من حديث طويل أخرجه في كتاب الشروط وأخرجه في الحج وفي المغازي وأبو داود في الحج والنسائي في السير. الحديث الثالث والسبعون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلاَئِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ. قد تقدم عند الترجمة وجه الدلالة من هذا الحديث عليها قوله: "بيدي" فيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها وسيأتي إتمام الكلام على هذا الحديث بعد بابين. رجاله أربعة: قد مرّوا. مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ أفلح في الرابع عشر من الغسل، ومرَّ القاسم بن محمد في الحادي عشر منه، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. أخرجه البخاري في الحج أيضًا، ومسلم، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 6374

باب فتل القلائد للبدن والبقر أورد فيها حديثي عائشة وحفصة، وقد قال ابن المنير: ليس في الحديثين ذكر البقر، إلا أنهما مطلقان، وقد صح أنه أهداهما جميعًا كذا قال وكأنه أراد حديث عائشة: دخل علينا يوم النحر بلحم بقر. الحديث. وسيأتي بعد أبواب، ولا دلالة فيه على أنه كان ساق البقر وترجمة البخاري صحيحة؛ لأنه إن كان المراد بالهدي في الحديث الإبل والبقر معًا، فلا كلام، وإن كان المراد الإبل خاصة فالبقر في معناها، وأخذ بعض المتأخرين من اختصار البخاري في هذه الترجمة على الإبل والبقر أنه موافق لمالك وأبي حنيفة في أن الغنم لا تقلد وغفل هذا المتأخر عن البخاري أفرد ترجمته لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة كعادته في تفريق الأحكام في التراجم. الحديث الرابع والسبعون والمائة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ رضى الله عنهم قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ". سبق الكلام على هذا الحديث مستوفى في باب القِران والتمتع ومناسبته للترجمة من جهة أن التقليد يستلزم تقدم الفتل عليه ويوضح ذلك حديث عائشة المذكور معه. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإِيمان، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرت حفصة في الثالث والستين منه، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث الخامس والسبعون والمائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لاَ يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ. وموضع الترجمة منه: فأفتل قلائد هديه، ويأتي ما فيه من الكلام بعد بابٍ.

стр. 6375

رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ الليث وابن شهاب في الثالث منه، ومرت عمرة بنت عبد الرحمن في الثامن والثلاثين من الحيض. أخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه. ثم قال المصنف:
следующие страницы →