← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم قال ابن بطال: غرضه أن يبين أن المستحب أن لا يشعر المحرم ولا يقلد إلا في ميقات بلده والذي يظهر أن غرضه الإشارة إلى رد قول مجاهد لا يشعر حتى يحرم أخرجه ابن أبي شيبة لقوله في الترجمة: من أشعر ثم أحرم ووجه الدلالة لذلك من حديث المسور قوله: حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم فإن ظاهره البداءة بالتقليد ومن حديث عائشة. قوله: ثم قلدها وأشعرها وما حرم عليه شيء، فإنه يدل على أن تقدم الإحرام ليس شرطًا في صحة التقليد والإشعار وأبين من ذلك لتحصيل مقصود الترجمة ما أخرجه مسلم عن ابن عباس قال صلَّى النبيُّ ﷺ الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج. ثم قال: وقال نافع: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أهدى زمن الحديبية وأشعره بذي الحليفة يطعن في شق سنامه الأيمن بالشفرة ووجهها قبل القبلة باركة قوله زمن الحديبية، وقع عند الكشميهني من المدينة، وهذا وصله مالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان إذا أهدى هديًا من المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قلده بذي الحليفة يقلده قبل أن يشعره وذلك في مكان واحد وهو متوجه إلى القبلة يقلده بنعلين ويشعره من الشق الأيسر، ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به، فإذا قدم غداة النحر نحوه، وعن نافع عن ابن عمر كان إذا طعن في سنام هديه وهو يشعره قال: "بسم الله والله أكبر". وأخرج البيهقي عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يشعر بدنه من الشق الأيسر إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشعرها من الشق الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة، وتبين بهذا أن ابن عمر كان يطعن بالأيمن تارة، وفي الأيسر تارة بحسب ما يتهيأ له ذلك، فإن كانت البدنة ذللا أشعرها من الأيسر وإن كانت صعبة قرن بدنتين، ثم قام بينهما وأشعر إحداهما من الأيمن والأخرى من الأيسر وإلى الإشعار في الجانب الأيمن ذهب الشافعي وصاحبا أبي حنيفة وأحمد في رواية، وإلى الأيسر ذهب مالك وأحمد في رواية، قال في الفتح: ولم أر في حديث ابن عمر ما يدل على تقدم ذلك على إحرامه وذكر ابن عبد البر في الاستذكار عن مالك قال: لا يشعر الهدي إلا عند الإهلال يقلده ثم يشعره ثم يصلي ثم يحرم.

стр. 6372

وفي الحديث مشروعية الإشعار وبه قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاوي كراهته عن أبي حنيفة وذهب غيره إلى استحبابه للإتباع حتى صاحباه فقالا: هو حسن، وقال مالك يختص الإشعار بما لها سنام وصفته أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هديًا أو يضرب صفحة سنامها بحديدة حتى يتلطخ بالدم ظاهرًا ولا نظر إلى ما فيه من الإِيلام؛ لأنه لا منع إلا ما منعه الشرع، وقال ابن حبيب: يشعر طولًا. وقال السفاقسي: عرضًا، والعرض عرض السنام من العنق إلى الذنب، وقال مجاهد: أشعر من حيث شئت، وأبعد من منع الإشعار واعتل بأنه كان مشروعًا قبل النهي عن المثلة فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع، وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان وقال الخطابي وغيره: اعتلال من كره الإِشعار بأنه من المثلة مردود، بل هو من باب آخر كالكي وشق أذن الحيوان ليصير علامة، وغير ذلك من الوسم وكالختان والحجامة، وشفقة الإنسان على المال عادة فلا يخشى ما توهموه من سريان الحرج حتى يفضي ذلك إلى الهلاك ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيده الذي كرهه به كان يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه فيكون قريبًا، وقد قال الطحاوي: ثبت عن عائشة وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه فدل على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه لثبوت فعله عن النبي ﷺ وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإِشعار، وانتصر له الطحاوي في المعاني فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يفعل على وجه يخاف من هلاك البدن كسراية الجرح لاسيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سد الباب على العامة، لأنهم كانوا لا يراعون الحد في ذلك. وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك فلا، قلت: أبو حنيفة ليس مذهبه سد الذرائع، فلو كان في هذا ذريعة كان مالك أولى بسدها منه؛ لأن ذلك مذهبه، وروي عن إبراهيم النخعي أنه كره الإشعار أيضًا، ذكر ذلك الترمذي قال: سمعت أبا السائب قال: كنا عند وكيع فقال له رجل: روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة؟ فقال له وكيع: أقول لك: أشعر رسول الله ﷺ وتقول: قال إبراهيم، ما أحقك بأن تحبس، وبهذا يتعقب على الخطابي حيث قال: لا أعلم أحدًا كره الإِشعار إلا أبا حنيفة، وخالفه صاحباه فقالا بقول الجماعة، وعلى ابن حزم أيضًا في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع ويتعين الرجوع إلى ما قال الطحاوي، فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه واتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلا سعيد بن جبير، وعند المالكية ما له أسنمة من البقر يشعر وما لا فلا، واتفقوا على أن الغنم لا تشعر لضعفها ولكون صوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار، وكذا لا تقلد كراهة عند مالك، وإشعارها حرام، ويقلد البقر مطلقًا وندب كون التقليد نعلين معلقين بشيء من نبات الأرض وفائدة الإشعار الإعلام بأنها صارت هديًا ليتبعها من يحتاج إلى ذلك وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت أو ضلَّت عرفت أو عطبت عرفها

стр. 6373

المساكين بالعلامة فأكلوا منها مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع وحث الغير عليه. الحديث الثاني والسبعون والمائة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ قَالاَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ. تقدم عند الترجمة وجه الدلالة من هذا الحديث وهذا الحديث يأتي مطولًا جدًا في باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب من كتاب الشروط، ويأتي الكلام عليه هناك إذ لا يمكن الكلام عليه هنا لاختصاره. رجاله سبعة: قد مرّوا. مرَّ أحمد بن محمد بن مردويه في الثالث والمائة من الوضوء، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ الزهري في الثالث منه، وعروة في الثاني منه، ومرَّ مسور ومروان في الرابع والخمسين من الوضوء فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والقول ورواته: مروزيان وبصري يمني والبقية مدنيون، ومروان من أفراده، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابة والتابعي أخرجه البخاري في عشرة مواضع مختصرًا من حديث طويل أخرجه في كتاب الشروط وأخرجه في الحج وفي المغازي وأبو داود في الحج والنسائي في السير. الحديث الثالث والسبعون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلاَئِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ. قد تقدم عند الترجمة وجه الدلالة من هذا الحديث عليها قوله: "بيدي" فيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها وسيأتي إتمام الكلام على هذا الحديث بعد بابين. رجاله أربعة: قد مرّوا. مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ أفلح في الرابع عشر من الغسل، ومرَّ القاسم بن محمد في الحادي عشر منه، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. أخرجه البخاري في الحج أيضًا، ومسلم، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 6374

باب فتل القلائد للبدن والبقر أورد فيها حديثي عائشة وحفصة، وقد قال ابن المنير: ليس في الحديثين ذكر البقر، إلا أنهما مطلقان، وقد صح أنه أهداهما جميعًا كذا قال وكأنه أراد حديث عائشة: دخل علينا يوم النحر بلحم بقر. الحديث. وسيأتي بعد أبواب، ولا دلالة فيه على أنه كان ساق البقر وترجمة البخاري صحيحة؛ لأنه إن كان المراد بالهدي في الحديث الإبل والبقر معًا، فلا كلام، وإن كان المراد الإبل خاصة فالبقر في معناها، وأخذ بعض المتأخرين من اختصار البخاري في هذه الترجمة على الإبل والبقر أنه موافق لمالك وأبي حنيفة في أن الغنم لا تقلد وغفل هذا المتأخر عن البخاري أفرد ترجمته لتقليد الغنم بعد أبواب يسيرة كعادته في تفريق الأحكام في التراجم. الحديث الرابع والسبعون والمائة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ رضى الله عنهم قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ". سبق الكلام على هذا الحديث مستوفى في باب القِران والتمتع ومناسبته للترجمة من جهة أن التقليد يستلزم تقدم الفتل عليه ويوضح ذلك حديث عائشة المذكور معه. رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإِيمان، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرت حفصة في الثالث والستين منه، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث الخامس والسبعون والمائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لاَ يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ. وموضع الترجمة منه: فأفتل قلائد هديه، ويأتي ما فيه من الكلام بعد بابٍ.

стр. 6375

رجاله ستة: قد مرّوا، مرَّ عبد الله بن يوسف وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ الليث وابن شهاب في الثالث منه، ومرت عمرة بنت عبد الرحمن في الثامن والثلاثين من الحيض. أخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه. ثم قال المصنف:

стр. 6376

باب إشعار البدن قد مرَّ استيفاء الكلام على الإشعار عند تعليق نافع في باب من أشعر وقلد بذي الحليفة، ثم أحرم. ثم قال: وقال عروة عن المسور ﵁: قلَّد النَّبي ﷺ الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة. وهذا الحديث علَّقه هنا وقد أخرجه موصولًا عن قريب في باب من أشعر هديه وقلده بذي الحليفة وعروة مرَّ في الثاني من بدء الوحي والمسور. مرَّ في الرابع والخمسين من الوضوء. الحديث السادس والسبعون والمائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْي النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا أَوْ قَلَّدْتُهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ. وهذا الحديث رواية من اللذين قبله ويأتي ما في الجميع في الباب الذي بعده. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله بحديثين. ثم قال المصنف:

стр. 6377

باب من قلد القلائد بيده أي: الهدايا وله حالان: إما أن سوق الهدي ويقصد النسك، فإنما يقلدها ويشعرها عند إحرامه، وإما أن يسوقه ويقيم فيقلدها من مكانه وهو مقتضى حديث الباب، وسيأتي بيان ما يقلد به بعد باب، والغرض بهذه الترجمة أنه كان عالمًا بابتداء التقليد ليترتب عليه ما بعده قال ابن التين: يحتمل أن يكون قول عائشة ثم قلدها بيده بيانًا لحفظها للأمر ومعرفتها به ويحتمل أن تكون أرادت أنه ﵊ تناول ذلك بنفسه وعلم وقت التقليد ومع ذلك فلم يمتنع من شيء يمتنع منه المحرم لئلا يظن أحد أنه استباح ذلك قبل أن يعلم بتقليد الهدي. الحديث السابع والسبعون والمائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ. قوله: "عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو" إلخ كذا للأكثر، وسقط عمرو من رواية أبي ذر، وعمرة هي خالة عبد الله الراوي عنها. وقوله: إن زياد بن أبي سفيان كذا وقع في الموطأ، وكان شيخ مالك حدث به كذلك في زمن بني أمية، وأما بعدهم فما كان يقال له: إلا زياد بن أبيه ويأتي تعريفه في السند قريبًا، وعند مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك في هذا الحديث أن ابن زياد بدل قوله: إن زياد بن أبي سفيان وهو وهم نبه عليه الغساني ومن تبعه. قال النووي: وجميع من تكلم على صحيح مسلم الصواب ما وقع في البخاري وهو الموجود عند جميع رواة الموطأ. وقوله: "حتى ينحر هديه" زاد مسلم: وقد بعثت بهدي فاكتبي إليّ بأمرك زاد الطحاوي عن مالك: "أو مري صاحب الهدي الذي معه الهدي بما يصنع".

стр. 6378

وقوله: قالت: عمرة هو بالسند المذكور، وقد روى الحديث المرفوع عن عائشة القاسم وعروة كما مضى قريبًا مختصرًا، ورواه عنها أيضًا مختصرًا مسروق في آخر الباب الذي بعده، وأورده في الضحايا مطولًا، وترجم هناك على حكم من أهدى وأقام هل يصير محرمًا أو لا؟ ولم يترجم به هنا ولفظه هناك عن مسروق أنه قال: يا أم المؤمنين! إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في العصر فيوصي أن تقلد بدنته فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس، فذكر الحديث نحوه، ولفظ الطحاوي عن مسروق قال: قلت لعائشة: إن رجالًا هاهنا يبعثون بالهدي إلى البيت ويأمرون الذين يبعثون معه بمعلم لهم يقلدها في ذلك اليوم فلا يزالون محرمين حتى يحل الناس. الحديث. وقال سعيد بن منصور عن عائشة: وقيل لها: إن زيادًا إذا بعث بالهدي أمسك عما يمسك منه المحرم حتى ينحر هديه، فقالت عائشة أوله كعبة يطوف بها؟. وروى عن هشام عن أبيه بلغ عائشة أن زيادًا بعث بالهدي وتجرد فقالت: إن كنت لأفتل قلائد هدي النبي ﷺ ، ثم يبعث بها وهو مقيم عندنا، ما يجتنب شيئًا. وروى مالك في الموطأ عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى رجلًا متجردًا بالعراق فسأل عنه فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلد قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير، فذكرت له ذلك فقال: بدعة ورب الكعبة، ورواه ابن أبي شيبة عن محمد بن إبراهيم أن ربيعة أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان علي متجردًا على منبر البصرة فذكره فعرف بهذا اسم المبهم في رواية مالك قال ابن التين: خالف ابن عباس في هذا جميع الفقهاء واحتجت عائشة بفعل النبي ﷺ وما روته في ذلك، يجب أن يصار إليه، ولعل ابن العباس رجع عنه. وفي هذا قصور شديد، فإن ابن عباس لم ينفرد بذلك، بل ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر فقد روى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن نافع أن ابن عمر كان إذا بعث الهدي يمسك عما يمسك منه المحرم، إلا أنه يلبي ومنهم: قيس بن سعد بن عبادة، أخرجه سعيد بن منصور عنه. وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن علي بن الحسين عن عمرو على أنهما قالا في الرجل: يرسل بدنته أنه يمسك عما يمسك عنه المحرم، وهذا منقطع. وقال ابن المنذر قال عمر وعلي وقيس بن سعد وابن عمرو وابن عباس والنخعي وعطاء وابن سيرين وآخرون: من أرسل الهدي وأقام حرم عليه ما يحرم على المحرم، وقال ابن مسعود وعائشة وأنس وابن الزبير وآخرون: لا يصير بذلك محرمًا وإلى ذلك صار فقهاء الأمصار ومن حجة الأولين ما رواه الطحاوي وغيره عن عبد الملك بن جابر عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فقدّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه وقال: إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على ما كان كذا فلبست قميصي ونسيت فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي. الحديث.

стр. 6379

وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده إلا أن نسبة ابن عباس إلى التفرد بذلك خطأ، وقد ذهب سعيد بن المسيب إلى أنه لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم إلا الجماع ليلة جمع رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح. نعم، جاء عن الزهري ما يدل على أن الأمر استقر على خلاف ما قال ابن عباس ففي نسخة أبي اليمان عن شعيب عنه وأخرجه البيهقي من طريقه قال: أول من كشف العمى عن الناس وبين لهم السنة في ذلك عائشة، فذكر الحديث عن عروة عنها قال: فلما بلغ الناس قول عائشة أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس، وذكر جماعة من فقهاء الفتوى أن من أراد النسك صار بمجرد تقليده الهدي محرمًا حكاه ابن المنذر عن الثوري، وأحمد وإسحاق قال: وقال أصحاب الرأي من ساق الهدي وأمَّ البيت ثم قلد وجب عليه الإحرام. قال: وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا ولا يجب عليه شيء، ونقل الخطابي عن أصحاب الرأي مثل قول ابن عباس وهو خطأ عليهم فالطحاوي أعلم بهم منه، ولعل الخطابي ظن التسوية بين المسألتين. وقوله: بيدي تقدم أن فيه رفع مجاز أن تكون أرادت أنها فتلت بأمرها. وقوله: مع أبي بفتح الهمزة وكسر الموحدة الخفيفة تريد بذلك أباها أبا بكر الصديق واستفيد من ذلك وقت البعث وأنه كان في سنة تسع عام حج أبي بكر بالناس قال ابن التين: أرادت عائشة بذلك علمها بجميع القصة، ويحتمل أن تريد أنه آخر فعل النبي ﷺ ؛ لأنه حج حجة الوداع في العام الذي يليه لئلا يظن ظان أنَّ ذلك كان في أول الإِسلام، ثم نسخ فأرادت إزالة هذا اللبس، وأكملت ذلك بقولها فلم يحرم عليه شيء كان حلاله حتى نحر الهدي وانقضى أمره وترك إحرامه بعد ذلك أحرى وأولى؛ لأنه إذا انتفى في وقت الشبهةِ فلأن ينتفي عند انتفاء الشبهة أولى وحاصل اعتراض عائشة على ابن عباس أنه ذهب إلى ما أفتى به قياسًا للتولية في أمر الهدي على المباشرة له فبينت عائشة أن هذا القياس لا اعتبار له في مقابلة هذه السنة الظاهرة، وفي الحديث من الفوائد تناول الكبير الشيء بنفسه، وإن كان له من يكفيه إذا كان مما يهتم به ولاسيما ما كان من إقامة الشرائع وأمور الديانة، وفيه تعقب بعض العلماء على بعض، ورد الاجتهاد بالنص، وأن الأصل في أفعاله ﵊ التأسي به حتى تثبت الخصوصية. رجاله ستة: وفيه ذكر أبي بكر وقد مرَّ الجميع: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك، وعائشة، في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الله بن أبي بكر بن حزم في الرابع والعشرين من الوضوء، ومرَّ أبو بكر بعد الحادي والسبعين منه في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة، ومرت عمرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الحيض. وفي الحديث ذكر زياد بن أبي سفيان ولد على

стр. 6380

فراش عبيد مولى ثقيف، وأمه سمية جارية الحارث بن كلدة، وكانت تحت عبيد هذا، وكان يقال له قبل استلحاق معاوية له: زياد بن عبيد وبعد استلحاقه له صار يقال له: زياد بن أبي سفيان، ولما انقضت الدولة الأموية صار يقال له زياد بن أبيه، وزياد بن سمية وكنيته أبو المغيرة، واختلف في وقت مولده فقيل: ولد عام الفتح، وقيل: قبل الهجرة، وقيل: ولد يوم بدر ليست له صحبة ولا رواية، وكان رجلًا عاقلاً في دنياه داهية خطيبًا له قدر وجلالة عند أهل الدنيا. وروى أنه وفد على عمر من عند أبي موسى، وكان كاتبه، ومقتضى ذلك أن يكون له إدراك، وجزم ابن عساكر بأنه أدرك النبي ﷺ ولم يره وأنه أسلم في عهد أبي بكر وسمع من عمر. وقال العجلي: تابعي ولم يكن يتهم بالكذب، وقال يونس بن حبيب: يزعم آل زياد أنه دخل على عمر وله سبع عشرة سنة، وأخبرني زياد بن عثمان أنه كان له في الهجرة عشر سنين، وكانت أمه من البغايا بالطائف، قال أبو عثمان النهدي: اشترى زياد أباه عبيدًا بألف درهم فاعتقه فكنا نغبطه بذلك واستكتبه أبو موسى واستعمله على شيء من أعمال البصرة فأقره عمر، ولما شهد على المغيرة مع أخيه أبي بكرة ونافع وشبل بن معبد وحدَّهم عمر ثلاثتهم دونه إذ لم يقطع الشهادة زياد وقطعوها عزله فقال له زياد: يا أمير المؤمنين: أخبر الناس أنك لم تعزلني لخزية، وقال بعض أهل الأخبار: إنه قال له: ما عزلتك لخزية، ولكني كرهت أن أحمل الناس على فضل عقلك! ثم صار زياد مع علي رضي الله تعالى عنه، واستعمله على فارس فضبط البلاد وحمى وجبى، وأصلح الفساد ولم يزل مع علي إلى أن قتل رحمه الله تعالى وانخلع الحسن لمعاوية، وقد كان معاوية كاتبه يروم إفساده على علي فلم يفعل ووجه بكتابه إلى علي، وكتب إليه علي رضي الله تعالى عنه: إنما وليتك ما وليتك وأنت أهل لذلك عندي، ولن تدرك ما تريد مما أنت فيه إلا بالصبر واليقين، وإنما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر لا تستحق بها نسبًا ولا إرثًا، وأن معاوية يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه فاحذره، ثم احذره، ولما قرأ زياد الكتاب قال: شهد لي أبو الحسن ورب الكعبة فذلك الذي جرأ زيادًا ومعاوية على ما صنعا، ولما تم الأمر لمعاوية استلحقه، وكان استلحاقه له سنة أربع وأربعين، وشهد بذلك زياد بن أسماء الحرماني، ومالك بن ربيعة السلولي والمنذر بن الزبير وجويرة بنت أبي سفيان والمسور بن قدامة الباهلي وابن أبي نصر الثقفي وزيد بن نفيل الأزدي وشعبة بن العلقم المازني، ورجل من بني عمرو بن شيبان ورجل من بني المصطلق شهدوا كلهم على أبي سفيان أن زيادًا ابنه إلا المنذر فشهد أنه سمع عليًا يقول: أشهد أن أبا سفيان قال ذلك، فخطب معاوية فاستلحقه فتكلم زياد فقال: إن كان ما شهد به الشهود حقًّا فالحمد لله، وإن يكن باطلًا فقد جعلتهم بيني وبين الله تعالى، وروي عن ابن عباس أنه قال: بعث عمر بن الخطاب زيادًا في إصلاح فساد وقع باليمن فرجع من وجهه وخطب خطبة لم يسمع

стр. 6381

الناس مثلها، فقال عمرو بن العاص: أما والله لو كان هذا الغلام قرشيًا لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه فقال له علي: من هو يا أبا سفيان؟ فقال أبو سفيان: أنا، فقال: مهلًا يا أبا سفيان، فقال أبو سفيان: أما والله لولا خوف شخصي ... يراني عليّ من الأعادي لأظهر أمره صخر بن حرب ... ولم يكن المقالة عن زياد وقد طالت مجاملتي ثقيفًا ... وتركي فيهم ثمر الفؤاد قال: فذلك الذي حمل معاوية على ما صنع بزياد، وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا؟ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ادعى أبا في الإِسلام غير أبيه فالجنة عليه حرام" فقال أبو بكرة: وأنا سمعته، وأصله في الصحيح، وكان أَبو بكرة أخا زياد لأمه أمهما سمية فلما بلغه استلحاق معاوية له وإنه رضي ذلك آلى يمينًا أنه لا يكلمه أبدًا، وقال: هذا زنّى أمه وانتفى من أبيه، لا والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط، ويله ما يصنع بأم حبيبة زوج النبي ﷺ ، أيريد أن يراها؟ فإن حجبته فضحته، وإن رآها فيالها مصيبة يهتك من رسول الله ﷺ حرمة عظيمة، وحج زياد في زمن معاوية، ودخل المدينة فأراد الدخول على أم حبيبة، ثم ذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك، وقيل: إن أم حبيبة حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها، وقيل: إنه حج ولم يزر من أجل قول أبي بكرة، وقال: جزى الله أبا بكرة خيرًا، فما يدع النصيحة على حال كان يضرب به المثل في حسن السياسة ووفرة العقل وحسن الضبط، لما يتولاه، وهو أمير المصرين الكوفة والبصرة، ولم يجمعا قبله لغيره، وأقام في ذلك خمس سنين وزوج معاوية ابنته من ابنه محمدِ بن زياد، وهو الذي احتفر نهر الأبلة حتى بلغ موضع الجبل، وكان يقال: زياد يعد لصغار الأمور وكبارها، وكان جميلًا طويلًا يكسر إحدى عينيه، وفي ذلك يقول الفرزدق للحجاج: وقبلك ما أعييت كاسر عينه ... زيادًا فلم تعلق على حبائله قال ابن عبد البر: روينا أن زيادًا كتب إلى معاوية أني قد أخذت العراق بيميني وبقيت شمالي فارغة يعرض له بالحجاز، فبلغ ذلك ابن عمر فقال: اللهم اكفنا شمال زياد فعرضت له قرحة في شماله قتلته، ولما بلغ ابن عمر موت زياد قال: أذهب إليك ابن سمية، فقد أراح الله منك، وروي عن قتادة قال: قال زياد لبنيه لما احتضر ليت أباكم كان راعيًا في أدناها وأقصاها، ولم يقع في الذي وقع به، ولما ادعى معاوية زيادًا دخل عليه بنو أُمية وفيهم عبد الرحمن بن الحكم فقال: يا معاوية! لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة وذلة، فأقبل معاوية على مروان وقال له: أخرج عنا هذا الخليع، فقال مروان: والله إنه لخليع ما يطاق، فقال معاوية: والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه يطاق ألم يبلغني شعره فيَّ وفي

стр. 6382

زياد، ثم قال لمروان: أسمعنيه فقال: ألا أبلغ معاوية بن صخر ... لقد ضاقت بما تأتي اليدان أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زان فاشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان واشهد أنها حملت زيادًا ... وصخر من سُمية غير دان إلى آخر ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب من المراجعة والأشعار، ولي المصرين سنة ثمان وأربعين، ومات بالكوفة يوم الثلاثاء، لأربع خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين، وهو ابن ثلاث وخمسين، وكانت ولايته خمس سنين. ورجال الإِسناد كلّهم مدنيون إلا شيخ البخاري فهو مصري شامي، أخرجه البخاري في الوكالة، ومسلم في الحج وكذا النسائي. ثم قال المصنف:

стр. 6383

باب تقليد الغنم الحديث الثامن والسبعون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً غَنَمًا". احتج الشافعي بهذا الحديث على أن الغنم تقلد، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب: وقال مالك وأبو حنيفة: "لا تقلد لأنهما" تضعف عن التقليد وهذه حجة ضعيفة؛ لأن المقصود من التقليد العلامة وقد اتفقوا على أنها لا تشعر لأنها تضعف عنه فتقلد بما لا يضعفها، وقال ابن عبد البر: "احتج من لم يره بأن الشارع إنما حج حجة واحدة لم يهد فيها غنمًا" وأنكروا حديث الأسود الذي في البخاري في تقليد الغنم قالوا: هو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة فإنه تفرد بتقليد الغنم عن عائشة دون بقية الرواة عنها من أهل بيتها وغيرهم قال المنذري وغيره: "وليست هذه بعلة" لأنه حافظ ثقة لا يضره التفرد. وقال بعضهم ما أدري ما وجه الحجة منه لأن حديث الباب دال على أنه أرسل بها وأقام وكان ذلك قبل حجته قطعًا ولا تعارض بين الفعل والترك لأن مجرد الترك لا يدل على نسخ الجواز، ثم من الذي صرح من الصحابة بأنه لم يكن في هداياه في حجته غنم حتى يسوغ الاحتجاج بذلك، ثم ساق ابن المنذر عن عطاء وعبيد الله بن أبي يزيد وأبي جعفر محمد بن علي وغيرهم قالوا: رأينا الغنم تقدم مقلدة ولابن أبي شيبة عن ابن عباس نحوه والمراد بذلك الرد على من ادعى الإجماع على ترك إهداء الغنم وتقليدها. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ الأعمش وإبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين منه. ومرَّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم. أخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود وابن ماجه ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.

стр. 6384

الحديث التاسع والسبعون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كُنْتُ أَفْتِلُ الْقَلاَئِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ، وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلاَلاً. هذا طريق من الحديث الذي قبله والكلام على الأول كاف عن الكلام عليه، وأردف البخاري طريق أبي نعيم بطريق عبد الواحد بن زياد مع أن طريق أبي نعيم عنده أعلى درجة لتصريح الأعمش فيها بالتحديث عن إبراهيم ومع أن في رواية عبد الواحد أيضًا زيادة التقليد، وزيادة إقامته في أهله حلالًا. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان، ومرَّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين منه، ومرَّ محل الأربعة الباقية في الذي قبله. الحديث الثمانون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كُنْتُ أَفْتِلُ قَلاَئِدَ الْغَنَمِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يَمْكُثُ حَلاَلاً". هذا رواية من الذي قبله وأردف راوية عبد الواحد برواية منصور عن إبراهيم استظهارًا لرواية عبد الواحد لما في حفظ عبد الواحد عندهم وإن كان هو عنده حجة. رجاله ثمانية: قد مرّوا: مرَّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان، ومرَّ حماد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ منصور بن المعتمر في الثاني عشر من العلم، ومرَّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين منه، ومرَّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ محل إبراهيم والأسود وعائشة في الذي قبله بحديث. الحديث الحادي والثمانون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ تَعْنِي الْقَلاَئِدَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ. وأردف الرواية السابقة برواية مسروق مع أنه لا تصريح فيها يكون القلائد للغنم؛ لأن لفظ الهدي أعم من أن يكون لغنم أو غيرها، فالغنم فرد من أفراد ما يهدى، وقد ثبت أنه

стр. 6385

عليه الصلاة والسلام أهدى الإبل وأهدى البقر فمن ادعى اختصاص الإبل بالتقليد فعليه البيان. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان. ومرَّ معه زكريا بن أبي زائدة فيه، ومرَّ عامر الشعبي في الثالث منه، ومرَّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي. أخرجه البخاري أيضًا في الضحايا ومسلم والنسائي في الحج. ثم قال المصنف:

стр. 6386

باب القلائد من العهن بكسر المهملة وسكون الهاء، أي الصوف وقيل هو المصبوغ منه وقيل هو الأحمر خاصة. الحديث الثاني والثمانون والمائة حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلاَئِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي. قوله: عن أم المؤمنين هي عائشة بينه يحيى بن حكيم عن معاذ أخرجه أبو نعيم في المستخرج، وكذا وقعت تسميتها عند الإسماعيلي من وجه آخر عن ابن عون. وقوله: فتلت قلائدها: أي: الهدايا. وفي رواية يحيى المذكورة أنا فتلت تلك القلائد، ولمسلم عن ابن عون مثله، وزاد فأصبح فينا حلالًا يأتي مأتى الحلال من أهله، وفيه رد على من كره القلائد من الأوبار واختار أن تكون من نبات الأرض وهو منقول عن مالك وربيعة، وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ عمرو بن علي الفلاس في السابع والأربعين من الوضوء ومرَّ معاذ بن معاذ في تعليق بعد الثامن عشر من مواقيت الصلاة، ومرَّ عبد الله بن عون في التاسع من العلم، ومرَّ القاسم بن محمد في الحادي عشر من الغسل، ومرت أم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي. أخرجه مسلم في الحج بأتم من هذا وكذا أبو داود والنسائي. ثم قال المصنف:

стр. 6387

باب تقليد النعل يحتمل أن يريد الجنس ويحتمل أن يريد الواحدة أي: النعل الواحدة فتكون فيه إشارة إلى من اشترط نعلين وهو قول الثوري، وقال غيره: تجزء الواحدة، وقال آخرون: لا تتعين النعل، بل كل ما قام مقامها أجزأ حتى أذن الإداوة ثم قيل الحكمة في تقليد النعل أن فيه إشارة إلى السفر والجد فيه فعلى هذا يتعين. وقال ابن المنير: الحكمة فيه أن العرب تعتد النعل مركوبة لكونها تحمل صاحبها وتقيه وعر الطريق وقد كنى بعض الشعراء عنها بالناقة، فكان الذي أهدى خرج من مركوبه لله تعالى حيوانًا أو غيره كما خرج حين أحرم من ملبوسه، ومن ثم استحب تقليد نعلين لا واحدة هو الأصل في نذر المشي حافيًا إلى مكة. الحديث الثالث والثمانون والمائة حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً، قَالَ: ارْكَبْهَا. قَالَ إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: ارْكَبْهَا. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا. قوله حدثنا محمد كذا للأكثر غير منسوب ولابن السكن محمد بن سلام ولأبي ذر محمد هو ابن سلام، ورجح أبو علي الجياني أنه محمد بن المثنى؛ لأن المصنف روى عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى حديثًا غير هذا سيأتي قريبًا وأيده غيره بأن الإسماعيلي وأبا نعيم أخرجاه في مستخرجيهما عن محمد بن المثنى وليس ذلك بلازم والعمدة على ما قال ابن السكن: فإنه حافظ. وقوله: عن عكرمة هو مولى ابن عباس، وأما عكرمة بن عمار فهو تلميذ يحيى بن أبي كثير لا شيخه وقد مرَّ استيفاء الكلام على هذا الحديث قبل تسعة أبواب في باب ركوب البدن. رجاله ستة: قد مرّوا. مرَّ محمد بن سلام في الثالث عشر من الإيمان، وقيل محمد بن المثنى، وقد مرَّ في التاسع منه، ومرَّ عبد الأعلي بن عبد الأعلى في تعليق بعد الثالث منه، ومرَّ أبو هريرة

стр. 6388

في الثاني منه، ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ عكرمة في السابع عشر منه. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، ورواته بيكندي وبصريان ويمامي ومدني وفيه رواية تابعي عن تابعي. ثم قال: تابعه محمد بن بشار المتابعُ بالفتح هنا هو معمر والمتابِعُ بالكسر طاهر السياق محمد بن بشار وفي التحقيق هو عليّ بن المبارك، وإنما احتاج معمر عنده إلى المتابعة، لأن في رواية البصريين عنه مقالًا لكونه حدَّثهم بالبصرة من حفظه وهذا من رواية البصريين، وقد أخرجه الإسماعيلي عن وكيع عن علي بن المبارك بمتابعة عثمان بن عمر وقال: إن حسينًا المعلم رواه عن يحيى بن أبي كثير أيضًا. ومحمد بن بشار مرَّ في الحادي عشر من العلم، وقد قال: في الفتح إن روايته هذه لم تقع له موصولة والرجل المبهم الذي في الحديث قد مرَّ أنه لم يسم. الحديث الرابع والثمانون والمائة حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . هذا الحديث لا زيادة فيه. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ عُثمان بن عمر في السابع والعشرين من الغسل، ومرَّ علي بن المبارك في متابعة بعد الرابع والثلاثين من الأذان، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6389

باب الجِلال للبدن أي: بالكسر وتخفيف اللام جمع جل بضم الجيم وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه ثم قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنه لا يشق من الجلال إلا موضع السنام وإذا نحرها نزع جلالها مخافة أن يفسدها الدم ثم يتصدق بها، وهذا التعليق وصل بعضه مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يشق جلال بدنه وعن نافع أن ابن عمر كان يجلل بدنه القباطي والحلل ثم يبعث بها إلى الكعبة فيكسوها إياها، وعن مالك أنه سأل عبد الله بن دينار ما كان ابن عمر يصنع بجلال بدنه حين كسيت الكعبة هذه الكسوة فقال: كان يتصدق بها، وقال البيهقي: بعد أن أخرجه عن يحيى بن بكير عن مالك زاد فيه غيره عن مالك إلا موضع السنام إلى آخر الأثر المذكور قال المهلب: ليس التصدق بجلال البدن فرضًا، وإنما صنع ذلك ابن عمر؛ لأنه أراد أن لا يرجع بشيء أهل به لله ولا بشيء أضيف إليه وفائدة شق الجل من موضع السنام ليظهر الإشعار لئلا يستتر ما تحتها. وروى ابن المنذر عن نافع أن ابن عمر كان يجلل بدنه الأنماط والبرود والحبر حتى يخرج من المدينة، ثم ينزعها فيطويها حتى يكون يوم عرفة فيلبسها إياها حتى ينحرها فيتصدق بها. قال نافع: وربما دفعها إلى بني شيبة وما في هذه الأحاديث من إستحباب التقليد والإشعار وغير ذلك يقتضي أن إظهار التقرب بالهدي أفضل من إخفائه والمقرر أن إخفاء العمل الصالح غير الفرض أفضل من إظهاره فإما أن يقال إن أفعال الحج مبنية على الظهور كالإحرام والطواف والوقوف فكان الإشعار والتقليد كذلك فيخص الحج من عموم الإخفاء، وإما أن يقال لا يلزم من التقليد والإشعار إظهار العمل الصالح؛ لأن الذي يهديها يمكن أن يبعثها مع من يقلدها ويشعرها ولا يقول إنها لفلان فتحصل سنة التقليد مع كتمان العمل وأبعد من استدل بذلك على أن العمل إذا شرع فيه صار فرضًا، وإما أن يقال إن التقليد جعل علمًا لكونها هديًا حتى لا يطمع صاحبها في الرجوع فيها. وابن عمر مرَّ في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث الخامس والثمانون والمائة حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلاَلِ الْبُدْنِ

стр. 6390

الَّتِي نَحَرْتُ وَبِجُلُودِهَا". ويأتي هذا الحديث في باب يتصدق بجلود الهدي والكلام عليه هو الكلام على الأثر الذي قبله. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ قبيصة وسفيان الثوري في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ مجاهد في أثر قبل الحديث الأول منه، ومرَّ ابن أبي نجيح في الرابع عشر من العلم، ومرَّ علي في السابع والأربعين منه، ومرَّ ابن أبي ليلى في الثالث والستين من صفة الصلاة. أخرجه أيضًا في الوكالة وفي الحج، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود وابن ماجه في الحج، وفي الأضاحي. ثم قال المصنف:

стр. 6391

باب من اشترى هديه من الطريق وقلدها تقدم قبل ثمانية أبواب باب من اشترى الهدي من الطريق وأورد فيها هذا الحديث من وجه آخر، وإنما زادت هذه الترجمة التقليد وقد مرَّ الكلام عليه مستوفى في أبواب التقليد والإشعار. الحديث السادس والثمانون والمائة حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ الْحَجَّ عَامَ حَجَّةِ الْحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ. فَقَالَ: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً. حَتَّى كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ. وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ . وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه في باب طواف القارن، وفي باب من اشترى الهدي من الطريق، لكن قوله في هذه الرواية عام حجة الحرورية، وفي رواية الكشميهني عام حج الحرورية في عهد ابن الزبير مغاير لقوله في باب طواف القارن عام نزول الحجاج بابن الزبير؛ لأن الحرورية كانت في السنة التي مات فيها يزيد بن معاوية سنة أربع وستين وذلك قبل أن يتسمى ابن الزبير بالخلافة ونزول الحجاج بابن الزبير كان في سنة ثلاث وسبعين وذلك في آخر أيام ابن الزبير، فإما أن يحمل على أن الراوي أطلق على الحجاج وأتباعه حرورية لجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحق، وإما أن يحمل على تعدد القصة وقد ظهر من رواية أيوب، عن نافع أن القائل لابن عمر الكلام المذكور ولده عبد الله كما تقدم في باب من اشترى الهدي من الطريق. رجاله خمسة: وفيه ذكر ابن الزبير وقد مرَّ الجميع: مرَّ إبراهيم ابن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ

стр. 6392

ابن الزبير في الثامن والأربعين منه، ومرَّ نافع في الأخير منه، ومرَّ أبو ضمرة في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس منه، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال المصنف:

стр. 6393

باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن عبر في الترجمة بالذبح مع أن حديث الباب بلفظ النحر إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الذبح وسيأتي بعد سبعة أبواب بلفظ ذبح ونحر البقر جائز عند العلماء، إلا أن الذبح مستحب عندهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وخالف الحسن بن صالح فاستحب نحرها. الحديث السابع والثمانون والمائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لاَ نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ. فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُهُ لِلْقَاسِمِ، فَقَالَ: أَتَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. وهذا الحديث قد مرَّ في أوائل كتاب الحيض من رواية القاسم بن محمد، ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى. ومرَّ أيضًا مطولًا في باب التمتع والقران والإفراد في الحج، ومرَّ الكلام عليه هناك أيضًا وقوله: قال يحيى هو ابن سعيد الأنصاري بالإسناد المذكور إليه وقوله: فذكرته للقاسم يعني ابن محمد بن أبي بكر الصديق. وقوله: فقال: أتتك بالحديث على وجهه، أي: ساقته لك سياقًا تامًا لم تختصر منه شيئًا وكأنه يشير بذلك إلى روايته هو المشار لها الآن فإنها مختصرة. رجاله خمسة: وفيه ذكر القاسم وقد مرَّ الجميع. مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك، وعائشة، في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ يحيى بن سعيد الأنصاري في الأول منه، ومرت عمرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الحيض، ومرَّ القاسم في الحادي عشر من الغسل. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة والسماع والقول، ورواته مدنيون ما عدا شيخه،

стр. 6394

فإنه تنيسي وفيه رواية التابعي عن التابعية عن الصحابية. أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد والحج ومسلم في الحج وكذا النسائي. ثم قال المصنف:

стр. 6395

باب النحر في منحر النبي ﷺ بمنى قال ابن التين: منحر النبي ﷺ عند الجمرة الأولى التي تلي المسجد. وكأنه أخذه من أثر أخرجه الفاكهاني عن طاووس قال: كان منزل النبي ﷺ بمنى عن يسار المصلى، قال ابن جريج: وقال غير طاووس من أشياخنا نحوه. وزاد وأمر بنسائه أن ينزلن جنب الدار بمنى وأمر الأنصار أن ينزلوا الشعب وراء الدار والشعب عند الجمرة المذكورة، قال ابن التين: وللنحر فيه فضيلة على غيره لقوله ﵊: "هذا المنحر وكل منى منحر" أخرجه مسلم من حديث جابر ولفظه: "نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم" وهذا ظاهره أن نحره ﵊ بذلك المكان وقع عن اتفاق لا لشيء يتعلق بالنسك، لكن ابن عمر كان شديد الاتباع، وقد روى عمر بن شبة عن عطاء قال: كان ابن عمر لا ينحر إلا بمنى، وحكى ابن بطال قول مالك في النحر بمنى للحاج، والنحر بمكة للمعتمر وأطال في تقرير ذلك وترجيحه ولا خلاف في الجواز وإن اختلف في الأفضل. الحديث الثامن والثمانون والمائة حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعتُ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ﵁ كَانَ يَنْحَرُ فِي الْمَنْحَرِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ مَنْحَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقوله: قال عبيد الله .. إلخ. أي: ابن عمر بالإسناد المذكور والمعنى أن مراد نافع بإطلاق المنحر منحر النبي ﷺ ، وقد روى المصنف في الأضاحي هذا الحديث أوضح من هذا، ولفظه قال عبيد الله: يعني منحر النبي ﷺ ، ولهذا أردفه المصنف بطريق موسى بن عقبة عن نافع المصرحة بإضافة المنحر إلى النبي ﷺ في نفس الخبر. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ إسحاق بن راهويه في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ خالد بن الحارث في تعليق بعد الثاني من استقبال القبلة، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.

стр. 6396

الحديث التاسع والثمانون والمائة حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ مِنْ جَمْعٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، حَتَّى يُدْخَلَ بِهِ مَنْحَرُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ حُجَّاجٍ فِيهِمُ الْحُرُّ وَالْمَمْلُوكُ. هذه رواية أخرى في الحديث السابق وأفادت هذه الرواية زيادة وقت بعث الهدي إلى المنحر، وأنه من آخر الليل. وقوله: مع حجاج بضم المهملة جمع حاج. وقوله: فيهم الحر والمملوك: معناه أنه لا يشترط بعث الهدي مع الأحرار دون الأرقاء، وسيأتي في الأضاحي عن ابن عمر، كان رسول الله ﷺ يذبح وينحر بالمصلى، وهذا محمول على الأضحية بالمدينة. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ أنس بن عياض في الرابع عشر من الوضوء، وموسى بن عقبة في الخامس منه، ومرَّ محل نافع وابن عمر في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6397

باب من نحر هديه بيده ليست هذه الترجمة وحديثها عند أكثر الرواة، بل ثبتت لأبي ذر عن المستملي وحده، وفي نسخة الصغاني بعد الترجمة ما نصه حديث سهل بن بكار عن وهيب فاكتفى بالإشارة. الحديث التسعون والمائة حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا، وَضَحَّى بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ. مُخْتَصَرًا. ذكر حديث أنس هنا مختصرًا وفيه نحر النبي ﷺ بيده سبع بدن، وهذا الحديث سيأتي بعد بابٍ تامًا بالإسناد، والذي ساقه هنا سواء، وسأتكلم عليه هناك إن شاء الله تعالى. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ سهل بن بكار في الثالث والثمانين من الزكاة، ومرَّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ أيوب وأبو قلابة في التاسع منه، ومرَّ أنس في السادس منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، ورواته كلهم بصريون. أخرجه أيضًا في الحج والجهاد ومسلم في الصلاة وكذا النسائي وأبو داود في الحج والأضاحي. ثم قال المصنف:

стр. 6398

باب نحر الإبل مقيدة أورد فيه حديث ابن عمر وهو مطابق لما ترجم له. الحديث الحادي والتسعون والمائة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَتَى عَلَى رَجُلٍ، قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ . قوله أتى على رجل لم أقف على أسمه. وقوله: قد أناخ بدنته ينحرها زاد أحمد عن يونس لينحرها بمنى. وقوله: أبعثها، أي: أثرها، يقال: بعثت الناقة أثرتها. وقوله: قيامًا، أي: عن قيام، وقيامًا مصدر بمعنى قائمة وهي حال مقدرة، أو قوله: أبعثها، أي: أتمها أو العامل محذوف تقديره أنحرها. وقد وقع في رواية عند الإسماعيلي أنحرها قائمة. وقوله: مقيدة، أي: معقولة الرجل قائمة على ما بقي من قوائمها، ولأبي داود عن جابر أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها. وقال سعيد بن منصور، عن سعيد بن جبير، رأيت ابن عمر ينحر بدنته وهي معقولة إحدى يديها. وقوله: "سنة محمد" ينصب سنة بعامل مضمر كالاختصاص، أو التقدير: متبعًا سنة محمد، ويجوز الرفع، ويدل عليه رواية الحرب في المناسك، فقال له: انحرها قائمة، فإنها سنة محمد ﷺ . وفي هذا الحديث استحباب نحو الإبل على الصفة المذكورة، وعن الحنفية: يستوي نحرها قائمة وباركة في الفضيلة، وفيه تعليم الجاهل وعدم السكوت على مخالفة السنة، وإن كان مباحًا، وفيه أن قول الصحابي من السنة كذا مرفوع عند الشيخين، لاحتجاجهما بهذا الحديث في صحيحيهما. رجاله خمسة: قد مرّوا إلا زيادًا، مرَّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ يزيد بن ذريع في السادس والتسعين من الوضوء، ومرَّ يونس بن عبيد في الرابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه، والباقي زياد بن جبير بن حية بن مسعود بن

стр. 6399

معتب باسم المفعول مضعفًا الثقفي البصري. قال أحمد: من الثقات. وقال مرَّة: رجل معروف، وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة من الثقات، فكأنه لم يرو عن ابن عمرو، ووثقه العجلي، وسئل أبو داود عنه فقال: هذا زياد الجهبذ، وقال الدَّارقطني: ليس به بأس، وروي عن عبد الرحمن بن أبي نعيم قال: كان زياد بن جبير يقع في الحسن والحسين فقلت له: يا أبا محمد إن أبا سعيد حدَّثني عن النبي ﷺ قال: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"، ليس له في الصحيحين إلا هذا الحديث، وحديث آخر أخرجه البخاري في النذر بهذا الإِسناد، وأخرجه في الصوم بإسناد آخر، وقد اشترك زياد بن جبير، مع زيد بن جبير في روايتهما عن ابن عمر، وليس بينهما أخوة؛ لأن زيدًا طائي كوفيٌّ، وزياد ثقفي بصري، روى عن أبيه وابن عمر وسعد والمغيرة، وروى عنه بن أخيه سعيد بن عبيد الله بن جبير، ويونس بن عبيد، وغيرهم، ووفي الحديث لفظ رجل مبهم لم يسم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، والقول والرؤية، ورواته شيخه مدني سكن البصرة، والبقية بصريون أخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي. ثم قال: وقال شعبة عن يونس: "أخبرني زياد" وهذا التعليق أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن شعبة عن يونس سمعت زياد بن جبير يقول: انتهيت مع ابن عمر فإذا رجل قد أضجع بدنته وهو يريد أن ينحرها، فقال: قيامًا مقيدة سنة محمد ﷺ . وقد أخرج المصنف طريق شعبة، لبيان سماع يونس له من زياد، وقد مرَّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومحل يونس في الذي قبله، وفيه تعريف زياد بن جبير. ثم قال المصنف:

стр. 6400

باب نحر البدن قائمة في رواية الكشميهني قيامًا، ثم قال: "وقال ابن عمر ﵄: سنة محمد ﷺ ، وهذا التعليق ذكره موصولًا في الباب السابق وابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ثم قال: وقال ابن عباس: صواف قيامًا؛ هكذا ذكره سفيان بن عيينة عنه في تفسيره في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: قيامًا؛ أخرجه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه عبد بن حميد عن أبي نعيم عنه. وقوله: "صوّاف" بالتشديد جمع صافة، أي: مصطفة في قيامها، وفي مستدرك الحاكم عن ابن عباس في قوله تعالى: "صوافن" أي: قيامًا على ثلاثة قوائم معقولة، وهي قراءة ابن مسعود: صوافن بكسر الفاء بعدها نون جمع صافنة، وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب. وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي. الحديث الثاني والتسعون والمائة حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَبَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَجَعَلَ يُهَلِّلُ وَيُسَبِّحُ، فَلَمَّا عَلاَ عَلَى الْبَيْدَاءِ لَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا. وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا، وَضَحَّى بِالْمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ. قوله: "فبات بها، فلما أصبح" في رواية الكشميهني: فبات بها حتى أصبح، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال، والمراد منه هنا قوله: "ونحر بيده سبع بدن قيامًا" كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية كريمة وغيرها: سبعة بدن، فقيل في توجيهها: أراد أبعرة، فلذا ألحق بها الهاء ولم يذكر عدد البدن ولا عدد ما نحره ﵊، ووقع في رواية علي بعد بابين أنها مائة بدنة، ولأبي داود عن ابن إسحاق: نحر النبي ﷺ ثلاثين بدنة، وأمرني فنحرت سائرها، وأصح منه ما عند مسلم في حديث جابر الطويل، فإن فيه: ثم انصرف النبي ﷺ إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بدنة، ثم أعطى عليًّا

стр. 6401

فنحر ما غير، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، فعرف بذلك أن البدن كانت مائة، وأن النبي ﷺ نحر منها ثلاثًا وستين، ونحر عليٌّ الباقي والجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق أنه ﵊ نحو ثلاثين، ثم أمر عليًا أن ينحر فنحر سبعًا وثلاثين مثلًا، ثم نحر النبي ﷺ ثلاثًا وثلاثين، فإن ساغ هذا الجمع وإلا فما في الصحيح أصح. وقوله: "وضحى بالمدينة كبشين" قال ابن التين: صوابه: بكبشين، قال صاحب التوضيح: وكذا هو في أصل ابن بطال. وقوله: "أملحين" تثنية أملح، وهو الأبيض يخالطه أدنى سواد. وقوله: "أقرنين" تثنية أقرن، وهو الكبير القرن وفيه نحر الهدي بيده وهو أحسن إذا أحسن النحر، وفيه: نحر الإبل قائمة، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: تنحر باركة وقائمة، واستحب عطاء أن ينحرها باركة معقولة. وروى ابن أبي شيبة: إن شاء قائمة وإن شاء معقولة، وعن الحسن: باركة أهون عليها، وعند المالكية يندب نحر الإبل قائمة مقيدة أو معقولة اليسرى. رجاله خمسة: مرّوا بهذا النسق في الذي قبله بحديث. الحديث الثالث والتسعون والمائة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ الْبَيْدَاءَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ. وقوله في هذه الرواية: "وعن أيوب، عن رجل، عن أنس" المراد به بيان اختلاف إسماعيل بن عُلَيَّة ووهيب على أيوب فيه، فساقه وهيب عنه بإسناد واحد، وفصل إسماعيل بعضه فقال: عن أيوب عن أبي قلابة، عن أنس، وقال في بعضه: عن أيوب، عن رجل، عن أنس، قال الداودي: لو كان كله عند أيوب عن أبي قلابة ما أبهمه، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون إسماعيل شك فيه أو نسيه، ووهيب ثقة، وقد جزم بأن جميع الحديث عنه، وحكى ابن بطال عن المهلب أنه وقع عنده هنا: فلما أهلّ لنا بهما جميعًا، ومعناه: أمر من أهل بالقِران؛ لأنه كان مفردًا، فمعنى: أهل لنا، أي: أباح لنا الإهلال فكان ذلك أمرًا وتعليمًا لهم كيف يهلون، وإلا فما معنى (لنا) في هذا الموضع وليس في شيء من الروايات ما ذكره

стр. 6402

والذي في الأصول فلما علا على البيداء لبّى بهما جميعًا، ولعله وقع في نسخته: فلما علا على البيداء أهلّ، وفي أخرى: لبَّى، فكتبت لبّى بألف، فصارت صورتها لنا بنون خفيفة، وجمع بينها وبين الرواية الأخرى فصارت: أهل لنا، ولا وجود لذلك في شيء من الطرق، وقد مرَّ في الذي قبله أن الكلام تقدم عليه في باب التسبيح والتحميد والتكبير قبل الإهلال. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرَّ إسماعيل بن علية في الثامن منه، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله بحديثين. وهذا الرجل المبهم لم يسم. ثم قال المصنف:

стр. 6403

باب لا يعطي الجزَّار من الهدي شيئًا فاعل يعطي محذوف، أي: لا يعطي صاحبُ الهدي، والجزَّار منصوب على المفعولية، وروي بفتح الطاء والجزار بالرفع. الحديث الرابع والتسعون والمائة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِى النَّبِيُّ ﷺ فَقُمْتُ عَلَى الْبُدْنِ، فَأَمَرَنِي فَقَسَمْتُ لُحُومَهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي فَقَسَمْتُ جِلاَلَهَا وَجُلُودَهَا. قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِىٍّ ﵁ قَالَ أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى الْبُدْنِ، وَلاَ أُعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتِهَا. قوله: "وقال سفيان" هو المذكور بالإسناد المذكور وليس معلقًا، وقد وصله النسائي عن سفيان، وعبد الكريم المذكور هو الجزري كما في الرواية التي في الباب بعده. وقوله: "فقمت على البدن" أي: التي أرصدها للهدي. وفي الرواية الأخرى: "أن أقوم على البدن" أي: عند نحرها للاحتفاظ بها، ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك أي: على مصالحها في عقلها ورعيها وسقيها وغير ذلك، وقد مرَّ في الباب الذي قبله بيان عدد البدن، وعدد ما نحر بيده الشريفة ﵊. وقوله: "ولا أعطي عليها شيئًا في جزارتها" وكذا قوله في الرواية التي في الباب بعده: "ولا يعطي في جزارتها شيئًا" ظاهرهما أن لا يعطي الجزار شيئًا البتة، وليس ذلك بمراد، بل المراد أن لا يعطي الجزار منها شيئًا كما عند مسلم، وظاهره مع ذلك غير مراد، بل بيّن النسائي في روايته عن ابن جريج أن المراد منع عطية الجزار من الهدي عوضًا عن أجرته، ولفظه: ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا، وقال ابن خزيمة: النهي عن إعطاء الجزار المراد به أن لا يعطي منها عن أجرته، وكذا قال البغوي في "شرح السنة" قال: وأما إذا أعطي أجرته كاملة، ثم تصدق عليه إذا كان فقيرًا كما يتصدق على الفقراء، فلا بأس بذلك، وقال غيره: إعطاء الجزار على سبيل الأجرة ممنوع لكونه معاوضة، وأما إعطاؤه صدقة أو هدية أو زيادة على حقه فالقياس الجواز، ولكن إطلاق الشارع ذلك قد يفهم منه منع الصدقة؛ لئلا تقع مسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه، فيرجع إلى المعاوضة.

стр. 6404

قال القرطبي: لم يرخص في إعطاء الجزار منها في أجرته إلا الحسنُ البصري، وعبد الله بن عبيد بن عمير. واختلف في ضبط الجزارة، فقال ابن التين: الجزارة: بالكسر اسم للفعل وبالضم اسم للسواقط، فعلى هذا فينبغي أن يقرأ بالكسر، وبه صحت الرواية، فإن صحت بالضم جاز أن يكون المراد: لا يعطى من بعض الجزور أجرة الجزار، وقال ابن الجوزي، وتبعه المحب الطبري: الجزارة بالضم اسم لما يعطى كالعمالة وزنًا ومعنًى، وقيل: هو بالكسر؛ كالحجامة والخياطة، وجوز غيره الفتح، وقال ابن الأثير: الجزارة بالضم كالعمالة ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته، وأصلها أطراف البعير: الرأس واليدان والرجلان، سميت بذلك لأن الجزار كان يأخذها عن أجرته. رجاله سبعة: مرّ منهم: محمد بن كثير في الثاني والثلاثين من العلم، ومرَّ ابن أبي نجيح في الرابع عشر منه، ومرَّ علي في السابع والأربعين منه، ومرَّ الثوري في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ مجاهد في أثر أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والستين من صفة الصلاة، والباقي عبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد الحراني مولى بني أمية وهو ابن عم خصيف لحًا، ويقال له: الخضرمي بالخاء المعجمة المكسورة، قال أحمد: ثقة ثبت، وهو أثبت من خصيف، وهو صاحب سنة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن عمار والعجلي وأبو حاتم: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة أخذ عنه الأكابر، وقال سفيان: ما رأيت غريبًا أثبت منه، وقال يعقوب بن شيبة: هو إلى الضعف ما هو، وهو صدوق، وقد روى عنه مالك وكان ممن ينقي الرجال، وقال سفيان: كان حافظًا وكان من الثقات لا يقول إلا: سمعت، وحدَّثنا، ورأيت. وقال الثوري لابن عيينة: أرأيت عبد الكريم الجزري وأيوب وعمرو بن دينار! فهؤلاء ومن أشبههم ليس لأحد فيهم متكلم، وقال أحمد: قلت لابن المديني: عبد الكريم إلى من تضمه؟ قال: ذلك ثبت، قلت: هل هو مثل ابن أبي نجيح؟ قال: ابن أبي نجيح أعلم بمجاهد، وهو أعلم بالمشايخ، وهو ثقة ثبت، وقال عبيد الله بن عمرو الرقي: قال لي سفيان بن سعيد: يا أبا وهب لقد جاءنا صاحبكم عبد الكريم بأحاديث لو حدَّث بها هؤلاء الكوفيون ما زالوا يفتخرون بها علينا منها: "الندم توبة" وقال سفيان الثوري: ما رأيت أفضل منه، كان يحدث بشيء لا يوجد إلا عنده فلا يعرف ذلك فيه يعني لا يفتخر. وقال ابن عبد البر: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث، وقال أبو عروبة: هو ثبت عند العارفين بالنقل، وقال ابن نمير والترمذي وأبو بكر البزّار وابن البرقي والدارقطني: هو ثقة، وقال معاوية ابن صالح عن يحيى بن معين: ثقة ثبت.

стр. 6405

وقال عنه الدوري: حديث عبد الكريم عن عطاء رديء، قال ابن عدي يعني عن عائشة كان النبي ﷺ يقبلها ولا يحدث وضوءًا، وإنما أراد ابن معين هذا؛ لأنه ليس بمحفوظ، ولعبد الكريم أحاديث صالحة مستقيمة يرويها عنه قوم ثقات، وإذا روى عنه الثقات فأحاديثه مستقيمة، وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: حدث عبد الكريم عن عطاء في لحم البغل؟ فقال: قد سمعته وأنكره يحيى، وقال في المقدمة: لم يخرج البخاري في روايته عن عطاء إلا موضعًا واحدًا معلقًا. روى عن عطاء، وعكرمة، وسعيد بن المسيب، وغيرهم، وروى عنه أيوب -وهو من أقرانه- وابن جريج ومالك وغيرهم، مات في سنة سبع وعشرين ومائة. والخضرمي في نسبه بكسر الخاء نسبة إلى الخضارمة، قوم من العجم خرجوا في بدء الإِسلام فسكنوا الشام الواحد: خِضرمي بالكسر منهم: عبد الكريم هذا، وهبار بن عقيل، والعباس بن الحسن الخضرميون. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالجمع والعنعنة والقول، ورواته: بصري وكوفي ومكيان وكوفي وجزري. أخرجه البخاري أيضًا في الحج، وفي الوكالة، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود وابن ماجه فيه وفي الأضاحي. ثم قال المصنف:

стр. 6406

باب يتصدق بجلود الهدي أورد فيه حديث علي، عن عبد الكريم، والحسن بن مسلم، وساقه بلفظ الحسن بن مسلم، وأما لفظ عبد الكريم فقد أخرجه مسلم عنه وزاد وقال: نحن نعطيه من عندنا. الحديث الخامس والتسعون والمائة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا، لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلاَلَهَا، وَلاَ يُعْطِي فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا. قوله: "وأن يقسم بدنه" بسكون الدال المهملة ويجوز ضمها. وقوله: "لحومها وجلودها وجلالها" زاد مسلم وابن خزيمة: ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا، قال ابن خزيمة: المراد بقوله: "يقسمها كلها على المساكين" إلا ما أمر به من كل بدنة ببضعة، فطبخت كما في حديث جابر المتقدم التنبيه عليه، واستدل به على منع بيع الجلد، قال القرطبي: فيه دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم، وإعطائها حكمه، وقد اتفقوا على أن لحمه لا يباع فكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو وجه عند الشافعية قالوا: ويصرف ثمنه مصرف الأضحية، واستدل أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه، وأقوى من ذلك في رد قوله ما أخرجه أحمد عن قتادة بن النعمان مرفوعًا: "لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي وتصدقوا، وكلوا واستمتعوا بجلودها، ولا تبيعوا، وإن أطعمتم من لحومها، فكلوا إن شئتم". رجاله سبعة: قد مرّوا: مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن جريح في الثالث من الحيض، ومرَّ الحسن بن مسلم في التاسع والعشرين من الغسل، ومرَّ عبد الكريم في الذي قبله بحديث، ومرَّ فيه محل مجاهد وابن أبي ليلى وعلي. ثم قال المصنف:

стр. 6407

باب يتصدق بجلال البدن الحديث السادس والتسعون والمائة حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلاَلِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا. تقدم الكلام على هذا الحديث مستوفى في باب نحر البدن قائمة، والذي بعده. وفي الحديث من الفوائد سوق الهدي، والوكالة في نحر الهدي، والاستيجار، والقيام عليه وتفرقته، والإشراك فيه وإن وجب عليه شيء لله فله تخليصه، ونظيره الزرع يعطي عشره ولا يحسب شيئًا من نفقته على المساكين. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ سيف بن أبي سليمان في الخامس من استقبال القبلة، ومرَّ محل مجاهد وابن أبي ليلى وعلي في الذي قبله بحديث. ثم قال المصنف:

стр. 6408

باب ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ....﴾. وقع سياق الآيات كلها في رواية كريمة، والمراد منها هنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ولذلك عطف عليها في الترجمة، وما يأكل من البدن وما يتصدق، أي: بيان المراد من الآية، وقد وقع في رواية كريمة بعد قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وقبل قوله: وما يأكل من البدن وما يتصدق لفظ باب، وسقط من رواية أبي ذر وهو الصواب. وقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا﴾ اذكر إذ جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءَة ومرجعًا يرجع إليه للعبادة والعمارة، يقال: بوأ الرجل منزلًا أعده وبوأه غيره منزلًا أعطاه، وأصله باء إذا رجع، واللام في لإبراهيم مقحمة لقوله: ﴿بؤانا بني إسرائيل﴾ وقوله: ﴿تبوىء المؤمنين﴾. وقوله: "مكان البيت" أي: موضع الكعبة. قيل: المكان جوهر يمكن أن يثبت عليه غيره كما أن الزمان عرض يمكن أن يحدث فيه غيره، فإن قيل: كيف يكون النهي عن الإشراك والأمر بالتطهير تفسيرًا للتبوئة، أجيب: بأنه كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، فكأنه قيل: وإذ تعبدنا إبراهيم قلنا له: لا تشرك بي شيئًا وطهر بيتي من الأصنام والأوثان. وقوله: ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي: المصلين لأن الصلاة قيام وركوع وسجود، والركع جمع راكع، والسجود جمع ساجد، لم يذكر الواو بين الركع والسجود، وذكره بين القائمين والركع، لكمال الاتصال بين الركع والسجد إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر فرضًا أو نفلًا، وينفك القيام من الركوع فلا يكون بينهما كمال الاتصال. وقوله: ﴿وَأَذِّنْ﴾ أي: ناب عطف على قوله: "وطهر"، والنداء بالحج أن يقول: حجوا، أمر إبراهيم ﵇ أن يؤذن في الناس بالحج، وقال إبراهيم ﵇: يا رب وما يبلغ صوتي؛ قال: أذِّن، وعليّ البلاغ، وعن الحسن أن قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ كلام مستأنف، وأن المأمور بهذا التأذين محمد ﷺ أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع.

стр. 6409

وقوله: ﴿رِجَالًا﴾ أي: مشاة على أرجلهم جمع راجل، مثل قائم وقيامًا، وصائم وصيامًا. وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: وركبانًا والضامر البعير المهزول، وانتصاب رجالًا على أنه حال وعلى كل ضامر حال معطوفة على الحال الأولى. وقوله: ﴿يَأْتِينَ﴾ صفة لكل ضامر؛ لأن كل ضامر في معنى الجمع، أراد النوق. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد. وقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ أي: ليحضروا منافع لهم مختصة بهذه العبادة من أمور الدين والدنيا، وقيل: المنافع التجارة، وقيل: العفو والمغفرة. وقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ عشر ذي الحجة، وقيل: تسعة من العشر، وقيل: يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده، وقيل: أيام التشريق، وقيل: إنها خمسة أيام، أولها يوم التروية، وقيل: ثلاثة أيام، أولها يوم عرفة، والذكر هنا تدخل فيه التسمية على ما نحر، لقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ من الهدايا والضحايا من الإبل والبقر والغنم، والبهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام من الإبل والبقر والغنم. وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ الأمر بالأكل منها أمر إباحة؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبًا لما فيه من مواساة الفقراء ومساواتهم، واستعمال التواضع. وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ أي: الذي أصابه بؤس أي: شدة الفقر، وذهب الأكثرون إلى أنه غير واجب. وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: التفث حلق الرأس، وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظافر، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والوقوف بعرفة، وقيل: مناسك الحج، والتفث في الأصل الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظافر والشعث، وقضاؤه نقضه وإذهابه، وقال الزجاج: أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير، وكأنه عندهم الخروج من الإحرام إلى الإحلال. وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي: نذور الحج والهدي، وما ينذر الإنسان من أعمال البر في حجهم. وقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ أراد الطواف الواجب، وهو طواف الإفاضة والزيارة، الذي يطاف بعد الوقوف، إما يوم النحر أو بعده. وقوله: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي: الكعبة سمى العتيق لقدمه، أو لأنه عتق من أيدي الجبابرة، فلم يصلوا إلى تخريبه، فلم يظهر عليه جبار ولم يسلط عليه إلا من يعظمه ويحترمه، قلت: ولا يرد على هذا ما يقع من تخريب ذي السويقتين له في آخر الزمان؛ لأن ذلك قرب انقضاء الدنيا، وعند عدم وجود مؤمن في الأرض، ولا يرجى وجوده بعد ذلك.

стр. 6410

وقيل: لأنه لم يملك قط، وقيل: لأنه أعتق من الغرق في الطوفان. ثم قال: وقال عبيد الله: أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄: لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر، ويؤكل مما سوى ذلك، وصله ابن أبي شيبة عن ابن نمير عنه بمعناه قال: إذا اعطبت البدنة أكل منها صاحبها، ولم يبدلها إلا أن تكون نذرًا أو جزاء صيد، ورواه الطبري عن عبيد الله بلفظ التعليق المذكور، وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول مالك وزاد: إلا فدية، إلا أذى، والرواية الأخرى عن أحمد: ولا يؤكل إلا من هدي التطوع والتمتع والقِران، وهو قول الحنفية بناء على أصلهم أن دم التمتع والقِران دم نسك لا دم جبران، وعند المالكية تفصيل طويل فيما يأكل منه، وما لا يأكل. رجاله ثلاثة: قد مرّوا: مرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال: وقال عطاء: يأكل ويطعم من المتعة، وهذا وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، وروى سعيد بن منصور عن عطاء: لا يؤكل من جزاء الصيد ولا مما يجعل للمساكين من النذور وغير ذلك، ولا من الفدية، ويؤكل مما سوى ذلك، وروى عبد بن حميد عنه: إن شاء أكل من الهدية والأضحية، وإن شاء لم يأكل، ولا تخالف بين هذه الآثار عن عطاء، فإن حاصلها ما دلَّ عليه الأثر الثاني، وزعم ابن القصار المالكي أن الشافعي تفرد بمنع الأكل من دم التمتع، رمز عطاء في التاسع والثلاثين من العلم. الحديث السابع والتسعون والمائة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: كُنَّا لاَ نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلاَثِ مِنًى، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "كُلُوا وَتَزَوَّدُوا". فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: لاَ. قوله: "فوق ثلاث منى" بإضافة ثلاثة إلى منى أي: الأيام الثلاثة التي يقام بها بمنى، وهي الأيام المعدودات، قال في المصابيح: الأصل ثلاث ليالي منى، كقولهم: حب رمان زيد، فإن القصد إضافة الحب المختص بكونه للرمان إلى زيد، ومثله ابن قيس الرقيات، فإن المتلبس بالرقيات ابن قيس لا قيس، قال سعد الدين التفتزاني: وتحقيقه أن مطلق الحب مضاف إلى الرمان، والحب المقيد بالإضافة إلى الرمان مضاف إلى زيد، قال الدماميني: وفيه نظر، قلت: لم أفهم وجه نظره، واختلف في أول الثلاث التي كان الإدخار فيها جائزًا، فقيل: أولها يوم النحر فمن ضحى فيه جاز له أن يمسك يومين بعده، ومن ضحى بعده أمسك
следующие страницы →