Полный текст (6 753 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
حلة، أي: كاملة الجَوْدة، فالتنوين للتعظيم، وغلام أبي ذَرٍّ المذكور لم يُسَمَّ، ويحتمل أن يكون أبا مُرَاوح، ويأتي تعريفه في الثالث من العِتق عند روايته هناك.
وقوله: "فسألته عن ذلك" أي: عن السبب في إلباسه غلامه نظير لبسه لأنه على خلاف المألوف، فأجابه بحكاية القصة التي كانت سببًا لذلك، وسبب السؤال أن العادة جاريةٌ بأن ثياب الغلام دون ثياب سيده.
وقوله: "إني ساببتُ رجلًا" في رواية الإسماعيلي: "شاتمت" وللمؤلف في "الأدب المفرد" "كان بيني وبين رجل كلام" وزاد مسلم: "من إخواني" ومعنى ساببت: وقع بيني وبينه سِباب بالتخفيف، وهو من السبِّ بالتشديد، وهو القطع، وقيل: مأخوذ من السبَّة بالفتح، وهي حلقة الدبر، سمي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد، فعلى الأول المراد قطع المسبوب، وعلى الثاني المراد كشف عورته، لأن من شأن السباب إبداء عورة المسبوب.
وقوله: "فعيَّرته بأمه" أي: نسبته إلى العار، زاد في الأدب: "وكانت أمه أعجمية، فنِلت منها، وقلت له: يا ابن السوداء" والأعجمي من لا يفصح باللسان العربي، سواء أكان عربيًا أو عجميًا، والفاء في "فعيرته" قيل: هي تفسيرية، كأنه بين أن التعيير هو السبب على حد قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] فإن قتل الأنفس هو عين التوبة، والظاهر أنه وقع بينهما سِباب وزاد عليه التعيير، فتكون عاطفة، ويدل عليه رواية مسلم: قال: "أعيرته بأمه؟ فقلت: من سَبَّ الرجال سبوا أباه وأمه".
وقوله: "أعيرته بأمه؟ " بالاستفهام على وجه الإِنكار التَّوْبيخي.
وقوله: "إنك امرؤ فيك جاهلية" امرؤ بالرفع خبر إن، وعين كلمته تابعة للامها في أحوالها الثلاث كما مر في حديث: "إنما الأعمال" وفيك
стр. 667
جاهلية مبتدأ قُدِّم خبره، أي: فيك خصلة من خصال الجاهلية، ولعل هذا كان من أبي ذرٍّ قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خِصال الجاهلية باقية فيه، فلهذا قال كما عند المصنف في الأدب: "قلت: على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم" كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنه، فبين له كون هذه الخصلة مذمومة شرعًا، وكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره أخذًا بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط المواساة لا المساواة.
وقد جاء في سبب إلباس أبي ذَرٍّ غلامه مثل لبسه أثر مرفوع أصرح من هذا وأخص، أخرجه الطبراني عن أبي أمامة أن النبي ﷺ أعطى أبا ذرٍّ غلامًا، فقال: "أطعمه مما تأكل وألبسه مما تلبس"، وكان لأبي ذر ثوب، فشقه نصفين، فأعطى الغلام نصفه، فرآه النبي- ﷺ فسأله، فقال: قلت يا رسول الله: "أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون" قال: "نعم" وفي السياق دِلالة على جواز تعدية عيرته بالباء، وأنكره ابن قُتيبة قائلًا: إنما يُقال: عيرتُهُ أُمَّه، وتبعه بعضهم، وقال آخرون: إنها لغة، وكفى بالحديث دليلًا. وقول الشاعر:
أيُّها الشّامتُ المعَيرِّ بالدّهرِ
والرجل الذي عيره هو بلالٌ المؤذن مولى أبي بكر الصديق، روى ذلك الوليد بن مُسلم منقطعًا.
وروى البرماذي أنه لما شكاه بلال إلى النبي ﷺ ، قال له: "شتمتَ بلالًا وعيرتَه بسواد أمه؟ " قال: نعم. قال: "حَسبتُ أنه بقي فيك شيءٌ من كِبْرِ الجاهلية" فألقى أبو ذرٍّ خده على الأرض، ثم قال: لا أرفع خدي حتى يطأ بلالٌ خدي بقدمه. زاد ابن المُلَقِّن: فوطِىء خده.
ويأتي تعريف بلال في التاسع والثلاثين من الإِيمان حيث ذُكر هناك.
وقوله: "إخوانكم" يعني من جهة أن الكل أولاد آدم، فهو على سبيل
стр. 668
المجاز، أو من جهة الإِسلام، والمماليك الكفرة إما أن نجعلهم في هذا الحكم تابعين للماليك المؤمنة، أو نخصص هذا الحكم بالمؤمنة.
وقوله: "خَوَلكم" بالتحريك مبتدأ خبره إخوانكم، وقدم الخبر للاهتمام بشأن الأخوة، ويجوز أن يكونا خبرين حُذف من كلٍّ مبتدؤه، أي: هم إخوانكم هم خولكم، وأعربه الزَّركشيّ بالنصب، أي: احفظوا. قال أبو البقاء: هو أجود، لكن رواه البخاري في كتاب حسن الخلق: "هم إخوانكم" وهو يُرجح تقدير الرفع، والخَوَل -بفتح المعجمة والواو- هم الخدم، سُمّوا بذلك لأنهم يَتَخوّلون الأمور، أي: يصلحونها.
ومنه الخُوليّ لمن يقوم بإصلاح البستان، ويقال: الخول: جمع خائل، وهو الراعي، وقيل: التخويل: التمليك، يقال: خَوّلك الله كذا، أي: ملكك إياه.
وقوله: "تحت أيديكم" مجاز عن القدرة أو الملك، أي: وأنتم مالكون إياهم.
وقوله: "فليُطعِمه مما يأكُل وليُلبسه مما يلبس" أي من جنس ما يأكل، ومن جنس ما يلبس، والمثناة التحتية في فليطعمه وليلبسه مضمومة، ومن يلبس مفتوحة، والفاء في فمن عاطفة على مقدر، أي: وأنتم مالكون، ويجوز أن تكون سببية على حد قوله: فتُصبح الأرض مخضرة، ومن للتبعيض، فإذا أطعم عبده مما يقتاته كان قد أطعمه مما يأكله، ولا يلزمه أن يُطعمه من كل مأكوله على العموم من الأُدْم وطيبات العيش كما يدل عليه حديث أبي هريرة الآتي في العِتق: "فإن لم يُجْلسه معه، فليناوله لقمةً أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه قد ولي علاجه" فالمراد: المواساة لا المساواة، لكن من أخذ بالأكمل كأبي ذرٍّ فعل المساواة وهو الأفضل، فلا يستأثر المرء على عياله من ذلك وإن كان جائزًا.
وفي "الموطأ" و"مسلم" عن أبي هريرة مرفوعًا: "للمَمْلوك طعامه
стр. 669
وكِسْوته من المعروف، ولا يُكلَّف من العمل ما لا يُطيق" وهي يقتضي الرد في ذلك إلى العُرف، فمن زاد عليه كان متطوعًا، وأما ما حكاه ابن بَطّال عن مالك أنه سُئل عن حديث أبي ذر، فقال: كانوا يومئذٍ ليس لهم هذا القوت واستحسنه ففيه نظر لا يَخْفى، لأن ذلك لا يمنع حمل الأمر على عمومه في حق كل أحد بحَسَبِه. قاله في "الفتح".
قلت: في نظره نظر، لأن ما نظر فيه هو عين ما مر قريبًا من أن الأمر في ذلك موكول إلى العُرف، فكلام مالك جمعٌ بين الحديثين بيّن فيه أن حديث أبي ذر في زمن ليس لهم فيه هذا القوت المتفاوت المُحتاج فيه إلى حمل الأمر على العُرف.
قوله: "ولا تُكلِّفوهُم ما يغلبهم" أي: تعجِز قدرتهم عنه لعظمه أو لصعوبته، والنهي فيه للتحريم، والتكليف: تحميل النفس شيئًا فيه كِلفة، وقيل: هو الأمر بما يَشُقُّ.
وقوله: "فإن كلَّفتموهم فأعينُوهُم" أي: كلفتموهم ما يغلِبهم، وحُذف للعلم به، والمراد أن يُكلِّف العبد جنس ما يقدر عليه، فإن كان يستطيعه وحدَه، وإلا فلْيعِنه بغيره، ويُلحق بالعبد الأجير والخادم والضيف والدّابة.
وفي الحديث: النهي عن سب العبيد ومن في معناهم وتعييرهم بمن وَلَدهم، والحث على الإِحسان إليهم والرفق بهم، وعدم الترفع على المسلم والاحتقار له، وفيه المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإطلاق الأخ على الرقيق، وأن التفاضل الحقيقي بين المسلمين إنما هو في التقوى فلا يُفيد الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى، ويستفيد الوضيع النسب بالتقوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
رجاله خمسة:
الأول: سليمان بن حرب وقد مرّ في الرابع عشر من كتاب الإِيمان.
стр. 670
ومرّ شعبة بن الحجاج في الثالث منه أيضًا.
الثالث: واصل بن حيّان -بتشديد الياء آخر الحروف- الأحْدب الأسديّ الكوفي بيّاع السّابَرِي.
قال أبو داود والنّسائي والعجليّ وابن مَعين: ثقة. وقال ابن معين في رواية أخرى: ثبت. وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
روى عن: أبي وائل، وشريح القاضي، والمعرور بن سويد، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
وروى عنه: أبو إسحاق الشّيباني، وعبد الملك بن سعيد بن أبْجر، وشعبة، والثّوري، وجرير بن حازم. مات سنة عشرين ومئة، وقيل سنة تسع وعشرين. وقال خليفة: مات في خلافة مَرْوان بن محمَّد.
وحَيّان إن أخذ من الحين ينصرف، وإن أخذ من الحياة لا ينصرف، وكل ما في الكتب الستة فهو حيان بالياء المشددة بعد الحاء سُمًا أو كُنية ما عدا: حِبّان -بكسر الحاء وبالباء الموحدة- جد أحمد بن سنان بن حِبّان القطان، وحبّان بن موسى المَروزيّ ويأتي قبل عبد الله بن المبارك غير منسوب، روى عنه الشيخان في "صحيحيهما"، وحِبّان بن عَطية وله ذكر في "البخاري" في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وحِبّان بن العَرِقة -لعنه الله تعالى- قاتل سعد بن معاذ له ذكر في "الصحيحين" في حديث عائشة ﵂: أن سعد بن معاذ رماه رجلٌ من قريش يقال له: حبّان بن العَرِقة -بكسر الراء- وقيل: بفتحها، لقب أمه، لُقِّبت بذلك لطيب ريحها، واسمها قِلابة بنت سُعيد -بضم السين- ابن سهم وأما اسم أبيه فقَيْس، أو أبو قيس، وما عدا ثلاثة أيضًا بفتح الحاء: حَبان ابن مُنقذ -بكسر القاف وضم الميم وبالذال المعجمة- له ذكر في "الموطأ" وحفيده حَبّان بن واسع بن حبّان بن مُنقذ وحديثه في "الموطأ" والشيخين، وابن أخي واسع محمَّد بن يحيى بن حَبّان، حديثه في الثلاثة أيضًا،
стр. 671
وأما واسع بن حَبّان فحديثه في مسلم، وأشار إلى هذا سيدي عبد الله في "غرة الصباح" بقوله:
حبّان جدُّ أحمد القطّانُ ... ونَجلُ موسى عندهُم حِبّان
وابنُ عطيَّة ونجلُ العَرِقه ... وافْتح لوالدٍ لواسعِ الثِّقه
وابنِ هلالٍ، غيرهُم بالياءِ ... سُمًا وكُنيةً بلا استثناءِ
وابن هلال هو حبان الباهلي وحديثه في الصحيحين، وقال العراقي:
كَذَاك حَبّان بنُ مُنقذٍ وَمَنْ ... ولَدَه وابنُ هلالٍ واكْسِرَنْ
ابنَ عطيّةٍ مع ابن مُوسى ... ومَن رمى سعْدًا فنالَ بُوسَى
قلت: الفتح تحقيقه أنه في ثلاثة: حَبّان بن مُنقذ الصحبي، وحفيده حَبّان بن واسع، وحَبّان بن هلال لا غير، وأما واسع وابن أخيه، فحبانهما هو ابن مُنقذ.
وقلت أيضًا: اقتصار من اقتصر في المكسورِ على أربعة قصورٌ، ففي الرواة سبعة بالكسر زيادة على الأربعة المتقدمة، ذكرهم صاحب "الخلاصة"، و"تهذيب التهذيب"، وغيرهما من كتب الرجال، وهم: ابن أبي جَبَلة القُرشيّ روى عن عَمرو بن العاص، وابنه عبد الله، وابن جُزء روى عن أبيه وأبي هريرة، وابن زَيْد الشرعبي أبو خِداش روى عن عبد الله بن عَمرو، وحِبّان بن عاصم العَنبريّ البَصْري روى عن جده لأمه حَرْمَلة التَّميمي، وابن علي العَنَزي روى عن ليث بن أبي سُلَيم، وابن موسى الكِلابيّ، والذي مرّ ذكره في الأربعة هو ابن موسى السُّلميّ المَرْوزيّ، وابن يسار الكلابي أبو رُويحة روى عن محمَّد بن واسع.
والسَّابِرِي الذي واصل بياع له ثوب رقيق جيد وكل رقيق سابرِيّ. قال ذو الرُّمة:
فجاءَتْ بِنسج العنكبوت كأنَّهُ ... على عَصَوبْها سَابِرِيٌّ مُشَبرَقُ
стр. 672
ومنه المثل: "عرضٌ سابِرِي" لأنه يرغب فيه بأدنى عرض، يقوله من يُعرضُ عليه الشيء عرضًا لا يُبالغ فيه، وفي حديث حبيب بن أبي ثابت: رأيت على ابن عباس ثوبًا سابَربًّا استشف ما وراءه.
وواصل في الستة سواه خمسة.
الرابع: المعرور بن سُويد أبو أمية الكوفي.
قال ابن مَعين وأبو حاتم: ثقة. وقال العِجلي: تابعي ثقة من أصحاب عبد الله. وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وقال شُعبة عن واصل: كان المَعْرور يقول لنا: تعلموا مني يا بني أخي.
وكان كثير الحديث. روى عن: عُمر، وأبي ذر، وابن مسعود، وأم سَلَمة.
وروى عنه: واصل الأحْدب، وسالم بن أبي الجَعْد، والأعْمش، والمُغيرة بن عبد الله اليَشْكُريّ، وعاصم بن بَهدلة، وغيرهم.
قال الأعمش: رأيته وهو ابن عشرين ومئة سنة، أسود الرأس واللحية.
وليس في الستة معرورٌ سواه.
الخامس: أبو ذرٍّ الغفاري الزاهد المشهور الصادق اللهجة مختلف في اسمه واسم أبيه كثيرًا، والمشهور أنه جُنْدُب بن جُنادة بن سَكْن، وقيل: ابن عبد الله، وقيل: اسمه بَرير، وقيل: بالتصغير، وقيل: اسم أبيه عبد الله، وقيل: عِشرقةُ، وقيل غير ذلك.
والسَّكْن بن جُنادة بن قيس بن بَيَاض بن عَمرو بن مُلَيْل -بلامين مصغرًا- ابن صُعير -بمهملتين مصغرًا- ابن حَرام -بمهملتين- ابن غِفار.
وقيل: اسم جده سُفيان بن عَبيد بن حَرَام بن غِفار.
стр. 673
واسم أمه رَمْلةُ بنتُ الوقيعة غِفاريةٌ أيضًا. ويقال: إنه أخو عمرو بن عنبسة لأمه.
ووقع في رواية لابن ماجه أن النبي ﷺ قال لأبي ذرّ لما مر عليه
مضطجعًا على بطنه وَرَكضَه برجله: "يا جُنيدب -أي: بالتصغير- إنما هذه الضَّجعة ضَجْعَة أهل النار".
كان من كبار الصحابة قديم الإِسلام يقال: أسلم بعد أربعة، فكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قَدِم على النبي ﷺ المدينة عام الحُديبية. لم تتهيأ له الهجرة إلا ذلك العام، فصَحِب النبي ﷺ إلى أن مات. ثم خرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام، فلم يزل بها حتى وَلِي عليه معاويةُ من قبل عُثمان.
وكان أبو ذر غالبًا عليه الزُّهد والتَّعبُّد، فكان يعتقد أن جميع ما يَفضُل عن الحاجة كنزٌ فإمساكه حرام، فوقع بينه وبين معاوية نزاعٌ في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية فشكاه إلى عثمان فأقْدَمَه عُثمان المدينة فَزَهد فيما بأيديهم، واستأذن عثمان في سُكناه الرَّبَذَةَ.
وكان رسول الله ﷺ أذن له في البَدو، فأقام بها في موضع منقطع حتى مات بها.
ويأتي إن شاء الله تعالى شأن موته وقصة إسلامه في "الصحيحين" على صفتين بينهما اختلافٌ ظاهرٌ.
فعند البخاريّ من طريق أبي حَمْزة عن ابن عَبّاس قال: لما بلغ أبا ذَرٍّ مَبْعثُ النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يَزْعم أنه نبيّ يأتيه الخبر من السماء، واسْمع من قوله ثم ائتِني.
فانطلق الأخ حتى قدِم وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال
стр. 674
له: رأيتُه يأمُر بمكارم الأخلاق، ويقول كلامًا ما هو بالشعر، فقال: ما شَفَيْتني، فَتَزَوَّد، وحمل شَنَّةً فيها ماءٌ حتى قَدِم مكة، فأتى المسجد فالتَمَس النبيّ ﷺ وهو لا يعرفه، وكره أن يَسأل عنه حتى أدركه الليل فاضطجع فرآه عليٌّ فَعَرف أنه غريب فقال له: انطلق معي إلى المنزل، فانطلق معه لا يسألُ واحدٌ منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم احْتمل قربَتَه وزادهُ إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ولا يرى النبيَّ ﷺ حتى أمْسَى، فعاد إلى مَضْجعه، فمر به عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعرف مَنزله؟ فأقامه، فذهب به معه لا يسأل أحدٌ منهما صاحِبَه عن شيء حتى إذا كان. اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه فقال: ألا تُحدِّثني ما الذي أقْدَمك: قال: إنْ أعطيتني عهدًا وميثاقًا أن تُرشدني فَعَلتُ، ففعل فأخبره، فقال: إنه حق وإنه رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحتَ فاتَّبِعني إن رأيت شيئًا أخافُهُ عليك قمتُ كأنى هَريق الماء فإن مضيت فاتَّبِعني حتى تدخل مَدْخَلي، ففعل فانطلق يَقْفُوه حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه وسمع من قوله فأسلم مكانه، فقال له النبيُّ ﷺ : ارجع إلى قومك فأخْبرهم حتى يأتيك أمري، فقال: والذي نفسي بيده لأصْرخَنَّ بها بين ظَهرانِيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسولُه. فقام القوم إليه فضربوه حتى أضْجعُوه، وأتى العباس فأكَبَّ عليه وقال: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غِفار وأنه طريق تجارتكم إلى الشّام، فأنْقذه مِنهُم ثمَّ عاد من الغد لمثْلها، فضربوه وثاروا عليه، فأكَبَّ العباس عليه أيضًا، حتى أنْقذهُ منهم.
هذه إحدى الطريقتين، وعند مسلم من طريق عبد الله بن الصامت عن أبي ذرٍّ في قصة إسلامه، وفي أوَّله: صَلَّيْت قبل أنْ يُبعَث النبي ﷺ بثلاث سنِين لله تعالى، أتوجَّه حيثُ وجّهني ربّي أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل، أُلقيتُ كأني خفاء حتى تعلو في الشمس والخفاء كالكِساء زنَةً ومعنىً.
قال وكنا نزلنا مع أُمنا على خال لنا، فأتاه رجل، فقال له: إن أُنيسًا
стр. 675
يخلفك في أهلك. فبلغ ذلك أخي، فقلنا: والله لا نُساكنُه بعد هذا، فارتحلنا، فانطلق أخي فأتى مكة، ثم قال لي: أتيتُ مكة فرأيتُ رجلًا بمكةَ على دينِك يزعم أن الله تعالى أرسله. قلت: فما يقول النّاس؟ قال: يقولون شاعرٌ كاهنٌ ساحرٌ. وكان أُنيسٌ شاعرًا. قال أُنيْس: لقد سمعتُ قولَ الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قولَه على أمراء الشعراء فما يلْتَئمُ على لسان أحدٍ بعهدي أنه شعر. والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
قال أبو ذَرّ: قلت: فاكْفني حتى أذهب فأنْظُر. قال: فأتيتُ مكة فَتَضَعَّفتُ رجلًا منهم، فقلت له: أين هذا الذي تدعونَه الصّابىء؟ فأشار إليّ فقال: الصابىء؟ فمال علي أهل الوادي بكل مَدَرة وعَظم حتى خَرَرتُ مغشيًّا عليّ، قال: فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأني نُصُب أحْمر، فأتيت زمزَمَ فغسلت عني الدماء، وشربتُ من مائها. ولقد لبثْت ثلاثين بين ليلة ويوم مختبئًا بين الكعبة وأستارها ما كان لي طعامٌ إلا ماء زمزم، فَسَمنْتُ حتى تكسرتْ عُكَنُ بطني، وما وجدتُ على كبدي سَخْفَةَ جوعٍ.
قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إِضْحيان، إذ ضُرب على أسمخَتهم، فما يطُوف بالبيت أحدٌ، وامرأتان منهم تدعوان أُسافًا ونائلة. فأتتا علي في طوافهما، فقلت: أنكحا إحداهما الأُخرى فما تناهَتَا عن قولهما، ثم أتتا عليّ فقلت: هَنٌ مثل الخشبة غير أني لا أُكْني، فانطلقتا تُولولان وتقولان: لو كان ها هنا أحدٌ من أنفارنا، فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر وهما هابطان. قال: مالكما؟ قالت: الصابىءُ بين الكعبة وأستارها، قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال كلمة تملأ الفم.
وجاء رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته كنتُ أنا أوّل من حيّاه بتحيةِ الإِسلام، فقلت: السلامُ عليك يا رسول الله، فقال: وعليكَ السلام ورحمةُ الله، ثم قال: من أنت؟ قلتُ: من غِفار. فأهوى بيده، فوضع يده على
стр. 676
جبهتي، فقلتُ في نفسي كَرِه أنْ انْتَميتُ إلى غِفار، فذهبتُ آخُذ بيده، فَقَدَعَني صاحبُه، وكان أعلم به مني، ثم رفع، ثم قال: متى كنت ها هُنا؟ فقلت: قد كنت ها هنا من ثلاثين بين يوم وليلة. قال: فمن كان يُطعمك؟ قلت: ما كان لي طعامٌ إلا ماء زمزم، فسَمنت حتى تكسرت عُكنُ بطني، وما أجد على كبدي سَخْفَة جوع. فقال: إنها مباركة، إنها طعام طُعْم.
قال أبو بكر: يا رسول الله، ائْذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر، وانطلقتُ معهما ففتح أبو بكر بابًا، فجعل يَقْبض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك أول طعام أكلته بها، ثم غبَرْتُ ما غَبَرْتُ، ثم أتيتُ رسول الله ﷺ ، فقال: إنه قد وجهت لي أرضٌ ذاتُ نخيل لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغٌ عني قَومَك عسى الله أن ينفعهم بك، ويأجُرَك فيهم؟ فأتَيتُ أُنَيسًا، فقال: ما صنعت؟ قلت: إني قد أسلمت وصَدَّقتُ، قال: ما بي رغبة عن دينك، إني قد أسلمت وصدقتُ.
فأتينا أُمّنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، إني قد أسلمت وصدقتُ.
فاحتملنا حتى أتينا قومنا غِفارًا فأسلم نصفُهم، وكان يؤُمُّهم إيماء بن رَخْصة الغِفاريّ، وكان سيدهم.
وقال نصفهم إذا قَدِم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم النصفُ الباقي فجاءتْ أسْلَمُ وقالوا: يا رسول الله، إخوتنا نُسْلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا، فقال رسول الله ﷺ : غفارٌ غفر الله لها، أسْلَم سالَمَها الله اهـ.
وقال الأبيُّ: بين المتنين اختلافٌ يَبْعُد معه الجمع بينهما. وكل من المتنين صحيح، فالله أعلم أي المتنين هو الكائن.
وروى عنه ﷺ أنه قال: أبو ذر في أمتي شَبيهُ عيسى ابن مريم في زهدهْ وبعضهم يرويه من سَرَّهُ أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فَلْيَنْظُرْ
стр. 677
إلى أبي ذَرٍ.
ورُوي عنه ﵊ أنه قال: ما أظلتِ الخضراءُ ولا أقلتِ الغَبراء أصدَق لهجةً من أبي ذَر. وأخرج أبو داود بسنَد جيد عن علي ﵁، أبو ذر وعاء ملىء علمًا، ثم أوكيَ.
وأخرج الطّبراني من حديث أبي الدّرداء: كان رسول الله ﷺ يبتدىء أبا ذر إذا حضر، ويَتفقَّدهُ إذا غاب.
وأخرج أحمد من طريق عِراكٍ بن مالك، قال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة يوم تَركْتُهُ فيها، وإنه، والله، ما منكم من أحد إلا وقد نَشِب فيها بشيء غيري.
ولابن إسحاق عن ابن مسعود: كان لا يزال يَتَخلَّف الرجل في تبوك، فيقولون: يا رسول الله: تَخَلَّف فلان. فيقول: دعوه فإن يَكُن فيه خير فسَيُلْحقُهُ الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحَكم الله منه. فَتَلوّم أبو ذر على بعيره، فأبْطأ عليه، فأخذ متاعهُ على ظهره، ثم خرج ماشيًا، فنظر ناظرٌ من المسلمين فقال: إن هذا الرجل يمشي. فقال رسول ﷺ : كن أبا ذَر. فلما تأمّلَت القوم قالوا: يا رسول الله، هو، والله، أبو ذر فقال: يرحَمُ الله أبا ذر، يعيشُ وحده، ويموتُ وحده، ويُبعثُ وحده.
وكان أبو ذر ﵁ طويلًا أسمَرَ اللون نحيفًا.
وقال أبو قُلابة عن رَجلٍ من بني عامر: دخلتُ مَسجِد مِنًى، فإذا شيخ مَعْروقٌ آدمُ، عليه حُلّةُ قَطَريّ، فعرفت أنه أبو ذر بالنّعت.
وقال فيه أبو داود: كان يوازي عبد الله بن مسعودٍ في العلم، ولم يَشهد بدرًا ولكن عمر ألحقه بهم.
وقال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يحركُ طائرٌ جناحَيْه في السماء إلا ذَكَرنا مِنه عِلْمًا.
стр. 678
ورُوي عنه أنه قال: كان قوتي على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من تمر، فلستُ بزائد عليه حتى ألقى الله تعالى.
ورُوي عن عبد الرحمن بن غَنْم أنه قال: كنتُ عند أبي الدّرداء إذ دخل رجلٌ من أهل المدينة، فسأله، فقال: أين تركت أبا ذر؟ قال: بالرّبَذَةِ، فقال أبو الدرداء: إنا لله وإنا إليه راجعون، لو أن أبا ذر قطع مني عُضوًا ما هِجتُه لِما سمعت من رسول الله ﷺ يقول فيه.
له عن رسول الله ﷺ مئتا حديث وأحد وثمانون اتفقا على اثني عشر منها، وانفرد البُخاري بحديثين، ومسلمٌ بسبعة عشر.
روى عنه من الصحابة أنسٌ وابن عباس، وخلق كثير من التابعين منهم أبو إدريس الخَوْلاني وزيدُ بن وَهْب الجُهنيّ والأحنف بنُ قيس وجُبير ابن نُفَيْر وسعيد بن المُسيّب وعبد الله بن الصّامت وعطاء بن يَسَار وغيرهم.
ومرّ أنه مات بالرّبَذة، وكان موته بها سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه عبد الله بن مسعود، صادفه وهو مقبلٌ من الكوفة مع نفرٍ من فُضلاء أصحابه. وقيل: مقبلٌ من المدينة إلى الكوفة، فدُعِي إلى الصلاة عليه وحضوره، فقال ابن مسعود: من هذا؟ قيل: أبو ذر، فبكى طويلًا وقال: أخي وخليلي، عاش وحده، ومات وحده، ويبعث وحده، طوبى له. فَشَهِد موته وغَمّضوا عينيه، وغسلوه وكفنوه.
ومن حديث أم ذر زوجة أبي ذر قالت: لما حضرت أبا ذرّ الوفاة، بكيتُ، فقال لي. وما يُبكيك؟ فقلت: وما لي لا أبكي وأنت تموت بِفَلاةٍ من الأرض، وليس عندي ثوبٌ يَسَعُك كفنًا لي ولا لك، ولا يَدَ لي بالقيام بِجهازِك؟ قال: فأبشري ولا تبكي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يموتَنَّ بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويَحْتسبان فَيَريان النار أبدًا. وقد مات لنا ثلاثةٌ من الولد. وإني سمعت النبيّ ﵊ يقول لنفرٍ أنا فيهم: ليموتن رجلٌ منكم بفلاةٍ من الأرض يشهده عِصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة.
стр. 679
فأنا ذلك الرجلُ، والله ما كَذَبتُ ولا كُذِبْتُ، فأبصري الطريق. قلت أنّى وقد ذهب الحاجُّ وتقَطّعت الطريق. قال: اذهبي فَتَبصَّري. قالت: فكنتُ اشْتدُّ إلى الكثيب فانظر ثم أرجع إليه فأُمَرِّضُه. فبينما هو وأنا كذلك، إذ أنا برجالٍ على رواحلهم كأنهم الرّخم تَحُثُّ بهم رواحِلهم، فأسرعوا إليّ حتى وقفوا عليّ فقالوا: يا أمَةَ الله، مالك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت تُكفنونه؟ قالوا: ومن هو؟ قلتُ: أبو ذَرّ. قالوا: صاحبُ رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم. ففَدوْه بآبائهم وأمهاتهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه، فقال: أبشروا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لِنَفرٍ أنا فيهم: ليموتَنَّ رجلٌ منكم بفلاةٍ من الأرض يشهَدُهُ عِصابة من المؤمنين، وليس من أولئك النفرُ أحدٌ إلَّا وقد مات في قرية وجماعة، والله ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ، ولو كان عندي ثوبٌ يَسَعُني كفنًا لي أو لامرأتي، لم أكَفِّن إلا في ثوبٍ هو لي أولها، وإني أنشُدُكُم الله أن لا يكفِّنَنِي رجلٌ منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا أو نقيبًا. وليس من أولئك النفر أحدٌ إلا وقد قارَفَ بعض ما قال، إلا فتى من الأنصار، فقال: يا عمّ أنا أكفنك في ردائي هذا، وفي ثَوبين في عَيْبَتي من غَزْل أمِّي. قال: أنتَ تكفنني.
فكَفَّنَه الأنصاري وغسله في النفر الذين حضروه، وقاموا عليه ودفنوه في نفرٍ كلهم يمانٍ.
وقال المدائِنِيّ: إن ابن مسعود بعد صلاته عليه قَدِم المدينة، ومات بعده بقليل.
وليس في الصحابة أبو ذرٍ سواه إلا واحد له عند تقي الدين بن مُخْلد حديثٌ، وقيل: هذا هو أبو ذَرّةَ بن مَعَاذ بن زُرَارَة الأنصاري، وليس في الستة أبو ذر سواه.
والغفاريُّ في نسبه نسبةً إلى جده غِفار بن مُليْل بن ضَمْرة بن كِنَانة ابن خزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مُضر بن نِزار.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسّؤال، وفيه بَصْريّ
стр. 680
وواسطي وكوفيان، وفيه بيانُ الراوي مكان لَقِيه الصحابيّ وسؤاله له الداعي إلى تحديث الصحابي ﵁، له.
أخرجه البخاري هنا، وفي العِتْق عن آدم، وفي الأدَب عن عَمرو ابن حَفْص بن غياث، ومسلم في كتاب الأيْمان والنُّذُور عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وغيره، وأبو داود برواية غير هذه، والتِّرمِذِيّ برواية أخرى أيضًا.
ثم قال المصنِّف:
باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فسماهم المؤمنين
باب بالتنوين، ففي رواية الأصيلي، وغيره، فصلَ هذه الآية والحديثَ التالي لها بباب كما ترى، وأما رواية أبي ذر عن مشائِخِه، فأدْخل ذلك في الباب السابق بعد قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ولكن سَقَط حديثُ أبي بَكْرَة من رواية المُسْتَملي.
والطائفة: القطعةُ من الشيء، ويطلقُ على الواحد فما فوقه عند الجمهور. وأما اشتراط حضور أربعة في رَجْم الزاني مع قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] فالآية واردة في الجَلْد ولا اشتراط فيه. والاشتراط في الرّجم بدليل آخر.
وأما اشتراط ثلاثة في صلاة الخوف مع قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] فذاك لقوله تعالى ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فذكره بلفظ الجمع، وأقلُّه ثلاثة على الصحيح. كذا قال في الفتح.
قلت: ما قاله جار على مذهبه، وأما مذهبُ مالك، فالمُشْترط عنده حضور اثنين. وقال ابن العَرَبيّ: الصحيح سقوط العدد واعتبار الجماعة التي يقع بها التّشْديد والتشهير من غير حَدّ.
ومذهبه أيضًا في صلاة الخوف إمكانُ التركِ لبعضٍ وقتالِ بعض.
стр. 681
فلو كان العَدوُّ واحد والمسلمون ثلاثة أمْكن القَسم بأن يصلي الإِمام بواحد ويَدَع واحدًا مواجهًا للعدو.
ومذهبه أنَّ أقلّ الجمع اثنان لقوله تعالى ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] ولقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وكون الطائفة تطلق على الواحد فما فوقه هو مذهب الجمهور كما مر، وهو منقولٌ عن ابن عباس والنَّخْعيّ ومُجاهد. وعن عطاء وعِكرمة وابن زَيْد أربعة. وعن ابن عباس أيضًا من أربعة إلى أربعين.
وعن الزّهري ثلاثة. وعن الحَسن عشرة، وعن مالك أقلُ الطائفة أربعة.
كذا أطلق ابن التين ومالك إنما قاله فيمن يحضر رَجْم الزاني، قاله في الفتح، وقد مر بك قريبا مذهب مالك في ذلك. وعن رَبِيعة خمسة.
وقال الرّاغب لفظُ طائفة يراد بها الجمع، والواحدُ طائفٌ. ويراد بها الواحد، فيصح أن يكون كراوِية وعَلّامَة، ويَصِحّ أن يُراد به الجمع، وأطلق على الواحد. وقال عطاء: الطائفة اثنان فصاعدا، وقَوّاه أبو إسحاق بأنَّ لفظ طائفة يُشعر بالجماعة، وأقلُّها اثنان، وتعقب بأنَّ الطائفة في اللغة القطعةُ من الشيء فلا يتَعَّين فيه العدد. وقوله تعالى ﴿اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] أي: تقاتلوا. والجمع باعتبار. المعنى، فإن كل طائفةٍ جمع. وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] أي: بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى. وقوله: "فسمّاهم المُؤمنين".
هذا استدلال من المصنف على أن المؤمن إذا ارتكب معصية لا يَكفُر، لأنه تعالى أبقى عليه اسم المؤمن مع القتال. فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات: ٩] ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
стр. 682
الحديث الرابع والعشر ون
٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
قوله: "ذهبت لأنصر هذا الرجل" أي: لأجل، والرجل هو علي بن أبي طالب كما في مسلم من هذا الوجه، وأشار إليه المصنف في الفتن بلفظ: "أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" وكان ذلك يوم الجمل، وعلي يأتي تعريفه في السابع والأربعين من كتاب العلم عند أول ذكر المؤلف له.
قوله: "فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل" أي: أريد مكانًا، لأن السؤال عن المكان، والجواب بالفعل، فيؤول بذلك، وأنصر، أي: لكي أنصر.
وقوله: "فالقاتل والمقتول في النار" معناه أنهما يستحقان الكون في النار، ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلًا.
وقيل: هو محمول على من استحل ذلك، ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلّدون في النار، إذ لا يلزم
стр. 683
من قوله: "فهما في النار" استمرار بقائهما فيها، كما لا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة، فالقاتل يعذب على القتال والقتل، والمقتول يعذب على القتال فقط، واحتج به من لم ير القتال في الفتنة، وهم كل من ترك القتال مع علي في حروبه، كسعد ابن أبي وقّاص وعبد الله بن عُمر، ومحمد بن مَسْلمة، وأبي بَكْرة، وغيرهم، وقالوا: يجب الكف والجلوس في البيوت حتى لو أراد أحدٌ قتله لم يدفعه عن نفسه، ومنهم من قال: يلزم التحول عن بلد الفتن أصلًا، ومنهم من قال: لا يدخل في الفتنة، فإن أراد أحدٌ قتله دفع عن نفسه، وكذا عن ماله وأهله، وهو معذور إن قَتَل أو قُتل، وفصَّل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة فالقتال حينئذٍ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك وهو قول الأوْزاعيّ.
قلت: وحديث حُذَيفة الآتي في الفتن صريح في هذا وهو قوله: قلت: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ قال: فاعتزل الفرقَ كلها ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.
قال الطّبريّ: والصواب أن يقال أن الفتنة أصلها الابتلاء، وإنكار المنكر واجب على كل من قَدَر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطىء أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها.
وذهب آخرون إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين، وأن النهي مخصوص بمن خُوطب بذلك، وقيل: إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان، حيث يحصُلُ التحقق أن المقاتلة إنما هي في طلب المُلك، وقد وقع في حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: "أيام الهَرْج" قلت: ومتى؟ قال: "حين لا يَأمَنُ الرجل جليسه" وحديث ابن مسعود المذكور هو ما أخرجه أحمد في ذكر الفتن، قلت:
стр. 684
يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: "كُفَّ يدك ولسانك وادخل دارك" قلت يا رسول الله: أرأيت إن دخل رجلٌ على داري؟ قال: "فأدخل بيتك" قال: قلت: أرأيت إن دخل علي بيتي؟ قال: "فادخل مسجدك" وقَبَض بيمينه على الكوع "وقل ربيَّ الله حتى تموت على ذلك".
وعند الطبراني من حديث جُنْدُب: "ادخُلوا بيوتكم، وأخملُوا ذكركم. قال: أرأيت إن دُخل على أحدنا بيته؟ قال: "ليمسكْ بيده، وليكن عبد الله المقتول لا القاتل".
ولأحمد وأبي يَعْلى من حديث خَرَشَة بن الحرُّ: "فمن أتت عليه فليمْشِ بسيفه إلى صفاةٍ، فلْيضربه بها حتى ينكسر، ثم ليضطجعْ لها حتى تَنْجلي" وفي حديث أبي بَكرة عند مسلم، قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أُكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين، فجاء سهمٌ، أو ضربني رجل بسيفه؟ قال: "يبوءُ بإثمه وإثمك .. الحديث".
وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضَعُف عن القتال أو قَصُرَ نَظره عن مَعْرفة صاحب الحق.
واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك. ولو عُرف المُحقّ منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله عن المخطىء في الاجتهاد، بل ثبت أنّه يُؤجر أجرًا واحدًا، وأنَّ المصيب يؤجر أجرين، كما أخرجه البخاري في كتاب الأحكام.
وحَمَلَ هؤلاء الأحاديث على من قاتل بغير تأويل سائغ، بل بِمُجرد طلب المُلْك. ولا يُرَدُّ على ذلك منعُ أبي بَكرة الأحْنَف من القتال مع عليّ، لأن ذلك كان عن اجتهاد منه أدّاهُ إلى الامتناع والمنع، احتياطًا لنفسه ولمن نصحه. وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بَكرَة، وشهد مع عليّ باقي حروبه.
стр. 685
قال الطّبريّ: لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهَرَبُ منه بنزول المنازِلِ وكَسْر السيوف لما أُقيم حدُّ ولا أُبْطل باطل، ولَوَجَد أهْلُ الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المُحرّمات من أخْذ الأموال، وسفكِ الدّماء وسَبْي الحريم، بأنْ يحاربوهم ويكفّ المسلمون أيديهم عنهم، بأن يقولوا: هذه فتنة وقد نُهينا عن القتال فيها. وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السُّفهاء.
وقد أخرج البَزّار في حديث القاتل والمقتول في النار زيادة تُبيّن المراد، وهي "إذا اقْتتلتُم على الدُّنيا فالقاتلُ والمقتول في النار" ويؤيِّده ما أخرجه مسلم بلفظ "لا تَذْهبُ الدنيا حتى يأتي على الناس زَمانٌ لا يدري القاتلُ فيم قَتَل ولا المقتول فِيم قُتِل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج القاتل والمقتول في النار".
قال القُرطُبيّ: فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جَهْل من طلب الدنيا أو اتباع هوى فهو الذي أريد بقوله: القاتل والمقتول في النار.
قال في "الفتح" ومن ثَمَّ كان الذين توقَّفُوا عن القتال في الجَمل وصِفِّين أقلَّ عددًا من الذين قاتلوا، وكلُّهم متأوِّلٌ مأجورٌ إن شاء الله تعالى، بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا.
قلت: قوله أقلُّ عددًا، الظاهر لي أنه إنما يصح إذا حُمِل على مطلق الصحابة. وأما كبارُ الصحابة الأقدمون فأكثرهم هو الذي توقّف عن القتال. ويؤيده ما مر ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة، رَفَعَه، "من كان تحتَ رايةٍ عُمّيّة يغْضَبُ لعَصَبة أو يدعو إلى عَصَبَة أو يَنْصُر عصبة فقُتِل فقِتلَتُهُ جاهلية" والعمّية بضم العين وكسرها وتشديد الميم فيهما: الكِبْرُ أو الضلال، وكَغَنيَّة أيضًا، وبِضم العين: الغِواية واللّجاج.
وقد ورد في اعتزال الأحنف القتال في وقعة الجمل سببٌ آخر، فأخرج الطّبرِيُّ بسند صحيح عن حُصين بن عبد الرحمن عن عَمرو بن جاوان
стр. 686
قال: قلت: أرأيت اعتزال الأحنف ما كان؟ قال: سمعت الأحنف قال: حججنا فإذا الناس مجتمعون في وسط المسجد النبوي وفيهم عليٌّ وطَلحة والزُّبير وسَعْد إذ جاء عثمانُ فذكر قصة منا شدته لهم في ذكر مناقبه، قال الأحنف: فلقيت طلبة والزبير، فقلت: إني لا أرى هذا الرجل -يعني عثمان- إلا مقتولا فمن تأمُرانِّي به؟ قالا: علي، فقدمنا مكّة، فلقيت عائشة وقد بَلَغَنا قتلُ عثمان، فقلت لها: من تأمريني به؟ قالت: عليّ، قال: فرجعنا إلى المدينة، فبايعتُ عليًا، ورجعت إلى البصرة فبينما نحن كذلك، إذ أتاني آت فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير، نزلوا بجانب الخُرَيْبة يَسْتنصرون بك، فأتيتُ عائشة فذكرتها بما قالت لي، ثم أتيت طلحة والزبير فذكرتهما، فذكرا القصة، وفيها فقلت: والله لا أقاتلكم وفيكم أُم المؤمنين وحواري رسول الله ﷺ ، ولا أقاتل رجلًا أمرتموني ببَيْعته، فاعتزل القتال مع الفريقين.
ويمكن الجمع بأنه هَمَّ بالترك ثم بدا له في القتال مع علي ثم ثَبَّطه عن ذلك أبو بَكْرة، أو هَمَّ بالقتال مع علي فثبطه أبو بَكْرة، وصادف مراسلة عائشة له، فرجح عنده التَّرْك.
وأخرج الطّبريُّ أيضًا عن قَتَادة قال: نزل عليُّ بالزاوية فأرسل إليه الأحنف: إن شئت أتيتك، وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إليه كفّ من قدرتَ على كفه.
قوله: قلت وفي رواية، فقلت. وقوله هذا القاتل، أي يستحق النار لكونه كان ظالمًا.
وقوله: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" استدَلَّ به من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم، وإنْ لم يقع الفعل، وأجاب من لم يقل بذلك بأن فيه فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال، ومرّ الكلام مستوفىً غايَةَ الاستيفاء على هذه المسألة في باب قول النبي ﷺ "أنا أعلمكم بالله" اهـ.
стр. 687
رجاله سبعة:
الأول: عبد الرحمن بن المُبارك بن عبد الله العيْشي الطُّفاوي ويقال: السّدوسي أبو بكر، ويقال: أبو محمَّد البَصْريّ الخُلْقاني.
قال أبو حاتم: ثقة. ووثقه العِجليّ، وأبو بكر البزار في "مسنده" وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وفي "الزهرة" روى عنه البخاري عشرة أحاديث.
روى عن: وُهيْب بن خالد، وأبي عَوانة، وفُضيل بن سليمان، وحمّاد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطّان، وغيرهم.
وروى عنه: البُخاري، وأبو داود، والنّسائي بواسطة، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن سُفيان، ومعاذ بن المُثنى، وأحمد بن إبراهيم الدّوْرقيّ، وغيرهم.
مات سنة ثمان أو تسع وعشرين ومئتين.
وليس في الستة عبد الرحمن بن المبارك سواه.
والطُّفاوي في نسبه نسبة إلى طُفاوة -بضم الطاء- حي من قيس عَيْلان، وهي طُفاوة بنت جرم بن ربان أم ثعلبة، ومعاوية وعامر أولاد أعصر بن سعد بن قيس عَيْلان ولا خلاف أنهم نُسبوا إلى أمهم، وأنهم من أولاد أعصر، وإن اختلفوا في أسماء أولادها. وقيل: إن طُفاوة اسمه الحارث بن أعْصُر، إليه ينسب كل طُفاوي، وحكي أن راسبا وطفاوة اختصموا إلى هَبَنَّقَة الذي يُضرب به المثل في الحمق كل منهما يدعي رجلًا أنه منهم، فقال: القوه في نهر البصرة فإن طفا فطُفاويّ، وإن رسب فراسِبيّ: فقال الرجل: لا حاجة لي بالحيين وانصرف يعدو. والخُلقاني في نسبه بالضم والسكون نسبة إلى بيع خُلقان الثياب بالضم. والعَيْشي في نسبه بفتحِ العين وسكون الياء آخر الحروف، وبالشين المعجمة نسبة
стр. 688
لعائشة بنت تيْم الله. وقد يؤتى بذلك نسبة إلى عائشة بنت طلحة أحَدِ العَشرَة كعُبَيد الله بن محمَّد بن جَعْفر.
هذا الذي قاله الشيخ زكريا في شرح ألْفيَّة العراقيّ. وقال النّوويّ: إنه نسبة إلى عائش بالتذكير بن مالك بن تيم الله بن ثَعْلبة. وكان الأصل فيه العائِشِيّ، ولكنهم خففوه.
ووافقه في تاج العروس على أن اسمه عائش بالتذكير، فقال: وبنو عائش بن مالك بن تيم الله إليه ينسب الصّعق بن حَزْن العائشيّ وغيره من العائشيِّين، لكنه لم يجعل النسبة إليه عَيْشيّ كما فعل النوويّ.
وقال بعد ذلك: وبنو عائشة بطن، والنسبة إليهم عائِشِيّ، ولا تقل العَيْشيّ، ثم قال بعد ذلك: وعُبيد الله بن محمَّد بن حَفْص العَيْشيّ نسبة إلى جدّته عائشة، سمع حمّاد بن سَلَمَة.
قلت: فتحصل من كلامه أنه موافق في أن النسبة لعائشة بنت طلحة عَيْشيّ، ومخالف في النسبة إلى عائش بن مالك، فإنه جعله مذكرًا لا مؤنثًا، كما قال الشيخ زكريا.
والغالب أن هذه النسبة خاصة بالبصريين كما أن الغالب في الشاميين العَنْسيّ بفتح العين وسكون النون نسبة إلى عَنْس حيٍ من اليمن، لَقَب زيد بن مالك بن أُدد، منهم عَمرو بن هانىء العَنْسي، تابعيٌ.
والغالب في الكوفيين العَبْسيّ، بفتح العين وسكون الباء الموحدة، نسبة إلى عَبْس بن بَغِيض بن رَيْت، أبو قبيلة من غَطَفان، منهم عُبيد الله بن موسى العَبْسي وإلى هذا أشار العراقي في "ألفيته" بقوله:
في الشام عَنْسيٌّ بنونٍ وَبِيا ... في كوفةٍ، والشينُ واليا غَلَبا
والسّدوسي في نسبه مرّ الكلام عليه في قتادة بن دُعامة اهـ.
стр. 689
الثاني: حماد بن زيد بن دِرهم أبو إسماعيل الأزرق الأزْديّ البَصريّ الجَهْضميّ، مولى جَرير بن حازم. قال ابن مَهديّ: ما رأيت أحفظ منه ولا أعلم بالسنة، ولا أفقه بالبصرة، وقال أيضًا: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سُفيان الثَّوريّ بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعيّ بالشام، وحمّاد بن زيد بالبصرة.
وقال أيضًا: ما رأيت أعلم من هؤلاء، فذكرهم، سوى الأوزاعي، وقال أحمد حمّاد بن زيد، إمام من أئمة المسلمين من أهل الدين والإِسلام: وهو أحب إليّ من حمّاد بن سَلَمة وعبد الوارث. وقال ابن سعد: كان حماد بن زيد ثقة ثبتًا حجة كثير الحديث عثمانيا وأنشد فيه ابن المبارك:
أيُّها الطّالبُ علمًا .... إيْتِ حمّادَ بنَ زَيدِ
فَخُذ العِلمَ بحلْمٍ ... ثُمَّ قَيِّدهُ بِقيدِ
وَدَع البِدْعَة من آ .... ثار عَمرو بن عُبيد
وقال قطر بن حَمَّاد: دخلت على مالك فلم يسألني عن أحد من أهل البصرة إلَّا عن حمّاد بن زيد.
وقال يزيد بن زُريع، وقد سئِل: ما تقول في حمّاد بن زَيْد، وحمّاد ابن سَلَمة أيهما أثبت؟ قال: حمّاد بن زَيْد. وكان الآخر رجلًا صالحًا.
وقال وكيع، وقد قيل له أيهما أحفظ؟ حماد بن زيد. ما كنا نُشَبهه إلا بمِسعَر. وقال يحيى بن يحيى النَّيْسابوريّ: حماد بن زيد ما رأيت أحفظَ منه. وقال يحيى بن معين: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث، وابن عَليّة والثَّقفيّ وابن عُيينة، وقال أيضًا؛ ليس أحدٌ أثبتَ في أيّوب منه. وقال أيضًا: من الناس جميعًا. فالقول قوله في أيوب.
وقال أبو زرعة حماد بن زيد أثبت من حماد بن سَلَمة بكثير، وأصح
стр. 690
حديثًا، وأتقنُ، وقال أبو عاصم: مات حماد بن زيد يَوم مات ولا أعلم له في الإِسلام نظيرًا في هيئته ودَلِّه.
وقال خالد بن خِداش: كان من عُقلاء الناس، وذوي الألباب، وقال يزيدُ بن زُريع يوم مات: اليوم ماتَ سيد المسلمين. وقال أبو الوليد: ترون حماد بن زيد دون شُعبة في الحديث.
وقال عبد الله بن مُعاوية الجُمَحيّ: حدثنا حماد بن زيد بن دِرهم وحمادُ بن سَلَمة بن دينار وفَضْل ابن سَلَمة على ابن زيد كفضل الدينار على الدرهم.
وقال ابن حِبّان في الثقات، وقد وَهِم من زعم أن بينهما كما بين الدينار والدرهم إلا أن يكون القائل أراد فضل ما بينهما مثل الدينار والدرهم في الفضل والدين لأن حماد بن سلمة كان أفْضل وأدْيَنَ وأورع من حماد ابن زيد.
وقال يعقوب بن شَيْبة: حماد بن زيد أثْبتُ من ابن سَلَمة، وكلٌ ثقة، غير أن ابن زَيْد معروف بأنه يُقصِّر في الأسانيد، ويُوقفُ المرفوع، كثير الشك بِتوقِّيه، وكان جليلا لم يكن له كتاب يُرجع إليه، فكان أحيانا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانا يهاب الحديث ولا يرفعه، وكان يُعَدُّ من المُتَثَبِّتين في أيّوب خاصةً.
حدثني الحارث بن مِسكين عن ابن عُيَيْنة قال: لربما رأيت الثَّوريّ جاثيًا بين يدي حماد بن زيد.
وقال ابن أبي خَيْثمة: سأل إنسانٌ عُبيد الله بن عُمر: كان حمّادٌ أُمِّيًّا؟ قال: أنا رأيته وأتيته يوم مطر وهو يكتب ثم ينفخ فيه ليجف. قال: وسمعت يحيى يقول: لم يكن أحد يكتب عند أيّوب إلَّا حماد بن زيد.
وقال الخليليّ: ثقة متفق عليه رضيت به الأئمة والمعتمدُ في حديث يرويه حماد ويخالفه غيره، عليه، والمرفوع إليه. قال ابن مَنْجَوَيه وابن
стр. 691
حبّان: كان ضريرًا، ولكن ما مر قريبا من أنه يكتب، يدل على أن العمى طرأ عليه.
روى عن: ثابت البَنَانيّ وأنس بن سِيرين وعبد العزيز بن صَهيب وعاصم الأحْول وأبي حازم سَلَمة بن دينار وعَمرو بن دينار وصالح بن كَيْسان وهِشام بن عُروة وعُبيد الله بن عَمرو وغيرهم من التابعين فمن بعدهم.
وروى عنه: ابن المُبارك وابن مَهديّ وابن وَهْب والقطّان وابن عُيينة، وهو من أقرانه، والثَّوريّ، وهو أكبر منه، إبراهيم بن أبي عَبْلة، وهو في عِداد شُيُوخه، ومُسَدِّد وسُليمان بن حَرب وعفّان وعليّ بن المَدينيّ، وقُتيبة وخلق آخرهم الهَيْثم بن سَهل التَّسْتُريّ مع ضعفه.
ولد سنة ثمان وتسعين، ومات في رمضان سنة تسع وسبعين ومئة.
وليس في الستة حماد بن زيد سواه. وأما حماد فكثير، والأزْديّ مرّ الكلام عليه في السادس من بدء الوحي، ومر الكلام على البصري في الثالث من كتاب الإِيْمان، والجَهْضميّ في نسبه نسبةً إلى جَهضَم كجعْفَر، وهو ابن عَوْف بن مالك بن فَهْم بن غَنم بن دَوْس بن عَدْنان.
وقيل: جَهْضم بن جُذَيمة الأبرش بن مالك، وإليه ينسب الجَهْضَميُّون، والجهاضِم أيضًا محلّة بالبصرة، نُسبت إليهم، وهم اثنا عشر فخذًا: مَعن وسُليمة وهَناءة وجَهْضَم وشَبابَة وفَرْهُود وجُرْموز ومَسْلمة وعمرو وظالِم والحارِث.
ونَصْرُ بن علي الجهضميّ نسب إلى هذه المَحَلّة: أحد شيوخ البخاريّ ومسلم.
وأبو جهضم موسى بن سالم مولى بني هاشم، روى عن الباقِر، وروى عنه حماد بن زيد ويحيى بن آدم.
قلت: يحتمل عندي أن يكون حماد بن زيد أيضًا منسوبًا إلى هذه
стр. 692
المحلة، لأنه بَصْريّ والمحلة بالبصرة أيضًا، وإن كان جَهْضَم بطنًا من الأزْد، وقد مر أنه أزْديّ، ومر الكلام على المُتَّفق والمُفْترق في الرابع من بدء الوحي مُستوفى.
ونعيد هنا الكلام على قسم منه لتعلقه بحماد وهو ما يقع الاتفاق فيه في اسم فقط أو كنية أو نسبة فيقع في السند واحد منهم باسمه أو كنيته أو نسبته فقط، مهملا عن ذكر أبيه، أو غيره مما يتميز به عن المشارك له فيما يرويه، فيُشكِل الأمر فيه ويلْتَبس.
وللخطيب فيه كتاب مفيد سماه المُكْمل في بَيان المُهْمل. نحو: حماد إذا أُهمل مما يتميز به فإن يكن المطلق له ابن حَرب أو عارِم فالمراد به حماد بن زيد هذا، وإن أطلقه التَّبوذكيّ أو عفّان أو حجّاج بن مُنهال، فالمراد به حمّاد بن سَلَمة، وأشار العراقيّ إلى ذلك بقوله:
ومنه ما في اسمٍ فقَطْ ويُشْكِل ... كنحْوِ حمّاد إذا ما يُهملُ
فإن يَكُ ابنَ حربٍ أو عارِمٍ قد ... أطلقه فهو ابن زيد أوْ وَرد
عن التَّبُوذكيّ أو عَفّانِ ... أو ابن مُنهالٍ فذاك الثاني
الثالث: أيّوب السّخْتيانيّ، وقد مر في التاسع من كتاب الإِيْمان.
الرابع: يونُس بن عُبيد بن دينار العَبديّ، مولاهم أبو عُبيد البَصريّ. رأى أنسًا.
قال هشام بن حسّان ما رأيت أحدًا يطلب وجه الله تعالى إلا يونُس ابن عبيد. وقال ابن سعدٍ: كان ثقة كثير الحديث، قال: ما كتبت شيئًا قط. ولما مات حمله بنو العبّاس على أعناقهم، وقال سُفيان بن حَسَن: حدّثني الثقة يونُس بن عُبيد. وقال ابن حِبان في الثقات: كان من سادات أهل زمانه علمًا وفضلًا وحفظًا وإتقانًا وسنّة وبُغضا لأهل البدع مع التَّقشُّف الشديد، والفقه في الدين، والحفظ الكثير.
стр. 693
وقال خوُيلٌ خَتَنُ شُعبة: سمعتُ يونُس بن عُبيد يقول لابنه: أنهاك عن الرِّياء والسَّرقة وشُرْب الخمر، ولأنْ تلقى الله تعالى بهنّ أحب إلي من أن تلقاه برأي عَمرو بن عُبيد وأصحابه.
وقال ابن شَوْذب: اجتمع يونس بن عبيد وابن عَوْن، فتذَاكرا الحلال والحرام، فكلاهما قال: ما أعلم في مالي درهمًا حلالًا. وقال ابن عائشة عن شيخ له التقى يونُس وأيوبَ، فلمّا وَلى يونس قال أيوب: قَبّح الله العيشَ بعدك. وقال حمّاد بن زَيْد: كان يونُس بن عبيد يحدثنا ثم يستغفر الله ثلاثًا.
وقال مُؤمَّل بنُ إسماعيل: جاءَ رَجُلٌ شاميُّ إلى سوق الخَزَّازين فقال: عندك مطرفٌ بأربع مئة؟ فقال يونس: عندنا بمئتين، ثم قام إلى الصلاة ورجع، فوجد ابن أخيه باع المِطرف من الشاميّ بأربع مئة، فقال يونس يا عَبد الله: هذا المطرف الذي قد عَرضتُ عليك بمائتين، فإن شئت خذه وخذ مئتين، وإن شِئت فدعه، قال: من أنت؟ قال: أنا يونس بن عبيد. قال: فوالله إنا كنا في نحو العدُوّ، فإذا اشتد علينا الأمر قلنا: اللهمَّ رب يونس فَرِّج عنا، فيفرج عنا، فقال سبحان الله سبحان الله.
وقال سعيد بن عامر: قال يُونُس: هانَ علي أن آخذ ناقصًا وغلبني أن أُعطى راجحًا، وقال ابن أبي مطيع: ما كان يونس بأكثرهم صلاةً ولا صوما ولكن لا والله ما حُضِرَ حق من حقوق الله تعالى، إلا وهو متهىِّء له.
وقال النَّضر بن شُميل: غلا الخَزُّ في موضع، وكان يونس خَزّازًا فعلم بذلك، واشترى متاعا بثلاثين ألفًا، ثم قال لصاحبه: هل كنت علمت أن المتاع غلا هناك؟ قال: لا، ولو علمت لم أبع، فقال هلُمَّ إلى مالي، وخذ مالك، فرَدَّهُ عليه.
وقال بِشر بن المُفضَّل: جاءت امرأة بمِطرف خزٍّ إلى يونس بن عبيد، فألقته إليه تعرضه عليه في السوق، فنظر إليها، فقال لها: بكم؟ فقالت: بستين درهمًا، فألقاه إلى جار له فقال: كيف تراه؟ قال: بعشرين ومئة.
стр. 694
قال: إلى ذلك ثمنه. فقال لها: أتسْتأمِرِي أهلَكِ في بَيْعه بخمس وعشرين ومئة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: نظر يونُس بن عُبيد إلى قدميه عند موته، فبكى، فقيل له، فقال: قدماي لم تَغْبرّا في سبيل الله تعالى.
وقال سُليمان بن عبد الملك جاره: ما رأيتُ رجلًا قط كان أشد استغفارًا من يونس. وقال حماد بن زيد: سمعته يقول: عمدنا إلى ما فيه صلاح الناس فكتبناه وعمدْنا إلى ما يُصْلحنا فتركناه، وقال أبو جعفر حسن. قلت ليونس بن عبيد: مررت بقومٍ يختصمون في القَدَر، فقال: لو هَمَّتْهُم ذنوبهم ما اختصموا في القَدَر، وقال خُوَيْل بن واقِد الصّفَّار: سمعتُ رجلًا سأل يونس بن عبيد: فقال جارٌ لي معتزلي مريض أَعودُه؟ فقال: أما لحِسبةٍ فلا، وقال يزيد بن رُزَيْع، ما منعني أن أحمل عن يونُس أكثر مما حملَتُ عنه إلا أني لم أكتب عنه إلا ما قال: سمعت أو سألت أو حدثنا الحسن.
وقال أحمد وابن معِين والنّسائي: ثقة. وقال عثمان الدارمِيّ: قلت لابن مَعين: يونُس أحب إليك في الحَسَن أو حُمَيْد؟ فقال: كلاهما.
وقال ابن المَدينيّ: يونُس بن عُبيدٍ أثبت في الحسن من ابن عَوْن، وقال أبو زُرعة يونس أحب إلي في الحسن من قتادة لأن يونس من أصحاب الحسن وقَتَادة ليس من أقران يونُس، ويونس أحب إلي من هشام بن حَسّان. وكذا قال أبو حاتم وزاد: هو ثقة أكبر من سليمان التَّيْميّ، ولا يبلغ التيمي منزلة يونس.
وقال سَلَمة بن عَلْقمة: جالست يونس بن عُبيد، فما استطعت أن آخذ عليه كلمة.
روى عن إبراهيم التّيمي وثابت البَنَانيّ والحَسَن البَصْريّ، ومحمد ابن سيرين، وعبد الرحمن بن أبي بَكْرة، ونافع مولى ابن عُمر، وعطاء ابن أبي رَباح، وعطاء بن فرّوخ، وجماعة.
стр. 695
وروى عنه: ابنه عبد الله، وشُعبة، والثَّوريّ، ووُهيب، والحمّادان، ويزيد، وابن عُليّة، وبِشْر بن المُفضّل، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وآخرون.
ولد قبل الحارث. ومات سنة تسع وثلاثين ومئة، وقيل سنة أربعين.
وفي الستة يونس بن عُبيد سواه، واحدٌ، الثَّقفي مولى محمَّد بن القاسم. روى عن البَراء بن عازِب. وفي الرواة يونُس بن عُبيد الثقفي أيضًا. وهو الذي خاصم معاوية في زياد لأن زيادًا كان ينتمي إلى عُبيد قبل استلحاق معاوية له، وأما يونس بن عبيد العُمريّ فالصحيح أن اسم أبيه عبد الله.
الخامس: الحسن بن أبي الحسن أبو سَعيد الأنصاريّ البصريّ مولى زيد بن ثابت. ويقال مولى أبي اليُسْر الأنصاريّ، وقيل: مولى جابر بن عبد الله، واسم أبيه أبي الحسن يَسَار، وأُمه خَيْرَةُ بالخاء المعجمة والياء الساكنة آخر الحروف، مولاة أم سَلَمة زوج النبيّ ﷺ ، وكانت تقصُّ للنساء، دخل عليها يوما وفي يدها كُرّاثةٌ تأكلها، فقال لها: يا أمّاه، ألقِ هذه البقلة الخبيثة من يدك، فقالت له: يا بُني، إنك شيخ قد كبرت وخرفت، قال: يا أماه أيُنا أكبر؟.
وأكثر كلامه حِكَمٌ وبلاغة، وهو أحد أئمة الهُدى والسنة، قال ابن سَعْد: ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁، نشأ بوادي القُرَى وكان فصيحًا، وقيل إن أمه كانت تغيب عنه فيبكي فتعطيه أم سَلَمة ثديها تُعَلِّلُه به إلى أن تجيء أمه فيَدِر ثديها فيشربه، وكانوا يروْن أن تلك الفصاحة والحكمة من بركتها.
قال ابن سعد أيضًا: كان الحسن جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقةً مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم، فصيحًا جميلًا وسيمًا. وكل ما أسند من حديثه، وروى عمن سمع فهو حجة وما أرْسَل فليس بحجة.
стр. 696
وقال أنس بن مالك: سلوا الحسن فإنه حَفِظ ونَسِينا، وقال سليمان التَّيْمي: الحَسَن شيخ أهل البصرة. وقال مَطَر الورّاق: كان جابر رجل أهل البصرة، فلما ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان في الآخرة، فهو يُخبر عمّا رأى وعاين.
وقال عاصم الأحول: قلت للشَّعبيّ: لك حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيت إلى البصرة فاقرأ الحسن مني السلام. قلت: ما أعرفه. قال: إذا دخلت البصرة فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينك وأهيبه في صدرك، فاقرأه مني السلام: قال: فما عَدّى أن دَخَل المسجد فرأى الحسن والناس حوله جلوس، فأتاه فسلم عليه.
وقال قتادة ما جالست فقيهًا قَطّ إلا رأيت فضل الحسن عليه.
وقال أيّوب: ما رأت عيناي رجلًا قط كان أفقه من الحسن. وقال بَكر المُزَنيّ: من سرّه أن ينظر إلى أعلم عالم أدركناه في زمانه فلينظر إلى الحسن فما أدركنا الذي هو أعلم منه.
وقال يونس بن عبيد: إن كان الرجل ليرى الحسن لا يسمع كلامه ولا يرى علمه فينتفع به. وقال هو أيضًا وحُميد الطّويل: رأينا الفقهاء فما رأينا أحدًا أكمل مروءة من الحسن. وقال الحَجّاج بن أرطَأة: سألت عطاء ابن أبي رَبَاح فقال لي: عليك بالحسن ذاك، إمام ضخم يُقتدى به.
وقال الربيع بن أنس: اختلفت إلى الحسن عَشْر سنين أو ما شاء الله، فليس من يوم إلا وأسمع منه ما لم أسمع قبل ذلك. وقال الأعمش ما زال الحسن يعي الحكمة حتى نطق بها وكان إذا ذُكر عند الباقر قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.
وقال يونس بن عُبيد: ما رأيت رجلًا أصدق بما يقول منه ولا أطول حُزْنًا وقال ابن عَوْن؛ كنت أشبّهُ لهجة الحسن بلهجة رُؤْبَة في الفصاحة.
وقال العِجليّ: تابعيّ ثقة، رجل صالح، صاحب سنّة، قدِم مكة
стр. 697
فأجلسوه واجتمع الناس إليه، وفيهم طاوُوس ومُجاهد وعطاء وعَمرو بن شُعيب، فحدّثهم، فقالوا، أو قال بعضهم: لم نر مثل هذا قط.
وقال أبو عَمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري، والحجاج بن يوسف الثقفي. فقيل له: فأيهما كان أفصح؟ قال: الحسن.
وكان من أجمل أهل البصرة حتى سقط عن دابته، فحدث بأنفه ما حدث.
ومن كلامه: ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت.
ولما وَلِي عُمر بن هُبيرة الفَزاريّ العراق وأضيفت إليه خراسان، وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن البصري ومحمد بن سِيرين والشّعبيّ، وذلك في سنة ثلاث ومئة، فقال لهم: إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولّاني ما ترون، فيَكتُب إليّ بالأمر من أمره فأُقَلِّده ما تَقَلّده من ذلك الأمر، فما ترون؟ فقال ابن سيرين والشعبيّ قولًا فيه تقية، فقال ابن هُبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هُبيرة، خفِ الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله. إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله. وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيُزيلك عن سريرك، ويُخرجك من سَعَة قَصْر إلى ضِيقِ قبر، ثم لا يُنجيك إلا عملك، يا ابن هُبيرة، إنْ تَعْص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرًا لدينه وعباده، فلا تَرْكبَنَّ دين الله وعباده بسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
فأجازهم ابن هُبيرة وأضْعَف جائزة الحسن، فقال الشعبيُّ لابن سيرين: سَفْسَفْنا له فَسَفْسفَ لنا.
ورأى الحسن يومًا رجلًا وسيمًا حسن الهيئة، فقيل له: إنه يَسخَرُ للملوك ويحبونه، فقال: لله أبوه، ما رأيت أحدا طلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا.
стр. 698
ويقال إنه أغمي عليه عند موته، ثم أفاق، فقال: لقد نبَّهتُموني من جَنّات وعيون ومقام كريم. وقيل قبل موت الحسن لابن سيرين: رأيت كأنّ طائرًا أخذ أحسن حصاة بالمسجد، فقال: إن صَدَقت رُؤياك مات الحسن. فلم يكن إلا قليل حتى مات الحسن.
وقال ابن حِبّان في الثقات، احْتَلَم سنة سبع وثلاثين، وأدرك بعض صفّين، ورأى مئة وعشرين صحابيًا، وكان يُدلِّس.
وكان من أفصح أهل البصرة وأجملهم وأعبدهم وأفقههم.
وقال ابن المدينيّ: مُرْسلات يحيى بن أبي كثير شبه الريح، ومرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها.
قال أبو زُرعة: كل شيء قال الحسن فيه: قال رسول الله ﷺ ، وجدتُ له أصلًا ثابتا ما عدا أربعة أحاديث.
وقال يونس بن عُبيد: قلت للحسن: يا أبا سعيد، إنك تقول: قال رسول الله ﷺ وأنت لم تدركه، فقال: يا ابن أخي لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك به، إني في زمان كما ترى، وكان في عمل الحجاج، كل شيء سمعتني أقول فيه: قال رسول الله ﷺ فهو عن عليّ، غير أني لا أستطيع أن أذكر عليا.
وقال الدّارقطني: مراسيله فيها ضَعْف، وقال الذّهبي: كان الحسن كثير التدليس، فإذا قيل في حديث: عن فلان، ضَعَّف احتجاجه، ولا سيما عمن قيل إنه لم يسمع منه كأبي هريرة ونحوه.
وروى قتادة عنه: الخيرُ ليس بقَدَر، والشر ليس بقدر. قال أيّوب: فناظرته في هذه الكلمة، فقال: لا أعود.
стр. 699
وقال حُميد الطويل: سمعته يقول: خلق الله الشياطين وخلق الخير وخلق الشر. وقال حُميد أيضًا: قرأت القرآن على الحسن ففسره على إثبات القدر. وقال ابن عَوْف: سمعت الحسن يقول: من كَذّب بالقدر فقد كفر.
ولم يحج الحسن إلا حجتين. كان ﵁ شجاعًا من أشجع أهل زمانه، وكان عرضُ زنده شبرًا. وقال: غزونا خُراسان ومعنا ثلاث مئة من أصحاب رسول الله ﷺ .
وقال الفُضَيل بن عِياض: سألت هشام بن حسّان كم أدرك الحسن من الصحابة؟ فقال: مئة وثلاثين. قال: وابن سيرين؟ قال: ثلاثين. قيل: إنما سمع من ابن عمر حديثًا واحدًا ولم يسمع من ابن عباس ولا من عائشة ﵄، ولا من جابر بن عبد الله. وقال أبو زُرعة: لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولا رآه. ومن قال في الحديث عن الحسن حدثنا أبو هريرة فقد أخطأ. وسُئِل: أَلَقِي الحسن أحدًا من البدريين؟ قال: رآهم رؤية، رأى عثمان وعليا. قيل له: سمع منهما؟ قال: لا، كان الحسن يوم بويع علي ﵁، ابن أربع عشرة سنة، رأى عليًا بالمدينة، ثم رجع علي إلى الكوفة والبصرة، ولم يلقه الحسن بعد ذلك.
وقال أبو رَجَاء: قلت للحسن: متى خرجت من المدينة؟ قال: عام صفّين، قلت: متى احتلمت؟ قال: عام صفين.
وقال ابن مَعين: إنه لم يسمع من أبي بَكْرة، وكذلك قال الدارقطني.
وقال إن بينه معه الأحنف، واحتج بما رواه البخاريّ هنا، وذهب غيرهما إلى صحة سماعه منه واستُدل بما أخرجه البخاري أيضًا في الفتن، في قول النبي ﷺ : إن ابني هذا سيدٌ. ففي هذا الحديث قال الحسن: ولقد سمعتُ أبا بَكرة يقول: بينما النبي ﷺ يخطب، قال البخاري: قال ابن المدِينيّ: إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث.
стр. 700
قال الباجيّ: الحسن المذكور في هذا الحديث الذي قال فيه سمعت أبا بكرة إنما هو الحسن بن علي ﵄، وليس بالحسن البصري، وما قاله غير صحيح.
رأى عليًا وطَلْحة وعائشة، وكتب للربيع بن زياد والي خُراسان في زمن معاوية.
روى عن: أُبيّ بن كعب وسعد بن عُبادة وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم، وروى عن: ثَوْبان وعمّار بن ياسر وعثمان بن أبي العاص، ومعاوية ومَعْقل بن يسار، وأنس وجابر، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.
وروى عنه: حُميد الطّويل، ويزيد بن أبي مريم، وأيوب وقَتادة، وعَوْف الأعرابيّ، وجرير بن حازم، وشَيْبان النَّحْويّ، وابن عون، وخالد الحذّاء، ويونس بن عبيد، ومَعْبَد بن هلال، وآخرون من آخرهم يزيد ابن إبراهيم التّستريّ، ومعاوية بن عبد الكريم الثَّقفيّ المعروف بالضّال.
مات ﵁ مَسْتَهلّ رجب سنة عشر ومئة، وكانت جنازته مشهورة. قال حُميد الطويل: توفي عشية الخميس، وأصبحنا يوم الجمعة ففرغنا من أمره وحملناه بعد صلاة الجمعة، ودفنّاه فتبع الناس كلهم جنازته واشتغلوا به، فلم تقم صلاة العصر بالجامع ولا أعلم أنها تُركت منذ كان الإِسلام إلا يومئذ، لأنهم تبعوا الجنازة كلهم، حتى إنه لم يبقَ في المسجد من يصلي العصر.
وليس في الستة الحسن بن أبي الحسن سواه، وأما الحسن فكثير، والبصري في نسبه مر الكلام عليه في الثالث من كتاب الإِيْمان.
السادس: الأحْنف بن قَيْس بن معاوية بن حُصَيْن بن عُبادة بن النّزّال ابن مُرّة بن عُبيد بن الحارث بن عَمرو بن كَعْب بن سَعْد بن زَيْد منَاة بن تميم التّميميّ أبو بحر، واسمه الضحاك. وقيل: صخر. وقيل الحارث
стр. 701
المعروف بالأحنف الذي يضرب به المثل في الحِلْم.
ولد ﵁ أحْنَف، والأحنف الأعوج من الحَنَف، وهو الاعوجاج في الرِّجل، وهو أن يَنْفَتل إحدى الإِبهامين من إحدى الرِّجْلين على الأخرى. وقيل: هو الذي يمشي على وَحْشيِّ رِجْله، أي: ظهرها.
ولد ملتصق الألْيتين حتى شُق ما بينهما، وكان أعور ذهبت عينه في فتح سَمَرْقند، وقيل: ذهبت بالجُدريّ، وكان متراكب الأسنان، صغير الرأس، مائل الذَّقن. وكان أطلس أي لا شعر في وجهه، وهو أحد الطُّلس الأربعة، والآخرون: شُريح القاضي، وعبد الله بن الزُّبير، وقيس ابن سَعد بن عبادة.
كُنّي بابنه بحر. وكان مَصعُوفًا أي: فيه رِعْدة، وقد قيل له: لم لم تتأدب بأخلاق أبيك؟ قال: من الكسل. ومات وانقطع عَقِبُه.
كان الأحنف ﵁، من سادات التابعين، أدرك زمن النبي ﷺ ، ولم يسْلم، وقيل: أسلم على عهده ولم يره. ويُروى بسند فيه لِين: أن النبي ﷺ دعى له.
وروى ابن قُتيبة لما أتى النبي ﷺ بني تميم يدعوهم إلى الإِسلام، كان الأحنف فيهم، ولم يجيبوا إلى اتباعه، فقال لهم الأحنف: إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق، وينهاكم عن ملَائمِها، فأسْلموا وأسلم الأحنف. والصحيح أنه لم يفِد على النبي ﷺ ، ووفد على عمر ﵁.
وهو الذي افتتح مَرْو الرُّوذ، وكان في جيشه الإِمامان الحَسن وابن سيرين.
ذكره ابن سَعْد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: كان ثقة مأمونًا قليل الحديث. وقال الحسن: ما رأيت شريف قومٍ أفضل من
стр. 702
الأحنف. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مُصعب بن الزُّبير يوم موته: ذهب اليوم الحزم والرأي.
وروى أحمد في الزهد: أن الأحنف بلّغه رجلان دعاء النبيّ ﷺ له، فسجد.
كان سيد قومه، موصوفًا بالدهاء والحلم والعلم، قال فيه الثَّوريّ: ما وُزِن عقل الأحنف بعقل إلا وَزَنه. شهد صفين مع علي ﵁. ولم يشهد وقعة الجمل مع أحد من الفريقين.
ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوما فقال له معاوية: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حَزَازة في قلبي إلى يوم القيامة، فقال له: والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها وإن تَدْن من الحرب فترًا نَدْنُ منه شبرا، وإن تمش إليها نُهَرول إليها، ثم قام وخرج. وكانت أخت معاوية من وراء الحجاب تسمع كلامه، فقالت: يا أمير المؤمنين، من هذا الذي يتهدد ويتوعد؟ فقال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مئة ألف لا يدرون فيم غضب.
وسُئل عن الحِلم ما هو فقال: الذلّ مع الصبر. وكان يقول إذا عجب النَّاس من حلمه: إني لأجد ما تجدون، ولكني صبور. ومن طريق الحسن عن الأحنف قال: لستُ بحليم، ولكني مُتحالمٌ، وكان يقول: وجدتُ الحِلم أنْصر لي من الرجال.
وكان يقول: ما تعلمت الحِلم إلا من قيس بن عاصم المِنْقريّ، لأنه قَتَل ابن أخ له بَعْض بنيه فأُتي بالقاتل يقاد إليه مكتوفًا. فقال: ذَعَرْتُم الفتى ثم أقبل على الفتى وقال له: يا بُنيّ، بئس ما فعلت، نقَصت عَدْوَك، وأوهنت عَضُدك، وأشْمتَّ عدوَّك، وأسأت بقومك، خلّوا سبيله، واحملوا إلى أم المقتول ديته، فإنها غريبة. ثم انصرف القاتل وما حَلّ قَيْس حَبْوته، ولا تغيّر وجهه.
стр. 703
ومن كلامه: جَنّبوا مجلسنا ذكر الطّعام والنّساء فإني لأُبْغض الرجل يكون وصّافا لفرجه وبطنه، وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه.
ومن كلامه: ما دخلتُ بين اثنين قَطُّ حتى يُدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من الملوك إلا أن يكون داعيا لي، وما حَلَلتُ حَبْوتي إلى ما يقوم الناس إليه. ومن كلامه: ما خان شريف، ولا كذب عاقل، ولا اغتاب مؤمن، وقال: ما ادَخَرَت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتي للأحياء أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب والآداب.
وقال: كثرة الضحك تُذْهب الهَيْبة، وكثرة المِزاح تُذْهب المروءة، ومن لَزِم شيئًا عُرف به. وسمع رجلًا يقول: لا أبالي أمدِحْتُ أم ذُمِمت. فقال له: لقد استرحت من حيث تعب الكرام.
ومن كلامه: ألا أدلكم على المَحْمَدَة بلا مرْزية؟ الخُلُق السّجِيع، والكف عن القبيح. ألا أُخبركم بأدواء الأدواء؟ الخُلُق الدنيء واللسان البذيء.
وروي أن معاوية ﵁، لما نَصَّب ولده يزيد لولاية العهد، أقعده في قبة حمراء فجعل الناس يسلّمون على معاوية، ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية. فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنك إن لم تُوَلّ هذا لأمور المؤمنين أضعتها، والأحنف ابن قيس جالس، فقال له معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحْر؟ فقال: أخاف الله إن كذبتُ، وأخافكم إن صدقت، فقال له معاوية: جزاك عن الطاعة خيرًا، وأمر له بألوف. فلما خرج لقيه ذلك الرجل بالباب، وقال: يا أبا بحر، إني لأعلم أن شَرّ من خلق الله تعالى هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلا يُطمع في استخراجها إلا بما سمعت، فقال له الأحْنف: أمْسك عليك، فإن ذا الوجهين خليقٌ أن لا يكون عند الله وجيها.
стр. 704
وكان زياد بن أبيه مدة توليته على العراق كثير الرعاية للأحْنف، ولما تولّى ولده عُبيد الله بعده تغيرت منزلته عنده، وصار يُقدِّم عليه من لا يساويه، ثم إن عبيد الله جمع أعيان العراق وفيهم الأحنف، وتوجه بهم إلى الشام للسلام على معاوية، فلما وصلوا دخل عبيد الله على معاوية، وأعلمه بوصول رؤساء العراق، فقال أدخلهم إليّ أوّلًا فأولًا على قدر مراتبهم عندك، فخرج إليهم وأدخلهم على الترتيب، وكان آخر من دخل الأحنف، فلما رآه معاوية، وكان يعرف منزلته، ويبالغ في إكرامه لتقدمه وسيادته، قال له: إليّ يا أبا بحر، وأجلسه معه على سريره، وأقبل عليه يسأله عن حاله ويحدثه، وأعرض عن غيره، ثم إن أهل العراق أخذوا في الثناء على عبيد الله والأحْنف ساكت، فقال له معاوية: لم لا تتكلم يا أبا بَحْر؟ فقال: إن تكلمت خالفتهم، فقال: اشهدوا عليّ أني قد عزلت عنكم عبيد الله، وقوموا وانظروا في أمير أوَلِّيه عليكم، وترجعون إليّ بعد ثلاثة أيّام. فلما خرجوا من عنده كان فيهم جماعة يطلبون الإِمارة لأنفسهم، وفيهم من عيّن الإِمارة لغيره، وسعوا في السر مع خواص معاوية أن يفعل لهم ذلك، ثم اجتمعوا بعد ثلاثة أيّام فدخلوا عليه، فأجلسهم على ترتيبهم في المجلس الأول، وأخذ الأحنف إليه كما فعل أوّلا، وحادَثَه ساعة، ثم قال: ما فعلتم فيما انفصلتم عليه؟ فجعل كل واحد يذكر شخصًا، وطال حديثهم في ذلك، وأفضى إلى منازعة وجدال، والأحْنف ساكت، ولم يكن في الأيام الثلاثة تحدث مع أحد في شيء، فقال له معاوية: لم لا تتكلم يا أبا بَحْر؟ فقال: إن ولّيت أحدًا من أهل بيتك لم نجد من يَعْدِل عبيد الله، ولا يسد مَسَدّه، وإن وليت من غيرهم، فذلك إلى رأيك، ولم يكن في الحاضرين الذين بالغوا في المجلس الأول في الثناء على عبيد الله من ذكره في هذا المجلس، ولا سأل عَوْدهُ إليهم، فلما سمع معاوية مقالة الأحْنف قال: اشهدوا عليّ أني قد أعدتُ عليكم عبيد الله. فكلٌّ منهم ندم على عدم تعيينه، وعلم معاوية أن شكرهم لعُبيد الله لم يكن لرغبتهم فيه، بل كما جرت العادة في حق
стр. 705
المولى، فلما انفصلت الجماعة من مجلس معاوية خلا بعبيد الله، وقال: كيف ضيّعت مثل هذا الرجل؟ يعني الأحْنف. فإنه عَزَلَك وأعَادك وهو ساكت. وهؤلاء الذين قدمتهم عليه واعتمدت عليهم لم ينفعوك ولا عرّجوا عليك لمّا فوضْتُ الأمر إليهم، فمِثل الأحْنف من يتخذه الإِنسان عونًا وذُخرًا، فلما عادوا إلى العراق أقبل عليه عبيد الله وجعله بطانَتَه، وصاحب سرِّه.
وبقي الأحْنف إلى زمن مُصْعب بن الزُّبير ﵄. فخرج معه إلى الكوفة، ومات بها سنة سبع وستين على الصحيح، وقيل سنة إحدى وسبعين، وقيل سبع وسبعين، وقيل ثمان وستين، وكان قد كبر جدًّا ودفن بالثُّوَيَّة موضع بظاهر الكوفة، فيه قبور جماعة من الصحابة، وغيرهم.
وحكى عبد الرحمن بن عِمارة بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط قال: حضرت جنازة الأحْنف بالكوفة فكنت ممن نزل قبره، فلما سويته وجدته قد فُسِح له في قبره مد بصري، فأخبرت أصحابي بذلك، فلم يروا ما رأيت.
روى عن: عمر وعثمان وعلي وسَعد وابن مسعود وأبي ذر وغيرهم.
وروى عنه: الحسن البصريّ وأبو العلاء ابن الشِّخِّيْر وطَلْق بن حَبِيب وغيرهم. وليس في الستة الأحْنف سواه.
السابع: أبو بَكرة: واسمه نُفَيع بن مَسْروح على الصحيح، لما رُوي أنه قال: أنا من إخوانكم في الدين، وأنا مولى رسول الله ﷺ ، فإن أبى الناس إلَّا أن ينسبوني فأنا نُفَيع بن مَسْرُوح.
ونفيع بالتصغير وهو مولى الحارث بن كَلَدَة بفتحات، طبيب رسول الله ﷺ ، وقيل: إنه ابن الحارث بن كَلَدَة، وكلدة بن عُمر بن عِلَاج بن أبي سَلَمة بن عبد العُزّى بن غِيَرَة، بكسر الغين وفتح الياء آخر الحروف، ابن عوف بن قَسِيّ، بفتح القاف وكسر السين المهملة، وهو ثَقيفُ بن
следующие страницы →