Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
باب يتصدق بجلود الهدي
أورد فيه حديث علي، عن عبد الكريم، والحسن بن مسلم، وساقه بلفظ الحسن بن مسلم، وأما لفظ عبد الكريم فقد أخرجه مسلم عنه وزاد وقال: نحن نعطيه من عندنا.
الحديث الخامس والتسعون والمائة
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيُّ أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا، لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلاَلَهَا، وَلاَ يُعْطِي فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا.
قوله: "وأن يقسم بدنه" بسكون الدال المهملة ويجوز ضمها.
وقوله: "لحومها وجلودها وجلالها" زاد مسلم وابن خزيمة: ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا، قال ابن خزيمة: المراد بقوله: "يقسمها كلها على المساكين" إلا ما أمر به من كل بدنة ببضعة، فطبخت كما في حديث جابر المتقدم التنبيه عليه، واستدل به على منع بيع الجلد، قال القرطبي: فيه دليل على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع لعطفها على اللحم، وإعطائها حكمه، وقد اتفقوا على أن لحمه لا يباع فكذلك الجلود والجلال، وأجازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو وجه عند الشافعية قالوا: ويصرف ثمنه مصرف الأضحية، واستدل أبو ثور على أنهم اتفقوا على جواز الانتفاع به، وكل ما جاز الانتفاع به جاز بيعه، وعورض باتفاقهم على جواز الأكل من لحم هدي التطوع، ولا يلزم من جواز أكله جواز بيعه، وأقوى من ذلك في رد قوله ما أخرجه أحمد عن قتادة بن النعمان مرفوعًا: "لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي وتصدقوا، وكلوا واستمتعوا بجلودها، ولا تبيعوا، وإن أطعمتم من لحومها، فكلوا إن شئتم".
رجاله سبعة:
قد مرّوا: مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن جريح في الثالث من الحيض، ومرَّ الحسن بن مسلم في التاسع والعشرين من الغسل، ومرَّ عبد الكريم في الذي قبله بحديث، ومرَّ فيه محل مجاهد وابن أبي ليلى وعلي.
ثم قال المصنف:
стр. 6407
باب يتصدق بجلال البدن
الحديث السادس والتسعون والمائة
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلاَلِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا.
تقدم الكلام على هذا الحديث مستوفى في باب نحر البدن قائمة، والذي بعده. وفي الحديث من الفوائد سوق الهدي، والوكالة في نحر الهدي، والاستيجار، والقيام عليه وتفرقته، والإشراك فيه وإن وجب عليه شيء لله فله تخليصه، ونظيره الزرع يعطي عشره ولا يحسب
شيئًا من نفقته على المساكين.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ سيف بن أبي سليمان في الخامس من استقبال القبلة، ومرَّ محل مجاهد وابن أبي ليلى وعلي في الذي قبله بحديث.
ثم قال المصنف:
стр. 6408
باب
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ....﴾.
وقع سياق الآيات كلها في رواية كريمة، والمراد منها هنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ولذلك عطف عليها في الترجمة، وما يأكل من البدن وما يتصدق، أي: بيان المراد من الآية، وقد وقع في رواية كريمة بعد قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وقبل قوله: وما يأكل من البدن وما يتصدق لفظ باب، وسقط من رواية أبي ذر وهو الصواب.
وقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا﴾ اذكر إذ جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءَة ومرجعًا يرجع إليه للعبادة والعمارة، يقال: بوأ الرجل منزلًا أعده وبوأه غيره منزلًا أعطاه، وأصله باء إذا رجع، واللام في لإبراهيم مقحمة لقوله: ﴿بؤانا بني إسرائيل﴾ وقوله: ﴿تبوىء المؤمنين﴾.
وقوله: "مكان البيت" أي: موضع الكعبة. قيل: المكان جوهر يمكن أن يثبت عليه غيره كما أن الزمان عرض يمكن أن يحدث فيه غيره، فإن قيل: كيف يكون النهي عن الإشراك والأمر بالتطهير تفسيرًا للتبوئة، أجيب: بأنه كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، فكأنه قيل: وإذ تعبدنا إبراهيم قلنا له: لا تشرك بي شيئًا وطهر بيتي من الأصنام والأوثان.
وقوله: ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي: المصلين لأن الصلاة قيام وركوع وسجود، والركع جمع راكع، والسجود جمع ساجد، لم يذكر الواو بين الركع والسجود، وذكره بين القائمين والركع، لكمال الاتصال بين الركع والسجد إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر فرضًا أو نفلًا، وينفك القيام من الركوع فلا يكون بينهما كمال الاتصال.
وقوله: ﴿وَأَذِّنْ﴾ أي: ناب عطف على قوله: "وطهر"، والنداء بالحج أن يقول: حجوا، أمر إبراهيم ﵇ أن يؤذن في الناس بالحج، وقال إبراهيم ﵇: يا رب وما يبلغ صوتي؛ قال: أذِّن، وعليّ البلاغ، وعن الحسن أن قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ كلام مستأنف، وأن المأمور بهذا التأذين محمد ﷺ أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع.
стр. 6409
وقوله: ﴿رِجَالًا﴾ أي: مشاة على أرجلهم جمع راجل، مثل قائم وقيامًا، وصائم وصيامًا.
وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: وركبانًا والضامر البعير المهزول، وانتصاب رجالًا على أنه حال وعلى كل ضامر حال معطوفة على الحال الأولى.
وقوله: ﴿يَأْتِينَ﴾ صفة لكل ضامر؛ لأن كل ضامر في معنى الجمع، أراد النوق.
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد. وقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ أي: ليحضروا منافع لهم مختصة بهذه العبادة من أمور الدين والدنيا، وقيل: المنافع التجارة، وقيل: العفو والمغفرة.
وقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ عشر ذي الحجة، وقيل: تسعة من العشر، وقيل: يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده، وقيل: أيام التشريق، وقيل: إنها خمسة أيام، أولها يوم التروية، وقيل: ثلاثة أيام، أولها يوم عرفة، والذكر هنا تدخل فيه التسمية على ما نحر، لقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ من الهدايا والضحايا من الإبل والبقر والغنم، والبهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام من الإبل والبقر والغنم.
وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ الأمر بالأكل منها أمر إباحة؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبًا لما فيه من مواساة الفقراء ومساواتهم، واستعمال التواضع.
وقوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ أي: الذي أصابه بؤس أي: شدة الفقر، وذهب الأكثرون إلى أنه غير واجب.
وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: التفث حلق الرأس، وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظافر، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والوقوف بعرفة، وقيل: مناسك الحج، والتفث في الأصل الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظافر والشعث، وقضاؤه نقضه وإذهابه، وقال الزجاج: أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير، وكأنه عندهم الخروج من الإحرام إلى الإحلال. وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي: نذور الحج والهدي، وما ينذر الإنسان من أعمال البر في حجهم.
وقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ أراد الطواف الواجب، وهو طواف الإفاضة والزيارة، الذي يطاف بعد الوقوف، إما يوم النحر أو بعده.
وقوله: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ أي: الكعبة سمى العتيق لقدمه، أو لأنه عتق من أيدي الجبابرة، فلم يصلوا إلى تخريبه، فلم يظهر عليه جبار ولم يسلط عليه إلا من يعظمه ويحترمه، قلت: ولا يرد على هذا ما يقع من تخريب ذي السويقتين له في آخر الزمان؛ لأن ذلك قرب انقضاء الدنيا، وعند عدم وجود مؤمن في الأرض، ولا يرجى وجوده بعد ذلك.
стр. 6410
وقيل: لأنه لم يملك قط، وقيل: لأنه أعتق من الغرق في الطوفان.
ثم قال: وقال عبيد الله: أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄: لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر، ويؤكل مما سوى ذلك، وصله ابن أبي شيبة عن ابن نمير عنه بمعناه قال: إذا اعطبت البدنة أكل منها صاحبها، ولم يبدلها إلا أن تكون نذرًا أو جزاء صيد، ورواه الطبري عن عبيد الله بلفظ التعليق المذكور، وهذا القول إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول مالك وزاد: إلا فدية، إلا أذى، والرواية الأخرى عن أحمد: ولا يؤكل إلا من هدي التطوع والتمتع والقِران، وهو قول الحنفية بناء على أصلهم أن دم التمتع والقِران دم نسك لا دم جبران، وعند المالكية تفصيل طويل فيما يأكل منه، وما لا يأكل.
رجاله ثلاثة:
قد مرّوا: مرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
ثم قال: وقال عطاء: يأكل ويطعم من المتعة، وهذا وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه، وروى سعيد بن منصور عن عطاء: لا يؤكل من جزاء الصيد ولا مما يجعل للمساكين من النذور وغير ذلك، ولا من الفدية، ويؤكل مما سوى ذلك، وروى عبد بن حميد عنه: إن شاء أكل من الهدية والأضحية، وإن شاء لم يأكل، ولا تخالف بين هذه الآثار عن عطاء، فإن حاصلها ما دلَّ عليه الأثر الثاني، وزعم ابن القصار المالكي أن الشافعي تفرد بمنع الأكل من دم التمتع، رمز عطاء في التاسع والثلاثين من العلم.
الحديث السابع والتسعون والمائة
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: كُنَّا لاَ نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلاَثِ مِنًى، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "كُلُوا وَتَزَوَّدُوا". فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: لاَ.
قوله: "فوق ثلاث منى" بإضافة ثلاثة إلى منى أي: الأيام الثلاثة التي يقام بها بمنى، وهي الأيام المعدودات، قال في المصابيح: الأصل ثلاث ليالي منى، كقولهم: حب رمان زيد، فإن القصد إضافة الحب المختص بكونه للرمان إلى زيد، ومثله ابن قيس الرقيات، فإن المتلبس بالرقيات ابن قيس لا قيس، قال سعد الدين التفتزاني: وتحقيقه أن مطلق الحب مضاف إلى الرمان، والحب المقيد بالإضافة إلى الرمان مضاف إلى زيد، قال الدماميني: وفيه نظر، قلت: لم أفهم وجه نظره، واختلف في أول الثلاث التي كان الإدخار فيها جائزًا، فقيل: أولها يوم النحر فمن ضحى فيه جاز له أن يمسك يومين بعده، ومن ضحى بعده أمسك
стр. 6411
ما بقي له من الثلاثة، وقيل: أولها يوم يضحي فلو ضحى في آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثًا بعدها، ويحتمل أن يؤخذ من قوله: "فوق ثلاث" أن لا يحسب اليوم الذي يقع فيه النحر من الثلاث، وتعتبر الليلة التي تليه وما بعدها، ويؤيده قول جابر في حديثه: "فوق ثلاث منى" فإن ثلاث منى تتناول يومًا بعد يوم النحر لأهل النفر الثاني، وقوله: قلت لعطاء: أقال: حتى جئنا المدينة، قال: لا. يعني: لم يقل جابر: حتى جئنا المدينة. وعند مسلم: نعم، بدل قوله: لا، ويجمع بين قوله: لا وقوله: نعم بأن يحمل على أنه نسي فقال: لا، ثم تذكر فقال: نعم، ويحتمل أن يكون ليس المراد بقوله: لا نفي الحكم، بل مراده أن جابرًا لم يصرح باستمرار ذلك منهم حتى قدموا المدينة، فيكون على هذا معنى قوله في رواية عمرو بن دينار عن عطاء: كنا نتزود لحوم الهدي إلى المدينة، أي لتوجهنا إلى المدينة، ولا يلزم من ذلك بقاؤها معهم حتى يصلوا المدينة.
لكن أخرج مسلم عن ثوبان قال: ذبح النبي ﷺ أضحيته ثم قال لي: "يا ثوبان أصلح لحم هذه" فلم أزل أطعمه منه حتى قدم المدينة، قال ابن بطال: في الحديث رد على من زعم من الصوفية أنه لا يجوز ادِّخار طعام لغدٍ، وأن اسم الولاية لا يستحق لمن ادخر شيئًا ولو قلّ، وأن من ادخر أساء الظنّ بالله تعالى. وفيه هذه الأحاديث كفاية في الرد على من زعم ذلك.
وحديث جابر هذا يخالف ما رواه مسلم عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ نهانا أن نأكل من لحوم نُسكنا بعد ثلاث، وفي لفظ: قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليالٍ، فلا تأكلوا، وروي أيضًا عن ابن عمر عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يأكل أحدكم من أضحيته فوق ثلاثة أيام" قال الشافعي: لعل عليًّا لم يبلغه النسخ وقال غيره: يحتمل أن يكون الوقت الذي قال فيه ذلك، كان بالناس حاجة كما وقع في عهد النبي ﷺ ، وبذلك جزم ابن حزم فقال: إنما خطب عليّ بالمدينة في الوقت الذي كان عثمان حوصر فيه، وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة، فأصابهم الجهد، فلذلك قال عليّ ما قال، وقد أخرج الطحاوي كون خطبة عليّ كانت في زمن حصر عثمان، وقال القاضي: اختلف العلماء في الأخذ بهذه الأحاديث فقال قوم: يحرم إمساك لحوم الأضاحي والأكل منها بعد ثلاث، وإن حكم التحريم باقٍ كما قاله عليّ وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وقال جماهير العلماء: يباح الأكل والإمساك بعد الثلاث، والنهي منسوخ بحديث جابر هذا، وحديث بريدة عند مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم"، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وهذا من نسخ السنة بالسنة، وقال بعضهم: ليس هو نسخًا، بل كان التحريم لعلة، فلما زالت زال التحريم، وتلك العلة هي الدافة، وكانوا منعوا من ذلك في أول الإِسلام من أجل الدافّة فلما
стр. 6412
زالت العلة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا، ويدخروا، فقد روى مسلم عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد قال: نهى النبي ﷺ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرت الأضحى زمن النبي ﷺ ، فقال ﵊: "ادخروا ثلاثًا، ثم تصدقوا بما بقي" فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله: إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويحملون فيها الودك، فقال رسول الله ﷺ : "وما ذاك؟ " قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دفّت، فكلوا وادّخروا وتصدقوا".
قال أهل اللغة: الدافّة -بتشيد الفاء- قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، من دفّ يدفّ بكسر الدال، ودافّة الأعراب: من يرد منهم المصر، والمراد هنا: من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة، وقيل: كان النهي الأول للكراهة لا للتحريم، قول هؤلاء: والكراهة باقية إلى يومنا هذا، ولكن لا يحرم، قالوا: ولو وقع مثل تلك العلة اليوم فدفت دافة واساهم الناس، وحملوا على هذا مذهب علي، وابن عمر، والصحيح نسخ النهي مطلقًا، وأنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخار فوق ثلاث، والآكل إلى متى شاء، وإنما رجح ذلك؛ لأنه يلزم من القول بالتحريم إذا دفت الدافّة إيجاب الإطعام، وقد قامت الأدلة عند الشافعية أنه لا يلزم في المال حق سوى الزكاة، وقال الشافعي: يحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث منسوخًا في كل حال، وبهذا أخذ المتأخرون من الشافعية، فقال الرافعي: الظاهر أنه لا يحرم اليوم بحال، وتبعه النووي فقال: الصواب المعروف أنه لا يحرم اليوم الإدخار بحال، ونقل ابن عبد البر ما يوافق ما نقله النووي، فقال: لا خلاف بين فقهاء المسلمين في إجازة أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ، كذا أطلق وليس بجيد، فقد قال القرطبي: حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة، فلما ارتفعت ارتفع لارتفاع موجبه، فتعيَّن الأخذ به، ويعود الحكم لعود العلة، فلو قدم على أهل بلد ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا تعين عليهم أن لا يدخروا فوق ثلاث، والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تستد الخلة إلا بتفرقة الجميع لزم على هذا التقرير عدم الإمساك، ولو ليلة واحدة، وقد حكى الرافعي عن بعض الشافعية أن التحريم كان لعلة فلما زالت زال الحكم، لكن لا يلزم عود الحكم عند عود العلة، واستبعدوه، وليس ببعيد؛ لأن صاحبه قد نظر إلى أن الخلة لم تستد يومئذٍ إلا بما ذكر، فأما الآن، فإن الخلة تستد بغير لحم الأضحية فلا يعود الحكم إلا لو فرض أن الخلة لا تستد إلا بلحم الأضحية، وهذا في غاية الندور، وحكى البيهقي عن الشافعي: أن النهي عن أكل لحوم الأضاحي كان في الأصل للتنزيه، قال: وهو كالأمر في
стр. 6413
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ وحكى الرافعي عن أبي علي الطبري احتمالًا، وقال المهلب: إنه الصحيح لقول عائشة: وليس بعزيمة، واستدل بهذه الأحاديث على أن النهي عن الأكل فوق ثلاث خاص بصاحب الأضحية، فأما من أهدي له أو تصدق عليه فلا، لمفهوم قوله: من أضحيته، وقد جاء في حديث الزبير بن العوام عند أحمد وأبي يعلى ما يفيد ذلك. ولفظه: قلت يا رسول الله: أرأيت قد نهي المسلمون أن يأكلوا من لحم نسكهم فوق ثلاث، فكيف نصنع بما أهدي لنا؟ قال: "أما ما أهدي إليكم فشأنكم به" فهذا نص في الهدية، وأما الصدقة فإن الفقير لا حجر عليه في التصرف فيما يُهدى له؛ لأن القصد أن تقع المواساة من الغني للفقير، وقد حصلت، واختلف في مقدار ما يؤكل منها ويتصدق؛ فذكر علقمة أن ابن مسعود أمره أن يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه، ويهدي ثلثه، وروي عن عطاء وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق لقوله: "كلوا وتصدقوا وأطعموا".
قال ابن عبد البر: كان غير الشافعي يقول: يستحب أن يأكل النصف ويطعم النصف، وقال الثوري: يتصدق بأكثره، وعند المالكية يندب جمع الأكل والصدقة والإعطاء بلا حد، وقال أبو حنيفة: ما يجب أن يتصدق بأقل من الثلث، قال صاحب الهداية: ويأكل من لحم الأضحية غير المنذورة، أمّا المنذورة فلا يأكل الناذر معسرًا كان أو موسرًا، وبه قالت الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وعن أحمد: يجوز الأكل في المنذورة، قال النووي: مذهب الجمهور أنه لا يجب الأكل من الأضحية، وإنما الأمر فيه للإذن، فيندب للمضحي أن يأكل من الأضحية شيئًا، ويطعم الباقي صدقة وهدية.
وعند الظاهرية الأكل واجب عملًا بظاهر الأمر، وذهب بعض السلف إلى الأخذ بظاهر الأمر، وحكاه الماوردي عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية، وأما الصدقة منها فالصحيح أنه يجب التصدق من الأُضحية بما يقع عليه الاسم، والأكمل أن يتصدق بمعظمها، ومتى جاز أكله وهو غني جاز أن يؤكل غنيًا.
وقوله في الحديث: "ادخروا" هو بالمهملة وأصله من ذخر بالمعجمة دخلت عليها تاء الافتعال ثم أدغمت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ ويؤخذ من الإذن في الادخار الجواز خلافًا لمن كرهه. وقد ورد في الادخار: "كان يدخر لأهله قوت سنة" وفي رواية: "كان لا يدخر لغد" والأول في الصحيحين، والثاني في مسلم والجمع بينهما أنه كان لا يدخر لنفسه ويدخر لعياله، أو أن ذلك كان باختلاف الحال، فيتركه عند حاجة الناس إليه، ويفعله عند عدم الحاجة.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم: نسخ الأثقل بالأخف؛ لأن النهي عن ادخار لحم الأضحية بعد ثلاث مما يثقل على المضحين والإذن في الادخار أخف منه.
стр. 6414
وفيه: رد على من يقول: إن النسخ لا يكون إلا بالأثقل للأخف، وعكسه ابن العربي زاعمًا أن الإذن في الادخار نسخ بالنهي، وتعقب بأن الادخار كان مباحًا بالبراءة الأصلية، فالنهي عنه ليس نسخًا، وعلى تقدير كونه نسخًا ففيه نسخ الكتاب بالسنة؛ لأن في الكتاب الإذن في أكلها من غير تقييد، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ ويمكن أن يقال: إنه تخصيص لا نسخ وهو الأظهر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، وعطاء في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي.
أخرجه مسلم في الأضاحي، والنسائي في الحج.
الحديث الثامن والتسعون والمائة
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلاَ نَرَى إِلاَّ الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَحِلُّ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ.
قال يحيى: فذكرتُ هذا الحديث للقاسم، قال: أتتك بالحديث على وجهه.
قوله: "إذا طاف بالبيت ثم يحل" كذا الأكثر عن طريق الفربري وكذا وقع في رواية النسفي لكن جعل على قوله: "ثم" ضبة، وفي رواية أبي ذر بلفظ: "أن" بدل "ثم" ولا إشكال فيها، وكذا أخرجه مسلم عن سليمان بن بلال بلفظ: "أن يحل" وزاد قبلها: إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقد شرحه الكرماني على لفظ: "ثم" فقال: جواب إذا محذوف والتقدير يتم عمرته ثم يحل، قال: ويجوز أن يكون جواب "من لم يكن" محذوفًا وإذا: ظرف لقوله: "لم يكن" ويجوز أن يكون ثم زائدة كما قال الأخفش في قوله تعالى: ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾: إن تاب جواب ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ﴾، وكله تكلف وقد تبين من رواية مسلم أن التغيير من بعض الرواة، ولاسيما قد وقع مثله في رواية أبي ذر، وفي بعض الأصول لفظ "إذا: ساقط فيكون التقدير: من لم يكن معه هدي طاف، وحينئذٍ فجواب "من" قوله "طاف".
وقوله "ثم يحل" عطف أي: ثم بعد طوافه يحل، وهذا الحديث قد مرَّ في باب ذبح الرجل البقر عن نسائه، ومرَّ هناك ما قيل في الكلام عليه.
стр. 6415
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ خالد بن مخلد في الرابع من العلم، ومرَّ سليمان بن بلال في الثاني من الإيمان، ومرت عمرة في الثاني والثلاثين من الحيض، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، رواته كلهم مدنيون.
ثم قال المصنف:
стр. 6416
باب الذبح قبل الحلق
الحديث التاسع والتسعون والمائة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ بن زاذان، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ وَنَحْوِهِ؟. فَقَالَ: "لاَ حَرَجَ، لاَ حَرَجَ".
وجه الاستدلال به، هو أن السؤال عن ذلك دال على أن السائل عرف أن الحكم على عكسه، وقد أورد حديث ابن عباس من طرق:
الأول: عن منصور بن زاذان عن عطاء عنه بلفظ: سئل عمن حلق قبل أن يذبح ونحوه وهذا الحديث بجميع طرقه، قد تقدم استيفاء الكلام عليه غاية الاستيفاء عند حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص في باب الفتيا، وهو واقف على الدابة من كتاب العلم.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم: محمد بن عبد الله بن حوشب في التاسع من الجماعة، ومرَّ هشيم في الثاني من التيمم، ومرَّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، والباقي منصور بن زاذان -بزاي وذال معجمتين- الواسطي أبو المغيرة الثقفي مولاهم، قال أحمد: شيخ ثقة، وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال العجلي: رجل صالح متعبد. كان ثبتًا، وكان سريع القراءة، وكان يحب أن يترسل فلا يستطيع ذلك، وقال هشيم: لو قيل لمنصور بن زاذان: إن ملك الموت على الباب ما كان عنده زيادة في العمل، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يختم القرآن بين الأولى والعصر، وكان من المتقشفين المتجردين، روى عن أنس يقال: مرسل، وعطاء والحسن وابن سيرين وغيرهم، وروى عنه ابن أخيه مسلم بن سعيد، وحبيب بن الشهيد وجرير بن حازم وغيرهم، مات سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائة في الطاعون.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإِخبار بالجمع والعنعنة والقول، وشيخه من أفراده، وهو طائفي ثم واسطيان ومكي أخرجه البخاري من أربعة طرق، وأخرجه النسائي في الحج وأخرجه مسلم
стр. 6417
بغير هذا اللفظ.
الحديث المائتان
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي؟ قَالَ: "لاَ حَرَجَ". قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: "لاَ حَرَجَ". قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِىَ؟ قَالَ: "لاَ حَرَجَ".
وهذه الطريق الثانية أوردها عن عبد العزيز بن رفيع عن عطاء عن ابن عباس فذكر فيها الزيارة قبل الرمي، والحلق قبل الذبح، والذبح قبل الرمي، وعرف به المراد بقوله في رواية منصور ونحوه، وقد مرَّ في الذي قبله محل الكلام عليه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ أحمد بن يونس في التاسع عشر من الإيمان، ومرَّ أبو بكر بن عياش في الثامن والأربعين والمائة من الجنائز، ومرَّ عبد العزيز بن رفيع في الثالث عشر والمائة من الحج، هذا. ومرَّ محل عطاء وابن عباس في الذي قبله ثم ذكر طريقًا ثالثًا فقال:
وقال عبد الرحيم الرازي: عن ابن خثيم، أخبرني عطاء، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ .
وهذه الرواية المعلقة وصلها الإسماعيلي، عن الحسن بن حماد، عنه ولفظه: أن رجلًا قال: يا رسول الله، طفت بالبيت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج" وصله الطبراني في الأوسط عن عبد الرحيم، وقال: تفرد به عبد الرحيم، عن ابن خثيم كذا قال، والرواية التي تلي هذه ترد عليه، وعرف بهذا أن مراد البخاري أصل الحديث لا خصوص ما ترجم به من الذبح قبل الحلق.
رجاله أربعة:
مرَّ منهم: محل عطاء وابن عباس في الذي قبله والباقي اثنان.
الأول: عبد الرحيم بن سليمان الكناني، وقيل الطائي أبو علي المروزي الأشل، سكن الكوفة، قال سهل بن عثمان: نظر وكيع في حديثه فقال: ما أصح حديثه! كان عبد الرحيم وحفص بن غياث يطلبان الحديث معًا، وقال ابن معين وأبو داود: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، كان عنده مصنفات، وقد صنف الكتب، وقال النسائي وابن المديني: لا بأس به، وقال العجلي: ثقة متعبد، كثير الحديث، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ليس بحجة.
روى عن إسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحول، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن عروة
стр. 6418
وغيرهم، وروى عنه أبو كريب وأبو بكر بن أبي شيبة وإبراهيم بن موسى الرازي وغيرهم، مات سنة سبع وثمانين ومائة في آخر السنة.
الثاني: ابن خثيم بالتصغير وهو عبد الله بن عثمان بن خثيم القاري المكي أبو عثمان، حليف بني زهرة، قال العجلي: ثقة، وقال أبو حاتم: ما به بأس، صالح الحديث، وقال النسائي: ثقة، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال ابن معين: حجة، وقال مرة: أحاديثه ليست بالقوية، وقال ابن عدي هو عزيز الحديث، وأحاديثه حسان، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطىء، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث حسنة، وأخرج النسائي في الحج حديثًا من رواية ابن جريج عنه عن أبي الزبير، عن جابر، ثم قال: ابن خثيم ليس بالقوي، إنما أخرجت هذا، لئلا يجعل ابن جريج، عن أبي الزبير ثم قال: لم يترك يحيى ولا عبد الرحمن حديث ابن حثيم إلا أن علي ابن المديني قال: ابن خثيم منكر الحديث، وكان عليٌّ خلق للحديث، روى عن أبي الطفيل، وصفية بنت شيبة وعطاء ومجاهد وغيرهم، وروى عنه السفيانان وابن جريج ومعمر وغيرهم، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقيل: قبل سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمس وثلاثين.
ثم قال: وقال القاسم بن يحيى: حدّثني ابن خثيم، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . وهذا التعليق قال في الفتح: لم أقف على من وصله.
ورجاله أربعة:
مرَّ ابن خثيم في التعليق قبله، ومرَّ محل عطاء، وابن عباس في الذي قبل هذا بحديث، ومرَّ القاسم بن يحيى في متابعة بعد السابع والعشرين من الاستسقاء.
ثم قال: وقال عفان: أراه عن وهيب، حدّثنا ابن خثيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ .
القائل: أراه هو البخاري، فقد أخرجه أحمد عن عفان، بدونها، ولفظه: جاء رجل فقال: يا رسول الله، حلقت ولم أنحر؟ قال: "لا حرج فانحر" وجاءه آخر فقال: يا رسول الله: نحرت قبل أن أرمي؟ قال: "فارم ولا حرج" وزعم خلف أن البخاري قال فيه: حدثنا عفان، والمراد بهذا التعليق بيان الاختلاف فيه على ابن خثيم، هل شيخه فيه عطاء أو سعيد بن جبير؟ كما اختلف فيه على عطاء، هل شيخه فيه ابن عباس أو جابر؟! فالذي يتبين من صنيع البخاري ترجيح كونه عن ابن عباس، ثم كونه عن عطاء، وأن الذي يخالف ذلك شاذ، وإنما قصد بإيراده بيان الاختلاف، وفي رواية عفان هذه الدلالة على تعدد السائلين عن الأحكام المذكورة.
стр. 6419
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ عفان في الحادي عشر والمائة من الوضوء، ومرَّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ ابن خثيم في التعليق السابق قبل، ومرَّ سعيد بن جبير، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال: وقال حماد: عن قيس بن سعد، وعباد بن منصور، عن عطاء، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ . وهذا التعليق من طريق قيس بن سعد، وصله النسائي والطحاوي والإسماعيلي وابن حبان، وطريق عباد بن منصور وصله الإسماعيلي.
رجاله خمسة:
مرّ منهم حماد بن سلمة في متابعة بعد الحديث الثامن من الوضوء، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، والباقي اثنان.
الأول: قيس بن سعد المكي أبو عبد الملك، أو أبو عبد الله الحبشي مولى نافع بن علقمة، ويقال: مولى أم علقمة، قال أحمد وأبو زرعة وأبو داود ويعقوب بن شيبة: ثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان قد خلف مجلس عطاء، ولكنه لم يعمره، وكان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: مكي ثقة، وسئل أبو داود عن قيس وابن جريج في عطاء، فقال: كان قيس أقدم وابن جريج يقدم، روى عن عطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم، وروى عنه الحمادان وعمران القصير، وجرير بن حازم وغيرهم، مات سنة تسع عشرة أو سبع عشرة ومائة.
الثاني: عباد بن منصور الناجي أبو سلمة البصري القاضي، قال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد عباد بن منصور كان قد تغير؟ قال: لا أدري إلا أنَّا حين رأيناه كان لا يحفظ، ولم أر يحيى يرضاه، وقال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد قال: جدي: عباد ثقة، لا ينبغي أن يترك حديثه لرأي أخطأ فيه، يعني القدر، وقال أبو داود: ولي قضاء البصرة خمس مرات، وليس بذاك، وعنده أحاديث فيها نكارة، وقالوا: تغير، وقال ابن معين: ليس بشيء، وكان يرى القدر، وقال الآجري: سأل عمرو الأغضف عباد بن منصور من حدثك أن ابن مسعود رجع عن قول: الشقي شقي في بطن أمه؟ قال: شيخ لا أدري من هو، فقال عمرو: أنا أدري من هو، قال: من هو؟ قال: الشيطان، وقال النسائي: ليس بحجة، وقال مرة: ليس بالقوي، وقال ابن حبان: كان قدريًا داعية إلى القدر، وكل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن يحيى بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين عنه فدلسها عن عكرمة، لم يسمع من عكرمة، وقال أحمد: كانت أحاديثه منكرة، وكان قدريًا، وكان يدلس إلى غير هذا من التضعيف.
стр. 6420
روى عن عطاء والحسن وهشام بن عروة وغيرهم، وروى عنه إسرائيل وحماد بن سلمة، وزياد بن الربيع، وغيرهم، قال يحيى بن سعيد: مات على بطن امرأته سنة اثنتين وخمسين ومائة.
الحديث الحادي والمائتان
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَالَ: "لاَ حَرَجَ". قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: "لاَ حَرَجَ".
كأن البخاري استظهر به لما وقع في طريق عطاء من الاختلاف، فأراد أن يبين أن لحديث ابن عباس أصلًا آخر، وفي طريق عكرمة هذه زيادة حكم الرمي بعد المساء، فإن فيه إشعارًا بأن الأصل في الرمي أن يكون نهارًا. قال القسطلاني: إن المساء من بعد الزوال إلى الغروب، وخرج بالغروب ما بعده، فلا يكفي الرمي بعده، لعدم وروده كما صرَّح به في الروضة، واعترض بأنهم قالوا: إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده من أيام الرمي يقع أداء، وقضيته أن وقته لا يخرج بالغروب، وأجيب بحمل ما هنا على وقت الاختيار، وهناك على وقت الجواز، وقد صرَّح الرافعي بأن وقت الفضيلة لرمي يوم النحر ينتهي. بالزوال، فيكون لرميه ثلاث أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز، ويبقى وقت الذبح للهدي إلى عصر آخر أيام التشريق كالأضحية، وقد مرَّ ما قيل في تأخير الرمي عند الأئمة في حديث أسماء في باب من قدم ضعفة أهله بليل، وأما الحلق أو التقصير والطواف، فلا يوقتان لأن الأصل عدم التأقيت، نعم يكره تأخيرهما عن يوم النحر، وتأخيرهما عن أيام التشريق أشد كراهة، وخروجه من مكة قبل فعلهما أشد.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان، ومرَّ عبد الأعلي بن عبد الأعلى في تعليق بعد الثالث منه، ومرَّ خالد الحذاء، وعكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
أخرجه البخاري في الحج أيضًا، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
الحديث الثاني والمائتان
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ. فَقَالَ: "أَحَجَجْتَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "بِمَا أَهْلَلْتَ؟ ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلاَلٍ كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ
стр. 6421
- ﷺ . قَالَ: "أَحْسَنْتَ" انْطَلِقْ فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ، فَفَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ، فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ النَّاسَ، حَتَّى خِلاَفَةِ عُمَرَ ﵁، فَذَكَرْتُهُ لَهُ. فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.
هذا الحديث تقدم الكلام عليه مستوفى في باب من أهل في زمن النبي ﷺ كإهلاله ومطابقته هنا للترجمة من قول عمر فيه: "لم يحل حتى يبلغ الهدي محله" لأن بلوغ الهدي محله يدل على ذبح الهدي، فلو تقدم الحلق عليه لصار متحللًا قبل بلوغ الهدي محله، وهذا هو الأصل، وهو تقديم الذبح على الحلق، وأما تأخيره فهو رخصة، وقوله: فقلت بفاء التعقيب بعدها فاء ثم لام خفيفة مفتوحتين ثم مثناة أي: تتبعت القمل منه.
رجاله ستة:
مرّوا: مرَّ عبدان في السادس من بدء الوحي وأبو عثمان في الخامس والمائة من الوضوء وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ قيس بن مسلم وطارق في الثامن والثلاثين منه، وأبو موسى في الرابع منه، والمرأة المبهمة لم تسم.
ثم قال المصنف:
стр. 6422
باب من لَبَّد رأسه عند الإحرام وحلق
أي: بعد ذلك عند الإحلال، قيل: أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف فيمن لبّد هل يتعين عليه الحلق أم لا؟
فنقل ابن بطال عن الجمهور تعيُّن ذلك، حتى عند الشافعي، وقال أهل الرأي: لا يتعين، بل إن شاء قصر، وهذا قول الشافعي في الجديد، والأول القائل به الجمهور، هو قول مالك والثوري وأحمد، واحد قولي الشافعي وإسحاق، وأبي ثور، وكذا لو ضفر رأسه أو عقصه، كان حكمه حكم التلبيد، ويأتي في اللباس عن عمر: "من لبّد رأسه فليحلق" وفي كامل ابن عدي عن ابن عمر مرفوعًا: "من لبّد رأسه للإحرام، فقد وجب عليه الحلق" وهو فعل النبي ﷺ ، وبه أمر عُمر وابنه النَّاس، وقال أبو حنيفة: من لبَّد رأسه أو ضفره، فإن قصر ولم يحلق أجزأه، وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: من لبّد أو عقص أو ضفر، فإن نوى الحلق فليحلق وإن لم ينوه، فإن شاء حلق، وإن شاء قصر.
الحديث الثالث والمائتان
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ ﵃ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ".
أورد حديث حفصة هذا وفيه: "إني لبّدت رأسي" وليس فيه تعرض إلا أنه معلوم من حاله ﵊ أنه حلق رأسه في حجه، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث ابن عمر كما في أول الباب الذي بعده، وأردفه ابن بطال بحديث حفصة، فجعله من هذا الباب لمناسبته للترجمة، وقد مرَّ غير مرة أنه لا يلزمه أن يأتي بجميع ما اشتمل عليه الحديث في الترجمة، بل إذا وجدت واحدة كفت.
وقد تقدم الكلام على حديث حفصة في باب التمتع والقِران.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ نافع في الأخير
стр. 6423
من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرت حفصة في الثالث والستين من الوضوء.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة غير الترمذي.
ثم قال المصنف:
стр. 6424
باب الحلق والتقصير عند الإحلال
قال ابن المنير: أفهم البخاري بهذه الترجمة أن الحلق نسك لقوله: عند الإحلال، وما يصنع عند الإِحلال، وليس هو نفس التحلل؟ وكأنه استدل على ذلك بدعائه ﵊ لفاعله والدعاء يشعر بالثواب، والثواب لا يكون إلا على العبادة، لا على المباحات، وكذلك تفضيله الحلق على التقصير يشعر بذلك؛ لأن المباحات لا تتفاضل، والقول بأن الحلق نسك قول الجمهور، إلا رواية مضعفة عن الشافعي أنه استباحة محظور، وقد أوهم كلام ابن المنذر أن الشافعي تفرد بها، لكن حكيت أيضًا عن عطاء، وعن أبي يوسف، وهي رواية عن أحمد وعن بعض المالكية، وقال زين الدين في شرح الترمذي: إن الحلق نسك، قاله النووي، وهو قول أكثر أهل العم، وهو القول الصحيح للشافعي.
وفيه خمسة أوجه:
أصحها: أنه ركن لا يصح الحج والعمرة إلاَّ به.
والثاني: أنه واجب.
والثالث: أنه مستحب.
والرابع: أنه استباحة محظور.
والخامس: أنه ركن في الحج، واجب في العمرة، وإليه ذهب أبو حامد وغير واحد من الشافعية، والحلق أفضل للرجال ولا يفدى عاجز عن أخذه لجراحة أو نحوها، بل يصبر إلى قدرته ولا يسقط عنه، ويستحب لمن لا شعر له أن يمر على الموسى تشبيهًا بالحالقين، وعند الحنفية هو واجب أو مستحب، وأقل ما يجزىء عند الشافعية ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة، وعند أبي حنيفة الربع، وعند أبي يوسف النصف، وعند مالك وأحمد يجب حلق جميعه، واستحبه الكوفيون والشافعي، ويستوعبه بالتقصير من قرب أصله عند المالكية، فإن أخذ من أطرافه أخطأ وأجزأ، وهو جار على الحلق عند الأئمة، ويستحب عند الشافعية أن لا ينقص التقصير عن قدر الأنملة، وإن اقتصر على دونها أجزأ، وهذا كله في حق الرجال، وأما النساء فالمشروع في حقهن التقصير بالإجماع أنملة، أو أنقص، أو أزيد، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود: "ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصير".
стр. 6425
وللترمذي عن علي: "نهى أن تحلق المرأة رأسها" وقال جمهور الشافعية: لو حلقت أجزأها، ويكره، وقال القاضيان أبو الطيب وحسين: لا يجوز، قال الكمال بن الهمام: اتفق الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي أن قال كل منهم بأنه يجزىء في الحلق القدر الذي قال: إنه يجزىء في الوضوء، ولا يصح أن يكون هذا منهم بطريق القياس؛ لأنه يكون قياسًا بلا جامع بظهر أثره، وذلك لأن حكم الأصل على تقدير القياس وجوب المسح، ومحله المسح، وحكم الفرع وجوب الحلق، ومحله الحلق للتحلل، ولا يظنّ أن محل الحكم الرأس، إذا لا يتحد الفرع والأصل، وذلك أن الأصل والفرع هما محلا الحكم المشبه به والمشبه، والحكم هو الوجوب مثلًا، ولا قياس يتصور عند اتحاد محله إذ لا إثنينية وحينئذٍ فحكم الأصل وهو وجوب المسح ليس فيه معنى يوجب جواز قصره على الربع، إنما فيه نفس النص الوارد فيه، وهو قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ بناء، إما على الإجمال، والتحاق حديث المغيرة بيانًا، أو على عدمه والمفاد بسبب الباء إلصاق اليد كلها بالرأس؛ لأن الفعل حينئذٍ يصير متعديًا إلى الآلة بنفسه فيشملها، وتمام اليد يستوعب الربع عادة فيتعين قدره لا أن فيه معنى ظهر أثره في الاكتفاء بالربع، أو بالبعض مطلقًا، أو تعين الكل في وجوب حلقها عند التحلل من الإحرام، ليتعدى الاكتفاء بالربع من المسح إلى الحلق، وكذا الآخران.
وإذا انتفت صحة القياس فالمرجع في كل من المسحة، وحلق التحلل ما يفيده نص الوارد فيه، والوارد في المسح دخلت فيه الباء على الرأس التي هي المحل فأوجب عند الشافعي التبعيض، وعند الحنفية والمالكية الباء للإلصاق غير أن الحنفية لاحظوا تعدي الفعل للآلة فيجب قدرها من الرأس، ولم يلاحظها مالك، فاستوعب الكل، أو جعلها صلة كما في: ﴿وامسحوا بوجوهكم﴾ في آية التيمم، فاقتضى وجوب استيعاب المسح، وأما الوارد في الحلق فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿محلقين رؤوسكم﴾ من غير باء ففيها إشارة إلى طلب تحليق الرؤوس، أو تقصيرها، وليس فيها ما هو الموجب بطريق التبعيض عند الحنفية والشافعية، وهو دخول الباء على المحل، ومن السنة فعله عليه الصلاة السلام، وهو الاستيعاب فكان مقتضى الدليل في الحلق وجوب الاستيعاب كما هو قول مالك، وهو الذي أدين الله به.
وكتبت هذا البحث بطوله لحسنه عندي وإصابته للصواب.
الحديث الرابع والمائتان
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قال: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّتِهِ.
وهذا طرف من حديث طويل رواه مسلم، عن نافع، أن ابن عمر أراد الحج عام نزول
стр. 6426
الحجاج بابن الزبير، الحديث، نبه على ذلك الإسماعيلي.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرَّ محل نافع وابن عمر في الذي قبله.
الحديث الخامس والمائتان
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ".
أخرج البخاري هنا ثلاثة أحاديث عن ابن عمر، وكأنه لم يقع له على شرطه التصريح يحمل الدعاء للمحلقين، فاستنبط من الحديث الأول، والثالث أن ذلك كان في حجة الوداع، لأن الأول صرَّح بأن حلاقه كان في حجته، والثالث لم يصرح بذلك، إلا أنه بين فيه أن بعض الصحابة حلق، وبعضهم قصّر، وقد أخرجه في المغازي عن موسى بن عقبة، عن نافع بلفظ: "حلق في حجة الوداع، وأناس من أصحابه، وقصر بعضهم" وأخرج مسلم عن نافع مثل حديث جويرية سواء، وزاد فيه: أن رسول الله ﷺ قال: "يرحم الله المحلقين" فأشعر ذلك أن ذلك وقع في حجة الوداع، وقد تعارضت الأحاديث في وقت وقوع هذا الدعاء، فمنها ما دل على أن ذلك كان في الحديبية، ومنها ما دل على أنه كان في حجة الوداع، قال ابن عبد البر: إنما جرى ذلك يوم الحديبية حين صد عن البيت، قال: وهذا محفوظ مشهور من حديث ابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وحبشي بن جنادة، ثم ساق تخريج أحاديث المذكورين، إلاَّ أن حديث أبي هريرة ليس فيه تعيين الموضع، ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبي ﷺ ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع، لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية، ولم يسق ابن عبد البر عن ابن عمر في هذا شيئًا، وليس في شيء من الطرق المروية عنه تعيين الموضع، وقد قدمت قريبًا أنه مخرج من مجموع الأحاديث عنه، أن ذلك كان في حجة الوداع، وكذلك حديث حبشي بن جنادة ليس فيه تعيين المكان، وقد أخرجه أحمد وزاد في سياقه عن حبشي: وكان ممن شهد حجة الوداع، فذكر هذا الحديث، وهذا يشعر بأنه كان في حجة الوداع، وفي حديث جابر عن أبي قرة في السنن تعيين الحديبية وفي حديث المسور بن مخرمة، عند ابن إسحاق في المغازي تعيينها أيضًا، وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم، ومن حديث قارب بن الأسود عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث
стр. 6427
أم عمارة عند الحارث، قال في الفتح، فالأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددًا، وأصح إسنادًا، ولهذا قال النووي عقيب أحاديث ابن عمر، وأبي هريرة وأم الحصين: هذه الأحاديث تدل على أن هذه الواقع كانت في حجة الوداع.
قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كان في الحديبية، وجزم بأن ذلك كان في الحديبية إمام الحرمين في النهاية، ثم قال النووي: لا يبعد أن يكون وقع في الموضعين، وقال عياض: كان في الموضعين، ولذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، قال في الفتح: بل هو المتعين، لتظافر الروايات بذلك في الموضعين كما مرَّ، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقف مَنْ توقف مِنَ الصحابة عن الإحلال، لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت، مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبي ﷺ وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل. والقصة مشهورة ستأتي في مكانها -إن شاء الله تعالى-.
فلما أمرهم النبي ﷺ بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو ﵊ قبلهم، ففعل فتبعوه، فحلق بعضهم، وقصّر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس المشار إليه قبل، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله: ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة؟ قال: "لأنهم لم يشكوا".
وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال ابن الأثير في النهاية: كان أكثر من حج مع النبي ﷺ لم يسق الهدي فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها، ويحلقوا رؤوسهم شقّ عليهم، ثم لما لم يكن لهم بدٌّ من الطاعة، كان التقصير أقرب، وأخف في أنفسهم من الحلق، ففعله أكثرهم فرجح النبي ﷺ فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر، وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج، إذا كان ما بين النسكين متقاربًا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابي وغيره: أن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزين به، وكان الحلق فيهم قليلًا، وربما كانوا يرونه من الشهرة، ومن زي الأعاجم فلذلك كرهوا الحلق، واقتصروا على التقصير، ووجه بعضهم كون الحلق أفضل من التقصير بأنه أبلغ في العبادة، وأبين للخضوع والذلة، وأدل على صدق النية، والذي يقصر يبقي على نفسه شيئًا مما يتزين به بخلاف الحالق، فإنه يشعر بأنه ترك ذلك لله تعالى، وفيها إشارة إلى التجرد، ومن ثم استحب الصلحاء إلقاء الشعور عند التوبة.
وأما قول النووي تبعًا لغيره في تعليل ذلك بأن المقصر يبقي على نفسه الشعر الذي هو زينته، والحاج مأمور بترك الزينة، بل هو أشعث أغبر، ففيه نظر؛ لأن الحلق إنما يقع بعد
стр. 6428
انقضاء زمن الأمر بالتقشف، فإنه يحل له عقبه كل شيء إلا النِّساء في الحج خاصة، والحالق لرأسه ﵊ في حجة الوداع هو معمر بن عبد الله بن نضلة، كما أفاده ابن خزيمة في صحيحه.
وقال النووي: إنه الصحيح المشهور، وقيل: الذي حلق رأسه ﵊ خراش بن أمية بن ربيعة، حكاه النووي في شرح مسلم، وقال زين الدين العراقي: هذا وهم من قائله، وإنما حلق رأسه خراش في الحديبية، وقد بينه ابن عبد البر فقال في ترجمة خراش هو الذي حلق رأس النبي ﷺ يوم الحديبية.
وكيفية حلقه ﵊ هي ما رواه مسلم عن أنس أنه ﵊ أتى مني، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، وقال للحلاق: "خذ" وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس، وروى الترمذي عن أنس أيضًا قال: ثم ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، ثم ناوله شقه الأيسر فحلقه، فقال له: "اقسمه بين الناس" وظاهر رواية الترمذي أن الذي قسمه أبو طلحة بأمره ببن الناس هو الشق الأيسر، وهكذا رواية مسلم عن ابن عيينة، وأما رواية حفص بن غياث، وعبد الأعلى ففيهما أن الشق الذي قسمه بين الناس هو الأيمن، وكلا الروايتين عند مسلم، ففي رواية حفص قال للحلاق: "ها" وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، هكذا، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه، فأعطاه أم سليم، ورواية عبد الأعلى قال فيها: وقال بيده، فحلق شقه الأيمن، فقسمه فيمن يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر" فقال: "أين أبو طلحة؟ " فأعطاه إياه، واختلف أهل الحديث في الاختلاف الواقع في هذا الحديث، فذهب بعضهم إلى الجمع بينهما، وذهب بعضهم إلى الترجيح لتعذر الجمع عنده، قال صاحب المفهم: إن قوله: لما حلق شق رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة، لا منافاة فيه لما في الرواية الثانية من أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس، وأعطى أم سليم شعر الجانب الأيسر فقال: إنه أعطاه لأبي طلحة ليقسمه بين الناس ففعل، وأعطى الآخر أم سليم ليكون عند أبي طلحة، فصحت نسبة ذلك إلى كل من نسب إليه.
والصحيح أن الذي وزعه على الناس هو الأيمن، وأعطى الأيسر أبا طلحة وأم سليم، ولا تضاد بين الروايتين؛ لأن أم سليم امرأة أبي طلحة، فكان الإعطاء لهما فنسبت العطية تارة له، وتارة لها، وقال زين الدين: كأن المحب الطبري رجّح رواية تفرقة الشق الأيمن بكثرة الرواة، وقد ترجح تفرقة الأيسر بكونه متفقًا عليه، وتفرقة الأيمن من أفراد مسلم، فعند البخاري عن ابن سيرين عن أنس أن النبي ﷺ لما حلق، كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره، وهذا يدل على أن الذي أخذه أبو طلحة الأيمن، وإن كان يجوز أن يقال: إنه أخذه
стр. 6429
ليفرقه، ولكن ظاهره أنه أخذه لنفسه، ويبدأ الحالق بيمين المحلوق وروى الكرماني عن أبي حنيفة أنه يبدأ بيمين الحالق ويسار المحلوق، والصحيح عنه الأول، ويدخل وقت الحلق من طلوع الفجر عند المالكية وعند الشافعية بنصف ليلة النحر، ولا آخر لوقته، والحلق بمنى يوم النحر أفضل، قالوا: ولو آخره حتى بلغ بلده حلق وأهدى، ولو وطيء قبل الحلق فعليه هدي، بخلاف الصيد على المشهور عندهم، وعند المالكية، وقال ابن قدامة: يجوز تأخيره إلى آخر أيام النحر، فإن آخره عن ذلك ففيه روايتان، ولا دَمَ عليه، وبه قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور، ويشبه مذهب الشافعي، لأن الله تعالى بيّن أول وقته بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ولم يبين آخره، فمتى أتى به أجزأه، وعن أحمد عليه دم بتأخيره وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه نسك أخَّره عن محله، ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير، والساهي والعامد، وقال مالك وإسحاق والثوري، وأبو حنيفة، ومحمد: من تركه حتى حل فعليه دم؛ لأنه نسك، فيأتي به في إحرام الحج كسائر مناسكه.
وفي حديث الباب من الفوائد أن التقصير يجزىء عن الحلق، وهو مجمع عليه إلا ما روي عن الحسن البصري أن الحلق يتعين في أول حجة، حكاه ابن المنذر بصيغة التمريض، وقد ثبت عن الحسن خلافه، وروى ابن أبي شيبة عن الحسن في الذي لم يحج قط، فإن شاء حلق، وإن شاء قصَّر، نعم روى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: إذا حج الرجل أول حجة حلق، فإن حج أخرى، فإن شاء حلق، وإن شاء قصّر، ثم روى عنه أنه قال: كانوا يحبون أن يحلقوا في أول حجة، وأول عمرة، وهذا يدل على أن ذلك للاستحباب، لا للزوم، وقد مرَّ حكم الملبّد في باب من لبّد رأسه.
وفي الحديث أيضًا مشروعية الدعاء لمن فعل ما شرع له، وتكرار الدعاء لمن فعل الراجح من الأمرين المخير فيهما، والتنبيه بالتكرار على الرجحان، وطلب الدعاء لمن فعل الجائز، وإن كان مرجوحًا، وفي هذه الأحاديث طهارة شعر الآدمي، وهو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وخالف في ذلك أبو جعفر الترمذي منهم، فخصص الطهارة بشعره ﵊، وقال بنجاسة شعر غيره، وفيها التبرك بشعره ﵊، وغير ذلك من آثاره بأبي وأمي ونفسي هو، وقد روى أحمد في مسنده إلى ابن سيرين، عن عبيدة السلماني قال: لأن تكون لي شعرة منه أحب إلى من كل بيضاء وصفراء على وجه الأرض، وفي بطنها.
وأخرج البخاري هذا الحديث في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان بلفظ أحب إليّ من الدنيا وما فيها. وروى غير واحد أن خالد بن الوليد كان في قلنسوته شعرات من شعره ﵊، فلذلك كان لا يقدم على وجه إلا فتح له، ويؤيد ذلك ما ذكره الملأ في سيرته أن خالدًا سأل أبا طلحة -حين فرق شعره ﵊ بين الناس- أن
стр. 6430
يعطيه شعر ناصيته، فأعطاه إياه فكان مقدم ناصيته مناسبًا لفتح كل ما قدم عليه، وفيها أنه لا بأس باقتناء الشعر البائن من الحي وحفظه عنده، وأنه لا يجب دفنه كما قال بعضهم: إنه يجب دفن شعور بني آدم أو يستحب، وذكر الرافعي في سنن الحلق فقال: إذا حلق، فالمستحب أن يبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر، وأن يكون مستقبل القبلة، وأن يكبر بعد الفراغ، وأن يدفن شعره، وزاد المحب الطبري صلاة ركعتين بعده فهي إذًا خمسة، وفيها مواساة الإِمام والكبير لأصحابه، وأنه لا بأس بتفضيل بعضهم على بعض في القسمة لأمر اقتضى ذلك، يؤديه إليه اجتهاده، ولنرجع إلى إتمام الكلام على الحديث.
قوله: "قالوا: والمقصرين يا رسول الله" قال في الفتح: لم أقف في شيء من الطرق على الذي تولى السؤال بعد البحث الشديد عنه والواو في "والمقصرين" عاطفة على شيء مقدر تقديره قل "المقصرين" أو قل: وارحم المقصرين، وهو يسمى العطف التلقيني، وفي قوله ﷺ : "والمقصرين" إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه، ولو تخلل السكوت لغير عذر.
وقوله: "والمقصرين" كذا في معظم الروايات عن مالك إعادة الدعاء للمحلقين مرتين، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة الموطأ بإعادة ذلك ثلاث مرات، نبّه عليه ابن عبد البر في التقصي، وأغفله في التمهيد، بل قال فيه: إنهم لم يختلفوا عن مالك في ذلك، قال في الفتح: إنه في موطأ يحيى بن بكير، كما قال في التقصي.
رجاله أربعة: مرَّ محلهم في الذي قبله بحديث.
أخرجه مسلم وأبو داود بهذا الإسناد.
ثم قال: وقال الليث: حدَّثني نافع: رحم الله المحلقين مرة أو مرتين، وصله مسلم ولفظه: "رحم الله المحلقين -مرة أو مرتين- قالوا: والمقصرين؟ قال: والمقصرين، والشك فيه من الليث، وإلا فأكثرهم موافق لما رواه مالك، ومرَّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ونافع في الأخير من العلم.
ثم قال: وقال عبيد الله: حدَّثني نافع قال في الرابعة: والمقصرين.
عبيد الله بالتصغير وهو العمري وروايته وصلها مسلم عنه باللفظ الذي علقه البخاري وأخرجه أيضًا عن ابن نمير عنه بلفظ: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين؟ فذكر مثل رواية مالك سواء، وزاد: قال: "رحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين".
وبيان كونها في الرابعة هو أن قوله: والمقصرين معطوف على مقدر تقديره: يرحم الله المحلقين، وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاث مرات صريحًا، فيكون دعاؤه
стр. 6431
للمقصرين في الرابعة، وقد رواه أبو عوانة في مستخرجه عن عبيد الله بلفظ: قال في الثالثة: والمقصرين، والجمع بينهما واضح بأن من قال في الرابعة فعلى ما مرَّ، ومن قال في الثالثة أراد أن قوله: والمقصرين معطوف على الدعوة الثالثة، أو أراد بالثالثة مسألة السائلين في ذلك، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث كما ثبت، ولو لم يدع لهم بعد ثلاث ما سألوه في ذلك، وأخرجه أحمد عن نافع بلفظ: اللهم اغفر للمحلقين قالوا: وللمقصرين حتى قالها ثلاثًا أو أربعًا، ثم قال: والمقصرين، ورواية من جزم مُقدَّمة على رواية من شك.
وعبيد الله العمري مرَّ في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم.
الحديث السادس والمائتان
حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ". قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَهَا ثَلاَثًا. قَالَ: "وَلِلْمُقَصِّرِينَ".
قوله: "عياش" بالتحتانية والمعجمة، وفي رواية ابن السكن بالموحدة والمهملة، والأول هو الصواب فإن البخاري لم يخرج للعباس بن الوليد بالموحدة والمهملة إلا ثلاثة أحاديث، نسبه في كل منها النرسي أحدها في علامات النبوءة، والآخر في المغازي، والثالث في الفتن، ذكره معلقًا، قال: وقال عباس النرسي، وأما الذي بالتحتانية والمعجمة فأكثرَ عنه، وفي الغالب لا ينسبه.
وقوله: قالها ثلاثًا، أي: قوله: اللهم اغفر للمحلقين، وهذه الرواية شاهدة؛ لأن عبيد الله العمري حفظ الزيادة، قال في الفتح: إن حديث أبي هريرة هذا لم يروه إلا من رواية محمد بن فضيل هذه، بهذا الإسناد في جميع السنن والمسانيد، فهي من أفراده عن عمارة، ومن أفراد عمارة عن أبي زرعة، وتابع أبا زرعة عليه عبد الرحمن بنُ يعقوب، أخرجه مسلم ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوان، ولفظ أبي زرعة أتم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ عياش بن الوليد في الخامس والثلاثين من الغسل، ومرَّ محمد بن فضيل في الحادي والثلاثين من الإيمان، ومرَّ عمارة بن القعقاع وأبو زرعة في التاسع والعشرين منه، وأبو هريرة في الثاني منه.
لطائف إسناده:
стр. 6432
فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول مكررًا، وشيخه بصري، والبقية كوفيون أخرجه مسلم.
الحديث السابع والمائتان
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: حَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ.
وهذا الحديث الكلام عليه يكفي منه ما مرَّ عند حديثه الثاني.
رجاله أربعة:
مرَّ منهم: جويرية بن أسماء في الأربعين من الغسل، ونافع في الأخير من العلم، وابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عبد الله بن محمد في الثالث من الجمعة.
أخرجه البخاري في الحج أيضًا.
الحديث الثامن والمائتان
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵃ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ.
قوله: "عن الحسن بن مسلم" في رواية يحيى بن سعيد، عن ابن جريج حدَّثني الحسن بن مسلم أخرجه مسلم.
وقوله: "عن معاوية" في رواية مسلم أن معاوية بن أبي سفيان أخبره.
وقوله: "قصَّرت" أي: أخذت من شعر رأسه وهو يشعر بأن ذلك كان في نسك، إما في حج أو عمرة، وقد ثبت أنه حلق في حجته فتعين أن يكون في عمرة، ولاسيما وقد روى مسلم في هذا الحديث أن ذلك كان بالمروة، ولفظه: قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص وهو على المروة، أو رأيته يقصر عنه بمشقص وهو على المروة، وهذا يحتمل أن يكون في عمرة القضية، أو الجعرانة، لكن عند مسلم عن طاووس بلفظ: أما علمت أني قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص وهو على المروة، فقلت: لا أعلم هذه إلا حجة عليك، وفي رواية لأحمد: قصرت عن رأس رسول الله ﷺ بالمروة، وهذه ترد على من قال: إن في رواية معاوية هنا حذفًا تقديره قصرت أنا شعري عن أمر رسول الله ﷺ .
وقوله: "فقلت: لا أعلم هذه إلا حجة عليك" هذا من كلام ابن عباس، ومراده كما بينه النسائي أن هذا حجة على معاوية في نهيه الناس عن المتعة، وقد تمتع النبي ﷺ ، ولأحمد عن ابن عباس تمتع رسول الله ﷺ حتى مات، قال: وأول من نهى عنها معاوية، قال ابن
стр. 6433
عباس: فتعجبت منه، وقد حدَّثني أنه قصر عن رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على أن ابن عباس عمل ذلك على وقوعه في حجة الوداع، لقوله لمعاوية: إن هذا حجة عليك، إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على معاوية حجة، وأصرح منه ما عند أحمد عن قيس بن سعد، عن عطاء أن معاوية حدّث أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله ﷺ في أيام العشر بمشقص معي. وهو محرم، وفي كونه في حجة الرداع نظر، لأن النبي ﷺ لم يحل حتى بلغ الهدي محله، فكيف يقصر عنه على المروة؟!
وقد بالغ النووي في الرد على من زعم أن ذلك كان في حجة الوداع فقال: هذا الحديث محمول على أن معاوية قصر عن النبي ﷺ في عمرة الجعرانة، لأنه ﵊ في حجة الوداع كان قارنًا، وثبت أنه حلق بمنى، وقسم أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، وغلط غلطًا فاحشًا من زعم أنه ﵊ كان متمتعًا فيها، وجعل التقصير فيها لتظاهر الأحاديث على أنه قال: قلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر، ولا يصح حمله على عمرة القضاء الواقع سنة سبع، لأن معاوية حينئذٍ لم يكن مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان على الصحيح المشهور، وكون معاوية أسلم عام الفتح هو الصحيح، ولكن يمكن الجمع بأنه كان أسلم خفية، وكان يكتم إسلامه ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح، وقد أخرج ابن عساكر في ترجمة معاوية تصريحه بأن أسلم بين الحديبية والقضية، وأنه كان يخفي إسلامه خوفًا من أبويه، وكان النبي ﷺ لما دخل مكة في عمرة القضية، خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظرونه وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعل معاوية كان ممن تخلف بمكة لسبب اقتضاه، ولا يعارضه أيضًا قول سعد بن أبي وقاص فيما أخرجه مسلم، فعلناها يعني العمرة في أشهر الحج، وهذا يومئذٍ كافر بالعُرُش بضمتين يعني بيوت مكة، يشير إلى معاوية؛ لأنه يحمل على أنه أخبر بما استصحبه من حاله، ولم يطلع على إسلامه لكونه كان يخفيه، قلت: هذا الاحتمال -وإن جوز العقل من إخفاء إسلامه-، لا يجوز أن النبي ﷺ يعطي رأسه لمظهر الكفر يقصه له، وأصحابه متوافرون، ويعكر على ما جوزوه من أن تقصيره كان في عمرة الجعرانة، أن النبي ﷺ ركب من الجعرانة، بعد أن أحرم بعمرة، ولم يستصحب أحدًا معه، إلا بعض أصحابه المهاجرين، فقدم مكة، فطاف وسعى وحلق ورجع إلى الجعرانة، فأصبح بها كبائت، فخفيت عمرته على كثير من الناس.
أخرجه الترمذي وغيره، ولم يعدوا معاوية فيمن كان صحبه حينئذٍ، ولا كان معاوية فيمن تخلف عنه بمكة في غزوة حنين، حتى يقال: لعله وجده بمكة، بل كان مع القوم، وأعطاه مثل ما أعطى أباه من الغنيمة، مع المؤلفة، وأخرج الحاكم في الإكليل أن الذي حلق رأسه ﵊ في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة، فإن ثبت
стр. 6434
هذا وثبت أن معاوية كان حنيئذٍ معه، أو كان بمكة فقصر عنه بالمروة، أمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه أولًا، وكان الحلاق غائبًا في بعض حاجته، ثم حضر فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق، لأنه أفضل ففعل.
وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضية، وثبت أنه ﵊ حلق فيها، جاء هذا الاحتمال بعينه، وحصل التوفيق بين الأخبار كلها، وقال ابن حزم: يحتمل أن يكون معاوية قصر عن رأس رسول الله ﷺ بقية شعر لم يكن الحلاق استوفاه يوم النحر، وتعقب هذا بأن الحالق لا يبقي شعرًا يقصر منه، ولاسيما وقد قسم ﷺ شعره بين الصحابة، الشعرة والشعرتين، وأيضًا فهو ﵊ لم يسع بين الصفا والمروة إلاَّ سعيًا واحدًا في أول ما قدم، فماذا يصنع عند المروة في العشر، في رواية قيس بن سعد المتقدمة، وهي شاذة، وقد قال قيس بن سعد عقبها: والناس ينكرون ذلك، ورجح النووي كونه في الجعرانة، وصوبه المحب الطبري وابن القيم وفيه نظر؛ لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة.
وقوله: "بمشقص" بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح القاف، وآخره صاد مهملة، قال القزاز: هو فصل عريض يرمى به الوحش، وقال صاحب المحكم: هو الطويل من النصال، وليس بعريض، وكذا قال أبو عبيدة.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، ومرَّ معاوية في الثالث عشر منه، ومرَّ ابن جريج في الشاك من الحيض، ومرَّ الحسن بن مسلم في التاسع والعشرين من الغسل، وطاووس بعد الأربعين من الوضوء في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
رواته كلهم مكيون، سوى شيخه، فإنه بصري.
وفيه رواية الصحابي عن الصحابي، وهذا الحديث أخرجه مسلم.
ثم قال المصنف:
стр. 6435
باب تقصير المتمتع بعد العمرة
أي عند الإحلال منها.
الحديث التاسع والمائتان
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا.
فيه التخيير بين الحلق والتقصير للمتمتع، وهو على التفصيل، فإن كان بحيث يطلع شعره فالأولى له الحلق، وإلا فالتقصير، ليقع له الحلق في أكمل العبادتين.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ محمد بن أبي بكر وفضيل بن سليمان في الرابع والثمانين من استقبال القبلة، وموسى بن عقبة في الخامس من الوضوء، وكريب في الرابع منه وابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال المصنف:
стр. 6436
باب الزيارة يوم النحر
أي: زيارة الحاج البيت للطواف به، وهو طواف الإفاضة، ويسمى أيضًا طواف الصدر وطواف الركن.
ثم قال:
وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس ﵃: أخّر النبي ﷺ الزيارة إلى الليل. قال ابن القطان الفاسي: هذا الحديث مخالف لما رواه ابن عمر وجابر، عن النبي ﷺ أنه طاف يوم النحر نهارًا، فكأن البخاري عقبه بطريق أبي حسان ليجمع بذلك بين الأحاديث، فيحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عباس هذا على بقية الأيام، وهذا التعليق وصله الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وأبو الزبير مرَّ في متابعة بعد الثامن والخمسين من الجماعة، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه.
ثم قال:
ويذكر عن أبي حسان، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ كان يزور البيت أيام مني.
وصله الطبراني عن قتادة، وقال ابن المديني: إنه لم يحفظ عن أحد من الصحابة قتادة إلا من هشام، فإنه نسخة من كتاب ابنه معاذ عنه، ولفظه: كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى، ولرواية أبي حسان شاهد مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة عن طاووس أن النبي ﷺ كان يفيض كل ليلة.
وابن عباس مرَّ الآن، وأبو حسان هو: مسلم بن عبد الله الأعرج، ويقال: الأجرد أيضًا، بصري، قال ابن عبد البر: الأجرد الذي يمشي على ظهر قدميه، وقدماه ملتويتان، وهو عندهم ثقة في حديثه، إلا أنه روى عن قتادة قال: سمعت أبا حسان الأعرج وكان حروريًا، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال العجلي: بصري، تابعي، ثقة، ويقال: إنه كان يرى رأي الخوارج، وقال أحمد: مستقيم الحديث، أو مقارب الحديث، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يعقوب بن شيبة لابن المديني: من روى عن أبي حسان غير قتادة؟ قال: لا أعلمه.
стр. 6437
روى عن علي وابن عباس، وأبي هريرة وعائشة، وروى عنه قتادة وعاصم الأحول، قتل يوم الحرورية سنة ثلاثين ومائة.
الحديث العاشر والمائتان
وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنًى - يَعْنِي يَوْمَ النَّحْرِ. وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ.
قوله: "إنه طاف طوافًا واحدًا" أي: للإفاضة.
وقوله: "ثم يقيل" بفتح المثناة التحتية وكسر القاف من القيلولة، أي: بمكة.
وقوله: "ثم يأتي منى" يحتمل أن يكون في وقت الظهر؛ لأن النهار كان طويلًا، وقد ثبت أنه صلَّى الظهر بمنى.
وقوله: "ورفعه عبد الرزاق" أي: قال أبو نعيم: ورفعه عبد الرزاق، قال: حدَّثنا عبيد الله فيما وصله ابن خزيمة والإسماعيلي، عن عبد الرزاق بلفظ أبي نعيم، وزاد في آخره: ويذكر أي: ابن عمر أن النبي ﷺ فعله، وفيه التنصيص على الرجوع إلى منى بعد القيلولة في يوم النحر، ومقتضاه أن يكون خرج إلى مكة لأجل الطواف قبل ذلك.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ عبد الرزاق في الخامس والثلاثين منه، ومرَّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
وهذا الحديث أخرجه البخاري بصيغة التعليق، وقد وصله مسلم، ومرَّ في الثامن والأربعين من الجماعة ما قيل في قول البخاري: وقال فلان.
الحديث الحادي عشر والمائتان
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا حَائِضٌ؟ قَالَ: "حَابِسَتُنَا هِي". قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: "اخْرُجُوا".
стр. 6438
قوله: "فأفضنا يوم النحر" أي: طفنا طواف الإفاضة، وهو موافق للترجمة، وذكر فيه قصة صفية، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليها في باب المرأة تحيض بعد الإفاضة من كتاب الحيض، وقبل قليل بزيادة في باب التمتع والإفراد والقِران.
رجاله ستة:
وفيه: ذكر أم المؤمنين صفية، وقد مرَّ الجميع: مرَّ يحيى بن بكير والليث في الثالث من بدء الوحى، ومرَّ أبو سلمة في الرابع منه، وعائشة في الثالث منه، ومرَّ جعفر بن ربيعة في الرابع من التيمم، ومرَّ الأعرج في السابع من الإيمان، ومرت صفية في الثالث والثلاثين من الحيض.
ثم قال:
ويذكر عن القاسم وعروة، والأسود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أفاضت صفية يوم النحر. وغرضه بهذا أن أبا سلمة لم ينفرد بذلك عن عائشة، وإنما لم يجزم به لأن بعضهم أورده بالمعنى كما نُبَيِّنُه، فلفظ القاسم عن عائشة قالت: كنا نتخوف أن تحيض صفية قبل أن تفيض، فجاءنا رسول الله ﷺ فقال: "أحابستنا صفية؟ " قلنا: قد أفاضت، قال: "فلا إذًا" ولفظ عروة عنها أن صفية حاضت بعدما أفاضت، ولفظ الأسود عنها: حاضت صفية فقال: "أطافت يوم النحر" فقيل: نعم.
وأما طريق القاسم، فقد أخرجه مسلم، وأما طريق عروة، فقد أخرجه البخاري في المغازي، وأما طريق الأسود، فقد أخرجه موصولًا في باب الإدلاج من المحصب، وقد مرَّ القاسم في الحادي عشر من الغسل، ومرَّ عروة مع عائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ الأسود في السابع والستين من العلم، ومرَّ محل صفية في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
стр. 6439
باب إذا رمى بعدما أمسى أو حلق قبل أن يذبح ناسيًا أو جاهلًا
لم يبين الحكم في الترجمة إشارة منه إلى أن الحكم برفع الحرج مقيد بالجاهل أو الناسي، فيحتمل اختصاصهما بذلك، أو إلى أن نفي الحرج لا يستلزم رفع وجوب القضاء أو الكفارة، وهذه المسألة مما وقع فيه الاختلاف بين العلماء، وقد مرَّ الكلام عليها مستوفى في باب الحلق والتقصير عند الإحلال.
وقوله: "إذا رمى بعدما أمسى" منتزع من حديث ابن عباس في الباب قال: رميت بعدما أمسيت، أي: بعد دخول المساء، وهو على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل.
الحديث الثاني عشر والمائتان
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْي وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَقَالَ: "لاَ حَرَجَ".
هذا الحديث والذي بعده مرَّ الكلام عليهما في باب الفتيا، وهو واقف على الدابة أو غيرها.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ موسى بن إسماعيل، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ عبد الله بن طاووس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرَّ أبوه طاووس في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين بعد الأربعين من الوضوء، أخرجه مسلم والنسائي في الحج.
الحديث الثالث عشر والمائتان
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: "لاَ حَرَجَ". فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: "اذْبَحْ، وَلاَ حَرَجَ". وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَالَ: "لاَ حَرَجَ".
стр. 6440
تقدم عند الذي قبله محل الكلام على هذا الحديث.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ خالد الحذاء وعكرمة في السابع عشر منه، ومرَّ يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال المصنف:
стр. 6441
باب الفتيا على الدابة عند الجمرة
هذه الترجمة تقدمت في كتاب العلم، لكن بلفظ باب الفتيا، وهو واقف على الدابة، أو غيرها، ثم قال بعد أبواب كثيرة: باب السؤال والفتيا عن رمي الجمار، وأورد في كل من الترجمتين حديث عبد الله بن عمرو المذكور في هذا الباب، ومثل هذا لا يقع له إلا نادرًا، وقد اعترض عليه الإسماعيلي بأنه ليس في شيء من الروايات عن مالك أنه كان على دابة، بل في رواية يحيى القطّان عنه أنه جلس في حجة الوداع، فقام رجل، ثم قال الإسماعيلي: فإن ثبت في شيء من الطرق أنه كان على دابة، فيحمل قوله: "جلس" على أنه ركبها وجلس عليها، وهذا هو المتعين، فقد أورد هو رواية صالح بن كيسان بلفظ: "وقف على راحلته"، وهو بمعنى جلس، والدابة تطلق على المركوب من ناقة وفرس وبغل وحمار، فإذا ثبت في الراحلة كان الحكم في البقية كذلك، ثم قال الإسماعيلي: إن صالح بن كيسان تفرد بقوله: وقف على راحلته وليس كما قال، فقد قال ذلك أيضًا يونس عند مسلم، ومعمر عند أحمد والنسائي، كلاهما عن الزهري، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: تابعه معمر الآتي قريبًا أي: في قوله: وقف على راحلته.
الحديث الرابع عشر والمائتان
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: "اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ". فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي؟ قَالَ: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: "افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ".
أورد المصنف هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص -وما وقع في بعض نسخ العمدة، وشرح عليه ابن دقيق العيد من أنه ابن عمر بن الخطاب غلط- من أربعة طرق عن الزهري عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة عن عبد الله بن عمرو، ولم يوجد حديثه إلا بهذا الإسناد، واختلف أصحاب الزهري عليه في سياقه، وأتمهم سياق صالح بن كيسان، وهي الطريقة الثالثة، ولم يسق المصنف لفظها، وهي عند أحمد في مسنده، وفيه زيادة على سياق ابن جريج ومالك، وتابعه يونس عن الزهري عند مسلم بزيادة أيضًا سنبينها.
стр. 6442
وقوله: "مالك عن ابن شهاب" كذا في رواية الموطأ، وعند النسائي: عن مالك حدَّثني الزهري.
وقوله: "عن عيسى" في رواية صالح: حدَّثني عيسى.
وقوله: "عن عبد الله" في رواية صالح: أنه سمع عبد الله، وفي رواية ابن جريج، وهي الثانية: أن عبد الله حدَّثه.
وقوله: "وقف في حجة الوداع" لم يعين المكان ولا اليوم، لكن تقدم في كتاب العلم عن إسماعيل، عن مالك: بمنى، وكذا في رواية معمر وفيه عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري: عند الجمرة، وفي رواية ابن جريج، وهي الطريق الثانية: هنا يخطب يوم النحر، وفي رواية صالح ومعمر كما تقدم: على راحلته، قال عياض: جمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف واحد، على أن معنى خطب أي: علم الناس لا أنها من خطب الحج المشهورة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك في موطنين أحدهما: على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا: خطب والثاني: يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج، يعلم الإِمام الناس فيها ما بقي عليهم من مناسكهم، وصوب النووي هذا الاحتمال الثاني، فإن قيل: لا منافاة بين هذا الذي صوبه وبين الذي قبله، فإنه ليس في شيء من طريق الحديثين، حديث ابن عباس، وحديث عبد الله بن عمرو بيان الوقت الذي خطب فيه من النهار، إلا أن في رواية ابن عباس أن بعض السائلين قال: رميت بعدما أمسيت؟ وهذا يدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال؛ لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال، وكأن السائل علم أن السنة للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخّرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك، على أن حديث عبد الله بن عمرو من مخرج واحد، لا يعرف له طريق إلا عن الزهري عن عيسى عنه.
والاختلاف فيه من أصحاب الزهري، وغايته أن بعضهم ذكر ما لم يذكره الآخر، واجتمع من مرّوا بهم، ورواية ابن عباس، أن ذلك كان يوم النحر بعد الزوال، وهو على راحلته يخطب عند الجمرة، وإذا تقرر أن ذلك كان بعد الزوال يوم النحر، تعين أنها الخطبة التي شرعت لتعليم بقية المناسك فليس قوله: خطب مجازًا عن مجرد التعليم، بل حقيقة، ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذٍ رماها فسيأتي في آخر الباب الذي يليه من حديث ابن عمر أنه ﵊ وقف يوم النحر بين الجمرات، فذكر خطبته، فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض، ورجع إلى مني.
وقوله: "فقال رجل" قال في الفتح: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد، ولا على
стр. 6443
اسم أحد ممن سأل في هذه القصة، وهم كانوا جماعة، وفي حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره: كان الأعراب يسألونه، وكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم.
وقوله: "لم أشعر" أي: لم أفطن، يقال: شعرت شعورًا بالشيء إذا فطنت له، وقيل: الشعور: العلم، ولم يفصح في رواية مالك بمتعلق الشعور، وبينه يونس عند مسلم ولفظه: لم أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل أن أرمي. وقال آخر: لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر، وفي رواية ابن جريج: كنت أحسب أنّ كذا قبل كذا، وقد تبين ذلك في رواية يونس، وزاد في رواية ابن جريج: وأشباه ذلك، وفي رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري عند مسلم: حلقت قبل أن أرمي، وقال آخر: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمي أيضًا، فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإِفاضة قبل الرمي، والأولان في حديث ابن عباس أيضًا، كما مرَّ، وعند الدارقطني من حديث ابن عباس أيضًا السؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر، وفي حديث أبي سعيد عند الطحاوي، وفي حديث علي عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطحاوي السؤال عن الرمي والإفاضة معًا قبل الحلق، وفي حديث جابر -الذي علقه المصنف فيما مضى، ووصله ابن حبان وغيره- السؤال عن الإفاضة قبل الذبح، وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود السؤال عن السعي قبل الطواف.
وقوله: "اذبح ولا حرج" أي: لا ضيق عليك في ذلك، ووظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، وفي الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله فنحر، وقال للحالق: "خذ"، ولأبي داود: ثم نحر، ثم حلق، وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب المذكور، إلا ابن الجهم المالكي واستثنى القارن، فقال: لا يحلق حتى يطوف، وكأنه لاحظ أنه في عمل العمرة، والعمرة يتأخر فيها الحلق عن الطواف، ورد عليه النووي بالإجماع، ونازعه ابن دقيق العيد في ذلك، واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض، وأجمعوا على الإجزاء في ذلك، كما قاله ابن قدامة في المغني، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع، وقال القرطبي: روي عن ابن عباس، ولم يثبت عنه أن من قدم شيئًا على شيء فعليه دم، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي، وفي نسبة ذلك إلى النخعي وأصحاب الرأي نظر، فإنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع.
وقوله: "فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدِّم ولا أخر" في رواية يونس عند مسلم وصالح عند أحمد: فما سمعته سئل يومئذٍ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور
стр. 6444
على بعض، أو أشباهها إلا قال: "افعلوا ذلك، ولا حرج" واحتج به، وبقوله في رواية مالك: لم أشعر بأن الرخصة تختص بمن نسي أو جهل، لا بمن تعمد، وقد مرَّ باقي مباحث هذا الحديث مستوفاة عند ذكره في باب الفتيا، وهو واقف على الدابة، أو غيرها من كتاب العلم، فراجعه، وما في حديث أسامة بن شريك من السعي قبل الطواف، محمول على من سعى بعد طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أن سعى قبل الطواف، أي: طواف الركن، ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد وعطاء، فقالا: لو لم يطف للقدوم، ولا لغيره وقدم السعي على طواف الإفاضة، أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عيسى بن طلحة في الخامس والعشرين من العلم، ومرَّ عبد الله بن عمرو في الثالث من الإِيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، ورواته: كلهم مدنيون، إلا شيخه، فإنه مصري تنيسي أصله دمشقي.
وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وهذا الحديث في باب الفتيا على ظهر الدابة من كتاب العلم، وهو الخامس والعشرين منه، ومرَّ هناك من أخرجاه.
الحديث الخامس عشر والمائتان
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا. ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي. وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ". لَهُنَّ كُلِّهِنَّ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ قَالَ: "افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ".
قوله: "فقال النبي ﷺ لهن كلهن افعل ولا حرج" قال الكرماني في اللام في قوله: لهن متعلقة بقال: أي قال لأجل هذه الأفعال أو بمحذوف أي: قال يوم النحر لأجلهن، أو بقوله: لا حرج، أي: لا حرج لأجلهن ويحتمل أن تكون اللام بمعنى عن أي: قال عنهن كلهن، قال ابن التين: هذا الحديث لا يقتضي رفع الحرج في غير المسألتين المنصوص عليهما، يعني المذكورتين في رواية مالك لأنه خرج جوابًا للسؤال، ولا يدخل فيه غيره، وكأنه غفل
стр. 6445
عن قوله في بقية الحديث: "فما سئل عن شيء قدَّم ولا أخر"، وكأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر، لكن قوله في رواية ابن جريج: "وأشباه ذلك" يرد عليه وقد تقدم فيما حررناه من مجموع الأحاديث عدة صور، وبقيت عدة صور لم تذكرها الرواة، إما اختصارًا، وإما لكونها لم تقع، وبلغت بالتقسيم أربعًا وعشرين صورة، منها صورة الترتيب المتفق عليها.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ سعيد بن يحيى، وأبوه يحيى بن سعيد في الرابع من الإيمان، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ محل ابن شهاب وعيسى وعبد الله بن عمرو في الذي قبله.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة.
ورواته: بغدادي، وكوفي، ومكي، ومدنيان.
وفيه: رواية التابعي عن التابعي، عن الصحابي.
الحديث السادس عشر والمائتان
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
قوله: "وقف النبي ﷺ " في رواية ابن جريج: أنه شهد النبي ﷺ .
وقوله: "حدَّثني إسحاق" كذا: للأكثر غير منسوب، ونسبه أبو علي بن السكن فقال: إسحاق بن منصور، ورواه أبو نعيم في المستخرج من مسند إسحاق بن راهويه وهو المتحقق عندي لتعبيره بقوله: أخبرنا يعقوب، لأن إسحاق بن راهويه لا يحدث عن مشايخه إلا بالإخبار، بخلاف إسحاق بن منصور، فيقول: حدَّثنا، والكلام على الحديث مرَّ في الرواية الأولى.
رجاله سبعة:
قد مرّوا: وإسحاق المراد به ابن راهويه، أو ابن منصور، والأول مرَّ في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، والثاني مرَّ في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه، ومرَّ ابنه يعقوب في السادس عشر من العلم، ومرَّ صالح بن كيسان في الأخير من بدء الوحي، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله بحديث.
следующие страницы →