← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

باب الفتيا على الدابة عند الجمرة هذه الترجمة تقدمت في كتاب العلم، لكن بلفظ باب الفتيا، وهو واقف على الدابة، أو غيرها، ثم قال بعد أبواب كثيرة: باب السؤال والفتيا عن رمي الجمار، وأورد في كل من الترجمتين حديث عبد الله بن عمرو المذكور في هذا الباب، ومثل هذا لا يقع له إلا نادرًا، وقد اعترض عليه الإسماعيلي بأنه ليس في شيء من الروايات عن مالك أنه كان على دابة، بل في رواية يحيى القطّان عنه أنه جلس في حجة الوداع، فقام رجل، ثم قال الإسماعيلي: فإن ثبت في شيء من الطرق أنه كان على دابة، فيحمل قوله: "جلس" على أنه ركبها وجلس عليها، وهذا هو المتعين، فقد أورد هو رواية صالح بن كيسان بلفظ: "وقف على راحلته"، وهو بمعنى جلس، والدابة تطلق على المركوب من ناقة وفرس وبغل وحمار، فإذا ثبت في الراحلة كان الحكم في البقية كذلك، ثم قال الإسماعيلي: إن صالح بن كيسان تفرد بقوله: وقف على راحلته وليس كما قال، فقد قال ذلك أيضًا يونس عند مسلم، ومعمر عند أحمد والنسائي، كلاهما عن الزهري، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله: تابعه معمر الآتي قريبًا أي: في قوله: وقف على راحلته. الحديث الرابع عشر والمائتان حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: "اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ". فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي؟ قَالَ: "ارْمِ وَلاَ حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: "افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ". أورد المصنف هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص -وما وقع في بعض نسخ العمدة، وشرح عليه ابن دقيق العيد من أنه ابن عمر بن الخطاب غلط- من أربعة طرق عن الزهري عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله أحد العشرة عن عبد الله بن عمرو، ولم يوجد حديثه إلا بهذا الإسناد، واختلف أصحاب الزهري عليه في سياقه، وأتمهم سياق صالح بن كيسان، وهي الطريقة الثالثة، ولم يسق المصنف لفظها، وهي عند أحمد في مسنده، وفيه زيادة على سياق ابن جريج ومالك، وتابعه يونس عن الزهري عند مسلم بزيادة أيضًا سنبينها.

стр. 6442

وقوله: "مالك عن ابن شهاب" كذا في رواية الموطأ، وعند النسائي: عن مالك حدَّثني الزهري. وقوله: "عن عيسى" في رواية صالح: حدَّثني عيسى. وقوله: "عن عبد الله" في رواية صالح: أنه سمع عبد الله، وفي رواية ابن جريج، وهي الثانية: أن عبد الله حدَّثه. وقوله: "وقف في حجة الوداع" لم يعين المكان ولا اليوم، لكن تقدم في كتاب العلم عن إسماعيل، عن مالك: بمنى، وكذا في رواية معمر وفيه عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري: عند الجمرة، وفي رواية ابن جريج، وهي الطريق الثانية: هنا يخطب يوم النحر، وفي رواية صالح ومعمر كما تقدم: على راحلته، قال عياض: جمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف واحد، على أن معنى خطب أي: علم الناس لا أنها من خطب الحج المشهورة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك في موطنين أحدهما: على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا: خطب والثاني: يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج، يعلم الإِمام الناس فيها ما بقي عليهم من مناسكهم، وصوب النووي هذا الاحتمال الثاني، فإن قيل: لا منافاة بين هذا الذي صوبه وبين الذي قبله، فإنه ليس في شيء من طريق الحديثين، حديث ابن عباس، وحديث عبد الله بن عمرو بيان الوقت الذي خطب فيه من النهار، إلا أن في رواية ابن عباس أن بعض السائلين قال: رميت بعدما أمسيت؟ وهذا يدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال؛ لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال، وكأن السائل علم أن السنة للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخّرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك، على أن حديث عبد الله بن عمرو من مخرج واحد، لا يعرف له طريق إلا عن الزهري عن عيسى عنه. والاختلاف فيه من أصحاب الزهري، وغايته أن بعضهم ذكر ما لم يذكره الآخر، واجتمع من مرّوا بهم، ورواية ابن عباس، أن ذلك كان يوم النحر بعد الزوال، وهو على راحلته يخطب عند الجمرة، وإذا تقرر أن ذلك كان بعد الزوال يوم النحر، تعين أنها الخطبة التي شرعت لتعليم بقية المناسك فليس قوله: خطب مجازًا عن مجرد التعليم، بل حقيقة، ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذٍ رماها فسيأتي في آخر الباب الذي يليه من حديث ابن عمر أنه ﵊ وقف يوم النحر بين الجمرات، فذكر خطبته، فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض، ورجع إلى مني. وقوله: "فقال رجل" قال في الفتح: لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد، ولا على

стр. 6443

اسم أحد ممن سأل في هذه القصة، وهم كانوا جماعة، وفي حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره: كان الأعراب يسألونه، وكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم. وقوله: "لم أشعر" أي: لم أفطن، يقال: شعرت شعورًا بالشيء إذا فطنت له، وقيل: الشعور: العلم، ولم يفصح في رواية مالك بمتعلق الشعور، وبينه يونس عند مسلم ولفظه: لم أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل أن أرمي. وقال آخر: لم أشعر أن النحر قبل الحلق، فحلقت قبل أن أنحر، وفي رواية ابن جريج: كنت أحسب أنّ كذا قبل كذا، وقد تبين ذلك في رواية يونس، وزاد في رواية ابن جريج: وأشباه ذلك، وفي رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري عند مسلم: حلقت قبل أن أرمي، وقال آخر: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، وفي حديث معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمي أيضًا، فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإِفاضة قبل الرمي، والأولان في حديث ابن عباس أيضًا، كما مرَّ، وعند الدارقطني من حديث ابن عباس أيضًا السؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر، وفي حديث أبي سعيد عند الطحاوي، وفي حديث علي عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطحاوي السؤال عن الرمي والإفاضة معًا قبل الحلق، وفي حديث جابر -الذي علقه المصنف فيما مضى، ووصله ابن حبان وغيره- السؤال عن الإفاضة قبل الذبح، وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود السؤال عن السعي قبل الطواف. وقوله: "اذبح ولا حرج" أي: لا ضيق عليك في ذلك، ووظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، وفي الصحيحين عن أنس أن النبي ﷺ أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله فنحر، وقال للحالق: "خذ"، ولأبي داود: ثم نحر، ثم حلق، وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب المذكور، إلا ابن الجهم المالكي واستثنى القارن، فقال: لا يحلق حتى يطوف، وكأنه لاحظ أنه في عمل العمرة، والعمرة يتأخر فيها الحلق عن الطواف، ورد عليه النووي بالإجماع، ونازعه ابن دقيق العيد في ذلك، واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض، وأجمعوا على الإجزاء في ذلك، كما قاله ابن قدامة في المغني، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع، وقال القرطبي: روي عن ابن عباس، ولم يثبت عنه أن من قدم شيئًا على شيء فعليه دم، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي، وفي نسبة ذلك إلى النخعي وأصحاب الرأي نظر، فإنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع. وقوله: "فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدِّم ولا أخر" في رواية يونس عند مسلم وصالح عند أحمد: فما سمعته سئل يومئذٍ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور

стр. 6444

على بعض، أو أشباهها إلا قال: "افعلوا ذلك، ولا حرج" واحتج به، وبقوله في رواية مالك: لم أشعر بأن الرخصة تختص بمن نسي أو جهل، لا بمن تعمد، وقد مرَّ باقي مباحث هذا الحديث مستوفاة عند ذكره في باب الفتيا، وهو واقف على الدابة، أو غيرها من كتاب العلم، فراجعه، وما في حديث أسامة بن شريك من السعي قبل الطواف، محمول على من سعى بعد طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة، فإنه يصدق عليه أن سعى قبل الطواف، أي: طواف الركن، ولم يقل بظاهر حديث أسامة إلا أحمد وعطاء، فقالا: لو لم يطف للقدوم، ولا لغيره وقدم السعي على طواف الإفاضة، أخرجه عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عيسى بن طلحة في الخامس والعشرين من العلم، ومرَّ عبد الله بن عمرو في الثالث من الإِيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، ورواته: كلهم مدنيون، إلا شيخه، فإنه مصري تنيسي أصله دمشقي. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وهذا الحديث في باب الفتيا على ظهر الدابة من كتاب العلم، وهو الخامس والعشرين منه، ومرَّ هناك من أخرجاه. الحديث الخامس عشر والمائتان حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا. ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي. وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ". لَهُنَّ كُلِّهِنَّ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ قَالَ: "افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ". قوله: "فقال النبي ﷺ لهن كلهن افعل ولا حرج" قال الكرماني في اللام في قوله: لهن متعلقة بقال: أي قال لأجل هذه الأفعال أو بمحذوف أي: قال يوم النحر لأجلهن، أو بقوله: لا حرج، أي: لا حرج لأجلهن ويحتمل أن تكون اللام بمعنى عن أي: قال عنهن كلهن، قال ابن التين: هذا الحديث لا يقتضي رفع الحرج في غير المسألتين المنصوص عليهما، يعني المذكورتين في رواية مالك لأنه خرج جوابًا للسؤال، ولا يدخل فيه غيره، وكأنه غفل

стр. 6445

عن قوله في بقية الحديث: "فما سئل عن شيء قدَّم ولا أخر"، وكأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر، لكن قوله في رواية ابن جريج: "وأشباه ذلك" يرد عليه وقد تقدم فيما حررناه من مجموع الأحاديث عدة صور، وبقيت عدة صور لم تذكرها الرواة، إما اختصارًا، وإما لكونها لم تقع، وبلغت بالتقسيم أربعًا وعشرين صورة، منها صورة الترتيب المتفق عليها. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ سعيد بن يحيى، وأبوه يحيى بن سعيد في الرابع من الإيمان، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ محل ابن شهاب وعيسى وعبد الله بن عمرو في الذي قبله. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة. ورواته: بغدادي، وكوفي، ومكي، ومدنيان. وفيه: رواية التابعي عن التابعي، عن الصحابي. الحديث السادس عشر والمائتان حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قوله: "وقف النبي ﷺ " في رواية ابن جريج: أنه شهد النبي ﷺ . وقوله: "حدَّثني إسحاق" كذا: للأكثر غير منسوب، ونسبه أبو علي بن السكن فقال: إسحاق بن منصور، ورواه أبو نعيم في المستخرج من مسند إسحاق بن راهويه وهو المتحقق عندي لتعبيره بقوله: أخبرنا يعقوب، لأن إسحاق بن راهويه لا يحدث عن مشايخه إلا بالإخبار، بخلاف إسحاق بن منصور، فيقول: حدَّثنا، والكلام على الحديث مرَّ في الرواية الأولى. رجاله سبعة: قد مرّوا: وإسحاق المراد به ابن راهويه، أو ابن منصور، والأول مرَّ في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، والثاني مرَّ في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه، ومرَّ ابنه يعقوب في السادس عشر من العلم، ومرَّ صالح بن كيسان في الأخير من بدء الوحي، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله بحديث.

стр. 6446

فيه: رواية الابن عن الأب، ورواية ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض. ثم قال: تابعه معمر عن الزهري، وهذه المتابعة وصلها أحمد والنسائي كما مرَّ، وأخرجها مسلم، ومعمر مرَّ في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه. ثم قال المصنف:

стр. 6447

باب الخطبة أيام مني أي: مشروعيتها خلافًا لمن قال: إنها لا تشرع، وأحاديث الباب صريحة في ذلك، إلا حديث جابر بن زيد ثاني أحاديث الباب عن ابن عباس، فإن فيه التقييد بالخطبة بعرفات، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما أجيب به عن ذلك. وأيام منى أربعة: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وليس في شيء من أحاديث الباب التصريح بغير يوم النحر، وهو الموجود في أكثر الأحاديث، كحديث الهرماس بن زياد وأبي أمامة: كلاهما عند أبي داود، وكحديث جابر بن عبد الله عند أحمد: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر، فقال: "أيّ يوم أعظم حرمة" الحديث، وقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو قريبًا، وفيه ذكر الخطبة يوم النحر. وأما قوله في حديث ابن عمر أنه قال ذلك بمنى، فهو مطلق، فيحمل على المقيد، فيتعين يوم النحر، فلعل المصنف أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب كما عند أحمد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه فقال: كنت آخذًا بزمام ناقة النبي ﷺ في أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس، فذكر نحو حديث أبي بكرة، فقوله: "في أوسط أيام التشريق" يدل على وقوع ذلك أيضًا في اليوم الثاني، أو الثالث. وفي حديث سراء بنت نبهان عند أبي داود: خطبنا النبي ﷺ يوم الرؤوس، فقال: "أيُّ يوم هذا" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أليس أوسط أيام التشريق؟ "، وفي الباب عن كعب بن عاصم عند الدارقطني وعن ابن أبي نجيح عن رجلين من بني بكر عند أبي داود، وعن أبي نضرة عمن سمع خطبة النبي ﷺ عند أحمد، قال ابن المنير: أراد البخاري الرد على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاج، وأن المذكور في هذا الحديث من قبيل الوصايا العامة، لا على أنه من شعار الحج، فأراد البخاري أن يبين أن الراوي قد سماها خطبة، كما سمّى التي وقعت في عرفات خطبة، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات، فكأنه ألحق المختلف فيه بالمتفق عليه، وسيأتي آخر الباب نقل الاختلاف في مشروعية الخطبة يوم النحر، واعلم أن لستة أيام متوالية من أيام ذي الحجة أسماء الثامن: يوم التروية، والتاسع: عرفة: والعاشر: النحر، والحادي عشر: القر، والثاني عشر: النفر الأول، والثالث عشر: النفر الثاني. وذكر مكي بن أبي طالب أن السابع يسمى يوم الزينة، وأنكره النووي.

стр. 6448

الحديث السابع عشر والمائتان حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ". قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. قَالَ: "فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ ". قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ. قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ". قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا". فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ: "فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". قوله: "أيّ يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام" كذا في حديث ابن عباس هذا، وفي حديث أبي بكرة ثالث أحاديث الباب: أتدرون أيّ يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسم، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. وحديث ابن عمر المذكور بعده نحوه، إلا أنه ليس فيه "فسكت" إلخ، بل فيه بعد قولهم: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا يوم حرام" فقيل في الجمع بين الحديثين: لعلهما واقعتان، وليس بشيء لأن الخطبة يوم النحر إنما تشرع مرة واحدة، وقد قال في كل منهما: إن ذلك كان يوم النحر، وقيل في الجمع بينهما: إن بعضهم بادر بالجواب، وبعضهم سكت، وقيل في الجمع: إنهم فوضوا أولًا كلهم بقولهم: الله ورسوله أعلم، فلما سكت أجاب بعضهم دون بعض، وقيل: وقع السؤال في الوقت الواحد مرتين بلفظين، فلما كان في حديث أبي بكرة فخامة ليست في الأول لقوله فيه: "أتدرون؟ " سكتوا عن الجواب، بخلاف حديث ابن عباس لخلوه عن ذلك، قاله الكرماني، وقيل: في حديث ابن عباس اختصار بينته رواية أبي بكرة. وابن عمر فكأنه أطلق قولهم: يوم حرام، باعتبار أنهم قرروا ذلك قولهم: بلى: وسكت في رواية ابن عمر عن ذكر جوابهم، وهذا جمع حسن، وقد مرَّ الكلام على هذا في باب: رب مبلغ أوعى من سامع، من كتاب العلم. وقوله: "يوم حرام" أي: يحرم فيه القتال، وكذلك الشهر، والبلد. وقوله: "فأعادها مرارًا" قال في الفتح: لم أقف على عددها صريحًا، ويشبه أن يكون ثلاثًا كعادته ﵊. وقوله: "ثم رفع رأسه" زاد الإِسماعيلي من هذا الوجه: إلى السماء. وقوله: "فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته" يريد بذلك الكلام الأخير، وهو قوله عليه الصلاة

стр. 6449

والسلام: "فليبلغ الشاهد الغائب" إلى آخر الحديث، وقد رواه أحمد عن فضيل بإسناد الباب بلفظ: ثم قال: "ألا فليبلغ" إلخ، وهو يوضح ما قلناه. وقوله: "إلى أمته" في رواية أحمد عن ابن نمير أنها لوصيته إلى ربه، وكذلك عمرو بن علي الفلاس، والمقدمي عن يحيى بن سعيد، أخرجه أبو نعيم من طريقهما. وقوله: "ولا ترجعوا بعدي كفارًا" إلخ، قد مرَّ الكلام عليه متسوفىً في باب الإنصات للعلماء من كتاب العلم، ومرَّ الكلام على باقي الحديث في باب رب مبلغ أوعى من سامع. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، وعكرمة في السابع عشر منه، ومرَّ يحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ فضيل بن غزوان في السادس والأربعين من استقبال القبلة، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه أن شيخه وعكرمة مدنيان، ويحيى بصري، وفضيل كوفي، أخرجه البخاري أيضًا في الفتن، وكذا الترمذي. الحديث الثامن عشر والمائتان حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. وقوله: "يخطب بعرفات" هو طرف من حديث يأتي في باب لبس الخفين للعموم، عن شعبة بهذا الإسناد، وبعده متصلًا يخطب بعرفات بقوله: "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين" الحديث، وذكره بعده بباب عن آدم عن شعبة بلفظ: خطبنا النبي ﷺ بعرفات فقال: "من لم يجد" فذكر الحديث. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء، ومرَّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ جابر بن زيد في السادس من الغسل، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإخبار بالإفراد والسماع والقول.

стр. 6450

ورواته: شيخه من أفراده، وهو بصري: ثم واسطي، ومكي، وبصري. وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، وهذا الحديث طرف من حديث يأتي في باب لبس الخفين للمحرم، وأخرجه في اللباس، ومسلم في الحج، وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه. ثم قال: تابعه ابن عيينة، عن عمرو أي: أن سفيان بن عيينة تابع شعبة في رواية هذا الحديث، والمراد به أصل الحديث، فإن أحمد أخرجه في مسنده، عن سفيان بن عيينة ولفظه: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: "من لم يجد" فذكره فلم يعين موضع الخطبة، وكذا رواه الحميدي وابن أبي شيبة. وأصله في مسلم، وابن عيينة مرَّ في الأول من بدء الوحي، وعمرو بن دينار، مرَّ محله في الذي قبله. الحديث التاسع عشر والمائتان حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَرَجُلٌ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ". قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ". قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: "أَلَيْسَ ذُو الْحَجَّةِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ ". قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: "أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ. أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ". قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". قوله: "أليس يومَ النحر" بنصب يوم على أنه خبر ليس، والتقدير أليس اليومُ يومَ النحر، ويجوز الرفع على أنه اسم ليس والتقدير: أليس يومُ النحر هذا اليوم، والأول أوضح، لكن يؤيد هذا الثاني قوله: "أليس ذو الحجة" أي: أليس ذو الحجة هذا الشهر. وقوله: "بالبلدة الحرام" كذا فيه بتأنيث البلد، وتذكير الحرام، وذلك أن لفظ الحرام اضمحل منه معنى الوصفية، وصار اسمًا قال الخطابي: يقال: إن البلدة اسم خاص بمكة،

стр. 6451

وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ وقال الطيبي: المطلق محمول على الكامل وهي الجامعة للخير المستجمعة للكمال، كما أن الكعبة تسمى البيت، ويطلق عليها ذلك. وقوله: "إلى يوم تلقون" بفتح يوم وكسره مع التنوين وعدمه، وترك التنوين مع الكسر هو الذي تثبت به الرواية. وقوله: "اللهم اشهد" تقدم أنه أعاد ذلك في حديث ابن عباس، وإنما قال ذلك، لأنَّه كان فرضًا عليه أن يبلغ، فأشهد الله على أنه أدى ما أوجبه عليه، والمبلَّغ بفتح اللام أي: رب شخص بلغه كلامي فكان أحفظ له، وأفهم لمعناه من الذي نقله له، قال المهلب فيه: إنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في العلم، ما ليس لمن تقدمه، إلا أن ذلك يكون في الأقل؛ لأن رب موضوعة للتقليل -يعني في الأصل- لكنها استعملت في التكثير بحيث غلب عليها الاستعمال فيه، وقد أشبعنا على رُبّ في كتاب العلم في باب رُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع، ولكن يؤيد أن التقليل هنا مراد أنه وقع في رواية أخرى تقدمت في العلم بلفظ: عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه، وفي الحديث دلالة على جواز تحمل الحديث لمن لم يفهم معناه، ولا فقهه، إذا ضبط ما يحدَّث به، ويجوز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك، وفيه وجوب تبليغ العلم على الكفاية، وقد يتعين في بعض الناس، وفيه تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ممكن من تكرار ونحوه، وفيه مشروعية ضرب المثل، وإلحاق النظير بالنظير ليكون أوضح، وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال، بحرمة اليوم والشهر والبلد؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا يراعون تلك الأشياء، ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، وإنما قدم السؤال عنها، تذكارًا لحرمتها، وتقريرًا لما ثبت في نفوسهم، ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل التأكيد. وقد تقدم كثير من مباحث هذا الحديث في كتاب العلم عند ذكره في باب رُبَّ مبلَّغ أوعى له من سامع. رجاله سبعة: قد مرّوا، إلا حميد على احتمال: مرَّ عبد الله بن محمد، وأبو عامر العقدي في الثاني من الإيمان، ومرَّ محمد بن سيرين في الأربعين منه، ومرَّ أبو بكرة في الرابع والعشرين منه، ومرَّ قرة بن خالد في الثامن والسبعين من مواقيت الصلاة، ومرَّ عبد الرحمن بن أبي بكرة في التاسع من العلم، والسابع حميد وهو يحتمل أن يكون ابن عبد الرحمن بن عوف، وقد مرَّ في الثلاثين من الإيمان ويحتمل أن يكون حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، قال العجلي: بصري ثقة، وقال: هو ومنصور بن زاذان كان ابن سيرين يقول: هو أفقه أهل

стр. 6452

البصرة قبل أن يموت بعشر سنين، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان فقيهًا عالمًا، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، روى عن أبي بكرة، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم، وروى عنه ابنه عبيد الله ومحمد بن المنتشر، ومحمد بن سيرين، وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار بالإفراد، والعنعنة، والقول. وشيخه بخاري، والباقون: بصريون إلا حميد، على أنه ابن عوف، فهو مدني، وقد مرَّ في كتاب العلم من أخرجه. الحديث العشرون والمائتان حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى: "أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ: "فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "بَلَدٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "شَهْرٌ حَرَامٌ"، قَالَ: "فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا". قوله: "عن أبيه" هو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، فرواية محمد عن جدّه. وقوله: "أفتدرون" في رواية الإسماعيلي: "أوَتدرون"، وهذا الحديث قد مرت مباحثه في الذي قبله. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان، ومرَّ محمد بن زيد أبو عاصم في الثامن عشر منه، ومرَّ عاصم في الرابع من كتاب الصلاة، ومرَّ يزيد بن هارون في الخامس عشر من الوضوء، ومرَّ ابن عمر في أول الإِيمان قبل ذكر حديث منه. أخرجه البخاري أيضًا في الديات، وفي الأدب، والحدود والمغازي، ومسلم في الإيمان، وأبو داود في السنة والنسائي في المحاربة وابن ماجه في الفتن. ثم قال: قَالَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِى حَجَّ بِهَذَا، وَقَالَ: "هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ"، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ". وَوَدَّعَ النَّاسَ. فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ.

стр. 6453

قوله: "بين الجمرات" بفتح الجيم والميم فيه تعيين البقعة التي وقف فيها، كما أن في الرواية التي قبلها تعيين المكان، كما أن في حديثي ابن عباس وأبي بكرة تعيين اليوم، ووقع تعيين الوقت من اليوم في رواية ابن عمرو المزني في رواية أبي داود والنسائي، ولفظه: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى. الحديث. وقوله: "في الحجة التي حج" هذا هو المعروف عند من ذكر ممن رواه كما يأتي، وفي رواية الكشميهني: في حجته التي حج، وللطبراني: في حجة الوداع. وقوله: "بهذا" أي: بالحديث الذي تقدم من طريق محمد بن زيد عن جدّه وأراد المصنف بذلك أصل الحديث، وأصل معناه، لكن السياق مختلِف، فإن في طريق محمد بن زيد أنهم أجابوا بقولهم: الله ورسوله أعلم، وفي هذا عند ابن ماجه وغيره في أجوبتهم قالوا: يوم النحر، قالوا: بلد حرام، قالوا: شهر حرام، ويجمع بينهما بنحو ما تقدم، وهو أنهم أجابوا أولًا بالتفويض، فلما سكت أجابوا بالمطلوب، وأغرب الكرماني فقال: قوله: "بهذا" أي: وقف متلبسًا بهذا الكلام. وقوله: وقال: "هذا يوم الحج الأكبر" فيه دليل لمن يقول: إن يوم الحج الأكبر، هو يوم النحر، وقد مرَّ الكلام عليه مستوفىً أوائل كتاب الصلاة في باب ما يستر من العورة. وقوله: "فطفق" في رواية ابن ماجه وغيره بين قوله: يوم الحج الأكبر، وبين قوله: فطفق من الزيادة: "ودماؤكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة هذا البلد، في هذا اليوم" وقد وقع معنى ذلك في طريق محمد بن زيد أيضًا. وقوله: "فودع الناس" وعند البيهقي في طريق ضعيفة من حديث ابن عمر سبب ذلك، ولفظه: أنزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق وعرف أنه الوداع، فأمر راحلته القصواء فرحلت له، فركب ووقف بالعقبة، واجتمع الناس إليه فقال: "أيها الناس" فذكر الحديث، وفي هذه الأحاديث دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر، وبه أخذ الشافعي ومن تبعه، وخالف ذلك المالكية والحنفية قالوا: خطب الحج ثلاثة: سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر، ووافقهم الشافعي إلا أنه قال بدل ثاني النحر ثالثه، لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة وهي: يوم النحر، وقال: إن بالناس حاجة إليها ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق، والطواف، وقد استوفيت الكلام على خطب الحج عند الأئمة في باب التهجير بالرواح يوم عرفة عند حديث ابن عمر، وتعقب الطحاوي على الشافعي ما مرَّ عنه، بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج؛ لأنه لم يذكر فيها شيئًا من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة، ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئًا من الذي يتعلق بيوم النحر، فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحج.

стр. 6454

وقال ابن القصار: إنما فعل من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجَمْع الذي اجتمع من أقاصِي الناس، فظن الذي رآه أنه خطب، قال: وأما ما ذكره الشافعي من أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة، فليس بمتعين؛ لأن الإِمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة، وأجيب بأنه نبه ﷺ في الخطبة المذكورة، على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم ذي الحجة، وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة، فلا يلتفت لتأويل غيرهم، وما ذكره إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة، يعكر عليه كونه يرى مشروعية الخطبة، ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة، بل كان يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يأتي بعده من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره، شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب، وأيضًا الناس تطرأ كل يوم إلى يوم النحر فتحتاج إلى تجديد التعليم، وقد بين الزهري -وهو عالم أهل زمانه- أن الخطبة ثاني يوم النحر، نقلت من خطبة يوم النحر وأن ذلك من عمل الأمراء، يعني من بني أمية، فقد روى ابن أبي شيبة عن الزهري قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم النحر، فشغل الأمراء فأخروه إلى الغد، وهذا وإن كان مرسلًا، لكنه يعتضد بما سبق، وبانَ به أن السنة الخطبة يوم النحر لا ثانيه. وأما قول الطحاوي: إنه لم ينقل أنه علمهم شيئًا من أسباب التحلل، فلا ينفي وقوع ذلك، أو شيئًا منه في نفس الأمر، بل قد ثبت في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص كما تقدم في الباب قبله أنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عن تقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق مع روايته هو لحديث عبد الله بن عمرو؟ وثبت أيضًا في بعض طرق أحاديث الباب أنه ﷺ قال للناس حينئذٍ: "خذوا عني مناسككم" فكأنه وعظهم بما وعظهم به، وأحال في تعليمهم على تلقي ذلك من أفعاله، ومما يرد به على تأويل الطحاوي، ما أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ -وهو على ناقته بعرفات- "أتدرون أيّ يوم هذا؟ " الحديث، ونحوه للطبراني في "الكبير" من حديث ابن عباس. وأخرج أحمد من حديث نبيط بن شريط أنه رأى النبي ﷺ واقفًا بعرفة على بعير أحمر يخطب فسمعته يقول: "أيّ يوم أحرم؟ " الحديث قالوا هذا اليوم، قال: "فأي بلد أحرم" الحديث ونحوه، لأحمد من حديث العداء ابن خالد، فهذا الحديث الذي ثبت في الصحيح أنه ﵊ خطب به يوم النحر، قد ثبت أنه خطب به قبل ذلك يوم عرفة. وقد وردت الأحاديث عن الصحابة مصرحة بأنه ﵊ خطب يوم النحر كحديث الهرماس بن زياد المشار إليه سابقًا، ولفظه، رأيت النبي ﷺ يخطب الناس على ناقته الجدعاء يوم الأضحى، وحديث أبي أمامة السابق أيضًا، سمعت خطبة النبي ﷺ بمنى يوم النحر، أخرجهما أبو داود، وأخرج أيضًا عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي خطبنا رسول

стр. 6455

الله ﷺ ونحن بمنى، وأخرج أيضًا عن رافع بن عمرو رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى، وأخرج أيضًا من مرسل مسروق أن النبي ﷺ خطب يوم النحر. وتعليق هشام بن الغاز هذا وصله أبو داود وابن ماجه والطبراني. ورجاله ثلاثة: مرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ محل ابن عمر في الذي قبله، والباقي هشام بن الغاز باسم الفاعل مع حذف الياء، ابن ربيعة الجرشي أبو عبد الله، ويقال: أبو العباس الدمشقي نزيل بغداد، وكان على بيت المال لأبي جعفر المنصور، قال أحمد: صالح الحديث، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وكذا قال ابن عمار، وكذا قال أبو العباس، وقال دحيم: ما أحسن استقامته في الحديث، وكان الوليد يثني عليه، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال كان عبادًا فاضلًا روى عن أخيه ربيعة وعبادة بن نسي، ونافع والزهري، وغيرهم وروى عنه ابنه عبد الوهاب، وإسماعيل ابن عياش، ووكيع، وغيرهم، مات سنة ثلاث أو ست وخمسين ومائة. ثم قال المصنف:

стр. 6456

باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة ليالي منى ؟ مقصوده بالغير من كان له عذر من مرض أو شغل كالحطابين والرعاء. الحديث الحادي والعشرون والمائتان حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ . قوله: "رخص رسول الله ﷺ " كذا اقتصر عليه، وأحال به على ما بعده، ولفظه عند الإسماعيلي: عن عيسى بن يونس: "أن رسول الله ﷺ رخص للعباس أن يبيت بمكة أيام منى من أجل سقايته" أخرج هذه الحديث من ثلاثة طرق، وقد مرت مباحثه مستوفاة غاية الاستيفاء في باب سقاية الحاج عند ذكر رواية أبي ضمرة هناك. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ محمد بن عبيد في الخامس والعشرين والمائة من كتاب الحج هذا، ومرَّ عيسى بن يونس في الثامن عشر والمائة من صفة الصلاة، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، أخرجه مسلم والنسائي. الحديث الثاني والعشرون والمائتان حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ. كذلك اقتصر هنا، وأحال به على ما بعده، ولفظه عند أحمد عن محمد بن بكر، بالإسناد المذكور: أذِنَ للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ يحيى بن موسى في التاسع عشر من الحيض، ومرَّ محمد بن بكر في تعليق بعد التاسع من مواقيت الصلاة، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ محل عبيد الله ونافع وابن عمر في الذي قبله.

стр. 6457

أخرجه مسلم. الحديث الثالث والعشرون والمائتان (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ الْعَبَّاسَ ﵁ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. وقد مرَّ قريبًا محل الكلام على الحديث. رجاله خمسة: وفيه ذكر العباس وقد مرَّ الجميع: مرَّ محمد بن عبد الله ابن نمير في الأول من العمل في الصلاة، ومرَّ عبد الله بن نمير في الثالث من التيمم، ومرَّ العباس في الثالث والستين من الوضوء ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله بحديث. ثم قال: تابعه أبو أسامة وعقبة بن خالد وأبو ضمرة. قوله: "تابعه" أي: تابع ابن نمير هؤلاء المذكورون، والنكتة في استظهار البخاري بهذه المتابعات -بعد إيراده له من ثلاثة طرق- لشك وقع في رواية يحيى بن سعيد القطان في وصله، فقد أخرجه أحمد، عن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، قال: ولا أعلمه إلا عن ابن عمر، قال الإسماعيلي: وصله أيضًا بغير شك موسى بن عقبة والدراوردي وعلي بن مسهر، ومحمد بن فليح، وغيرهم، كلهم عن عبيد الله، وأرسله ابن المبارك، عن عبيد الله، والظاهر أن عبيد الله كان ربما شك في وصله بدليل رواية يحيى القطان، وكأنه كان في أكثر أحواله يجزم بوصله بدليل رواية الجماعة، أما متابعة أبي أسامة فقد أخرجها مسلم، وأما متابعة عقبة بن خالد فقد أخرجها عثمان بن أبي شيبة في "مسنده" عنه، وأما متابعة أبي ضمرة فقد أخرجها البخاري في باب سقاية الحاج، وقد مرَّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ أبو ضمرة في الرابع عشر من الوضوء، والباقي عقبة بن خالد بن عقبة بن خالد السكوني أبو مسعود الكوفي المجدر، سئل عنه أحمد فقال: هو ثقة، أرجو إن شاء الله تعالى، وقال أبو حاتم: من الثقات صالح الحديث لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الجارودي: شيخ كوفي صاحب حديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو سعيد الأشج: حدَّثنا عقبة بن خالد وما تعلمت ألفاظ الحديث إلا منه، وقال عثمان بن أبي شيبة: هو عندي ثقة، روى عن الأعمش، وعبيد الله بن عمر وهشام بن عروة، وغيرهم، وعنه ابنه خالد، وعيسى بن يونس، وهو من أقرانه، وأبو نعيم، وغيرهم، مات سنة ثمان وثمانين ومائة. ثم قال المصنف:

стр. 6458

باب رمي الجمار أي: وقت رميها أو حكم الرمي وقد اختلف فيه. فالجمهور على أنه واجب يجبر تركه بدم، وعند المالكية سنة مؤكدة، فيجبر، وعندهم رواية أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه، ومقابله قول بعضهم: إنها إنما تشرع حفظًا للتكبير، فإن تركه وكبر أجزأه حكاه ابن جرير عن عائشة، وغيرها ثم قال: وقال جابر: رمي النبي ﷺ يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال، وصله مسلم وابن خزيمة وابن حبان عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، عن جابر قال: رأيت رسول الله ﷺ رمى الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس، ورواه الدارمي عن ابن جريج، بلفظ التعليق لكن قال: وبعد ذلك عند زوال الشمس، ورواه إسحاق بن راهويه في "مسنده". وجابر مرَّ في الرابع من بدء الوحي. الحديث الرابع والعشرين والمائتان حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ وَبَرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄: مَتَى أَرْمِى الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ. فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا. قوله: "متى أرمي الجمار؟ " يعني في غير يوم الأضحى، وقوله: فارمه، بهاء ساكنة للسكت، وقوله: "إذا رمى إمامك فارمه" يعني الأمير الذي على الحاج، وكان ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل عليه ضرر، فلما أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان فأعمله بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ﷺ ، وقد رواه ابن عيينة عن مسعر بهذا الإسناد فقال: فيه فقلت له: أرأيت إن أخر إمامي الرمي فذكر له الحديث. أخرجه ابن أبي عمر في "مسنده" عنه، ومن طريقه الإسماعيلي، وفيه دليل على أن السنة رمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاووس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقًا، ورخص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في الثالث فيجزئه. رجاله أربعة:

стр. 6459

مرَّ منهم أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ مسعر في السادس والستين من الوضوء، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، والباقي وبرة بن عبد الرحمن المسلي بضم الميم وسكون السين أبو خزيمة، ويقال: أبو العباس الكوفي، ويقال: إنه حارثي، قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: كوفي، تابعي، ثقة، روى عن ابن عباس وابن عمر وأبي الطفيل وغيرهم، وروى عنه الأعمش ومسعر وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم، مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري على الكوفة سنة ست عشرة ومائة. رجاله كلهم كوفيون، وأخرجه أبو داود. ثم قال المصنف:

стр. 6460

باب رمي الجمار من بطن الوادي كأنه أشار بذلك إلى رد ما رواه ابن أبي شيبة وغيره عن عطاء، أن النبي ﷺ كان يعلو إذا رمى الجمرة، لكن يمكن الجمع بين هذا وبين حديث الباب بأن التي ترمى من بطن الوادي هي جمرة العقبة لكونها عند الوادي بخلاف الجمرتين الأخيرتين، ويوضح ذلك قوله في حديث ابن مسعود في الطريق الآتية بعد باب بلفظ حين رمى جمرة العقبة، وكذا روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر أنه رمى جمرة العقبة في السنة التي أصيب فيها، وفي غيرها من بطن الوادي، ومن طريق الأسود: رأيت عمر رمى جمرة العقبة من فوقها، وفي إسناد هذا الحجاج بن أرطأة، وفيه ضعف. الحديث الخامس والعشرون والمائتان أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا؟ فَقَالَ: وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ . قوله: "الذي أنزلت عليه سورة البقرة" قال ابن المنير: خص عبد الله سورة البقرة بالذكر لأنها هي التي أنزل الله فيها الرمي فأشار إلى أن فعله ﵊ مبين لمراد كتاب الله تعالى. ولكن موضع ذكر الرمي من سورة البقرة لم يعرف، والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرًا من أفعال الحج مذكور فيها، فكأنه قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه أحكام المناسك منبهًا بذلك على أن أفعال الحج توقيفية، وقيل: خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها، وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يشرع الوقوف عندها قدر سورة البقرة. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ محمد بن كثير في الثاني والثلاثين من العلم، ومرَّ الثوري في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأعمش وإبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين منه، ومرَّ عبد الرحمن بن يزيد في الخامس من التقصير، ومرَّ ابن مسعود في أول أثر من الإيمان.

стр. 6461

لطائف إسناده: فيه الحديث والإخبار بالجمع، وشيخه بصري، والبقية كوفيون، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الرجل، وهو إبراهيم عن خاله عبد الرحمن. أخرجه البخاري أيضًا، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. ثم قال: وقال عبد الله بن الوليد: قال حدَّثنا سفيان عن الأعمش بهذا، وفائدة هذا التعليق بيان سماع الثوري له من الأعمش وتمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخيرتين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر، وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى، ومن أسفلها استحبابًا، وهذا التعليق وصله عبد الرحمن بن منده بإسناده إلى عبد الله بن الوليد، وسفيان الثوري في جامعه، وقد مرَّ عبد الله بن الوليد في متابعة بعد السادس والأربعين من الجمعة، ومرَّ محل سفيان والأعمش في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6462

باب رمي الجمار بسبع حصيات وأشار بالترجمة إلى رد ما رواه قتادة عن ابن عمر قال: ما أبالي رميت الجمار بست أو بسبع، وأن ابن عباس أنكر ذلك. وقتادة لم يسمع من ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة عن قتادة، وروى من طريق مجاهد من رمى بست فلا شيء عليه، ومن طريق طاووس: يتصدق بشيء، وعن مالك والأوزاعي: من رمى بأقل من سبع فاته التدارك بجبره بدم، وبما روي عن مجاهد قال أحمد وإسحاق وعن الشافعية في ترك حصاة مُدّ، وفي ترك حصاتين مُدان، وفي ثلاثة فأكثر دم، وعن الحنفية إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا قدم أي: نصف صاع في كل حصاة. ثم قال: ذكره ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، وهذا التعليق وصله البخاري في باب إذا رمى الجمرتين فيما يأتي، وابن عمر مرَّ في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث السادس والعشرين والمائتان حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ . رواية الحكم لهذا الحديث مختصرة، وقد ساقها الأعمش، عن إبراهيم بأتم من هذا، كما يأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ حفص بن عمر في الثالث والثلاثين من الوضوء، ومرَّ شعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ الحكم بن عتيبة في الثامن والخمسين من العلم، ومرَّ محل إبراهيم وعبد الرحمن وعبد الله بن مسعود في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6463

باب من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره وقوله: فجعل البيت عنه يساره في رواية: وجعل البيت. الحديث السابع والعشرين والمائتان حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَرَآهُ يَرْمِى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ آدم، وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ محل الحكم في الذي قبله، ومحل إبراهيم وعبد الرحمن وابن مسعود في الذي قبله بحديث. ثم قال المصنف:

стр. 6464

باب يكبر مع كل حصاة قاله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ ، وهذا التعليق وصله البخاري فيما يأتي في باب رمي الجمرتين يقوم، وابن عمر مرَّ في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث الثامن والعشرين والمائتان حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ: عَلَى الْمِنْبَرِ السُّورَةُ الَّتِى يُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِى يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ الَّتِى يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِي، حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَاهُنَا وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ . قوله: "الحجاج" هو: ابن يوسف الأمير المشهور، ولم يقصد الأعمش الرواية عنه، ولم يكن أهلًا لذلك، وإنما أراد أن يحكي القصة، ويوضح خطأ الحجاج فيها، بما ثبت عمن يرجع إليه في ذلك بخلاف الحجاج، وكان لا يرى إضافة السورة إلى الاسم، فرد عليه إبراهيم النخعي بما رواه عن ابن مسعود، من الجواز. وقوله: "جمرة العقبة": هي الجمرة الكبرى، وليست من مني، بل هي حد منى من جهة مكة، وهي التي بايع النبي ﷺ الأنصار عندها على الهجرة. والجمرة اسم لمجتمع الحصى، سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال: تجمر بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل: العرب تسمي الحصى الصغار جمارًا، فسميت بتسمية الشيء بلازمه، وقيل: إن آدم أو إبراهيم لما عرض له إبليس فحصبه جمر بين يديه أي: أسرع فسميت بذلك. وقوله: "فاستبطن الوادي" في رواية أبي معاوية، عن الأعمش فقيل له -أي: لعبد الله بن مسعود-: إن ناسًا يرمونها من فوقها الحديث، أخرجه مسلم. وقوله: "حاذى" بمهملة وبالذال المعجمة من المحاذاة. وقوله: "اعترضها" أي: الشجرة يدل على أنه كان هناك شجرة عند الجمرة، وقد روى ابن أبي شيبة، عن أيوب قال: رأيت القاسم وسالمًا ونافعًا يرمون من الشجرة، ومن طريق

стр. 6465

عبد الرحمن بن الأسود أنه كان إذا جاوز الشجرة، رمى العقبة من تحت غصن من أغصانها. وقوله: "فرمى" أي: الجمرة، وفي رواية الحَكَم في الباب الذي قبله: جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، وفي رواية أبي صخرة عن عبد الرحمن بن يزيد: لما أتى عبد الله جمرة العقبة استبطن الوادي، واستقبل القبلة، والذي قبله هو الصحيح، وهذا شاذ، في إسناده المسعودي، وقد اختلط، وبالأول قال الجمهور، وجزم الرافعي من الشافعية بأنه يستقبل الجمرة، ويستدبر القبلة، وقيل: يستقبل القبلة، ويجعل الجمرة عن يمينه، وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها، أو جعلها عن يمينه، أو يساره، أو من فوقها، أو من أسفلها، أو وسطها، والاختلاف في الأفضل. وقوله: "أنزلت عليه سورة البقرة" قد مرَّ ما قيل في تخصيص سورة البقرة، بالذكر عند الرواية الأولى. واستدل بهذا الحديث اشتراط رمي الجمرات واحدة واحدة، لقوله: يكبر مع كلِّ حصاة، وقد قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم" وخالف في ذلك عطاء وصاحبه أبو حنيفة فقالا: لو رمى السبع دفعة واحدة أجزأه. وفيه ما كان الصحابة عليه من مراعاة حال النبي ﷺ في كل حركة وهيئة، ولاسيما في أفعال الحج. وفيه التكبير عند رمي حصى الجمار، وأجمعوا على أن من لم يكبر فلا شيء عليه، إلا الثوري فقال: يطعم، وإن جبره بدم أحب إلي، وفي رواية محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه لهذا الحديث عن ابن مسعود أنه لما فرغ من رمي جمرة العقبة قال: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا. رجاله ستة: وفيه ذكر الحجاج، وقد مرَّ الجميع: مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرَّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين منه، ومرَّ محل الأعمش وإبراهيم وعبد الرحمن وابن مسعود في الذي قبله بحديثين، ومرَّ الحجاج ابن يوسف في السابع والثلاثين من مواقيت الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 6466

باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف قاله ابن عمر ﵄: عن النبي ﷺ ، وعند أحمد نحوه، عن عمرو بن شعيب عن جده ولا خلاف فيه، والتعليق وصله البخاري في الباب هذا، وابن عمر مرَّ محله في التعليقال في قبله. ثم قال المصنف: باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويُسْهل المراد بالجمرتين: ما سوى جمرة العقبة، وهي التي يبدأ بها في الرمي في أول يوم، ثم تصير أخيرة في كل يوم بعد ذلك. وقوله: "يُسهل" بضم أوله وسكون المهملة أي: يقصد السهل من الأرض، وهو المكان المصطحب الذي لا ارتفاع فيه. الحديث التاسع والعشرون والمائتان حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلاً، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلاً وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلاً، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلاَ يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ. قوله: "الجمرة الدُنيا" بضم الدال وكسرها أي: القريبة إلى جهة الخيف، وهي أول الجمرات التي ترمى من ثاني يوم النحر، وقد مرَّ قريبًا معنى يسهل. وقوله: "ثم يأخذ ذات الشمال" أي: يمشي إلى جهة شمال. وقوله: "فيقوم طويلًا" في رواية سليمان: فيقوم قيامًا طويلًا، ووقع تفسير الطويل فيما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن عطاء قال: كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ

стр. 6467

سورة البقرة. وقوله: "ويرفع يديه" أي: في الدعاء. وقوله: "ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال" أي: ليقف داعيًا في مكان لا يصيبه الرمي، وفي رواية سليمان: ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشمال، وفي رواية عثمان: ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فيقف مستقبل القبلة. وقوله: "ثم يرمي جمرة ذات العقبة" هو نحو يا نساء المؤمنات أي: يأتي الجمرة ذات العقبة وثبت كذلك في رواية سليمان وفي رواية عثمان بن عمر ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة. وقوله: "ثم ينصرف" في رواية سليمان: ولا يقف عندها ولابد في الرمي من مسمى الرمي، فلا يكفي الوضع، والطرح عند الجمهور، وقال أصحاب الرأى: يجزىء الطرح، ولا يجزىء الوضع، وقال أبو ثور إن كان الطرح يسمى رميًا أجزأه، وحكى إمام الحرمين عن بعض أصحاب الشافعي أنه يكفي الوضع، ويجوز الرمي بكل ما كان من جنس الأرض كالحجر والمدر، ولا يجوز بما ليس من جنسها، كالذهب والفضة، وذهب داود إلى جوازه بكل شيء حتى بالبعرة، والعصفور الميت، وقال ابن المبارك: لا يجوز إلا بالحصى، وقال أحمد: لا يجوز بالحجر الكبير. رجاله ستة: قد مرّوا -إلا طلحة-: مرَّ عثمان بن أبي شيبة في الثاني عشر من العلم، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، وسالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، وأبوه عبد الله في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. والباقي: طلحة بن يحيى بن النعمان بن أبي عياش الزرقي الأنصاري المدني الدمشقي، سكن بغداد، قال أحمد، مقارب الحديث، وقال ابن معين وعثمان بن أبي شيبة: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو داود: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال يعقوب بن شيبة: شيخ ضعيف جدًا، ومنهم من لا يكتب حديثه لضعفه. روى عن: عبد الله بن سعيد بن أبي هند، ويونس بن يزيد، ومحمد بن أبي بكر الثقفي، وغيرهم. وروى عنه: ابن أبي فديك، ويعقوب بن محمد الزهري، ومحمد بن عباد المكي، وغيرهم، مات بالمدينة، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث بمتابعة سليمان بن بلال في الباب الذي بعده، وهذا الحديث من أفراده. ثم قال المصنف:

стр. 6468

باب رفع اليدين عند جمرة الدنيا والوسطى الحديث الثلاثون والمائتان حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلاً، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى كَذَلِكَ، فَيَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلاً، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ذَاتَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، وَلاَ يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ. قال ابن قدامة: لا نعلم لما تضمنه حديث ابن عمر هذا مخالفًا إلا ما روي عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، فقال ابن المنذر: لا أعلم أحدًا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة، إلا ما حكاه ابن القاسم، عن مالك، ورده ابن المنير بأن الرفع لو كان هنا سنة ثابتة ما خفي على أهل المدينة، وغفل رحمه الله تعالى عن أن الذي رواه من أعلم أهل المدينة في زمانه من الصحابة، وابنه سالم أحد فقهاء المدينة السبعة، والراوي عنه ابن شهاب عالم المدينة، ثم الشام في زمانه، فَمَنْ علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟!. والكلام على الحديث مرّ فيما قبله. رجاله سبعة: قد مرّوا: مرَّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ أخوه عبد الحميد في الحادي والستين من العلم، ومرَّ سليمان بن بلال في الثاني من الإيمان، ومرَّ محل يونس والزهري وسالم وأبوه عبد الله في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6469

باب الدعاء عند الجمرتين الحديث الحادي والثلاثون والمائتان وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِى تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الْوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِي، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِى عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلاَ يَقِفُ عِنْدَهَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ مِثْلَ هَذَا عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. وقوله: "قال الزهري: سمعت سالم" إلخ هذا بالإسناد المصدر به الباب، ولا اختلاف بين أهل الحديث أن الإسناد بمثل هذا السياق موصول، وغايته أنه من تقديم المتن على بعض السند، وإنما اختلفوا في جواز ذلك، وأغرب الكرماني فقال: هذا الحديث من مراسيل الزهري ولا يصير بما ذكره آخرًا مسندًا؛ لأنه قال: يحدِّث بمثله لا بنفسه، كذا قال. قال في الفتح: ليس مراد المحدِّث بقوله في هذا: "مثله" إلا نفسه وهو كما لو ساق المتن بإسناد، ثم عقبه بإسناد آخر، ولم يعد المتن، بل قال: بمثله، ولا نزاع بين أهل الحديث في الحكم بوصل مثل هذا، وكذا عند أكثرهم لو قال: بمعناه، خلافًا لمن يمنع الرواية بالمعنى، وقد أخرج الحديث المذكور الإسماعيلي، عن عثمان بن عمرو، قال في آخره: قال الزهري: سمعت سالمًا يحدِّث بهذا عن أبيه، عن النبي ﷺ ، فعرف أن المراد بقوله: "مثله" نفسه، وإذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب. وفي الحديث: مشروعية التكبير، والرمي بسبع، والقيام طويلًا، وقد مرت هذه مبينة. وفيه: استقبال القبلة، والتباعد من موضع الرمي عند القيام للدعاء حتى لا يصيبه رمي غيره، وفيه: رفع اليدين عند الدعاء، وقد مرَّ ما فيه وترك الدعاء، والقيام عند جمرة العقبة، ولم يذكر المصنف حال الرامي في المشي والركوب، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح

стр. 6470

أن ابن عمر كان يمشي إلى الجمار مقبلًا ومدبرًا، وعن جابر أنه لا يركب إلا من ضرورة. رجاله ستة: قد مرّوا: شيخ البخاري محمد بدون نسبة قيل: إنه محمد بن المثنى، وقد مرَّ في التاسع من الإيمان. وقيل: محمد بن بشار. وقد مرَّ في الحادي عشر من العلم، وقيل: محمد بن يحيى الذهلي، وقد مرَّ في العشرين من العيدين، ومرَّ عثمان بن عمر في السابع والعشرين من الغسل، ومرَّ محل يونس والزهري وسالم وأبيه في قبله بحديثين. ثم قال المصنف:

стр. 6471

باب الطيب بعد رمي الجمار والحلق قبل الإفاضة الحديث الثاني والثلاثون والمائتان حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ -وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ. وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا. مطابقته للترجمة من حيث إنه ﵊ لما أفاض من مزدلفة، لم تكن عائشة مسايرته، وقد ثبت أنه استمر راكبًا إلى أن رمى جمرة العقبة، فدل على أن تطييبها له وقع بعد الرمي، وأما الحلق قبل الإفاضة، فلأنه ﵊ حلق رأسه بمنى لما رجع من الرمي، وأخذه من حديث الباب من جهة التطيب، فإنه لا يقع إلا بعد التحلل، والتحلل الأول يقع بأمرين من ثلاثة: الرمي والحلق والطواف، فلولا أنه حلق بعد أن رمى لم يتطيب. وقوله: "حين أحرم" أي: حين أراد الإحرام. وقوله: "حين أحل" أي: لما وقع الإحلال، وإنما كان كذلك لأن الطيب بعد وقوع الإحرام لا يجوز، والطيب عند إرادة الحل لا يجوز؛ لأن المحرم ممنوع من الطيب، وفي هذا الحديث حجة لمن أجاز الطيب وغيره من محظورات الإحرام بعد التحلل الأول، ومنعه مالك، وروي عن عمر وابنه وغيرهما، وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث في باب الطيب عند الإحرام مستوفىً. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، ومرَّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من الغسل، وأبو القاسم في الحادي عشر منه. ثم قال المصنف:

стр. 6472

باب طواف الوداع قال النووي: طواف الوداع واجب يلزم بتركه دم على الصحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، قال في الفتح، والذي في الأوسط لابن المنذر أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء. الحديث الثالث والثلاثون والمائتان حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ. قوله: "أُمر الناس" كذا في رواية ابن طاووس: عبد الله عن أبيه بالبناء للمجهول والمراد بالآمر النبي ﷺ . وكذا قوله: "خفف"، وقد رواه سفيان أيضًا وهو ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن طاووس فصرح فيه بالرفع، ولفظه: عن ابن عباس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" أخرجه مسلم هو والذي قبله عن سعيد بن منصور، عن سفيان بالإسنادين فرقهما، فكأن طاووسًا حدث به على الوجهين، ولهذا وقع في رواية كل من الراويين عنه ما لم يقع في رواية الآخر، وفيه دليل على وجوب طواف الوداع للأمر المؤكد به، وللتعبير في حق الحائض بالتخفيف، والتخفيف لا يكون إلا من أمر مؤكد، ومن أخر طواف الوداع، وخرج ولم يطف -إن كان قريبًا- رجع فطاف، وإن لم يرجع فلا شيء عليه، وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي -في أظهر قوليه- وأحمد وإسحاق: إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن تباعد مضى، فأهراق دمًا، واختلفوا في حد القرب، فروى أن عمر رضي الله تعالى عنه ردّ رجلًا لم يكن ودّع من مَرِّ الظهران، وبين مرِّ الظهران ومكة ثمانية عشر ميلًا، وعند أبي حنيفة: يرجع ما لم يبلغ المواقيت، وعند الشافعي: يرجع من مسافة لا تقصر فيه الصلاة، وعند الثوري: يرجع ما لم يخرج من الحرم، واختلفوا فيمن ودع ثم بدا له في شراء حوائجه فقال عطاء: يعيد حتى يكون آخر عهده بالبيت، وبنحوه قال الثوري والشافعي وأحمد، وقال مالك: لا بأس أن يشتري بعض حوائجه وطعامه في السوق، ولا شيء عليه، وإن أقام يومًا أو نحوه أعاد، وقال أبو حنيفة: لو ودع

стр. 6473

وأقام شهرًا أو أكثر أجزأه، ولا شيء عليه، ومذهب أبي حنيفة أن طواف الوداع واجب على الآفاقي دون المكي، والميقاتي، وقال أبو يوسف: أحب إلي أن يطوف المكي؛ لأنه يختم به المناسك، ولا يجب على الحائض والنفساء، ولا على المعتمر؛ لأن وجوبه عُرِفَ نصًّا في الحج فيقتصر عليه. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه، ومرَّ عبد الله بن طاووس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرَّ أبوه طاووس في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من الوضوء. أخرجه البخاري في الطهارة، وفيما يأتي عن قريب، ومسلم والنسائي في الحج. الحديث الرابع والثلاثون والمائتان حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ. قوله: "عن قتادة" سيأتي بعد باب من وجه آخر عن ابن وهب التصريح بتحديث قتادة. وقوله: "أنه صلَّى الظهر" لا ينافي أنه ﵊ لم يرم إلا بعد الزوال؛ لأنه رمى فنفر، فنزل المحصب، فصلَّى الظهر. والمقصود من الحديث قوله: "ثم ركب إلى البيت فطاف به" أي: طواف الوداع. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ أصبغ وعمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ قتادة وأنس في السادس من الإيمان. ثم قال: تابعه الليث، حدَّثني خالد عن سعيد، عن قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثه عن النبي ﷺ ، أي: تابع عمرو بن الحارث في روايته لهذا الحديث عن قتادة بطريق أخرى إلى قتادة، وقد وصلها البزار والطبراني، وذكر البزار والطبراني أن خالدًا تفرد بهذا الحديث، عن سعيد، وأن الليث تفرد به عن خالد، وأن سعيد بن أبي هلال لم يرو عن قتادة، عن أنس غير هذا الحديث، والليث قد مرَّ في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ خالد بن يزيد وسعيد بن أبي هلال في الثاني من الوضوء ومرَّ محل قتادة وأنس في الذي قبله. ثم قال المصنف:

стр. 6474

باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت أي: هل يجب عليها طواف الوداع، أم يسقط؟ وإذا وجب هل يجبر بدم أم لا؟ الحديث الخامس والثلاثون والمائتان حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ " قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ. قَالَ: "فَلاَ إِذًا". قوله: "حاضت" أي: بعد أن أفاضت يوم النحر كما تقدَّم في باب الزيارة يوم النحر. وقوله: "فَذُكِر" بضم الذال على البناء للمجهول، وقد تقدم في الباب المذكور أن عائشة هي التي ذكرت له ذلك. وقوله: "أحابستنا؟ " أي: مانعتنا من التوجه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه، ظنًّا منه ﵊ أنها ما طافت طواف الإفاضة. وقوله: "فلا إذًا" أي: فلا حبس حينئذٍ إذ لا مانع من التوجه لأن ما وجب عليها قد فعلته، وهذا الحديث تقدمت مباحثه مستوفاة غاية الاستيفاء في باب المرأة تحيض بعد الإفاضة من كتاب الحيض. رجاله خمسة: وفيه ذكر صفية، وقد مرَّ الجميع: مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الرحمن ابن القاسم في السادس عشر من الغسل، ومرَّ أبوه القاسم في الحادي عشر منه، ومرت أُمُّنا صفية في الثالث والثلاثين من الحيض. الحديث السادس والثلاثون والمائتان حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ سَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ امْرَأَةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ، قَالَ لَهُمْ: تَنْفِرُ. قَالُوا: لاَ نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ وَنَدَعَ قَوْلَ زَيْدٍ. قَالَ: إِذَا قَدِمْتُمُ الْمَدِينَةَ فَسَلُوا. فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَسَأَلُوا، فَكَانَ فِيمَنْ سَأَلُوا أُمُّ سُلَيْمٍ، فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةَ.

стр. 6475

قوله: "إن أهل المدينة" أي: بعض أهل المدينة، وقد رواه الإسماعيلي عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب بلفظ: إن ناسًا من أهل المدينة. وقوله: "قال لهم: تنفر" زاد الثقفي فقالوا: لا نبالي أفتيتنا أو لم تفتنا، زيد بن ثابت يقول: لا تنفر. وقوله: "فكان فيمن سألوا أم سليم" في رواية الثقفي: فسألوا أمَّ سليم وغيرها، فذكرت صفية، كذا ذكره مختصرًا وساقه الثقفي بتمامه، قال: فأخبرتهم أن عائشة قالت لصفية: أفي الخيبة أنت، إنك لحابستنا، فقال رسول الله ﷺ : "ما ذاك؟ " قالت عائشة: صفية حاضت قيل: إنها قد أفاضت قال: "فلا إذًا" فرجعوا إلى ابن عباس، فقالوا: وجدنا الحديث كما حدَّثتنا. رجاله خمسة: وفيه ذكر زيد ابن ثابت وأم سليم، وقد مرَّ الجميع: مرَّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ عكرمة في السابع عشر من العلم، ومرت أم سليم في السبعين منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ زيد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة. وفيه أيضًا ذكر صفية وقد مرَّ محلها في الذي قبله. ثم قال: رواه خالد وقتادة، عن عكرمة. أما رواية خالد فوصلها البيهقي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا طافت يوم النحر ثم حاضت، فلتنفر، وقال زيد بن ثابت: لا تنفر حتى تطهر، وتطوف بالبيت، ثم أرسل زيد بعد ذلك إلى ابن عباس: إني وجدت الذي قلت. كما قلت، وأما رواية قتادة، فوصلها أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة، عن عكرمة، قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت، وقد طافت بالبيت يوم النحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت، وقال ابن عباس تنفر إن شاءت فقالت الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيدًا، فقال: سلوا صاحبتكم أُم سليم، فسألوها فقالت: حضت بعد ما طفت بالبيت فأمرني رسول الله ﷺ أن أنفر، وحاضت صفية فقالت لها عائشة: حبستنا فأمرها النبي ﷺ أن تنفر. ورواه سعيد بن أبي عروبة في كتاب المناسك، قال: عن قتادة، عن عكرمة نحوه، وقال فيه: لا نتابعك إذا خالفت زيد بن ثابت، وقال فيه: وأنبئت أن صفية بنت حيي حاضت بعدما طافت بالبيت يوم النحر، فقالت لها عائشة: الخيبة لك حبستنا فذكروا ذلك للنبي ﷺ فأمرها أن تنفر وكذلك أخرجه إسحاق في مسنده عن عبدة عن سعيد، وفي آخره وكان ذلك من شأن أم سليم أيضًا، وطريق قتادة هذه هي المحفوظة، وقد شذ عباد بن العوام فرواه عن سعيد

стр. 6476

ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مختصرًا في قصة أم سليم أخرجه الطحاوي من طريقه، وقد اختصر البخاري حديث عكرمة جدًا، ولولا تخريج هذه الطرق لما ظهر المراد منه، فلله الحمد على ما أنعم به وتفضل. وقد روى هذه القصة طاووس، عن ابن عباس متابعًا لعكرمة، أخرجه مسلم والنسائي والإسماعيلي عن طاووس كنت مع ابن عباس، إذ قال له زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال ابن عباس: أما لا فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي ﷺ ؟ قال: فرجع إليه فقال: ما أراك إلا صدقت لفظ مسلم، وللنسائي كنت عند ابن عباس، فقال له زيد بن ثابت: أنت الذي تفتي، وقال فيه: فسألها ثم رجع وهو يضحك، فقال الحديث كما حدثتني، وللإسماعيلي بعد قوله: "أنت الذي" إلخ قال نعم: قال: فلا تفتِ بذلك قال: غسل فلانة، والباقي نحو سياق مسلم، وزاد في إسناده عن ابن جريج قال: وقال عكرمة بن خالد: عن زيد وابن عباس نحوه، وزاد فيه فقال ابن عباس: سل أم سليم وصواحبها هل أمرهن رسول الله ﷺ بذلك فسألهن فقلن قد أمرنا رسول الله ﷺ بذلك، وقد عُرف برواية عكرمة الماضية أن الأنصارية هي أم سليم، وأما صواحبها فلم تعرف تسميتهن. وخالد مرَّ أنه في الثاني من الوضوء، وقتادة في السادس من الإيمان، وعكرمة في السابع عشر من العلم. الحديث السابع والثلاثون والمائتان حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا أَفَاضَتْ. قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ إِنَّهَا لاَ تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَعْدُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ. قوله: "رخص" بضم الراء على البناء للمجهول، وعند النسائي من رواية وهيب رخص رسول الله ﷺ . وقوله: "قال: وسمعت ابن عمر" القائل ذلك هو طاووس بالإسناد المذكور، بين ذلك النسائي في روايته المذكورة. وقوله: "ثم سمعته يقول: بَعُد" وكان ذلك قبل موت ابن عمر بعام كما مرَّ. وقوله: "إن النبي ﷺ رخص لهن" هذا من مراسيل الصحابة، وكذلك ما أخرجه النسائي، والترمذي وصححه، والحاكم عن نافع، عن ابن عمر قال: "من حج فليكن آخر عهده بالبيت، إلا الحيَّض، رخص لهن رسول الله ﷺ " فإن ابن عمر لم يسمعه من النبي ﷺ ، وقد مرَّ إيضاح ذلك واستيفاء الكلام على الحديث عند ذكره في باب المرأة تحيض بعد الإفاضة.

стр. 6477

رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان،. ومرَّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر منه، ومرَّ عبد الله بن طاووس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرَّ أبو طاووس في باب من لم ير الوضوء إلا من المَخْرَجَيْن بعد الأربعين من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، مرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. الحديث الثامن والثلاثون والمائتان حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلاَ نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ، وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَطَافَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَحَاضَتْ هِيَ، فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ لَيْلَةُ النَّفْرِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ غَيْرِي. قَالَ: "مَا كُنْتِ تَطُوفِى بِالْبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مكة". قُلْتُ: لاَ. قَالَ: "فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، وَمَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا". فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: "فَلاَ بَأْسَ. انْفِرِي". فَلَقِيتُهُ مُصْعِدًا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ. قوله: "ليلة الحصبة" في رواية المستملي ليلة الحصباء. وقوله: "بعده ليلة النفر" عطف بيان لليلة الحصباء، والمراد بتلك الليلة، يتقدم النفر من مني قبلها، فهي شبيهة بليلة عرفة وفيه تعقب على من قال: "كل ليلة تسبق يومها إلا ليلة عرفة فإن يومها يسبقها" فقد شاركتها ليلة النفر في ذلك. وقوله: "قلت: لا" كذا للإكثر، وفي رواية أبي ذر عن المستملي قلت: بلى، وهي محمولة على أن المراد ما كنت أطوف. وقوله: "وحاضت صفية"، كان حيضها ليلة النفر، زاد الحاكم لما أراد أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة، وهذا يشعر بأن الوقت الذي أراد منها ما يريد الرجل من أهله كان بالقرب من وقت النفر من مني، واستشكله بعضهم بناء على ما فهم أن ذلك كان وقت الرحيل، وليس ذلك بلازم، لاحتمال أن يكون الوقت الذي أراد منها ما أراد سابقًا على الوقت الذي رآها فيه على باب خبائها، الذي هو وقت الرحيل، بل لو اتحد الوقت لم يكن ذلك

стр. 6478

مانعًا من الإرادة المذكورة، وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه في مواضع، في أول كتاب الحيض في الباب الأول منه، وفي باب إمتشاط المرأة عند غسلها من الحيض، والباب الذي بعده، وفي باب المرأة تحيض بعد الإفاضة، وذكرت زيادة في تفسير "عقرى حلقى" في باب التمتع، والقران، والإفراد بالحج. رجاله ستة: وفيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وصفية بنت حيي، مرَّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان، ومرَّ إبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين منه، ومرَّ أبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، ومرَّ منصور بن المعتمر. في الثاني عشر من العلم، ومرَّ الأسود في السابع والستين منه، ومرَّ عبد الرحمن في الرابع من الغسل، ومرت أُمنا صفية في الثالث والثلاثين من الحيض. ثم قال وقال: مسدد لا، وتابعه جرير عن منصور في قوله لا، وهذا التعليق لم يقع في رواية أبي ذر، وثبت لغيره، أما رواية مسدد فهي في "مسنده"، ورواية جرير وصلها المصنف في باب التمتع والقران. ومسدد، مرَّ في السادس من الإيمان، ومرَّ جرير ومنصور في الثاني عشر من العلم. ثم قال المصنف:

стр. 6479

باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح أي: البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها المحصب، والمعرس، وحدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة. الحديث التاسع والثلاثون والمائتان حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ. افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. هذا الحديث، مرَّ استيفاء الكلام عليه عند ذكره في باب أين صلى الظهر يوم التروية. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان، وأنس في السادس منه، ومرَّ الثوري في السابع والعشرين منه، وإسحاق بن يوسف في الرابع والثلاثين والمائة من كتاب الحج، ومرَّ عبد العزيز بن رفيع في الثالث عشر والمائة منه. الحديث الأربعون والمائتان حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُتَعَالِ بْنُ طَالِبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ. هذا الحديث قد مرَّ في باب طواف الوداع، وهو قال على أنه صلَّى المغرب والعشاء، ورقد ثم ركب إلى البيت فطاف به طواف الوداع. رجاله خمسة: قد مرّوا، إلا عبد المتعال: مرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء، ومرَّ قتادة وأنس في السادس من الإيمان والباقي

стр. 6480

عبد المتعالي بالياء وحذفها ابن طالب بن إبراهيم الظفري أبو محمد البغدادي قال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: حدَّثنا هارون بن معروف وعبد المتعال ابن طالب وكانا ثقتين، وقال أبو حاتم: شيخ ثقة كتبنا عنه ببغداد، وقال أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي، حدَّثنا عبد المتعال، وكان عبدًا صالحًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: ثقة وذكره ابن عدي في الكامل. وروى عن عثمان الدارمي، أنه سأل ابن معين عن حديث هذا عن ابن وهب، فقال: هذا ليس بشيء، أمر محتمل لا يوجب تضعيف الرجل لاحتمال أن يكون أراد الحديث نفسه، ويقوي هذا أن عثمان هذا سأل ابن معين عن عبد المتعال فقال: "ثقة"، وكذا قال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين، فيما مرَّ، وفي "الزهرة" روى عنه البخاري حديثين، وقال في المقدمة: إنما روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في أواخر الحج، قبل أبواب العمرة بخمسة أبواب، وقد روى ذلك الحديث بعينه في الحج أيضًا عن اصبغ بمتابعة عبد المتعال، روى عن إبراهيم بن سعد وأبي عوانة، وعباد بن العوام، وغيرهم، وروى عنه البخاري وأحمد بن حنبل، وابن معين ويعقوب بن شيبة وغيرهم. مات سنة ست وعشرين ومائتين. ثم قال المصنف:
следующие страницы →