Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مختصرًا في قصة أم سليم أخرجه الطحاوي من طريقه، وقد اختصر البخاري حديث عكرمة جدًا، ولولا تخريج هذه الطرق لما ظهر المراد منه، فلله الحمد على ما أنعم به وتفضل. وقد روى هذه القصة طاووس، عن ابن عباس متابعًا لعكرمة، أخرجه مسلم والنسائي والإسماعيلي عن طاووس كنت مع ابن عباس، إذ قال له زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال ابن عباس: أما لا فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي ﷺ ؟ قال: فرجع إليه فقال: ما أراك إلا صدقت لفظ مسلم، وللنسائي كنت عند ابن عباس، فقال له زيد بن ثابت: أنت الذي تفتي، وقال فيه: فسألها ثم رجع وهو يضحك، فقال الحديث كما حدثتني، وللإسماعيلي بعد قوله: "أنت الذي" إلخ قال نعم: قال: فلا تفتِ بذلك قال: غسل فلانة، والباقي نحو سياق مسلم، وزاد في إسناده عن ابن جريج قال: وقال عكرمة بن خالد: عن زيد وابن عباس نحوه، وزاد فيه فقال ابن عباس: سل أم سليم وصواحبها هل أمرهن رسول الله ﷺ بذلك فسألهن فقلن قد أمرنا رسول الله ﷺ بذلك، وقد عُرف برواية عكرمة الماضية أن الأنصارية هي أم سليم، وأما صواحبها فلم تعرف تسميتهن.
وخالد مرَّ أنه في الثاني من الوضوء، وقتادة في السادس من الإيمان، وعكرمة في السابع عشر من العلم.
الحديث السابع والثلاثون والمائتان
حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا أَفَاضَتْ. قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ إِنَّهَا لاَ تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَعْدُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ.
قوله: "رخص" بضم الراء على البناء للمجهول، وعند النسائي من رواية وهيب رخص رسول الله ﷺ .
وقوله: "قال: وسمعت ابن عمر" القائل ذلك هو طاووس بالإسناد المذكور، بين ذلك النسائي في روايته المذكورة.
وقوله: "ثم سمعته يقول: بَعُد" وكان ذلك قبل موت ابن عمر بعام كما مرَّ.
وقوله: "إن النبي ﷺ رخص لهن" هذا من مراسيل الصحابة، وكذلك ما أخرجه النسائي، والترمذي وصححه، والحاكم عن نافع، عن ابن عمر قال: "من حج فليكن آخر عهده بالبيت، إلا الحيَّض، رخص لهن رسول الله ﷺ " فإن ابن عمر لم يسمعه من النبي ﷺ ، وقد مرَّ إيضاح ذلك واستيفاء الكلام على الحديث عند ذكره في باب المرأة تحيض بعد الإفاضة.
стр. 6477
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان،. ومرَّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر منه، ومرَّ عبد الله بن طاووس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرَّ أبو طاووس في باب من لم ير الوضوء إلا من المَخْرَجَيْن بعد الأربعين من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، مرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الحديث الثامن والثلاثون والمائتان
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلاَ نُرَى إِلاَّ الْحَجَّ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ، وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَطَافَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَحَاضَتْ هِيَ، فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ لَيْلَةُ النَّفْرِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ غَيْرِي. قَالَ: "مَا كُنْتِ تَطُوفِى بِالْبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مكة". قُلْتُ: لاَ. قَالَ: "فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، وَمَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا". فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: "فَلاَ بَأْسَ. انْفِرِي". فَلَقِيتُهُ مُصْعِدًا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ.
قوله: "ليلة الحصبة" في رواية المستملي ليلة الحصباء.
وقوله: "بعده ليلة النفر" عطف بيان لليلة الحصباء، والمراد بتلك الليلة، يتقدم النفر من مني قبلها، فهي شبيهة بليلة عرفة وفيه تعقب على من قال: "كل ليلة تسبق يومها إلا ليلة عرفة فإن يومها يسبقها" فقد شاركتها ليلة النفر في ذلك.
وقوله: "قلت: لا" كذا للإكثر، وفي رواية أبي ذر عن المستملي قلت: بلى، وهي محمولة على أن المراد ما كنت أطوف.
وقوله: "وحاضت صفية"، كان حيضها ليلة النفر، زاد الحاكم لما أراد أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة، وهذا يشعر بأن الوقت الذي أراد منها ما يريد الرجل من أهله كان بالقرب من وقت النفر من مني، واستشكله بعضهم بناء على ما فهم أن ذلك كان وقت الرحيل، وليس ذلك بلازم، لاحتمال أن يكون الوقت الذي أراد منها ما أراد سابقًا على الوقت الذي رآها فيه على باب خبائها، الذي هو وقت الرحيل، بل لو اتحد الوقت لم يكن ذلك
стр. 6478
مانعًا من الإرادة المذكورة، وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه في مواضع، في أول كتاب الحيض في الباب الأول منه، وفي باب إمتشاط المرأة عند غسلها من الحيض، والباب الذي بعده، وفي باب المرأة تحيض بعد الإفاضة، وذكرت زيادة في تفسير "عقرى حلقى" في باب التمتع، والقران، والإفراد بالحج.
رجاله ستة:
وفيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وصفية بنت حيي، مرَّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان، ومرَّ إبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين منه، ومرَّ أبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، ومرَّ منصور بن المعتمر. في الثاني عشر من العلم، ومرَّ الأسود في السابع والستين منه، ومرَّ عبد الرحمن في الرابع من الغسل، ومرت أُمنا صفية في الثالث والثلاثين من الحيض.
ثم قال وقال: مسدد لا، وتابعه جرير عن منصور في قوله لا، وهذا التعليق لم يقع في رواية أبي ذر، وثبت لغيره، أما رواية مسدد فهي في "مسنده"، ورواية جرير وصلها المصنف في باب التمتع والقران. ومسدد، مرَّ في السادس من الإيمان، ومرَّ جرير ومنصور في الثاني عشر من العلم.
ثم قال المصنف:
стр. 6479
باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح
أي: البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها المحصب، والمعرس، وحدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة.
الحديث التاسع والثلاثون والمائتان
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ. افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
هذا الحديث، مرَّ استيفاء الكلام عليه عند ذكره في باب أين صلى الظهر يوم التروية.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ محمد بن المثنى في التاسع من الإيمان، وأنس في السادس منه، ومرَّ الثوري في السابع والعشرين منه، وإسحاق بن يوسف في الرابع والثلاثين والمائة من كتاب الحج، ومرَّ عبد العزيز بن رفيع في الثالث عشر والمائة منه.
الحديث الأربعون والمائتان
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُتَعَالِ بْنُ طَالِبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
هذا الحديث قد مرَّ في باب طواف الوداع، وهو قال على أنه صلَّى المغرب والعشاء، ورقد ثم ركب إلى البيت فطاف به طواف الوداع.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، إلا عبد المتعال: مرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن الحارث في السابع والستين من الوضوء، ومرَّ قتادة وأنس في السادس من الإيمان والباقي
стр. 6480
عبد المتعالي بالياء وحذفها ابن طالب بن إبراهيم الظفري أبو محمد البغدادي قال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: حدَّثنا هارون بن معروف وعبد المتعال ابن طالب وكانا ثقتين، وقال أبو حاتم: شيخ ثقة كتبنا عنه ببغداد، وقال أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي، حدَّثنا عبد المتعال، وكان عبدًا صالحًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: ثقة وذكره ابن عدي في الكامل. وروى عن عثمان الدارمي، أنه سأل ابن معين عن حديث هذا عن ابن وهب، فقال: هذا ليس بشيء، أمر محتمل لا يوجب تضعيف الرجل لاحتمال أن يكون أراد الحديث نفسه، ويقوي هذا أن عثمان هذا سأل ابن معين عن عبد المتعال فقال: "ثقة"، وكذا قال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين، فيما مرَّ، وفي "الزهرة" روى عنه البخاري حديثين، وقال في المقدمة: إنما روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في أواخر الحج، قبل أبواب العمرة بخمسة أبواب، وقد روى ذلك الحديث بعينه في الحج أيضًا عن اصبغ بمتابعة عبد المتعال، روى عن إبراهيم بن سعد وأبي عوانة، وعباد بن العوام، وغيرهم، وروى عنه البخاري وأحمد بن حنبل، وابن معين ويعقوب بن شيبة وغيرهم. مات سنة ست وعشرين ومائتين.
ثم قال المصنف:
стр. 6481
باب المحصب
بمهملتين ثم موحدة بوزن محمد، أي ما حكم النزول فيه، وقد نقل ابن المنذر الاختلاف في استحبابه مع الاتفاق على أنه ليس من المناسك.
الحديث الحادي والأربعون والمائتان
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. يَعْنِي بِالأَبْطَحِ".
قوله: "عن هشام" في رواية الإسماعيلي عن سفيان، حدَّثنا هشام.
وقوله: "إنما كان منزلًا" في رواية مسلم عن هشام: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله الحديث.
وقوله: "أسمح" أي: أسهل لتوجهه إلى المدينة، ليستوي في ذلك البطيء والمعتدل، ويكون مبيتهم، وقيامهم، ورحيلهم إلى المدينة بأجمعهم.
وقوله: "تعني بالأبطح" في رواية الكشميهني تعني الأبطح بحذف الموحدة، وفي رواية مسلم المذكورة كان أسمح لخروجه إذا خرج وعلى رواية الباء يكون متعلقًا بينزل.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإِيمان، ومرَّ سفيان الثوري في السابع والعشرين منه، ومرَّ هشام وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي.
الحديث الثاني والأربعون والمائتان
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: "لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ".
قال الدارقطني: هذا الحديث سمعه سفيان من الحسن بن صالح، عن عمرو بن دينار، يعني أنه دلسه هنا عن عمرو، مرَّ تعقب بأن الحميدي أخرجه في مسنده عن سفيان، قال: حدَّثنا عمرو، وكذلك أخرجه الإسماعيلي عن سفيان فأنتفت تهمة التدليس.
стр. 6482
وقوله: "ليس التحصيب بشيء" أي: من أمر المناسك الذي يلزم فعله؟ قاله ابن المنذر، وروى أحمد عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: "ثم ارتحل حتى نزل الحصبة" قالت: والله ما نزلها إلا من أجلي، وروى مسلم وأبو داود وغيرهما عن أبي رافع، قاله: "لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل بالأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربت قبته فجاء فنزل، لكن لما نزله النبي ﷺ ، كان النزول به مستحبًا إتباعًا له لتقريره على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده، كما رواه مسلم عن نافع، عن ابن عمر، قال: "كان النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر، ينزلون الأبطح" وسيأتي للمصنف في الباب الذي يليه، لكن ليس فيه ذكر أبي بكر ومن طريق أخرى عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يرى التحصيب سنة، قال نافع: وقد حصب رسول الله ﷺ ، والخلفاء بعده، فالحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة، وابن عباس، أراد أنه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﵊، لا الإلزام بذلك ويستحب أن يصلي به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ويبيت به بعض الليل كما دل عليه حديث أنس، ويأتي نحوه في الباب الذي يليه عن ابن عمر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ عمرو ابن دينار في الرابع والخمسين منه، وعطاء في التاسع والثلاثين منه، ومرَّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه، أخرجه مسلم، وكذا الترمذي، والنسائي.
ثم قال المصنف:
стр. 6483
باب النزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة والنزول بالبطحاء التي بذي الحليفة
أي: قبل أن يدخل المدينة، والمقصود بهذه الترجمة، الإشارة إلى أن اتباعه ﷺ في النزول بمنازله لا يختص بالمحصب، وقد تقدم الكلام على مكان الدخول إلى مكة، في باب من أين يدخل مكة.
الحديث الثالث والأربعون والمائتان
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَبِيتُ بِذِي طُوًى بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ الَّتِى بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا لَمْ يُنِخْ نَاقَتَهُ إِلاَّ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَأْتِي الرُّكْنَ الأَسْوَدَ فَيَبْدَأُ بِهِ، ثُمَّ يَطُوفُ سَبْعًا ثَلاَثًا سَعْيًا، وَأَرْبَعًا مَشْيًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ إِذَا صَدَرَ عَنِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِى كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنِيخُ بِهَا.
قوله: "بذي الطوى" كذا للمستملي والسرخسي بإثبات الألف واللام، ولغيرهما بحذفها.
وقوله: "بين الثنيتين" أي: التي بين الثنيتين.
وقوله: "لم ينخ ناقته إلا عند باب المسجد" أي: إذا بات بذي طوى، ثم أصبح ركب ناقته فلم ينخها إلا بباب المسجد.
وقوله: "فيصلي سجدتين" وفي رواية الكشميهني: ركعتين.
وقوله: "وكان إذا صدر" أي رجع متوجهًا نحو المدينة.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ نافع في الأخير منه، ومرَّ أبو ضمرة في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس منه، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 6484
الحديث الرابع والأربعون والمائتان
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: سُئِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ الْمُحَصَّبِ، فَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: "نَزَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ". وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُصَلِّي بِهَا يَعْنِي: "الْمُحَصَّبَ" الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، أَحْسِبُهُ قَالَ: وَالْمَغْرِبَ. قَالَ خَالِدٌ: لاَ أَشُكُّ فِي الْعِشَاءِ، وَيَهْجَعُ هَجْعَةً، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: "سئل عبيد الله" هو ابن عمر بن حفص، بن عاصم، بن عمر بن الخطاب.
وقوله: "نزل بها رسول الله، وعمر، وابن عمر"، هو عن النبي ﷺ ، مرسل، وعن عمر منقطع، وعن ابن عمر موصول، ويحتمل أن يكون نافع سمع ذلك من ابن عمر، فيكون الجميع موصولًا، ويدل عليه رواية مسلم التي قدمتها في الباب الذي قبله.
وقوله: "وعن نافع" هو معطوف على الإسناد الذي قبله، وليس بمعلق وقد رواه البيهقي عن خالد بن الحارث مثله.
وقوله: "يصلي بها"، يعني: "المحصب" قيل: فسر الضمير المؤنث بلفظ مذكر وأراد البقعة، ولأن من أسمائها البطحاء.
وقوله: "قال خالد" هو ابن الحارث، راوي أصل الإسناد، وهو مؤيد للعطف الذي قبله.
وقوله: "لا أشك في العشاء"، يريد أنه شك في ذكر المغرب، وقد رواه سفيان بن عيينة بغير شك في المغرب، ولا غيرها عن أيوب، وعن عبيد الله بن عمر، جميعًا عن نافع، أن ابن عمر كان يصلي بالأبطح الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم يهجع هجعة، أخرجه الإسماعيلي، وهو عند أبي داود عن بكر بن عبد الله المزني، وعن أيوب، عن نافع كلاهما عن ابن عمر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: وفيه ذكر ابن عمر، مرَّ عبد الله بن عبد الوهاب في السادس والأربعين من العلم، ومرَّ خالد بن الحارث في تعليق بعد الثاني من استقبال القبلة، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع من الوضوء، ومرَّ محل نافع وابن عمر في الذي قبله، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي.
ثم قال المصنف:
стр. 6485
باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة
تقدم الكلام على النزول بذي طوى، والمبيت بها إلى الصبح، لمن أراد أن يدخل مكة في أوائل الحج في باب من أين يدخل مكة؟ والمقصود بهذه الترجمة مشروعية المبيت بها أيضًا للراجع من مكة، وغفل الداودي فظن أن هذا المبيت متحد بالمبيت بالمحصب، فجعل ذا طوى هو المحصب وهو غلط، وإنما يقع المبيت بالمحصب في الليلة التي تلي يوم النفر من منى، فيصبح سائرًا إلى أن يصل إلى ذي طوى فينزل بها ويبيت، فهذا الذي يدل عليه سياق حديث الباب.
الحديث الخامس والأربعون والمائتان
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَقْبَلَ بَاتَ بِذِي طُوًى، حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ دَخَلَ، وَإِذَا نَفَرَ مَرَّ بِذِي طُوًى وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
واختلف في حماد فجزم الإسماعيلي بأنه ابن سلمة، وجزم المزي بأنه ابن زيد ولم يذكر حماد بن سلمة في شيوخ محمد بن عيسى، وذكر حماد بن زيد.
وقوله: "وإذا نفر مرَّ بذي طوى" في رواية الكشميهني، وإذا نفر مرَّ من ذي طوى .. إلخ. قال ابن بطال: وليس هذا أيضًا من مناسك الحج، وإنما يؤخذ منه أماكن نزوله ﵊، ليتأسى به فيها، إذ لا يخلو شيء من أفعاله عن حكمة.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم حماد بن زيد في الرابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ محل نافع وابن عمر في الذي قبله بحديث، والباقي محمد بن عيسى بن نجيح بن الطباع أبو جعفر البغدادي سكن أذنة، قال أحمد: إن ابن الطباع لبيب كيس، وقال: علي: سمعت يحيى وعبد الرحمن يسألان محمد بن عيسى، عن حديث هشيم، وما أعلم أحدًا أعلم به منه. وقال: أبو حاتم: سمعت محمد ابن عيسى يقول: اختلف عبد الرحمن بن مهدي وأبو داود في حديث فتراضيا بي، وقال أبو حاتم أيضًا: حدَّثنا محمد بن عيسى بن الطباع الفقيه المأمون: "ما رأيت من المحدثين أحفظ للأبواب منه" وسئل أيضًا عن محمد وإسحاق ابني عيسى بن
стр. 6486
الطباع؟ فقال: محمد أحب إلى، وإسحاق أجل، ومحمد أتقن، وقال: محمد بن بكار: محمد بن عيسى أفضل من ابن إسحاق، وقال: أبو داود: محمد بن عيسى كان يتفقه، وكان يحفظ نحوًا من أربعين ألف حديث، وكان ربما دلس، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: من أعلَم الناس بحديث هشيم. وقال أبو حاتم: قلت: لأحمد عن من أكتب المصنفات؟ قال: عن ابن الطباع، وإبراهيم بن موسى، وأبي بكر بن أبي شيبة. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ذكر حديث هشيم، عن ابن شبرمة، عن الشعبي، في الذي يصوم في كفارة ثم يوسر فقال: لا أراه سمعه، قيل له: فإن أبا جعفر محمد بن عيسى يقول فيه قال: أنبأنا شبرمة قال: فتعجب! فقلت له: ألا إن أبا جعفر عالم بهذا، قال: نعم، وفي "الزهرة" روى عنه البخاري ستة أحاديث. روى عن مالك وحماد بن زيد، وابن أبي ذيب، وهشيم وغيرهم، وروى البخاري عنه تعليقًا، وأبو داود، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه له بواسطة، ولد سنة خمسين ومائة، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين.
ثم قال المصنف:
стр. 6487
باب التجارة أيام الموسم والبيع في أسواق الجاهلية
والموسم بفتح الميم وسكون الواو وكسر المهملة، قال الأزهري: سمي بذلك لأنه معلم يجتمع إليه الناس مشتق من السمة، وهي العلامة، وذكر في حديث الباب من أسواق الجاهلية اثنين وترك اثنين.
الحديث السادس والأربعون والمائتان
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ ذُو الْمَجَازِ وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ.
قوله: قال عمرو بن دينار: في رواية إسحاق بن راهويه في "مسنده"، عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار.
وقوله: "عن ابن عباس" هو الصحيح، وما وقع عند الإسماعيلي عن ابن الزبير وهم من بعض رواته، كأنه دخل عليه حديث في حديث، فإن حديث ابن الزبير عند ابن عيينة وابن جريج عن عبيد الله بن أبي يزيد عنه وهو أخصر من سياق ابن عباس، وقد رواه ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس، ثم لم يختلف عليه في ذلك.
وقوله: "كأنهم كرهوا ذلك" في رواية ابن عيينة، فكأنهم تأثموا، أي: خشوا من الوقوع في الإثم، للإشتغال في أيام النسك بغير العبادة، ولأبي داود وإسحاق بن راهويه، عن ابن عباس، كانوا لا يتجرون بمنى فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات وقرأ: ﴿لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلًا من ربكم﴾ وأخرجه إسحاق في "مسنده" بلفظ كانوا يمنعون البيع والتجارة في أيام الموسم، يقولون إنها أيام ذكر، فنزلت. وله من وجه آخر، عن ابن عباس كانوا يكرهون أن يدخلوا في حجهم التجارة، فنزلت. وقد أشبعنا الكلام على أسواق الجاهلية الاثنين المذكورين هنا وغيرهما في باب الجهر بقراءة صلاة الفجر من أبواب صفة الصلاة.
رجاله أربعة:
مرَّ منهم ابن جريج في الثالث من الحيض، وعمرو بن دينار في الرابع والخمسين من
стр. 6488
العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، والرابع عثمان بن الهيثم بن جهم بن عيسى بن حسان بن المنذر، وهو الأشج العصري العبيدي أبو عمرو البصري مؤذن الجامع. قال أبو حاتم: كان صدوقًا غير أنه بأخره كان يتلقن ما يلقن، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الدارقطني: صدوق كثير الخطأ. وقال الساجي: ذكر عند أحمد فأومى إلي ليس بثبت، وهو من الأصاغر الذين حدَّثوا عن ابن جريج، وعوف، ولم يحدث عنه، روى عن أبيه وعوف الأعرابي وابن جريج، وغيرهم وروى عنه أبو حاتم الرازي والذهلي، ومحمد ابن خزيمة، وروى عنه البخاري، وعلق عنه. قال في "الزهرة" روى عنه البخاري أربعة عشر حديثًا، وقال في المقدمة: وله في البخاري حديث أبي هريرة، في فضل آية الكرسي، ذكره في مواضع عنه مطولًا ومختصرًا، وروى حديثًا آخر عن محمد، وهو الذهلي عنه عن ابن جريج، وآخر في العلم صرح بسماعه منه وهو متابعة.
قلت: انظر هذا مع ما قاله صاحب "الزهرة"، ولم يذكر هذا الحديث الذي صرَّح البخاري فيه بالتحديث، ولم أر له رواية في كتاب العلم، فلعل قوله في كتاب العلم تحريف من الناسخ، فيكون المراد في الحج ويكون أشار إلى هذا الحديث والله تعالى أعلم.
ثم قال المصنف:
стр. 6489
باب الإدلاج من المحصب
وقع في رواية لأبي ذر: الإدلاج بسكون الدال، والصواب تشديدها، فإنه بالسكون سير أول الليل، وبالتشديد سير آخره، وهو المراد هنا والمقصود الرحيل من مكان المبيت بالمحصب سحرا، وهو الواقع في قصة عائشة، ويحتمل أن تكون الترجمة لأجل رحيل عائشة مع أخيها، للاعتمار فإنها رحلت معه من أول الليل، فقصد المصنف التنبيه على أن المبيت ليس بلازم، وأن السير من هناك من أول الليل جائز.
الحديث السابع والأربعون والمائتان
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلاَّ حَابِسَتَكُمْ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَقْرَى حَلْقَى أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَانْفِرِي".
قوله: "حدَّثني أبي" هو حفص بن غياث، وليس في المتن الذي ساقه عن حفص، مقصود الترجمة وإنما أشار إلى أن القصة التي في روايته، وفي رواية محاضر واحدة، وقد مرَّ الكلام على الحديث مرارًا في الحيض، وفي باب التمتع والقران.
رجاله ستة:
وفيه ذكر صفية، وقد مرَّ الجميع. مرَّ عمر بن حفص، وأبوه حفص في الثاني عشر من الغسل. ومرَّ الأعمش وإبراهيم بن المنذر في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرت صفية في الثالث والثلاثين من الحيض.
ورجاله كلهم كوفيون إلا عائشة، وفيه ثلاثة من التابعين، ورواية الابن عن الأب، ورواية الرجل عن خاله، أخرجه مسلم في الحج، وكذا النسائي وابن ماجه.
ثم قال:
الحديث الثامن والأربعون والمائتان
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ
стр. 6490
عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لاَ نَذْكُرُ إِلاَّ الْحَجَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ النَّفْرِ حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حَلْقَى عَقْرَى، مَا أُرَاهَا إِلاَّ حَابِسَتَكُمْ". ثُمَّ قَالَ: "كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "فَانْفِرِي". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ. قَالَ: "فَاعْتَمِرِي مِنَ التَّنْعِيمِ". فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا، فَلَقِينَاهُ مُدَّلِجًا. فَقَالَ: "مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا".
قوله "مدلجًا" هو بتشديد الدال أي: سائرًا من آخر الليل، فإنهما لما رجعا إلى المنزل بعد أن قضت عائشة العمرة، صادفا النبي ﷺ متوجهًا إلى طواف الوداع.
وقوله: "موعدك مكان كذا" أي: موضع منزله والمراد بالمكان الأبطح كما تبين في غير هذه الطريق.
وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه في أول باب من كتاب الحيض، وفي باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض، والباب الذي بعده، وفي باب المرأة تحيض بعد الإفاضة، وفي باب التمتع والقران والإفراد بالحج.
رجاله ستة:
وفيه ذكر صفية، وقد مرَّ الجميع، محمد شيخ البخاري، قيل: إنه محمد بن سلام، وقد مرَّ في الثالث عشر من الإيمان، وقيل إنه محمد الذهلي، وقد مرَّ في العشرين من العيدين، ومرَّ محاضر في متابعة بعد الخامس والستين من الجماعة، ومرَّ محل الأعمش، وإبراهيم، والأسود، وعائشة، وصفية في الذي قبله.
стр. 6491
خاتمة
اشتمل كتاب الحج من أوله إلى أبواب العمرة على ثلاثماثة واثني عشر حديثًا، المعلق منها سبعة وخمسون حديثًا، والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى مائة وواحد وتسعون حديثًا، والخالص منها مائة وواحد وعشرون حديثًا، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث جابر في الإهلال إذا استقلت الراحلة، وحديث أنس في الحج على رحل رث، وحديث عائشة: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" وحديث ابن عباس في نزول: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى" وحديث عمر "حد لأهل نجد قرنًا" وحديث "وقيل حجة في عمرة" وحديث ابن عبّاس "انطلق من المدينة بعدما ترجل وادهن" وحديثه: "أنه سئل عن متعة الحج" وحديث أبي سعيد "ليحجن البيت وليعتمرن بعد يأجوج ومأجوج"، وحديث ابن عباس في هدم الكعبة على يد الأسود، وحديثه في ترك دخول الكعبة وفيها الأصنام، وحديث ابن عمر في استلام الحجر وتقبيله، وحديث عائشة في طوافها حجرة من الرجال، وحديث ابن عباس مرَّ برجل يطوف وقد خزم أنفه، وحديث الزهري المرسل لم يطف إلا صلى ركعتين، وحديث ابن عباس في الشرب من سقاية العباس، وحديث ابن عمر في تعجيل الوقوف، وحديث ابن عباس: ليس البر بالإيضاع، وحديثه في تقديم الضعفة، وحديث عمر في إفاضة المشركين من مزدلفة، وحديث المسور ومروان في الهدي، وحديث ابن عمر حلق في حجته، وحديث ابن عباس أخر الزيارة إلى الليل، وحديث ابن عمر في النحر في المنحر، وحديث جابر في السؤال عن الحلق قبل الذبح، وحديث عائشة في تأخير الزيارة إلى الليل أيضًا، وحديث جابر في رمي جمرة العقبة ضحى، وبعد ذلك بعد الزوال، وحديث ابن عمر في هذا المعنى، وحديثه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع، ويكبّر مع كل حصاة، وحديثه في نزول المحصب، وحديث ابن عباس كان ذو المجاز وعكاظ، وفيه من الآثار الموقوفة عن الصحابة والتابعين ستون أثرًا أكثرها معلق.
ثم قال المصنف:
стр. 6492
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
تأليف
الإمام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكيني الشنقيطي
(المتوفى سنة ١٣٥٤ هـ)
الجزء الرابع عشر
مؤسسة الرسالة
стр. 6493
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 6494
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
стр. 6495
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥هـ - ١٩٩٥م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤَسَّسَة الرّسَالة بيروت - شارع سوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة
هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان
стр. 6496
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبواب العمرة
باب وجوب العمرة وفضلها
سقطت البسملة لأبي ذر، وثبتت الترجمة هكذا في روايته عن المستملي، وسقط عنده عن غيره أبواب العمرة، وثبت لأبي نعيم في "المستخرج" كتاب العمرة، وللأصيلي وكريمة باب العمرة وفضلها حسب.
والعمرة في اللغة: الزيارة، وقيل إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، وجزم المصنف بوجوب العمرة، وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوع وهو قول الحنفية، واستدل الأولون بما في هذا الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وبما روي عن جابر مرفوعًا: "الحج والعمرة فريضتان" أخرجه ابن عدي عن ابن لهيعة، وهو ضعيف، ولا يثبت في هذا الباب عن جابر شيء، وبقول صُبي بن معبد لعمر: رأيت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ، فأهللت بهما، فقال له: هُديتَ لسنة نبيك، أخرجه أبو داود. وروى ابن خزيمة وغيره في حديث عمر سؤال جبريل عن الإيمان والإِسلام، فوقع فيه: "وأن تحج وتعتمر" وإسناده قد أخرجه مسلم لكن لم يسق لفظه. وبما أخرجه الحاكم والدارقطني عن زيد ابن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : "الحج والعمرة فريضتان" لكن قال الحاكم: الصحيح عن زيد بن ثابت، أنه من قوله، وفيه إسماعيل بن مسلم ضعفوه. وعند ابن ماجه والبيهقي وغيرهما عن عائشة بأسانيد صحيحة، قالت: قلت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: "نعم جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة".
وروى الترمذي وصححه أن أبا رزين لقيط بن عامر العقيلي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال: "حج عن أبيك واعتمر" واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فوجوب العمرة من عطفها على الحج الواجب، وأيضًا إذا كان الإِتمام واجبًا كان الإبتداء واجبًا، وأيضًا معنى أتموا: أقيموا. وقال الشافعي: في "المعرفة" للبيهقي: والذي هو أشبه بظاهر القرآن، وأولى بأهل العلم عندي وأسأل الله التوفيق، أن تكون العمرة واجبة بأن الله تعالى قرنها مع الحج، فقال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وأن رسول الله ﷺ اعتمر قبل أن يحج، وأنه عليه الصلاة
стр. 6497
والسلام: "سن إحرامها والخروج منها بطواف وسعي، وحلاق، وميقات، وفي الحج زيادة عمل على العمرة، وظاهر القرآن أولى إذا لم تكن دلالة. وقول الترمذي: عن الشافعي أنه قال: "العمرة سنة لا نعلم أحدًا رخص في تركها وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع" لا يريد به أنها ليست واجبة بدليل قوله: "لا نعلم أحدًا رخص في تركها" لأن السنة التي يراد بها خلاف الواجب يرخص في تركها قطعًا، والسنة تطلق ويراد بها الطريقة، قاله الزين العراقي.
ومذهب الحنابلة الوجوب كالحج، ذكره الأصحاب، لكن قال الزركشي منهم: جزم جمهور الأصحاب بالوجوب، وعنه أنه سنة، واستدل القائلون بالسنة بحديث: "بني الإِسلام على خمس" فذكر الحج دون العمرة، وأجابوا عن ثبوتها في حديث الدارقطني بأنها شاذة، وبحديث الحجاج بن أرطأة عند الترمذي، وقال: حسن صحيح عن جابر قال: سئل رسول الله ﷺ عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا وإن تعتمر فهو أفضل. لكن قال: في "شرح المهذب": اتفق الحفاظ على أنه ضعيف، ولا يغتر بقول الترمذي حسن صحيح، وقال الكمال بن الهمام في "فتح القدير": إنه لا ينزل عن كونه حسنًا، والحسن حجة اتفاقًا، وإن قال الدارقطني الحجاج بن ارطأة: لا يحتج به، فقد اتفقت الروايات عن الترمذي على تحسين حديثه هذا. وقد رواه ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر وأخرجه الطبراني في الصغير، والدارقطني بطريق آخر عن جابر فيه يحيى بن أيوب، وضعفه، وروى عبد الباقي بن قانع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الحج جهاد والعمرة تطوع" وهو أيضًا حجة وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "الحج فريضة، والعمرة تطوع"، وكفى بعبد الله قدوة وتعدد طرق حديث الترمذي الذي اتفقت الروايات على تحسينه يرفعه إلى درجة الصحيح، كما أن تعدد طرق الضعيف ترفعه إلى درجة الحسن، فقام ركن المعارضة، والافتراض لا يثبت مع المعارضة، لأن المعارضة تمنعه من إثبات مقتضاه، ولا يخفى أن المراد من قول الشافعي: "الفرض الظني هو الوجوب عندنا"، ومقتضى ما ذكرناه أن لا يثبت مقتضى ما رويناه أيضًا للاشتراك. في موجب المعارضة، فحاصل التقرير حينئذٍ تعارض مقتضيات الوجوب والنقل فلا يثبت، ويبقى مجرد فعله ﵊ وأصحابه والتابعين وذلك يوجب السنة، فقلنا بها، وأجابوا عن الآية بأنه لا يلزم من الاقتران بالحج أن تكون العمرة واجبة، فهذا الإستدلال ضعيف، وبأن في قراءة الشعبي والعمرة بالرفع ففصل في هذه القراءة عطف العمرة على الحج ليرتفع الإشكال.
ثم اعلم أن الشافعي ذهب إلى استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مرارًا، وقال مالك وأصحابه: يكره أن يعتمر في السنة الواحدة أكثر من عمرة واحدة، وقال ابن قدامة: قال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة واحدة، وعند أبي حنيفة تكره العمرة في خمسة أيام: يوم عرفة، والنحر وأيام التشريق، وقال أبو يوسف: تكره في أربعة أيام عرفة والتشريق.
стр. 6498
ثم قال: وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة" ولفظ نافع أن ابن عمر كان يقول: "ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة، واجبتان من استطاع سبيلًا، فمن زاد شيئًا فهو خير وتطوع" وقال سعيد ابن أبي عروبة: عن نافع، عن ابن عمر قال: "الحج والعمرة فريضتان" وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة وابن خزيمة، والدارقطني، والحاكم، وقد مرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
ثم قال: وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنها لقرينتها في كتاب الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا التعليق وصله الشافعي في "مسنده"، وسعيد بن منصور، عن طاووس قال: سمعت ابن عباس يقول: والله إنها لقرينتها في كتاب الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وللحاكم عن عطاء، عن ابن عباس: "الحج والعمرة فريضتان" وإسناده ضعيف، والضمير في قوله لقرينتها للفريضة، وكان أصل الكلام أن يقول لقرينته، لأن المراد الحج، وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي.
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ".
قوله: "عن سمي" قال ابن عبد البر: تفرد سمي بهذا الحديث واحتاج إليه الناس فيه فرواه عنه مالك، والسفيانان وغيرهما حتى أن سهيلًا لم يسمعه من أبيه، وتحقق بذلك تفرد سمي به فهو من غرائب الصحيح.
وقوله: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" أشار ابن عبد البر إلى أن المراد تكفير الصغائر دون الكبائر، قال: وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه، واستشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر فماذا تكفر العمرة، والجواب أن تكفير العمرة مقيد بزمنها، وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد، فتغايرا من هذه الحيثية. وقد مرَّ الكلام مستوفى على تكفير الذنوب في باب قيام ليلة القدر، من كتاب الإيمان.
وأما مناسبة الحديث لأحد شقي الترجمة وهو وجوب العمرة فمشكل، ومناسبته للشق الآخر وهو فضلها، فواضح وكأن المصنف والله أعلم أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث المذكور، وهو ما أخرجه الترمذي وغيره، عن ابن مسعود مرفوعًا، "تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الذنوب والفقر، كما ينفي الكير خبث الحديد، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة"، فإن ظاهره التسوية، بين أصل الحج والعمرة، فيوافق قول ابن عباس أنها
стр. 6499
لقرينتها في كتاب الله، وأما إذا اتصف الحج بكونه مبرورًا فذلك قدر زائد، وقد مرَّ الكلام على المراد به في أوائل الحج، ووقع عند أحمد وغيره، عن جابر مرفوعًا: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، قيل: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام"، ففي هذا تفسير المراد بالبر في الحج، ويستفاد من حديث ابن مسعود المذكور المراد بالتكفير المبهم في حديث أبي هريرة، وفي حديث الباب دلالة على الاستكثار من الاعتمار خلافًا لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة، وكما مرَّ عن المالكية، ولمن قال: مرة في الشهر من غيرهم، واستدل لهم بأنه ﵊ لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله على الوجوب والندب، وتعقب بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله فقد كان يترك الشيء وهو يستحب فعله، لرفع المشقة عن أمته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه فثبت الاستحباب من غير تقييد، واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبسًا بأعمال الحج، إلا ما نقل عن الحنفية: إنه يكره في يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق. ونقل الأثرم، عن أحمد: إذا اعتمر فلابد أن يحلق، أو يقصر فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليمكن حلق الرأس فيها. قال ابن قدامة: هذا يدل على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام. وقال ابن التين: قوله: العمرة إلى العمرة يحتمل أن تكون "إلى" بمعنى مع فيكون التقدير: العمرة مع العمرة كفارة لما بينهما.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ سمي في الثاني عشر من الأذان، ومرَّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني من الإيمان.
أخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
ثم قال المصنف:
стр. 6500
باب من اعتمر قبل الحج
أي: هل تجزئه العمرة أم لا؟
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: لاَ بَأْسَ. قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ".
قوله: "سأل" هذا السياق يقتضي أن هذا الإِسناد مرسل؛ لأن ابن جريج لم يدرك زمان سؤال عكرمة لابن عمر، ولهذا استظهر البخاري بالتعليق عن ابن إسحاق المصرح بالاتصال، ثم بالإسناد الآخر عن ابن جريج فهو يرفع هذا الإشكال المذكور، حيث قال: عن ابن جريج قال: قال عكرمة. فإن قيل إن جريج ربما دلس، فالجواب أن ابن خزيمة أخرجه عن ابن جريج قال: قال عكرمة: فذكره. قلت: لفظ قال لا يرفع احتمال التدليس.
وقوله: "لا بأس" زاد أحمد وابن خزيمة فقال: لا بأس على أحد أن يعتمر قبل أن يحج.
وقوله: "قال عكرمة" هو ابن خالد بالإسناد المذكور.
رجاله خمسة:
ومنهم أحمد بن محمد في متابعة بعد الثامن من التقصير، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، وابن عمر مرَّ في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. والباقي عكرمة بن خالد بن العاص، بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. ووثقه البخاري فيما قاله أبو الحسن القطان، ونقل العقيلي أنه قال: منكر الحديث. روى عن أبيه وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وغيرهم، وروى عنه أيوب وابن طاووس وغيرهم، مات بعد عطاء بن أبي رباح سنة عشرة ومائة.
أخرجه البخاري أيضًا وأبو داود في الحج.
ثم قال:
وقال إبراهيم بن سعد: عن ابن إسحاق، حدَّثني عكرمة بن خالد، سألت ابن عمر مثله.
стр. 6501
هذا التعليق وصله أحمد عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد بالإسناد المذكور، ولفظه حدَّثنا عكرمة بن خالد ابن العاص المخزومي، قال: "قدمت المدينة في نفر من أهل مكة فلقيت عبد الله بن عمر فقلت: إنّا لم نحج قط أفنعتمر من المدينة"؟ قال: نعم وما يمنعكم من ذلك، فقد اعتمر رسول الله ﷺ عمره كلَّها قبل حجه. قال: فاعتمرنا" قال ابن بطال: جواب ابن عمر يدل على أن مذهبه أن فرض الحج كان قد نزل على النبي ﷺ قبل اعتماره، وذلك يدل على أن الحج على التراخي، إذ لو كان وقته مضيقًا لوجب إذا آخره إلى سنة آخره أن يكون قضاء، واللازم باطل، تعقبه ابن المنير بأن القضاء خاص بما وقت بوقت معين مضيق، كالصلاة، والصيام، وأما ما ليس كذلك فلا يعد تأخيره قضاء، سواء كان على الفور أو على التراخي، كما في الزكاة يؤخرها ما شاء الله بعد تمكنه من أدائها على الفور فإن المؤخر على هذا الوجه يأثم ولا يعد أداؤه بعد ذلك قضاء، بل هو أداء.
قلت: الظاهر عندي أن الزكاة وقتها معين مضيق، وهو وقت حلولها، وهو الوقت الذي ملك فيه النصاب، فلا يجوز تأخيرها عن دقيقة، ولذا كان بعض الصالحين يقدر لها الظل، فيكون تأخيرها عنه قضاء.
ومن ذلك الإِسلام واجب على الكفار على الفور، فلو تراخى عنه الكافر ما شاء الله، ثم أسلم لم يعد ذلك قضاء، ومن الصريح في الترجمة الأثر المذكور في آخر الباب الذي يليه، عن مسروق، وعطاء، ومجاهد، قالوا: اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج، وحديث البراء في ذلك أيضًا.
رجاله أربعة:
مرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرَّ محمد ابن إسحاق في تعليق بعد السابع عشر من الجماعة، وعكرمة هو ابن خالد، وقد مرَّ الآن، وكذا ابن عمر.
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵁ مِثْلَهُ.
والكلام على هذا قد مرَّ في الذي قبله.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ عمرو بن علي في السابع والأربعين من الوضوء، ومرَّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، وعكرمة بن خالد قد مرَّ في الذي قبله، ومرَّ فيه محل ابن عمر.
ثم قال المصنف:
стр. 6502
باب كم اعتمر النبي ﷺ -؟
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ صَلاَةَ الضُّحَى. قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلاَتِهِمْ. فَقَالَ: بِدْعَةٌ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعً إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ. قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. أَلاَ تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ". قَالَتْ: "يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلاَّ وَهُوَ شَاهِدُهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ".
قوله: "المسجد" يعني مسجد المدينة النبوية.
وقوله: "جالس إلى حجرة عائشة" في رواية مفضل عند أحمد فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة.
وقوله: "فإذا أناس" في رواية الكشميهني، فإذ ناس بغير ألف.
وقوله: "فقال: بدعة"، مرَّ الكلام عليه في باب صلاة الضحى في السفر من أبواب التطوع.
وقوله: "ثم قال له" يعني عروة، وصرح به مسلم في روايته عن إسحاق بن راهويه.
وقوله: قال: أربع كذا للأكثر ولأبي ذر، قال: أربعًا أي: اعتمر أربعًا قال ابن مالك: الأكثر في جواب الاستفهام مطابقة اللفظ والمعنى، وقد يكتفى بالمعنى فمن الأول قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ في جواب: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾. ومن الثاني قوله ﵊: "أربعين يومًا" جوابًا لقول السائل: كم يلبث في الأرض؟ فاضمر يلبث ونصب به أربعين، ولو قصد تكميل المطابقة لقال: أربعون؛ لأن الاسم المستفهم في موضع الرفع، فظهر بهذا أن النصب والرفع جائزان في مثل قوله: أربع إلا أن النصب أقيس، وأكثر
стр. 6503
نظائرًا، قال: ويجوز أن يكون أربعُ كُتِبَ، بغير ألف على لغة ربيعة في الوقف بالسكون على المنصوب المنون.
وقوله: "إحداهن في رجب" كذا في رواية منصور عن مجاهد، وخالفه أبو إسحاق، فرواه عن مجاهد عن ابن عمر، قال: اعتمر النبي ﷺ مرتين فبلغ ذلك عائشة، فقالت: "اعتمر أربع عمر" أخرجه أحمد وأبو داود فاختلفا، جعل منصور الاختلاف في شهر العمرة وأبو إسحاق الاختلاف في عدد الإعتمار، ويمكن تعدد السؤال بأن يكون ابن عمر سئل أولًا عن العدد، فأجاب فردت عليه عائشة، فرجع إليها فسئل مرة ثانية فأجاب بموافقتها، ثم سئل عن الشهر، فأجاب بما في ظنه وقد أخرج أحمد عن مجاهد قال: سأل عروة بن الزبير ابن عمر: في أي شهر اعتمر النبي ﷺ ؟ قال: في رجب.
وقوله: "فكرهنا أن نرد عليه" زاد إسحاق في روايته: ونكذبه.
وقوله: "يا أماه" كذا للأكثر بالألف، وسكون الهاء، ولأبي ذر: يا أمه بسكون الهاء أيضًا، وحذف الألف، وقول عروة لهذا بالمعنى الأخص لأنها خالته، بالمعنى الأعم لكونها أم المؤمنين.
وقوله: "يرحم الله أبا عبد الرحمن" هو عبد الله بن عمر، ذكرته بكنيته تعظيمًا له ودعت له إشارة أنه نسي.
وقوله: "إلا هو شاهده"، أي: حاضر معه قالت ذلك مبالغة في نسبته إلى النسيان، ولم تنكر عائشة على ابن عمر إلا قوله: إحداهن في رجب.
وقوله: "وما اعتمر في رجب قط" زاد عطاء عن عروة عند مسلم في آخره قال: وابن عمر يسمع فما قال: لا ولا نعم، سكت، قال النووي: سكوت ابن عمر على إنكار عائشة يدل على أنه كان اشتبه عليه أو نسي أو شك، وبهذا يجاب عما استشكل من تقديم قول عائشة النافي على قول ابن عمر المثبت، وهو خلاف القاعدة المقررة، وقد روى يونس بن بكير في زيادات المغازي، وعبد الرزاق جميعًا عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: "اعتمر النبي ﷺ ثلاث عمر في ذي القعدة" وهذا موافق لحديث ابن عمر وعائشة، وزاد عليه تعيين الشهر، لكن روى سعيد بن منصور عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن النبي ﷺ "اعتمر ثلاث عمر، عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال" إسناده قوي وقد رواه مالك، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، لكن قولها: في شوال مخالف لقول غيرها في ذي القعدة، ويجمع بينهما، بأن يكون ذلك وقع في آخر شوال، وأول ذي القعدة، ويؤيده ما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، عن مجاهد، عن عائشة، "لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة".
стр. 6504
وقوله: "سمعنا استنان عائشة"، أي: حس مرور السواك على أسنانها، وفي رواية عطاء، عن عروة، عند مسلم وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن.
وقوله: "عمرات" يجوز في ميمها الحركات الثلاث وتسكين الميم.
رجاله سبعة:
قد مرّوا، مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ جرير ومنصور في الثاني عشر من العلم، ومرَّ مجاهد في أثر قبل الحديث الأول من الإيمان ومرَّ عروة، وعائشة في الثاني من بدء الوحي ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
والحديث أخرجه مسلم.
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَجَبٍ".
كذا أخرجه مختصرًا، وأخرجه مسلم من هذا الوجه مطولًا، ذكر فيه قصة ابن عمر وسؤاله له، نحو ما رواه مجاهد إلا أنه لم يقل فيه: كم اعتمر؟ وأغرب الإسماعيلي، فقال: هذا الحديث لا يدخل في باب كم اعتمر؟ وإنما يدخل في باب متى اعتمر؟ وجوابه أن غرض البخاري الطريق الأولى، وإنما أورد هذه لينبه على الخلاف في السياق.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ محل أبي عاصم، وابن جريج في الذي قبله، ومرَّ عطاء في التاسع من العلم، ومرَّ محل عروة وعائشة في الذي قبله.
أخرجه مسلم مطولًا.
الحديث السادس
حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁ كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعٌ عُمْرَةُ، الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، حَيْثُ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ إِذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ أُرَاهُ حُنَيْنٍ. قُلْتُ: كَمْ حَجَّ؟ قَالَ: وَاحِدَةً.
قوله: "إذ قسم غنيمة أراه حنين"، كذا وقع هنا ينصب غنيمة بغير تنوين، وكأن الراوي طرأ عيه شك، فأدخل بين المضاف والمضاف إليه لفظ أراه وهو بضم الهمزة، أي: أظنه، وقد رواه مسلم عن هدبة عن همام بغير شك فقال: حيث قسم غنائم حنين، وسقطت من
стр. 6505
رواية حسان هذه العمرة الرابعة، ولهذا استظهر المصنف بطريق أبي الوليد التي ذكرها في آخر الحديث، وهي قوله: وعمرة مع حجته، وكذا أخرجه مسلم عن عبد الصمد عن هشام فتبين بهذا أن التقصير فيه من حسان شيخ البخاري. وقال الكرماني: العمرة الرابعة في هذا الحديث داخلة في ضمن الحج؛ لأنه ﵊ إما أن يكون قارنًا أو متمتعًا، فالعمرة حاصلة أو مفردًا لكن أفضل أنواع الإفراد لابد فيه من العمرة في تلك السنة، ورسول الله ﷺ لا يترك الأفضل.
وليس ما ادعى أنه الأفضل متفقًا عليه بين العلماء، فكيف ينسب فعل ذلك إلى النبي ﷺ ؟ وفعل النبي ﷺ هو الذي يحتج به إذا نسب لأحد فعله على ما يختار بعض المجتهدين رجحانه.
رجاله أربعة:
مرَّ منهم همام بن يحيى في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرَّ قتادة وأنس في السادس من الإيمان، والرابع حسان بن حسان بن أبي عباد أبو علي نزيل مكة، وجعل ابن عدي حسان بن حسان غير حسان بن أبي عباد، والصواب أنه رجل واحد، قال البخاري: كان المقري يثني عليه. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. قال في المقدمة: روى عنه البخاري حديثين فقط، أحدهما في المغازي عن محمد بن طلحة، عن حميد، عن أنس أن عمه غاب عن قتال بدر، ولهذا الحديث طرق أخرى عن حميد، والآخر عن همام، عن قتادة، عن أنس في اعتمار النبي ﷺ ، أخرجه عنه في كتاب الحج، وأخرجه أيضًا عن هدبة وأبي الوليد الطيالسي بمتابعة عن همام.
روى عن شعبة، وعبد الله بن بكر المزني، وهمام، وأبي عوانة، وغيرهم، وروى عنه البخاري وأبو زرعة والنضر بن سلمة، وغيرهم، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، أخرجه البخاري في الحج أيضًا، وفي الجهاد والمغازي، ومسلم في الحج، وكذا أبو داود، والترمذي.
الحديث السابع
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁ فَقَالَ: "اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ رَدُّوهُ، وَمِنَ الْقَابِلِ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ".
قوله: "ومن العام المقبل عمرة الحديبية"، قال ابن التين: هذا أراه وهمًا؛ لأن التي ردوه فيها هي عمرة الحديبية، وأما التي من قابل فلم يردوه فيها، قال: في "الفتح": لا وهم فيها
стр. 6506
لأن كلا منهما كان من الحديبية، ويحتمل أن يكون قوله: عمرة الحديبية يتعلق بقوله: حيث ردوه.
قلت: وعلى هذا لابد من تقدير حرف جر باء أو فاء.
سند هذا هو سند الذي قبله إلا أبا الوليد، وهو قد مرَّ في العاشر من الإيمان.
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، وَقَالَ: اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلاَّ الَّتِي اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَتَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَمِنَ الْجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ.
قوله: "وقال: اعتمر"، أي: بالإسناد المذكور، وهو عن قتادة، أن أنس بن مالك أخبره أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته، الحديث وكذا ساقه مسلم عن هداب بن خالد، وهو هدبة المذكور.
وقوله: "إلا التي مع حجته" استشكل ابن التين هذا الإِسناد فقال: هو كلام زائد، والصواب أربع عمر في ذي القعدة، قال: وقد عد التي مع حجته في الحديث، فكيف يستثنيها أولًا، وأجاب عياض بأن الراوية صواب، وكأنه قال: في ذي القعدة منها ثلاث، والرابعة عمرته في حجته أو المعنى كلها في ذي القعدة إلا التي اعتمر في حجته؛ لأن التي في حجته كانت في ذي الحجة.
رجاله رجال الأول إلا هدبة ابن خالد، وهو قد مرَّ في الخمسين من مواقيت الصلاة.
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا وَعَطَاءً، وَمُجَاهِدًا. فَقَالُوا: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ. وَقَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵄ يَقُولُ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ.
قد تقدم الكلام على الخلاف فيما كان ﷺ به محرمًا في حجته، والجمع بين ما اختلف فيه من ذلك، فأغنى عن إعادته، والمشهور عن عائشة أنه كان مفردًا، وحديثه هذا يشعر بأنه كان قارنًا؛ لأنه لم ينقل أنه اعتمر بعد حجته فلم يبق إلا أنه اعتمر مع حجته، ولم يكن متمتعًا؛ لأنه اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدي، واحتاج ابن بطال إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا، فقال: إنما تجوز نسبة العمرة الرابعة إليه باعتبار أنه أمر الناس بها، وعملت بحضرته لا أنه ﵊ اعتمرها بنفسه، ومن تأمل ما تقدم من الجمع
стр. 6507
استغنى عن هذا التأويل المتعسف.
وقوله: "وقال: سمعت البراء بن عازب إلى قوله: في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين"، والجمع بينه وبين ما روى عن غيره من كونها أربعًا هو أنه لم يعد العمرة التي قرنها بحجته، لأن حديثه مقيد يكون ذلك وقع في ذي القعدة والتي في حجته كانت في ذي الحجة، وكأنه لم يعد أيضًا التي صد عنها، وإن كانت وقعت في ذي القعدة أو عدها ولم يعد عمرة الجعرانة لخفائها عليه، كما خفيت على غيره، كما ذكر ذلك محرش الكعبي فيما أخرجه الترمذي، ومن ثم اختلف في عدد عمره فمن قال: أربعًا فهذا وجهه، ومن قال: ثلاثًا أسقط الأخيرة لدخول أفعالها في الحج، ومن قال: اعتمر عمرتين أسقط عمرة الحديبية لكونهم صدوا عنها، وأسقط الأخيرة، لما ذكر، واثبت عمرة القضية والجعرانة، وكل عمره الأربعة كانت في ذي القعدة في أربعة أعوام على ما هو الحق، كما ثبت عن عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة، ولا ينافيه كون عمرته التي مع حجته في ذي الحجة؛ لأن مبدأها كان في ذي القعدة؛ لأنهم خرجوا لخمس بقين من ذي القعدة، كما في الصحيح، وكان إحرامه بها في وادي العقيق قبل أن يدخل ذو الحجة، وفعلها كان في ذي الحجة، فصح طريقا الإثبات والنفي، وأما ما رواه الدارقطني عن عائشة: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان، فقد حكم الحفاظ بغلط هذا الحديث إذ لا خلاف أن عمره لم تزد على أربع، وقد عينها أنس وعدها وليس فيها ذكر شيء منها في غير ذي القعدة سوى التي مع حجته ولو كانت له عمرة في رجب وأخرى في رمضان لكانت ستًا، ولو كانت أخرى في شوال كما هو في سنن أبي داود عن عائشة أنه ﵊ اعتمر في شوال كانت سبعًا، والحق في ذلك أنَّ ما أمكن فيه الجمع وجب ارتكابه دفعًا للمعارضة، وما لم يمكن فيه حكم بمقتضى الأصح والأثبت، وهذا أيضًا ممكن فيه الجمع بإرادة عمرة الجعرانة فإنه ﵊ خرج إلى حنين في شوال والإحرام بها في ذي القعدة، فكان مجازًا للقرب، هذا إن صح وحفظ وإلاَّ فالمعول عليه الثابت، وقال ابن التين: في عدهم عمرة الحديبية التي صد عنها ما يدل على أنها عمرة تامة وفيه إشارة إلى صحة قول الجمهور: إنه لا يجب القضاء على من صد عن البيت خلافًا للحنفية ولو كانت عمرة القضية بدلًا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، وإنما سميت عمرة القضية والقضاء لأن النبي ﷺ قاضى قريشًا فيها، أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صد عنها، إذ لو كانت كذلك لكانت عمرة واحدة. وفيه دلالة على جواز الاعتمار في أشهر الحج خلافًا لما كان عليه المشركون، وفي هذا الحديث أن الصحابي الجليل المكثر الشديد الملازمة للنبي ﷺ قد يخفى عليه بعض أحواله وقد يدخله الوهم والنسيان، لكونه غير معصوم، وفيه رد بعض العلماء على بعض، وحسن الأدب في الرد وحسن التلطف في استكشاف الصواب، إذ ظن السامع خطأ المحدث.
стр. 6508
وقال القرطبي: عدم إنكار ابن عمر على عائشة يدل على أنه كان على وهم وأنه رجع إلى قولها، وقد مرَّ ما قاله النووي، وقد تعسف من قال: إن ابن عمر أراد بقوله: "اعتمر في رجب" عمرة قبل هجرته؛ لأنه وإن كان محتملًا لكن قول عائشة: ما اعتمر في رجب يلزم منه عدم مطابقة ردها عليه لكلامه، ولاسيما وقد بينت الأربع وأنها لو كانت قبل الهجرة فما الذي كان يمنعه أن يفصح بمراده، فيرفع الإِشكال، وأيضًا فإن قول هذا القائل: لأن قريشًا كانوا يعتمرون في رجب يحتاج إلى نقل وعلى تقديره فمن أين له أنه ﵊ وافقهم، وهب أنه وافقهم فكيف اقتصر على مرة.
رجاله تسعة قد مرّوا: مرَّ أحمد بن عثمان، وشريح في الخامس والمائة من الوضوء، ومرَّ إبراهيم وأبوه يوسف بن إسحاق في متابعة بعد الثاني والعشرين من الوضوء، ومرَّ أبو إسحاق السبيعي والبراء بن عازب في الثالث والثلاثين من الإِيمان، ومرَّ مجاهد في أوله قبل الحديث الأول، ومرَّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من الإِيمان. فيه التحديث بالجمع والعنعنة، والسؤال، والسماع، والقول، ورواته كلهم كوفيون إلاَّ عطاء، ومجاهد، فمكيان، وفيه رواية الابن عن الأب.
ثم قال المصنف:
стр. 6509
باب عمرة في رمضان
كذا في جميع النسخ ولم يصرح في الترجمة بفضيلة ولا غيرها ولعله أشار إلى ما روي عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت الحديث أخرجه الدارقطني، وقال: إسناده حسن، وقال صاحب الهدي: إنه غلط لأنه ﵊ لم يعتمر في رمضان، ويمكن حمله على أن قولها في رمضان متعلق بقولها خرجت، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان واعتمر النبي ﷺ في تلك السنة، من الجعرانة لكن في ذي القعدة كما مرَّ وقد رواه الدارقطني بإسناد آخر فما قال فيه في رمضان، وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث في الذي قبله أعني حديث الدارقطني.
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، يُخْبِرُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟. قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ فَرَكِبَهُ أَبُو فُلاَنٍ وَابْنُهُ -لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا- وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: "فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ". أَوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ.
قوله: عن عطاء في رواية مسلم عن ابن جريج أخبرني عطاء.
وقوله: سماها ابن عباس فنسيت اسمها القائل نسيت إسمها ابن جريج، بخلاف ما يتبادر إلى الذهن من أن القائل عطاء، وإنما كان كذلك لأن المصنف أخرج الحديث في باب حج النساء الآتي عن حبيب المعلم، عن عطاء، فسماها، ولفظه لما رجع النبي ﷺ من حجته، قال لأم سنان الأنصارية ما منعك من الحج؟ الحديث، ويحتمل أن عطاء كان ناسيًا لاسمها لما حدث به ابن جريج، وذاكرًا له لما حدث به حبيبا، وقد وقع شبيه بهذه القصة لأم معقل، أخرجه النسائي عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن امرأة من بني أسد يقال لها أم معقل قالت: أردت الحج فاعتل بعيري فسألت رسول الله ﷺ فقال: "اعتمري في شهر رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجة" وقد اختلف في إسناده فرواه مالك عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: جاءت امرأة فذكره مرسلًا، وأبهمها ورواه النسائي عن أبي معقل ورواه أبو داود عن أم معقل قالت: لما حج رسول الله ﷺ حجة الوداع، وكان لنا جمل فجعله أبو
стр. 6510
معقل في سبيل الله وأصابنا مرض فهلك أبو معقل، فلما رجع النبي ﷺ من حجته جئت فقال: ما منعك أن تحجي معنا فذكرت ذلك له فقال: "فهلا حججت عليه فإن الحج من سبيل الله فأما إذا فاتك فاعتمري في رمضان فإنها كحجة" ووقعت لأم طليق قصة مثل هذه أخرجها أبو علي ابن السكن، وابن منده في "الصحابة" والدولابي، في "الكنى" عن طلق بن حبيب أن أبا طليق حدثه أن امرأته قالت له وله جمل وناقة، .. أعطني جملك أحج عليه قال: جملي حبيس في سبيل الله قالت: إنه من سبيل الله أن أحج عليه. فذكر الحديث وفيه فقال رسول الله ﷺ صدقت أم طليق وفيه ما يعدل الحج قال: عمرة في رمضان وزعم ابن عبد البر أن أم معقل هي أم طليق لها كنيتان وفيه نظر لأن أبا معقل مات في عهد النبي ﷺ وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب، وهو من صغار التابعين، فدل على تغاير المرأتين، ويدل عليه تغاير السياقين، ويأتي في السند تعريف من وجد تعريفه من المذكورين أو بيان محل تعريفه.
وقوله: أن تحجي في رواية كريمة والأصيلي أن تحجين بإثبات النون على إهمال أن وهي لغة.
وقوله ناضح بضاد معجمة ثم مهملة أي: بعير.
قال ابن بطال: الناضح البعير أو الثور أو الحمار الذي يستسقى عليه لكن المراد به هنا البعير لتصريحه في رواية بكر بن عبد الله المزني عن ابن عباس في رواية أبي داود بكونه جملًا، وفي رواية حبيب المذكورة وكان لنا ناضحان وهي أبين وفي رواية مسلم من طريق حبيب كانا لأبي فلان زوجها.
وقوله: وابنه يأتي ما قيل فيه في السند.
وقوله: ننضح عليه بكسر الضاد وفي الفرع بفتح الضاد.
وقوله: فإذا كان رمضان بالرفع على أن كان تامة وفي رواية الكشميهني فإذا كان في رمضان.
وقوله: "فإن عمرة في رمضان حجة" وفي رواية مسلم "فإن عمرة فيه تعدل حجة" ولعل هذا هو السبب، في قول المصنف: أو نحوًا مما قال: وقال المظهري:
في قوله: "تعدل حجة" أي: تقابل وتماثل في الثواب لأن الثواب يفضل بفضيلة الوقت وقال الطيبي: هذا من باب المبالغة وإلحاق الناقص بالكامل ترغيبًا وبعثا عليه وإلاَّ كيف يعدل ثواب العمرة ثواب الحج، وقال ابن خزيمة: في هذا الحديث أن الشيء يشبه الشيء ويجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها لأن العمرة لا تقضي فرض الحج ولا النذر،
стр. 6511
وقال ابن بطال: فيه دليل على أن الحج الذي ندبها إليه كان تطوعًا لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزىء عن حجة الفريضة وتعقبه ابن المنير بأن الحجة المذكورة هي حجة الوداع، قال: وكانت أول حجة أقيمت في الإِسلام فرضًا؛ لأن حج أبي بكر رضي الله تعالى عنه كان إنذار قال: فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحج بعد؛ لأن أول حج لم تحضره هي ولم يأت زمان حج ثان عند قوله ﵊ لها ذلك وما جاء الحج الثاني إلاَّ والرسول ﷺ قد توفي فإنما أراد ﵊ أن يستحثها على استدراك ما فاتها من البدار، ولاسيما الحج معه ﵊ لأن فيه مزية على غيره، وتعقبه في الفتح فقال: وما قاله: غير مسلم إذ لا مانع أن تكون قد حجت مع أبي بكر فسقط عنها الفرض بذلك، لكنه بني على أن الحج إنما فرض في السنة العاشرة حتى يسلم مما يرد على مذهبه من القول بأن الحج على الفور، وعلى ما قاله ابن خزيمة فلا يحتاج إلى شيء مما بحث ابن بطال فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحج في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزىء عن حج الفرض، ونقل الترمذي، عن إسحاق بن راهويه، أن معنى الحديث نظير ما جاء أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقال ابن العربي: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليه وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القلب، وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة في رمضان، كحجة فريضة، وعمرة نافلة، في رمضان كحجة نافلة، وقال ابن التين.
قوله: كحجة يحتمل أن يكون على بابه ويحتمل أن يكون لبركة رمضان ويحتمل أن يكون مخصوص بهذه المرأة وفي رواية أحمد بن منيع في مسنده عن سعيد بن جبير ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وعند أبي داود عن أم معقل في آخر حديثها عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: فكانت تقول: الحج حجة والعمرة عمرة، وقد قال: هذا رسول الله ﷺ فما أدري إليَّ خاصة، تعني أو للناس عامة.
والظاهر حمله على العموم والسبب في التوقف استشكال ظاهره، وقد صح جوابه، وقد قال: بعضهم لما ثبت أن عُمَرَه ﵊ كانت كلها في ذي القعدة، وقع تردد لبعض أهل العلم في أن أفضل أوقات العمرة أشهر الحج، أو رمضان ففي رمضان ما مرَّ مما يدل على الأفضلية، لكن فعله ﵊ لما لم يقع إلاَّ في أشهر الحج كان ظاهرًا أنه أفضل إذ لم يكن الله تعالى يختار لنبيه إلاَّ ما هو الأفضل، أو أن رمضان أفضل لتنصيصه ﵊ على ذلك لاقترانه بأمر يخصه كاشتغاله بعبادات أخرى في رمضان تبتلًا وأن لا يشق على أمته، فإنه لو اعتمر فيه لخرجوا معه ولقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا، وقد أخبر
стр. 6512
في بعض العبادات أنه تركها لئلا يشق على أمته مع محبته لذلك كالقيام في رمضان بهم ومحبته لا يستقي بنفسه مع سقاة زمزم، كيلا يغلبهم الناس على سقايتهم، والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغيره ﵊ أفضل، وأما في حقه هو فلا فالأفضل ما صنعه، لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه فأراد الرد عليهم بالقول والفعل، ولو كان مكروها لغيره لكنه في حقه أفضل.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: وفيه ذكر امرأة من الأنصار وزوجها وابنها مبهمين، مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي والمرأة الأنصارية قيل إنها أم سليم وزوجها أبو فلان هو أبو طلحة وليس لها حينئذ ابن يمكن أن يحج سوى أنس وعلى هذا فنسبته إلى أبي طلحة بكونه ابنًا له مجاز، وأم سليم مرت في السبعين من العلم، ومرَّ أبو طلحة في السادس والثلاثين من الوضوء، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، وقيل إن المرأة المذكورة أم سنان الأنصارية، لما أخرجه البخاري في باب حج النساء عن عطاء فسماها، ولفظه لما رجع النبي ﷺ من حجته، قال: لأم سنان الأنصارية ما منعك من الحج الحديث، وزوجها أبو سنان وما زادوا في تعريفه على أنه زوج أم سنان، وأن له ذكرًا في هذا الحديث وابنها، قال: في الفتح يحتمل أن يكون اسم ابنها سنانًا.
ووقع مثل هذه القصة لأم معقل الأسدية، وزوجها أبو معقل بن نهيك، وابنه معقل ووقعت أيضًا لأم طليق، وزوجها أبو طليق، ووقعت أيضًا لأم الهيثم، لكن قال: في الفتح لا معدل عن تفسير المبهمة في حديث ابن عباس بأنها أم سليم أو أم سنان.
لقوله: في حديث ابن عباس إنها أنصارية وأم معقل أسدية والأخيرتان لم أقف على نسبهما.
ثم قال المصنف:
стр. 6513
باب العمرة ليلة الحصبة
الحصبة بالمهملتين، وموحدة وزن الضربة، والمراد بها ليلة المبيت بالمحصب، وقد سبق الكلام على التحصيب في أواخر أبواب الحج قال ابن بطال: فقه هذا الباب أن الحاج يجوز له أن يعتمر إذا أتم حجه بعد انقضاء أيام التشريق، وليلة الحصبة هي ليلة النفر الأخير، لأنها آخر أيام الرمي واختلف السلف في العمرة أيام الحج فروى عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد فقال: سئل عمر وعلي وعائشة عن العمرة ليلة الحصبة فقال: عمر "هي خير من لا شيء" وقال علي: نحوه وقالت عائشة: "العمرة على قدر النفقة" وأشارت بذلك إلى أن الخروج لقصد العمرة من البلد إلى مكة أفضل من الخروج من مكة إلى أدنى الحل وسيأتي تقرير ذلك بعد بابين، وجميع السنة وقت للعمرة، إلاَّ الحاج فيمتنع إحرامه بها قبل نفره أما قبل تحلله فلامتناع إدخالها على الحج وأما بعده فلاشتغاله بالرمي والمبيت، فهو عاجز عن التشاغل بعملها، أما إحرامه بها بعد نفره فصحيح إن كان وقت الرمي بعد النفر الأول باقيا لأنه بالنفر خرج من الحج وصار كما لو مضى وقت الرمي قال: في المجموع لا خلاف فيه.
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلاَلِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ لَنَا: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. قَالَتْ: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي.
محمد شيخ البخاري هو ابن سلام، وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه في باب التمتع والقران، والإفراد وفي كتاب الحيض في أوله وفي آخره.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وقد مرَّ الجميع: مرَّ محمد ابن سلام في الثالث عشر
стр. 6514
من الإيمان، ومرَّ أبو معاوية في تعليق بعد الثالث منه، ومرَّ هشام وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الرحمن في الرابع من الغسل.
ثم قال المصنف:
стр. 6515
باب عمرة التنعيم
يعني تتعين لمن كان بمكة أم لا إلى آخر ما مرَّ.
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵄، أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: سَمِعْتُ عَمْرًا، كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍو.
قوله: عن عمرو وهو ابن دينار.
وقوله: سمع عمرو بن أوس يعني أنه سمع ولفظ أنه مما يجوز حذفه من الإسناد خطأ في الغالب كما يحذف إحدى لفظتي قال: وقد بين سفيان سماعه له من عمرو بن دينار في آخره وعند الحميدي عن سفيان حدَّثنا عمرو بن دينار قال سفيان: هذا مما يعجب شعبة يعني التصريح بالإخبار في جميع الإسناد.
وقوله: ويعمرها من التنعيم معطوف على قوله: أمره أن يردف وهذا الحديث مرت مباحثه مستوفاة غاية الاستيفاء في أول الحج، في باب الحج على الرجل عند ذكره من رواية القاسم.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عائشة، مرَّ منهم علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرَّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ محل عائشة وعبد الرحمن في الذي قبله، ومرَّ عمرو بن أوس في الحادي عشر من التهجد، أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد ومسلم في الحج وكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ، غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ، وَمَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ
следующие страницы →