Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.
стр. 6511
وقال ابن بطال: فيه دليل على أن الحج الذي ندبها إليه كان تطوعًا لإجماع الأمة على أن العمرة لا تجزىء عن حجة الفريضة وتعقبه ابن المنير بأن الحجة المذكورة هي حجة الوداع، قال: وكانت أول حجة أقيمت في الإِسلام فرضًا؛ لأن حج أبي بكر رضي الله تعالى عنه كان إنذار قال: فعلى هذا يستحيل أن تكون تلك المرأة كانت قامت بوظيفة الحج بعد؛ لأن أول حج لم تحضره هي ولم يأت زمان حج ثان عند قوله ﵊ لها ذلك وما جاء الحج الثاني إلاَّ والرسول ﷺ قد توفي فإنما أراد ﵊ أن يستحثها على استدراك ما فاتها من البدار، ولاسيما الحج معه ﵊ لأن فيه مزية على غيره، وتعقبه في الفتح فقال: وما قاله: غير مسلم إذ لا مانع أن تكون قد حجت مع أبي بكر فسقط عنها الفرض بذلك، لكنه بني على أن الحج إنما فرض في السنة العاشرة حتى يسلم مما يرد على مذهبه من القول بأن الحج على الفور، وعلى ما قاله ابن خزيمة فلا يحتاج إلى شيء مما بحث ابن بطال فالحاصل أنه أعلمها أن العمرة في رمضان تعدل الحج في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإجماع على أن الاعتمار لا يجزىء عن حج الفرض، ونقل الترمذي، عن إسحاق بن راهويه، أن معنى الحديث نظير ما جاء أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقال ابن العربي: حديث العمرة هذا صحيح، وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليه وقال ابن الجوزي: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القلب، وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد عمرة فريضة في رمضان، كحجة فريضة، وعمرة نافلة، في رمضان كحجة نافلة، وقال ابن التين.
قوله: كحجة يحتمل أن يكون على بابه ويحتمل أن يكون لبركة رمضان ويحتمل أن يكون مخصوص بهذه المرأة وفي رواية أحمد بن منيع في مسنده عن سعيد بن جبير ولا نعلم هذا إلا لهذه المرأة وعند أبي داود عن أم معقل في آخر حديثها عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: فكانت تقول: الحج حجة والعمرة عمرة، وقد قال: هذا رسول الله ﷺ فما أدري إليَّ خاصة، تعني أو للناس عامة.
والظاهر حمله على العموم والسبب في التوقف استشكال ظاهره، وقد صح جوابه، وقد قال: بعضهم لما ثبت أن عُمَرَه ﵊ كانت كلها في ذي القعدة، وقع تردد لبعض أهل العلم في أن أفضل أوقات العمرة أشهر الحج، أو رمضان ففي رمضان ما مرَّ مما يدل على الأفضلية، لكن فعله ﵊ لما لم يقع إلاَّ في أشهر الحج كان ظاهرًا أنه أفضل إذ لم يكن الله تعالى يختار لنبيه إلاَّ ما هو الأفضل، أو أن رمضان أفضل لتنصيصه ﵊ على ذلك لاقترانه بأمر يخصه كاشتغاله بعبادات أخرى في رمضان تبتلًا وأن لا يشق على أمته، فإنه لو اعتمر فيه لخرجوا معه ولقد كان بهم رؤوفًا رحيمًا، وقد أخبر
стр. 6512
في بعض العبادات أنه تركها لئلا يشق على أمته مع محبته لذلك كالقيام في رمضان بهم ومحبته لا يستقي بنفسه مع سقاة زمزم، كيلا يغلبهم الناس على سقايتهم، والذي يظهر أن العمرة في رمضان لغيره ﵊ أفضل، وأما في حقه هو فلا فالأفضل ما صنعه، لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه فأراد الرد عليهم بالقول والفعل، ولو كان مكروها لغيره لكنه في حقه أفضل.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: وفيه ذكر امرأة من الأنصار وزوجها وابنها مبهمين، مرَّ مسدد ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي والمرأة الأنصارية قيل إنها أم سليم وزوجها أبو فلان هو أبو طلحة وليس لها حينئذ ابن يمكن أن يحج سوى أنس وعلى هذا فنسبته إلى أبي طلحة بكونه ابنًا له مجاز، وأم سليم مرت في السبعين من العلم، ومرَّ أبو طلحة في السادس والثلاثين من الوضوء، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، وقيل إن المرأة المذكورة أم سنان الأنصارية، لما أخرجه البخاري في باب حج النساء عن عطاء فسماها، ولفظه لما رجع النبي ﷺ من حجته، قال: لأم سنان الأنصارية ما منعك من الحج الحديث، وزوجها أبو سنان وما زادوا في تعريفه على أنه زوج أم سنان، وأن له ذكرًا في هذا الحديث وابنها، قال: في الفتح يحتمل أن يكون اسم ابنها سنانًا.
ووقع مثل هذه القصة لأم معقل الأسدية، وزوجها أبو معقل بن نهيك، وابنه معقل ووقعت أيضًا لأم طليق، وزوجها أبو طليق، ووقعت أيضًا لأم الهيثم، لكن قال: في الفتح لا معدل عن تفسير المبهمة في حديث ابن عباس بأنها أم سليم أو أم سنان.
لقوله: في حديث ابن عباس إنها أنصارية وأم معقل أسدية والأخيرتان لم أقف على نسبهما.
ثم قال المصنف:
стр. 6513
باب العمرة ليلة الحصبة
الحصبة بالمهملتين، وموحدة وزن الضربة، والمراد بها ليلة المبيت بالمحصب، وقد سبق الكلام على التحصيب في أواخر أبواب الحج قال ابن بطال: فقه هذا الباب أن الحاج يجوز له أن يعتمر إذا أتم حجه بعد انقضاء أيام التشريق، وليلة الحصبة هي ليلة النفر الأخير، لأنها آخر أيام الرمي واختلف السلف في العمرة أيام الحج فروى عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد فقال: سئل عمر وعلي وعائشة عن العمرة ليلة الحصبة فقال: عمر "هي خير من لا شيء" وقال علي: نحوه وقالت عائشة: "العمرة على قدر النفقة" وأشارت بذلك إلى أن الخروج لقصد العمرة من البلد إلى مكة أفضل من الخروج من مكة إلى أدنى الحل وسيأتي تقرير ذلك بعد بابين، وجميع السنة وقت للعمرة، إلاَّ الحاج فيمتنع إحرامه بها قبل نفره أما قبل تحلله فلامتناع إدخالها على الحج وأما بعده فلاشتغاله بالرمي والمبيت، فهو عاجز عن التشاغل بعملها، أما إحرامه بها بعد نفره فصحيح إن كان وقت الرمي بعد النفر الأول باقيا لأنه بالنفر خرج من الحج وصار كما لو مضى وقت الرمي قال: في المجموع لا خلاف فيه.
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلاَلِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ لَنَا: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَلْيُهِلَّ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. قَالَتْ: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي.
محمد شيخ البخاري هو ابن سلام، وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه في باب التمتع والقران، والإفراد وفي كتاب الحيض في أوله وفي آخره.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر وقد مرَّ الجميع: مرَّ محمد ابن سلام في الثالث عشر
стр. 6514
من الإيمان، ومرَّ أبو معاوية في تعليق بعد الثالث منه، ومرَّ هشام وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الرحمن في الرابع من الغسل.
ثم قال المصنف:
стр. 6515
باب عمرة التنعيم
يعني تتعين لمن كان بمكة أم لا إلى آخر ما مرَّ.
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵄، أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: سَمِعْتُ عَمْرًا، كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍو.
قوله: عن عمرو وهو ابن دينار.
وقوله: سمع عمرو بن أوس يعني أنه سمع ولفظ أنه مما يجوز حذفه من الإسناد خطأ في الغالب كما يحذف إحدى لفظتي قال: وقد بين سفيان سماعه له من عمرو بن دينار في آخره وعند الحميدي عن سفيان حدَّثنا عمرو بن دينار قال سفيان: هذا مما يعجب شعبة يعني التصريح بالإخبار في جميع الإسناد.
وقوله: ويعمرها من التنعيم معطوف على قوله: أمره أن يردف وهذا الحديث مرت مباحثه مستوفاة غاية الاستيفاء في أول الحج، في باب الحج على الرجل عند ذكره من رواية القاسم.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عائشة، مرَّ منهم علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرَّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ محل عائشة وعبد الرحمن في الذي قبله، ومرَّ عمرو بن أوس في الحادي عشر من التهجد، أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد ومسلم في الحج وكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ، غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ، وَمَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ
стр. 6516
يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إِلاَّ مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلاَ أَنَّ مَعِى الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ. وَأَنَّ عَائِشَةَ حَاضَتْ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ" قَالَ: فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَنْطَلِقُ بِالْحَجِّ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحَجَّةِ، وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْعَقَبَةِ، وَهُوَ يَرْمِيهَا، فَقَالَ: أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لاَ، بَلْ لِلأَبَدِ.
قوله ليس مع أحد منهم هدي غير النبي ﷺ وطلحة، هذا مخالف لما رواه أحمد ومسلم وغيرهما، عن عائشة أن الهدي كان مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وذوي اليسار وسيأتي بعد بابين بلفظ ورجال من أصحابه ذوي قوة ويجمع بينهما بأن كلا منهما ذكر من اطلع عليه وقد روى عن ابن عباس في هذا الحديث، وكان طلحة ممن ساق الهدي فلم يهل، وهذا شاهد لحديث جابر في ذكر طلحة، في ذلك وشاهد لحديث عائشة، في أن طلحة لم ينفرد بذلك وداخل في قولها وذوي اليسار، ولمسلم عن أسماء بنت أبي بكر أن الزبير كان ممن كان معه الهدي.
وقوله: وكان علي قدم من اليمن، في رواية عند مسلم من سعايته وسيأتي في أواخر المغازي بيان بعثة إلى اليمن.
وقوله: بما أهل به رسول الله ﷺ في رواية ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، وعن طاوس عن ابن عباس، في هذا الحديث عند المصنف في الشركة فقال: أحدهما يقول: لبيك بما أهل به النبي ﷺ وقال الآخر: يقول لبيك بحجة رسول الله ﷺ فأمره أن يقيم على إحرامه وأشركه في الهدي.
وقوله: وأن النبي ﷺ أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة زاد ابن جريج عن عطاء فيه وأصيبوا النساء، قال عطاء: ولم يعزم عليهم، ولكن أجلهن لهم يعني إتيان النساء لأن من لازم الإحلال أباحة النساء، وقد مرَّ شرح ذلك في آخر باب التمتع، والقران.
وقوله: ننطلق إلى منى بحذف همزة الإستفهام أي: أننطلق إلى منى.
وقوله: وذكر أحدنا يقطر أي: بالمني وهو من باب المبالغة أي أن الحل يفضي إلى مجامعة النساء ثم نحرم بالحج عقب ذلك فنخرج وذكر أحدنا لقربة من المواقعة يقطر منيًا وحالة الحج تنافي الترفه، وتناسب الشعث فكيف يكون ذلك.
وقوله: وأن عائشة حاضت فنسكت المناسك في رواية عائشة نفسها كما في أول كتاب
стр. 6517
الحيض، أن حيضها كان بسرف قبل دخولهم مكة، وفي رواية أبي الزبير عن جابر عن مسلم أن دخول النبي ﷺ عليها وشكواها ذلك له كان يوم التروية، وعند مسلم عن مجاهد عن عائشة أن طهرها كان بعرفة، ففي رواية القاسم عنها وطهرت صبيحة ليلة عرفة حتى قدمنا منى وله من طريقه فخرجت في حجتي، حتى نزلنا منى فتطهرت، ثم طفنا بالبيت الحديث. واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الإفاضة من يوم النحر، واقتصر النووي في شرح مسلم على النقل عن ابن حزم، أن عائشة حاضت يوم السبت ثالث ذي الحجة وطهرت يوم السبت عاشره يوم النحر وإنما أخذه ابن حزم من هذه الروايات التي في مسلم ويجمع بين قول مجاهد: وقول القاسم أنها رأت الطهر بعرفة، ولم تتهيأ للاغتسال، إلاَّ بعد أن نزلت منى أو انقطع عنها الدم بعرفة وما رأت الطهر حتى نزلت منى، وهذا أولى.
وقوله: وانطلق بالحج تمسك به من قال: إن عائشة لما حاضت تركت عمرتها واقتصرت على الحج، وقد تقدم البحث في ذلك مستوفى في باب امتشاط المرأة من كتاب الحيض.
وقوله: وأن سراقة لقي النبي ﷺ وهو يرميها يعني جمرة العقبة، وعند المصنف في كتاب التمني وهو يرمي جمرة العقبة، وفيه بيان المكان الذي سأل فيه سراقة عن ذلك، وسياق مسلم عن جابر يقتضي أنه قال له ذلك لما أمر أصحابه أن يجعلوا حجتهم عمرة، وبذلك تمسك من قال: إن سؤاله كان عن فسخ الحج إلى العمرة، أو كان سؤاله عن القران أو العمرة في أشهر الحج، ويحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين لتعدد المكانين.
وقوله: ألكم هذه خاصة يا رسول الله قال: "لا بل للأبد" وفي رواية يزيد بن زريع ألنا هذه خاصة، وفي رواية جعفر عند مسلم فقام سراقة فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد، فشبك أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل للأبد أبدًا" قال النووي فمعناه عند الجمهور، أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إبطالًا لما كان عليه الجاهلية، وقيل معناه جواز القرآن أي: دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج، وقيل معناه سقط وجوب العمرة، وهذا ضعيف لأنه يقتضي النسخ بغير دليل وقيل: معناه جواز فسخ الحج إلى العمرة، قال: وهو ضعيف وتعقب بأن سياق السؤال يقوي هذا التأويل، بل الظاهر أن السؤال وقع عن الفسخ، والجواب عما هو أعم من ذلك حتى يتناول ما هو أعم من ذلك إلاَّ الثالث، ومذهب الحنابلة أن السؤال وقع عن الفسخ، وأن فسخ القارن والمفرد حجها إلى العمرة عندهم مستحب، وتفصيله مذكور في كتبهم.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عدي وطلحة، وعائشة، وعبد الرحمن، وقد مرَّ الجميع، مرَّ محمد ابن المثنى وعبد الوهاب في التاسع من الإيمان، ومرَّ طلحة بن عبيد الله في التاسع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ حبيب المعلم في الحادي عشر والمائة من الحج، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من
стр. 6518
العلم، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، وعائشة في الثاني منه، ومرَّ علي في السابع والأربعين من العلم، ومرَّ عبد الرحمن في الرابع من الغسل، وفيه ذكر سراقة وقد مرَّ في السابع عشر والمائة من الجنائز.
стр. 6519
باب الإعتمار بعد الحج بغير هدي
كأنه يشير بذلك إلى أن اللازم من قول من قال: إن أشهر الحج شوال، وذو القعدة، وذو الحجة بكماله كما هو منقول في رواية عن مالك وعن الشافعي أيضًا ومن أطلق أن التمتع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، كما نقل ابن عبد البر فيه الاتفاق فقال: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، أن من أحرم بالعمرة في ذي الحجة بعد الحج فعليه الهدي، وحديث الباب دال على خلافه، لكن القائل بأن ذا الحجة كله من أشهر الحج، يقول: إن التمتع هو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج قبل الحج فلا يلزمهم ذلك.
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُوَافِينَ لِهِلاَلِ ذِي الْحَجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ". فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ". فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَرْدَفَهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا، فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلاَ صَدَقَةٌ، وَلاَ صَوْمٌ.
قوله: فخرجنا موافين لهلال ذي الحجة أي قرب طلوعه وقد تقدم أنها قالت: خرجنا لخمس بقين من ذي القعدة، والخمس قريبة من آخر الشهر فوافاهم الهلال وهم في الطريق لأنهم دخلوا مكة في الرابع من ذي الحجة.
وقوله: "لا، هللت بعمرة" في رواية السرخسي: لا حللت بالحاء المهملة أي: من الحج.
стр. 6520
وقوله أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأردفها فيه التفات لأن السياق يقتضي أن يقول: فأردفني.
وقوله: "مكان عمرتها" تقدم توجيهه، وأن المراد مكان عمرتها التي أرادت أن تكون منفردة عن الحج، وقد مرَّ استيفاء الكلام على هذا الحديث في باب امتشاط المرأة عند غسلها، والباب الذي بعده من كتاب الحيض.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عبد الرحمن، وقد مرَّ الجميع: مرَّ محل ابن المثنى وعبد الرحمن في الذي قبله، ومرَّ يحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ هشام وأبوه عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، وهذا الحديث قد تكرر كثيرًا.
ثم قال المصنف:
стр. 6521
باب أجر العمرة على قدر النصب
بفتح النون والمهملة أي: التعب.
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالاَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: "انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أَوْ نَصَبِكِ".
قوله: "وعن ابن عون" هو معطوف على الإسناد المذكور، وقد بينه أحمد ومسلم من رواية ابن علية، عن ابن عون بالإسناد وقال فيه يحدثان ذلك عن أم المؤمنين، ولم يسمها قال فيه: لا أعرف حديث ذا من حديث ذا، وظهر بحديث يزيد بن زريع أنها عائشة وأنهما رويا ذلك عنها بخلاف سياق يزيد.
وقوله: "يصدر الناس" أي: يرجعون.
وقوله "بمكان كذا" في رواية إسماعيل: "بجبل كذا" وضبط في صحيح مسلم وغيره بالجيم وفتح الموحدة، لكن أخرجه الإسماعيلي عن حسين بن حسن عن ابن عون، وضبطه بالحاء المهملة وإسكان الموحدة، والمكان المبهم هنا هو الأبطح، كما تبين في غير هذه الطريق.
وقوله: "على قدر نفقتك أو نصبك" أي تعبك في إنفاق المال في الطاعات من الفضل، وقمع النفس عن شهواتها من المشقة، وقد وعد الله الصابرين أن يوفيهم أجرهم بغير حساب، وقال الكرماني: "أو" إما للتنويع في كلام النبي ﷺ وإما شك من الراوي، والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب أو النفقة، والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع، وكذا النفقة، قال النووي: وفي رواية الإِسماعيلي عن أحمد بن منيع عن إسماعيل: "على قدر نصبك أو على قدر تعبك" وهذا يؤيد أنه من شك الراوي، وفي روايته عن حسين بن حسن: "على قدر نفقتك أو نصبك"، أو كما قال ﷺ ، وأخرجه الدارقطني والحاكم عن ابن عون بلفظ:
стр. 6522
"إن لك من الأجر على قدر نصبك، ونفقتك" بواو العطف، وهذا يؤيد الاحتمال الأول.
وقوله في رواية ابن علية: "لا أعرف حديث ذا من حديث ذا" قد أخرج الدارقطني والحاكم من وجه آخر ما يدل على أن السياق الذي هنا للقاسم، فإنهما أخرجا عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها في عمرتها: "إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك" واستدل به على أن الاعتمار لمن كان بمكة، من جهة الحل القريبة، أقل أجرًا من الاعتمار من جهة الحل البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث، وقال الشافعي في الإملاء: أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة؛ لأن النبي ﷺ أحرم منها، ثم التنعيم لأنه أذن لعائشة منها، قال: وإذا تنحى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إلى، وحكى الموفق في "المغني" عن أحمد أن المكي كلما تباعد في العمرة، كان أعظم لأجره، وقال الحنفية: أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة، ووجهه ما مرَّ من أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة في عهد النبي ﷺ خرج من مكة إلى الحل ليحرم بالعمرة، غير عائشة، وأما اعتماره ﵊ من الجعرانة، فكان حين رجع من الطائف مجتازًا إلى المدينة، ولكن لا يلزم من ذلك تعين التنعيم للفضل، لما دل عليه هذا الخبر من أن الفضل في زيادة التعب والنفقة، وإنما يكون التنعيم أفضل من جهة أخرى تساويه إلى الحل لا من جهة أبعد منه، وقال النووي: ظاهر الحديث أن الثواب والفضل في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة، وهو كما قال، لكن ليس ذلك بمطرد، فقد يكون بعض العبادة أخف من بعض، وهو أكثر فضلًا وثوابًا بالنسبة إلى الزمان؛ كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليال من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان، كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة إلى صلاة ركعات في غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة المالية والبدنية، كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها أو أطول من قراءتها، ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من التطوع، قاله العز بن عبد السلام في قواعده، قال: وقد كانت الصلاة قرة عين النبي ﷺ وهي شاقة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقتها مساوية لصلاته مطلقا وأجيب بأن الذي ذكره لا يمنع الإطراد لأن الكثرة الحاصلة فيما ذكره ليست من ذاتها، وإنما هي بحسب ما يعرض لها من الأمور المذكورة.
رجاله سبعة:
قد مرّوا: مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرَّ إبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين منه، ومرَّ ابن عون في التاسع من العلم، ومرَّ الأسود في السابع والستين منه، ومرَّ القاسم في الحادي عشر من الغسل، ومرَّ محل عائشة في الذي قبله.
أخرجه مسلم والنسائي في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6523
باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة، ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع ؟
ومناسبة الترجمة للحديث من جهة قوله فيه: "فلتهل بعمرة" إلخ، من حيث كونه اكتفى فيه بطواف العمرة عن طواف الوداع، قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف، فخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع، كما فعلت عائشة، وكأن البخاري لما لم يكن في حديث عائشة التصريح بأنها ما طافت للوداع بعد طواف العمرة، لم يبت الحكم في الترجمة، وأيضًا فإن قياس من يقول: إن إحدى العبادتين لا تندرج في الأخرى أن يقول بمثل ذلك هنا، ويستفاد من قصة عائشة أن السعي إذا وقع بعد طواف الركن، إن قلنا: إن طواف الركن يغني عن طواف الوداع، إن تخلل السعي بين الطواف، والخروج لا يقطع أجزاء الطواف المذكور عن الركن والوداع معًا.
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا سَرِفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَصْحَابِهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلاَ. وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِى قُوَّةٍ الْهَدْيُ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ ". قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: "وَمَا شَأْنُكِ؟ ". قُلْتُ: لاَ أُصَلِّي. قَالَ: "فَلاَ يَضُرَّكِ أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا". قَالَتْ: فَكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى، فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّبَ فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: "اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، أَنْتَظِرْكُمَا هَاهُنَا". فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ. فَقَالَ: "فَرَغْتُمَا؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ.
قوله: "فنزلنا بسرف" في رواية أبي ذر وأبي الوقت: سرف بحذف الباء، وكذا لمسلم عن أفلح.
وقوله لأصحابه: "من لم يكن معه هدي" ظاهره أن أمره ﵊ لأصحابه
стр. 6524
بفسخ الحج إلى العمرة، كان بسرف قبل دخولهم مكة، والمعروف في غير هذه الرواية أن قوله لهم ذلك، كان بعد دخول مكة، ويحتمل التعدد.
وقوله: "قلت: لا أصلي" كَنَّتْ بذلك عن الحيض، وهي من لطيف الكنايات.
وقوله "كتب عليك" كذا للأكثر على البناء لما لم يسمَّ فاعله، ولأبي ذر: كتب الله عليك، وكذ المسلم.
وقوله: "فكوني في حجتك" في رواية أبي ذر: في حجك، وكذا لمسلم.
وقوله: "حتى نفرنا من منى، فنزلنا المحصب" في هذا السياق اختصار بينته رواية مسلم، بلفظ: حتى نزلنا مني، فتطهرت، ثم طفت بالبيت، فنزل رسول الله ﷺ المحصب، وقوله: "فدعا عبد الرحمن" وفي رواية مسلم: عبد الرحمن بن أبي بكر.
وقوله "اخرج بأختك الحرم" في رواية الكشميهيني: من الحرم، وهي أوضح وكذا لمسلم.
وقوله: "فأتينا في جوف الليل" في رواية الإسماعيلي: من آخر الليل، وهي أوفق لبقية الروايات.
وقوله: "فجئنا رسول الله ﷺ وهو في منزل، فقال: "فرغتما؟ " قلت: نعم وتوافق هذه الرواية رواية صفية عنها عند مسلم: فأقبلنا حتى أتيناه وهو بالحصبة، ويوافقهما حديث أنس الذي مضى في باب طواف الوداع أنه ﵊ رقد رقدةً بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به، وهذه الروايات لا تخالف رواية الأسود عن عائشة التي مضت في باب إذا حاضت بعدما أفاضت، فلقيني رسول الله ﷺ ، وهو مصعد من مكة، وأنا منهبطة، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها؛ لأنه يجمع بينها بأنه كان خرج بعد ذهابها ليطوف للوداع، فلقيها وهو صادر بعد الطواف، وهي راحلة لطواف عمرتها، ثم لقيته بعد ذلك وهو بمنزله بالمحصب، ويحتمل أن لقاءه لها كان حين انتقل من المحصب، كما عند عبد الرزاق أنه كره أن يقتدي الناس بإناخته بالبطحاء، فرحل حتى أناخ على ظهر العقبة أو من وراءها. ينتظرها فيحتمل أن يكون لقاؤه لها في هذا الرحيل، وأنه المكان الذي عينه لها في رواية الأسود، حيث قال لها: "موعدك كذا وكذا"، ثم طاف بعد ذلك طواف الوداع، وهذا التأويل حسن.
وقوله: "فارتحل الناس، ومن طاف بالبيت" هو من عطف الخاص على العام؛ لأن الناس أعم من الطائفين، ولعلها أرادت بالناس من لم يطف طواف الوداع، ويحتمل أن يكون الموصول صفة الناس من باب توسط العاطف بين الصفة والموصوف، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وقد أجاز سيبويه نحو مررت يزيد وصاحبك،
стр. 6525
إذا أراد بالصاحب زيد المذكور، وهذا كله بناء على صحة هذا السياق، والذي يغلب عندي أنه وقع فيه تحريف، والصواب فارتحل الناس ثم طاف بالبيت، إلى آخره، وكذا وقع عند أبي داود، عن أبي بكر الحنفي عن أفلح بلفظ: فأذن في أصحابه بالرحيل، فارتحل فمر بالبيت قبل صلاة الصبح، فطاف به حين خرج، ثم انصرف متوجهًا إلى المدينة، وفي رواية مسلم: فأذن في أصحابه بالرحيل، فخرج فمر بالبيت، فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة، وقد أخرجه البخاري من هذا الوجه بلفظ: فارتحل الناس، فمر متوجهًا إلى المدينة أخرجه في باب ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وقال عياض: في حديث الباب من الإشكال قوله: فمر بالبيت، فطاف بعد أن قال لعائشة: "أفرغت"؟ قالت: نعم، مع قولها في الرواية الأخرى: إنه توجه لطواف الوداع، وهي راجعة إلى المنزل الذي كان به، قال: فيحتمل أنه أعاد طواف الوداع؛ لأن منزله كان بالأبطح، وهو بأعلى مكة، وخروجه من مكة إنما كان من أسفلها، فكأنه لما توجه طالبًا للمدينة اجتاز بالمسجد، ليخرج من أسفل مكة، فكرر الطواف ليكون آخر عهده بالبيت، قال في "الفتح": والقاضي في هذا مغدور لأنه لم يشاهد تلك الأماكن، فظن أن الذي يقصد الخروج إلى المدينة من أسفل مكة يتحتم عليه المرور بالمسجد، وليس كذلك كما شاهده من عاينه، بل الراحل من منزله بالأبطح، يمر مجتازًا من ظاهر مكة إلى حيث مقصده من جهة المدينة، ولا يحتاج إلى المرور بالمسجد، ولا يدخل إلى البلد أصلًا، قلت: ما اعترض به على القاضي عياض لا اعتراض به عليه، لأن القاضي عياض أراد من أراد أن يخرج من أسفل مكة من كُدى بالضم، وما ذكره في الفتح في حق الخارج من كداء بالفتح، وأما من أراد الخروج من أسفل مكة، وهو بالأبطح، فلا بدَّ له من المرور بالمسجد.
وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه في باب ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ والباب الذي بعده.
وقوله: "موجهًا" بضم الميم وفتح الواو وتشديد الجيم المكسورة، وفي رواية ابن عساكر: متوجها بزيادة تاء وبكسر الجيم.
رجاله أربعة قد مرّوا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ أفلح بن حميد في الرابع عشر من الغسل، ومرَّ عبد الرحمن في الرابع منه، والقاسم في الحادي عشر منه، وعائشة في الثاني من بدء الوحي.
أخرجه البخاري أيضًا، ومسلم والنسائي في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6526
باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج
في رواية المستملي يفعل في العمرة، وللكشميهني: ما يفعل في الحج أي: من التروك، لا من الأفعال أو المراد بعض الأفعال لا كلها، والأول أرجح لما يدل عليه سياق حديث يعلي بن أمية.
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْخَلُوقِ، أَوْ قَالَ: صُفْرَةٍ فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ وَوَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ. فَقَالَ عُمَرُ: تَعَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْوَحْيَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ الْبَكْرِ. فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الْخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكِ.
قوله: "فأنزل الله على النبي ﷺ قال في "الفتح": لم أقف في شيء من الروايات على بيان المنزل حينئذ من القرآن، وقد استدل به جماعة من العلماء على أنَّ من الوحي ما لا يتلى، لكن عند الطبراني في الأوسط أن المنزّل حينئذ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام، فإنه يتناول الهيئات، والصفات.
وقوله: "واتق الصفرة" بفتح الهمزة وسكون النون وللمستملي بهمزة وصل مثناة مشددة من التقوى، قال صاحب المطالع: وهي أوجه وإن رجعا إلى معنى واحد، ولابن السكن: اغسل أثر الخلوق، وأثر الصفرة، والأول هو المشهور، وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ محل أبي نعيم في الذي قبله، ومرَّ همام في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ صفوان وأبوه يعلى في الرابع والعشرين من
стр. 6527
الحج، ومرَّ فيه ما قيل في اسم الرجل السائل، وفي الحديث ذكر عمر وقد مرَّ في الأول من بدء الوحي.
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَلاَ أُرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلاَّ، لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ كَانَتْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا. إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وجه الدلالة منه اشتراك الحج والعمرة في مشروعية السعي بين الصفا والمروة، لقوله تعالى ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَر﴾ وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب الصفا والمروة، في أثناء الحج.
وقوله: "أن لا يطوف بهما" في رواية الكشميهني: بينهما.
رجاله خمسة ، قد مرّوا بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي.
ثم قال: زاد سفيان وأبو معاوية عن هشام: ما أتم الله حج امرىء ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة، قد مرَّ الكلام على ما في هذه الرواية في الباب المذكور آنفًا، أما رواية سفيان فقد وصلها الطبري من طريق وكيع عنه، وأما رواية أبي معاوية فقد وصلها مسلم، وسفيان بن عيينة مرَّ في الأول من بدء الوحي، وأبو معاوية مرَّ في تعليق بعد الثالث من الإِيمان.
ثم قال المصنف:
стр. 6528
باب متى يحل المعتمر ؟
أشار بهذه الترجمة إلى مذهب ابن عباس، وقد تقدم القول فيه في باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة، قال ابن بطال: لا أعلم خلافًا بين أئمة الفتوى، أن المعتمر لا يحل حتى يطوف ويسعى، إلا ما شذ به ابن عباس، فقال: يحل من العمرة بالطواف، ووافقه إسحاق بن راهويه، ونقل عياض عن بعض أهل العلم أن بعض الناس ذهب إلى أن المعتمر إذا دخل الحرم حل، وإن لم يطف، ولم يسع، وله أن يفعل كل ما حرم على المحرم، ويكون الطواف والسعي في حقه، كالرمي والمبيت في حق الحاج، وهذا من شذوذ المذاهب وغرائبها، وغفل القطب الحلبي فقال فيمن استلم الركن في ابتداء الطواف وأحل حينئذ: إنه لا يحصل له التحلل بالإجماع.
ثم قال: "وقال عطاء، عن جابر رضي الله تعالى عنه: أمر النبي ﷺ أصحابه أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا، ثم يقصروا ويحلوا" وهذا التعليق طرف من حديث وصله البخاري في باب عمرة التنعيم، وعطاء مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم.
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ، وَطُفْنَا مَعَهُ، وَأَتَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَأَتَيْنَاهَا مَعَهُ، وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبٌ لِي: أَكَانَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: فَحَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَةَ: قَالَ: "بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ".
اشتمل هذا الحديث على حديثين، مرَّ الكلام على الأول في باب من لم يدخل الكعبة، والثاني حديث خديجة أي "بشروا خديجة ببيت في الجنة" إلخ. وفي رواية المناقب: بشر النبي ﷺ خديجة ببيت؟ قال: نعم، وهذا استفهام محذوف الأداة.
قوله: "ببيت من قصب" بفتح القاف والمهملة بعدها موحدة قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف، وعند الطبراني في الأوسط عن ابن أبي أوفى يعني قصب اللؤلؤ، وعنده في الكبير عن أبي هريرة: بيت من لؤلؤة مجوفة، وأصله في مسلم، وعنده في
стр. 6529
الأوسط عن فاطمة قالت: قلت يا رسول الله، أين أُمي خديجة؟ قال: "في بيت من قصب" قلت: أمن هذا القصب؟ قال: "لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت"، قال السهيلي: النكتة في قوله: "من قصب" ولم يقل: من لؤلؤ أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ هذا الحديث، وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أنابيبه، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط، كما وقع لغيرها.
وأما قوله: "ببيت" فقال أبو بكر الإسكاف في "فوائد الأخبار" المراد به بيت زائد على ما أعد الله لها من ثواب عملها، ولهذا قال: لا نصب فيه أي: لم تتعب بسببه، قال السهيلي: لذكر البيت معنى لطيف؛ لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث، ثم صارت ربة بيت في الإِسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي ﷺ بيت إسلام إلا بيتها، وهي فضيلة ما شاركها أيضًا فيها غيرها، وجزاء الفعل يذكر غالبًا بلفظه، وإن كان أشرف منه، فلهذا جاء في الحديث بلفظ: البيت دون لفظ القصر، وفي ذكر البيت معنى آخر؛ لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها، لما ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قالت أم سلمة: لما نزلت دعا النبي ﷺ فاطمة وعليَّاً والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي" الحديث أخرجه الترمذي وغيره، ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة؛ لأن الحسنين من فاطمة، وفاطمة بنتها وعليٌّ نشأ في بيت خديجة وهو صغير، ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها.
وقوله: "لا صخب فيه ولا نصب" الصخب بفتح المهملة والمعجمة بعدها موحدة: الصياح والمنازعة برفع الصوت والنصب بالتحريك التعب وأغرب الداوودي فقال الصخب العيب والنصب العوج، وهو تفسير لا تساعد عليه اللغة، وقال السهيلي: مناسبة نفي هاتين الصفتين، أعني المنازعة والتعب أنه ﵊ لما دعا إلى الإِسلام أجابت خديجة طوعًا، فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك، بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشَّرها ربُّها به بالصفة المقابلة لفعلها، وفي رواية أبي هريرة في المناقب زيادة: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، مراد الطبراني في الرواية المذكورة فقالت: هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام، وللنسائي عن أنس قال: قال جبريل للنبي ﷺ : إن الله يقرىء خديجة السلام، يعني فأخبرها، فقالت: إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته، زاد ابن السني من وجه آخر: وعلى من سمع السلام إلاَّ
стр. 6530
الشيطان، قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها؛ لأنها لم تقل: وعليه السلام، كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد: السلام على الله، فنهاهم النبي ﷺ وقال: "إن الله هو السلام فقولوا: التحيات لله" فعرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لا يرد ﵇، كما يرد على المخلوقين لأن السلام اسم من أسمائه تعالى، وهو أيضًا دعاء بالسلامة، وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله تعالى، فكأنها قالت: كيف أقول: ﵇ والسلام اسمه ومنه يطلب ومنه يحصل؟ فيستفاد منه أنه لا يليق بالله تعالى إلاَّ الثناء عليه، فجعلت مكان السلام عليه الثناء عليه، ثم غايرت بين ما يليق بالله تعالى، وبين ما يليق بغيره، فقالت: وعلى جبريل السلام، وعليك السلام، ويستفاد منه رد السلام على من أرسل السلام، وعلى من بلغه، والذي يظهر أن جبريل كان حاضرًا عند جوابها، فردت عليه وعلى النبي ﷺ مرتين مرة بالتخصيص، ومرة بالتعميم، قلت: وعلى أن جبريل حاضر تكون ردت عليه مرتين أيضًا، ثم أخرجت الشيطان ممن سمع لأنه لا يستحق الدعاء بذلك، قيل: إنما بلغها جبريل ﵇ من ربها بواسطة النبي ﷺ احترامًا للنبي ﷺ ، وكذلك وقع لما سلّم على عائشة لم يواجهها بالسلام، بل راسلها مع النبي ﷺ ، وقد واجه مريم بالخطاب فقيل: لأنها نبية، وقيل: لأنها لم يكن لها زوج يحترم معه مخاطبتها قال السهيلي: استدل بهذه القصة أبو بكر بن داود على أن خديجة أفضل من عائشة؛ لأن عائشة سلم عليها جبريل من قبل نفسه، وخديجة بلغها السلام من ربها، وعند الطبراني عن أبي يونس عن عائشة أنه وقع لها نظير ما وقع لخديجة من السلام، والجواب وهي رواية شاذة وزعم ابن العربي أنه لا خلاف في أن خديجة أفضل من عائشة، ورد بأن الخلاف ثابت قديمًا، وإن كان الراجح أفضلية خديجة بهذا وبغيره، ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم عن ابن عباس رفعه: أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، قال السبكي الكبير: جاء لعائشة من الفضائل ما لا يحصى، ولكن الذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، واستدل لفضل فاطمة بما جاء في ترجمتها أنها سيدة نساء المؤمنين، قال في "الفتح": قال بعض من أدركناه: الذي يظهر أن الجمع بين الحديثين أولى، وأن لا نفضل إحداهما على الأخرى، وسئل السبكي: هل قال أحد أن أحدًا من نساء النبي ﷺ غير خديجة وعائشة أفضل من فاطمة؟ فقال: قال به من لا يعتد بقوله، وهو من فضل نساء النبي ﷺ على جميع الصحابة لأنهن في درجته في الجنة، قال: وهو قول ساقط مردود.
وقائله هو: أبو محمد بن حزم وفساده ظاهر، قال السبكي ونساء النبي ﷺ بعد خديجة وعائشة متساويات في الفضل وهن أفضل النساء لقول الله تعالى ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الآية، ولا يستثنى من ذلك إلاَّ من قيل: إنها نبية كمريم.
стр. 6531
رجاله أربعة:
وفيه ذكر خديجة، وقد مرَّ الجميع: مرَّ إسحاق بن راهويه في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ جرير في الثاني عشر منه، ومرَّ إسماعيل بن أبي خالد في الثالث من الإِيمان، ومرَّ عبد الله بن أبي أوفى في التاسع والتسعين من الزكاة، ومرت خديجة في الثالث من بدء الوحي.
أخرجه البخاري أيضًا في الحج، وأبو داود والنسائي وابن ماجه فيه.
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. قَالَ: وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فَقَالَ: لاَ يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
قوله: "عن رجل طاف بالبيت في عمرة" في رواية أبي ذر: عن رجل طاف في عمرته، وقد أشار ابن عمر في هذا الحديث إلى الاتباع، وأن جابرًا أفتاهم بالحكم، وهو قول الجمهور إلا ما روي عن ابن عباس أنه يحل من جميع ما حرم عليه بمجرد الطواف، وعند النسائي عن عمرو بن دينار أنه قال: وهو سنة، وكذا أخرجه أحمد
وقوله: "أياتي امرأته" أي يجامعها، والمراد: هل حصل له التحلل من الإحرام قبل السعي أم لا؟.
وقوله: "لا يقربنها" بنون التأكيد، المراد: نهي المباشرة بالجماع ومقدماته، لا مجرد القرب منها.
وقوله: "وطاف بين الصفا والمروة" أي سعى وإطلاق الطواف على السعي إما للمشاكلة، وإما لكونه نوعًا من الطواف، ولوقوعه في مصاحبة طواف البيت.
وقوله: أسوة بكسر الهمزة ويجوز ضمها.
قوله: "قال وسألنا جابرًا" القائل هو: عمرو بن دينار، وبيَّن بهذا الحديث أن المراد بقوله في رواية التعليق السابق: يطوفوا أي: بالبيت، وبين الصفا والمروة، لجزم جابر بأنه لا يحل له أن يقرب امرأته حتى يطوف بين الصفا والمروة، وهذا الحديث قد تقدم مرارًا بهذا الإسناد، عن الحميدي في أوائل الصلاة في باب ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ بلفظ حدَّثنا سفيان، حدَّثنا عمرو بن دينار، فعبر بالتحديث هناك، والعنعنة هنا، وساق الإسنادين والمتن
стр. 6532
جميعًا بغير زيادة، ووقوع مثل هذا نادر جدًا، ومرَّ الكلام عليه هناك، ومرَّ حديث ابن عمر في باب من صلى خلف المقام ركعتين، وفي باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، وفي كل محل بعض كلام، وفي الحديث أن السعي واجب في العمرة، وكذا ركعتي الطواف، وفي تعيينهما خلف المقام إلى آخر ما مرَّ في باب ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ الحميدي وابن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي.
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ، وَهُوَ مُنِيخٌ فَقَالَ: "أَحَجَجْتَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "بِمَا أَهْلَلْتَ؟ ". قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلاَلٍ كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ". فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ، فَفَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ. فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ، حَتَّى كَانَ فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ فَقَالَ: إِنْ أَخَذْنَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.
وشاهد الترجمة منه: قوله: "طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أحل" فإنه يقتضي تأخير الإحلال عن السعي، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في باب من أهل في زمان النبي ﷺ .
رجاله ستة:
وفيه ذكر عمر، وقد مرَّ الجميع: مرَّ محمد بن بشار في الحادي عشر من العلم، ومرَّ غندر في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ قيس بن مسلم وطارق بن شهاب في الثامن والثلاثين منه، ومرَّ أبو موسى الأشعري في الرابع منه، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي.
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالْحَجُونِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَاهُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَفُلاَنٌ، وَفُلاَنٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا، ثم
стр. 6533
أَهْلَلْنَا مِنَ الْعَشِيِّ بِالْحَجِّ.
قوله: "بالحجون" بفتح المهملة وضم الجيم الخفيفة جبل معروف بمكة، وقد تكرر ذكره في الأشعار وعنده المقبرة المعروفة بالمعلاة على يسار الداخل إلى مكة، ويمين الخارج منها إلى منى، وهذا الذي ذكرنا محصل ما قاله الأزرقي والفاكهي وغيرهما من العلماء، وأغرب السهيلي فقال: الحجون على فرسخ وثلث من مكة، وهو غلط واضح، وقال أبو عبيد البكري: الحجون: الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلي شعب الجرارين، وقال أبو علي القالي: الحجون: ثنية المدنيين أي: من يقدم من المدينة، وهي مقبرة أهل مكة، عند شعب الجرارين، جمع جرار بجيم وراء ثقيلة، وذكر الأزرقي أنه شعب أبي دب -رجل من بني عامر- قال في "الفتح": قد جهل هذا الشعب الآن إلاَّ أن بين سور مكة الآن وبين الجبل المذكور مكانا يشبه الشعب، فلعله هو، ويدل على غلط السهيلي قول الشاعر:
سنبكيك ما أرسى ثبير مكانه ... وما دام جارًا للحجون المحصب
وقد تقدم ذكر المحصب وحده، وأنه خارج مكة، وروى الواقدي عن أشياخه أن قصي بن كلاب لما مات دفن بالحجون، فتدافن الناس بعده، وأنشد الزبير لبعض أهل مكة:
كم بالحجون وبينه من سيد ... بالشعب بين دكادك وآكامِ
وقوله: "ونحن يومئذ خفاف" زاد مسلم في روايته: "خفاف الحقائب" والحقائب: جمع حقيبة بفتح المهملة وبالقاف والموحدة، وهي ما احتقبه الراكب خلفه من حوائجه في موضع الرديف.
وقوله: "فاعتمرت أنا وأختي" أي: بعد أن فسخوا الحج إلى العمرة، ففي رواية صفية بنت شيبة عن أسماء قدمنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج فقال: "من كان معه هدي فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي فليحل" فلم يكن معي هدي فأحللت، وكان مع الزبير هدي فلم يحل.
وهذا مغاير لذكرها الزبير مع من أحل في رواية عبد الله مولى أسماء، فإن قضية رواية صفية عن أسماء أنه لم يحل لكونه ممن ساق الهدي، فإن جمع بينهما بأن القصة المذكورة وقعت لها مع الزبير في غير حجة الوداع، كما أشار إليه النووي على بعده وإلاَّ فقد رجح عند البخاري رواية عبد الله مولى أسماء، فاقتصر على إخراجها دون رواية صفية بنت شيبة، وأخرجها مسلم مع ما فيها من الاختلاف، ويقوي صنيع البخاري ما تقدم في باب الطواف على وضوء، عن أبي الأسود قال: سألت عروة بن الزبير، فذكر حديثًا وفي آخره: فأخبرتني أُمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلَّوا، والقائل: أخبرتني: عروة المذكور، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وهذا موافق لرواية عبد الله مولى أسماء
стр. 6534
عنها، وفيه إشكال آخر وهو: ذكرها لعائشة فيمن طاف، والواقع أنها كانت حينئذ حائض، وكنت أولته هناك على أن المراد أن تلك العمرة كانت في وقت آخر بعد النبي ﷺ ، لكن سياق رواية هذا الباب تأباه، فإنه ظاهر في أن المقصود العمرة التي وقعت لهم في حجة الوداع، والقول فيما وقع من ذلك في حق الزبير، كالقول في حق عائشة سواء، وقد قال عياض في الكلام عليه: ليس هو على عمومه، فإن المراد من عدا عائشة؛ لأن الطرق الصحيحة فيها أنها حاضت، فلم تطف بالبيت، ولا تحللت من عمرتها، وقيل: لعل عائشة أشارت إلى عمرتها التي فعلتها من التنعيم، ثم حكى التأويل السابق، وأنها أرادت عمرة أخرى في غير التي في حجة الوداع، وخطأه ولم يعرج على ما يتعلق بالزبير في ذلك.
وقوله: "وفلان وفلان" كأنها سمت بعض من عرفته ممن لم يسق الهدي، ولم يوقف على تعيينهم، وقد تقدم في حديث عائشة أن أكثر الصحابة كانوا كذلك.
وقوله: "فلما مسحنا البيت" أي: طفنا بالبيت فاستلمنا الركن، وقد مرَّ في باب الطواف على غير وضوء من حديث عائشة بلفظ: مسحنا الركن، وساغ هذا المجاز لأن كل من طاف بالبيت يمسح الركن، فصار يطلق على الطواف كما قال عمر بن أبي ربيعة.
ولما قضينا من مني كل حاجة ... ومَسَح بالأركان من هو ماسحُ
أي: طاف من هو طائف، قال عياض: ويحتمل أن يكون معنى مسحوا: طافوا وسعوا، وحذف السعي اختصارًا لما كان منوطًا بالطواف، قال: ولا حجة في هذا الحديث لمن لم يوجب السعي؛ لأن أسماء أخبرت أن ذلك كان في حجة الوداع، وقد جاء مفسرًا من طرق أخرى صحيحة أنهم طافوا معه، وسعوا، فيحمل ما أجمل على ما بين واستدل به على أن الحلق أو التقصير استباحة محظور، لقولها: أنهم أحلوا بعد الطواف ولم يذكر الحلق، وأجاب من قال بأنه نسك بأنها سكتت عنه ولا يلزم من ذلك ترك فعله، فإن القصة واحدة وقد ثبت الأمر بالتقصير في عدة أحاديث، منها: حديث جابر المصدر بذكره واختلفوا فيمن جامع قبل أن يقصر بعد أن طاف وسعى، فقال الأكثر: عليه الهدي وقال عطاء: لا شيء عليه وقال الشافعي: تفسد عمرته وعليه المضي في فسادها وقضائها، واستدل به الطبري على أن من ترك التقصير حتى يخرج من الحرم لا شيء عليه بخلاف من قال عليه دم.
قد مرَّ هذا الحديث في باب الطواف على وضوء وفي غيره، وقد مرَّ كثير من مباحثه.
رجاله ستة:
وفيه ذكر الزبير وعائشة، وقد مرَّ الجميع: مرَّ أحمد بن عيسى في الرابع والسبعين من استقبال القبلة، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرت أسماء في الثامن والعشرين منه، ومرَّ الزبير في الثامن والأربعين منه،
стр. 6535
ومرَّ أبو الأسود في الثامن والثلاثين من الغسل، ومرَّ عبد الله بن كيسان مولى أسماء في التاسع والخمسين والمائة من الحج، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار والعنعنة والسماع والقول ورجاله نصفهم مدنيون ونصفهم مصريون.
أخرجه مسلم أيضًا في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6536
باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو
أورد المصنف هنا تراجم تتعلق بآداب الراجع من السفر لتعلق ذلك بالحاج والمعتمر الآفاقي.
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلاَثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ".
قوله: "كان إذا قفل" بقاف ثم فاء أي: رجع وزنا ومعنى، وعند مسلم عن ابن عمر في أوله من الزيادة كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر كبر ثلاثًا ثم قال: "سبحان الذي سخر لنا هذا" فذكر الحديث إلى أن قال: وإذا رجع قالهن وزاد "آيبون تائبون" وزاد المصنف في كتاب الدعوات في الترجمة المذكورة إذا أراد سفرًا إشارة منه إلى هذه الزيادة.
وقوله: "من حج أو غزو أو عمرة" ظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاثة، وليس الحكم كذلك عند الجمهور بل يشرع قول ذلك في كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة الرحم، وطلب العلم، لما يشمل الجميع من اسم الطاعة وقيل: يتعدى أيضًا إلى المباح، لأن المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضًا لأن مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، وهذا التعليل متعقب، لأنه الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من مسافر في مباح ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله، وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص، فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فتخصص به، كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة، وإنما اقتصر الصحابي على الثلاث، لانحصار سفر النبي ﷺ فيها، ولهذا ترجم بالسفر في الدعوات، كما مرَّ على أنه تعرض لما دل عليه الظاهر، وترجم هذا في أبواب العمرة بالثلاثة المذكورة.
وقوله: "يكبر على كل شرف" بفتح المعجمة والراء، بعدها فاء هو المكان المرتفع، وعند
стр. 6537
مسلم بلفظ: إذا أوفى أي: ارتفع على ثنية بمثلثة ثم نون ثم تحتانية ثقيلة هي العقبة، أو فدفد بفتح الفاء بعدها قال مهملة ثم فاء ثم قال، والأشهر تفسيره بالمكان المرتفع، وقيل هو الأرض المستوية، وقيل الفلاة الخالية من شجر وغيره، وقيل: غليظ الأودية ذات الحصى.
وقوله: ثم يقول: لا إله إلا الله إلخ يحتمل أن يكون كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير، وهو على المكان المرتفع، ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع، وما بعده إن كان متسعًا أكمل الذكر المذكور فيه، وإلا فإذا هبط سبح، كما دل عليه حديث جابر عند المصنف في الجهاد بلفظ: كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا، وفي رواية: وإذا تصوبنا، ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقًا عقب التكبير، ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط، ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع، أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء، فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى، وأنه أكبر من كل شيء، فيكبره، ليشكر له ذلك، فيزيده من فضله، ومناسبة التسبيح عند الهبوط لكون المكان المنخفض محل ضيق فيشرع فيه التسبيح لأنه من أسباب الفرج، لما وقع في قصة يونس ﵇ حين سبح في الظلمات، فنجي من الغم قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنه المعبود في جميع الأماكن.
وقوله: "آيبون" جمع آيب أي: راجع وزنا ومعنى، وهو خبر مبتدأ محذوف والتقدير نحن آيبون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع، فإنه تحصيل الحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة، والاتصاف بالأوصاف المذكورة.
وقوله: "تائبون" فيه إشارة إلى التقصير في العبادة، وقاله ﷺ على سبيل التواضع، أو تعليما لأمته، أو المراد أمته وقد تستعمل التربة لإرادة الاستمرار على الطاعة، فيكون المراد أن لا يقع منهم ذنب.
وقوله: "صدق الله وعده" أي: فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وهذا في سفر الغزو، ومناسبته لسفر الحج والعمرة قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿ونصر عبده﴾ يريد نفسه.
وقوله: ﴿وهزم الأحزاب وحده﴾ أي من غير فعل أحد من الآدميين، واختلف في المراد بالأحزاب هنا فقيل: هم كفار قريش، ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا أي: تجمعوا في غزوة الخندق، ونزلت في شأنهم سورة الأحزاب، ويأتي خبرهم في الغزوات إن
стр. 6538
شاء الله تعالى، وقيل المراد أعم من ذلك، وقال النووي المشهور الأول، وقيل: فيه نظر لأنه يتوقف على أن هذا الدعاء إنما شرع من بعد الخندق، والجواب: أن غزوات النبي ﷺ التي خرج فيها محصورة، والمطابق منها لذلك غزوة الخندق، لظاهر قوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وفيها قبل ذلك ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية، والأصل في الأحزاب أنه جمع حزب، وهي القطعة المجتمعة من الناس، فاللام إما جنسية، والمراد كل من تحزب من الكفار وإما عهدية، والمراد من تقدم وهو الأقرب، قال القرطبي: ويحتمل أن يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء: اللهم اهزم الأحزاب، والأول أظهر، وقد مرت مناسبة التسبيح للأماكن المنخفضة، وقيل: مناسبته لها من جهة أن التسبيح هو التنزيه فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض، كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة، ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله تعالى أن لا يوصف بالعلو لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس، ولذلك ورد في صفته العلي والعالي والمتعالي ولم يرد ضد ذلك، وإن كان قد أحاط بكل شيء علمًا .
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
أخرجه البخاري أيضًا في الدعوات، ومسلم في الحج وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير، وأخرجه الترمذي من حديث البراء.
ثم قال المصنف:
стр. 6539
باب استقبال الحاج القادمين والثلاثة على الدابة
قوله: "القادمين" صفة للحاج لأنه يقال للمفرد والجمع مجازًا واتساعًا، كقوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ قال في الكشاف: السامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.
وقوله: "والثلاثة" بالجر عطفًا على استقبال أي: وباب الثلاثة على الدابة أي: ركوب الثلاثة.
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ.
دلالة الحديث على الجزء الثاني من الترجمة ظاهرة.
وقوله: "قدم مكة" يعني في الفتح.
وقوله: "استقبله" في رواية الكشميهني استقبلته، وأغيلمة تصغير غلمة وهو جمع غلام، والتصغير على غير قياس والقياس غليمة، وقال ابن التين: كأنهم صغروا أغلمة على القياس، وإن كانوا لم ينطقوا بأغلمة ونظيره أصيبية، وإضافتهم إلى عبد المطلب لكونهم من ذريته، قال في القاموس: الغلام الطارّ الشارب، والكهل ضده أو من حين يولد إلى أن يُشب، جمعه أغلمة، وغلمة، وغلمان، وهي غلامة.
وقوله: "فحمل واحدًا بين يديه، والآخر خلفه" قد جاء في آخر كتاب اللباس في باب الثلاثة على الدابة تفسيرهما في حديث ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ ، وقد حمل قيم بين يديه، والفضل خلفه، أو قثم خلفه، والفضل بين يديه، وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن مورق العجلي: حدثني عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بنا، فيلقّى بي وبالحسن أو بالحسين، فحمل أحدنا بين يديه، والآخر من خلفه، حتى دخلنا المدينة، وأخرج أحمد والنسائي عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ حمله خلفه، وحمل قثم ابن العباس بين يديه، وليس فيما روى عن عبد الله بن جعفر ذكر لكون التلقي كان بمكة، بل في الأول التصريح بأنه بالمدينة، والثاني لم يقع فيه تصريح بشيء فيحمل على المصرح به، وفي القسطلاني أن الراكب بين يديه عبد الله بن جعفر، والراكب خلفه قثم بن العباس،
стр. 6540
وعزاه للفتح، ولم أره فيه في محل من محال الحديث الذي ذكره فيه، وبنى القسطلاني على ما عزاه للفتح قوله: لكن لا أعلم هل خرج عبد الله بن جعفر من المدينة إلى مكة، بعد أن دخلها مع أبيه من الحبشة، حتى استقبل النبي ﷺ حين قدومه مكة في الفتح، فلينظر ذلك، قلت: لم نجد في كتاب ما يدل على أنه خرج من المدينة إلى مكة، وعند الطبراني عن ابن عباس أنه ﵊ كان حينئذ راكبًا على ناقته، وأخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع: لقد قلت بنبيِّ الله ﷺ والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي ﷺ ، هذا قدّامه وهذا خلفه، وقول صاحب الفتح: وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج، والحديث دال على تلقي القادم للحج ليس بينهما تخالف لاتفاقهما من حيث المعنى، تعقبه العيني فقال: لا نسلم كون الترجمة لتلقي القادم من الحج، بل هي لتلقي القادم للحج، والحديث يطابقه، وقد ظن هذا القائل ذهولًا منه أن الترجمة وضعت لتلقي القادم من الحج وليس كذلك، ولو علم أن لفظ الاستقبال في الترجمة مصدر مضاف إلى مفعوله، والفاعل ذكره مطوي لما احتاج إلى قوله: وكون الترجمة إلى آخره، فالحديث فيه تلقي القادم للحج، وتلك العادة إلى الآن يتلقى المجاورون وأهل مكة القادمين من الركبان، نعم يؤخذ منه بطريق القياس تلقي القادمين من الحج. بل ومَن في معناهم كمن قدم من جهاد أو سفر تأنيسًا وتطييبًا لقلوبهم، وفي المسند وصحيح الحاكم عن عائشة قالت: أقبلنا من مكة في حج أو عمرة، فتلقانا غلمان من الأنصار كانوا يتلقون أهاليهم إذا قدموا، وذكر ابن رجب في الطائفة عن الحكم قال: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو يعلم المقيمون ما للحجاج عليهم من الحق، لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم؛ لأنهم وفد الله في جميع الناس، وما للمنقطع حيلة سوى التعلق بأذيال الواصلين، وفي الحديث جواز ركوب الثلاثة فأكثر على دابة عند الطاقة، وما روى من كراهة ركوب الثلاثة على دابة لا يصح، قال في الفتح: قد يجمع بين مختلف الحديث في ذلك فيحمل ما ورد في الزجر عن ذلك، على ما إذا كانت الدابة غير مطيقة، كالحمار مثلًا وعكسه على عكسه كالناقة والبغلة، قال النووي: مذهبنا ومذهب العلماء كافّة جواز ركوب ثلاثة على الدابة، إذا كانت مطيقة، وحكى القاضي عياض معه عن بعضهم مطلقًا، وهو فاسد، قال في الفتح: لم يصرح أحد بالجواز مع العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيد.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: وفيه حمله ﵊ واحدًا بين يديه وآخر خلفه. مرَّ معلي بن أسد في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرَّ يزيد ابن زريع في السادس والتسعين من الوضوء، ومرَّ خالد الحذاء وعكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ العباس في الخامس من بدء الوحي، والذي بين يديه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والذي خلفه قثم بن العباس، هكذا قال في الفتح.
стр. 6541
والأول: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو محمد أو أبو هاشم أو أبو جعفر وهي أشهر، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية، ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها، وهو أول مولود ولد من المسلمين بها، وولد بها أيضًا أخواه محمد وعون وولد للنجاشي ولد فسماه عبد الله فأرضعته أسماء حتى فطمته ولما توجه جعفر في السفينة إلى النبي ﷺ حمل امرأته أسماء وأولاده منها عبد الله، ومحمدًا وعونًا حتى قدموا المدينة، روى ابن جريج أن عبد الله بن جعفر قال: مسح رسول الله ﷺ رأسي وقال: "اللهم اخلف جعفرًا في ولده" وأخرج أحمد بسند قوي أنه قال: كنا نلعب فمر بنا على دابة فحملني أمامه، ومن طريق محمد بن أبي يعقوب في قصة موته أنه ﵊ قال: "أما عبد الله فيشبه خلقي وخلقي" ثم أخذ بيدي فقال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرات، وفيه: "وأنا وليهم في الدنيا والآخرة" وروى البغوي أنه ﵊ مرَّ بعبد الله ابن جعفر وهو يبيع مع الصبيان، فقال: "اللهم بارك له في بيعه أو صفقته" وروى مسلم عنه أنه قال: أردفني النبي ﷺ يومًا فأسر إليَّ حديثا لا أحدث به أحدًا من الناس الحديث، تزوج أمَّه أبو بكر الصديق، فكان محمد أخاه لأمه، ثم تزوجها عليّ فولدت له يحيى، وكان أحد أمراء عليّ يوم صفين، وكان يقال له: قطب السخاء، قال ابن عبد البر: كان كريمًا جوادًا ظريفًا عفيفًا سخيًا، يسمى بحر الجود، ويقال: إنه لم يكن في الإِسلام أسخى منه، وكان لا يرى بأسا بسماع الغناء، وكان إذا قدم على معاوية أنزله داره، وأظهر له من بره وإكرامه ما يستحقه، وكان ذلك يغيظ فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، زوجة معاوية، فسمعت ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر فجاءت إلى معاوية فسمع وقالت هلم فاسمع ما في منزل هذا الرجل الذي جعلته بين لحمك ودمك فجاء معاوية وانصرف، فلما كان في آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر فجاء فانبه فاختة وقال لها: اسمعي مكان ما أسمعتني، ويقولون إن أجواد العرب في الإِسلام عشرة.
فأجود أهل الحجاز: عبد الله بن جعفر وعبيد الله بن العباس وسعيد ابن العاص.
وأجود أهل الكوفة: عتاب بن ورقاء -أحد بني رباح بن يربوع- وأسماء بن خارجة بن حفص الفزاري، وعكرمة بن ربعي الفياض -أحد بني تيم الله بن ثعلبة-.
وأجود أهل البصرة: عمرو بن عبيد الله بن معمر وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي ثم أحد بني مليح وهو طلحة الطلحات، وعبيد الله بن أبي بكرة.
وأجود أهل الشام: خالد بن عبد الله بن خالد بن أسد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وليس في هؤلاء كلهم أجود من عبد الله بن جعفر، ولم يكن مسلم يبلغ مبلغه في الجود وعوتب في ذلك فقال: إن ربي عودني عادة، وعودت الناس عادة فأنا أخاف إن قطعتها قطعت عني، ومدحه نصيب فأعطاه إبلا وخيلًا وثيابًا ودنانير ودراهم، فقيل له: تعطي لهذا
стр. 6542
الأسود مثل هذا، فقال: إن كان أسود فشعره أبيض، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ما يفنى ويبلى، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى، وقيل: إنما جرى هذا الخبر لعبد الله بن جعفر مع عبد الله بن قيس الرقيات، وأخباره في الجود كثيرة جدًا شهيرة، ومن سخائه ما روي أنه أسلف الزبير ألف ألف درهم، فلما توفي الزبير جاء ابنه عبد الله إلى ابن جعفر وقال له: إني وجدت في كتب أبي أن له عليك ألف ألف درهم، فقال: هو صادق، فاقبضها إذا شئت، ثم وجده فقال: وهمت المال لك عليه، فقال: لا أريد ذلك.
له خمسة وعشرون حديثًا، اتفقا على حدثيين، روى عن عمه علي وأبي بكر، وعثمان، وعمار بن ياسر، وروى عنه بنوه إسماعيل وإسحاق ومعاوية، وأبو جعفر الباقر وغيرهم، كان له عند موت النبي ﷺ عشر سنين، ومات سنة ثمانين عام الجحاف، وهو سيل كان ببطن مكة جحف الحاج، وذهب بالإبل، وعليها الحمولة وصلى عليه أبان بن عثمان، وهو أمير المدينة حينئذ لعبد الملك بن مروان وكان له يوم مات تسعون سنة أو ثمانون.
والثاني: قثم بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم أخو عبد الله وأخوته، أمه أم الفضل، قال ابن السكن: كان يشبه بالنبي ﷺ ، ولا يصح سماعه منه، وأخرج البغوي أن أم الفضل قالت للنبي ﷺ : رأيت كان في بيتي عضوًا من أعضائك قال: "خيرًا رأيت، تلد فاطمة غلامًا، ترضعينه بلبن ابنك قثم" فولدت الحسن الحديث، وهذا الحديث يدل على أن الحسن أصغر من قثم، وقال البخاري في التاريخ: عن عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثم بن العباس وعبيد الله بن العباس نلعب، إذ مرَّ النبي ﷺ على دابته، فقال: "ارفعوا هذا إليَّ فحملني أمامه، ثم قال لقثم: ارفعوا هذا إليَّ فحمله وراءه" وكان عبيد الله أحب إلى العباس، فلم يستح من عمه أن قثما تركه، وقال ابن عباس: وعلى أن قثما كان آخر الناس عهدا برسول الله ﷺ وذلك أنه كان آخر من خرج من قبره، ممن نزل فيه، وقد ادعى ذلك المغيرة بن شعبة في قصة لم تثبت، كان قثم واليًا لعلي رضي الله تعالى عنه على مكة، وذلك أن عليًا لما ولي الخلافة عزل خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي عن مكة، وولاها أبا قتادة الأنصاري، ثم عزله وولى قثم بن العباس، ولم يزل واليا إلى أن قتل علي رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنه كان واليا على المدينة، مات قثم بسمرقند، واستشهد بها، وكان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية، وفيه يقول داود بن سلم:
عتقت من حلي ومن رحلتي ... يا ناق إن أدنيتني من قثم
إنك إن أدنيت منه غدًا ... حالفني اليسر ومات العدم
في كفه بحر وفي وجهه ... بدر وفي العرنين منه شمم
أصم عن فعل الخنا سمعه ... وما عن الخير به من صمم
لم يدر مالا وبلى قد درى ... فعافها واعتاض منها نعم
стр. 6543
وفيه يقول الآخر:
كم صارخ بك مكروب وصارخة ... يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم
لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، والثلاثة الأول بصريون أخرجه البخاري أيضًا في اللباس والنسائي في الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6544
باب القدوم بالغداة
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ.
وقد مرَّ هذا الحديث أوائل الحج في باب خروج النبي ﷺ على طريق الشجرة، ومرَّ الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، إلا أحمد بن الحجاج: مرَّ أنس بن عياض وعبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
والباقي: أحمد بن الحجاج البكري الذهلي الشيباني أبو العباس المروزي، قال الخطيب: قدم بغداد. وحدث بها، فأثنى عليه أحمد، وقال ابن أبي خيثمة: كان رجل صدق، وذكره ابن حبان في الثقات، روى عن أبي ضمرة وابن عيينة وابن مهدي وغيرهم، وروى عنه البخاري وإبراهيم الحربي والدارمي وغيرهم، مات يوم عاشوراء سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
ثم قال المصنف:
стр. 6545
باب الدخول بالعشي
قال الجوهري: العشية من صلاة المغرب إلى العتمة، وقيل: هي من حين الزوال، والمراد هنا الأول، وكأنه عقب الترجمة الأولى بهذه ليبين أن الدخول في الغداة لا يتعين وإنما المنهي عنه الدخول ليلًا وقد بين علة ذلك في حديث جابر حيث قال فيه لتمتشط الشعثة.
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لاَ يَدْخُلُ إِلاَّ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً.
قوله: "ولا يطرق أهله" قال أهل اللغة: الطروق بالضم: المجيىء بالليل من سفر أو غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل: طارق، ولا يقال بالنهار إلا مجازًا، وقد حكى ابن فارس طرق بالنهار وهو مجاز، ولهذا كان قوله: ليلًا في الرواية التي بعد هذا أن يطرق أهله ليلًا للتأكيد لأجل رفع المجاز لاستعمال طرق في النهار، ومنه حديث طرق عليًا وفاطمة، وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقًا؛ لأنه يحتاج غالبًا إلى دق الباب، وقيل: أصل الطروق السكون، ومنه إطراق رأسه، فلما كان الليل يسكن فيه سمي الآتي طارقًا، وقوله: في طريق الشعبي عن جابر: إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلًا، التقييد فيه بطول الغيبة يشير إلى أن علة النهي إنما توجد حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلًا نهارًا ويرجع ليلًا، لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل الغيبة، كأن عدم طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يهجم بعد طول الغيبة غالبًا ما يكره، إما أن يجد أهله على غير أهبة من التنظيف والتزيين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله في حديث جابر الآتي في كتاب النكاح: كي تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة، ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة، لئلا يطلع منها على ما يكون سببًا لنفرته منها، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع محرض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله في حديث جابر عند مسلم: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخونهم، أو يطلب عثراتهم فعلى
стр. 6546
هذا فمن أعلم أهله بوصوله، وأنه يقدم في وقت كذا مثلًا، لا يتناوله هذا النهي، وقد صرح بذلك ابن خزيمة في صحيحه، ثم ساق من حديث ابن عمر قال: قدم النبي ﷺ من غزوة فقال: "لا تطرقوا النساء" وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون، قال ابن أبي جمرة نفع الله به: فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غِرَّة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث، قال: وقد خالف بعضهم فرأى عند أهله رجلًا فعوقب بذلك على مخالفته، وأشار بذلك إلى ما أخرجه ابن خزيمة عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تطرق النساء ليلًا، فطرق رجلان كلاهما وجد مع امرأته ما يكره، وأخرجه عن ابن عباس بنحوه، وقال فيه: فكلاهما وجد مع امرأته رجلًا، وفي حديث محارب عن جابر أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا، وعندها امرأة تمشطها، فظنها رجلًا فأشار إليها بالسيف، فلما ذكر للنبي ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا، أخرجه أبو عوانة في صحيحه، وفي رواية جابر في النكاح قال: فلما قدمنا ذهبنا لندخل، فقال: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا" أي عشاءً، وهذا التفسير في نفس الخبر فيه إشارة إلى الجمع بين هذا الأمر بالدخول ليلًا، والنهي عن الطروق ليلًا بأن المراد بالأمر: الدخول في أول الليل، وبالنهي: الدخول في أثنائه، وقد مرَّ قريبًا أن الأمر بالدخول ليلًا لمن أعلم أهله بقدومه، فاستعدوا له، والنهي عمن لم يفعل ذلك، وفي هذا الحديث: الكَيْس الكيس يا جابر! وفي رواية: فعليك بالكيس الكيس، وفي رواية البيوع: أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس، وفي رواية أحمد إذا دخلت فعليك بالكيس الكيس.
وقوله في الحديث الأول: الكيس الكيس بالفتح فيهما على الإغراء، وقيل: على التحذير من ترك الجماع، قال الخطابي: الكيس هنا بمعنى الحذر، وقد يكون الكيس بمعنى الرفق، وحسّن الثاني، وقال ابن الأعرابي: الكيس العقل؛ كأنه جعل طلب الولد عقلًا وقال غيره: أراد الحذر من العجز عن الجماع، فكأنه حث على الجماع، وجزم ابن حبان في صحيحه بعد تخريج هذا الحديث بأن الكيس الجماع، وتوجيهه على ما ذكر ويؤيده قوله في رواية محمد بن إسحاق: فإذا قدمت فاعمل عملًا كيسا، وفيه: قال جابر: فدخلنا حين أمسينا فقلت للمرأة: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أعمل عملًا كيسا، قالت: سمعًا وطاعة. فدونك، قال: فبت معها حتى أصبحت، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه قال عياض: فسر البخاري وغيره الكيس بطلب الولد والنسل، وهو صحيح، قال صاحب الأفعال: كاس الرجل في عمله حذق، وكاس ولدا كيسا، وقال الكسائي: كاس الرجل ولد له ولد كيس، وأصل الكيس العقل، كما ذكر الخطابي لكنه بمجرده ليس المراد هنا، والشاهد لكون الكيس يراد به العقل قول الشاعر:
وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على الرجال فإن كيسا وأحمقا
стр. 6547
فقابله بالحمق، وهو ضد العقل، ومنه حديث: "الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها" وأما حديث: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، فالمراد به الفطنة، وفي الحديث الحث على التوارد والتحاب خصوصًا بين الزوجين؛ لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفى عليه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك فنهى عن الطروق لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين، بطريق الأولى، ويؤخذ منه أن الاستحداد ونحوه مما تتزين به المرأة، ليس داخلًا في النهي عن تغيير الخلقة، وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب سوء الظن بالمسلم.
رجاله أربعة:
مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ همام بن يحيى في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرَّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من العلم، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، أخرجه مسلم في الجهاد، والنسائي في عشرة النساء ثم قال المصنف:
стр. 6548
باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة
أي: لا يدخل عليهم ليلًا إذا قدم من سفر.
وقوله: "إذا بلغ المدينة" في رواية السرخسي: إذا دخل، والمراد بالمدينة البلد الذي يقصد دخولها، والحكمة في النهي عنه هي ما مرت قريبًا في الذي قبله.
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلاً".
قد مرت مباحث هذا الحديث في الذي قبله مستوفاة.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، ومرَّ محارب في السابع والأربعين من استقبال القبلة، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي.
أخرجه البخاري أيضًا في النكاح ومسلم وأبو داود في الجهاد والنسائي في عشرة النساء.
ثم قال المصنف:
стр. 6549
باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة
قال الإسماعيلي:
قوله: "أسرع ناقته" ليس بصحيح، الصواب أسرع بناقته يعني أنه لا يتعدى بنفسه وإنما يتعدى بالباء، وفيما قاله نظر، فقد حكى صاحب المحكم أن أسرع يتعدى بنفسه ويتعدى بحرف الجر وقال الكرماني: قول البخاري: أسرع ناقته أصله أسرع بناقته فنصب بنزع الخافض.
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا".
قوله: "فأبصر درجات" بفتح المهملة، والراء بعدها جيم جمع درجة كذا للأكثر، والمراد طرقها المرتفعة وللمستملي دوحات المدينة بفتح المهملة وسكون الواو، بعدها مهملة، جمع دوحة وهي الشجرة العظيمة، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد جُدُرات بضم الجيم والدال كما وقع في هذا الباب، وهو جمع جدر بضمتين جمع جدار وله من رواية أبي ضمرة عن حميد بلفظ حيدر وقد رواه الإسماعيلي بلفظ جدران بسكون الدال وآخره نون، جمع جدار قال صاحب المطالع: جدرات أرجح من دوحات ودرجات وهي رواية الترمذي من طريق إسماعيل بن جعفر.
وقوله: "أوضع" أي أسرع السير.
رجاله أربعة قد مرّوا: مرَّ سعيد بن أبي مريم في الأربعين من العلم، ومرَّ محمد بن جعفر في التاسع من الحيض، ومرَّ حميد الطويل في الثاني والأربعين منه، ومرَّ أنس في السادس منه.
ثم قال: قال أبو عبد الله: زاد الحارث بن عمير عن حميد حركها من حبها.
وقوله: "من حبها" يتعلق بقوله: "حركها" أي حرك دابته بسبب حبه المدينة، ورواية الحارث هذه وصلها أحمد عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات
стр. 6550
المدينة أوضع ناقته وإن كان على دابة حركها من حبها وأخرجه أبو نعيم في المستخرج عن محمد بن جعفر بن أبي كثير والحارث بن عمير جميعًا عن حميد وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن، والحنين إليه.
وحميد مرَّ الآن والحارث هو ابن عمير أبو عمير، نزل مكة والد حمزة قال سليمان بن حرب: كان حماد بن زيد يقدم الحارث ابن عمير ويثني عليه، ونظر إليه فقال: هذا من ثقات أصحاب أيوب وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وكذا قال الدارقطني والعجلي، وقال أبو زرعة: ثقة، رجل صالح، وقال الأزدي: ضعيف منكر الحديث، وقال الحاكم: روى عن حميد الطويل وجعفر بن محمد أحاديث موضوعة وقال ابن خزيمة: الحارث بن عمير كذاب، وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعة، ليس له في البخاري إلاَّ هذه الزيادة، روى عن أيوب السختياني وحميد الطويل، وأبي طوالة وغيرهم، وروى عنه ابن عيينة وهو من أقرانه، وابن مهدي وابنه حمزة بن الحارث وغيرهم.
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "جُدُرَاتٍ".
قوله: "جدرات"، قد مرَّ في الذي قبله ضبطها، وقد أخرج المصنف رواية قتيبة المذكورة في فضائل المدينة، بلفظ الحارث بن عمير إلاَّ أنه قال: راحلته بدل: ناقته.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ إسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين منه، ومرَّ محل حميد وأنس في الذي قبله.
ثم قال: تابعه الحارث بن عمير، وهذه المتابعة هي ما مرت قريبًا، ومرَّ الحارث قريبًا.
ثم قال المصنف:
следующие страницы →