← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.

стр. 6546

هذا فمن أعلم أهله بوصوله، وأنه يقدم في وقت كذا مثلًا، لا يتناوله هذا النهي، وقد صرح بذلك ابن خزيمة في صحيحه، ثم ساق من حديث ابن عمر قال: قدم النبي ﷺ من غزوة فقال: "لا تطرقوا النساء" وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون، قال ابن أبي جمرة نفع الله به: فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غِرَّة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث، قال: وقد خالف بعضهم فرأى عند أهله رجلًا فعوقب بذلك على مخالفته، وأشار بذلك إلى ما أخرجه ابن خزيمة عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تطرق النساء ليلًا، فطرق رجلان كلاهما وجد مع امرأته ما يكره، وأخرجه عن ابن عباس بنحوه، وقال فيه: فكلاهما وجد مع امرأته رجلًا، وفي حديث محارب عن جابر أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ليلًا، وعندها امرأة تمشطها، فظنها رجلًا فأشار إليها بالسيف، فلما ذكر للنبي ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا، أخرجه أبو عوانة في صحيحه، وفي رواية جابر في النكاح قال: فلما قدمنا ذهبنا لندخل، فقال: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا" أي عشاءً، وهذا التفسير في نفس الخبر فيه إشارة إلى الجمع بين هذا الأمر بالدخول ليلًا، والنهي عن الطروق ليلًا بأن المراد بالأمر: الدخول في أول الليل، وبالنهي: الدخول في أثنائه، وقد مرَّ قريبًا أن الأمر بالدخول ليلًا لمن أعلم أهله بقدومه، فاستعدوا له، والنهي عمن لم يفعل ذلك، وفي هذا الحديث: الكَيْس الكيس يا جابر! وفي رواية: فعليك بالكيس الكيس، وفي رواية البيوع: أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيس الكيس، وفي رواية أحمد إذا دخلت فعليك بالكيس الكيس. وقوله في الحديث الأول: الكيس الكيس بالفتح فيهما على الإغراء، وقيل: على التحذير من ترك الجماع، قال الخطابي: الكيس هنا بمعنى الحذر، وقد يكون الكيس بمعنى الرفق، وحسّن الثاني، وقال ابن الأعرابي: الكيس العقل؛ كأنه جعل طلب الولد عقلًا وقال غيره: أراد الحذر من العجز عن الجماع، فكأنه حث على الجماع، وجزم ابن حبان في صحيحه بعد تخريج هذا الحديث بأن الكيس الجماع، وتوجيهه على ما ذكر ويؤيده قوله في رواية محمد بن إسحاق: فإذا قدمت فاعمل عملًا كيسا، وفيه: قال جابر: فدخلنا حين أمسينا فقلت للمرأة: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أعمل عملًا كيسا، قالت: سمعًا وطاعة. فدونك، قال: فبت معها حتى أصبحت، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه قال عياض: فسر البخاري وغيره الكيس بطلب الولد والنسل، وهو صحيح، قال صاحب الأفعال: كاس الرجل في عمله حذق، وكاس ولدا كيسا، وقال الكسائي: كاس الرجل ولد له ولد كيس، وأصل الكيس العقل، كما ذكر الخطابي لكنه بمجرده ليس المراد هنا، والشاهد لكون الكيس يراد به العقل قول الشاعر: وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على الرجال فإن كيسا وأحمقا

стр. 6547

فقابله بالحمق، وهو ضد العقل، ومنه حديث: "الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها" وأما حديث: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، فالمراد به الفطنة، وفي الحديث الحث على التوارد والتحاب خصوصًا بين الزوجين؛ لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفى عليه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك فنهى عن الطروق لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين، بطريق الأولى، ويؤخذ منه أن الاستحداد ونحوه مما تتزين به المرأة، ليس داخلًا في النهي عن تغيير الخلقة، وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب سوء الظن بالمسلم. رجاله أربعة: مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ همام بن يحيى في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرَّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من العلم، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، أخرجه مسلم في الجهاد، والنسائي في عشرة النساء ثم قال المصنف:

стр. 6548

باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة أي: لا يدخل عليهم ليلًا إذا قدم من سفر. وقوله: "إذا بلغ المدينة" في رواية السرخسي: إذا دخل، والمراد بالمدينة البلد الذي يقصد دخولها، والحكمة في النهي عنه هي ما مرت قريبًا في الذي قبله. الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلاً". قد مرت مباحث هذا الحديث في الذي قبله مستوفاة. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، ومرَّ محارب في السابع والأربعين من استقبال القبلة، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي. أخرجه البخاري أيضًا في النكاح ومسلم وأبو داود في الجهاد والنسائي في عشرة النساء. ثم قال المصنف:

стр. 6549

باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة قال الإسماعيلي: قوله: "أسرع ناقته" ليس بصحيح، الصواب أسرع بناقته يعني أنه لا يتعدى بنفسه وإنما يتعدى بالباء، وفيما قاله نظر، فقد حكى صاحب المحكم أن أسرع يتعدى بنفسه ويتعدى بحرف الجر وقال الكرماني: قول البخاري: أسرع ناقته أصله أسرع بناقته فنصب بنزع الخافض. الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا". قوله: "فأبصر درجات" بفتح المهملة، والراء بعدها جيم جمع درجة كذا للأكثر، والمراد طرقها المرتفعة وللمستملي دوحات المدينة بفتح المهملة وسكون الواو، بعدها مهملة، جمع دوحة وهي الشجرة العظيمة، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد جُدُرات بضم الجيم والدال كما وقع في هذا الباب، وهو جمع جدر بضمتين جمع جدار وله من رواية أبي ضمرة عن حميد بلفظ حيدر وقد رواه الإسماعيلي بلفظ جدران بسكون الدال وآخره نون، جمع جدار قال صاحب المطالع: جدرات أرجح من دوحات ودرجات وهي رواية الترمذي من طريق إسماعيل بن جعفر. وقوله: "أوضع" أي أسرع السير. رجاله أربعة قد مرّوا: مرَّ سعيد بن أبي مريم في الأربعين من العلم، ومرَّ محمد بن جعفر في التاسع من الحيض، ومرَّ حميد الطويل في الثاني والأربعين منه، ومرَّ أنس في السادس منه. ثم قال: قال أبو عبد الله: زاد الحارث بن عمير عن حميد حركها من حبها. وقوله: "من حبها" يتعلق بقوله: "حركها" أي حرك دابته بسبب حبه المدينة، ورواية الحارث هذه وصلها أحمد عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات

стр. 6550

المدينة أوضع ناقته وإن كان على دابة حركها من حبها وأخرجه أبو نعيم في المستخرج عن محمد بن جعفر بن أبي كثير والحارث بن عمير جميعًا عن حميد وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، وعلى مشروعية حب الوطن، والحنين إليه. وحميد مرَّ الآن والحارث هو ابن عمير أبو عمير، نزل مكة والد حمزة قال سليمان بن حرب: كان حماد بن زيد يقدم الحارث ابن عمير ويثني عليه، ونظر إليه فقال: هذا من ثقات أصحاب أيوب وقال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وكذا قال الدارقطني والعجلي، وقال أبو زرعة: ثقة، رجل صالح، وقال الأزدي: ضعيف منكر الحديث، وقال الحاكم: روى عن حميد الطويل وجعفر بن محمد أحاديث موضوعة وقال ابن خزيمة: الحارث بن عمير كذاب، وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعة، ليس له في البخاري إلاَّ هذه الزيادة، روى عن أيوب السختياني وحميد الطويل، وأبي طوالة وغيرهم، وروى عنه ابن عيينة وهو من أقرانه، وابن مهدي وابنه حمزة بن الحارث وغيرهم. الحديث التاسع والعشرون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "جُدُرَاتٍ". قوله: "جدرات"، قد مرَّ في الذي قبله ضبطها، وقد أخرج المصنف رواية قتيبة المذكورة في فضائل المدينة، بلفظ الحارث بن عمير إلاَّ أنه قال: راحلته بدل: ناقته. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ إسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين منه، ومرَّ محل حميد وأنس في الذي قبله. ثم قال: تابعه الحارث بن عمير، وهذه المتابعة هي ما مرت قريبًا، ومرَّ الحارث قريبًا. ثم قال المصنف:

стр. 6551

باب قول الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ أي باب نزول هذه الآية. الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا، كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. قوله: "كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا" هذا ظاهر في اختصاص ذلك بالأنصار، لكن سيأتي في حديث جابر في أثناء السند أن سائر العرب كانوا كذلك، إلا قريشًا، ورواه عبد بن حميد من مرسل قتادة، كما قال البراء، وكذلك أخرجه الطبري من مرسل الربيع بن أنس. وقوله: "إذا حجوا" سيأتي في تفسير البقرة عن أبي إسحاق بلفظ: إذا أحرموا في الجاهلية. وقوله: "فجاء رجل من الأنصار" قيل: هو قطبة بن عامر، وقيل: رفاعة ابن تابوت، ويأتي تعريف كل واحد منهما في السند، ويجوز. أن يحمل على التعدد في القصة، ويدل عليه اختلاف القول في الإنكار على الداخل في الحديثين الآتيين في السند، فإن في حديث جابر فقالوا: إن قطبة رجل فاجر، وفي مرسل قيس بن جبير: فقالوا: يا رسول الله نافق رفاعة، لكن ليس بممتنع أن يتعدد القائلون في القصة الواحدة، وفي حديث ابن عباس، عن ابن جريج عند ابن جرير أن القصة وقعت أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، وفي إسناده ضعف، وفي مرسل الزهري أن ذلك وقع في عمرة الحديبية، وفي مرسل السدي عند الطبري أن ذلك وقع في حجة الوداع، وكأنه أخذه من قوله كانوا إذا حجوا، لكن في رواية الطبري كانوا إذا أحرموا، وهذا يتناول الحج والعمرة، والأقرب ما قال الزهري، وبين الزهري السبب في صنيعهم ذلك، فقال: كان أناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء، فكان الرجل إذا أهل فبدت له حاجة في بيته لم يدخل من الباب من أجل السقف أن يحول بينه وبين السماء، واتفقت الروايات على نزول الآية في سبب الإحرام، إلاَّ ما أخرجه

стр. 6552

عبد بن حميد بإسناد صحيح عن الحسن قال: كان الرجل من الجاهلية يهم بالشيء يصنعه فيحبس عن ذلك، فلا يأتي بيتًا من قبل بابه حتى يأتي الذي كان هم به، فجعل ذلك من باب الطيرة، وغيره جعل ذلك بسبب الإحرام، وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فنزلت. أخرجه ابن أبي حاتم، وأغرب الزجاج فجزم بأن سبب نزولها ما روي عن الحسن، وما في الصحيح أصح، واتفقت الروايات على أن الحمس كانوا لا يفعلون ذلك، بخلاف غيرهم، وعكس ذلك مجاهد، فقال: كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثقب كوة في ظهر بيته فدخل منها، فجاء رسول الله ﷺ ذات يوم ومعه رجل من المشركين فدخل من الباب، وذهب المشرك ليدخل من الكوة فقال له رسول الله ﷺ : "ما شأنك" قال: أني أحمسي فقال: "وأنا أحمسي" فنزلت. أخرجه الطبري. رجاله أربعة: قد مرّوا: وفيه لفظ رجل مبهم، مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإِيمان، وشعبة في الثالث منه وأبو إسحاق والبراء في الثالث والثلاثين منه، والرجل المبهم قيل إنه قطبة بن عامر، وهو الصحيح، وقيل رفاعة بن تابوت وها أنا أذكر تعريف الاثنين فالأول قطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو بن سواد، بن غنم، بن كعب ابن سلمة الأنصاري الخزرجي يكنى أبا زيد، شهد العقبة الأولى، والثانية وبدرًا، والمشاهد كلها وكانت معه راية بني سلمة يوم الفتح، وجرح يوم أحد تسع جراحات، وقال أبو معشر: رمى قطبة بن عامر يوم بدر بحجر بين الصفين، فقال: "لا أفر حتى يفر هذا الحجر" وروى الحاكم، وابن خزيمة في صحيحهما وأبو الشيخ، عن جابر كانت الحمس من قريش تدخل من أبواب البيوت، وكانت الأنصار وسائر العرب يدخلونها من ظهورها، فبينما رسول الله ﷺ في بستان ومعه أناس من أصحابه فخرج من البستان، ومعه قطبة بن عامر فقال: أناس يا رسول الله، أن قطبة رجل فاجر قال وما ذاك فأخبروه، فقال له: "ما حملك على ذلك" قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت قال إني أحمسي قال: إن ديني دينك، فأنزل الله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ قال البغوي: لا أعلم لقطبة بن عامر حديثًا، توفي قطبة في خلافة عمر، وقال ابن حبان بدرى، مات في خلافة عثمان. الثاني رفاعة بن تابوت الأنصاري جاء ذكره في حديث مرسل، أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد من طريق قيس بن جبير النهشلي قال: كانوا إذا أحرموا لم يأتوا بيتًا من قبل بابه، ولكن من قبل ظهره وكانت الحمس بخلاف ذلك، فدخل رسول الله ﷺ حائطًا ثم خرج من بابه فاتبعه رجل يقال له رفاعة بن تابوت، ولم يكن من الحمس فقالوا يا رسول الله نافق رفاعة فقال: "ما حملك على ما صنعت قال "تبعتك قال: إني من الحمس" قال: فإن ديننا واحد، فنزلت ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ وأما الحديث الذي أخرجه مسلم من

стр. 6553

حديث جابر أن ريحًا عظيمة هبت، فقال النبي ﷺ إنما هبت لموت منافق عظيم النفاق، وهو رفاعة بن التابوت، فهو آخر غير هذا توافق أسمهما واسم أبيهما وقد جاء من وجه آخر، رافع بن التابوت. ثم قال المصنف: باب السفر قطعة من العذاب قال ابن المنير: أشار البخاري بإيراد هذه الترجمة في أواخر أبواب الحج والعمرة، إلى أن الإقامة في الأهل أفضل من المجاهدة، وفيه نظر لا يخفى، لكن يحتمل أن يكون المصنف أشار بإيراده في الحج إلى حديث عائشة بلفظ "إذا قضى أحدكم حجه فليعجل إلى أهله". الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ". قوله: "عن سمي" كذا لأكثر الرواة عن مالك وكذا هو في الموطأ وصرح يحيى بن يحيى النيسابوري عن مالك، بتحديث سمي له به، وشذ خالد بن مخلد عن مالك، فقال: عن سهيل بدل سمي، وذكر الدارقطني أن ابن الماجشون رواه عن مالك عن سهيل، وأخرجه ابن عبد البر عن الدراوردي عن سهيل، عن أبيه، والصحيح عن مالك أنه عن سمي، ولم ينفرد سمي به، بل أخرجه أحمد في مسنده عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وأخرجه ابن عدي عن جمهان عن أبي هريرة أيضًا فلم ينفرد به أبو صالح وأخرجه الدارقطني، والحاكم، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، بإسناد جيد، فلم ينفرد به أبو هريرة بل في الباب، عن ابن عباس، وابن عمر وأبي سعيد وجابر عند ابن عدي بأسانيد ضعيفة. وقوله: "السفر قطعة من العذاب" أي جزء منه والمراد: بالعذاب الألم الناشىء عن المشقة لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف. وقوله: "يمنع أحدكم طعامه، وشرابه، ونومه" بنصب الأربعة لأن منع تتعدى إلى مفعولين، الأول أحدكم والثاني طعامه، كأنه فصله عما قبله بيانا لذلك بطريق الاستئناف، كالجواب لمن قال لم كان كذلك، فقال: يمنع أحدكم طعامه إلخ: أي: وجه التشبيه الاشتمال على المشقة، وقد ورد التعليل في رواية سعيد المقبري، ولفظه "السفر قطعة من العذاب" لأن الرجل يشتغل فيه عن صلاته وصيامه، فذكر الحديث، والمراد بالمنع في الأشياء المذكورة منع كمالها لا أصلها، وقد وقع عند الطبراني، بلفظ لا يهنأ أحدكم بنومه ولا طعامه ولا شرابه، وفي حديث ابن عمر عند ابن عدي، وأنه ليس له دواء إلاَّ سرعة السير.

стр. 6554

وقوله: "فإذا قضى أحدكم نهمته" بفتح النون وسكون الهاء أي: حاجته من وجهه. أي: مقصده وبيانه في حديث ابن عباس عند ابن عدي بلفظ "فإذا قضى أحدكم وطره من سفره" وفي رواية رواد بن الجراح فإذا فرغ أحدكم من حاجته. وقوله: "فليعجل إلى أهله" في رواية عتيق وسعيد المقبري: فليعجل الرجوع إلى أهله، وفي رواية أبي مصعب الكرة إلى أهله، وفي حديث عائشة فليعجل الرحلة إلى أهله فإنه أعظم لأجره، قال ابن عبد البر: زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك، وليتخذ لأهله هدية وإن لم يجد إلاَّ حجر الزناد، قال: وهي زيادة منكرة وقد سئل إمام الحرمين حين جلس موضع أبيه لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور لأن فيه فراق الأحباب، وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع ولاسيما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما فيها من تحصيل الجماعات، والجمعات، والقوة على العبادة، والعرب تشبه الرجل في بيته بالأمير، وقيل: قوله تعالى ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: من كان له دار وخادم فهو داخل في الآية، وقد أخبر الله تعالى بلطف محل الأزواج من أزواجهن بقوله ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فقيل المودة الجماع، والرحمة الولد، وأما ما روي عن مالك من حديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبحوا على الظهر سفرا، إن الله لينظر إلى الغريب في كل يوم مرتين" قال ابن عبد البر: هذا حديث غريب لا أصل له من حديث مالك ولا غيره، وقال ابن بطال: لا تعارض بين حديث الباب وما روي عن ابن عباس وابن عمر مرفوعًا "سافروا تغنموا" وفي رواية "ترزقوا" ويروى "سافروا تصحوا" إذ لا يلزم من الصحةِ بالسفر لما فيه من الرياضة ألا يكون قطعةٌ من العذاب، لما فيه من المشقة فصار كالدواء المر المعقب للصحة، وإن كان في تناوله الكراهة، واستنبط منه الخطابي تغريب الزاني؛ لأنه قد أُمر بتعذيبه، والسفر من جملة العذاب، وفيه ما فيه مما لا يخفى. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ سمي في الثاني عشر من الأذان. ثم قال المصنف:

стр. 6555

باب المسافر إذا جدَّ به السير يعجل إلى أهله قوله: "إذا جدَّ به السير" أي: إذا اهتم به وأسرع فيه يقال: جد يجد من باب نصر وضرب. وقوله: "يعجل إلى أهله" جواب إذا، وفي رواية الكشميهني والنسفي: ويعجل إلى أهله بالواو والجواب حينئذ محذوف تقديره ماذا يصنع ويعجل بضم الياء من التعجيل، ويروى: تعجل بفتح التاء المثناة من التعجيل. الحديث الثاني والثلاثون حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا. مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مرَّ هذا الحديث في أبواب تقصير الصلاة، في باب تصلى المغرب ثلاثًا، ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك، وسيأتي من هذا الوجه في أبواب الجهاد. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ سعيد بن أبي مريم في الأربعين من العلم، ومرَّ محمد بن جعفر في التاسع من الحيض، ومرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبوه أسلم في الحادي والتسعين من الزكاة وفي الحديث ذكر صفية بنت أبي عبيد، وقد مرت في الثاني عشر من التقصير، ولا بأس بذكر أبيها أبي عبيد استطرادًا فأقول: هو أبو عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير بن عوف بن عبدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، ذكره ابن حجر وابن عبد البر في الصحابة، وقال الذهبي: أسلم في عهد النبي ﷺ ، وهو صاحب المنبر، استشهد هو وابنه جبر يوم الجسر، المعروف بجسر أبي عبيد في جمع من المسلمين قيل أربعة آلاف بين قتيل وغريق، وقيل: ألف وثمانمائة، وذلك أن عمر لما ولي الخلافة عزل خالد بن الوليد عن العراق والاعنة، وولى أبا عبيد، وذلك سنة ثلاث عشرة فلقي أبو عبيد جافان بين الحيرة

стр. 6556

والقادسية، ففض جمعه وقتل أصحابه وأسره ففدى جافان نفسه منه، ثم جمع بزدجرد جموعا عظيمة ووجههم نحو أبي عبيد فالتقوا بعد أن عبر أبو عبيد الجسر أي: جسر الفرات إلى النهروان في المضيق فقطعوا الجسر خلفه واقتتلوا قتالًا عظيمًا ومعهم أفيلة كثيرة، وأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة أولا، فاستوحشوها فقتلوها عن آخرها، وقدمت الفرس فيلًا أبيض عظيمًا فقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع مشرفه، وقطع أبو محجن عرقوبه فحمل الفيل على أبي عبيد فتخبطه برجله، ووقف فوقه، ويقال: إنه برك عليه، وكان ذلك في آخر رمضان أو أول شوال سنة ثلاث عشرة بعد نكاية شديدة كانت منه في المشركين، وأوصى إلى عمر بن الخطاب، ورثاه أبو محجن الثقفي، وكان الذي بعث إليهم يزدجرد مردانشاه بن بهمن في أربعة آلاف دارع، وكان المثنى بن حارثة يومئذ مع أبي عبيد. وأما ابنه المختار، ويكنى بأبي إسحاق فلم يكن بالمختار، ولد عام الهجرة وليست له صحبة، ولا رؤية، وأخباره غير مرضية حكاها عنه الثقات، مثل الشعبي وسويد بن غفلة وغيرهما، وكان في أول مرة معدودًا في أهل الفضل والخير، إلى أن فارق ابن الزبير، وكان يتزين بطلب دم الحسين، ويسر طلب الدنيا، فيأتي بالكذب والجنون، وكانت إمارته ستة عشر شهرًا، وروي عن ثابت بن هرمز قال: حمل المختار مالًا من المدائن، من عند عمه إلى عليّ، فأخرج كيسًا فيه خمسة عشر درهما فقال: هذا من أجور المومسات فقال له: ويلك ما لي وللمومسات، ثم قام وعليه مقطعة حمراء، فلما سلم قال عليّ: ما له قاتله الله، لو شق عن قلب هذا الآن لوجد ملآن من حب اللات والعزى!! ويقال: إنه كان في أول أمره خارجيًا، ثم صار زيديًا، ثم صار رافضيًا، وكان يضمر بغض عليّ رضي الله تعالى عنه، وأول أمره أنه بعد موت أبيه كان بالمدينة منقطعًا إلى بني هاشم، ثم كان مع علي بالعراق، وسكن البصرة بعد عليّ، وله قصة مع الحسن بن علي لما ولي الخلافة، ووشي إلى عبيد الله بن زياد عنه، بأنه ينكر قتل الحسين فأمر بجلده وحبسه حتى أرسل ابن عمر يشفع فيه، فنفاه إلى الطائف فأقام بها حتى مات يزيد بن معاوية، وقام ابن الزبير في طلب الخلافة فحضر إليه، وعاضده وناصحه، وكان ابن الزبير ولى عبد الله بن مطيع أمر الكوفة، فطلب منه المختار أن يرسله إلى الكوفة ليؤكد أمر بيعته فأرسله ووثق به ووصى عليه، فأظهر المختار أن ابن الزبير دعا في السر للطلب بدم الحسين، ثم أراد تأكيد أمره فادعى أن محمد بن الحنفية هو المهدي الذي سيخرج في آخر الزمان، وأنه أمره أن يدعو الناس إلى بيعته، وزور على لسانه كتابًا فدخل في طاعته جم كثير، فتقوّى بهم، وقام يطلب بثأر الحسين، فاجتمع عليه بشر كثير من الشيعة بالكوفة فتغلب عليها، وتطلب قتلة الحسين، فقتلهم، قتل شمر بن ذي الجوشن الذي باشر قتل الحسين وخولي بن يزيد الذي سار برأسه إلى الكوفة، وعمر بن سعد بن أبي وقاص أمير الجيش الذين حاربوا الحسين حتى قتلوه، وقتل معه ولده حفصًا،

стр. 6557

وأرسل إبراهيم بن الأشتر في عسكر كثيف، فلقي عبيد الله بن زياد الذي كان جهز الجيش إلى الحسين فحاربوه، فقتل عبيد الله في تلك الوقعة، فلذلك أحب المختار كثير من المسلمين، فإنه أبلى في ذلك بلاءً حسنًا، وكان يرسل المال إلى ابن عمر، وهو صهره زوج أخته صفية، وإلى ابن عباس، وإلى ابن الحنفية، ويقبلونه، ثم وقع بين ابن الزبير وابن العباس وابن الحنفية ما وقع لكونهما امتنعا من بيعته، فحصرهما ومن كان من جهتهما في الشعب، فبلغ ذلك المختار فأرسل عسكرًا كثيفًا، وأمَّر عليهم أبا عبد الله الجدلي فهجموا مكة وأخرجوهما من الشعب، فلحقا بالطائف فشكر الناس للمختار ذلك، وفي ذلك يقول المختار أنشده له المرزباني: تسربلت من همدان درعا حصينة ... ترد العوالي بالأنوف الرواغم همو نصروا آل النبي محمد ... وقد أجحفت بالناس إحدى العظائم وفوا حين أعطوا عهدهم لإمامهم ... وكفوا عن الإِسلام سيف المظالم ثم قوي مصعب بن الزبير أمير البصرة عن أخيه عبد الله على المختار بكثير من أهل الكوفة، ممن كان دخل في طاعة المختار، ورجع عنه، فلما التقى المختار ومصعب خذل المختار أولئك الذين كانوا معه، فحوصر المختار في القصر إلى أن قتل هو ومن معه، ولما انقضى المختار سار عبد الملك بن مروان، بعد قليل بجيوش الشام إلى مصعب بن الزبير فقتل، واستولى عبد الملك على البصرة، ثم على الكوفة، وذكر عبد الملك بن عمير أنه رأى عبيد الله بن زياد، وقد أتى برأس الحسين رضي الله تعالى عنه، ثم رأى المختار وقد أتي برأس عبيد الله بن زياد، ثم رأى مصعب بن الزبير وقد أتي برأس المختار، ثم رأى عبد الملك وقد أتي برأس مصعب، وقد شهد على المختار بدعوى النبوءة والكذب الصريح جماعة من أهل البيت، ومما ورد في ذلك ما أخرجه أحمد في مسند عمرو بن الحمق، عن رفاعة الغساني قال: دخلت على المختار فألقى إلى وسادة، وقال: لولا أن أخي جبرئيل قام عن هذه -وأشار إلى أخرى عنده- لألقيتها إليك، فأردت أن أضرب عنقه إلخ الحديث وقال ابن حبان في ترجمة صفية بنت أبي عبيد في الثقات: هي أخت المختار المتنبي بالعراق، وأقوى ما ورد في ذمه ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يكون في ثقيف كذاب، ومبير" فشهدت أسماء أن الكذاب هو المختار المذكور وقد قتل المختار محمد بن عمار بن ياسر ظلمًا؛ لأنه سأله أن يحدث عن أبيه بحديث كذب، فلم يفعل فقتله، وقد قال في الإصابة: إنه إذا كان ولد سنة الهجرة، وقد صح أنه لم يبق بمكة، ولا الطائف أحد من قريش ولا ثقيف إلا شهد حجة الوداع، قال: فمن ثم يكون المختار من هذا القسم إلاَّ أن أخباره رديئة. وهذا يرد ما مرَّ من كونه لا رؤية له.

стр. 6558

خاتمة اشتملت أبواب العمرة وما في آخرها من آداب الرجوع من السفر من الأحاديث المرفوعة على أربعين حديثًا، المعلق منها: أربعة، والبقية موصولة المكرر منها فيها وفيما مضى: واحد وعشرون حديثًا، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث ابن عمر في الاعتمار قبل الحج، وحديث البراء فيه، وحديث عائشة: العمرة على قدر النصب، وحديث ابن عباس في إرداف اثنين، وفيه من الموقوفات خمسة آثار منها: ثلاثة موصولة في ضمن حديث البراء. ثم قال المصنف:

стр. 6559

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أبواب المحصر، وجزاء الصيد وقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ثبتت البسملة للجميع، وذكر أبو ذر أبواب بلفظ الجمع، وللباقين باب بالإفراد، وقول الله بالجر عطف على المحصر وفي تفسير الإحصار اختلاف بين الصحابة وغيرهم، فقال كثير منهم: الإحصار من كل حابس حبس الحاج، من عدو ومن مرض وغير ذلك، حتى أفتى ابن مسعود رجلًا لدغ بأنه محصر، أخرجه ابن جرير عنه بإسناد صحيح، وبهذا قال عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي والثوري، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واحتج هؤلاء بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري، عند أحمد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق، وقد أخرجه الأربعة عن يحيى بن أبي كثير به، وفي رواية لأبي داود، وابن ماجه من عرج أو كسر أو مرض، فذكر معناه، وقال آخرون: وهم: الليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يكون الإحصار إلاَّ بالعدو فقط، فالمحصر بالمرض لا يحل دون البيت، وسواء عند مالك شرط على نفسه عند إحرامه التحلل أو لم يشترط، وقال الشافعي: له شرطه، وإذا نحر هديه وتحلل ينصرف، ولا قضاء عليه إلاَّ أن يكون ضرورة فيحج الفريضة، ولا خلاف بين مالك والشافعي وأصحابهما في ذلك، وقال مالك: أهل مكة في ذلك كأهل الآفاق؛ لأن الإِحصار عنده في المكي: الحبس عن عرفة خاصة، قال: فإن احتاج المريض إلى دواء تداوى به، وافتدى وهو على إحرامه لا يحل من شيء، حتى يبرأ من مرضه، فإذا برأ من مرضه مضى إلى البيت، فطاف به سبعًا، وسعى بين الصفا والمروة، وحل من حجه أو عمرته، وإذا نحر المحصر هديه هل يحلق رأسه أم لا؟ فقال قوم: ليس عليه أن يحلق؛ لأنه قد ذهب عنه النسك كله، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال آخرون: بل يحلق؛ فإن لم يحلق فلا شيء عليه، وهذا قول أبي يوسف، وقال آخرون: يحلق ويجب عليه ما يجب على الحاج والمعتمر، وهو قول مالك والشافعي، واحتج مالك والشافعي وموافقوهم على أن الإِحصار بالعدو خاصة؛ بما أخرجه عبد الرزاق والشافعي عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلاَّ من حبسه عدو فيحل بعمرة، وليس عليه حج ولا عمرة، وروى مالك في الموطأ والشافعي عنه عن ابن عمر قال: من حبس دون البيت بالمرض، فإنه لا يحل

стр. 6560

حتى يطوف بالبيت، وروى مالك عن أيوب، عن رجل من أهل البصرة قال: خرجت إلى مكة حتى إذا كنت بالطريق كسرت فخذي فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس فلم يرخص لي أحد أن أحل، فأقمت على ذلك الماء تسعة أشهر، ثم حللت بعمرة، وأخرجه ابن جرير من طرق، وسمى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير، وقال الشافعي: جعل الله على الناس إتمام الحج والعمرة، وجعل التحلل للمحصر رخصة، وكانت الآية في شأن منع العدو فلم نعد بالرخصة موضعها. والثالث: قول ابني الزبير عبد الله وعروة: إن المرض والعدو سواء، لا يحل بالطواف، ولا نعلم لهما موافقًا من فقهاء الأمصار. والقول الرابع: حكاه ابن جرير وغيره: وهو أنه لا حصر بعد النبي ﷺ ، وروى مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: المحرم لا يحل حتى يطوف أخرجه في باب ما يفعل من أحصر بغير عدو، وأخرج ابن جرير عن عائشة بإسناد صحيح قالت: لا أعلم المحرم يحل بشيء دون البيت، وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: لا إحصار اليوم، وروي ذلك عن عبد الله بن الزبير، والسبب في اختلافهم في ذلك اختلافهم في تفسير الإِحصار، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة، منهم: الأخفش والكسائي، أن الإحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدو فهو الحصر، وبهذا جزم النحاس وأثبت بعضهم أن أحصر وحصر بمعنى واحد، يقال في جميع ما يمنع الإنسان من التصرف، قال تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ وإنما كانوا لا يستطيعون من منع العدو إياهم، وأما مالك والشافعي فحجتهم في أن لا إحصار بالعدو اتفاق أهل النقل على أن الآيات نزلت في قصة الحديبية حين صد النبي ﷺ عن البيت فسمى الله تعالى صدر البيت إحصارًا، وحجة الآخرين التمسك بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ وما مرَّ من الأحاديث، وقوله تعالى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ روي عن ابن عباس أنه قال: من الأزواج الثمانية، وروي عنه أنه قال: شاة، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وروى عبد الرزاق عنه أنه قال: بقدر يسارته، وقال العوفي عنه: إن موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلاَّ فمن الغنم، وروى ابن أبي حاتم عن عائشة، وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلاَّ من الإبل والبقر، والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذاك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر ففي الصحيحين عن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ عطف على قوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس معطوفا على قوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ كما زعمه ابن جرير؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه عام

стр. 6561

الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، وأما في حال الأمن والوصول، فلا يجوز الحلق حتى يبلغ الهدي محله، ويفرغ الناس من أفعال الحج والعمرة -إن كان قارنًا- أو من فعل أحدهما -إن كان مفردًا- أو متمتعًا. ثم قال: "وقال عطاء: الإحصار من كل شيء يحبسه". في اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار، وهي مسألة اختلاف كما مرَّ مستوفى قريبًا، وهذا الأثر وصله عبد بن حميد عن ابن جريج، عنه قال: في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: الإحصار من كل شيء يحبسه، وروى ابن المنذر، عن ابن عباس نحوه، ولفظه، فإن أُحصرتم قال: من أحرم بحج أو عمرة، ثم حبس عن البيت بمرض يجهده، أو عدو يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدي، فإن كانت حجة الإِسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه، وقد وصله ابن أبي شيبة أيضًا، وعطاء قد مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال: "قال أبو عبد الله: حصورا لا يأتي النساء". هكذا ثبت هذا التفسير هنا في رواية المستملي خاصة، ونقله الطبري عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد، وقد حكاه أبو عبيدة في المجاز، وقال: إن له معاني أخرى فذكرها، وهو بمعنى محصور؛ لأنه منع مما يكون من الرجال، وقد ورد فعول بمعنى مفعول كثيرًا، وكان البخاري أراد بذكر هذه الآية الإشارة إلى أن المادة واحدة، والجامع بين معانيها المنع، قال القاضي عياض: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قاله بعضهم من أنه كان هيوبا أو لا ذكر له، بل أنكر حذاق المفسرين ونقاد العلماء وقالوا: هذه عيب ونقيصة، ولا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنما معناه معصوم من الذنوب لا يأتيها، كأنه حصر عنها، وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات، وقيل: ليست له شهوة في النساء، والمقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء كما قيل، بل معناه أنه معصوم من الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال، وغشيانهن وإيلادهن بل قد يفهم وجود النسل من دعاء زكريا ﵇ حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ كأنه سأل ولدا له ذرية ونسل وعقب. ثم قال المصنف:

стр. 6562

باب إذا أحصر المعتمر قيل: غرض المصنف بهذه الترجمة الرد على من قال: التحلل بالإحصار خاص بالحاج، بخلاف المعتمر فلا يتحلل بذلك، بل يستمر على إحرامه حتى يطوف بالبيت؛ لأن السَّنَة كلها وقت للعمرة فلا يخشى فواتها بخلاف الحج، وهو محكي عن مالك، واحتج القاضي إسماعيل بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة، قال: خرجت معتمرًا فوقعت عن راحلتي فانكسرت، فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر فقالا: ليس لها وقت كالحج، يبقى على إحرامه حتى يصل إلى البيت، قلت: الرجل المار الذي وقع له مثل هذه القصة يمكن أن يفسر بأبي قلابة المصرح به هنا، لولا ما مرَّ من تفسير ابن جرير له بأنه يزيد بن عبد الله بن الشخير فتأمل. الحديث الأول حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ، قَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْتُ كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. قوله: "إن عبد الله بن عمر حين خرج إلى مكة" الخ. هذا السياق يشعر بأنه عن نافع عن ابن عمر بغير واسطة، لكن رواية جويرية التي بعده تقتضي أن نافعًا حمل ذلك عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما، حيث قال فيها: عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر فذكر القصة، وهو في رواية عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية، ولكن في رواية موسى ابن إسماعيل: عن جويرية عن نافع أن بعض بني عبد الله بن عمر قال له: فذكر الحديث، وظاهره أنه لنافع عن ابن عمر بغير واسطة، وقد عقب البخاري رواية عبيد الله برواية موسى لينبه على الإختلاف في ذلك، واقتصر في رواية موسى هنا على الإسناد، وساقه في المغازي بتمامه، والذي يترجح أن ابني عبد الله أخبرا نافعًا بما كلما به أباهما، وأشارا عليه به من التأخير ذلك العام، وأما بقية القصة فشاهدها نافع، وسمعها من ابن عمر لملازمته إياه، فالمقصود من الحديث موصول، وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئًا من ذلك من ابن عمر، فقد عرف الواسطة بينهما؛ وهما ولدا عبد الله ابن عمر سالم وعبيد الله، وهما ثقتان لا مطعن فيهما، وفي رواية جويرية

стр. 6563

المذكورة: عبيد الله بن عبد الله بالتصغير، وفي رواية يحيى القطان: عبد الله بالتكبير، قال البيهقي: عبد الله مكبرًا أصح وليس بمستبعد أن يكون كل منهما كلّم أباه في ذلك، ولعل نافعًا حضر كلام عبد الله المكبر مع أخيه سالم، ولم يحضر كلام عبيد الله المصغر مع أخيه سالم أيضًا، بل أخبراه بذلك فقص عن كل ما انتهى إليه علمه. وقوله: "معتمرًا" في الموطأ: خرج إلى مكة يريد الحج، فقال: إن صددت، فذكره ولا اختلاف، فإنه خرج أولًا يريد الحج، فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة، ثم قال: ما شأنهما إلاَّ واحدًا، فأضاف إليها الحج فصار قارنًا. وقوله: "في الفتنة" بينه في رواية جويرية فقال: "ليالي نزل الجيش بابن الزبير" وقد مضى في باب طواف القارن بلفظ: حين نزل الحجاج بابن الزبير، ولمسلم: حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير، وقد مرَّ في باب من اشترى هديه من الطريق بلفظ: أراد ابن عمر الحج عام حج الحرورية، وتقدم طريق الجمع بينه وبين رواية الباب في الباب المذكور. وقوله: "إن صددت عن البيت" هذا الكلام قاله جوابًا لقول من قال له: إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت، كما أوضحته الرواية التي بعد هذه. وقوله: "كما صنعنا مع رسول الله ﷺ "، في رواية موسى بن عقبة فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إذن اصنع كما صنع، زاد في رواية الليث في باب طواف القارن: كما صنع رسول الله ﷺ . وقوله: "فأهل" يعني ابن عمر، والمراد أنه رفع صوته بالإهلال والتلبية، زاد في رواية جويرية التي بعد هذه: فلما خرجنا مع النبي ﷺ ، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر النبي ﷺ هديه، وحلق رأسه. وقوله: "من أجل أنَّ النبي ﷺ كان أهل بعمرة عام الحديبية" قال النووي: معناه أنه أراد إن صددت عن البيت وأحصرت، تحللت من العمرة، كما تحلل النبي ﷺ من العمرة، وقال عياض: يحتمل أن المراد أهل بعمرة كما أهل النبي ﷺ بعمرة، ويحتمل أنه أراد الأمرين أي: من الإهلال والإحلال، وهو الأظهر، وتعقبه النووي، وليس هو بمردود. وقوله: "بعمرة" زاد في رواية جويرية: "من ذي الحليفة"، وفي رواية أيوب الماضية: "فأهلَّ بالعمرة من الدار" إلى آخر ما مرَّ مستوفى في باب طواف القارن فراجعه. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. أخرجه البخاري أيضًا في الحج، وفي المغازي، ومسلم في الحج.

стр. 6564

الحديث الثاني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ لَيَالِىَ نَزَلَ الْجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: لاَ يَضُرُّكَ أَنْ لاَ تَحُجَّ الْعَامَ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْعُمْرَةَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْطَلِقُ، فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِى وَبَيْنَ الْبَيْتِ طُفْتُ، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا مَعَهُ. فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي". فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَهْدَى، وَكَانَ يَقُولُ: "لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ". وهذا الحديث رواية من الذي قبله، والكلام على ما قبله كلام عليه. رجاله سبعة: وفيه ذكر ابن الزبير وقد مرَّ الجميع: مرَّ عبد الله بن محمد بن أسماء في الثالث من الجمعة، ومرَّ جويرية بن أسماء في الأربعين من الغسل، ومرَّ عبيد الله العمري في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ سالم في السابع عشر من الإيمان، ومرَّ محل نافع وابن عمر في الذي قبله، ومرَّ ابن الزبير في الثامن والأربعين من العلم. الحديث الثالث حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ بَعْضَ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَوْ أَقَمْتَ بِهَذَا. هذه أيضًا رواية من الذي قبله، وبعض بني عبد الله تقدَّم اسمه في الرواية التي قبله، وأنه سالم بن عبد الله، وأخوه عبيد الله أو عبد الله، ولم يظهر من الذي تولى مخاطبته منهم، وفي رواية القعنبي عن مالك أول أحاديث الباب زيادة وهي: أهدى شاة قال ابن عبد البر: هي زيادة غير محفوظة لأن ابن عمر كان يفسر ما استيسر من الهدي، بأنه بدنة دون بدنة أو بقرة دون بقرة، فكيف يهدي شاة. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ محل الباقين في الذي قبله. الحديث الرابع حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ

стр. 6565

أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَلَقَ رَأْسَهُ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلاً. قوله: "حدَّثنا محمد" جاء في جميع الروايات غير منسوب ويأتي ما قيل فيه في السند. وقوله: "قال: فقال ابن عباس" هكذا في جميع النسخ، وهو يقتضي سبق كلام يعقبه قوله: فقال ابن عباس، ولم ينبه عليه أحد من شراح هذا الكتاب، قال في الفتح: وقفت عليه في كتاب الصحابة لابن السكن بسنده عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت عكرمة، فقال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: أنها سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري عمن حبس وهو محرم، فقال: قال رسول الله ﷺ : "من عرج أو كسر أو حبس فليجزىء مثلها، وهو في حل"، قال: فحدثت به أبا هريرة فقال: صدق، وحدثته ابن عباس فقال: قد أحصر رسول الله ﷺ فحلق ونحر هديه، وجامع نساءه حتى اعتمر عاما قابلًا، فعرف بهذا السياق القدر الذي حذفه البخاري من هذا الحديث، والسبب في حذفه أن الزائد ليس على شرطه، لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري، فأخرجه أصحاب السنن، وابن خزيمة، والدارقطني والحاكم من طرق، عن الحجاج الصواف، عن يحيى، عن عكرمة، عن الحجاج به وقال في آخره: قال عكرمة: فسألت أبا هريرة، وابن عباس فقالا: صدق، وفي رواية يحيى القطان وغيره في سياقه: سمعت الحجاج، وأخرجه أبو داود والترمذي عن معمر، عن يحيى، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج، قال الترمذي: تابع على زيادة عبد الله بن رافع معاويةِ بنُ سلام، وسمعت محمدًا البخاري يقول: رواية معمر ومعاوية أصح، فاقتصر البخاري على ما هو من شرطه، مع أن الذي حذفه ليس بعيدًا من الصحة، فإن كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك، وإلاَّ فالواسطة بينهما -وهو عبد الله بن رافع- ثقة، وإن كان البخاري لم يخرج له. وهذا الحديث قد مرَّ أنه احتج به من عمم الإحصار بالعدو والمرض، إلى آخر ما مرَّ. رجاله ستة: مرَّ منهم: يحيى بن صالح في الثالث عشر من كتاب الصلاة، ومرَّ معاوية بن سلام في السادس من الكسوف، ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ عكرمة في السابع عشر منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومحمد شيخ البخاري جاء غير منسوب، واختلف فيه فقيل: إنه محمد بن يحيى الذهلي، وقد مرَّ في العشرين من العيدين، وقيل: هو محمد بن مسلم، وقيل: محمد بن إدريس، وقيل: محمد بن إسحاق الصغاني، وهاأنا أذكر تعريف الثلاثة على أنهم معنى واحد منهم.

стр. 6566

فالأول: محمد بن مسلم بن عثمان بن عبد الله الرازي أبو عبد الله بن واره الحافظ، قال النسائي: ثقة صاحب سنة وقال ابن أبي حاتم: سمعت منه، وهو صدوق ثقة، وجدت أبا زرعة كتب عنه، وكان أبو زرعة يكرمه ويبجله، وكان أبو زرعة لا يقوم لأحد ولا يجلس أحدًا في مكانه إلاَّ ابن وارة، وقال فضلك الرازي: أحفظ من رأيت ثلاثة: أبو مسعود وابن وارة وأبو زرعة، وقال الطحاوي: ثلاثة من علماء الزمان بالحديث، اتفقوا بالرأي، لم يكن في الأرض في وقتهم مثلهم: أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن وارة، وقال ابن خراش: كان محمد بن مسلم من أهل هذا الشأن المتقنين الأمناء، قال: وكنت عند محمد بن مسلم ليلة فذكر أبا إسحاق السبيعي، فذكر شيوخه، فذكر في طلق واحد سبعين ومائتي رجل، ثم قال: كان غاية، كان شيئًا عجبًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان صاحب حديث يحفظ على صلف فيه، وقال الخطيب: كان متقنًا عالمًا حافظًا فهمًا، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة من الحفاظ، ومن أئمة المسلمين صاحب سنة، وقال الحاكم: كان أحد أئمة أهل الحديث، روى أنه طرق باب رجل من المحدثين فقال: من؟ قال: ابن وارة، أبو الحديث وأمه، وقال زكرياء الساجي: جاء ابن وارة إلى أبي كريب، وكان في ابن وارة باء فقال لأبي كريب: ألم يبلغك خبري، ألم يأتك نبأي؟ أنا ذو الرحلتين، أنا محمد بن مسلم بن وارة، فقال له أبو كريب: وارة، وما وارة، وما أدراك ما وارة؟ قم فوالله لا حدثتك، وقال سليمان الشاذكوني: جاءني ابن وارة فقعد يتقعر في كلامه، فقلت: من روى؟ "إن من الشعر حكمة، وأن من البيان لسحرًا؟ " قال: حدثني بعض أصحابي، فقلت: من هم؟ قال: أبو نعيم، وقبيصة، قلت: هات يا غلام الدرة فضربته، وقلت: ما آمن إذا خرجت من عندي أن تقول حدَّثنا بعض علمائنا. روى عن محمد بن المبارك الصوري، وهوذة بن خليفة، والهيثم بن جميل، وروى عنه النسائي والذهلي وهو أكبر منه، والبخاري في غير الجامع، وقيل: فيه في هذا المحل، وغيرهم، مات سنة خمس وستين ومائتين وقيل سنة سبعين. الثاني: أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الحافظ الكبير، أحد الأئمة، قال أبو بكر الخلال: أبو حاتم إمام الحديث، روى عن أحمد مسائل كثيرة وقعت لنا متفرقة، كلها غريب، وقال ابن خراش: كان من أهل الأمانة والمعرفة، وقال النسائي: ثقة، وقال أبو نعيم: إمام في الحفظ، وقال اللالكائي: كان إماما عالمًا بالحديث، حافظًا له، متقنًا ثبتًا، وقال ابن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاق القاضي يقول: ما رأيت مثل والدك قلت له: أرأيت أبا زرعة؟ قال: لا، وقال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما، وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، مشهورًا بالعلم، مذكورًا بالفضل، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: خرجت في طلب الحديث، أقمت سنين أحسب، ومشيت على

стр. 6567

قدمي زيادة على ألف فرسخ، وأقمت بالبصرة ثمانية أشهر، قد كنت عزمت على أن أقيم سنة، فانقطعت نفقتي فجعلت أبيع ثيابي شيئًا فشيئًا، حتى بقيت بلا شيء، وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب عليّ حديثًا صحيحًا مسندًا لم أسمع به فله عليّ درهم يتصدق به، وهناك خلق من الخلق؛ أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن أستخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب عليّ حديثًا، وقال أحمد بن سلمة النيسابوري: ما رأيت بعد إسحاق، ومحمد بن يحيى أحفظ للحديث، ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم، وقال عثمان بن جُرَّزاذ أحفظ من رأيت أربعة: إبراهيم بن عرعرة، ومحمد بن المنهال الضرير، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقال حجاج بن الشاعر -وذكر له: أبو زرعة وأبو حاتم وابن وارة وأبو جعفر الدارمي-: ما بالمشرق قوم أنبل منهم، وقال مسلمة في "الصلة": كان ثقة وكان شيعيا مفرطًا، وحديثه مستقيم، ولم ينسبه أحد للتشيع غير هذا الرجل، نعم ذكر السليماني ابنه عبد الرحمن من الشيعة الذين كانوا يقدمون عليَّاً على عثمان، كالأعمش وعبد الرزاق، فلعله تلقف ذلك عن أبيه، ومن حفظه ما رواه ابنه عنه أنه قال: قدم محمد بن يحيى النيسابوري الريّ، فألقيت عليه ثلاثة عشر حديثًا من حديث الزهري، فلم يعرف منها إلاَّ ثلاثة، وهذا يدل على حفظ عظيم، فإن الذهلي شهد له مشايخه وأهل عصره بالتبحر في معرفة حديث الزهري، ومع ذلك أغرب عليه أبو حاتم، وقد ترجمه ولده ترجمة مليحة، فيها أشياء تدل على عظم قدره، وجلالته، وسعة حفظه، روى عن محمد بن عبد الله الأنصاري، وعثمان بن الهيثم، وعفان بن مسلم، وغيرهم، وروى عنه أبو داود والنسائي، وابن ماجه في التفسير، وروى البخاري عنه هنا على ما قيل: إنه هو المعني، ولد سنة خمس وتسعين ومائة، ومات بالريّ في شعبان سنة سبع أو تسع وسبعين ومائتين. الثالث: محمد بن إسحاق بن جعفر أبو بكر الصاغاني خراساني الأصل، أنزل بغداد، وكان أحد الحفاظ الرحالين، قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي وهو ثبت، صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به، وقال ابن خراش: ثقة مأمون، وقال الدارقطني: ثقة، وفوق الثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الخطيب: كان أحد الأثبات المتقنين مع صلابة في الدين، واشتهار بالسنة، واتساع في الرواية، وقال أبو مزاحم الخاقاني: كان الصاغاني يشبه يحيى بن معين في وقته، وقال مسلمة في "الصلة": كان ثقة مأمونًا، وقال أبو حاتم الرازي: ثقة، وقال الدارقطني أيضًا: هو وجه مشايخ بغداد وفي "الزهرة": روى عنه مسلم اثنين وثلاثين حديثًا، وروى عن روح بن عبادة، وعفان وقراد أبي نوح وغيرهم، وروى عنه الجماعة سوى البخاري، وقيل: إنه روى عنه هنا، وروى عنه أبو عمر الدوري، وهو أكبر منه وغيرهم، مات يوم الخميس لسبع خلون من صفر سنة سبعين ومائتين. ثم قال المصنف:

стр. 6568

باب الإحصار في الحج قال ابن المنير: أشار البخاري إلى أن الإحصار في عهد النبي ﷺ إنما وقع في العمرة، وقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق بنفي الفارق، وهو من أقوى الأقيسة، وهذا مبني على أن المراد بقول ابن عمر: سنة نبيكم، قياس من يحصل له الإحصار وهو حاج، على من يحصل له في الاعتمار؛ لأن الذي وقع للنبي ﷺ هو الإحصار عن العمرة، ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد بقوله: سنة نبيكم وبما بينه بعد ذلك شيئًا سمعه من النبي ﷺ في حق من يحصل له ذلك، وهو حاج. الحديث الخامس حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلاً، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. قوله: أليس حسبكم سنة رسول الله ﷺ بنصب سنة خبر ليس واسمها حسبكم، وقال عياض: بالنصب على الاختصاص، أو على إضمار فعل أي: تمسكوا ونحوه، وقال السهيلي: من نصب سنة فالكلام أمر بعد أمر كأنه قال: الزموا سنة نبيكم، كما قال: يا أيها المائح دلوي دونك فدلوي منصوب بإضمار فعل أمر ودونك أمر آخر. وقوله: "إن حبس أحدكم عن الحج" أي: بأن منع عن الوقوف بعرفة، وقوله: "طاف بالبيت وبالصفا والمروة" جواب الشرط أي: إذا أمكنه ذلك، تفسير للسنة، وهل لها حينئذ محل أو لا قولان، وفي حديث: إن حبس أحدًا منكم حابس عن البيت، فإذا وصل إليه طاف به. وقوله: "فيهدي بذبح شاة" إذ التحلل لا يحصل إلاَّ بنية التحلل والذبح والحلق. وقوله: "أو يصوم إن لم يجد هديًا" حيث شاء، ويتوقف تحلله على الإطعام كتوقفه على الذبح، لا على الصوم لأنه يطول زمنه، فتعظم المشقة في الصبر على الإحرام إلى فراغه.

стр. 6569

رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ أحمد بن محمد في الثالث والمائة من الوضوء، ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة بعد الرابع منه، ومرَّ الزهري في الثالث منه، ومرَّ سالم في السابع عشر من الإيمان، ومرَّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، أخرجه النسائي. ثم أتى برواية للحديث فقال: وعن عبد الله قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: حدثني سالم عن ابن عمر نحوه، وهذا معطوف على الإسناد الأول، فكان ابن المبارك كان يحدث به تارة عن يونس، وتارة عن معمر، وليس هو بمعلق كما ادعاه بعضهم، وقد أخرجه الترمذي عن ابن المبارك عن معمر ولفظه أنه كان ينكر الاشتراط ويقول: أليس حسبكم سنة نبيكم، وهكذا أخرجه الإسماعيلي والدارقطني وأحمد بن منيع كلّهم عن ابن المبارك، وأما إنكار ابن عمر الاشتراط فثابت أيضًا في رواية يونس، إلاَّ أنه حذف في رواية البخاري هذه، فأخرجه البيهقي عن أبي كريب عن ابن المبارك، عن يونس وأشار ابن عمر بإنكار الاشتراط إِلى ما كان يفتي به ابن عباس، قال البيهقي: لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة في الاشتراط لقال به، وأخرجه الشافعي عن ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه أن النبي ﷺ مرَّ بضباعة بنت الزبير فقال: أما تريدين الحج، فقالت: إني شاكية، فقال لها حجي واشترطي أن مَحِلِّي حيث حبستني، قال الشافعي: لو ثبت حديث عروة لم أعده إِلى غيره؛ لأنه لا يحل عندي خلاف ما ثبت عن النبي ﷺ قال البيهقي: قد ثبت هذا الحديث من أوجه عن النبي ﷺ ، وقد أخرجه البخاري عن أبي أسامة في كتاب النكاح، ولقصة ضباعة شواهد منها: حديث ابن عباس أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله ﷺ فقالت: إِني امرأة ثقيلة -أي: في الضعف- وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ قال: "أهلي بالحج واشترطي أن مَحِلِّي حيث تحبسني" قال: فأدركت، أخرجه مسلم وأصحاب السنن والبيهقي بطريق عن ابن عباس وصح القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعلي وعمار وابن مسعود وعائشة وغيرهم من الصحابة، ولم يصح إنكاره عن أحد من الصحابة، إلاَّ عن ابن عمر ووافقه جماعة من التابعين، ومن بعدهم من الحنفية والمالكية، وقالوا: إِن اشترط فليس له أن يخرج من إحرامه، فيرونه كمن لم يشترط، وتأولوا حديث ضباعة بأنه خاص، حكاه الخطابي ثم الروياني من الشافعية، وقال النووي: إنه باطل، وقيل معناه: مَحِلِّي حيث حبسني الموت إذا أدركتني الوفاة، انقطع إِحرامي، حكاه إمام الحرمين، وأنكره النووي أيضًا، وقيل: إن الشرط خاص بالتحلل من العمرة، لا من الحج حكاه المحب الطبري، وقصة ضياعه ترده كما مرَّ، وقيل: إنها قضية عين لا عموم فيها،

стр. 6570

وحكى عياض عن الأصيلي قال: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، وقد قال عياض: قال النسائي: لا أعلم أسنده عن الزهري غير معمر، وتعقبه النووي بأن الذي قاله غلط فاحش، لأن الحديث مشهور صحيح من طرق متعددة، وقول النسائي لا يلزم منه تضعيف طريق الزهري التي تفرد بها، فضلًا عن بقية الطرق لأن معمرًا ثقة حافظ فلا يضره التفرد، كيف وقد وجد لما رواه شواهد كثيرة. والذي تحصل من الاشتراط في الحج والعمرة أقول: أحدها: مشروعيته، ثم اختلف من قال به، فقيل: واجب لظاهر الأمر، وهو قول الظاهرية، وقيل مستحب وهو قول أحمد، وغلط من حكى عنه إنكاره، وقد مرَّ ما قاله فيه مالك وأبو حنيفة، وقيل: جائز، وهو المشهور عند الشافعية، وقطع به الشيخ أبو حامد، والحق أن الشافعي نص عليه في القديم، وعلق القول بصحته في الجديد فصار الصحيح عنه القول به، وبذلك جزم الترمذي عنه، وهو أحد المواضع التي علق القول بها على صحة الحديث، وقيس عند الشافعية بالحج العمرة، وتحرير مذهبهم هو أنه إذا شرط التحلل بلا هدي لم يلزمه هدي عملًا بشرطه، وكذا لو أطلق لعدم الشرط، ولظاهر حديث ضباعة فالتحلل فيهما يكون بالنية فقط، فإن شرطه بهدي لزمه عملًا بثرطه، ولو قال: إن مرضت فأنا حلال، فمرض صار حلالًا بالمرض من غير نية، وعليه حملوا حديث: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل" وقد مرَّ الحديث في الباب الذي قبله، وإن شرط قلب الحج عمرة بالمرض أو نحوه جاز، كما لو اشترط التحلل به، بل أولى، ولقول عمر لأبي أمية سويد بن غفلة: حج واشترط وقيل: اللهم الحج أردت، وله عمدت فإن تيسر وإلاَّ فعمرة، رواه البيهقي بإسناد حسن، ولقول عائشة لعروة: هل تستثني إذا حججت؟ فقال: ماذا أقول؟ قالت: قل: اللهم الحج أردت، وله عمدت فإن يسرته فهو الحج، وإن حبسني حابس فهو عمرة، رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح على شرط الشيخين، فله في ذلك إذا وجد العذر أن يقلب حجة عمرة، وتجزئه عن عمرة الإِسلام، ولو شرط أن يقلب حجه عمرة عند العذر انقلب حجه عمرة، وأجزأته عن عمرة الإِسلام، كما صرح به البلقيني بخلاف عمرة التحلل في الإحصار لا تجزيء عن عمرة الإِسلام لأنها في الحقيقة ليست عمرة، وإنما هي أعمال عمرة. رجاله أربعة: مرَّ محلهم في الذي قبله إلاَّ معمر، وقد مرَّ في متابعة بعد الرابع من بدىء الوحي. ثم قال المصنف:

стр. 6571

باب النحر قبل الحلق في الحصر الحديث السادس حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. هذا طرف من حديث طويل أخرجه المصنف في باب الشروط في الجهاد في كتاب الشروط من الوجه المذكور هنا، ولفظه في أواخر الحديث: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا" فذكر بقية الحديث، وفيه قول أم سلمة للنبي ﷺ أخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر بدنك، فخرج فنحر بدنه، ودعا، وعرف بهذا أن المصنف أورد القدر المذكور هنا بالمعنى. وأشار بقوله في الترجمة "في الحصر" إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من أحصر، وقد تقدم أنه لا يجب عليه في حال الاختيار في باب الفتيا على الدابة عند الجمرة، ولم يتعرض المصنف لما يجب على من حلق قبل أن ينحر، وروى ابن أبي شيبة عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: عليه دم، قال إبراهيم: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله، فإن قلت: قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ يقتضي تأخر الحلق عن النحر فكيف يكون متقدمًا أجيب بأن ذلك في غير الإحصار أما نحر هدي المحصر فحيث أحصر، وهناك قد بلغ محله فقد ثبت أنه ﵊ تحلل بالحديبية، ونحر بها بعد الحلق، وهي من الحل لا من الحرم، وفي الحديث: "إن المحصر إذا أراد التحلل يلزمه دم يذبحه"، وقال المالكية: لا هدي عليه إذا تحلل، وهو مذهب ابن القاسم، وأجاب عن قوله تعالى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ بأن أحصر الرباعي في الحصر بالمرض، وحصر الثلاثي في الحصر بالعدو، قال القاضي: ونقل بعض أئمة اللغة يساعدهم، والحديث حجة عليهم لأنه نقل فيه حكم وسبب، فالسبب الحصر، والحكم النحر، فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب، قاله ابن التيمي، وقد سبق البحث في أحصر وحصر. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ محمود بن غيلان في السابع والأربعين من مواقيت الصلاة، ومرَّ عبد الرزاق في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرَّ معمر في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ

стр. 6572

الزهري في الثالث منه، ومرَّ عروة في الثاني منه، ومرَّ المسور في الرابع والخمسين من الوضوء. الحديث السابع حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيِّ، قَالَ: وَحَدَّثَ نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَسَالِمًا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُعْتَمِرِينَ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بُدْنَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ. هذا رواية من الحديث الماضي قبل بابين وفيه: فنحر بدنه وحلق رأسه، وقد أورده البيهقي عن أبي بدر الذي أخرجه البخاري عنه، ولفظه: أن عبد الله بن عبد الله، وسالم بن عبد الله كلما عبد الله بن عمر ليالي نزل الحجاج بابن الزبير وقالا: لا يضرك أن لا تحج العام، إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت، فقال: خرجنا، فذكر مثل سياق البخاري وزاد في آخره: ثم رجع، وساقه الإسماعيلي عن أبي بدر فقال: عن ابن عمر أنه قال: إن حيل بيني وبين البيت فعلت كما فعل رسول الله ﷺ ، وأنا معه فأهل بالعمرة. الحديث. رجاله سبعة: قد مرّوا، إلاَّ أبا بدر: مرَّ محمد بن عبد الرحيم في السادس من الوضوء ومرَّ عمر بن محمد العمري في الحادي والعشرين من التقصير، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، ومرَّ أبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عبد الله بن عمر في السادس والتسعين من صفة الصلاة. والباقي: أبو بدر شجاع بن الوليد بن قيس السكوني الكوفي قال سفيان: ليس بالكوفة. أعبد منه، وقال أبو نعيم: لقيت سفيان بمكة، فكان أول شيء سألني عنه أن قال: كيف شجاع؟ قال ابن سعد: كان ورعًا كثير الصلاة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم: روى حديث قابوس في العرب، وهو منكر وشجاع لين الحديث إلا أنه عن محمد بن عمرو بن علقمة، روى أحاديث صحاحًا، ونقل ابن خلفون عن ابن نمير توثيقه، وقال العجلي: كوفي لا بأس به، وقال أبو حاتم: عبد الله بن بكر السهمي أحب إلى منه، وهو شيخ ليس بالمتين لا يحتج بحديثه، وسئل عنه وكيع فقال: كان جارنا هاهنا ما عرفناه بعطاء بن السائب ولا المغيرة، وقال أحمد بن حنبل: كنت يومًا مع يحيى بن معين فلقي أبا بدر فقال: اتق الله يا شيخ، وانظر هذه الأحاديث لا يكون ابنك يعطيك، قال أحمد: فاستحييت وتنحيت ناحية، قال المروزي: فقلت لأحمد: ثقة هو؟ فقال: أرجو أن يكون صدوقًا، قال أحمد:

стр. 6573

كان أبو بدر شيخًا صالحًا صدوقًا، كتبنا عنه قديمًا، ولقيه ابن معين يومًا فقال: يا كذاب، فقال له الشيخ: إن كنت كذابًا وإلاَّ فهتكك الله، قال أحمد: أظن دعوة الشيخ أدركته، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، قال في المقدمة: فكأنه مازحه وما احتمل المزاح، وسئل أبو زرعة عنه فقال: لا بأس به، وكان موصوفًا بالعبادة، وليس له عند البخاري سوى حديث واحد في المحصر، وهو هذا وقد توبع شيخه فيه، وهو عمر بن زيد العمري، عن نافع، عن ابن عمر وروى له الباقون، روى عن الأعمش، وموسى بن عقبة وعمر بن محمد العمري وغيرهم، وروى عنه بقية بن الوليد، ومات قبله وأحمد ويحيى بن معين وغيرهم، مات في رمضان سنة ثلاث أو أربع أو خمس ومائتين. قال المصنف:

стр. 6574

باب من قال ليس على المحصر بدل بفتح الموحدة والمهملة أي: قضاء لما أحصر فيه من حج أو عمرة، وهذا هو قول الجمهور، ثم قال: وقال روح، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله. هذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه في تفسيره عن روح بهذا الإِسناد، وهو موقوف على ابن عباس، ومراده بالتلذذ بمعجمتين: الجماع. وقوله: حبسه عذر كذا للأكثر بضم المهملة، وسكون المعجمة بعدها راء، ولأبي ذر: حبسه عدو بفتح أوله وفي آخره واو. وقوله: "وغير ذلك" أي من مرض أو نفاد نفقة، وقد أخرج ابن جرير نحو هذا بإسناد آخر، عن ابن عباس وفيه: فإن كانت حجة الإِسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه. وقوله: "وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله" هذه مسألة اختلاف بين الصحابة، ومن بعدهم فقال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو في الحرم، وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلاَّ في الحرم، وفصل آخرون كما قاله ابن عباس هنا، وهو المعتمد وسبب اختلافهم في ذلك هل نحو النبي ﷺ الهدي بالحديبية بالحل أو في الحرم وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلاَّ في الحرم، ووافقه ابن إسحاق وقال غيره من أهل المغازي: إنما نحو في الحل، وروى يعقوب بن سفيان عن مجمع بن يعقوب، عن أبيه قال: لما حبس رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا بالحديبية، وحلقوا وبعث الله ريحًا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم وقال ابن عبد البر: هذا يدل على أنهم حلقوا في الحل، ولا يخفى ما فيه، فإنه لا يلزم من كونهم ما حلقوا في الحرم لمنعهم من دخوله أن لا يكونوا أرسلوا الهدي مع من نحره في الحرم، وقد ورد ذلك عن ناجية بن جندب الأسلمي قلت

стр. 6575

يا رسول الله أبعث معي بالهدي حتى أنحره في الحرم، ففعل أخرجه النسائي عن مجزاة بن زاهر، عن ناجية، وأخرجه الطحاوي عن ناجية، عن أبيه لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحو في مكانه، وكانوا في الحل، وذلك قال على الجواز. رجاله خمسة: مرَّ منهم روح بن عبادة في الأربعين من الإيمان، ومرَّ ابن أبي نجيح في الرابع عشر من العلم، ومرَّ مجاهد في أول الإيمان قبل الحديث الأول منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. والباقي: شبل بن عباد المكي القارىء، قال أحمد وابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدارقطني: ثقة، وقال أبو حاتم: هو أحب إليَّ من ورقاء في ابن أبي نجيح، وقال أبو داود: ثقة إلاَّ أنه يرى القدر، قال في المقدمة: له في البخاري حديثان عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمتابعة ورقاء بن عمرو، روى له أبو داود والنسائي، روى عن أبي الطفيل وعبد الله بن كثير القارىء، وابن أبي نجيح وغيرهم، وعنه ابنه داود وسعد بن إبراهيم، ومات قبله، وابن عيينة مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وهذا الحديث أتى به البخاري تعليقًا، وقد وصله إسحاق بن راهويه في تفسيره. ثم قال: وقال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان، ولا قضاء عليه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه بالحديبية نحروا، وحلقوا، وحلوا من كل شيء قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي ﷺ أمر أحدًا أن يقضوا شيئًا، ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم. هذا مذكور في الموطأ ولفظه: أنه بلغه أن رسول الله ﷺ حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل الهدي، ثم لم نعلم أن رسول الله ﷺ أمر أحدًا من أصحابه، ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئًا، ولا أن يعودوا لشيء، وسئل مالك عمن أحصر بعدو فقال: يحل من كل شيء، وينحر هديه ويحلق رأسه حيث حبس، وليس عليه قضاء، وأما قول البخاري وغيره، فالذي يظهر أنه عني به الشافعي لأن قوله في آخره: "والحديبية خارج من الحرم" هو من كلام الشافعي في الأم، وعنه أن بعضها في الحل وبعضها في الحرم، لكن إنما نحر رسول الله ﷺ في الحل استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفُ اأَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ قال: ومحل الهدي عند أهل العلم الحرم وقد أخبر الله تعالى أنهم صدوهم عن

стр. 6576

ذلك، قال: فحيث ما أحصر ذبح، وحل ولا قضاء من قبل، أن الله تعالى لم يذكر قضاء، والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت؛ لأنا علمنا من متواطىء أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضية، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلفوا عنه، وقال في موضع آخر: إنما سميت عمرة القضاء، والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي ﷺ وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة، وقد روى الواقدي عن الزهري وأبي معشر وغيرهما: قالوا: أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يعتمروا، فلم يتخلف منهم إلاَّ من قتل بخيبر أو مات، وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهد الحديبية، وكانت عدتهم ألفين، ويمكن الجمع بين هذا -إن صح- وبين الذي قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر، وقد روى الواقدي أيضًا عن ابن عمر قال: لم تكن هذه العمرة قضاء، ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر المسلمون من قبائل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه، وقد روى الطحاوي عن المسور أن رسول الله ﷺ كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم، ولا يجوز في قول أحد من العلماء لمن قدر على دخول شيء من الحرم أن ينحر هديه دون الحرم، وقد مرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي. الحديث الثامن حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلاَّ وَاحِدٌ. فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلاَّ وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدَى. وقوله: "ثم طاف لهما" أي: للحج والعمرة، وهذا يخالف قول الكوفيين أنه يجب لهما طوافان. وقوله: "ورأى" أي أن ذلك مجزىء عنه، كذا لأبي ذر وغيره بالرفع على أنه خبر أن، وفي رواية كريمة: مجزيًا، فقيل: هو على لغة من ينصب بأن المبتدأ والخبر، أو هي خبر كان المحذوفة، قال في الفتح: والذي عندي أنه من خطأ الكاتب فإن أصحاب الموطأ اتفقوا على روايته بالرفع على الصواب، تعقبه العيني بأنه إنما يكون خطأ لو لم يكن له وجه في العربية، واتفاق أصحاب الموطأ على الرفع لا يستلزم كون النصب خطأ، على أن دعوى اتفاقهم على الرفع لا دليل عليه.

стр. 6577

قلت: وجود وجه في العربية مع مخالفته للرواية لا يمنع الخطأ؛ لأن الرواية هي المعتبرة في الحديث، واتفاق الرواة على الرفع لا يحتاج إلى دليل، فيكفي منه قول العالم المطلع على الروايات: إنها بالرفع جميعًا. والإجزاء: هو الأداء الكافي لسقوط التعبد، ووجه دخول حديث ابن عمر في هذا الباب شهرة قصة صد المشركين للنبي ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بالحديبية، وأنهم لم يؤمروا بالقضاء، وهذا الحديث مرَّ في باب إذا أحصر المعتمر قريبا. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرَّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أَول الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال المصنف:

стр. 6578

باب قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وهو مخير، فأما الصوم فثلاثة أيام. أي: باب تفسير قوله تعالى كذا. وقوله: "مخير" من كلام المصنف استفاده من أو المكررة وقد أشار إلى ذلك في أول باب كفارات الأيمان، فقال: وقد خير النبي ﷺ كعبًا في الفدية، ويذكر عن ابن عباس وعطاء وعكرمة: ما كان في القرآن أو فصاحبه بالخيار، وأقرب طرق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه أبو داود عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة أن النبي ﷺ قال له: إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم" الحديث، وفي رواية مالك في الموطأ بإسناده في آخر الحديث: "أيُّ ذلك فعلت أجزأك" وسيأتي البحث في ذلك. وقوله: "فأما الصوم" في رواية الكشميهني: "الصيام" والصيام المطلق في الآية مقيد بما ثبت في الحديث بالثلاث قال ابن التين وغيره: جعل الشارع هنا صوم يوم معادلا بصاع، وفي الفطر من رمضان عدل مد، وكذا في الظهار والجماع في رمضان، وفي كفارة اليمين بثلاثة أمداد وثلث، وفي ذلك أقوى دليل على أن القياس لا يدخل في الحدود والتقديرات وقسيم قوله: فأما الصوم محذوف تقديره: وأما الصدقة فهي إطعام ستة مساكين، وقد أفرد ذلك بترجمة. الحديث التاسع حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ". في رواية أشهب، عن مالك أن حميد بن قيس حدثه، أخرجها الدارقطني في الموطآت. وقوله: "عن عبد الرحمن صرح سيف، عن مجاهد بسماعه من عبد الرحمن وبأن كعبًا حدث عبد الرحمن كما في الباب الذي يليه، قال ابن عبد البر في رواية حميد بن قيس هذه: كذا رواه الأكثر عن مالك، ورواه ابن وهب وابن القاسم وابن عفير عن مالك بإسقاط

стр. 6579

عبد الرحمن بين مجاهد، وكعب بن عجرة، ولمالك فيه إسنادان آخران في الموطأ أحدهما: عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، وفي سياقه ما ليس في سياق حميد بن قيس، قال الدارقطني: رواه أصحاب الموطأ عن مالك، عن عبد الكريم، عن عبد الرحمن لم يذكروا مجاهدًا، حتى قال الشافعي: إن مالكا قد وهم، وأجاب ابن عبد البر: بأن ابن القاسم وابن وهب في الموطأ، وتابعهما جماعة عن مالك خارج الموطأ؛ كعبد الرحمن بن مهدي والوليد بن مسلم وإبراهيم بن طهمان، أثبتوا مجاهدًا بينهما، وهذا الجواب لا يرد على الشافعي، وطريق ابن القاسم عند النسائي، وطريق ابن وهب عند الطبري، وطريق ابن مهدي عند أحمد، وسائرها عند الدارقطني في الإسناد الثالث فيه لمالك، عن عطاء الخراساني عن رجل من أهل الكوفة، عن كعب بن عجرة، قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون الرجل عبد الرحمن بن أبي ليلى أو عبد الله بن معقل، ونقل ابن عبد البر عن أحمد بن صالح المصري قال: حديث كعب بن عجرة في الفدية ستة معمول بها، لم يروها أحد من الصحابة غيره، ولا رواها عنه إلاَّ ابن أبي ليلى، وابن معقل قال: وهي سنة أخذها أهل المدينة عن أهل الكوفة، قال الزهري: سألت عنها علماءنا كلهم حتى سعيد بن المسيب فلم يبينوا كم عدد المساكين، وفيما قاله ابن صالح نظر، فقد جاءت هذه السنة من رواية جماعة من الصحابة غير كعب، منهم: عبد الله بن عمرو بن العاص عند الطبري، والطبراني، وأبو هريرة عند سعيد بن منصور، وابن عمر عند الطبري وفضالة الأنصاري عمن لا يتهم من قومه عند الطبري أيضًا. ورواه عن كعب بن عجرة غير المذكورين: أبو وائل عند النسائي، ومحمد بن كعب القرظي عند ابن ماجه، ويحيى بن جعدة عند أحمد، وعطاء عند الطبري، وقد جاء عن أبي قلابة، والشعبي أيضًا عن كعب، وروايتهما عند أحمد لكن الصواب أن بينهما واسطة، وهو ابن أبي ليلى على الصحيح، وقد أورد البخاري حديث كعب هذا في أربعة أبواب متوالية، وأورده أيضًا في المغازي، والطب، وكفارات الأيمان، من طرق أخرى؛ مدار الجميع على ابن أبي ليلى وابن معقل، فيفيد إطلاق أحمد بن صالح بالصحة فإن بقية الطرق التي ذكرتها لا تخلوا من مقال، إلا طريق أبي وائل، وسأذكر ما في هذه الطرق من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى. وقوله: "إنه قال: "لعلك" في رواية أشهب المقدم ذكرها أن رسول الله ﷺ قال له، وفي رواية عبد الكريم أنه كان مع رسول الله ﷺ -وهو محرم فأذاه القمل، وفي رواية سيف في الباب الذي يليه وقف عليّ رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسي يتهافت قملًا فقال: "أيؤذيك هوامك"؟ قلت: نعم، قال: "فاحلق رأسك" الحديث وفيه: قال فيَّ نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ زاد في رواية أبي الزبير عن مجاهد عند الطبراني أنه أهل في ذي القعدة، وفي رواية مغيرة، عن مجاهد عند الطبراني: أنه لقيه وهو عند الشجرة وهو

стр. 6580

محرم، وفي رواية أيوب عن مجاهد في المغازي: أتى عليّ النبي ﷺ وأنا أوقد تحت برمة، والقمل يتناثر على رأسي، زاد في رواية ابن عون، عن مجاهد في الكفارات: فقال: "ادن" فدنوت فقال: "أيؤذيك"؟ وفي رواية ابن بشر عن مجاهد فيه: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تتساقط على وجهي فقال: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم، فأنزلت هذه الآية، وفي رواية أبي وائل عن كعب: أحرمت فكثر قمل رأسي فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاني وأنا أطبخ قدرًا لأصحابي، وفي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، بعد بابين: رآه وإنه ليسقط القمل على وجهه فقال: "أيؤذيك هوامك" قال: نعم، فأمره أن يحلق وهم بالحديبية، ولم يبين لهم أنهم يحلون وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية، ولأحمد وسعيد بن منصور في رواية أبي قلابة قلت، حتى ظننت أن كل شعرة من رأسي فيها القمل من أصلها إلى فرعها، زاد سعيد: وكنت حسن الشعر، وأول رواية عبد الله بن معقل بعد باب جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية؟ فقال: نزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة حملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى"، زاد مسلم من هذا الوجه فسألته عن هذه الآية ففدية من صيام الآية، ولأحمد من وجه آخر، وقع القمل في رأسي، ولحيتي حتى حاجبي، وشاربي فبلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسل إلىّ فدعاني فلما رآني قال: "لقد أصابك بلاء ونحن لا نشعر أدع عليّ الحجام فحلقني"، ولأبي داود عن الحكم بن عتيبة عن ابن أبي ليلى عن كعب أصابتني هوام حتى تخوفت على بصري، وفي رواية أبي وائل عن كعب عند الطبري فحك رأسي بأصبعه فانتثر منه القمل، زاد الطبري عن الحكم "أن هذا لأذى" قلت: شديد يا رسول الله، والجمع بين هذا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى عن كعب: أن النبي ﷺ مرَّ به فرآه وفي قول عبد الله بن معقل: أن النبي ﷺ أرسل إليه فرآه أن يقال مرَّ به أولًا فرآه على تلك الصورة فاستدعي به إليه فخاطبه وحلق رأسه بحضرته فنقل كل واحد منهما ما لم ينقله الآخر، ويوضحه، قوله: في رواية ابن عون السابقة حيث قال: فيها فقال: "ادن فدنوت" فالظاهر أن هذا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه إذ مرَّ به وهو يوقد تحت القدر. وقوله: "لعلك آذاك هوامك؟ قال القرطبي: هذا سؤال عن تحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم فلما أخبره بالمشقة التي نالته خفف عنه، والهوام بتشديد الميم، جمع هامة: وهي ما يدب من الأخشاش، والمراد بها: ما يلازم جسد الإنسان غالبًا إذا طال عهده بالتنظيف، وقد عين في كثير من الروايات أنها القمل، واستدل به على أن الفدية مرتبة على قتل القمل، وتعقب بذكر الحلق فالظاهر أن الفدية مرتبة عليه، وهما وجهان عند الشافعية يظهر أثر الخلاف فيما لو حلق ولم يقتل قملًا، قلت: عند المالكية الفدية مترتبة على الحلق، وعلى قتل القمل.

стр. 6581

وقوله: "احلق رأسك وصم" قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في إلحاق الإزالة بالحلق سواء كان بموسى أو مقص، أو نورة أو غير ذلك، وأغرب ابن حزم فأخرج النتف عن ذلك، فقال: يلحق جميع الإزالات بالحلق إلاَّ النتف. وقوله: "أو أطعم" ليس في هذه الرواية بيان قدر الإطعام وسيأتي البحث فيه بعد باب وهو ظاهر في التخيير بين الصوم، والإطعام، وكذا. قوله: أو انسك بشاة، وفي رواية الكشميهني شاة بغير موحدة والأول تقديره: تقرب بشاة ولذلك عداه بالباء والثاني تقديره اذبح شاة، والنسك يطلق على العبادة وعلى الذبح المخصوص، وسياق رواية الباب موافق للآية وقد تقدم إن كعبًا قال: "إنها نزلت بهذا السبب، وقد قدمت في أول الباب أن رواية عبد الكريم صريحة في التخيير حيث قال: أي ذلك فعلت أجزا، وكذا رواية أبي داود التي فيها: "أن شئت وإن شئت" ووافقتها رواية ابن أبي نجيح أخرجها مسدد في مسنده، ومن طريقه الطبراني لكن رواية عبد الله بن معقل الآتية بعد باب تقتضي أن التخيير إنما هو بين الصيام والإطعام لمن لم يجد النسك، ولفظه قال: أتجد شاة؟ قال: لا، قال: فصم أو أطعم، ولأبي داود وفي رواية أخرى "أمعك دم؟ قال: فإن شئت فصم" ونحوه للطبراني عن عطاء، عن كعب ووافقهم أبو الزبير عن مجاهد عند الطبراني وزاد بعد. قوله: "ما أجد هديًا" قال: فأطعم قال: ما أجد، قال: صم، ولهذا قال أبو عوانة: في "صحيحه": فيه دليل على أن من وجد نسكا لا يصوم يعني ولا يطعم، لكن لا يعرف من قال بذلك من العلماء إلا ما رواه الطبري وغيره عن سعيد بن جبير قال: النسك شاة، فإن لم يجد قومت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا فتصدق به أو صام، لكل نصف صاع يومًا. أخرجه عن الأعمش عنه قال: فذكرته لإِبراهيم فقال: سمعت علقمة مثله. فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه منها ما قال: ابن عبد البر أن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه، ومنها ما قال النووي: ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزىء إلَّا لعادم الهدي بل المراد أنه استخبره هل معه هدي أو لا فإن كان واحده أعلمه أنه غير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه غير بينهما ومحصله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام، والصيام. ومنها ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبي ﷺ لما أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى أفتاه بأن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه ﷺ أو بوحي غير متلو فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح، والصيام، والإطعام فخيره حينئذ بين الصيام والإطعام لعلمه بأنه لا ذبح معه فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه، ويوضح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل حيث قال: أتجد شاة؟ قلت: لا، فنزلت هذه الآية ففدية ﴿مِنْ صِيَامٍ

стр. 6582

أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فقال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم"، وفي رواية عطاء الخراساني قال: "صم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين" قال: وكان قد علم أنه ليس عندي ما أنسك به، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظي عن كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره بل السر فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاها بذلك، كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإطعام، وعرف من رواية أبي الزبير أن كعبًا افتدى بالصيام، وفي رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح لأن لفظه صم أو أطعم أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي ونسكت. وروى الطبراني من طريق ضعيفة عن عطاء عن كعب في آخر هذا الحديث فقلت: يا رسول الله خر لي قال: "أطعم ستة مساكين". رجاله ستة: مرَّ منهم عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ مجاهد في أثر أول الإيمان، ومرَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والستين من صفة الصلاة، والباقي اثنان الأول حميد بن قيس الأعرج المكي أبو صفوان القارىء الأسدي مولاهم، وقيل مولى عفراء، قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان قارىء أهل مكة وقال أحمد: هو ثقة أخو سندل، وقال مرة: ليس بالقوي في الحديث وقال ابن معين: ثبت، روى عنه مالك وأخوه سندل ليس بثقة، وقال مرة حميد الأعرج ثقة، وحميد الذي روى عنه خلف بن خليفة، ليس بشيء، وقال أبو زرعة: حميد الأعرج ثقة، وقال أبو حاتم: مكي ليس به بأس، وابن أبي نجيح أحب إليَّ منه، وقال أبو زرعة الدمشقي: حميد بن قيس من الثقات، وقال أبو داود: ثقة، وقال أبو خراش: ثقة صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال العجلي: مكي ثقة، وقال البخاري وابن سفيان: ثقة، وقال ابن عدي: لا بأس بحديثه، وإنما يؤتى مما يقع في حديثه من المناكر من جهة من يروى عنه. روى عن مجاهد وسليمان بن عتيق، والزهري وغيرهم، وروى عنه مالك، ومعمر والسفيانان، وجعفر الصادق وغيرهم، مات سنة ثلاثين ومائة في خلافة السفاح. الثاني كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن خالد بن عمرو بن عوف، بن غنم بن سواد بن مرى بن أراشة البلوي، حليف الأنصار، وزعم الواقدي أنه أنصاري من أنفسهم، ورده كاتبه محمد بن سعد يكنى أبا محمد وقيل كنيته: أبو إسحاق بأبنه إسحاق، وقيل: أبو عبد الله شهد عمرة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفديه، وقد أخرج ذلك في "الصحيحين" من طرق، ولها طرق في غير "الصحيحين"، منها ما أخرجه الطبراني عنه قال: أتيت النبي ﷺ يومًا فرأيته متغيرًا فذهبت فإذا يهودي يسقي إبلًا له فسقيت له على كل دلو بتمرة، فجمعت تمرًا فأتيت النبي ﷺ الحديث. وأخرج ابن سعد بسند جيد أن يد كعب قطعت في بعض

стр. 6583

المغازي ثم سكن الكوفة له سبعة وأربعون حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بمثلهما، روى عنه ابن عمر وجابر، وابن عباس، وطارق بن شهاب وأولاده إسحاق، ومحمد، وعبد الملك، والربيع، مات بالمدينة سنة إحدى وقيل اثنتين وقيل ثلاث وخمسين، وله خمس وقيل سبع وسبعون سنة. أخرجه البخاري أيضًا في الحج وفي المغازي وفي الطب، وأبو داود والترمذي في الحج، والنسائي فيه وفي التفسير. ثم قال المصنف:

стр. 6584

باب قول الله ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ وهي إطعام ستة مساكين يشير بهذا إلى أن الصدقة في الآية مبهمة، فسرتها السنة، وبهذا قال جمهور العلماء، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال: الصوم عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين. وروى الطبراني، عن عكرمة ونافع نحوه. قال ابن عبد البر: لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار. الحديث العاشر حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلاً فَقَالَ: "يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ" أَوْ قَالَ: "احْلِقْ". قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ". قوله: "يتهافت" بالفاء أي: يتساقط شيئًا فشيئًا. وقوله: "فاحلق رأسك" أو احلق بحذف المفعول، وهو شك من الراوي. وقوله: "بفرق" بفتح الفاء والراء وقد تسكن، وقال الأزهري: كلام العرب بفتح الراء والمحدثون قد يسكنونه وآخره قاف مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلًا، وفي رواية ابن أبي نجيح عند أحمد وغيره، والفرق: ثلاثة آصع، ولمسلم عن ابن أبي ليلى "أو أطعم ثلاثه آصع من تمر على ستة مساكين"، وإذا ثبت أن الفرق: ثلاثة آصع اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث، خلاف لمن قال إن الصاع ثمانية أرطال. وقوله: "أو نسك مما تيسر" كذا لأبي ذر والأكثر، وفي رواية كريمة: "أو انسك بما تيسر" بصيغة الأمر وبالموحدة وهي المناسبة لما قبلها، وتقدير الأول أو انسك بنسك والمراد به الذبح. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والعشرين من الإِيمان، ومرَّ سيف في الخامس من استقبال القبلة، ومرَّ مجاهد في أول الإيمان قبل الحديث الأول، ومرَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والتسعين من صفة الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 6585

باب الإطعام في الفدية نصف صاع أي: لكل مسكين من كل شيء، يشير بذلك إلى الرد على من فرق في ذلك بين القمح وغيره، قال ابن عبد البر: قال أبو حنيفة والكوفيون: نصف صاع من قمح، وصاع من تمر وغيره، وعند أحمد رواية تضاهي قولهم، قال عياض: وهذا الحديث يردُّ عليهم. الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبِهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِدْيَةِ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى أَوْ: مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟ ". فَقُلْتُ: لاَ. فَقَالَ: "فَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ". قوله: "عن عبد الرحمن بن الأصبهاني" لشعبة فيه إسناد آخر عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب. قوله: "عن عبد الله بن معقل" في رواية حميد: سمعت عبد الله بن معقل، ومعقل بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف هو ابن مُقَرِّن بالقاف، وزن محمد لكن بكسر الراء، ويأتي تعريفه في السند. قوله: "جلست إلى كعب بن عجرة"، زاد مسلم في روايته: وهو بالمسجد، ولأحمد: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد، وزاد في رواية لابن الأصبهاني: يعني مسجد الكوفة. وفيه الجلوس في المسجد، ومذاكرة العلم، والاعتناء بسبب النزول لما يترتب عليه من معرفة الحكم، وتفسير القرآن. وقوله: "ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أرى"، في رواية المستملي والحموي: يبلغ بك، "وأرى" الأولى بضم الهمزة أي: أظن، وأرى الثانية بفتح الهمزة من الرؤية، وكذا في قوله: "أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك" وهو شك من الراوي، هل قال الوجع أو الجهد؟ والجهد بالفتح: المشقة، قال النووي، والضم لغة في المشقة أيضًا، وكذا حكاه عياض عن ابن دريد، وقال صاحب "العين": بالضم: الطاقة وبالفتح: المشقة فيتعين الفتح هنا بخلاف لفظ
следующие страницы →