Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.
стр. 6581
وقوله: "احلق رأسك وصم" قال ابن قدامة: لا نعلم خلافًا في إلحاق الإزالة بالحلق سواء كان بموسى أو مقص، أو نورة أو غير ذلك، وأغرب ابن حزم فأخرج النتف عن ذلك، فقال: يلحق جميع الإزالات بالحلق إلاَّ النتف.
وقوله: "أو أطعم" ليس في هذه الرواية بيان قدر الإطعام وسيأتي البحث فيه بعد باب وهو ظاهر في التخيير بين الصوم، والإطعام، وكذا.
قوله: أو انسك بشاة، وفي رواية الكشميهني شاة بغير موحدة والأول تقديره: تقرب بشاة ولذلك عداه بالباء والثاني تقديره اذبح شاة، والنسك يطلق على العبادة وعلى الذبح المخصوص، وسياق رواية الباب موافق للآية وقد تقدم إن كعبًا قال: "إنها نزلت بهذا السبب، وقد قدمت في أول الباب أن رواية عبد الكريم صريحة في التخيير حيث قال: أي ذلك فعلت أجزا، وكذا رواية أبي داود التي فيها: "أن شئت وإن شئت" ووافقتها رواية ابن أبي نجيح أخرجها مسدد في مسنده، ومن طريقه الطبراني لكن رواية عبد الله بن معقل الآتية بعد باب تقتضي أن التخيير إنما هو بين الصيام والإطعام لمن لم يجد النسك، ولفظه قال: أتجد شاة؟ قال: لا، قال: فصم أو أطعم، ولأبي داود وفي رواية أخرى "أمعك دم؟ قال: فإن شئت فصم" ونحوه للطبراني عن عطاء، عن كعب ووافقهم أبو الزبير عن مجاهد عند الطبراني وزاد بعد.
قوله: "ما أجد هديًا" قال: فأطعم قال: ما أجد، قال: صم، ولهذا قال أبو عوانة: في "صحيحه": فيه دليل على أن من وجد نسكا لا يصوم يعني ولا يطعم، لكن لا يعرف من قال بذلك من العلماء إلا ما رواه الطبري وغيره عن سعيد بن جبير قال: النسك شاة، فإن لم يجد قومت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا فتصدق به أو صام، لكل نصف صاع يومًا. أخرجه عن الأعمش عنه قال: فذكرته لإِبراهيم فقال: سمعت علقمة مثله. فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين، وقد جمع بينهما بأوجه منها ما قال: ابن عبد البر أن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإيجابه، ومنها ما قال النووي: ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزىء إلَّا لعادم الهدي بل المراد أنه استخبره هل معه هدي أو لا فإن كان واحده أعلمه أنه غير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن لم يجده أعلمه أنه غير بينهما ومحصله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح تعيينه لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخيير بينه وبين الإطعام، والصيام. ومنها ما قال غيرهما: يحتمل أن يكون النبي ﷺ لما أذن له في حلق رأسه بسبب الأذى أفتاه بأن يكفر بالذبح على سبيل الاجتهاد منه ﷺ أو بوحي غير متلو فلما أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخيير بين الذبح، والصيام، والإطعام فخيره حينئذ بين الصيام والإطعام لعلمه بأنه لا ذبح معه فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه، ويوضح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل حيث قال: أتجد شاة؟ قلت: لا، فنزلت هذه الآية ففدية ﴿مِنْ صِيَامٍ
стр. 6582
أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فقال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم"، وفي رواية عطاء الخراساني قال: "صم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين" قال: وكان قد علم أنه ليس عندي ما أنسك به، ونحوه في رواية محمد بن كعب القرظي عن كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره بل السر فيه أن الصحابة الذين خوطبوا شفاها بذلك، كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح والإطعام، وعرف من رواية أبي الزبير أن كعبًا افتدى بالصيام، وفي رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى بالذبح لأن لفظه صم أو أطعم أو انسك شاة، قال: فحلقت رأسي ونسكت. وروى الطبراني من طريق ضعيفة عن عطاء عن كعب في آخر هذا الحديث فقلت: يا رسول الله خر لي قال: "أطعم ستة مساكين".
رجاله ستة:
مرَّ منهم عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ مجاهد في أثر أول الإيمان، ومرَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والستين من صفة الصلاة، والباقي اثنان الأول حميد بن قيس الأعرج المكي أبو صفوان القارىء الأسدي مولاهم، وقيل مولى عفراء، قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وكان قارىء أهل مكة وقال أحمد: هو ثقة أخو سندل، وقال مرة: ليس بالقوي في الحديث وقال ابن معين: ثبت، روى عنه مالك وأخوه سندل ليس بثقة، وقال مرة حميد الأعرج ثقة، وحميد الذي روى عنه خلف بن خليفة، ليس بشيء، وقال أبو زرعة: حميد الأعرج ثقة، وقال أبو حاتم: مكي ليس به بأس، وابن أبي نجيح أحب إليَّ منه، وقال أبو زرعة الدمشقي: حميد بن قيس من الثقات، وقال أبو داود: ثقة، وقال أبو خراش: ثقة صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال العجلي: مكي ثقة، وقال البخاري وابن سفيان: ثقة، وقال ابن عدي: لا بأس بحديثه، وإنما يؤتى مما يقع في حديثه من المناكر من جهة من يروى عنه. روى عن مجاهد وسليمان بن عتيق، والزهري وغيرهم، وروى عنه مالك، ومعمر والسفيانان، وجعفر الصادق وغيرهم، مات سنة ثلاثين ومائة في خلافة السفاح.
الثاني كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن خالد بن عمرو بن عوف، بن غنم بن سواد بن مرى بن أراشة البلوي، حليف الأنصار، وزعم الواقدي أنه أنصاري من أنفسهم، ورده كاتبه محمد بن سعد يكنى أبا محمد وقيل كنيته: أبو إسحاق بأبنه إسحاق، وقيل: أبو عبد الله شهد عمرة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفديه، وقد أخرج ذلك في "الصحيحين" من طرق، ولها طرق في غير "الصحيحين"، منها ما أخرجه الطبراني عنه قال: أتيت النبي ﷺ يومًا فرأيته متغيرًا فذهبت فإذا يهودي يسقي إبلًا له فسقيت له على كل دلو بتمرة، فجمعت تمرًا فأتيت النبي ﷺ الحديث. وأخرج ابن سعد بسند جيد أن يد كعب قطعت في بعض
стр. 6583
المغازي ثم سكن الكوفة له سبعة وأربعون حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بمثلهما، روى عنه ابن عمر وجابر، وابن عباس، وطارق بن شهاب وأولاده إسحاق، ومحمد، وعبد الملك، والربيع، مات بالمدينة سنة إحدى وقيل اثنتين وقيل ثلاث وخمسين، وله خمس وقيل سبع وسبعون سنة.
أخرجه البخاري أيضًا في الحج وفي المغازي وفي الطب، وأبو داود والترمذي في الحج، والنسائي فيه وفي التفسير.
ثم قال المصنف:
стр. 6584
باب قول الله ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ وهي إطعام ستة مساكين
يشير بهذا إلى أن الصدقة في الآية مبهمة، فسرتها السنة، وبهذا قال جمهور العلماء، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال: الصوم عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين. وروى الطبراني، عن عكرمة ونافع نحوه. قال ابن عبد البر: لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار.
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلاً فَقَالَ: "يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ" أَوْ قَالَ: "احْلِقْ". قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ".
قوله: "يتهافت" بالفاء أي: يتساقط شيئًا فشيئًا.
وقوله: "فاحلق رأسك" أو احلق بحذف المفعول، وهو شك من الراوي.
وقوله: "بفرق" بفتح الفاء والراء وقد تسكن، وقال الأزهري: كلام العرب بفتح الراء والمحدثون قد يسكنونه وآخره قاف مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلًا، وفي رواية ابن أبي نجيح عند أحمد وغيره، والفرق: ثلاثة آصع، ولمسلم عن ابن أبي ليلى "أو أطعم ثلاثه آصع من تمر على ستة مساكين"، وإذا ثبت أن الفرق: ثلاثة آصع اقتضى أن الصاع خمسة أرطال وثلث، خلاف لمن قال إن الصاع ثمانية أرطال.
وقوله: "أو نسك مما تيسر" كذا لأبي ذر والأكثر، وفي رواية كريمة: "أو انسك بما تيسر" بصيغة الأمر وبالموحدة وهي المناسبة لما قبلها، وتقدير الأول أو انسك بنسك والمراد به الذبح.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والعشرين من الإِيمان، ومرَّ سيف في الخامس من استقبال القبلة، ومرَّ مجاهد في أول الإيمان قبل الحديث الأول، ومرَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والتسعين من صفة الصلاة.
ثم قال المصنف:
стр. 6585
باب الإطعام في الفدية نصف صاع
أي: لكل مسكين من كل شيء، يشير بذلك إلى الرد على من فرق في ذلك بين القمح وغيره، قال ابن عبد البر: قال أبو حنيفة والكوفيون: نصف صاع من قمح، وصاع من تمر وغيره، وعند أحمد رواية تضاهي قولهم، قال عياض: وهذا الحديث يردُّ عليهم.
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبِهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِدْيَةِ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى أَوْ: مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، تَجِدُ شَاةً؟ ". فَقُلْتُ: لاَ. فَقَالَ: "فَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ".
قوله: "عن عبد الرحمن بن الأصبهاني" لشعبة فيه إسناد آخر عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن كعب.
قوله: "عن عبد الله بن معقل" في رواية حميد: سمعت عبد الله بن معقل، ومعقل بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف هو ابن مُقَرِّن بالقاف، وزن محمد لكن بكسر الراء، ويأتي تعريفه في السند.
قوله: "جلست إلى كعب بن عجرة"، زاد مسلم في روايته: وهو بالمسجد، ولأحمد: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد، وزاد في رواية لابن الأصبهاني: يعني مسجد الكوفة.
وفيه الجلوس في المسجد، ومذاكرة العلم، والاعتناء بسبب النزول لما يترتب عليه من معرفة الحكم، وتفسير القرآن.
وقوله: "ما كنت أُرى الوجع بلغ بك ما أرى"، في رواية المستملي والحموي: يبلغ بك، "وأرى" الأولى بضم الهمزة أي: أظن، وأرى الثانية بفتح الهمزة من الرؤية، وكذا في قوله: "أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك" وهو شك من الراوي، هل قال الوجع أو الجهد؟ والجهد بالفتح: المشقة، قال النووي، والضم لغة في المشقة أيضًا، وكذا حكاه عياض عن ابن دريد، وقال صاحب "العين": بالضم: الطاقة وبالفتح: المشقة فيتعين الفتح هنا بخلاف لفظ
стр. 6586
الجهد الماضي في حديث بدء الوحي، حيث قال: "حتى بلغ مني الجهد" فإنه محتمل للمعنيين.
وقوله: "فقلت: لا"، زاد مسلم وأحمد: فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: صوم ثلاثة أيام.
قوله: "لكل مسكين نصف صاع"، زاد مسلم: "نصف صاع" كررها مرتين، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث، فهو موافق لرواية الفَرَق الذي هو ستة عشرـ رطلًا، وللطبراني عن أحمد بن محمد الخزاعي عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه: "لكل مسكين نصف صاع تمر"، ولأحمد عن شعبة: نصف صاع طعام، ولبشر بن عمر، عن شعبة: نصف صاع حنطة، ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنه نصف صاع من زبيب، فإنه قال: يطعم فرقا من زبيب بين ستة مساكين، قال ابن حزم: لابد من ترجيح إحدى هذه الروايات لأنها قصة واحدة في مقام واحد، في حق رجل واحد.
والمحفوظ عن شعبة أنه قال في الحديث: نصف صاع من طعام، والاختلاف عليه في كونه تمرًا أو حنظة لعله من تصرف الرواة، وأما الزبيب فلم أره إلا في رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حجة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر، فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة كما مرَّ، ولم يختلف فيه على أبي قلابة، وكذا أخرجه الطبري عن الشعبي، عن كعب، وأحمد عن ابن الأصبهاني، وكذا في حديث عبد الله بن عمرو عند الطبراني، وعرف بذلك قوة قول من قال: لا فرق في ذلك بين التمر والحنطة، وأن الواجب ثلاثة آصع، لكل مسكين نصف صاع، ولمسلم عن ابن أبي نجيح وغيره، عن مجاهد في هذا الحديث: وأطعم فرقا بين ستة مساكين، والفرق: ثلاثة آصع، فاشعر بأن تفسير الفرق مدرج لكنَّه مقتضى الروايات الأُخر، ففي رواية سليمان بن قرم عن ابن الأصبهاني عند أحمد: لكل مسكين نصف صاع، وفي رواية يحيى بن جعدة عند أحمد أيضًا: أو أطعم ستة مساكين، مدين مدين، وأما ما وقع في بعض النسخ عند مسلم عن ابن الأصبهاني: أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكين صاع، فهو تحريف ممن دون مسلم، والصواب ما في النسخ الصحيحة: لكل مسكينين بالتثنية، وكذا أخرجه مسدد في مسنده عن أبي عوانة عن ابن الأصبهاني على الصواب.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم: أبو الوليد في العاشر من الإيمان، وشعبة في الثالث منه، وعبد الرحمن الأصبهاني في متابعةٍ بعد الحادي والأربعين من العلم، ومرَّ كعب بن عجرة في الذي قبله بحديث.
стр. 6587
والباقي عبد الله بن معقل بن مقرِّن المزني أبو الوليد الكوفي، قال العجلي: كوفي تابعي، ثقة من خيار التابعين، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، روى عن أبيه، وعليّ، وابن مسعود، وكعب بن عجرة، وغيرهم، وروى عنه عبد الملك بن عمير، وعبد الرحيم الأصبهاني، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم، أخرجه الحجاج في بعث مع عتيبة بن أبي عقيل فمات بأنقرة سنة ثمان وثمانين.
ليس له في البخاري إلاَّ حديثان وفي التابعين من اتفق مع الراوي عن كعب في اسمه واسم أبيه ثلاثة: أحدهم: يروى عن عائشة، وهو محاربي والآخر: يروى عن أنس في المسح على العمامة، وحديثه عند أبي داود، والثالث: أصغر منهما أخرج له ابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6588
باب النسك بشاة
أي النسك المذكور في الآية حيث قال: "أو نسك" وروى الطبري عن مجاهد في آخر هذا الحديث: فأنزل الله ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ والنسك شاة، وعن محمد بن كعب القرظي، عن كعب: أمرني أن أحلق، وأفتدي بشاة، قال عياض ومن تبعه تبعًا لأبي عمر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكروا شاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، قال في "الفتح": يعكر عليه ما أخرجه أبو داود عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن كعب بن عجرة: أنه صابه أذىً فحلق، فأمره النبي ﷺ أن يهدي بقرة، وللطبراني عن نافع، عن ابن عمر قال: حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره النبي ﷺ أن يفتدي، فافتدى ببقرة، ولعبد بن حميد عن أبي معشر عن نافع، عن ابن عمر قال: افتدى كعب من أذىً كان برأسه فحلقه ببقرة قلدها واشعرها، ولسعيد بن منصور، عن سليمان بن يسار قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة، فهذه الطرق كلها تدور على نافع، وقد اختلف في الواسطة التي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح منها من أن الذي أمر به كعب، وفعله في النسك إنما هو شاة، وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن المقبري عن أبي هريرة أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذىً كان أصابه، وهذا أصوب من الذي قبله، واعتمد ابن بطال على رواية سليمان فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبي ﷺ فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق وزاد، ففيه أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها كما فعل كعب، وهذا فرع عن ثبوت افتدائه بالبقرة وقد مرَّ ما فيه.
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ.
стр. 6589
محذوف والمراد القمل، وثبت كذلك في بعض الروايات ورواه ابن خزيمة عن روح بلفظ: "رآه وقمله يسقط على وجهه"، وللإسماعيلي عن شبل: رأى قمله يتساقط على وجهه.
وقوله: "فأمره أن يحلق، وهو بالحديبية، ولم يتبين لهم أنهم يحلون" هذه الزيادة ذكرها الراوي لبيان أن الحلق كان استباحة محظور بسبب الأذى، لا لقصد التحلل بالحصر، وهو واضح، قال ابن المنذر: يؤخذ منه أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حتى ييأس من الوصول فيحل، واتفقوا على أن من يئس من الوصول، وجاز له أن يحل فتمادى على إحرامه، ثم أمكنه أن يصل، أنَّ عليه أن يمضي إلى البيت ليتم نسكه، وقال المهلب وغيره ما معناه: يستفاد من قوله: "ولم يتبين لهم أنهم يحلون" أن المرأة التي تعرف أوان حيضتها والمريض الذي يعرف أوان حُمَّاه بالعادة فيهما، إذا أفطرا في رمضان مثلا في أول النهار ثم ينكشف الأمر بالحيض والحمى في ذلك النهار أن عليهما قضاء ذلك اليوم، لأن الذي كان في علم الله أنهم يحلون بالحديبية لم يسقط عن كعب الكفارة التي وجبت عليه بالحلق، أن ينكشف الأمر لهم، وذلك لأنه يجوز أن يتخلف ما عرفاه بالعادة، فيجب القضاء عليهما لذلك.
وقوله: "فأنزل الله الفدية" قال عياض: ظاهره أن النزول بعد الحكم وفي رواية عبد الله بن معقل أن النزول قبل الحكم قال: فيحتمل أن يكون حكم عليه بالكفارة بوحي لا يتلى، ثم أنزل الله القرآن ببيان ذلك، وهو يؤيد الجمع المتقدم.
رجاله سبعة:
قد مرّوا: مرَّ إسحاق بن منصور في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرَّ روح بن عبادة في الأربعين منه، ومرَّ شبل في السابع من المحصر هذا، ومرَّ ابن أبي نجيح في الرابع عشر من العلم، ومرَّ مجاهد أول الإيمان، ومرَّ عبد الرحمن بن أبي ليلى في الثالث والتسعين من صفة الصلاة، ومرَّ كعب في التاسع قريبًا.
ثم قال: وعن محمد بن يوسف، حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ رآه، وقمله يسقط على وجهه.
الظاهر أنه عطف على حدثنا روح، فيكون إسحاق قد رواه عن روح بإسناده، وعن محمد بن يوسف الفريابي بإسناده، وكذا هو في تفسير إسحاق، ويحتمل أن تكون العنعنة للبخاري، فيكون أورده عن شيخه الفريابي بالعنعنة، كما يروى تارة بالتحديث، وبلفظ قال، وغير ذلك، وعلى هذا فيكون شبيهًا بالتعليق، وقد أورده الإسماعيلي وأبو نعيم عن محمد بن يوسف الفريابي، ولفظه مثل سياق روح في أكثره، وكذا هو في تفسير الفريابي بهذا الإِسناد.
стр. 6590
وفي حديث كعب بن عجرة من الفوائد غير ما تقدم أن السنة مبينة لمجمل الكتاب، لإطلاق الفدية في القرآن، وتقييدها بالسنة.
وتحريم حلق الرأس على المحرم، والرخصة له في حلقه إذا آذاه القمل، أو غيره من الأوجاع.
وفيه تلطف الكبير بأصحابه وعنايته بأحوالهم، وتفقده، وإذا رأى ببعض اتباعه ضررًا سأل عنه، وأرشده إلى المخرج منه، واستنبط بعض المالكية ايجاب الفدية على من تعمد حلق رأسه بغير عذر، فإن إيجابها على المعذور من التنبيه بالأدنى على الأعلى لكن لا يلزم من ذلك التسوية بين المعذور وغيره، ومن ثم قال الشافعي والجمهور: لا يتخير العامد بل يلزمه الدم، وخالف في ذلك أكثر المالكية، واحتج لهم القرطبي بقوله في حديث كعب: "أو اذبح نسكا": فهذا يدل على أنه ليس بهدي قال: فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء، قال في "الفتح": لا دلالة فيه، إذ لا يلزم من تسميتها نسكًا أو نسيكة أن لا تسمى هديًا، أو لا تعطى حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في الباب الأخير حيث قال: "أو تهدي شاة" وفي رواية مسلم: "واهد هديًا" وفي رواية للطبري: "هل لك هدي"؟ قلت: لا أجد، فظهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويؤيده قوله في رواية مسلم: "أو اذبح شاة" واستدل به على أن الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال أكثر التابعين، وقال الحسن: تتعين مكة، وقال مجاهد: النسك بمكة ومنى، والإطعام بمكة، والصيام حيث شاء، وقريب منه قول الشافعي وأبي حنيفة: الدم والإطعام لأهل الحرم، والصيام حيث شاء، إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم، وألحق بعض أصحاب أبي حنيفة وأبو بكر بن الجهم من المالكية: الإطعام بالصيام، واستدل به على أن الحج على التراخي لأن حديث كعب دل على أن نزول قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ كان بالحديبية، وهي في سنة ست، وفيه بحث، واحتج مالك بعموم الحديث على أن الفدية يفعلها حيث شاء سواء في ذلك الصيام والإطعام والكفارة، لأنه لم يعين له موضعًا للذبح، أو الإطعام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد اتفق العلماء في الصوم أن له أن يفعله حيث شاء، لا يختص ذلك بمكة، ولا بالحرم، وجوز مالك النسك والإطعام كالصوم، ومرَّ ما قالته الشافعية والحنفية في ذلك.
وفيه أن الإطعام لستة مساكين، ولا يجزىء أقل من ذلك، وهو قول الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يجوز أن يدفع إلى مسكين واحد، والواجب في الإطعام لكل مسكين نصف صاع من أي شيء كان المخرج من قمح أو تمر أو شعير، وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وحكي عن الثوري وأبي حنيفة تخصيص ذلك بالقمح، وأن الواجب من الشعير والتمر صاع لكل مسكين، وحكى ابن عبد البر عن أبي حنيفة وأصحابه، كقول مالك والشافعي وفي رواية عن أحمد أن الواجب مد من قمح، أو مدان من تمر أو شعير.
стр. 6591
وفيه: أنه ليس فيه تعرض لغير حلق الرأس من سائر شعور الجسد، وقد أوجب العلماء الفدية بحلق سائر شعور البدن، لأنها في معنى حلق الرأس، إلا داود الظاهري، فإنه قال: لا تجب الفدية إلاَّ بحلق الرأس فقط، وحكى الرافعي عن المحاملي أن في رواية عن مالك: لا تتعلق الفدية بشعر البدن.
وفيه أنه أمر بحلق شعر نفسه، فلو حلق المحرم شعر حلال. فلا فدية على واحد منهما، عند مالك والشافعي وأحمد، ولكن عند مالك يجب على المحرم الافتداء إذا كان بإذنه، وإن كان بغير إذنه كان الافتداء على الحلال، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: ليس للمحرم أن يحلق شعر الحلال، فإن فعل فعليه صدقة، ويستثنى من عموم التخيير في كفارة الأذى العبد إذا احتاج إلى الحلق، فإن فرضه الصوم على الجديد سواء أحرم بغير إذن سيده أو بإذنه، فإن الكفارة لا تجب على السيد كما جزم به الرافعي، ولو ملكه السيد لم يملكه على الجديد. وعلى القديم يملكه، وعند المالكية: إذا أذن السيد للعبد في الإحرام وفعل ما يوجب الافتداء خطأ أو عن ضرورة، فإن أذن له السيد في الإخراج من ماله أو مال سيده جاز، وإلاَّ صام، ولا يجوز للسيد منعه منه مطلقًا.
أضر بخدمته أم لا، وإن تعمد فله منعه إن أضر بخدمته.
رجال هذه الرواية رجال الأولى إلاَّ الأولان مرا: مرَّ محمد بن يوسف الفريابي في العاشر من العلم، ومرَّ ورقاء في التاسع من الوضوء.
ثم قال المصنف:
стр. 6592
باب قول الله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
قد صرح منصور في رواية صريحة بسماعه له من أبي حازم، فينتفي بذلك تعليل من أعله بالإختلاف على منصور، لأن البيهقي أورده عن إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي حازم زاد فيه رجلًا، فإن كان إبراهيم حفظه، فلعله حمله منصور عن هلال، ثم لقي أبا حازم فسمعه منه فحدث به على الوجهين، وصرح أبو حازم بسماعه له من أبي هريرة، كما مرَّ في أوائل الحج.
وقوله: "كما ولدته أمه" أي: عاريًا من الذنوب، ولمسلم: "من أتى هذا البيت" وهو أعم من قوله في بقية الروايات: "من حج"، ويجوز حمل لفظ حج على ما هو أعم من الحج والعمرة، فتساوى رواية من أتى، حيث إن الغالب أن إتيانه إنما هو للحج أو العمرة، وقد مرت مباحث هذا الحديث، وتفسير الرفث، والفسوق في باب فضل الحج المبرور أوائل الحج.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ سليمان في الرابع عشر من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ منصور بن المعتمر في الثاني عشر من العلم، ومرَّ أبو حازم الأشجعي في الثالث والأربعين منه.
فيه التحديث بالجمع، والعنعنة، وسنده بصري واسطي، وكوفيان، أخرجه البخاري أيضًا، ومسلم في الحج، وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6593
باب قول الله ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
هذا الحديث هو الذي قبله بعينه، إلاَّ أن هذا من طريق سفيان الثوري، عن منصور، والأول عن شعبة، عن منصور، وليس بين السياقين اختلاف إلاَّ في قوله في رواية شعبة: "كما ولدته أمه" وفي رواية سفيان: "كيوم ولدته أمه" وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه في المحل الذي مرَّ الكلام فيه على ما قبله، ومرَّ الكلام على الجد الذي باب ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ محل محمد بن يوسف في الذي قبله بحديث، ومرَّ الثوري في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ محل الثلاثة الباقية في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
стр. 6594
باب جزاء الصيد ونحره
وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
كذا في رواية أبي ذر، وأثبت قبل ذلك البسملة، ولغيره باب قول الله تعالى إلى آخره بحذف ما قبله.
قيل: السبب في نزول هذه الآية أن أبا اليَسَر بفتح التحتانية والمهملة قتل حمار وحش، وهو محرم في عمرة الحديبية، فنزلت، حكاه مقاتل في تفسيره، ولم يذكر المصنف في رواية أبي ذر في هذه الترجمة حديثًا، وشعله أشار إلى أنه لم يثبت على شرطه في جزاء الصيد حديث مرفوع، قال ابن بطال: اتفق أئمة الفتوى من أهل الحجاز والعراق وغيرهم على أن المحرم إذا قتل الصيد عمدًا، وخطأ فعليه الجزاء، وخالف أهل الظاهر وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية في الخطأ، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ فإن مفهومه أن المخطىء بخلافه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وعكس الحسن ومجاهد فقالا: يجب الجزاء في الخطأ دون العمد فيختص الجزاء بالخطأ، والنقمة بالعمد، وعنهما: يجب الجزاء على العامد أول مرة، فإن عاد كان أعظم لاثمه، وعليه النقمة لا الجزاء، قال الموفق في "المغنى": لا نعلم أحدًا خالف في وجوب الجزاء على العامد غيرهما، واختلفوا في الكفارة، فقال الأكثر: هو مخبر كما هو ظاهر الآية، وقال الثوري: يقدم المثل، فإن لم يجد أطعم، فإن لم يجد صام، وقال سعيد بن جبير: إنما الطعام والصيام فيما لا يبلغ ثمن الصيد، واتفق الأكثر على تحريم أكل ما صاده المحرم، وقال الحسن والثوري وأبو ثور وطائفة يجوز أكله، وهو كذبيحة السارق، وهو وجه للشافعية، وقال الأكثر أيضًا: إن الحكم في ذلك ما حكم به السلف لا يتجاوز ذلك، وما لم يحكموا فيه يستأنف فيه الحكم، وما اختلفوا فيه يجتهد فيه، وقال الثوري: الاختيار في ذلك للحكمين في كل زمن، وقال مالك: يستأنف الحكم والخيار إلى المحكوم عليه، وله أن يقول للحكمين: لا تحكما عليَّ إلاَّ بالإطعام، وقال الأكثر: الواجب في الجزاء نظير الصيد من النعم، وقال أبو حنيفة: الواجب القيمة، ويجوز صرفها في المثل، وقال الأكثر: في الكبير كبير، وفي الصغير صغير، وفي الصحيح صحيح، وفي الكسير كسير، وخالف مالك فقال: في الكبير والصغير كبير، وفي الصحيح. والمعيب، صحيح. واتفقوا على أن المراد
стр. 6595
بالصيد ما يجوز أكله للحلال من الحيوان الوحشي، وأن لا شيء فيما يجوز قتله، واختلفوا في المتولد فألحقه الأكثر، وعند الشافعي وأحمد يجوز أن يكون القاتل أحد الحكمين، وعند مالك: لا يجوز لأن الحاكم لا يكون محكومًا عليه في صورة واحدة.
ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة، فلنقتصر على هذا القدر منها، وأتكلم على معنى الآيات.
فقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: محرمون، ولعله ذكر القتل دون الذبح للتعميم.
وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ أي: ذاكرًا لإحرامه، عالمًا بأنه حرام عليه.
وقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ برفع جزاء من غير تنوين وخفض مثل على أن جزاء مصدر مضاف لمفعوله تخفيفًا، والأصل: فعليه أن يجزي المقتول من الصيد مثله من النعَم، ثم حذف الأول لدلالة الكلام عليه، وأضيف المصدر إلى ثانيهما، أو أن مثل مقحمة كقولهم: مثلك لا يفعل ذلك أي: أنت لا تفعل ذلك، وهذه قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر، وقراءة الآخرين فجزاء بالرفع منونًا على الابتداء، والخبر محذوف تقديره فعليه جزاء أو أنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره فالواجب جزاء، أو فاعل فعل محذوف تقديره فيلزمه أو يجب عليه، ومثل بالرفع صفة لجزاء أي: فعليه جزاء موصوف بكونه مثل ما قتل أي: مماثلة.
وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ أي رجلان صالحان، فإن الأنواع تتشابه ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة.
وقوله: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ صفة هديًا، والإضافة لفظية أي واصلًا إليه بأن يذبح فيه ويتصدق به.
وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ طعام بدل منه، أو تقديره هي طعام، وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر "كفارة" بغير تنوين "وطعام" بالخفض على الإضافة؛ لأن الكفارة لما تنوعت إلى تكفير بالطعام، وتكفير بالجزاء المماثل، وتكفير بالصيام حسن إضافتها لأحد أنواعها تبيينًا لذلك، والإضافة تكون لأدنى ملابسة، ولا خلاف في جمع مساكين هنا؛ لأنه لا يطعم في قتل الصيد مسكين واحد كما مرَّ، بل جماعة مساكين، وإنما اختلفوا في موضع البقرة؛ لأن التوحيد يراد به عن كل يوم، والجمع يراد به عن أيام كثيرة.
وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ في الآخرة أي: فهو ينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة.
стр. 6596
وقوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ مما لا يعيش إلاَّ في الماء في جميع الأحوال، وطعامه ما يتزود منه يابسًا، أو مالحًا، أو ما قذفه ميتًا، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ واستثنى من ذلك الجراد فتؤكل ميتة عنده.
وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: منفعة للمقيم والمسافر، وهو مفعول له.
وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ أي: ما صيد فيه، أو المراد بالصيد في الموضعين فعله، فعلى الأول يحرم على المحرم ما صاده الحلال، وإن لم يكن له فيه مدخل، والجمهور على حله.
ثم قال:
стр. 6597
باب إذا صاد الحلال فأهدي للمحرم الصيد أكله
كذا ثبت لأبي ذر، وسقط للباقين، فجعلوه من جملة الباب الذي قبله.
ثم قال: ولم ير ابن عباس وأنس بالذبح بأسًا، وهو غير الصيد نحو الإبل والغنم والبقر والدجاج والخيل. يقال: عدل ذلك مثل، فإذا كسرت عدل فهو زنة ذلك قيامًا قوامًا يعدلون يجعلون عدلا.
المراد بالذبح ما يذبحه المحرم، والأمر ظاهره العموم، لكن المصنف خصصه بما ذكر تفقهًا، فإن الصحيح أن حكم ما ذبحه المحرم من الصيد حكم الميتة، وقيل: يصح مع الحرمة، حتى يجوز لغير المحرم أكله، وبه قال الحسن البصري.
وقوله: "وهو" أي: المذبوح إلخ من كلام المصنف قاله تفقهًا، وهو متفق عليه فيما غدا، فإنه مخصوص بمن يبيح أكلها.
وأثر ابن عباس وصله عبد الرزاق، وأثر أنس وصله ابن أبي شيبة، وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان.
وقوله: "يقال: عدل مثل، فإذا كسرت عدل فهو زنة ذلك" يعني أن: عدلا بفتح العين معناه: مثل، وبكسر العين فهو زنة ذلك الشيء وتفسير العدل بالمثل وبالكسر بالزنة هو قول أبي عبيدة في المجاز وغيره، وقال الطبري: العدل في كلام العرب بالفتح هو قدر الشيء من غير جنسه، وبالكسر قدره من جنسه، قال: وذهب بعض أهل العلم بكلام العرب إلى أن العدل مصدر من قول القائل: عدلت هذا بهذا، وقال بعضهم: العَدل هو القسط في الحق، والعِدل بالكسر مثل، وقد تقدم شيء من هذا في كتاب الزكاة.
وقوله: "قياما قوامًا" هو قول أبي عبيدة أيضًا، وقال الطبري: أصله الواو فحولت عين الفعل ياء كما قالوا في الصوم: صمت صيامًا وأصله صوامًا، قال الشاعر: قيام دنيا وقوام دين فرده إلى أصله، قال الطبري: فالمعنى جعل الله الكعبة بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه، يقال: فلان قيام البيت، وقوامه الذي يقيم شأنهم.
وقوله: "يعدلون" يجعلون له عدلا، هو متفق عليه بين أهل التفسير، ومناسبة إيراده هنا ذكر لفظ العدل في قوله: أو عدل ذلك صيامًا، وفي قوله: "يعدلون" فأشار إلى أنهما من
стр. 6598
مادة واحدة.
وقوله: "يجعلون له عدلا" أي: مثلًا، تعالى الله عن قولهم.
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ، وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا، وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، فَانْتَظِرْهُمْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ. فَقَالَ لِلْقَوْمِ: "كُلُوا" وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
قوله: "عن عبد الله بن أبي قتادة" في رواية مسلم: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة.
وقوله: "انطلق أبي عام الحديبية" هكذا ساقه مرسلًا، وكذا أخرجه مسلم وأحمد عن هشام، لكن أخرجه أبو داود الطيالسي عن هشام، عن يحيى فقال: عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أنه انطلق مع النبي ﷺ ، وفي رواية عليّ بن المبارك، عن يحيى المذكورة في الباب الذي يليه: أن أباه حدَّثه.
وقوله: "بالحديبية" أصح من رواية الواقدي من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضاء.
وقوله: "فأحرم أصحابه ولم يحرم" الضمير لأبي قتادة بينه مسلم "أحرم أصحابي ولم أحرم"، وفي رواية علي بن المبارك: وأنبئنا بعدو بغيقة، فتوجهنا نحوهم. وفي هذا السياق حذف بينته رواية ابن موهب بعد بابين بلفظ: أن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم، فيهم أبو قتادة. فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا، أحرموا كلهم إلاَّ أبا قتادة، وبين المطلب عن أبي قتادة عند سعيد بن منصور مكان صرفهم ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا بلغنا الروحاء. ويجمع بين قوله هنا: "عام الحديبية"، وبين قوله الآتي: "خرج حاجًّا" بأن الراوي أراد خرج محرمًا فعبر عن الإحرام بالحج غلطًا أو هو من المجاز السائغ، وأيضًا فالحج في الأصل قصد البيت فكأنه قال: خرج قاصدًا البيت، ولهذا يقال للعمرة: الحج الأصغر، وأخرج البيهقي عن محمد بن
стр. 6599
أبي بكر المقدمي، عن أبي عوانة بلفظ خرج حاجًّا أو معتمرًا، فبان أن الشك فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية، وهذا هو المعتمد.
وقوله: "وحدث النبي" بضم أوله على البناء للمجهول.
وقوله: "بغيقة" أي: في غيقة وهو بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء، قال السكوني: هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة، وقال يعقوب: هو قليب لبني ثعلبة يصب فيه ماء رضوى، ويصب هو في البحر. وحاصل القصة أن النبي ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء، وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلًا، أخبروه بأن عدوًّا من المشركين بوادي غيقة، يخشى منهم أن يقصدوا غرته، فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إِلى جهتهم، ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي ﷺ ، فأحرموا إلاَّ هو فاستمر حلالًا؛ لأنه إما لم يجاوز الميقات، وإما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره أبو بكر الأثرم، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هذا الحديث ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات وهو غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه، قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها: فخرجنا مع رسول الله ﷺ فأحرمنا فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النبي ﷺ بعثه في وجه الحديث قال: فإذا أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج يريد مكة، وهذه الرواية التي أشار إليها تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبي ﷺ من المدينة، وليس كذلك لما بيناه، ولكن في "صحيح ابن حبان" والبزار عن أبي سعيد قال: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه وهم محرمون، حتى نزلوا بعسفان، فهذا سبب آخر، ويحتمل جمعهما، والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الإحرام لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة، فساغ له التأخير، وقد استدل بقصة أبي قتادة على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجًا ولا عمرة، وقيل: كانت هذه القصة قبل أن يوقت النبي ﷺ المواقيت، وأما قول عياض ومن تبعه: إن أبا قتادة لم يكن خرج مع النبي ﷺ من المدينة، وإنما بعثه أهل المدينة إلى النبي ﷺ يعلمونه أن بعض العرب قصدوا الإغارة على المدينة، فهو ضعيف مخالف لما ثبت في طريق عثمان بن موهب الصحيحة الآتية بعد بابين.
وقوله: "فبينا أبي مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض"، في رواية علي بن المبارك: فبصر أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، زاد في رواية أبي حازم: وأحبوا لو أني أبصرته، كذا في جميع الروايات، وفي رواية لمسلم: "فجعل بعضهم يضحك إليَّ" بتشديد الياء من إلى، قال عياض: هو خطأ وتصحيف، وإنما سقط عليه لفظة بعض، ثم احتج لضعفها بأنهم لو ضحكوا إليه لكانت أكبر إشارة، وقد قال لهم النبي ﷺ : هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ قالوا: لا، وإذا دل المحرم الحلال على الصيد لم يأكل منه اتفاقًا،
стр. 6600
وإنما اختلفوا في وجوب الجزاء، وتعقبه النووي بأنه لا يمكن رد هذه الرواية لصحتها، وصحة الرواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة، فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة، قال بعض العلماء: وإنما ضحكوا تعجبًا من عروض الصيد لهم، ولا قدرة لهم عليه، وقول النووي: فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة، صحيح، ولكن لا يكفي في رد دعوى القاضي، فإن قوله: "يضحك بعضهم إلى بعض" هو مجرد ضحك، وقوله: "يضحك بعضهم إليَّ" فيه مزيد أمر على مجرد الضحك والفرق بين الموضعين أنهم اشتركوا في رؤيته فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض، وأبو قتادة لم يكن رآه، فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب، باعثًا له على التفطن إلى رؤيته، ويؤيد ما قال القاضي ما في رواية مولى أبي قتادة الآتية في الصيد بلفظ: "إذ رأيت الناس متشوفين لشيء، فذهبت انظر، فإذا هو حمار وحش، فقلت: ما هذا؟ قالوا: لا ندري، فقلت: هو حمار وحش، فقالو: هو ما رأيت"، وفي حديث أبي سعيد عند البزار والطحاوي وابن حبان في هذه القصة: وجاء أبو قتادة -وهو حل- فنكسوا رؤسهم كراهية أن يحدوا أبصارهم إليه، فيفطن فيراه.
فكيف يظن بهم مع ذلك أنهم ضحكوا إليه، فتبين أن الصواب ما قال القاضي، وفي قول النووي: "قد صحت الرواية" نظر؛ لأن الاختلاف في إثبات هذه اللفظة وحذفها، لم يقع في طريقين مختلفين، وإنما وقع في سياق إسناد واحد، مما عند مسلم، فكان مع من أثبت لفظ بعض زيادة علم سالمة من الاشكال، فهي مقدمة. وبين أبو حازم في روايته عن عبد الله بن أبي قتادة كما يأتي في الهبة، أن قصة صيده للحمار، كانت بعد أن اجتمعوا بالنبي ﷺ وأصحابه، ونزلوا في بعض المنازل، ولفظه: كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة، ورسول الله ﷺ نازل أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم، وبين في هذه الرواية السبب الموجب لرؤيتهم إياه دون أبي قتادة، بقوله: فأبصروا حمارًا وحشيًّا وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته، والتفت فأبصرته. وفي حديث أبي سعيد المذكور أن ذلك وقع وهم بعسفان، وفيه نظر. والصحيح ما يأتي بعد باب عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عنه، قال: كنا مع النبي ﷺ بالقاحة، ومنا المحرم وغير المحرم، فرأيت أصحابي يتراؤن شيئًا، فنظرت فإذا حمار وحش الحديث، والقاحة بالقاف ومهملة خفيفة بعد الألف: موضع قريب من السقيا، كما سيأتي.
وقوله: "فنظرت" فيه التفات فإن السياق الماضي يقتضي أن يقول: فنظر لقوله. فبينا أبي مع أصحابه، فالتقدير قال أبي: فنظرت، وهذا يؤيد الرواية الموصولة.
وقوله: "فإذا بحمار وحش" قد تقدم أن رؤيته له كانت متأخرة عن رؤية أصحابه، وصرح بذلك في رواية أبي حازم الآتية في الجهاد، ولفظه: "فرأوا حمارًا وحشيًا قبل أن يراه أبو قتادة، فلما رأوه تركوه حتى رآه فركب".
стр. 6601
وقوله: "فحملت عليه" في رواية محمد بن جعفر: "فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، ثم ركبت" وفي رواية فضيل بن سليمان: "فركب فرسًا له -يقال لها: الجرادة- فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا، فتناوله" وفي رواية أبي النضر: "وكنت نسيت سوطي فقلت لهم: ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه، فنزلت فأخذته" وعند النسائي عن عثمان بن موهب، وعند ابن أبي شيبة عن عبد العزيز بن رفيع، وأخرج مسلم إسنادهما كلاهما عن أبي قتادة: فاختلس من بعضهم سوطًا. والرواية الأولى أقوى، ويمكن الجمع بينهما بأنه رأى في سوط نفسه تقصيرًا، فأخذ سوط غيره، واحتاج إلى اختلاسه لأنه لو طلبه منه اختيارًا لامتنع.
وقوله: "فطعنته، فأثبته" بالمثلثة ثم الموحدة ثم المثناة: أي جعلته ثابتًا في مكانه لا حراك به، وفي رواية أبي حازم: "فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات" وفي رواية أبي النضر: "حتى عقرته، فأتيت إليهم، فقلت لهم: قوموا فاحتملوا، فقالوا: لا نمسه، فحملته حتى جئتهم به".
وقوله: "فأكلنا من لحمه" في رواية فضيل عن أبي حازم: "فأكلوا فندموا" وفي رواية محمد بن جعفر عن أبي حازم: "فوقعوا يأكلون منه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا، وخبأت العضد معي"، وفي رواية مالك عن أبي النضر: "فأكل منه بعضهم، وأبى بعضهم" وفي رواية أبي سعيد: "فجعلوا يشوون منه" وفي رواية المطلب عن أبي قتادة، عن سعيد بن منصور: "فظللنا نأكل منه ما شئنا طبيخًا وشواء، ثم تزودنا منه".
وقوله: "وخشينا أن نقتطع" أي: نصير مقطوعين عن النبي ﷺ ، منفصلين عنه لكونه سبقهم، وكذا قوله بعد هذا: "وخشوا أن يقتطعوا دونك" وبيّن ذلك رواية علي بن المبارك عند أبي عوانة بلفظ: "وخشينا أن يقتطعنا العدو"، وفيها عند المصنف: "وخشوا أن يقتطعهم العدو دونك" وهذا يشعر بأن سبب إسراع أبي قتادة لإدراك النبي ﷺ خشيةً على أصحابه أن ينالهم بعض أعدائهم، وفي رواية أبي النضر الآتية في الصيد: "فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف لكم النبي ﷺ ، فأدركته فحدثته" الحديث، ففي هذا أن سبب إدراكه أن يستفتيه عن قصة أكل الحمار، ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين.
وقوله: "أرفع فرسي" بالتخفيف والتشديد أي أكلفه السير.
وقوله: "شأواً" بالشين المعجمة بعدها همزة ساكنة أي: تارة والمراد أنه يركضه تارة، ويسير بسهولة أخرى.
وقوله: "فلقيت رجلًا من بني غفار" قال في "الفتح": لم أقف على اسمه.
стр. 6602
وقوله "تركته بتعهن" بموحدة مكسورة فمثناه مفتوحة فعين مهملة ساكنة فهاء مكسورة ثم نون لأبي ذر، وللكشميهني "بتعهن" بكسر الفوقية والهاء، ولغيره بفتحهما، وحكى أبو ذر الهروي أنه سمع أهل ذلك المكان يفتحون الهاء، وفي "القاموس": تعهن -مثلث الأول مكسور الهاء-: وهي عين ماء على ثلاثة أميال من السقيا.
وقوله: "وهو قائل السقيا" بضم السين المهملة وإسكان القاف ثم مثناه تحتية مفتوحة مقصور قرية جامعة بين مكة والمدينة، وهي من أعمال الفرع بضم الفاء وسكون الراء آخره عين مهملة، و"قايل" بالمثناة التحتية من غير همز كما في الفرع وصحح عليه، وفي غيره بالهمزة، وقال النووي: روي بوجهين أصحهما وأشهرهما بهمزة بين الألف واللام من القيلولة أي: تركته بتعهن، وفي عزمه أن يقيل بالسقيا، ومعنى قائل: سيقيل، والوجه الثاني: قابل بالموحدة، وهو ضعيف وغريب وتصحيف، وإن صح فمعناه أن تعهن موضع مقابل السقيا، وقال في "المفهم" وتبعه في "التنقيح": وهو قائل اسم فاعل من القول، ومن القائلة أيضًا، والأول هو المراد هنا، والسقيا مفعول بفعل مقدر كأنه كان بتعهن، وهو يقول لأصحابه اقصدوا السقيا، قال في "المصابيح": يصح كل من الوجهين أي: القول والقائلة، فإنه أدركه في وقت قيلولته، وهو عازم على المسير إلى السقيا، إما بقرينة حالية أو مقالية، ولا مانع من ذلك أصلًا وليتأمل قوله: "فإنه أدركه وقت قيلولته" فإن لقي أبي قتادة الغفاري كان في جوف الليل، وقصة الحمار كانت بالقاحة كما يأتي بعد باب، وهي على ميل من السقيا إلى جهة المدينة، فالظاهر أن لقيا الغفاري له ﵊ إنما كان ليلًا لا نهارًا، وعلى الوجه الأول: الضمير في قوله وهو للنبي ﷺ ، وعلى الثاني: الضمير لموضع وهو تعهن ولا شك أن الأول أصوب وأكثر فائدة، وعند الإسماعيلي عن هشام: وهو قائم بالسقيا، فأبدل اللام في قائل ميما وزاد الباء في السقيا، قال الإسماعيلي: الصحيح قائل باللام وزيادة الباء توهي الاحتمال الأخير المذكور.
وقوله: "فقلت: يا رسول الله" في السياق حذف، تقديره: فسرت فأدركته فقلت، ويوضحه رواية عليّ بن المبارك في الباب الذي يليه بلفظ: فلحقت برسول الله ﷺ حتى أتيته فقلت: يا رسول الله.
وقوله: "إن أهلك يقرؤن عليك السلام" المراد بالأهل هنا الأصحاب بدليل رواية مسلم وأحمد وغيرهما من هذا الوجه بلفظ: إن أصحابك.
وقوله: "فانتظرهم" بصيغة فعل الأمر من الانتظار زاد مسلم من هذا الوجه: "فانتظرهم" بصيغة الفعل الماضي منه، ومثله لأحمد عن ابن علية، وفي رواية عليّ بن المبارك: فانتظرهم ففعل.
стр. 6603
وقوله: "أصبت حمار وحش، وعندي منه فاضلة" كذا للأكثر بضاد معجمة أي: فضلة، قال الخطابي: قطعة فضلت منه، فهي فاضلة أي: باقية.
وقوله: "فقال للقوم: كلوا" ويأتي بعد بابين زيادة في فوائد هذا الحديث.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ معاذ بن فضالة، وعبد الله بن أبي قتادة، وأبو قتادة في التاسع عشر من الوضوء، ومرَّ هشام الدستوائي في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم.
ثم قال المصنف:
стр. 6604
باب إذا رأى المحرمون صيدًا فضحكوا ففطن الحلال
أي: لا يكون ذلك منهم إشارة له إلى الصيد، فيحل لهم أكل الصيد ويجوز كسر الطاء من فطن وفتحها.
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ أُحْرِمْ، فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ، فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الْفَرَسَ، فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا، وَأَسِيرُ عَلَيْهِ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلُوا يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمُ الْعُدُوُّ دُونَكَ، فَانْظُرْهُمْ، فَفَعَلَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ، وَإِنَّ عِنْدَنَا فَاضِلَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ: "كُلُوا". وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
قوله: "وأُنبئنا" بضم أوله أي: أخبرنا.
وقوله: "فبَصُر" بفتح الموحدة وضم المهملة، وفي رواية الكشميهني: "فنظر" بنون وظاء مثالة، وعلى هذا فدخول الباء في قوله: "بحمار وحش" مشكل إلا أن يقال ضمن نظر معنى بصر، أو الباء بمعنى إلى على مذهب من يقول: إنها تتناوب.
وقوله: "إنا أصَّدْنا" بتشديد المهملة وسكون الدال للأكثر بالإدغام، وأصله اصطدنا فأبدلت الطاء مثناة، ثم أُدغمت، ولبعضهم بتخفيف الصاد وسكون الدال بعد همزة مفتوحة، أي: أثرنا من الأصاد وهو الإثارة، ولبعضهم صدنا بغير ألف وقد مرت مباحثه في الذي قبله.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ محل يحيى وعبد الله وأبيه في الذي قبله، ومرَّ علي بن المبارك في متابعة
стр. 6605
بعد الرابع والثلاثين من الأذان. والخامس: سعيد بن الربيع الحرشي العامري أبو زيد الهروي البصري، قال أحمد: شيخ ثقة، لم أسمع منه شيئًا، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وهو من أقدم شيخ للبخاري، روى عن شعبة وهشام الدستوائي وقرة ابن خالد وغيرهم، وروى عنه البخاري، وروى له هو ومسلم والترمذي بواسطة، وأبو داود الحراني، وغيرهم، مات سنة إحدى عشرة ومائتين.
فيه التحديث بالجمع والأفراد، والعنعنة، والقول، وشيخه وشيخ شيخه بصريان، أخرجه البخاري أيضًا في المغازي وفي الجهاد وفي الذبائح وفي الهبة وفي الأطعمة ومسلم في الحج، وكذا أبو داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6606
باب لا يعين المحرم الحل الذي قتل الصيد
أي: بفعل ولا قول، قيل: أراد بهذه الترجمة الرد على من فرق من أهل الرأي بين الإعانة التي لا يتم إلاَّ بها فتحرم، وبين الإعائة التي يتم الصيد بدونها فلا تحرم.
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقَاحَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلاَثٍ (ح)، وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْقَاحَةِ، وَمِنَّا الْمُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ يَعْنِى وَقَعَ سَوْطُهُ فَقَالُوا: لاَ نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، إِنَّا مُحْرِمُونَ. فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تَأْكُلُوا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ أَمَامَنَا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: "كُلُوهُ حَلاَلٌ". قَالَ لَنَا عَمْرٌو: اذْهَبُوا إِلَى صَالِحٍ فَسَلُوهُ عَنْ هَذَا وَغَيْرِهِ، وَقَدِمَ عَلَيْنَا هَاهُنَا.
قوله: "بالقاحة" بالقاف والمهملة: واد على نحو ميل من السقاية إلى جهة المدينة، ويقال لواديها: وادي العباديد، وقد بين المصنف في الطريق الأولى أنها من المدينة على ثلاث، أي: ثلاث مراحل قال عياض: رواه الناس بالقاف إلا القابسي فضبطوه عنه بالفاء، وهو تصحيف، وعند الجوزقي عن سفيان: بالصفاح بدل القاحة، والصفاح بكسر المهملة بعدها فاء وآخره مهملة، وهو تصحيف فإن الصفاح موضع بالروحاء، وبين السقيا والروحاء مسافة طويلة، وقد تقدم أن الروحاء هو المكان الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر ثم التقوا بالقاحة، وبها وقع له الصيد المذكور وكأنه تأخر هو ورفقته للراحة أو غيرها، وتقدمهم النبي ﷺ إلى السقيا حتى لحقوه.
وقوله: "وحدثنا عليّ بن عبد الله"، هكذا حول المصنف الإِسناد إلى رواية عليّ للتصريح فيه عن سفيان بقوله: حدثنا صالح بن كيسان، وقد ساق المتن على لفظ علي خاصة، وهذه عادة المصنف غالبًا إذا تحول إلى إسناد ساق المتن على لفظ الثاني.
стр. 6607
وقوله: "عن أبي محمد" هو نافع مولى أبي قتادة ويأتي تعريفه في السند قريبًا.
وقوله: "فيتراءون" يتفاعلون من الرؤية.
وقوله: "يعني وقع سوطه فقالوا لا نعينك" كذا وقع، ورواه أبو عوانة عن عليّ بن المديني بلفظ: "فإذا حمار وحش فركبت فرسي وأخذت الرمح والسوط فسقط في السوط فقلت ناولوني، فقالوا ليس نعينك عليه بشيء إنا محرمون" وفي قولهم إنا محرمون دلالة على أنهم كانوا قد علموا أنه يحرم على المحرم الإعانة على قتل الصيد.
وقوله: "فتناولته بشيء فأخذته" وبهذا يندفع أشكال من قال: التناول: هو الأخذ، فما فائدة فأخذته؟ أو معناه: تكلفت التناول فأخذته.
وقوله: "من وراء أكمة" بفتحات: هي التل من حجر واحد، وقد تقدم الكلام عليها في الاستسقاء.
وقوله: "فقال بعضهم كلوا" قد تقدم من عدة أوجه أنهم أكلوا، والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم به ثم طرأ عليهم الشك كما في لفظ عثمان بن موهب في الباب الذي يليه: "فأكلنا من لحمها ثم قلنا أناكل من لحم صيد ونحن محرمون؟ " وأصرح من ذلك رواية أبي حازم في الهبة بلفظ: "ثم جئت به فوقعوا فيه يأكلون ثم أنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم" وفي حديث أبي سعيد: "فجعلوا يشوون ثم قالوا رسول الله بين أظهرنا" وكان تقدمهم فلحقوه فسألوه.
وقوله: "وهو أمامنا" بفتح أوله.
وقوله: "كلوه حلال" كذا وقع بحذف المبتدأ، وبين ذلك أبو عوانة فقال: "كلوه فهو حلال" وفي رواية مسلم فقال: "هو حلال فكلوه".
وقوله: سابقًا "فعقرته" أي: قتلته وأصله ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف، وهو قائم فتوسع فيه فاستعمل في مطلق القتل والإهلاك، وفيه أن عقر الصيد: ذكاته.
وقوله: "قال: لنا عمرو إذهبوا" الخ. عمرو هو ابن دينار وصرح به أبو عوانة في روايته، والقائل سفيان، والغرض بذلك تأكيد ضبطه له وسماعه له من صالح بن كيسان وأراد بقوله "قال: لنا عمرو إذهبوا" إلى آخره كيفية تحمله له من صالح وأنه بدلالة عمرو.
وقوله: "هاهنا" يعني مكة، والحاصل أن صالح بن كيسان كان مدنيا فقدم مكة فدل عمرو بن دينار أصحابه عليه ليسمعوا منه، وما حدث سفيان به عليًا إلا بعد موت صالح وعمرو بمدة طويلة.
стр. 6608
رجاله ستة:
قد مرّوا: إلا أبا محمد نافع، مرَّ عبد الله بن محمد المسندي في الثاني من الإيمان، ومرَّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ صالح بن كيسان في الأخير منه، ومرَّ علي بن عبد الله المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ أبو قتادة في التاسع عشر من الوضع، والباقي نافع بن عباس ويقال: ابن عياش الأقرع أبو محمد مولى أبي قتادة، ويقال مولى عقيلة الغفارية، ويقال إنهما اثنان. قال النسائي: نافع مولى أبي قتادة ثقة، وقال ابن حبان في "الثقات" نافع مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، ويقال له نافع مولى أبي قتادة، نسب إليه ولم يكن مولاه، وكذلك روى عن مغفل بن إبراهيم قال: سمعت رجلًا يقال له مولى أبي قتادة ولم يكن مولاه، يحدث عن أبي قتادة، فذكر حديث الحمار الوحشي، وعلى هذا نسب لأبي قتادة لكثرة ملازمته له وخدمته له، وقال ابن سعد: في الطبقة الثالثة كان قليل الحديث، وقال ابن شاهين: في الثقات، قال أحمد بن حنبل معروف.
روى عن أبي قتادة وأبي هريرة وروى عنه سالم أبو النضر وصالح بن كيسان والزهري وغيرهم.
ثم قال المصنف:
стр. 6609
باب لا يشر المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال
أشار المصنف إلى تحريم ذلك ولم يتعرض لوجوب الجزاء، وهي مسألة خلاف فاتفقوا كما تقدم على تحريم الإشارة إلى الصيد ليصطاد، وعلى سائر وجوه الدلالات على المحرم لكن قيده أبو حنيفة بما إذا لم يمكن الاصطياد بدونها، واختلفوا في وجوب الجزاء على المحرم، إذا دل الحلال على الصيد بإشارة أو غيرها أو أعان عليه، فقال الكوفيون وأحمد وإسحاق: يضمن المحرم ذلك، وقال مالك والشافعي: لا ضمان عليه، كما لو دل الحلال حلالًا على قتل صيد في الحرم، قالوا ولا حجة في حديث الباب لأن السؤال عن الإعانة والإشارة إنما وقع ليبين لهم هل يحل لهم أكله أو لا ولم يتعرض لذكر الجزاء الموفق بأنه قول علي وابن عباس، ولا نعلم لهما مخالفًا من الصحابة، وأجيب بأنه اختلف فيه على ابن عباس وفي ثبوته عن علي نظر، ولأن القاتل انفرد بقتله باختباره مع انفصال الدالِّ عنه فصار كمن دل محرمًا أو صائمًا على امرأة وطئها فإنه يأثم بالدلالة، ولا تلزمه كفارة ولا يفطر بذلك.
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ، فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ: "خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ". فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلاَّ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، وَقَالُوا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَالَ: "مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا". قَالُوا: لاَ. قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا".
قوله: "خرج حاجًّا" قد مرَّ ما قيل فيه في الرواية الأولى "انطلق أبي عام الحديبية".
وقوله: "إلا أبا قتادة كذا للكشميهني ولغيره إلاَّ أبو قتادة بالرفع ووقع بالنصب عند مسلم وغيره، من هذا الوجه قال ابن مالك: حق المستثنى بإلَّا من كلام تام موجب أن ينصب مفردًا
стр. 6610
كان أو مكملًا معناه بما بعده، فالمفرد نحو قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ والمكمل نحو ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلاَّ النصب، وقد أغفلوا وروده مرفوعًا بالابتداء مع ثبوت الخبر وجمع حذفه، فمن أمثلة الثابت الخبر قول أبي قتادة: "أحرموا كلهم إلاَّ أبو قتادة لم يحرم"، فإلَّا بمعنى لكن وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ فإنه لا يصح أن يجعل امرأتك بدلًا من أحد لأنها لم تسر معهم فيتضمنها ضمير المخاطبين، وتكلف بعضهم بأنه وإن لم يسر بها لكنها شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت، قال: وهذا على تقدير صحته لا يوجب دخولها في المخاطبين ومن أمثلة المحذوف الخبر قوله ﵊: "كل أمتي معافى إلاَّ المجاهرون" أي: لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، ومن كتاب الله تعالى قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ أي: لكن قليل منهم لم يشربوا، قال: وللكوفيين في هذا الثاني مذهب آخر وهو أن يجعلوا إلاَّ حرف عطفٍ وما بعدها معطوف على ما قبلها، وفي نسبة الكلام المذكور لابن أبي قتادة نظر، فإن سياق الحديث ظاهر في أن قوله: قول أبي قتادة حيث قال: إن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ خرج حاجًّا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة إلى أن قال: أحرموا كلهم إلاَّ أبو قتادة. وقول أبي قتادة: فيهم أبو قتادة من باب التجريد وكذا قوله: إلاَّ أبو قتادة ولا حاجة إلى جعله من قول ابنه لا يستلزم أن يكون الحديث مرسلًا، ومن توجيه الرواية المذكورة، وهي قوله: "إلاَّ أبو قتادة" أن يكون على مذهب من يقول: عليّ بن أبو طالب يعني على حكاية لفظ "أبي طالب".
وقوله: "فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانًا" في هذا السياق زيادة على جميع الروايات لأنها متفقة على أفراد الحمار بالرؤية وأفادت هذه الرواية أنه من جملة الحمر وأن المقتول كان أتانًا أي: انثى، فعلى هذا في إطلاق الحمار عليها تجوز.
وقوله: "فحملنا ما بقي من لحم الأتان" في رواية أبي حازم: الآتية للمصنف في الهبة: "فرحنا، وخبأت العضد معي وفيه معكم منه شيء فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها" وله في الجهاد قال: "معنا رجله فأخذها فأكلها" وفي رواية المطلب "قد رفعنا لك الذراع فأكل منها".
وقوله: "قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل أو أشار إليها قالوا لا" وفي رواية مسلم: "هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ " وله من طريق شعبة عن عثمان: "هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم"، ولأبي عوانة من هذا الوجه: "أشرتم أو اصطدتم أو قتلتم".
وقوله: "قال: فكلوا ما بقي من لحمها"، صيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب لأنها وقعت
стр. 6611
جوابًا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب فوقعت الصيغة على مقتضى السؤال، ولم يذكر في هذه الرواية أنه ﵊ أكل من لحمها، وذكره في روايتي أبي حازم كما مرَّ، ولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن عبد الله ابن أبي قتادة غيره، ووافقه صالح بن كيسان، عند أحمد وأبي داود الطيالسي، وأبي عوانة، ولفظه: "فقال كلوا وأطعموني" وكذا لم يذكرها أحد من الرواة عن أبي قتادة نفسه إلاَّ المطلب عن سعيد بن منصور، وتفرد معمر عن يحيى بن أبي كثير بزيادة مضادة لروايتي أبي حازم كما أخرجه إسحاق وابن خزيمة والدارقطني من طريقه، وقال في آخره فذكرت شأنه لرسول الله ﷺ وقلت: "إنما اصطدته لك، فأمر أصحابه فأكلوه ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له" قال ابن خزيمة، والنيسابوري، والدارقطني: تفرد بهذه الزيادة معمر، قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظة أحتمل أن يكون ﵊ أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه امتنع، وفيه نظر لأنه لو كان حرامًا ما أقر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله، ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز فإن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يعلم أنه صيد من أجله، وأما إذا أتي بلحم لا يدري الحم صيد أو لا فحمله على أصل الإباحة فأكل منه لم يكن ذلك حرامًا على الأكل، وفيه وقفة فإن الروايات المتقدمة ظاهرة في أن الذي تأخر هو العضد، وأنه ﷺ أكلها حتى تعرقها أي لم يبق منها إلاَّ العظم، وعند البخاري في الهبة: حتى نفدها أي فرغها، فأي شيء يبقى منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بأكله، لكن رواية أبي محمد الآتية في الصيد "أبقي معكم شيء منه قلت: نعم قال: كلوا فهو طعمة أطعمكموها الله" فأشعر بأنه بقي منها غير العضد وفي هذا الحديث من الفوائد جواز أكل المحرم لحم الصيد إذا لم تكن منه دلالة، ولا إشارة، وفي أكله له اختلاف، فمذهب مالك والشافعي أنه ممنوع إن صاده أو صيد لأجله سواء كان بإذنه أو بغير إذنه، لحديث جابر مرفوعًا: "لحم الصيد لكم في الإحرام حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وعبارة الشيخ خليل في "مختصره": وما صاده محرم أو صيد له ميتة، قال شراحة: أي: فلا يأكله حلال ولا حرام وجاء عن مالك تفصيل آخر بين ما صيد للمحرم قبل إحرامه يجوز له الأكل منه، أو بعد إحرامه فلا، وقال عليَّ وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق بتحريم أكل المحرم من لحم الصيد مطلقًا، واستدلوا بحديث الصعب بن جثامة حيث قال في: "إنا لم نرده عليك إلاَّ أنا حرم"، وزاد النسائي: "لا نأكل الصيد"، وفي رواية ابن عباس: "لولا أنَّا محرمون لقبلناه منك"، قالوا: لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرمًا، فدلَّ على أنه سبب الإمتناع خاصة، وبما أخرجه أبو داود وغيره عن عليّ أنَّه قال لناس من أشجح: أتعلمون أن رسول الله ﷺ أهدى له رجل حمار وحش، وهو محرم، فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم، لكن يعارض هذا الظاهر ما أخرجه مسلم عن طلحة أنه أهدي له لحم طير، وهو محرم فوقف عن أكله، وقال: أكلناه مع رسول
стр. 6612
الله ﷺ ، وحديث أبي قتادة هذا، وحديث عمير بن سلمة: أن البهزي أهدى للنبي ﷺ ظبيًا وهو محرم، فأمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه أن يقسم بين الرفاق. أخرجه مالك وأصحاب "السنن"، وصححه ابن خزيمة وغيره.
وبالجواز مطلقًا قال الكوفيون ومنهم: أبو حنيفة، وطائفة من السلف، وجمع الجمهور بين ما اختلف من ذلك بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، قالوا: والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد لا يحرم على المرء إذا صيد له، إلا إذا كان محرمًا، فبين الشرط الأصلي، وسكت عما عداه فلم يدل على نفسه، وقد بينه في الأحاديث الأخر ويؤيد هذا الجمع حديث جابر المتقدم، وبين العلتين جميعًا في حديث النسائي المتقدم: "إنا حرم لا نأكل الصيد"، وعن عثمان التفصيل بين ما يصاد لأجله من المحرمين، فيمتنع عليه ولا يمتنع على محرِم آخر، وقال ابن المنير: حديث الصعب يشكل على مالك لأنه يقول: ما صيد من أجل المحرم يحرم على المحرم وعلى غير المحرم. فيمكن أن يقال: قوله: "فرده عليه" لا يستلزم أنه أباح له أكله، بل يجوز أن يكون أمره بإرساله إن كان حيًّا، وطرحه إن كان مذبوحا، فإن السكوت عن الحكم لا يدل على الحكم بضده، وتعقب بأنه وقت البيان، فلو لم يجز له الانتفاع به لم يرده عليه أصلًا، إذ لا اختصاص له به، وقال المرادوي من الحنابلة في كتاب "الانتصاف" له: يحرم ما صيد لأجله على الصحيح من المذهب، نقله الجماعة عن أحمد وعليه الأصحاب، قال: وفي "الانتصار" احتمال بجواز أكل ما صيد لأجله، وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: ولا بأس أن يأكل المحرم صيدًا اصطاده حلال وذبحه إذا لم يدله المحرم عليه، ولا أمره بصيده، واستدلوا بما روي أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تذاكروا لحم الصيد في حق المحرم، فقال ﵊: "لا بأس به"، وقالوا: إن اللام في قوله: "لحم الصيد لكم" في حديث جابر المتقدم، لام تمليك فيحمل على أن يهدي إليه الصيد دون اللحم، أو يصاد بأمره، قال في "فتح القدير": أما إذا اصطاد الحلال للمحرم صيدًا بأمره فاختلف فيه عندنا؛ فذكر الطحاوي تحريمه على المحرم، وقال الجرجاني: لا يحرم، واستدلت الحنفية على جواز أكل المحرم ما صيد لأجله بأن الصحابة لما سألوا النبي ﷺ لم يجب بحله لهم، حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا؟ فقال ﵊: "أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا إذن" فلو كان من الموانع أن يصطاد لهم، لنظمه في سلك ما يسأل عنه منها في التفحص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوه عنها، وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد للمحرم مانعًا، فيعارض حديث جابر ويقدم عليه لقوة ثبوته، إذ هو في "الصحيحين" وغيرهما من الكتب الستة، بل في حديث جابر:
стр. 6613
لحم الصيد إلخ انقطاع لأن المطلب بن حنطب لم يسمع من جابر عند غير واحد، وكذا في رجاله من فيه لين.
وفي حديث أبي قتادة أيضًا أن تمني المحرم أن يقع الحلال الصيد ليأكل منه لا يقدح في إحرامه، وأن الحلال إذا صاد لنفسه جاز للمحرم الأكل من صيده، وهذا يقوي من حمل الصيد في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ على الإصطياد وفيه الاستيهاب من الأصدقاء، وقبول الهدية منهم، وقال عياض: عندي أن النبي ﷺ طلب من أبى قتادة ذلك، تطبيبًا لقلب من أكل منه، بيانًا للجواز بالقول والفعل، لإزالة الشبهة التي حصلت لهم.
وفيه تسمية الفرس، وألحق المصنف به الحمار، فترجم له في الجهاد، وقال ابن العربي: قالوا: يجوز التسمية لما لا يعقل، وإن كان لا يتفطن له، ولا يجيب إذا نودي، مع أن بعض الحيوانات ربما أدمن على ذلك بحيث يصير يميز اسمه إذا دعي.
وفيه إمساك نصيب الرفيق الغائب ممن يتعين احترامه، أو ترجى بركته، أو يتوقع منه ظهور حكم تلك المسألة بخصوصها.
وفيه تفريق الإِمام أصحابه للمصلحة، واستعمال الطليعة في الغزو، وتبليغ السلام عن قرب وبعد، وليس فيه دليل على جواز ترك رد السلام ممن بلغه؛ لأنه يحتمل أن يكون وقع وليس في الخبر ما ينفيه.
وفيه أن عقر الصيد ذكاته، وجواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ ، قال ابن العربي: هو اجتهاد بقرب النبي ﷺ لا في حضرته.
وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان، ولا يعاب واحد منهما على ذلك، لقوله: "فلم يعب ذلك علينا" وكان الآكل تمسك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطارىء.
وفيه الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة، وركض الفرس في الاصطياد، والتصيد في الأماكن الوعرة، والاستعانة بالفارس، وحمل الزاد في السفر، والرفق بالأصحاب والرفقاء في السفر، واستعمال الكناية في الفعل كما تستعمل في القول لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحل.
وفيه جواز سوق الفرس للحاجة، والرفق به مع ذلك لقوله: "وأسير شاوًا"، ونزول المسافر وقت القائلة.
وفيه ذكر الحكم مع الحكمة في قوله: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله" ولا يجوز للمحرم قتل الصيد إلاَّ إن صال عليه فقتله دفعًا، فيجوز ولا ضمان عليه.
стр. 6614
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ موسى بن إسماعيل وأبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ عثمان بن موهب في تعليق بعد الثاني من الزكاة، ومرَّ عبد الله بن أبي قتادة، وأبوه في التاسع عشر من الوضوء.
ثم قال المصنف:
стр. 6615
باب إذا أهدي للمحرم حمارًا وحشيًا حيًا لم يقبل
أي: إذا أهدى الحلال للمحرم.
وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحا موهومة، قال النووي: ترجم البخاري يكون الحمار حيا وليس في سياق الحديث تصريح بذلك، وكذا نقلوا هذا التأويل، وهو باطل؛ لأن الروايات التي ذكرها مسلم الآتية قريبًا صريحة في أنه مذبوح، قال في "الفتح": وإذا تأملت ما تقدم وما يأتي قريبا لم يحسن إطلاق بطلان التأويل المذكور ولاسيما في رواية الزهري التي هي عمدة هذا الباب، وقد قال الشافعي في "الأم": حديث مالك أن الصعب أهدى حمارا أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار، وقال الترمذي: روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب لحم حمار وحش، وهو غير محفوظ.
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ".
قوله: "عن ابن شهاب" الخ لم يختلف على مالك في سياقه معنعنًا، وإنه من مسند الصعب، إلاَّ ما وقع في "موطأ" ابن وهب، فإنه قال في روايته عن ابن عباس: إن الصعب بن جثامة أهدى فجعله من مسند ابن عباس، وكذا أخرجه مسلم عن ابن عباس قال: أهدى الصعب، والمحفوظ في حديث مالك الأول وسيأتي للمصنف في الهبة عن الزهري: أخبرني عبيد الله، أن ابن عباس أخبره أنه سمع الصعب -وكان من أصحاب النبي ﷺ يخبر أنه أهدى، والصعب يأتي تعريفه في السند قريبًا.
وقوله: "حمارًا وحشيًا" لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك، وتابعه عامة الرواة عن الزهري، وخالفهم ابن عيينة عن الزهري فقال: لحم حمار وحش أخرجه مسلم، لكن بين الحميدي صاحب سفيان أنه كان يقول في هذا الحديث: حمار وحش، ثم صار يقول: لحم حمار وحش، فدل على اضطرابه فيه، وقد توبع على قوله: لحم حمار وحش من أوجه فيها مقال، منها: ما أخرجه الطبراني عن عمرو بن دينار، عن الزهري، وإسناده ضعيف، وأخرج
стр. 6616
إسحاق في "مسنده" عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن الزهري فقال: لحم حمار، وقد خالفه خالد الواسطي، عن محمد بن عمرو فقال: حمار وحش كالأكثر، وأخرجه الطبري عن أبي إسحاق عن الزهري فقال: رجل حمار وحش، وابن إسحاق لا يحتج به إذا خولف، ويدل على وهم ما قال في ذلك عن الزهري أن ابن جريج قال: قلت للزهري: الحمار عقير؟ قال: لا أدري، أخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة في "صحيحهما"، وأخرج مسلم عن الحكم، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس قال: أهدى الصعب إلى النبي ﷺ رجلَ حمارٍ، وفي رواية عنده: عجزَ حمار وحش يقطر دمًا، وأخرجه أيضًا عن سعيد فقال تارة: حمار وحش، وتارة: شق حمار، ويقوي ذلك ما أخرجه مسلم عن طاوس، عن ابن عباس قال: قدم زيد بن أرقم فقال: له ابن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي لرسول الله ﷺ وهو حرام؟ قال: أهدي له عضو من لحم فردَّه، وقال: "إنا لا نأكله إنا حرم" قال النووي: وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدي بعض لحم صيد لأكله، ولا معارضة بين رجل حمار وعجزه وشقه إذ تندفع بإرادة رجل معها فخذ وبعض جانب الذبيحة، فوجب حمل رواية: أهدي حمارًا على أنه من إطلاق اسم الكل على البعض، ويمتنع العكس، إذ إطلاق الرجل على كل الحيوان غير معهود؛ لأنه لا يطلق على زيد إصبع ونحوها؛ لأنه غير جائز لما عرف من أن شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم كالرقبة والرأس على الإنسان، إذ لا إنسان دونهما بخلاف نحو الرجل والظفر، وأما إطلاق العين على الرقيب فليس من حيث هو إنسان، بل من حيث هو رقيب، وهو من هذه الحيثية لا يتحقق بلا عين، على ما عرف في التحقيقات، وهو أحد معاني المشترك اللفظي كما عده الأكثر منها، ثم إن في هذا العمل ترجيحًا للأكثر، أو يحكم بغلط رواية الباب بناء على أن الراوي رجع عنها تبيينا لغلطه، وقد مرَّ أن ابن عيينة صار يقول: لحم حمار وحش، قال الحميدي: إلى أن مات، وهذا يدل على رجوعه وثباته على ما رجع إليه، والظاهر أنه لتبيينه غلطه أولًا، وقال البيهقي: كان ابن عيينة يضطرب فيه فرواية العدد الذين لم يشكوا فيه أولى.
وقوله: "وهو بالأبواء" بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالمد: جبل من عمل الفُرْع بضم الفاء وسكون الراء بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، ويسمى بذلك لما فيه من الوباء، ولو كان كما قيل:، لقيل: الأوباء، وهو مقلوب عنه والأقرب أنه يسمى بذلك لأن السيول تتبوؤه أي: تحله.
وقوله: "أو بودان": شك من الراوي، وهو بفتح الواو وتشديد الدال، وآخره نون موضع بقرب الجحفة أو قرية جامعة من ناحية الفرع وودان أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة، للآتي من المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، ومن ودان إلى الجحفة ثمانية أميال، والشك من الراوي، لكن جزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهري بودان، وجزم
стр. 6617
معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو بالأبواء.
وقوله: "فرده عليه" ولأبي الوقت: فرد عليه، بحذف ضمير المفعول أي: رد ﵊ الحمار على الصعب، وقد اتفقت الروايات كلها على أنه ﵊ رده عليه إلَّا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن عن عمرو بن أمية: أن الصعب أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وحش -وهو بالجحفة- فأكل منه، وأكل القوم، قال البيهقي: إن كان هذا محفوظًا فلعله رد الحيّ وقبل اللحم، قال في الفتح: وفي هذا الجمع نظر، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله رده حيًّا لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة لذلك، وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله، وقد قال الشافعي في الأم: إن كان الصعب أهدى له حمارًا حيًّا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حي، وإن كان أهدى له لحما، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له، ونقل الترمذي عن الشافعي: أنه رده لظنه أنه صيد من أجله، فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة، وفي غيرها من الروايات بالأبواء، أو بودان، وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا، ثم قطع منه عضوًا بحضرة النبي ﷺ فقدمه له، فمن قال: أهدى حمارًا أراد بتمامه مذبوحًا لا حيًّا، ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه للنبي ﷺ ، ويحتمل أنه هداه له حيًّا، فلما رده عليه ذكاه، وأتاه بعضو منه ظانًا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل، قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات.
وقوله: "فلما رأى ما في وجهه" في رواية شعيب: "فلما عرف في وجهي رده هديتي"، وفي رواية الليث عن الزهري عند الترمذي: "فلما رأى ما في وجهه من الكراهية" وكذا لابن خزيمة، عن ابن جريج.
وقوله: "إنا لم نرده" أي: عليك، في رواية شعيب وابن جريج: "أليس بنا رد عليك"، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند الطبراني: إنا لم نرده عليك كراهية له، ولكنا حرم، قال عياض: ضبطناه في الروايات لم نردَّه بفتح الدال، وأبى ذلك المحققون من أهل العربية وقالوا: الصواب أنه بضم الدال لأن المضاعف من المجزوم يراعى فيه الواو التي توجبها له ضمة الهاء بعدها قال: وليس الفتح بغلط بل ذكره ثعلب في الفصيح، نعم تعقبوه عليه بأنه ضعيف وأوهم صنيعه أنه فصيح وأجازوا أيضًا الكسر، وهو أضعف الأوجه، وفي رواية الكشميهني بفك الادغام: لم نردده بضم الأولى وسكون الثانية ولا إشكال فيه.
وقوله: "إلا أنا حرم" قد مرت رواية صالح بن كيسان عند النسائي: "لا نأكل الصيد"
стр. 6618
ورواية سعيد عن ابن عباس: "لولا أنا محرمون لقبلناه منك" وقد مرَّ عند حديث أبي قتادة ما قيل في أكل المحرم لحم الصيد عند الأئمة، وما يمكن الجمع به بين الأحاديث، ولا يقال: إن حديث أبي قتادة منسوخ بحديث الصعب، لكون حديث أبي قتادة كان عام الحديبية، وحديث الصعب كان في حجة الوداع لأنا نقول: إن النسخ إنما يصار إليه إذا تعذر الجمع، كيف والحديث المتأخر محتمل لا دلالة فيه على الحرمة العامة صريحًا ولا ظاهرًا حتى يعارض الأول فينسخه؟! وقال ابن الهمام في فتح القدير: أما كون حديث الصعب كان في حجة الوداع لم يثبت عندنا، وإنما ذكره الطبري وبعضهم، ولم نعلم لهم فيه ثبتًا صحيحًا، وأما حديث أبي قتادة، فإنه وقع في مسند عبد الرزاق عنه: انطلقنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم، ففي الصحيحين عنه خلاف ذلك، وهو ما روى عنه أنه ﵊ خرج حاجًا، فخرجوا معه، فصرف طائفة فيهم أبو قتادة الحديث، ومعلوم أنه ﵊ لم يحج إلاَّ في حجة الوداع، يقال فيه: قد ثبت في البخاري في باب جزاء الصيد عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي عام الحديبية فأحرم أصحابه، ولم يحرم الحديث، وكذا في باب إذا رأى المحرمون صيدًا، فضحكوا، وأما قوله في الحديث الذي ساقه: خرج حاجًا، فقد سبق الجواب عنه في باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم، عند أول الروايات، وفي حديث الصعب الحكم بالعلامة لقوله: فلما رأى ما في وجهي.
وفيه جواز رد الهدية لعلة وترجم المصنف من رد الهدية لعلة.
وفيه الاعتذار عن رد الهدية تطييبًا لقلب المهدي، وأن الهبة لا تدخل في الملك إلاَّ بالقبول، وأن قدرته على تملكها لا تصيره مالكًا لها، وأن على المحرم أن يرسل ما بيده من الصيد الممتنع عليه اصطياده.
رجاله ستة:
قد مرّوا إلاَّ الصعب: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ الزهري في الثالث منه، ومرَّ عبيد الله المسعودي في السادس منه، وابن عباس في الخامس منه.
والصعب -ضد السهل- هو ابن جثامة -بفتح الجيم وتشديد الثاء- ابن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر الليثي، حليف قريش، أمه أخت أبي سفيان بن حرب، وأسمها فاختة، وقيل: زينب، ويقال: هو أخو محلم بن جثامة، وكان الصعب ينزل ودان، وقد أخرج ابن السكن، عن راشد بن سعد قال: لما فتحت: إصطخر، نادى مناد: ألا إن الدجال قد خرج، فلقيهم الصعب بن جثامة فقال: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يخرج الدجال حتى
стр. 6619
يذهل الناس عن ذكره، وحتى يترك الأمة ذكره على المنابر" وهذا يرد على من قال: إنه مات في خلافة أبي بكر، وقال ابن منده: كان الصعب ممن شهد فتح فارس، وروى ابن إسحاق عن عروة قال: لما ركب أهل العراق في الوليد بن عقبة كانوا خمسة، منهم: الصعب بن جثامة، وروى ابن الكلبي في "الجمهرة": أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "لولا الصعب بن جثامة لفضحت الخيل" وأخرج أبو بكر بن لال في كتاب "المتحابين" عن ثابت قال: آخى رسول الله ﷺ بين عوف بن مالك والصعب بن جثامة، فقال كل منهما للآخر: إن من قبلي فتراءَ إلى فمات الصعب قبل عوف فتراءى له، له أحاديث في الصحيح من رواية ابن عباس عنه، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بآخر، قال ابن حبان: مات في آخر خلافة عمر، ويقال: مات في خلافة عثمان.
لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، وهو من مسند الصعب، إلاَّ أنه وقع في موطأ ابن وهب، عن ابن عباس فجعله من مسنده، أخرجه البخاري أيضًا في الهبة، ومسلم في الحج، وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6620
باب ما يقتل المحرم من الدواب
أي: مما لا يجب عليه فيه الجزاء.
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ".
قوله: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح" أي: إثم، أو حرج، كذا أورده مختصرًا وأحال به على طريق سالم، وهو في الموطأ وتمامه: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، ويأتي استيفاء الكلام على هذه الأشياء عند حديث عائشة إن شاء الله تعالى.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
ثم قال:
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ.
"هذا معطوف على الطريق الأولى وهو في الموطأ كذلك عن نافع، عن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وقد أورده المصنف في بدء الخلق عن القعنبي، عن مالك وساق لفظه مثله سواء، وكذا أخرجه مسلم، وأحمد عن عبد الله بن دينار، إلاَّ أن أحمد قال: الحية بدل العقرب.
وعبد الله بن دينار مرَّ في الثاني من الإيمان.
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ.
следующие страницы →