Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.
стр. 6616
إسحاق في "مسنده" عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن الزهري فقال: لحم حمار، وقد خالفه خالد الواسطي، عن محمد بن عمرو فقال: حمار وحش كالأكثر، وأخرجه الطبري عن أبي إسحاق عن الزهري فقال: رجل حمار وحش، وابن إسحاق لا يحتج به إذا خولف، ويدل على وهم ما قال في ذلك عن الزهري أن ابن جريج قال: قلت للزهري: الحمار عقير؟ قال: لا أدري، أخرجه ابن خزيمة وأبو عوانة في "صحيحهما"، وأخرج مسلم عن الحكم، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس قال: أهدى الصعب إلى النبي ﷺ رجلَ حمارٍ، وفي رواية عنده: عجزَ حمار وحش يقطر دمًا، وأخرجه أيضًا عن سعيد فقال تارة: حمار وحش، وتارة: شق حمار، ويقوي ذلك ما أخرجه مسلم عن طاوس، عن ابن عباس قال: قدم زيد بن أرقم فقال: له ابن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي لرسول الله ﷺ وهو حرام؟ قال: أهدي له عضو من لحم فردَّه، وقال: "إنا لا نأكله إنا حرم" قال النووي: وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه إنما أهدي بعض لحم صيد لأكله، ولا معارضة بين رجل حمار وعجزه وشقه إذ تندفع بإرادة رجل معها فخذ وبعض جانب الذبيحة، فوجب حمل رواية: أهدي حمارًا على أنه من إطلاق اسم الكل على البعض، ويمتنع العكس، إذ إطلاق الرجل على كل الحيوان غير معهود؛ لأنه لا يطلق على زيد إصبع ونحوها؛ لأنه غير جائز لما عرف من أن شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم كالرقبة والرأس على الإنسان، إذ لا إنسان دونهما بخلاف نحو الرجل والظفر، وأما إطلاق العين على الرقيب فليس من حيث هو إنسان، بل من حيث هو رقيب، وهو من هذه الحيثية لا يتحقق بلا عين، على ما عرف في التحقيقات، وهو أحد معاني المشترك اللفظي كما عده الأكثر منها، ثم إن في هذا العمل ترجيحًا للأكثر، أو يحكم بغلط رواية الباب بناء على أن الراوي رجع عنها تبيينا لغلطه، وقد مرَّ أن ابن عيينة صار يقول: لحم حمار وحش، قال الحميدي: إلى أن مات، وهذا يدل على رجوعه وثباته على ما رجع إليه، والظاهر أنه لتبيينه غلطه أولًا، وقال البيهقي: كان ابن عيينة يضطرب فيه فرواية العدد الذين لم يشكوا فيه أولى.
وقوله: "وهو بالأبواء" بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالمد: جبل من عمل الفُرْع بضم الفاء وسكون الراء بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، ويسمى بذلك لما فيه من الوباء، ولو كان كما قيل:، لقيل: الأوباء، وهو مقلوب عنه والأقرب أنه يسمى بذلك لأن السيول تتبوؤه أي: تحله.
وقوله: "أو بودان": شك من الراوي، وهو بفتح الواو وتشديد الدال، وآخره نون موضع بقرب الجحفة أو قرية جامعة من ناحية الفرع وودان أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة، للآتي من المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، ومن ودان إلى الجحفة ثمانية أميال، والشك من الراوي، لكن جزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهري بودان، وجزم
стр. 6617
معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو بالأبواء.
وقوله: "فرده عليه" ولأبي الوقت: فرد عليه، بحذف ضمير المفعول أي: رد ﵊ الحمار على الصعب، وقد اتفقت الروايات كلها على أنه ﵊ رده عليه إلَّا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن عن عمرو بن أمية: أن الصعب أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وحش -وهو بالجحفة- فأكل منه، وأكل القوم، قال البيهقي: إن كان هذا محفوظًا فلعله رد الحيّ وقبل اللحم، قال في الفتح: وفي هذا الجمع نظر، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فلعله رده حيًّا لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة لذلك، وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله، وقد قال الشافعي في الأم: إن كان الصعب أهدى له حمارًا حيًّا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حي، وإن كان أهدى له لحما، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له، ونقل الترمذي عن الشافعي: أنه رده لظنه أنه صيد من أجله، فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة، وفي غيرها من الروايات بالأبواء، أو بودان، وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحًا، ثم قطع منه عضوًا بحضرة النبي ﷺ فقدمه له، فمن قال: أهدى حمارًا أراد بتمامه مذبوحًا لا حيًّا، ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه للنبي ﷺ ، ويحتمل أنه هداه له حيًّا، فلما رده عليه ذكاه، وأتاه بعضو منه ظانًا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل، قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات.
وقوله: "فلما رأى ما في وجهه" في رواية شعيب: "فلما عرف في وجهي رده هديتي"، وفي رواية الليث عن الزهري عند الترمذي: "فلما رأى ما في وجهه من الكراهية" وكذا لابن خزيمة، عن ابن جريج.
وقوله: "إنا لم نرده" أي: عليك، في رواية شعيب وابن جريج: "أليس بنا رد عليك"، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند الطبراني: إنا لم نرده عليك كراهية له، ولكنا حرم، قال عياض: ضبطناه في الروايات لم نردَّه بفتح الدال، وأبى ذلك المحققون من أهل العربية وقالوا: الصواب أنه بضم الدال لأن المضاعف من المجزوم يراعى فيه الواو التي توجبها له ضمة الهاء بعدها قال: وليس الفتح بغلط بل ذكره ثعلب في الفصيح، نعم تعقبوه عليه بأنه ضعيف وأوهم صنيعه أنه فصيح وأجازوا أيضًا الكسر، وهو أضعف الأوجه، وفي رواية الكشميهني بفك الادغام: لم نردده بضم الأولى وسكون الثانية ولا إشكال فيه.
وقوله: "إلا أنا حرم" قد مرت رواية صالح بن كيسان عند النسائي: "لا نأكل الصيد"
стр. 6618
ورواية سعيد عن ابن عباس: "لولا أنا محرمون لقبلناه منك" وقد مرَّ عند حديث أبي قتادة ما قيل في أكل المحرم لحم الصيد عند الأئمة، وما يمكن الجمع به بين الأحاديث، ولا يقال: إن حديث أبي قتادة منسوخ بحديث الصعب، لكون حديث أبي قتادة كان عام الحديبية، وحديث الصعب كان في حجة الوداع لأنا نقول: إن النسخ إنما يصار إليه إذا تعذر الجمع، كيف والحديث المتأخر محتمل لا دلالة فيه على الحرمة العامة صريحًا ولا ظاهرًا حتى يعارض الأول فينسخه؟! وقال ابن الهمام في فتح القدير: أما كون حديث الصعب كان في حجة الوداع لم يثبت عندنا، وإنما ذكره الطبري وبعضهم، ولم نعلم لهم فيه ثبتًا صحيحًا، وأما حديث أبي قتادة، فإنه وقع في مسند عبد الرزاق عنه: انطلقنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم، ففي الصحيحين عنه خلاف ذلك، وهو ما روى عنه أنه ﵊ خرج حاجًا، فخرجوا معه، فصرف طائفة فيهم أبو قتادة الحديث، ومعلوم أنه ﵊ لم يحج إلاَّ في حجة الوداع، يقال فيه: قد ثبت في البخاري في باب جزاء الصيد عن عبد الله بن أبي قتادة قال: انطلق أبي عام الحديبية فأحرم أصحابه، ولم يحرم الحديث، وكذا في باب إذا رأى المحرمون صيدًا، فضحكوا، وأما قوله في الحديث الذي ساقه: خرج حاجًا، فقد سبق الجواب عنه في باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم، عند أول الروايات، وفي حديث الصعب الحكم بالعلامة لقوله: فلما رأى ما في وجهي.
وفيه جواز رد الهدية لعلة وترجم المصنف من رد الهدية لعلة.
وفيه الاعتذار عن رد الهدية تطييبًا لقلب المهدي، وأن الهبة لا تدخل في الملك إلاَّ بالقبول، وأن قدرته على تملكها لا تصيره مالكًا لها، وأن على المحرم أن يرسل ما بيده من الصيد الممتنع عليه اصطياده.
رجاله ستة:
قد مرّوا إلاَّ الصعب: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ الزهري في الثالث منه، ومرَّ عبيد الله المسعودي في السادس منه، وابن عباس في الخامس منه.
والصعب -ضد السهل- هو ابن جثامة -بفتح الجيم وتشديد الثاء- ابن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر الليثي، حليف قريش، أمه أخت أبي سفيان بن حرب، وأسمها فاختة، وقيل: زينب، ويقال: هو أخو محلم بن جثامة، وكان الصعب ينزل ودان، وقد أخرج ابن السكن، عن راشد بن سعد قال: لما فتحت: إصطخر، نادى مناد: ألا إن الدجال قد خرج، فلقيهم الصعب بن جثامة فقال: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يخرج الدجال حتى
стр. 6619
يذهل الناس عن ذكره، وحتى يترك الأمة ذكره على المنابر" وهذا يرد على من قال: إنه مات في خلافة أبي بكر، وقال ابن منده: كان الصعب ممن شهد فتح فارس، وروى ابن إسحاق عن عروة قال: لما ركب أهل العراق في الوليد بن عقبة كانوا خمسة، منهم: الصعب بن جثامة، وروى ابن الكلبي في "الجمهرة": أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "لولا الصعب بن جثامة لفضحت الخيل" وأخرج أبو بكر بن لال في كتاب "المتحابين" عن ثابت قال: آخى رسول الله ﷺ بين عوف بن مالك والصعب بن جثامة، فقال كل منهما للآخر: إن من قبلي فتراءَ إلى فمات الصعب قبل عوف فتراءى له، له أحاديث في الصحيح من رواية ابن عباس عنه، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بآخر، قال ابن حبان: مات في آخر خلافة عمر، ويقال: مات في خلافة عثمان.
لطائف إسناده: فيه التحديث والإخبار بالجمع والعنعنة، وهو من مسند الصعب، إلاَّ أنه وقع في موطأ ابن وهب، عن ابن عباس فجعله من مسنده، أخرجه البخاري أيضًا في الهبة، ومسلم في الحج، وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6620
باب ما يقتل المحرم من الدواب
أي: مما لا يجب عليه فيه الجزاء.
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ".
قوله: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح" أي: إثم، أو حرج، كذا أورده مختصرًا وأحال به على طريق سالم، وهو في الموطأ وتمامه: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، ويأتي استيفاء الكلام على هذه الأشياء عند حديث عائشة إن شاء الله تعالى.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف، ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
ثم قال:
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ.
"هذا معطوف على الطريق الأولى وهو في الموطأ كذلك عن نافع، عن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وقد أورده المصنف في بدء الخلق عن القعنبي، عن مالك وساق لفظه مثله سواء، وكذا أخرجه مسلم، وأحمد عن عبد الله بن دينار، إلاَّ أن أحمد قال: الحية بدل العقرب.
وعبد الله بن دينار مرَّ في الثاني من الإيمان.
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ.
стр. 6621
كذا ساق منه هذا القدر، وأحال به على الطريق التي بعده، وفيه إشارة منه إلى تفسير المبهمة فيه بأنها المسماة في الرواية الأخرى حفصة، وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج، عن مسدد بإسناد البخاري، وبقيته كرواية حفصة، إلاَّ أن فيه تقديمًا وتأخيرًا في بعض الأسماء، وأخرجه مسلم عن شيبان، وزاد فيه شيئًا، ولفظه: سأل رجل ابن عمر: ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ فقال: حدثتني إحدى نسوة النبي ﷺ أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب، والحية، قال: وفي الصلاة أيضًا، فلم يقل في أوله خمسًا، وزاد الحية، وزاد في آخره ذكر الصلاة، لينبه بذلك على جواز قتل المذكورات في جميع الأحوال، ولم أر هذه الزيادة في غير هذه الطريق، فقد أخرجه مسلم والإسماعيلي عن زيد بن جبير، بدون هذه الزيادة.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرَّ أبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ زيد بن جبير في العاشر من الحج، ومرَّ محل ابن عمر في الذي قبله.
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بن الفرج، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ.
قوله: "عن سالم" في رواية مسلم: أخبرني سالم.
وقوله: قال عبد الله في رواية مسلم: قال لي عبد الله.
وقوله: "قالت حفصة" في رواية الإسماعيلي: عن حفصة، وهذا والذي قبله قد يوهم أن عبد الله بن عمر لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ ، ولكن وقع في بعض طرق نافع عنه: سمعت النبي ﷺ ، أخرجه مسلم عن ابن جريج قال: أخبرني نافع، وقال مسلم بعده لم يقل أحد: عن نافع، عن ابن عمر: سمعت إلا ابن جريج، وتابعه محمد بن إسحاق، عن نافع كذلك، والظاهر أن ابن عمر سمعه من أخته حفصة، عن النبي ﷺ ، وسمعه أيضًا من النبي ﷺ يحدث به حين سئل عنه، فقد وقع عند أحمد: عن نافع، عن ابن عمر قال: نادى رجل، ولأبي عوانة في المستخرج من هذا الوجه أن أعرابيًا نادى رسول الله ﷺ : ما نقتل من الدواب إذا أحرمنا؟ والظاهر أن المبهمة في رواية زيد بن جبير هي: حفصة، ويحتمل أن تكون عائشة، وقد رواه ابن عيينة عن ابن شهاب فأسقط حفصة من الإسناد، والصواب إثباتها في رواية سالم.
стр. 6622
رجاله سبعة:
قد مرّوا: مرَّ أصبغ في السابع والستين من الوضوء، وحفصة في الثالث والستين منه، ومرَّ ابن وهب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ سالم في السابع عشر من الإيمان، ومرَّ محل ابن عمر قريبًا.
فيه التابعي عن التابعي، والصحابي عن الصحابية، ورواية الأخ عن أخته.
أخرجه مسلم والنسائي.
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُنَّ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".
قوله: "أخبرني يونس" ظهر بهذا أن لابن وهب عنه، عن الزهري فيه إسنادين سالم عن أبيه عن حفصة وعروة عن عائشة، وقد كان ابن عيينة ينكر طريق الزهري عن عروة، قال الحميدي: عن سفيان حدثنا والله الزهري، عن سالم عن أبيه، فقيل له: إن معمرًا يرويه عن الزهري عن عروة، عن عائشة فقال: حدثنا والله الزهري لم يذكر عروة وطريق معمر المشار إليها أوردها المصنف في بدء الخلق عن يزيد بن زريع عنه، ورواها النسائي عن عبد الرزاق، وطريق عن عروة رواها أيضًا سعيد بن أبي حمزة عند أحمد وأبان بن صالح عند النسائي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تابع الزهري عن عروة هشام بن عروة، أخرجه مسلم أيضًا.
قوله: "خمس" التقييد بالخمس، وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيحتمل أن يكون قاله ﷺ أولًا ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم، فقد ورد في بعض طرق عائشة بلفظ أربع وفي بعض طرقها بلفظ ست، فأما طريق أربع فأخرجها مسلم عن القاسم عنها فأسقط العقرب، وأما طريق ست فأخرجها أبو عوانة في المستخرج عن هشام عن أبيها عنها فأثبتها، وزاد الحية، ويشهد لها طريق شيبان التي تقدمت عند مسلم وإن كانت خالية عن العدد، وأغرب عياض فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى فصارت سبعًا وتعقب بأن الأفعى داخلة في مسمى الحية، والحديث الذي ذكرت فيه أخرجه أبو عوانة في المستخرج عن نافع في آخر حديث الباب، قال: قلت: لنافع فالأفعى قال: ومن يشك في الأفعى، وعند أبي داود عن أبي سعيد نحو رواية شيبان وزاد السبع العادي فصارت سبعًا، وعند ابن خزيمة وابن
стр. 6623
المنذر عن أبي هريرة زيادة ذكر الذيب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور، ووقع ذكر الذيب في حديث مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود عن سعيد بن المسيب، عن النبي ﷺ قال: "يقتل المحرم الحية والذيب" ورجاله ثقات، وأخرج أحمد عن ابن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقتل الذيب للمحرم وفيه حجاج، وهو ضعيف وخالفه مسعر عن وبرة موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة فهذا جميع ما وقف عليه في الأحاديث المرفوعة زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال.
وقوله: "من الدواب" بتشديد الموحدة جمع دابة: وهو ما دب من الحيوان وقد أخرج بعضهم منها الطير، لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية وهذا الحديث يرد عليه فإنه ذكر في الدواب الخمس، الغراب، والحدأة، ويدل على دخول الطير أيضًا عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وقوله تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الآية وعند مسلم عن أبي هريرة في صفة بدء الخلق، وخلق الدواب يوم الخميس، ولم يفرد الطير بذكر، وقد تصرف أهل العرف في الدابة فمنهم من يخصها بالحمار، ومنهم من يخصها بالفرس، وفائدة ذلك تظهر في الحلف.
وقوله: "كلهن فاسق يقتلن" قيل: فاسق صفة لكل وفي يقتلن ضمير راجع إلى معنى كل، ووقع في رواية مسلم من هذا الوجه: كلها فواسق، وفي رواية معمر التي في بدء الخلق: خمس فواسق، قال النووي: هو بإضافة خمس لا بتنوينه، وجوز ابن دقيق العيد الوجهين وأشار إلى ترجيح الثاني فإنه قال: رواية الإضافة تشعر بالتخصيص فيخالفها غيرها في الحكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخمس بالفسق من جهة المعنى فيشعر بأن الحكم المرتب على ذلك، وهو القتل معلل بما جعل وصفًا، وهو الفسق فيدخل فيه كل فاسق من الدواب، ويؤيده رواية يونس التي في حديث الباب، وقد مرَّ أن قوله: "فاسق" صفة لكل مذكر، وأن قوله: "يقتلن" فيه ضمير راجع إلى معنى كل، وهو جمع، وهو تأكيد لخمس، تعقب هذا في المصابيح بأن الصواب أن يقال خمس مبتدأ وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة وصفه ومن الدواب في محل رفع على أنه صفة لخمس. وقوله: "يقتلن" جملة فعلية في محل رفع على أنها خبر المبتدأ الذي هو خمس، وأما جعل كلهن تأكيد لخمس، فمما يأباه البصريون، وجعل فاسق صفة لكل خطأ ظاهر، والضمير في يقتلن راجع إلى خمس لا إلى كل إذ هو خبره، ولو جعل خبر كل امتنع الإتيان بضمير الجمع لأنه لا يعود عليها الضمير من خبرها إلاَّ مفردًا مذكرًا على لفظها، على ما صرح به ابن هشام في المغني، وعبر بقوله: فاسق بالإفراد، وفي رواية مسلم: فواسق بالجمع، وذلك أن كل اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر نحو ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ والمعرف المجموع نحو ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ وأجزاء المفرد المعرف نحو كل زيد حسن، فإذا قلت: أكلت
стр. 6624
كل رغيف لزيد كانت لعموم الأفراد، فإن أضفت الرغيف إلى زيد صارت لعموم أجزاء فرد واحد، ولفظ: كل مفرد مذكر، ومعناه بحسب ما يضاف إليه، فإن أضيف إلى معرفة، فقال ابن هشام: يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها نحو: كلهم قائم أو قائمون، وقد اجتمعا في قوله تعالى ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ الآية، ومن ذلك ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وفي الآية حذف مضاف، وإضمار لما دل عليه المعنى لا اللفظ، أي: إن كل أفعال هذه الجوارح كان المكلف مسئولًا عنه، وقد وقع في البخاري في كتاب الاعتصام بالسنة في باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ "كل أمتي يدخلون الجنة إلاَّ من أبى، قالوا: ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" فقد أعاد الضمير من خبر كل المضاف إلى معرفة غير مفرد، وهذا الحديث فيه الأمران، ولا يتأتى فيه ما ذكره عن الآية، وذلك لأنه قال: "كلهن فاسق" بالإفراد، ثم قال: "يقتلن" قال النووي وغيره: تسمية هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغةً الخروج، ومنه: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي خرج، وسمي الرجل فاسقًا لخروجه عن طاعة ربه، فهو خروج مخصوص، وزعم ابن الأعرابي أنه لا يعرف في كلام الجاهلية ولا شعرهم فاسق -يعني بالمعنى الشرعي- وأما المعنى في وصف الدواب المذكورة بالفسق فقيل: لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وقيل: في حل أكله لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد، وعدم الانتفاع، ومن ثم اختلف أهل الفتوى فمن قال بالأول ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم وفي الحل، ومن قال بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلاَّ ما نهي عن قتله، وهذا قد يجامع الأول، ومن قال بالثالث يخص الإلحاق بما يحصل منه الإفساد، وفي حديث أبي سعيد عند ابن ماجه قيل له: لم قيل للفأرة: فويسقة، فقال: لأن النبي ﷺ استيقظ لها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت، فهذا يومىء إلى أن سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها يشبه فعل الفساق، وهو يرجح القول الأخير.
وقوله: "يقتلن في الحرم" تقدم في رواية نافع بلفظ: ليس على المحرم في قتلهن جناح، وعرف بذلك أن لا إثم في قتلها على المحرم ولا في الحرم وقد يؤخذ منه جواز ذلك للحلال، وفي الحل من باب الأولى، وقد وقع ذكر الحل صريحًا عند مسلم عن عروة بلفظ: يقتلن في الحل والحرم، ويعرف حكم الحلال بكونه لم يقم به مانع، وهو الإحرام فهو بالجواز أولى، ثم إنه ليس في نفي الجناح، وكذا الحرج في طريق سالم دلالة على أرجحية الفعل على الترك، لكن ورد في طريق زيد بن جبير عند مسلم بلفظ: أمر، وكذا في طريق معمر،
стр. 6625
ولأبي عوانة عن عروة بلفظ: ليقتل المحرم، وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل الندب والإباحة، وروى البزار عن أبي رافع قال: بينما رسول الله ﷺ في صلاته إذ ضرب شيئًا، فإذا هي عقرب فقتلها، وأمر بقتل العقرب، والحية والفأرة والحدأة للمحرم، لكن هذا الأمر ورد بعد الحظر لعموم نهي المحرم عن القتل، فلا يكون للوجوب والندب، بل يكون للإباحة كما هي القاعدة، ويؤيد ذلك رواية الليث عن نافع بلفظ: أَذِنَ أخرجه مسلم والنسائي، لكن لم يسق مسلم لفظه وعن أبي هريرة عند أبي داود وغيره: خمس قتلهن حلال للمحرم.
وقوله: "الغراب" زاد في رواية سعيد بن المسيب، عن عائشة عند مسلم: الأبقع وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، وصرح ابن خزيمة باختياره، وهو قضية حمل المطلق على المقيد، وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصح لأنها من رواية قتادة عن سعيد، وهو مدلس، وقد شذَّ، وقال ابن عبد البر: لا تثبت هذه الزائدة، وقال ابن قدامة: الروايات المطلقة أصح، وفي جميع هذا التعليل نظر، أما دعوى التدليس فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلَّا ما هو مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة، بل صرَّح النسائي في روايته عن النضر بن شميل، عن شعبة بسماع قتادة، وأما نفي الثبوت فمردود بإخراج مسلم، وأما الترجيح فليس على شرط قبول الزيادة، بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ -وهو كذلك هنا- نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء، وتحريم الأكل، وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا بالأبقع، ومنها: الغداف على الصحيح في الروضة، بخلاف تصحيح الرافعي، وسمى ابن قدامة الغداف: غراب البين والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل: سمي غراب البين لأنه بأن عن نوح لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به، فكانوا إذا نعب مرتين قالوا: آذن بشر، وإذا نعب ثلاثًا قالوا: آذن بخير، فأبطل الإِسلام ذلك، وكان ابن عباس إذا سمع الغراب قال: اللهم لا طير إلاَّ طيرك، ولا خير إلاَّ خيرك، لا إله غيرك، وقال صاحب الهداية: المراد بالغراب في الحديث الأبقع والغداف؛ لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع فلا، وكذا اسثناه ابن قدامة، وما أظن فيه خلافًا، وعليه يحمل ما جاء عن أبي سعيد عند أبي داود -إن صح- حيث قال فيه: ويرمي الغراب ولا يقتله، وروى ابن المنذر نحوه عن علي ومجاهد، قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإِحرام، إلاَّ ما جاء عن عطاء قال: في مُحْرمٍ كسرَ قرن غراب فقال: إن أدماه فعليه الجزاء، وقال الخطابي: لم يتابع أحد عطاء على هذا، ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع، وعند المالكية اختلاف آخر في الغراب والحدأة، هل يتقيد جواز قتلهما بأن يبتدئا بالأذى؟ وهل
стр. 6626
يختص ذلك بكبارهما؟ والمشهور عنهم كما قال ابن شاس: لا فرق، وفاقًا للجمهور.
ومن أنواع الغربان: الأعصم وهو الذي في رجليه، أو في جناحيه، أو بطنه بياض، أو حمرة، وله ذكر في قصة حفر عبد المطلب لزمزم وحكمه حكم الأبقع.
ومنها: العقعق: وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سمي بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضًا، وفي فتاوى قاضي خان الحنفي: من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر، وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل: حكم غراب الزرع، وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلَّا فلا بأس به.
وقوله: والحدأ بكسر أوله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مد، وحكى صاحب المحكم المد فيه ندورًا، وفي رواية الكشميهني في حديث عائشة: الحدأة بزيادة هاء بلفظ الواحدة، وليست للتأنيث، بل هي كالهاء في التمرة، وحكى الأزهري فيها حدوة بواو بدل الهمزة، وسيأتي في بدء الخلق من حديثها بلفظ: الحديث بضم أوله وتشديد التحتانية مقصور، ومثله لمسلم عن عروة قال: قال قاسم بن ثابت الوجه فيه الهمزة وكأنه سهل ثم أُدغم، وقيل: هي لغة حجازية وغيرهم يقول: حدية، ومن خواص الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين، وقد مضى لها ذكر في الصلاة في قصة صاحبة الوشاح، ويلتبس بالحدأة: الحدأة بفتح أوله فاس له رأسان.
وقوله: "والعقرب" هذا اللفظ للذكر والأنثى وقد يقال: عقربة، وعقرباء، وليس منها العقربان، بل هي دويبة طويلة كثيرة القوائم، ويقال: إن عينها في ظهرها، وإنها لا تضر ميتًا ولا نائمًا حتى يتحرك، ويقال: لدغته العقرب بالغين المعجمة ولسعته بالمهملة، وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها في حديث الباب، ومن جمعهما والذي يظهر لي أنه ﵊ نبه بإحداهما على الأخرى عند الاختصار، وبين حكمهما معًا، حيث جمع، قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وقال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها، وفي رواية: ومن يشك فيها؟ وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة عن شعبة أنه سأل الحكم وحمادًا فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب، قال: وحجتهما أنهما من هوام الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام، وهذا اعتلال لا معنى له، نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية، والعقرب التي لا تتمكن من الأذى، قاله في الفتح.
قلت: هذا القول -إن كان عند المالكية- في غاية الضعف.
وقوله: "والفأرة" بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم، إلاَّ ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم أخرجه ابن
стр. 6627
المنذر وقال: هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع أهل العلم، وروى البيهقي بإسناد صحيح عن حماد بن زيد قال: لما ذكروا هذا القول ما كان بالكوفة أفحش ردًا للآثار من إبراهيم النخعي لقلة ما سمع منها، ولا أحسن اتباعًا لها من الشعبي لكثرة ما سمع منها، ونقل ابن شاس عن المالكية خلافًا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى.
والفأر أنواع منها: الجرذ بجيم بوزن عمر، والخلد بضم المعجمة وسكون اللام، وفأرة الإبل، وفأرة المسك، وفأرة الغيط، وحكمها في تحريم الأكل وجواز القتل سواء، وسيأتي في الأدب إطلاق الفويسقة عليها من حديث جابر، وتقدم سبب تسميتها بذلك من حديث أبي سعيد، وقيل: إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح.
وقوله: "الكلب العقور" الكلب معروف، والأنثى كلبة، والجمع أكلب وكلاب وكليب بالفتح كأعبد وعباد وعبيد، وفي الكلب بهيمية وسبعية، كأنه مركب، وفيه منافع للحراسة والصيد كما سيأتي في بابه، وفيه من اقتفاء الأثر وشم الرائحة والحراسة وخفة النوم والتودد وقبول التعليم ما ليس لغيره، وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح ﵇، وقد سبق البحث في نجاسته في باب الطهارة، واختلف العلماء في المراد به هنا، وهل لوصفه لكونه عقورًا مفهوم أولًا؟ فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: الكلب العقور الأسد، وعن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور فقال: وأيِّ كلب أعقر من الحية، وقال زفر: الكلب العقور هنا الذيب خاصة، وقال مالك في الموطأ: كل ما عقر الناس، وعدا عليهم وأخافهم مثل: الأسد والنمر والفهد والذيب، هو العقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوي الذيب، واحتج أبو عبيد للجمهور بقوله ﵊: "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك" فقتله الأسد، وهو حديث حسن أخرجه الحاكم عن أبي نوفل، عن أبي عقرب، عن أبيه، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ فاشتقها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكل جارح عقور، واحتج الطحاوي للحنفية بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي والصقر وهما من سباع الطير، فدلَّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب والحدأة، وكذلك يختص التحريم بالكلب وما شاركه في صفته، وهو الذيب، وتعقب برد الإتفاق فإن مخالفيهم أجازوا قتل كلِّ ما عدا وافترس، فيدخل فيه الصقر وغيره، بل معظمهم قال: يلتحق بالخمس كل ما نهى عن أكله إلَّا ما نهي عن قتله، واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه، فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين والماوردي وغيرهما، وفي الأم للشافعي الجواز، واختلف كلام النووي فقال في البيع مرة: لا خلاف بين أصحابنا في أنه محترم، ولا يجوز قتله. وقال في التيمم والغصب: إنه غير محترم، وقال في الحج: يكره قتله كراهة تنزيه، وهذا اختلاف شديد، وعلى كراهة قتله اقتصر الرافعي، وتبعه في
стр. 6628
الروضة وزاد: إنها كراهة تنزيه، وذهب الجمهور كما تقدم إلى إلحاق غير الخمس بها في هذا الحكم إلا أنهم اختلفوا في المعنى، فقيل: لكونها مؤذية، فيجوز قتل كل مؤذ وهذا قضية مذهب مالك، وقيل: لكونها مما لا يؤكل، فعلى هذا كل ما يجوز قتله لا فدية على المحرم فيه، وهذا قضية مذهب الشافعي، وقد قسم هو وأصحابه الحيوان بالنسبة للمحرم إلى ثلاثة أقسام.
قسم يستحب: كالخمس وما في معناها مما يؤذي.
وقسم يجوز: كسائر ما لا يؤكل لحمه، وهو قسمان ما يحصل منه ضرر ونفع فيباح لما فيه من منفعة الاصطياد، ولا يكره لما فيه من العدوان، وقسم ليس فيه ضرر ولا نفع فيكره قتله ولا يحرم.
والقسم الثالث: ما أبيح أكله أو نهي عن قتله، فلا يجوز ففيه الجزاء إذا قتله المحرم، وخالف الحنفية، فاقتصروا على الخمس، إلاَّ أنهم ألحقوا بها الحية لثبوت الخبر، والذيب لمشاركته للكلب في الكلبية، وألحقوا بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها، وتعقب بظهور المعنى في الخمس وهو الأذى الطبيعي، والعدوان المركب، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه تعدى الحكم إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى، كما وافقوا عليه في مسائل الربا، قال ابن دقيق العيد: والتعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذ قوي، بالإضافة إلى تصرف أهل القياس فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحدّ، وأما التعليل بحرمة الأكل ففيه إبطال لما دل عليه إيماء النص من التعليل بالفسق، وقال غيره: هو راجع إلى تفسير الفسق، فمن فسره بأنه الخروج عن بقية الحيوان بالأذى علل به، ومن قال بجواز القتل وتحريم الأكل علل به، وقال من علل بالأذى: أنواع الأذى مختلفة، وكأنه نبه بالعقرب على ما يشاركها في الأذى باللسع، ونحوه من ذوات السموم: كالحية والزنبور، وبالفأرة على ما يشاركها في الأذى بالنقب والقرض: كابن عرس، وبالغراب والحدأة على ما يشاركها بالاختطاف: كالصقر، وبالكلب العقور على ما يشاركه في الأذى بالعدوان والعقر: كالأسد والفهد، وقال من علل بتحريم الأكل وجواز القتل: إنما اقتصر على الخمس، لكثرة ملابستها للناس بحيث يعم أذاها، والتخصيص بالغلبة لا مفهوم له، ونقل الرافعي عن الإِمام أن هذه الفواسق لا ملك فيها لأحد، ولا اختصاص، ولا يجب ردها على صاحبها، ولم يذكر مثل ذلك في غير الخمس مما يلتحق بها في المعنى.
رجاله ستة:
مرَّ منهم: محل ابن وهب ويونس والزهري في الذي قبله، ومرَّ عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ يحى بن سليمان في الخامس والخمسين من العلم.
стр. 6629
فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة وشيخه من أفراده وهو كوفي ثم مصري ثم ايلي، ثم مدنيان أخرجه مسلم والنسائي في الحج.
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿وَالْمُرْسَلاَتِ﴾ وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اقْتُلُوهَا". فَابْتَدَرْنَاهَا، فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا".
قوله: "في غار بمنى" عند الإسماعيلي أن ذلك كان ليلة عرفة، وبذلك يتم الاحتجاج به على مقصود الباب من جواز قتل الحية للمحرم، كما دلَّ قوله: "بمنى" على أن ذلك كان في الحرم، وعرف بذلك الرد على من قال: ليس في حديث عبد الله ما يدل على أنه أمر بقتل الحية في حال الإحرام، لاحتمال أن يكون ذلك بعد طواف الإفاضة، وقد رواه مسلم وابن خزيمة عن حفص بن غياث مختصرًا ولفظه: أن النبي ﷺ أمر محرمًا بقتل حية في الحرم بمنى.
وقوله: "وإن فاه لرطب" أي: لم يجف ريقه بها.
وقوله: "وقيت شركم" بالنصب مفعول ثان، وكذا قوله: "وقيتم شرها" أي: أن الله سلمها منكم كما سلمكم منها، وهو من مجاز المقابلة، فإن قتلهم لها ليس من الشر في شيء، قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم قتل الحية، وتعقب بما تقدَّم عن الحكم وحماد وبما عند المالكية من استثناء ما صغر منها بحيث لا يتمكن من الأذى.
رجاله ستة قد مرّوا: مرَّ عمر بن حفص، وأبو حفص في الثاني عشر من الغسل، ومرَّ الأعمش وإبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين من الإيمان، وعبد الله بن مسعود في أول أثر منه، ومرَّ الأسود في السابع والستين منه.
أخرجه البخاري أيضًا في التفسير، ومسلم في الحيوان وفي الحج، والنسائي في الحج، وفي التفسير.
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ: "فُوَيْسِقٌ". وَلَمْ
стр. 6630
أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
وقوله: "قال للوزغ: فويسق" اللام بمعنى عن والمعنى أنه سماه فويسقًا، وهو تصغير تحقير مبالغة في الذم.
وقوله: "ولم أسمعه أمر بقتله" هو مقول عائشة، والضمير في أسمعه للنبي ﷺ وفي بقتله للوزغ، وذكره نظرًا إلى اللفظ وإن كان جمعًا في المعنى، وقضيته تسميته إياه فويسقًا أن يكون قتله مباحًا، وكونها لم تسمعه لا يدل على منع ذلك، فقد سمعه غيرها، ففي الصحيحين والنسائي وابن ماجه، عن أم شريك أنها استأمرت النبي ﷺ في قتل الوزغات فأمرها بذلك، وفي الصحيحين أيضًا أنه ﵊ أمر بقتل الوزغ وسماه: فاسقًا، وفي مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من قتل وزغة من أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة، دون الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة، دون الثانية"، وفي لفظ: "من قتل وزغًا في أول ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك"، وفي لفظ: "في أول ضربة سبعين حسنة" قال الكرماني: الوزغ دابة لها قوائم تعدو في أصول الحشيش قيل: إنها تأخذ ضرع الناقة، وتشرب من لبنها وقيل: كانت تنفخ في نار إبراهيم ﵇ لتلتهب، وقال ابن الأثير: هي التي يقال لها: سام أبرص، وهذا هو الصحيح وهي التي تكون في الجدران والسقوف، ولها صوت تصيح به، قال ابن الأثير: منه حديث عائشة لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه، ومن غرائب أمر الوزغ ما قيل: إنه يقيم في حجره من الشتاء أربعة أشهر لا يطعم شيئًا، ومن طبعه أن لا يدخل بيتًا فيه رائحة زعفران، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم، لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك: لا يقتل المحرم الوزغ، زاد ابن القاسم: وإن قتله يتصدق؛ لأنه ليس من الخمس المأمور بقتلها، وروى ابن أبي شيبة أن عطاء سئل عن قتل الوزغ في الحرم؟ فقال: إذا أذاك فلا بأس بقتله، وهذا يفهم توقف قتله على أذاه، وفي الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة" لكن في إسناده عمر بن قيس المكي؛ وهو ضعيف، وقال أبو عمر: الوزغ مجمع على تحريم أكله.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ إسماعيل بن أبي أويس في الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ الزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ مالك، وعروة وعائشة في الثاني منه.
ثم قال:
قال أبو عبد الله: إنما أردنا بهذا أن منى من الحرم، وأنهم لم يروا بقتل الحية بأسًا.
стр. 6631
يعني فيه ووقع هذا في رواية أبي الوقت وأتى به في رواية أبي ذر في آخر الباب، ومحله عقب حديث ابن مسعود.
ثم قال المصنف:
стр. 6632
باب لا يعضد شجر الحرم
بضم أوله وفتح الضاد المعجمة أي: لا يقطع، ثم قال: وقال ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ لا يعضد شوكه سيأتي موصولًا بعد باب ويأتي ما قيل فيه هناك، وقد مرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلاَ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، "إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلاَ فَارًّا بِدَمٍ، وَلاَ فَارًّا بِخَرْبَةٍ" خَرْبَةٌ: بَلِيَّةٌ.
قوله: "عن أبي شريح العدوي" كذا وقع هنا، وفيه نظر؛ لأنه خزاعي من بني كعب بن ربيعة بن لحي، بطن من خزاعة، ولهذا يقال له: الكعبي أيضًا، وليس هو من بني عدي، لا عدي قريش، ولا عدي مضر، فلعله كان حليفًا لبني عدي بن كعب من قريش، وقيل: في خزاعة بطن يقال لهم: بنو عدي، ووقع في رواية ابن أبي ذيب، عن سعيد: سمعت أبا شريح، أخرجه أحمد، ويأتي في السند محل تعريفه، وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى غاية الاستيفاء عند ذكره في باب ليبلِّغ العلم الشاهد الغائب من كتاب العلم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ قتيبة بن سعيد في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ سعيد بن أبي سعيد المقبري في الثاني والثلاثين منه، ومرَّ الليث بن سعد في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ أبو شريح وعمرو بن سعيد في الخامس والأربعين من العلم.
ثم قال المصنف:
стр. 6633
باب لا ينفر صيد الحرم
بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة قيل: هو كناية عن الاصطياد، وقيل: هو على ظاهره كما سيأتي قريبًا للمصنف، قال النووي: يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفره عصى سواء تلف أو لا؛ فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، دالًّا فلا، قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى.
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لاَ يُخْتَلَي خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ". وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِلاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: "إِلاَّ الإِذْخِرَ".
قوله: "فلم تحل لأحد بعدي" في رواية الكشميهني: فلا تحل، وهو أليق بقصد الأمر، وقد ذكره في الباب الذي بعده بلفظ: "وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي"، ومثله لأحمد، قال ابن بطال: المراد بقوله: "ولا تحل لأحد بعدي" الإخبار عن الحكم في ذلك، لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشاهد، كما وقع من الحجاج وغيره ومحصله أنه خبر بمعنى النهي بخلاف قوله: "فلم تحل لأحد قبلي" فإنه خبر محض، أو معنى قوله: "لا تحل لأحد بعدي" أي: لا يحلها الله بعدي؛ لأن النسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النبيين.
وقوله: "إلاَّ الإذخر" قد مرَّ في حديث أبي هريرة في باب كتاب العلم من كتابة العلم ما قيل فيه مستوفى.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ محمد بن المثنى، وعبد الوهاب في التاسع من الإيمان، ومرَّ خالد الحذاء وعكرمة في السابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ العباس في الثالث والستين من الوضوء.
стр. 6634
ثم قال:
"وعن خالد، عن عكرمة قال: هل تدري ما لا ينفر صيدها؟ هو أن ينحيه من الظل"، ينزل مكانه، قيل: نبه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف، وسائر أنواع الأذى تنبيها بالأدنى على الأعلى، وقد خالف عكرمة عطاء ومجاهد فقالا: لا بأس بطرده ما لم يفض إلى قتله، أخرجه ابن أبي شيبة، وروى ابن أبي شيبة عن الحكم عن شيخ من أهل مكة: أن حمامًا كان على البيت فذرق على عمر، فأشار عمر بيده فطار، فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حية فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة وروى من طريق أخرى عن عثمان نحوه، وما ذكره المصنف ليس بتعليق، بل هو موصول بالإسناد المذكور، وسيأتي في أوائل البيوع بأوضح مما هنا، وخالد وعكرمة مرَّ محلهما الآن.
ثم قال المصنف:
стр. 6635
باب لا يحل القتال بمكة
هكذا ترجم بلفظ القتال، وهو الواقع في حديث الباب، ووقع عند مسلم في رواية كذلك، وفي أخرى بلفظ القتل بدل القتال، وللعلماء في كل منهما اختلاف، مرَّ الكلام عليه مستوفى عند حديث أبي شريح في كتاب العلم.
ثم قال:
وقال أبو شريح رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "لا يسفك بها دماء".
وجه الاستدلال به لتحريم القتال من جهة أن القتال يفضي إلى القتل، فقد ورد تحريم سفك الدماء بها، بلفظ النكرة في سياق النفي فيعم، وهذا التعليق مضى موصولًا في الذي قبل هذا بحديث، ومرَّ فيه محل أبي شريح.
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: "لاَ هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا". قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ؟ قَالَ: قَالَ: "إِلاَّ الإِذْخِرَ".
قوله: "عن مجاهد، عن طاوس" كذا رواه منصور موصولًا، وخالفه الأعمش فرواه عن مجاهد، عن النبي ﷺ مرسلًا، أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية عنه، وأخرجه أيضًا عن داود بن شابور، عن مجاهد مرسلًا، ومنصور ثقة حافظ فالحكم لوصله.
وقوله: "يوم افتتح مكة" هو ظرف للقول المذكور.
وقوله: "لا هجرة" أي: بعد فتح مكة، وأفصح بذلك في رواية علي بن المديني في الجهاد.
стр. 6636
وقوله: "ولكن جهاد ونية" المعنى: أن وجوب الهجرة من مكة انقطع بفتحها، إذ صارت دار إسلام، ولكن بقي وجوب الجهاد على حاله عند الاحتياج إليه، وفسره بقوله: "فإذا استنفرتم فانفروا" أي دعيتم إلى الغزو فأجيبوا. قال الطيبي: قوله: "ولكن جهاد" عطف على مدخول: "لا هجرة" أي: الهجرة إما فرارًا من الكفار، وإما إلى الجهاد، وإما إلى نحو طلب العلم، وقد انقطعت الأولى فاغتنموا الأخيرتين، والكلام على الهجرة قد مرَّ مستوفى في آخر حديث: "إنما الأعمال بالنيات" أول حديث.
وقوله: "فإن هذا بلد حرام" الفاء جواب شرط محذوف تقديره: إذا علمتم ذلك فاعلموا أن هذا بلد حرام، وكان وجه المناسبة أنه لما كان نصب القتال عليه حرامًا كان التنفيذ يقع منه لا إليه، ولما روى مسلم هذا الحديث عن إسحاق، عن جرير، فصل الكلام الأول من الثاني بقوله: "وقال يوم الفتح: إن الله حرم" إلخ فجعله حديثًا آخر مستقلًا وهو متقضى صنيع من اقتصر على الكلام الأول، كعلي بن المديني، عن جرير، كما يأتي في الجهاد.
وقوله: "هو حرام بحرمة الله" أي بتحريمه، وقيل: الحرمة الحق أي حرام بالحق المانع من تحليله، وقد مرَّ الكلام على هذا مستوفىً عند حديث أبي شريح في كتاب العلم، ومرت مباحث هذا الحديث مستوفاة عند حديث أبي هريرة في باب كتابة العلم من كتاب العلم.
رجاله سبعة:
قد مرّوا: مرَّ عثمان ابن أبي شيبة، وجرير ومنصور في الثاني عشر من العلم، ومرَّ مجاهد في أول الإيمان قبل الحديث الأول منه، ومرَّ طاوس في باب من لم ير الوضوء إلاَّ من المخرجين بعد الأربعين من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
أخرجه البخاري في الحج، وفي الجزية، والجهاد، ومسلم في الحج والجهاد، وأبو داود فيهما أيضًا، والترمذي في السير، والنسائي في السير والبيعة، والحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6637
باب الحجامة للمحرم
أي: يمنع منها، أو تباح له مطلقًا، أو للضرورة، والمراد في ذلك كله المحجوم لا الحاجم، ثم قال: وكوى ابن عمر ابنه وهو محرم.
وصل هذا سعيد بن منصور عن مجاهد قال أصاب واقد بن عبد الله بن عمر برسام في الطريق وهو متوجه إلى مكة فكواه ابن عمر فأبان أن ذلك كان للضرورة، مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث أن كلًا من الحجامة والكي يستعمل للتداوي عند الضرورة، وابن عمر مرَّ في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، واسم ابنه المكوي: واقد، فقيل: واقد هذا ابنه حقيقة، أمه صفية بنت أبي عبيد، وقع عن بعيره. وهو محرم، فمات، وقيل: المراد به واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر فنسبته هنا نسبة لجد أبيه، وهو قد مرَّ في الثامن عشر من الإيمان، وهذا بعيد جدًا.
ثم قال: "ويتداوى ما لم يكن فيه طيب".
هذا من تتمة الترجمة، وليس في أثر ابن عمر كما ترى، وأما قول الكرماني: فاعل يتداوى إما المحرم، وإما ابن عمر، فكلام من لم يقف على أثر ابن عمر، وقد سبق في أوائل الحج في باب الطيب عند الإحرام قول ابن عباس: ويتداوى بما يأكل، وهو موافق لهذا، والجامع بين هذا وبين الحجامة عموم التداوي، وروى الطبري عن الحسن قال: إن أصاب المحرم، شَجَّةٌ فلا بأس بأن يأخذ ما حولها من الشعر، ثم يداويها بما ليس فيه طيب.
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لنا عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا.
قوله: "قال لنا عمرو: أول شيء": أي: أول مرة، وفي رواية الحميدي، عن سفيان، حدثنا عمرو -وهو ابن دينار-، أخرجه أبو نعيم وأبو عوانة من طريقه.
وقوله: "ثم سمعته" هو مقول سفيان، والضمير لعمرو. وكذا قوله: "فقلت: لعله سمعه"، وقد بين ذلك الحميدي عن سفيان فقال: حدثنا بهذا الحديث عمرو مرتين، فذكره لكن قال:
стр. 6638
فلا أدري أسمعه منهما أو كانت إحدى الروايتين وهمًا؟ زاد أبو عوانة قال سفيان: ذكر لي أنه سمعه منهما جميعًا، وأخرجه ابن خزيمة، عن ابن عيينة نحو رواية علي بن عبد الله وقال في آخره: فظننت أنه رواه عنهما جميعًا، وأخرجه الإسماعيلي عن سفيان قال: عن عمرو، عن عطاء فذكره، قال: ثم حدثنا عمرو، عن طاوس به، فقلت لعمرو: إنما كنت حدثتنا عن عطاء؟ قال: اسكت يا صبي لم أغلط، كلاهما حدثني، فإن كان هذا محفوظًا فلعل سفيان تردد في كون عمرو سمعه منهما، لما خشي من كون ذلك صدر منه حالة الغضب على أنه قد حدث به فجمعهما، قال أحمد في "مسنده": حدثنا سفيان قال: قال عمرو: أولًا، فحفظناه، قال طاوس: عن ابن عباس فذكره، فقال أحمد: وقد حدثنا ابن سفيان فقال: قال عمرو: عن عطاء، وطاوس عن ابن عباس وكذا جمعهما عن سفيان مسدد عن المصنف في الطب، وأبو بكر بن أبي خيثمة وأبو خيثمة وإسحاق بن راهويه عند مسلم، وقتيبة عند الترمذي والنسائي، وتابع سفيان على روايته عن عمرو، لكن عن طاوس وجده زكرياءُ ابنُ إسحاق، أخرجه أحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة، والحاكم، وله أصل عن عطاء أيضًا أخرجه أحمد والنسائي عن الليث عن أبي الزبير، وعن ابن جريج كلاهما عنه، وزعم الكرماني أن مراد البخاري بالسياق المذكور أن عمرًا حدث به سفيان أولًا عن عطاء، عن ابن عباس بغير واسطة، ثم حدثه به ثانيًا عن عطاء بواسطة طاوس، قال في "الفتح": هذا كلام من لم يقف على طريق مسدد التي في الكتاب الذي شرح، فضلًا عن بقية الطرق التي ذكرناها، ولا تعرف مع ذلك لعطاء عن طاوس رواية أصلًا.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ ابن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين منه، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين منه، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، وابن عباس في الخامس منه، ومرَّ محل طاوس في الذي قبله.
فيه التحديث بالجمع والقول والسماع، أخرجه البخاري أيضًا في الطب، ومسلم في الحج، وأبو داود فيه، والترمذي فيه، والنسائي فيه، وفي الصوم.
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ بِلَحْى جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ.
قوله: "عن علقمة بن أبي علقمة" في رواية النسائي: أخبرني علقمة، ويأتي تعريفه قريبًا في السند.
стр. 6639
قوله: "عن عبد الرحمن عن ابن بحينة" في رواية المصنف في الطب: عن ابن أبي أويس، عن علقمة أنه سمع عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع عبد الله بن بحينة.
وقوله: "وهو محرم" زاد ابن جريج عن عطاء: صائم.
وقوله: "بلحى جمل" زاد زكرياء: على رأسه -وهو بفتح اللام وحكى كسرها وسكون المهملة وبفتح الجيم والميم- موضع بطريق مكة وقد وقع مبينا في رواية ابن أبي أويس المذكورة بلحى جمل من طريق مكة، ذكر البكري في معجمه في رسم العقيق قال: هي بير جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم -يعني الماضي في التيمم-، وقال غيره: هي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا، وفي رواية أبي ذر: بلحمي جمل بصيغة التثنية ولغيره بالإفراد، ووهم من ظنِّه فكي الجمل الحيوان المعروف وأنه كان آلة الحجم، وجزم الحازمي وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع، وسيأتي في كتاب الصيام البحث في أنه هل كان صائما؟.
وقوله: "في وسط الرأس" بفتح المهملة أي: متوسطه وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين، قال الليث: كانت هذه الحجامة في فاس الرأس، وأما التي في أعلاه فلا؛ لأنها ربما أعمت. وفي "الموطأ": احتجم فوق رأسه بلحى جمل وروى أنه قال: إنها شفاء من الصداع، والنعاس، والأضراس، وفي "الطبقات" لابن سعد حجمه أبو ظبية لثماني عشرة من شهر رمضان نهارًا، ومن حديث ابن عباس: احتجم بالقاحة وهو صائم محرم، وفي لفظ: محرم من أكلة أكلها من شاة سمتها امرأة من خيبر، وفي "المستدرك" عن أنس عن شرطهما أنه ﵊ احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به. وفي حديث بكير بن الأشج في القمحدوة، ودل الحديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقًا، وبه قال عطاء والشعبي. وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلاَّ من ضرورة، وروي عن ابن عمر، وبه قال مالك، واحتج بأن بعض الروايات كما مرَّ أنه ﵊ احتجم لضرر كان به، ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعر رأسه، حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، إلاَّ من ضرورة، وأنه حلقه من ضرورة، فعليه الفدية كما مرَّ في كعب بن عجرة، فإن لم يحلق المحتجم شعرًا فهو كالعرق يقطعه، أو الدمل يبطه، أو القرحة ينكاها، ولا يضره ذلك، ولا شيء عليه عند جماعة من العلماء، وعند الحسن: عليه الفدية وإن لم يقطع شعرًا، وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب الفدية، وشعر الرأس والجسد سواء، وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس، وقال الداودي: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق، وقال النووي إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لقطع الشعر، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور، وكرهها مالك، وأجازها سحنون واستدل بهذا الحديث على جواز القصد، وبط الجرح، والدمل، وقطع العرق، وقلع الضرس وغير
стр. 6640
ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي عنه المحرم من تناول الطيب، وقطع الشعر، ولا فدية عليه في شيء من ذلك.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم: خالد بن مخلد في الرابع من العلم، ومرَّ سليمان بن بلال في الثاني من الإيمان، ومرَّ الأعرج في السابع منه، ومرَّ عبد الله بن بحينة في الثاني والأربعين من الصلاة.
والباقي: علقمة بن أبي علقمة، واسمه: بلال المدني، مولى عائشة، قال ابن معين وأبو داود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: له أحاديث صالحة، وكان له كتاب بعلم النحو، والعربية والعروض، وقال ابن عبد البر: كان ثقة مأمونًا، واسم أمه مرجانة. روى عن: أمه مرجانة، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والأعرج، وغيرهم. وروى عنه: مالك، وسليمان بن بلال، وأبو الزناد وغيرهم، مات في خلافة المنصور قيل: في أولها، وقيل: في آخرها. وليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث.
فيه التحديث بالجمع والعنعنة وشيخه كوفي، والبقية مدنيون، وفيه رواية التابعي عن التابعي.
أخرجه البخاري أيضًا في الطب، ومسلم في الحج، وكذا النسائي وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6641
باب تزويج المحرم
يأتي في الحديث استيفاء الكلام عليه.
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ.
ظاهر صنيع البخاري في ترجمته أنه لم يثبت عنده النهي عن ذلك، ولا أن ذلك من الخصائص، وقد ترجم في النكاح باب نكاح المحرم ولم يزد على إيراد هذا الحديث، ومراده بالنكاح التزويج للإجماع على إفساد الحج والعمرة بالجماع، وقد اختلف في تزويج ميمونة فالمشهور عن ابن عباس أن النبي ﷺ تزوجها وهو محرم، وصحَّ نحوه عن عائشة وأبي هريرة حديث عائشة، أخرجه النسائي عن أبي سلمة عنها، والطحاوي والبزار عن مسروق، عنها، وصححه ابن حبان وأكثر ما أعل بالإرسال وليس بذلك بقادح فيه، وأخرج النسائي عن ابن مليكة عن عائشة مثله، قال النسائي: قال عمرو بن علي قلت لأبي عاصم: أنت أمليت علينا من الرقعة، ليس فيه عائشة؟ فقال: دع عائشة حتى أنظر فيه، وهذا إسناد وصحيح لولا هذه القصة، لكن هو شاهد قوي أيضًا، وحديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني، وفي إسناده كامل أبو العلاء وفيه ضعف، لكنه يعتضد بحديثي ابن عباس وعائشة، وجاء عن مجاهد والشعبي مرسلًا أخرجهما ابن أبي شيبة، وقد عارض حديث ابن عباس حديث عثمان: "لا يَنْكِح المحرمُ، ولا يُنْكَح" أخرجه مسلم. وبجمع بينه وبين حديث ابن عباس يحمل حديث ابن عباس على أنه من خصائص النبي ﷺ ، وقال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال، جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد لكن الوهم إلى الواحد أقرب من الوهم من الجماعة، فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم؛ فهو المعتمد، ومنهم من حمل حديث عثمان على الوطء، وتعقب بأنه ثبت فيه لا ينكح بفتح أوله، ولا ينكح بضم أوله، ولا يخطب، وفي "صحيح ابن حبان" زيادة: ولا يخطب. ويترجح حديث عثمان تقعيد قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين يحتمل أنواعًا من الاحتمالات.
فمنها: أن ابن عباس كان يرى أن من قلد الهدي يصير محرمًا كما مرَّ تقرير ذلك عنه
стр. 6642
في الحج والنبي ﷺ كان قلد الهدي في عمرته تلك التي تزوج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنه ﵊ تزوجها وهو محرم أي عقد عليها بعد أن قلد الهدي، وإن لم يكن تلبس بالإحرام، وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها، فجعلت أمرها إلى العباس، فزوجها من النبي ﷺ . وقد أخرج الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما" عن مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما، قال الترمذي: لا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر، ورواه مالك، عن ربيعة، عن سليمان مرسلًا، فترجح رواية أبي رافع على رواية ابن عباس هذه؛ لأن رواية من كان له مدخل في الواقعة من مباشرة أو نحوها أرجح، ورجحت أيضًا بأنها مشتملة على إثبات النكاح لمدة متقدمة على زمن الإحرام، والأخرى نافية لذلك، والمثبت مقدّم على النافي، وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت، ولا تقوم بها الحجة، ولأنها تحتمل الخصوصية فكان الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يؤخذ به.
ومن الاحتمالات أن قول ابن عباس تزوج ميمونة وهو محرم أي: داخل الحرم، ويكون العقد وقع بعد انقضاء العمرة، أو في الشهر الحرام، قال الأعشى: قتلوا كسرى بليل محرما أي: في الشهر الحرام، وقال آخر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا أي في البلد الحرام وإلى هذا التأويل جنح ابن حبان، فجزم به في "صحيحه"، وعارض حديث ابن عباس حديث يزيد بن الأصم أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال، أخرجه مسلم عن الزهري قال: وكانت خالته، كما كانت خالة ابن عباس، وأخرج مسلم من وجه آخر عن يزيد بن الأصم قال: حدثتني ميمونة أن النبي ﷺ تزوجها وهو حلال، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس، وقال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس مع صحته؟ قال: فقال: الله المستعان، ابن المسيب يقول: وهم ابن العباس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال، أخرجه أبو داود، وأخرج البيهقي عن الأوزاعي عن عطاء، عن ابن عباس الحديث قال: وقال سعيد بن المسيب: ذهل ابن عباس، وإن كانت خالته ما تزوجها إلاَّ بعدما أحل، قال الطبري: الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسد لصحة حديث عثمان، وأما قصة ميمونة فتعارضت الأخبار فيها، ثم ساق عن أيوب قال: أنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة، إنما وقع لأن النبي ﷺ كان بعث إلى العباس لينكحها إياه، فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يحرم النبي ﷺ ، وقال بعضهم: بعدما أحرم، وقد ثبت أن عمر وعليًّا وغيرهما من الصحابة فرقوا بين مُحرِم نكح وبين امرأته، ولا يكون هذا إلاَّ عن ثبت، والجمهور على أن نكاح المُحرِم وإنكاحه مُحرَّمٌ، لا ينعقد، لما مرَّ من حديث عثمان وغيره، قال عطاء وعكرمة وأبو حنيفة وصاحباه وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج، كما يجوز له أن يشتري
стр. 6643
الجارية للوطء، وتعقب بأنه قياس في معارضة السنة، فلا تعتبر، وأخرج الطحاوي عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر قال: سألت أنسًا عن نكاح المحرم فقال: لا بأس به، هو كالبيع، وإسناده قوي، لكنه قياس في مقابل النص، فلا عبرة به أيضًا، وكأن أنسًا لم يبلغه حديث عثمان، وكما لا يصح نكاحه ولا إنكاحه، لا يصح إذنه لعبده الحل الذي النكاح، كذا قاله ابن القطان، وفيه -كما قال المرزباني- نظر، وحكى الدارمي كلام ابن القطان، ثم قال: ويحتمل عندي الجواز، ولا فدية في عقد النكاح، فيستثنى من قولهم: من فعل شيئًا يحرم بالإحرام لزمته فدية.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر ميمونة، مرَّ منهم: الأوزاعي في العشرين من العلم، وعطاء في التاسع والثلاثين منه، وميمونة في الثامن والخمسين منه، وابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
والباقي: عبد القدوس بن الحجاج الخولاني أبو المغيرة الحمصي، قال أبو حاتم: كان صدوقًا، وقال العجلي والدارقطني: ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي "الزهرة": روى عنه البخاري ثلاثة أحاديث. روى عن: حريز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والمسعودي وغيرهم. وروى عن: البخاري، وروى هو والباقون له بواسطة، وسلمة بن شبيب، والدارمي، وغيرهم، مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، وصلَّى عليه أحمد بن حنبل، أخرجه النسائي في الحج وفي الصوم.
ثم قال المصنف:
стр. 6644
باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة
أي: ينهى عنه.
قوله: "للمحرم والمحرمة" أي: إنه ما في ذلك سواء، ولم تختلف العلماء في ذلك، وإنما اختلفوا في أشياء هل قصد طيبًا أم لا، والحكمة في منع المحرم من الطيب أنه من دواعي الجماع، ومقدماته التي تفسد الإحرام، وبأنه ينافي حال المحرم، فإن المحرم أشعث أغبر، فعند البزار، عن ابن عمر: الحاج الشعث التَفِل -بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء- الذي ترك استعمال الطيب.
ثم قال: وقالت عائشة ﵂: لا تلبس المحرمة ثوبًا بورس أو زعفران، الورس -بفتح الواو وسكون الراء، ثم سين مهملة- نبت أصفر تصبغ به الثياب، وجزم ابن العربي وغيره بأن الورس نبات باليمن، وقال ابن البيطار: الورس يؤتى به من اليمن والهند والصين، وليس بنبات بل يشبه زهر العصفر، ونبته يشبه البنفسج، ويقال: إن الكركم عروقه، ومطابقة الأثر للترجمة من حيث أن المصبوغ بهما تفوح له رائحة كالطيب، وهذا الأثر قد وصله البيهقي عن معاذة، عن عائشة قالت المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت، إلاَّ ثوبًا مسَّه وَرس أو زعفران، ولا تبرقع، ولا تلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت، وقد مرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ الْعَمَائِمَ، وَلاَ الْبَرَانِسَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلاَنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلاَ الْوَرْسُ، وَلاَ تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلاَ تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ".
وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم أصل حديث الباب، عن ابن إسحاق حدثني نافع، عن ابن عمر بلفظ: أنه سمع رسول الله ﷺ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب.
وهذا من أثر عائشة المتقدم قريبًا، وهذا الحديث قد مرَّ بعينه آخر حديث من كتاب
стр. 6645
العلم، ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك غاية الاستيفاء، وأخرجه أيضًا في باب ما لا يلبس المحرم من الثياب، وزاد فيه هنا: "ولا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين"، وذكر هنا الاختلاف في رفع هذه الزيادة ووقفها كما يأتي مبينا في المتابعات التي بعد الحديث، والقفاز -بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي-: ما تلبسه المرأة في يدها فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء كغزل ونحوه، وهو لليد كالخف للرجل، والنقاب الخمار الذي يشد على الأنف وتحت المحاجر، فإن قرب من العين حتى لا تبدو أجفانها فهو الوصواص -بفتح الواو وسكون الصاد المهملة الأولى- فإن نزل إلى طرف الأنف فهو اللفام بكسر اللام وبالفاء، فإن نزل إلى الفم ولم يكن على الأرنبة منه شيء فهو اللثام.
وقوله: "ولا تنتقب" هو بنون ساكنة بعد تاء المضارعة وكسر القاف، وجزم الفعل على النهي، وبالكسر لالتقاء الساكنين، ويجوز رفعه على أنه خبر عن حكم الله؛ لأنه جواب عن السؤال عن ذلك، وللكشميهني: ولا تتنقب بمثناتين فوقيتين مفتوحتين كالقاف مثلها لكونه في معنى الخف فإن كلًّا منهما محيط بجزء من البدن، وأما النقاب فلا يحرم على الرجل من جهة الإحرام؛ لأنه لا تحرم عليه تغطية وجهه على الراجح، فيباح للمرأة ستر جميع بدنها، بكل ساتر مخيطًا كان أو غيره، إلاَّ وجهها، فإنه حرام، وكذا ستر الكفين بقفازين أو أحدهما بأحدهما؛ لأن القفازين ملبوس عضو ليس بعورة فأشبه خف الرجل، ويجوز سترهما بغيرهما، ككم وخرقة لفتها عليها للحاجة إليه ومشقة الاحتراز عنه، نعم يعفى عما تستره من الوجه احتياطًا للرأس، إذ لا يمكن استيعاب ستره إلاَّ بستر قدر يسير مما يليه من الوجه، والمحافظة على ستره بكماله لكونه عورة أولى من المحافظة على كشف ذلك القدر من الوجه، ويؤخذ من هذا التعليل أن الأمة لا تستر ذلك لأن رأسها ليس بعورة لكن قال في "المجموع": ما ذكر في إحرام المرأة ولبسها لم يفرقوا فيه بين الحرة والأمة، وهو المذهب، وللمرأة أن ترخي على وجهها ثوبًا متجافيا عنه بخشبة أو نحوها، فإن أصاب الثوب وجهها بلا اختيار فرفعته فورًا فلا فدية، وإلاَّ وجبت مع الإثم، وقد مرَّ كثير من مباحث تلثم المرأة وتبرقعها في باب ما يلبس المحرم من الثياب.
رجاله أربعة:
وفيه لفظ رجل مبهم لم يسم، مرَّ منهم: الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ نافع في الأخير من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عبد الله بن يزيد في الثالث والعشرين من الأذان.
ثم قال: تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وجويرية، وابن إسحاق في النقاب والقفازين، أما متابعة موسى بن عقبة فقد وصلها النسائي، ومتابعة إسماعيل بن إبراهيم فقد وصلها عليَّ بن محمد المصري في "فوائده"، وأما متابعة جويرية فقد وصلها أبو
стр. 6646
يعلى الموصلي، وأما متابعة ابن إسحاق فقد وصلها أحمد والحاكم.
ورجال المتابعات أربعة مرَّ منهم: موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء ومرَّ جويرية في الأربعين من الغسل، ومرَّ محمد بن إسحاق في تعليق بعد السابع عشر من الجماعة.
والباقي منهم: إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة بن أبي عياش الأسدي مولاهم أبو إسحاق المدني ابن أخي موسى بن عقبة، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال أبو داود: ليس به بأس، وقال الدارقطني: ما علمت إلاَّ خيرًا، أحاديثه صحاح نقية، وقال الأزدي: فيه ضعف، وكذا قال الساجي قبله. روى عن: عمه موسى بن عقبة، والزهري، ونافع، وهشام بن عروة، وغيرهم. وروى عنه: إسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن أبي مريم، وخالد بن مخلد، وغيرهم، مات في آخر خلافة المهدي سنة تسع وستين ومائة.
ثم قال: وقال عبيد الله: ولا ورس وكان يقول: لا تتنقب المحرمة، ولا تلبس القفازين، يعني أن عبيد الله المذكور خالف المذكورين قبل في رواية هذا الحديث عن نافع، فوافقهم على رفعه إلى قوله: زعفران، ولا ورس، وفصل بقية الحديث فجعله من قول ابن عمر، وهذا التعليق وصله إسحاق بن راهويه في "مسنده"، وابن خزيمة عن عبيد الله، عن نافع، فساق الحديث إلى قوله: "ولا ورس" قال: وكان عبد الله -يعني ابن عمر- يقول: ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين، ورواه يحيى القطان عند النسائي، وحفص بن غياث عند الدارقطني كلاهما عن عبيد الله، فاقتصر على المتفق على رفعه، وعبيد الله العمري مرَّ في الرابع عشر من الوضوء.
ثم قال: وقال مالك عن نافع، عن ابن عمر: لا تنتقب المحرمة، الغرض منه أن مالكا اقتصر على الموقوف فقط، وفي ذلك تقوية لرواية عبيد الله، وظهر الإدراج في رواية غيره واستشكل ابن دقيق العيد الحكم بالإدراج في هذا الحديث، لورود النهي عن النقاب والقفاز مفردًا مرفوعًا، وللابتداء بالنهي عنهما في رواية ابن إسحاق المرفوعة المتقدم ذكرها عند حديث الباب، وقال: وقال في "الاقتراح": دعوى الإدراج في أول المتن ضعيفة، وأجيب بأن الثقات إذا اختلفوا وكان مع أحدهم زيادة قدمت، ولاسيما إن كان حافظًا، ولاسيما إن كان أحفظ، والأمر هنا كذلك، فإن عبيد الله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف، وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه، فقد شذ بذلك وهو ضعيف، وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فأنه من التصرف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم فهو أولى، قاله زين الدين العراقي: في شرح الترمذي وهذا التعليق موصول في الموطأ، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومر نافع في الأخير من العلم، وابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 6647
ثم قال: وتابعه ليث بن أبي سليم، أي تابع مالكا في وقفه، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن نافع موقوفًا على ابن عمر.
ومعنى قوله: ولا تنتقب، أي: لا تستر وجهها، واختلف العلماء في ذلك فمنعه الجمهور، وأجازه الحنفية، وهو رواية عند الشافعية والمالكية ولم يختلفوا في منعها من ستر وجهها وكفيها مما سوى النقاب والقفاز، وقد مرَّ قريبًا الكلام على هذا عن الحديث مستوفى.
ومتابعة ليث هذه لم أر من أخرجها وليث هو ابن أبي سليم بن زنيم القرشي، مولاهم أبو بكر الكوفي، واسم أبي سليم أيمن، وقيل: أنس، وقيل زياد، وقيل عيسى، قال فضيل بن عياض: كان ليث أعلم أهل الكوفة، وقال ابن عدي له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثوري ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه. وقال الدارقطني: صاحب سنة يكتب حديثه، وإنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد. وقال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان ضعيفًا في الحديث كان يسأل عطاء ومجاهدًا وطاوسًا عن الشيء فيختلفون فيه، فيروي أنهم اتفقوا من غير تعمد. وقال البزار: كان أحد العباد إلاَّ أنه أصابه اختلاط فاضطرب حديثه، وإنما تكلم فيه أهل العلم من هذا، وإلاَّ فلا نعلم أحدًا ترك حديثه. وقال عيسى ابن يونس: قد اختلط، وكان يصعد المنارة عند إرتفاع النهار فيؤذن، وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق، ولكن ليس بحجة. وقال الساجي: صدوق فيه ضعف، كان سيىء الحفظ كثير الغلط، كان يحيى القطان بآخره لا يحدث عنه. وقال ابن معين: منكر الحديث، وكان صاحب سنة روى عن الناس إلى غير هذا من التضعيف، علق عنه البخاري قليلًا، روى عن طاوس وعطاء ومجاهد ونافع وخلق، وروى عنه الثوري، وشعبة والحسن بن صالح، وجرير بن عبد الحميد وغيرهم، مات سنة ثمان أو ثلاث وأربعين ومائة.
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلاَ تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلاَ تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ".
هذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب الكفن في ثوبين من كتاب الجنائز.
رجاله ستة:
قد مرّوا: وفيه لفظ رجل محرم، مرَّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ جرير ومنصور في الثاني عشر من العلم، ومرَّ الحكم بن عتيبة في الثامن والخمسين منه، ومرَّ سعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من بدء الوحي، والرجل المحرم الذي وقصته ناقته، قال: في "الفتح" لم أقف على من سماه ووهم من زعم أن اسمه واقد بن عبد الله، لقول ابن قتيبة
стр. 6648
في ذكر أولاد عبد الله بن عمر فيهم، واقد بن عبد الله بن عمر وقع عن بعيره وهو محرم فهلك، فظن هذا الزاعم أنه صاحب القصة، وهو لم يتزوج أبوه أمه إلاَّ في خلافة عمر، وفي الصحابة: واقد بن عبد الله آخر، لكن لم أر في شيء من الأخبار أنه وقع عن بعيره فهلك، بل ذكر غير واحد منهم ابن سعد أنه مات في خلافة عمر.
ثم قال المصنف:
стр. 6649
باب الاغتسال للمحرم
أي ترفها وتنظفا وتطهرا من الجنابة.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وكان المصنف أشار إلى ما روي عن مالك أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء، وروى في الموطأ عن نافع: "أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلاَّ من احتلام".
ثم قال: وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "يدخل المحرم الحمام" وصله البيهقي والدارقطني عن عكرمة عنه، قال: "المحرم يدخل الحمام وينزع ضرسه وإذا انكسر ظفره طرحه ويقول: "أميطوا عنكم الأذى فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئًا، وروى البيهقي من وجه آخر عن ابن عباس: أنه دخل حماما بالجحفة وهو محرم وقال: إن الله لا يعبأ بأوساخكم شيئًا. وروى ابن أبي شيبة كراهة ذلك، عن الحسن وعطاء، وقد مرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال: ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسا، وقد وصل البيهقي أثر ابن عمر عن أبي مجلز قال: رأيت ابن عمر يحك رأسه وهو محرم ففطنت له، فإذا هو يحك بأطراف أنامله، وأثر عائشة وصله مالك عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مرجانة قالت: سمعت عائشة تسأل عن المحرم أيحك جسده قالت: نعم وليشدد، وقالت عائشة: لو ربطت يداي ولم أجد إلا أن أحك برجلي لحككت، ومناسبة أثر ابن عمر وعائشة للترجمة بجامع ما بين الغسل والحك من إزالة الأذى.
وابن عمر مرَّ في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: "يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ". وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لاَ يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ
стр. 6650
يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ، أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِى رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ: لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ اصْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ.
قوله: عن زيد بن أسلم عن وإبراهيم كذا في جميع الموطئات، وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسي فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعا، قال ابن عبد البر: وذلك معدود من خطئه، وقوله: عن إبراهيم في رواية ابن عيينة عن زيد أخبرني إبراهيم، أخرجه أحمد وإسحاق والحميدي في "مسانيدهم" عنه، وفي رواية ابن جريج عند أحمد عن زيد بن أسلم أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، مولى ابن عباس، أخبره كذا، ويأتي في السند تعريفه.
وقوله: "أن ابن عباس" في رواية ابن جريج عند أبي عوانة، كنت مع ابن عباس والمسور.
وقوله: "بالأبواء" أي: وهما نازلان بها، وفي رواية ابن عيينة بالعرج، وهو بفتح أوله وإسكان ثانيه قرية جامعة قريبة من الأبواء.
وقوله: إلى أبي أيوب زاد ابن جريج، فقال: قل له يقرأ عليك السلام ابن أخيك عبد الله بن عباس ويسألك.
وقوله: "بين القرنين" أي: قرني البعير، وكذا هو لبعض رواه: "الموطأ"، وكذا في رواية ابن عيينة وهما العودان، أي العمودان المنتصبان لأجل عود البركة.
وقوله: "أرسلني إليك ابن عباس يسألك كيف كان" الخ، قال ابن عبد البر الظاهر أن ابن عباس كان عنده في ذلك نص عن النبي ﷺ ، أخذه عن أبي أيوب أو غيره، ولهذا قال عبد الله بن حنين لأبي أيوب: يسألك كيف كان يغسل رأسه؟ ولم يقل هل كان يغسل رأسه؟ على حسب ما وقع فيه اختلاف بين المسور وابن عباس، ويحتمل أن يكون عبد الله بن حنين تصرف في السؤال لفطنته، كأنه لما قال له سله هل يغتسل المحرم أولًا؟ فجاء فوجده يغتسل فهم من ذنك أنه يغتسل، فأحب أن لا يرجع إلا بفائدة فسأله عن كيفية الغسل، وكأنه خص الرأس بالسؤال لأنها موضع الإشك الذي هذه المسألة؛ لأنها محل الشعر الذي يخشى إنتتافه بخلاف بقية البدن، غالبا.
وقوله: (فطأطأه) أي: إزاله عن رأسه. وفي رواية ابن عيينة جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه، وفي رواية ابن جريج حتى رأيت رأسه ووجهه.
وقوله "لانسان" قال: في "الفتح" لم أقف على اسمه، ثم قال أبو أيوب: هكذا رأيته ﷺ يفعل، زاد ابن عيينة فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عباس: لا أماريك
стр. 6651
أبدًا أي: لا أجادلك، وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال: أمرا فلان فلانًا إذا استخرج ما عنده، قاله ابن الأنباري واطلق ذلك في المجادلة، لأن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة. وفي الحديث من الفوائد مناظرة الصحابة في الأحكام، ورجوعهم إلى النصوص وقبولهم لخبر الواحد ولو كان تابعيًا، وإن قوله بعضهم ليس بحجة على بعض، قال ابن عبد البر: لو كان معنى الاقتداء في قوله ﵊: "أصحابي كالنجوم" يراد به الفتوى لما احتاج ابن عباس إلى إقامة البينة على دعواه، بل كان يقول: للمسور أنا نجم وأنت نجم فبأينا اقتدى من بعدنا كفاه، ولكن معناه كما قال المزني وغيره من أهل النظر. إنه في النقل لا جميعهم عدول، وفيه اعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضًا.
وفيه استتار الغاسل عند الغسل، والاستعانة في الطهارة، وجواز السلام حالة الطهارة، وجواز غسل المحرم، وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره واستدل به القرطبي -على وجوب الدلك في الغسل-، قال: لأن الغسل لو كان يتم بدونه لكان المحرم أحق بأن يجوز له تركه، ولا يخفى ما فيه واستدل به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء باقٍ على استحبابه، خلافًا لمن قال يكره، كالمتولي من الشافعية، خشية انتتاف الشعر لأن في الحديث، ثم حرك رأسه. بيده، ولا فرق بين شعر الرأس واللحية إلاَّ أن يقال إن شعر الرأس أصلب، والتحقيق أنه خلاف الأولى في حق بعض دون بعض، قاله السبكى الكبير.
رجاله ثمانية:
مرَّ منهم عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن عباس في الخامس منه، ومرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو أيوب في العاشر من
الوضوء ومرَّ المسور بن مخرمة في الرابع والخمسين منه، والباقي اثنان الأول إبراهيم بن عبد الله بن حنين الهاشمي مولاهم المدني أبو إسحاق، قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه أبيه، وأبي هريرة، وأبي مرة مولى عقيل وأرسل عن علي بن أبي طالب، وروى عنه الزهري، وشريك بن أبي نمر، وابن إسحاق وغيرهم، توفي سنة بضع ومائة، الثاني أبو الأول عبد الله بن حنين مولى العباس، ويقال: مولى عليّ ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال أسامة بن زيد الليثي: دخلت عليه أيام استخلف يزيد بن عبد الملك، وكان موته قريبا من ذلك، روى عن علي وابن عباس وأبي أيوب وابن عمر وغيرهم، مات في ولاية يزيد بن عبد الملك.
أخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6652
باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين ؟
أي: هل يشترط قطعهما أم لا!؟
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، "مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ".
وهذا الحديث، قد مرَّ استيفاء الكلام على ما فيه، عند حديث ابن عمر آخر حديث من كتاب العلم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ جابر بن زيد في السادس من الغسل، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: "لاَ يَلْبَسِ الْقَمِيصَ، وَلاَ الْعَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ الْبُرْنُسَ، وَلاَ ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلاَ وَرْسٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ".
وفي رواية أبي زيد المروزي عن سالم بن عبد الله بن عمر سئل رسول الله ﷺ . قال الجياني: الصواب ما رواه ابن السكن وغيره، فقالوا عن سالم، عن ابن عمر: فلعل عن خرجت وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه عند ذكره في آخر كتاب العلم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ أحمد بن يونس في التاسع عشر من الإيمان، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه، وسالم بن عبد الله في السابع عشر منه، وأبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث فهو ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي.
ثم قال المصنف:
стр. 6653
باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل
جزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها لقوة دليلها، وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه فيتعين على من بلغه العمل به.
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ".
هذا الحديث هو الذي في الباب الذي قبله وقد مرَّ محل استيفاء الكلام عليه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ محل عمرو بن دينار، وجابر وابن عباس في الذي قبله بحديث.
ثم قال المصنف:
стр. 6654
باب لبس السلاح للمحرم
أي: إذا احتاج إلى ذلك، ثم قال: وقال عكرمة: إذا خشي العدو لبس السلاح وافتدى ولم يتابع عليه في الفدية أي: وجبت عليه الفدية.
وقوله: "ولم يتابع" عليه في الفدية يقتضي أنه توبع على جواز لبس السلاح عند الخشية، وخولف في وجوب الفدية، وقد نقل ابن المنذر عن الحسن أنه كره أن يتقلد المحرم السيف، وقد مرَّ في باب من كره حمل السلاح في العيد من العيدين قول ابن عمر: للحجاج أنت أمرت بحمل السلاح في الحرم.
وقوله: وأدخلت السلاح في الحرم ولم يكن السلاح يدخل فيه، ومرَّ هناك ذكر من روى ذلك مرفوعًا.
قال: في الفتح لم أقف على أثر عكرمة هذا موصولًا، وقد مرَّ عكرمة في السابع عشر من العلم.
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ لاَ يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلاَحًا إِلاَّ فِي الْقِرَابِ.
أخرج هنا هذا الحديث، مختصرًا وسيأتي بتمامه في كتاب الصلح عن عبيد الله بن موسى بإسناده هذا، ووهم المزي في الأطراف فزعم أن البخاري أخرجه في الحج بطوله، وليس كذلك وسيأتي بأتم مما في الصلح في عمرة القضية، ويأتي تفسيره هناك، والقراب بكسر القاف يشبه الجراب يطرح فيه الراكب سيفه بغمده وسوطه، قد يطرح فيه زاده من تمر أو غيره.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ عبيد الله بن موسى في الأول من الإيمان، ومرَّ أبو إسحاق السبيعي والبراء بن عازب في الثالث والثلاثين منه، ومرَّ إسرائيل في السابع والستين من العلم.
стр. 6655
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع: ورجاله كوفيون، وفيه رواية الرجل عن جده وهو من رباعيات البخاري، أخرجه البخاري في الصلح والترمذي فيه.
ثم قال المصنف:
следующие страницы →