Полный текст (6 753 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.
стр. 6651
أبدًا أي: لا أجادلك، وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال: أمرا فلان فلانًا إذا استخرج ما عنده، قاله ابن الأنباري واطلق ذلك في المجادلة، لأن كلا من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر من الحجة. وفي الحديث من الفوائد مناظرة الصحابة في الأحكام، ورجوعهم إلى النصوص وقبولهم لخبر الواحد ولو كان تابعيًا، وإن قوله بعضهم ليس بحجة على بعض، قال ابن عبد البر: لو كان معنى الاقتداء في قوله ﵊: "أصحابي كالنجوم" يراد به الفتوى لما احتاج ابن عباس إلى إقامة البينة على دعواه، بل كان يقول: للمسور أنا نجم وأنت نجم فبأينا اقتدى من بعدنا كفاه، ولكن معناه كما قال المزني وغيره من أهل النظر. إنه في النقل لا جميعهم عدول، وفيه اعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضًا.
وفيه استتار الغاسل عند الغسل، والاستعانة في الطهارة، وجواز السلام حالة الطهارة، وجواز غسل المحرم، وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره واستدل به القرطبي -على وجوب الدلك في الغسل-، قال: لأن الغسل لو كان يتم بدونه لكان المحرم أحق بأن يجوز له تركه، ولا يخفى ما فيه واستدل به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء باقٍ على استحبابه، خلافًا لمن قال يكره، كالمتولي من الشافعية، خشية انتتاف الشعر لأن في الحديث، ثم حرك رأسه. بيده، ولا فرق بين شعر الرأس واللحية إلاَّ أن يقال إن شعر الرأس أصلب، والتحقيق أنه خلاف الأولى في حق بعض دون بعض، قاله السبكى الكبير.
رجاله ثمانية:
مرَّ منهم عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن عباس في الخامس منه، ومرَّ زيد بن أسلم في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو أيوب في العاشر من
الوضوء ومرَّ المسور بن مخرمة في الرابع والخمسين منه، والباقي اثنان الأول إبراهيم بن عبد الله بن حنين الهاشمي مولاهم المدني أبو إسحاق، قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه أبيه، وأبي هريرة، وأبي مرة مولى عقيل وأرسل عن علي بن أبي طالب، وروى عنه الزهري، وشريك بن أبي نمر، وابن إسحاق وغيرهم، توفي سنة بضع ومائة، الثاني أبو الأول عبد الله بن حنين مولى العباس، ويقال: مولى عليّ ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وقال أسامة بن زيد الليثي: دخلت عليه أيام استخلف يزيد بن عبد الملك، وكان موته قريبا من ذلك، روى عن علي وابن عباس وأبي أيوب وابن عمر وغيرهم، مات في ولاية يزيد بن عبد الملك.
أخرجه مسلم في الحج، وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
стр. 6652
باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين ؟
أي: هل يشترط قطعهما أم لا!؟
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، "مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ".
وهذا الحديث، قد مرَّ استيفاء الكلام على ما فيه، عند حديث ابن عمر آخر حديث من كتاب العلم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ جابر بن زيد في السادس من الغسل، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: "لاَ يَلْبَسِ الْقَمِيصَ، وَلاَ الْعَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ، وَلاَ الْبُرْنُسَ، وَلاَ ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلاَ وَرْسٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ".
وفي رواية أبي زيد المروزي عن سالم بن عبد الله بن عمر سئل رسول الله ﷺ . قال الجياني: الصواب ما رواه ابن السكن وغيره، فقالوا عن سالم، عن ابن عمر: فلعل عن خرجت وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه عند ذكره في آخر كتاب العلم.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ أحمد بن يونس في التاسع عشر من الإيمان، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه، وسالم بن عبد الله في السابع عشر منه، وأبوه عبد الله في أوله قبل ذكر حديث فهو ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي.
ثم قال المصنف:
стр. 6653
باب إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل
جزم المصنف بالحكم في هذه المسألة دون التي قبلها لقوة دليلها، وتصريح المخالف بأن الحديث لم يبلغه فيتعين على من بلغه العمل به.
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ".
هذا الحديث هو الذي في الباب الذي قبله وقد مرَّ محل استيفاء الكلام عليه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ آدم وشعبة في الثالث من الإيمان، ومرَّ محل عمرو بن دينار، وجابر وابن عباس في الذي قبله بحديث.
ثم قال المصنف:
стр. 6654
باب لبس السلاح للمحرم
أي: إذا احتاج إلى ذلك، ثم قال: وقال عكرمة: إذا خشي العدو لبس السلاح وافتدى ولم يتابع عليه في الفدية أي: وجبت عليه الفدية.
وقوله: "ولم يتابع" عليه في الفدية يقتضي أنه توبع على جواز لبس السلاح عند الخشية، وخولف في وجوب الفدية، وقد نقل ابن المنذر عن الحسن أنه كره أن يتقلد المحرم السيف، وقد مرَّ في باب من كره حمل السلاح في العيد من العيدين قول ابن عمر: للحجاج أنت أمرت بحمل السلاح في الحرم.
وقوله: وأدخلت السلاح في الحرم ولم يكن السلاح يدخل فيه، ومرَّ هناك ذكر من روى ذلك مرفوعًا.
قال: في الفتح لم أقف على أثر عكرمة هذا موصولًا، وقد مرَّ عكرمة في السابع عشر من العلم.
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ لاَ يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلاَحًا إِلاَّ فِي الْقِرَابِ.
أخرج هنا هذا الحديث، مختصرًا وسيأتي بتمامه في كتاب الصلح عن عبيد الله بن موسى بإسناده هذا، ووهم المزي في الأطراف فزعم أن البخاري أخرجه في الحج بطوله، وليس كذلك وسيأتي بأتم مما في الصلح في عمرة القضية، ويأتي تفسيره هناك، والقراب بكسر القاف يشبه الجراب يطرح فيه الراكب سيفه بغمده وسوطه، قد يطرح فيه زاده من تمر أو غيره.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ عبيد الله بن موسى في الأول من الإيمان، ومرَّ أبو إسحاق السبيعي والبراء بن عازب في الثالث والثلاثين منه، ومرَّ إسرائيل في السابع والستين من العلم.
стр. 6655
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع: ورجاله كوفيون، وفيه رواية الرجل عن جده وهو من رباعيات البخاري، أخرجه البخاري في الصلح والترمذي فيه.
ثم قال المصنف:
стр. 6656
باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام
قوله: "ومكة" هو من عطف الخامس على العام، لأن المراد بمكة هنا البلد فيكون الحرم أعم، ثم قال: ودخل ابن عمر حلالًا، أي: دخل مكة حال كونه حلالًا بغير إحرام، وهذا التعليق وصله مالك في الموطأ عن نافع، قال: أقبل عبد الله بن عمر من مكة حتى إذا كان بقديد بضم القاف بلغه خبر عن الفتنة فرجع فدخل مكة بغير إحرام، وروى ابن أبي شيبة، عن نافع، عن عبد الله، وبلغه بقديد أن جيشًا من جيوش الفتنة دخلوا المدينة فكره أن يدخل عليهم، فدخلها بغير إحرام، وقد مرَّ ابن عمر في أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.
ثم قال: وإنما أمر النبي ﷺ بالإهلال لمن أراد الحج العمرة، ولم يذكره للحطابين وغيرهم.
قوله: "ولم يذكره للحطابين وغيرهم" هذا من كلام المصنف، وحاصله أنه خص الإحرام بمن أراد الحج والعمرة، واستدل بمفهوم قوله: في حديث ابن عباس ممن أراد الحج والعمرة فمفهومه أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإحرام، وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مالك والشافعي: "بجواز دخولها بغير إحرام لمن لم يرد الحج والعمرة" على قول، والمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، وفي قول: يجب مطلقًا، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب وأولى بعدم الوجوب، والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب، وفي رواية عن كل منهم لا يجب، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات، وقال أبو عمر لا أعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار في الحطابين ومن يدمن الاختلاف إلى مكة، ويكثره في اليوم والليلة أنهم لا يؤمرون بذلك لما عليهم فيه من المشقة، وقال ابن وهب: عن مالك لا آخذ بقول ابن شهاب في دخول الإنسان مكة بغير إحرام، وقال: إنما يكون ذلك على مثل ما عمل به عبد الله بن عمر من القرب إلا رجلًا يأتي بالفاكهة من الطائف. أو ينقل الحطب يبيعه فلا بأس.
стр. 6657
الحديث التاسع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ "وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ".
مطابقته للترجمة في قوله: من أراد الحج والعمرة، حيث خصص لمريدهما المواقيت، ولم يعين لغير مريدهما ميقاتًا، والحديث مرَّ بعينه في أوائل كتاب الحج في باب مهل مكة ومرَّ الكلام فيه هناك مستوفى.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ وهيب في تعليق بعد الخامس عشر منه، وعبد الله بن طاوس في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرَّ أبوه طاوس في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين بعد الأربعين من الوضوء ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: "إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ". فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ".
وهذا الحديث قد عُد من أفراد مالك، تفرد بقوله، وعلى رأسه المغفر كما تفرد بحديث "السفر قطعة من العذاب" قاله: ابن الصلاح وغيره وتعقبه الزين العراقي بأنه ورد من طريق ابن أخي الزهري، ومعمر وأبي أويس، والأوزاعي فالأولى عند البزار، والثانية عند ابن عدي وفوائد ابن المقري، والثالثة عند ابن سعد وأبي عوانة، والرابعة ذكرها المزني وهي في فوائد تمام، وزاد في الفتح طريق ابن عقيل في معجم ابن جميع ويونس بن يزيد في الإرشاد للخليلي وابن أبي حفصة في الرواة عن مالك للخطيب، وابن عيينة في مسند أبي يعلى وأسامة بن زيد في تاريخ نيسابور، وابن أبي ذئب في "الحلية"، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي الموالي في أفراد الدارقطني وعبد الرحمن ومحمد ابني عبد العزيز الأنصاريين في فوائد عبد الله بن إسحاق الخراساني، وابن إسحاق في مسند مالك لابن عدي وصالح بن أبي الأخضر ذكره الهروي عقب حديث ابن قزعة عن مالك المخرج عند البخاري في المغازي، وبحر السقاء ذكره جعفر الأندلسي في تخريجه للجيزي بالجيم والزاي، ولكن ليس في طرقه
стр. 6658
شيء على شرط الصحيح إلا طريق مالك وأقربها ابن أخي الزهري، فقد أخرجها النسائي في مسند مالك، وأبو عوانة في صحيحه ويليها رواية أبي أويس أخرجها أبو عوانة أيضًا، فيحمل قول من قال: انفرد به مالك أي: بشرط الصحة وقول من قال: توبع أي: في الحملة.
وقوله: عن أنس في رواية أبي أويس عند ابن سعد أن أنس بن مالك حدثه.
وقوله: "وعلى رأسه المغفر" بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، أو رفرف البيضة أو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة، ولا تعارض بينه وبين رواية مسلم من حديث جابر، وعليه عمامة سوداء فإنه يحتمل أن يكون المغفر فوق العمامة السوداء. وقاية لرأسه المكرم من صدأ الحديد، أو هي فوق المغفر؛ فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متأهبًا للحرب؛ وأراد جابر بذكر العمامة كونه غير محرم. أو كان أول دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله، ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رآه، وستر الرأس يدل على أنه دخل غير محرم، لكن قال ابن دقيق العيد يحتمل أن يكون محرمًا وغطى رأسه لعذر، وتعقب بتصريح جابر وغيره بأنه لم يكن محرمًا، واستشكل في المجموع ذلك بأن مذهب الشافعي أن مكة فتحت صلحًا، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنها فتحت عنوة وحينئذ فلا خوف ثم أجاب بأنه ﵊ صالح أبا سفيان وكان لا يأمن غدر أهل مكة فدخلها صلحًا متأهبًا للقتال إن غدروا.
وقوله: "فلما نزعه" أي: فلما نزع ﵊ المغفر.
وقوله: "جاء رجل" ولأبي ذر عن الكشميهني جاءه رجل، وقد اختلف في هذا الرجل المبهم ويأتي ما فيه من الخلاف في السند.
وقوله: فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: "اقتلوه"، وقد اختلف في قاتله على أقوال ذكرت في السند وعرف فيه من لم يتقدم تعريفه ممن قيل؛ إنه قتله وتعريف ابن خطل وما قيل من السبب في الأمر بقتله ومن النفر الذين أهدر النبي ﷺ دمهم يوم الفتح، هبار بن الأسود وعكرمة بن أبي جهل وكعب بن زهير، ووحشي بن حرب وأسيد بن إياس بن أبي زنيم، وقينتا ابن خطل وهند بنت عتبة، وظاهر هذا الحديث أنه ﵊ لم يكن محرمًا يوم دخل مكة، وقد صرح بذلك مالك راوي الحديث، كما ذكره المصنف في المغازي عنه فقال: قال مالك: ولم يكن النبي فيما نرى والله أعلم يومئذ محرمًا، وروى عبد الرحمن بن مهدي عن مالك قوله: هذا جازمًا به أخرجه الدارقطني في الغرائب وفي الموطأ قال مالك: قال: ابن شهاب لم يكن رسول الله ﷺ محرمًا، وهذا مرسل، ويشهد له ما رواه مسلم عن جابر بلفظ: "دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سواء بغير إحرام"، وروى ابن أبي
стр. 6659
شيبة عن طاووس قال: لم يدخل النبي ﷺ مكة إلا محرمًا إلا يوم الفتح، وقد مرَّ التوفيق بين حديث أنس في المغفر، وحديث جابر في العمامة السوداء، وبتصريح جابر بأنه لم يكن محرمًا، يندفع إشكال من قال لا دلالة في الحديث على جواز دخول مكة بغير إحرام، ولكن فيه إشكال من وجه آخر لأنه ﵊ كان متأهبًا للقتال، ومن كان كذلك جاز له الدخول بغير إحرام عند الشافعية، وإن كان عياض نقل الاتفاق على مقابله وأما من قال من الشافعية كابن القاص دخول مكة بغير إحرام من خصائص النبي ﷺ ففيه نظر لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل لكن زعم الطحاوي أن دليل ذلك، قوله ﵊ في حديث أبي شريح وغيره "إنها لم تحل له إلا ساعة من نهار" وأن المراد بذلك جواز دخولها بغير إحرام لا تحريم القتال والقتل لأنهم أجمعوا على أن المشركين لو غلبوا والعياذ بالله تعالى على مكة حل للمسلمين قتالهم وقتلهم، وقد عكس النووي استدلاله فقال: في الحديث دلالة على أن مكة تبقى دار إسلام إلى يوم القيامة فبطل ما صوره الطحاوي، وفي دعواه الإجماع نظر فإن الخلاف ثابت حكاه القفال والماوردي وغيرهما واستدل بالحديث على أنه ﵊ فتح مكة عنوة وأجاب النووي بما مرَّ من أنه ﵊ كان صالحهم، لكن كما لم يأمن عذرهم دخل متأهبًا وهو جواب قوي إلا أن الشأن في ثبوت كونه صالحهم لا يعرف في شيء من الأخبار صريحًا، وقد مرَّ في باب توريث دور مكة وبيعها استيفاء الكلام على كونها فتحت صلحًا أو عنوة واستدل بقصة ابن خطل على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة قال ابن عبد البر: كان قتل ابن خطل قودًا من قتله المسلم وقال السهيلي: فيه أن الكعبة لا تعيذ عاصيًا ولا تمنع من إقامة حد واجب وقال النووي: تأول من قال: لا يقتل فيها. على أنه ﵊ قتله في الساعة التي أبيحت له، وأجاب عنه أصحاب الشافعية بأنها إنما أبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها وأذعن أهلها وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك، وتعقب بما مرَّ في الكلام على حديث أبي شريح أن المراد بالساعة التي أحلت له ما بين أول النهار، ودخول وقت العصر وقتل ابن خطل كان قبل ذلك قطعًا لأنه قيد في الحديث بأنه كان عند نزعه المغفر، وذلك عند استقراره بمكة وقد قال ابن خزيمة: المراد بقوله: في حديث ابن عباس ما أحل الله لأحد فيه القتل غيري أي: قتل النفر الذين قتلوا يومئذ ابن خطل، ومن ذكر معه قال: وكان الله قد أباح له القتال والقتل معًا في تلك الساعة، وقتل ابن خطل وغيره بعد نقض القتال، واستدل به على جواز قتل الذمي إذا سب النبي ﷺ ، وفيه نظر كما قال ابن عبد البر لأن ابن خطل كان حربيًا ولم يدخله رسول الله ﷺ في أمانه لأهل مكة بل استثناه مع من استثنى، وخرج أمره بقتله مع أمانه لغيره مخرجًا واحدًا، فلا دلالة فيه لما ذكر ويمكن أن يتمسك به في جواز قتل من فعل ذلك بغير استتابة من غير تقييد بكونه ذميًا لكن ابن خطل عمل بموجبات القتل فلم يتحتم
стр. 6660
أن سبب قتله السب، واستدل به عياض وغيره من المالكية على قتل من آذى النبي ﷺ أو تنقصه، ولا تقبل له توبة لأن ابن خطل كان يقول الشعر يهجو به النبي ﷺ ، ويأمر جاريتيه بأن تغنيا به، وقالت الشافعية: لا دلالة في ذلك أصلًا لأنه إنما قتل ولم يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل، ولأنه أتخذ الأذى ديدنًا فلم يتحتم أن سبب قتله الذم فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة وقلنا بكفره بها وتاب ورجع إلى الإِسلام فالفرق واضح واستدل به على جواز قتل الأسير صبرًا لأن القدرة على ابن خطل صيرته كالأسير في يد الإِمام، وهو مخير فيه بين القتل وغيره، لكن قال الخطابي: إنه ﵊ قتله بما جناه في الإِسلام، وقال ابن عبد البر: قتله قودًا من دم المسلم الذي غدر به وقتله ثم ارتد كما مرَّ، وكما يأتي في تعريفه في السند واستدل به على جواز قتل الأسير من غير أن يعرض عليه الإِسلام، ترجم بذلك أبو داود، وفيه مشروعية لبس المغفر وغيره من آلات السلاح حال الخوف من العدو، وأنه لا ينافي التوكل وقد تقدم في باب متى يحل للمعتمر من أبواب العمرة، في حديث عبد الله بن أبي أوفى أعتمر رسول الله ﷺ فلما دخل مكة طاف وطفنا معه، ومعه من يستره من أهل مكة أن يرميه أحد، الحديث وإنما احتاج إلى ذلك لأنه كان حينئذ محرمًا فخشي الصحابة أن يرميه بعض سفهاء المشركين بشيء يؤذيه فكانوا حوله يسترون رأسه ويحفظونه من ذلك، وفيه جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمر، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة ولا النميمة.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، وابن شهاب في الثالث منه ومرَّ أنس في السادس من الإيمان.
أخرجه البخاري أيضًا في اللباس والجهاد والمغازي؛ ومسلم في المناسك وأبو داود في الجهاد؛ والترمذي فيه، وفي الشمائل والنسائي في الحج والسير وابن ماجه في الجهاد وفي الحديث لفظ جاءه رجل فقال: "إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة" الرجل الجهم قال في الفتح إنه لم يقف على اسمه إلا أنه يحتمل أن يكن هو الذي قتله، والصحيح أن الذي قتله هو أبو برزة الأسلمي لما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، أنه هو الذي قتله، وقد مرَّ أبو برزة في الثامن عشر من مواقيت الصلاة، وقيل إن الذي قتله هو الزبير بن العوام، وجزم بذلك الدارقطني والحاكم، وقد مرَّ الزبير في الثامن والأربعين من العلم، وفي حديث البزار أن الذي قتله سعيد بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن مخزوم المخزومي، ممن أسلم قبل الفتح، قال الواقدي: وشهدها وكان أسن من أخيه عمرو بن حريث، روى عنه ابن ماجه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من باع دارًا أو عقارًا ولم يجعل ثمنها في مثلها لم يبارك له فيه"، له ثلاثة أحاديث روى ابن ماجه له حديثًا واحدًا، روى عنه عبد الملك بن عمير.
стр. 6661
وقيل: إن الذي قتله سعيد بن ذؤيب وذكر ذلك في حديث أخرجه أبو داود، والنسائي وابن أبي شيبة، والدارقطني، والحاكم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم الفتح أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة أنفس عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، فأما ابن خطل فقتل، وهو متعلق بأستار الكعبة استبق إليه سعيد بن ذؤيب وعمار بن ياسر، فكان سعيد بن ذؤيب أشب الرجلين فقتله. الحديث، وابن خطل المأمور بقتله في الحديث الصحيح، أن اسمه عبد الله بن خطل؛ واسم خطل عبد مناف من بني تيم بن فهر بن غالب وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلمًا، فبعثه رسول الله ﷺ مصدقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه، وكان مسلمًا فنزل منزلًا فأمر المولى أن يذبح تيسًا، ويصنع له طعامًا، فنام، واستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدى عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا وكانت له قينتان، تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ، وروى الفاكهاني وكذا قال أبو عمرو: لأنه كان أسلم وبعثه رسول الله ﷺ مصدقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وأمر عليهم الأنصاري فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله، وذهب بماله، وقال: صاحب التلويح روينا في مجالس الجوهري أنه كان يكتب الوحي للنبي ﷺ إذا "نزل غفور رحيم" يكتب "رحيم غفور" وإذا نزل "سميع عليم" لم يكتب "عليم سميع" ذكره بإسناد إلى الضحاك عن النزال بن صبرة عن علي رضي الله تعالى عنه، وفي التوضيح وكان يقال لابن خطل ذا القلبين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وفي رواية يونس عن ابن إسحاق لما قتل ابن خطل قال النبي ﷺ : لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا اليوم، وقيل: قال: هذا في غيره وهو الأكثر.
ثم قال المصنف:
стр. 6662
باب إذا أحرم جاهلاً وعليه قميص
أي هل تلزمه فدية أم لا وإنما لم يجزم بالحكم؛ لأن حديث الباب لا تصريح فيه بإسقاط الفدية، ومن ثم استظهر المصنف للراجح عنده بقول عطاء راوي الحديث، كأنه يشير إلى أنه لو كانت الفدية واجبة لما خفيت على عطاء، وهو راوي الحديث.
ثم قال: وقال عطاء: إذا تطيب أو لبس جاهلًا أو ناسيًا فلا كفارة عليه، ذكره ابن المنذر في الأوسط وصله الطبراني. في الكبير، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم.
الحديث الحادي والأربعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، قَالَ حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بن أمية عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ أَوْ نَحْوُهُ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي: تُحِبُّ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي أَنْ تَرَاهُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ.
وعض رجل يد رجل يعني فانتزع ثنيته، فأبطله النبي ﷺ .
قوله: "عن أبيه هو الصواب"، وأما ما في رواية أبي ذر عن صفوان بن يعلي بن أمية قال كنت الخ .. فتصحيف لأن صفوان ليست له صحبة، ولا رواية.
وقوله: ما تصنع في حجك أي: من الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، والحلق، والاحتراز عن محظورات الإحرام في الحج كلبس المخيط وغيره، قال ابن بطال: وغيره وجه الدلالة منه أنه لو لزمته الفدية لبينها ﵊؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فرق مالك فيمن تطيب أو لبس ناسيًا، بين من بادر فنزع وغسل، وبين من تمادى؛ وعند الشافعي لا فدية عليه مطلقًا لأن السائل في حديث الباب كان غير عارف بالحكم، وقد تمادى ومع ذلك لم يؤمر بالفدية، قال: في الفتح وقول مالك فيه احتياط، وأجاب ابن المنير من المالكية بأن الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم، ولهذا انتظر النبي ﷺ الوحي، قال: ولا خلاف أن التكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم، فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى، بخلاف من لبس الآن جاهلًا فإنه جهل حكمًا استقر وقصر في علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفًا به، وقد
стр. 6663
تمكن من تعلمه، وعند أبي حنيفة وأصحابه تجب الفدية بالتطيب ناسيًا، وباللبس ناسيًا، قياسًا على الأكل في الصلاة وقد تقدم استيفاء الكلام على هذا الحديث غاية الاستيفاء في باب غسل الخلوق من أوائل الحج، إلا قوله: في آخره وعض رجل يد رجل إلخ، فإنه حديث مستقل جاء في أبواب الدية في باب إذا عض رجلًا فوقعت ثناياه، ووجه تعلقه بالباب كونه من تتمة الحديث فهو مذكور بالتبعية.
قوله: "وعض رجل يد رجل" والعاض قيل: إنه يعلى ابن أمية، ولمسلم من رواية صفوان بن يعلى أن أجيرًا ليعلي بن أمية عض رجل ذراعه فجذبها، والظاهر أن المعضوض أجير يعلى، وأن العاض يعلى، ولا ينافيه.
قوله: في الصحيحين كان لي أجير فقاتل إنسانًا لأنه يجوز أن يكنى عن نفسه ولا يبين للسامعين أنه العاض استحياء على نفسه، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قبل النبي ﷺ إمرأة من نسائه فقال لها عروة: ومن هي؟ ألا أنت فضحكت.
وقوله: "فانتزع ثنيته" واحدة الثنايا من السن.
وقوله: فأبطله النبي ﷺ -أي: جعله هدرًا لا دية فيه لأنه جذبها دفعًا للصائل، زاد في الدية يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية له، وعند مسلم من رواية ابن سيرين، فقال: ما تأمرني أتأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل، ادفع يدك حتى يقضمها ثم انزعها، وعند أبي نعيم في المستخرج من الوجه الذي أخرجه مسلم إن شئت أمرناه فعض يدك ثم انتزعها أنت، وقد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور فقالوا لا يلزم المعضوض قصاص ولا دية لأنه في حكم الصائل، واحتجوا أيضًا بالإجماع بأن من شهر على آخر سلاحًا ليقتله، فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه، فكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها، قالوا ولو جرحه المعضوض في موضع آخر لم يلزمه شيء، وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب في شدقيه، أو فك لحييه ليرسلها ومهما أمكن التخليص بدون ذلك فعدل عنه إلى الأثقل لم يهدر، وعند الشافعية وجه أنه يهدر على الإطلاق، ووجه أنه لو دفعه بغير ذلك ضمن، وعن مالك روايتان أشهرهما يجب الضمان، وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون سبب الإندار شدة العض لا النزع، فيكون سقوط ثنية العاض بفعله لا بفعل المعضوض، إذ لو كان من فعل صاحب اليد لأمكنه أن يخلص يده من غير قلع، ولا يجوز الدفع بالأثقل مع إمكان الأخف، وقال بعض المالكية: العاض قصد العضو نفسه، والذي استحق في إتلاف ذلك العضو غير ما فعل به فوجب أن يكون كل منهما ضامنًا ما جناه على الآخر، كمن قلع عين رجل فقطع الآخر يده وتعقب بأنه قياس في مقابل النص، فهو فاسد وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت تتحرك فسقطت عقب
стр. 6664
النزع، وسياق هذا الحديث يدفع هذا الاحتمال، وتمسك بعضهم بأنها واقعة عين، ولا عموم لها وتعقب بأن البخاري أخبرني في الإجارة عقب حديث يعلى هذا عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبي ﷺ ، وقضى فيه بمثله، وما تقدم من التقييد ليس في الحديث وإنما أخذ من القواعد الكلية وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم فإن النص إنما ورد في صورة مخصوصة، نبه على ذلك ابن دقيق العيد، وقد قال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكًا هذا الحديث لما خالفه، وكذا قال ابن بطال: لم يقع هذا الحديث لمالك وإلا لما خالفه.
وقال الداودي: لم يروه مالك لأنه من رواية أهل العراق، وقال أبو عبد الملك: كأنه لم يصح عنده الحديث لأنه أتى من قبل المشرق قال: في الفتح وهذا مسلم في حديث عمران، وأما طريق يعلى فرواها أهل الحجاز وحملها عنهم أهل العراق واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان، ونقل القرطبي عن بعض أصحابهم إسقاط الضمان، قال: وضمنه الشافعي وهو مشهور مذهب مالك وتعقب بأن المعروف عن الشافعي أنه لا ضمان، وكأنه انعكس على القرطبي ولم يتكلم النووي على ما في رواية محمد بن سيرين الماضية عن عمران فإن مقتضاها إجراء القصاص في القصة، وقد يقال: إن العض هنا إنما أذن فيه في هذه الرواية للتوصل إلى القصاص في قلع السنن، لكن الجواب السديد في هذا أنه استفهمه استفهام إنكار لا تقرير شرع هذا هو الذي يظهر، وفي هذه القصة من الفوائد التحذير من الغضب، وأن من وقع له ينبغي أن يكظمه ما استطاع لأنه أدى إلى سقوط ثنية الغضبان لأن يعلى غضب من أجيره فضربه فدفع الأجير عن نفسه فعضه يعلى فنزع الأجير يده، فسقطت ثنية العاض ولولا الاسترسال مع الغضب لسلم من ذلك، وفيه استئجار الحر للخدمة، وكفاية مؤنة العمل في الغزو، لا ليقاتل عنه وفيه رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل، وأن المرء لا يقتص لنفسه، وأن المتعدي بالجناية يسقط ما ثبت له قبلها من جناية إذا ترتبت الثانية على الأولى، وفيه جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل، وقد حكى الكرماني: أنه رأى من ضعف. قوله: "كما يقضم الفجل" بالجيم بدل الحاء المهملة، وحمله على البقل المعروف، وهو تصحيف قبيح، وفيه دفع الصائل، وأنه إذا لم يمكن الخلاص منه إلا بجناية على نفسه أو على بعض أعضائه ففعل به ذلك كان هدرًا، وللعلماء في ذلك اختلاف وتفصيل معروف، وفيه أن من وقع له أمر يأنفه أو يحتشم من نسبته إليه إذا حكاه كنى عن نفسه، بأن يقول فعل رجل أو إنسان أو نحو ذلك كذا وكذا، كما وقع ليعلى في هذه القصة، وكما مرَّ عن عائشة.
стр. 6665
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان، ومرَّ همام في الرابع والثمانين من الوضوء، ومرَّ محل عطاء في الذي قبله، ومرَّ صفوان ويعلي بن أمية في الرابع والعشرين من الحج، ومرَّ فيه اسم الرجل السائل.
وفي الحديث فعض رجل يد رجل، وقد قيل أن الرجل العاض يعلى هذا والمعضوض أجير ليعلى لم يسم.
أخرجه البخاري أيضًا في الحج؛ وفي فضائل القرآن وفي المغازي؛ ومسلم وأبو داود والترمذي في الحج؛ والنسائي فيه وفي فضائل القرآن.
ثم قال المصنف:
стр. 6666
باب المحرم يموت بعرفة
ولم يأمر النبي ﷺ أن يؤدي عنه بقية الحج. يعني لم ينقل ذلك.
الحديث الثاني والأربعون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ" أَوْ قَالَ: "ثَوْبَيْهِ وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي".
هذا الحديث مرَّ الكلام عليه مستوفى، في باب الكفن في الثوبين.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ سعيد بن جبير وابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تَمَسُّوهُ طِيبًا، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
هذا الحديث رواية من الذي قبله أورده المصنف عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، وعن أيوب فرقهما، كلاهما عن سعيد بن جبير، ووقع في رواية عمرو فوقصته، أو قال، فأوقعصته، وفي رواية أيوب فوقصته، أو قال: فأوقصته وكلها بمعنى، وزاد في رواية أيوب ولا تمسوه طيبًا والباقي سواء، وعند مسلم من رواية إسماعيل بن علية في هذا الحديث عن أيوب قال: أنبئت عن سعيد بن جبير، والكلام عليه مرَّ في المحل المذكور في الذي قبله.
стр. 6667
رجاله خمسة:
قد مرّوا: وهم رجال الذي قبله إلا أيوب، وقد مرَّ في التاسع من الإيمان.
ثم قال المصنف:
стр. 6668
باب سنة المحرم إذا مات
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
وهذا الحديث أيضًا رواية من الذي قبله، والكلام على ما قبله كلام عليه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ يعقوب بن إبراهيم في الثامن من الإيمان، ومرَّ هشيم في الثاني من التيمم، وأبو بشر في الثاني من العلم، ومرَّ محل سعيد وابن عباس في الذي قبله.
ثم قال المصنف:
стр. 6669
باب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المرأة
كذا ثبت للأكثر بلفظ الجمع، وفي رواية النسائي بالإفراد.
وقوله: "والرجل يحج عن المرأة" يعني أن حديث الباب يستدل به على الحكمين، وفيه على الحكم الثاني نظر لأن لفظ الحديث أن امرأة سألت عن نذر كان على أبيها، فكان حق الترجمة أن يقول والمرأة تحج عن الرجل، وأجاب ابن بطال بأن النبي ﷺ خاطب المرأة بخطاب دخل فيه الرجال والنساء، وهو قوله: "اقضوا الله" ولا خلاف في جواز حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، إلا الحسن بن صالح، والذي يظهر أن البخاري أشار بالترجمة إلى رواية شعبة عن أبي بشر في هذا الحدث، فإنه قال فيها: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إن أختي نذرت أن تحج، الحديث، وفيه فاقض الله، فهو أحق بالقضاء. أخرجه المصنف في كتاب النذور وكذا أخرجه أحمد والنسائي.
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ.
قوله: "أن مرأة من جهينة" قال: في الفتح لم أقف على اسمها ولا على اسم أمها، لكن روى ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخرساني عن أبيه أن غايثة أو غاثيه أتت النبي ﷺ فقالت: إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة فقال: "اقضي عنها" أخرجه ابن منده في حرف الغين المعجمة، من الصحابيات، وتردد هل هي بتقديم المثناة التحتية على المثلثة أو بالعكس؟ وجزم ابن طاهر في المبهمات أنه اسم الجهنية المذكورة في حديث الباب، وقد روى النسائي وابن خزيمة وأحمد، عن موسى بن سلمة الهذلي، عن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل النبي ﷺ عن أمها توفيت ولم تحج الحديث، لفظ أحمد ووقع عند النسائي سنان بن سلمة، والأول أصح وهذا لا يفسر به المبهم في حديث الباب؛ لأن المرأة سألت بنفسها وفي هذا أن زوجها سأل لها ويمكن الجمع بأن يكون نسبة
стр. 6670
السؤال إليها مجازية وإنما الذي تولى لها السؤال زوجها، وغايته أنه في هذه الرواية لم يصرح بأن الحجة المسؤول عنها كانت نذرًا وأما ما روى ابن ماجه عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي ﷺ فقالت: إن أمي توفيت وعليها مشي إلى الكعبة نذر الحديث، فإن كان محفوظًا حمل على واقعتين، بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة وبأن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة، ويفسر من في حديث الباب بأنها عمة سنان واسمها غاثية كما مرَّ ولم تسم المرأة، ولا العمة ولا أم واحدة منهما.
وقوله: "إن أمي نذرت أن تحج" كذا رواه أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وسيأتي في النذور بلفظ أتى رجل النبي ﷺ فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون كل من الأخ سأل عن أخته والبنت سألت عن أمها وسيأتي في الصيام عن سعيد بلفظ قالت امرأة: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط القول فيه هناك وزعم بعض المخالفين أنه اضطراب يعل به الحديث، وليس كما قال: فإنه محمول على أن المرأة سألت عن كل من الصوم والحج، ويدل عليه ما رواه مسلم عن بريدة أن امرأة قالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت قال: "وجب أجرك، وردها عليك الميراث" قالت: إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها" قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها" وللسؤال عن قصة الحج من حديث ابن عباس أصل آخر، أخرجه النسائي عن سليمان بن يسار عنه، وله شاهد عن أنس عند البزار والطبراني، والدارقطني واستدل به على صحة نذر الحج ممن لم يحج، فإذا حج أجزأه عن حجة الإِسلام عند الجمهور، وعليه الحج عن النذور وقيل يجزىء عن النذر، ثم يحج حجة الإِسلام وقيل يجزىء عنهما.
وقوله: "قال: نعم حجي عنها" في رواية موسى بن سلمة أفيجزىء عنها أن أحج عنها؟ قال: نعم.
وقوله: "أكنت قاضيته" كذا للأكثر بضمير يعود على الدين، وللكشميهني قاضية بوزن فاعلة على حذف المفعول، وفي الحديث مشروعية القياس وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه، وأشكل بما اتفق عليه، وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتبت على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وفيه أن وفاء الدين المالي عن الميت كان معلومًا عندهم مقررًا، ولهذا حسن الإلحاق به وفيه إجزاء الحج عن الميت وفيه اختلاف وقد مرَّ ما فيه مستوفى عند الحديث الأول من الحج، وفي قوله: "فالله أحق بالوفاء" دليل على أنه مقدم على دين الآدمي، ومرَّ ما فيه من الخلاف عند الحديث المذكور، قال الطيبي: في الحديث
стр. 6671
إشعار بأن المسؤول عنه خلف مالًا فأخبره النبي ﷺ : "أن حق الله مقدم على حق العباد" وأوجب عليه الحج عنه، والجامع علة المالية ولم يتحتم في الجواب المذكور أن يكون خلف مالًا كما زعم لأن قوله: أكنت قاضيته؟ أعم من أن يكون المراد مما خلفه أو تبرعًا.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ موسى بن إسماعيل وأبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ محل أبي بشر وسعيد وابن عباس في الذي قبله.
والمرأة السائلة. مرَّ الكلام عليها في الأول من الحج.
ثم قال المصنف:
стр. 6672
باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة
أي: من الأحياء خلافًا لمالك في ذلك ولمن قال: لا يحج عن أحد مطلقًا كابن عمر إلى آخر ما مرَّ.
الحديث السادس والأربعون
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةً ح. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَهَلْ يَقْضِى عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ قَالَ: "نَعَمْ".
لم يسق المصنف رواية ابن جريج بل تحول إلى إسناد عبد العزيز بن أبي سلمة، وساق الحديث على لفظه كعادته وبقية حديث ابن جريج أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: "إن أبي أدركه الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يركب البعير أفأحج عنه؟ قال: "حجي عنه". أخرجه أبو مسلم الكجي والطبراني عن أبي مسلم أيضًا، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ابن جريج. فقال: "إن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج" الحديث.
وقوله: "عام حجة الوداع" في رواية شعيب الآتية في الاستئذان أن يوم النحر، والنسائي عن ابن عيينة غداة جمع، ومباحث هذا الحديث والذي بعده مرت مستوفاة غاية الاستيفاء في الحديث الأول من كتاب الحج.
رجاله ثمانية:
قد مرّوا: مرَّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، وابن جريج في الثالث من الحيض، وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، وموسى بن إسماعيل وعبد الله بن عباس في الخامس منه، وسليمان بن يسار في الخامس والتسعين من الوضوء ومرَّ عبد العزيز بن أبي سلمة في الأربعين من العلم، ومرَّ الفضل بن عباس في الثامن عشر من الجماعة والمرأة الخثعمية المبهمة لم تسم هي ولا أبوها.
ثم قال المصنف:
стр. 6673
باب حج المرأة عن الرجل
تقدم ما فيه من الخلاف قبل باب
الحديث السابع والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ، يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
قوله: "كان الفضل" يعني ابن عباس، وهو أخو عبد الله، وكان أكبر أولاد العباس وبه كان يكنى، وقد مرَّ قريبًا محل استيفاء الكلام على هذا الحديث.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ عبد الله بن مسلمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ محل الأربعة الباقين في الذي قبله.
стр. 6674
باب حج الصبيان
أي: مشروعيته وكأن الحديث الصريح فيه ليس على شرط المصنف، وهو ما رواه مسلم عن ابن عباس، قال: رفعت امرأة صبيًا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ إلا أنه إذا حج به كان له تطوعًا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء بفعل شيء من محضورات الإحرام وإنما يحج على جهة التدرب وشذ بعضهم، فقال: إذا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإِسلام لظاهر قوله: "نعم" في جواب ألهذا حج؟ وقال الطحاوي: لا حجة فيه لذلك، بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له؛ لأن ابن عباس راوي الحديث قال: أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى، ثم ساقه بإسناد صحيح فعند أبي حنيفة إذا أفسد الصبي حجه لا قضاء عليه ولا فدية إذا اصطاد صيدًا، وقال مالك: يجتنب ما يجتنبه الكبير ويفدى عنه إذا أصاب شيئًا من ذلك، ويطوف، ويسعى، ويرمي إذا قوي وإلا حمل وطيف به وسعي ورمي عنه، والذي يتكلم يلبي عن نفسه والذي لا يتكلم ينوي بتجريده الإحرام، وقال ابن القاسم: يغنيه تجريده عن التلبية عنه.
الحديث الثامن والأربعون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَنِي أَوْ قَدَّمَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
وجه الدلالة منه هنا أن ابن عباس كان قبل البلوغ، ولهذه النكتة أردفه المصنف بحديثه الآخر المصرح فيه بأنه حينئذ كان قد قارب الاحتلام.
وقوله: في الثقل بفتح الثاء والقاف وقد تسكن أي الأمتعة، وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث في باب من قدم ضعفة أهله.
رجاله أربعة:
قد مرّوا: مرَّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ عبيد الله بن أبي يزيد في التاسع من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
стр. 6675
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الْحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ، فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قوله: "حدثنا إسحاق" نسبه الأصيلي وابن السكن ابن منصور وقد أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن يعقوب أيضًا، ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج، لكن يرجح كونه ابن منصور أن ابن راهويه لا يعبر عن مشايخه إلا بصيغة أخبرنا، وقد مرَّ الكلام عليه في باب متى يصح سماع الصغير من كتاب العلم، وفي باب سترة المصلي من كتاب الصلاة.
رجاله ستة:
قد مرّوا: مرَّ إسحاق بن منصور في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرَّ يعقوب بن إبراهيم بن سعد في السادس عشر من العلم، ومرَّ ابن أخي الزهري في متابعة بعد العشرين من الإيمان، ومرَّ الزهري في الثالث من بدء الوحي ومرَّ عبيد الله المسعودي في السادس منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس منه.
ثم قال: وقال يونس: عن ابن شهاب بمنى في حجة الوداع، ورواية يونس المعلقة وصلها مسلم عن ابن وهب عنه، ولفظه أنه "أقبل يسير على حمار ورسول الله ﷺ يصلي بمنى في حجة الوداع"، ومرَّ يونس في متابعة بعد الرابع من بدء الوحي.
الحديث الخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ.
قوله: "عن محمد بن يوسف" في رواية الإسماعيلي حدثنا محمد بن يوسف، وهو الكندي ويأتي تعريفه في السند.
وقوله: "حج بي" كذا للأكثر بضم أوله على البناء لما لم يسم فاعله وقال ابن سعد: عن الواقدي عن حاتم حجت بي أمي وللفاكهاني من وجه آخر عن محمد بن يوسف عن السائب حج بي أبي ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه زاد الترمذي عن حاتم في حجة الوداع.
стр. 6676
رجاله أربعة:
مرَّ عبد الرحمن بن يونس وحاتم بن إسماعيل والسائب بن يزيد في الخامس والخمسين من الوضوء، والباقي محمد بن يوسف بن عبد الله بن يزيد الكندي المدني الأعرج، ابن أخت نمر، وأمه ابنة السائب بن يزيد، قال يحيى بن سعيد: أثبت من عبد الرحمن بن حميد، وعبد الرحمن بن عمار، وكان أعرج، وقال صدقة بن الفضل: كان يحيى يثني عليه ويفضله على محمد بن أبي يحيى، وقال ابن معين: قال لي يحيى: لم أر شيخًا يشبهه في الثقة، وقال ابن معين، وأحمد والنسائي: ثقة، وقال مصعب الزبيري: كان له شرف وقدم بالمدينة، وذكره ابن حبان في الثقات؛ وقال ابن المديني: محمد بن يوسف الأعرج ثقة وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح المصري: ثبت له شأن قال: وكان أحمد بن صالح معجبًا به في الزهرة روى عنه البخاري اثنين وستين حديثا روى عن جده لأمه وقيل: خاله وقيل: عمه السائب بن يزيد وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وغيرهم وروى عنه ابن جريج، ومالك بن أنس، وحاتم بن إسماعيل وغيرهم، وفي بعض روايات الحديث حج بي، وأبوه هو يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود بن عبد الله بن الحارث بن الولادة الكندي، والد السائب بن يزيد المعروف بابن أخت النمر، حليف بني أمية بن عبد شمس، وقيل: هو يزيد بن عبد الله بن سعيد بن ثمامة بن يقظان بن الحارث بن عمرو بن معاوية الكندي، قال سعيد بن المسيب: قال: ما اتخذ النبي ﷺ قاضيًا ولا أبو بكر ولا عمر حتى كان في وسط خلافة عمر فإنه قال: ليزيد بن أخت النمر: "اكفني بعض الأمر" يعني صغارها. وقال: أين سعد استعمله عمر على السوق، وأخرج الترمذي والبخاري في الأدب المفرد عنه عن النبي ﷺ : "لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا". الحديث ليس له إلا حديث واحد رواه عنه ابنه السائب.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة، والحديث أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح.
الحديث الحادي والخمسون
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول للسائب بن يزيد .. الخ. لم يذكر مقول عمر، ولا جواب السائب وكأنه كان قد سأله عن قدر المد، لما سيأتي في الكفارات، عن عثمان بن أبي شيبة، عن القاسم بن مالك، بهذا الإسناد وكان الصاع على عهد النبي ﷺ مدًا وثلثًا، فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز، قلت: هذا الحديث الآتي ليس فيه مقول عمر ولا جواب
стр. 6677
السائب أيضًا زاد الإسماعيلي من هذا الوجه، قال السائب وقد حج بي في ثقل النبي ﷺ وأنا غلام، وقال الكرماني اللام في قوله: للسائب للتعليل أي: سمعت عمر يقول: لأجل السائب والمقول: وكان السائب إلخ. كذا قال ولا يخفى بعده، وفي الحديث صحة إحرام الصبي، كما مرَّ واختلفوا في الصبي والعبد يحرمان في الحج ثم يحتلم الصبي ويعتق العبد قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرام ويتماديان عليه ولا يجزيهما عن حجة الإِسلام، وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي: إذا نويا بإحرامهما المتقدم حجة الإِسلام أجزأهما، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أيما صبي حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإِسلام، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإِسلام، فإن عتق فعليه الحج.
رجاله خمسة:
مرَّ منهم عمرو بن زرارة في التاسع والثمانين من استقبال القبلة، ومرَّ الجعد بن عبد الرحمن والسائب بن يزيد في الخامس والخمسين من الوضوء، ومرَّ عمر بن عبد العزيز في أثر أول الإيمان قبل ذكر حديث منه، والباقي القاسم بن مالك المزني أبو جعفر الكوفي قال أحمد: كان صدوقًا وكان يلي بعض العمل في السواد، وقال ابن معين: ثقة؛ وقال مرة: ما به بأس صدوق؛ وقال أبو داود: ليس به بأس؛ وقال مرة: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن سعد: كان ثقة صالح الحديث، وقال العجلي ثقة، وقال الساجي: ضعيف وقد روى عنه علي بن المديني، وقال أبو حاتم: صالح وليس بالمتين، قال في المقدمة ليس له في البخاري سوى حديث واحد، أخرجه مفرقًا في الحج والاعتصام، والكفارات من روايته عن الجعيد بن عبد الرحمن عن السائب قال: "كان صاع النبي ﷺ ، مدًّا ثلثًا بمدكم اليوم". قال: وكان السائب قد حج به في ثقل النبي ﷺ وأخرج ما يتابعه في الحج أيضًا من طريق أخرى عن السائب روى عن المختار بن فلفل، وابن عون، والجعيد بن عبد الرحمن وغيرهم وروى عنه أحمد وابن المديني ويحيى بن معين، وابنا أبي شيبة أبو بكر وعثمان وغيرهم، عاش إلى ما بعد التسعين ومائة.
ثم قال المصنف:
стр. 6678
باب حج النساء
أي: هل يشترط فيه قدر زائد على حج الرجال أو لا؟.
الحديث الثاني والخمسون
وَقَالَ: لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَذِنَ عُمَرُ ﵁ لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ.
كذا أورده مختصرًا ولم يستخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم، وساقه البيهقي وابن سعد مطولًا والمراد بإبراهيم إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
وقوله "أذن عمر" أي: ابن الخطاب، وظاهره أنه من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن عمر ومن ذكر معه، وإدراكه لذلك ممكن لأن عمره إذ ذاك كان أكثر من عشر سنين وقد أثبت سماعه من عمر، يعقوب ابن أبي شيبة وغيره، لكن روى ابن سعد هذا الحديث عن الواقدي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن عبد الرحمن بن عوف، قال: أرسلني عمر، لكن الواقدي لا يحتج به فقد رواه البيهقي عن عبدان وابن سعد عن الوليد بن عطاء بن الأغر، كلاهما عن إبراهيم بن سعد مثل ما قال أحمد بن محمد: شيخ البخاري، ويحتمل أن يكون إبراهيم حفظ أصل القصة، وحمل تفاصيلها عن أبيه فلا تتخالف الروايتان، ولعل هذا هو النكتة في اقتصار البخاري على أصل القصة دون بقيتها.
وقوله: "وعبد الرحمن" زاد عبدان عبد الرحمن بن عوف، وكان عثمان ينادي ألا لا يدنو أحد منهن، ولا ينظر إليهن، وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب، فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عبد الرحمن وعثمان بذنب الشعب، وفي رواية لابن سعد فكان عثمان يسير أمامهن وعبد الرحمن خلفهن، وفي رواية له وعلى هوادجهن الطيالسة الخضر في إسناده الواقدي، وروى ابن سعد أيضًا بإسناد صحيح عن أبي إسحاق السبعي قال: رأيت نساء النبي ﷺ حججن في هوادج عليها الطيالسة زمن المغيرة بن شعبة، والظاهر أنه أراد بذلك زمن ولاية المغيرة على الكوفة لمعاوية، وكان ذلك سنة خمسين أو قبلها، ولابن سعد أيضًا عن أم معبد الخزاعية قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن في خلافة عمر حجا بنساء النبي ﷺ ، فنزلن بقديد، فدخلت عليهن وهن ثمان، وله من حديث عائشة أنهن استأذن عثمان
стр. 6679
في الحج فقال أنا أحج بكن فحج بنا جميعًا إلا زينب كانت ماتت وإلا سودة، فإنها لم تخرج من بيتها بعد النبي ﷺ وروى أبو داود وأحمد عن واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن النبي ﷺ قال: لنسائه هذه ثم ظهور الحصر، زاد ابن سعد عن أبي هريرة فكن نساء النبي ﷺ يحججن إلا سودة وزينب، فقالا: لا تحركنا دابة بعد النبي ﷺ ، وإسناد حديث أبي واقد صحيح، وأغرب المهلب فزعم أنه من وضع الرافضة لقصد ذم أم المؤمنين عائشة في خروجها إلى العراق للإصلاح بين الناس في قصة وقعة الجمل، وهو إقدام منه على رد الأحاديث الصحيحة بغير دليل، والعذر عن عائشة أنها تأولت الحديث المذكور كما تأوله غيرها من صواحباتها على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة وتأيد ذلك عندها بقوله ﵊ لكن أفضل الجهاد الحج والعمرة، لدلالته على أن لهن جهادًا غير الحج والحج أفضل منه، ومن ثم عقبه المصنف بهذا الحديث في هذا الباب، وكان عمر رضي الله تعالى عنه متوقفًا في ذلك ثم ظهر له الجواز فأذن لهن، وتبعه على ذلك من ذكر من الصحابة، ومن في عصره من غير نكير وروى ابن سعد من مرسل أبي جعفر الباقر قال: منع عمر أزواج النبي ﷺ الحج والعمرة، وعن أم درة عن عائشة قالت: منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام، فأذن لنا، وهو موافق لحديث الباب، وفيه زيادة على ما في مرسل أبي جعفر، وهو محمول على ما ذكرناه واستدل به على جواز حج المرأة بغير محرم، وسيأتي البحث فيه في الحديث الآتي قريبًا، وروى عمر بن شبة هذا الحديث عن إبراهيم بن سعد بإسناد آخر فقال: عن الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة: أن عمر أذن لأزواج النبي ﷺ فحججن في آخر حجة حجها عمر، فلما ارتحل عمر من الحصبة أقبل رجل فسلم، وقال أين كان أمير المؤمنين ينزل فقال له قائل وأنا أسمع: هذا كان منزله فأناخ في منزل عمر ثم رفع عقيرته يتغنى:
عليك سلام من أميرٍ وباركت ... يد لله في ذاك الأديم الممزقِ
إلى آخر الأبيات المذكورة في تعريف عمر عند أول حديث من صحيح البخاري.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف وقد مرَّ الجميع: مرَّ أحمد بن محمد بن الوليد في السادس والعشرين من الوضوء ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإِيمان، ومرَّ أبو سعد في السابع، والأربعين من الوضوء، ومرَّ أبو سعد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف في السادس والثلاثين من الزكاة، ومرَّ عمر بن الخطاب في الأول من بدء الوحي، ومرَّ عثمان في أثر بعد الخامس من العلم، ومرَّ عبد الرحمن بن عوف في السابع والخمسين من الجمعة.
стр. 6680
الحديث الثالث والخمسون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: "لَكُنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الْحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلاَ أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
عند الإسماعيلي عن حبيب حدثتني عائشة:
وقوله: "ألا نغزو أو نجاهد" هذا شك من الراوي وهو مسدد، وأخرجه الإسماعيلي عن أبي عوانة شيخ مسدد بلفظ ألا نغزو معكم، وأغرب الكرماني فقال: ليس الغزو والجهاد بمعنى واحد، فإن الغزو القصد إلى القتال، والجهاد بذل النفس في القتال. قال: أو ذكر الثاني تأكيدًا للأول.
وكأنه ظن أن الألف تتعلق بنغزو، فشرح على أن الجهاد معطوف على الغزو بالواو، أو جعل (أو) بمعنى الواو، وقد أخرجه النسائي عن حبيب بلفظ ألا نخرج فنجاهد معك؛ ولابن خزيمة عن حبيب مثله، زاد فإنا نجد الجهاد أفضل الأعمال وللإسماعيلي عن حبيب: لو جاهدنا معك قال: "لا جهاد ولكن حج مبرور". وقد مرَّ في أوائل الحج عن حبيب، بلفظ ترى الجهاد أفضل العمل، فظهر أن التغير بين اللفظين من الرواة فيقوى أن أو للشك.
وقوله: "لكن أحسن الجهاد" تقدم نقل الخلاف في توجيهه في أوائل الحج في باب فضل الحج وهل هو بلفظ الاستدراك أو بلفظ خطاب النسوة.
وقوله: "الحج حج مبرور" في رواية جرير: حج البيت حج مبرور، وسيأتي في الجهاد من وجه آخر، عن عائشة بنت طلحة بلفظ: استأذنه نساؤه في الجهاد فقال: "يكفيكن الحج" ولابن ماجه عن حبيب قلت: يا رسول الله! على النساء جهاد؟ قال: "نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" قال ابن بطال: زعم بعض من ينقص عائشة في قصة الجمل أن قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ يقتضي تحريم السفر عليهن، قال: وهذا الحديث يرد عليهم، لأنه قال: لكن أفضل الجهاد، فدل على أن لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "لا" في جواب قولهن: ألا نخرج فنجاهد معك؟ أي: ليس ذلك واجبًا عليكن، كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت في حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى، وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره لهن، كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وخص به عموم هذه، ثم ظهور الحصر، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وكأن عمر كان متوقفًا في ذلك، ثم ظهر له قوة دليلها فأذن لهن في آخر خلافته، ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضًا،
стр. 6681
ثم وقف بعضهن عند ظاهر النهي كما مرَّ، وقال البيهقي: في حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبي واقد وجوب الحج مرة واحدة، كالرجال لا المنع من الزيادة، وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب، واستدل بحديث عائشة هذا على جواز حج المرأة مع من تثق به، ولو لم يكن زوجًا ولا محرمًا كما يأتي في الذي يليه.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرَّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين منه، ومرَّ حبيب بن أبي عمرة وعائشة بنت طلحة في الثامن من الحج، ومرت أم المؤمنين عائشة في الثاني من بدء الوحي.
الحديث الرابع والخمسون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: "اخْرُجْ مَعَهَا".
قوله: "عن أبي معبد" كذا رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، وابن عيينة كلاهما عن عمرو، عن أبي معبد به، ولعمرو بهذا الإسناد حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره، عن ابن عيينة، عن عكرمة قال: جاء رجل إلى المدينة فقال له رسول الله ﷺ : "أين نزلت؟ " قال: على فلانة قال: "أغلقت عليها بابك؟ " مرتين، "لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم" ورواه عبد الرزاق أيضًا عن ابن جريج، عن عمرو، أخبرني عكرمة أو أبو معبد، عن ابن عباس، والمحفوظ في هذا مرسل عكرمة، وفي الآخر رواية أبي معبد، عن ابن عباس.
وقوله: "لا تسافر المرأة" كذا أطلق السفر وقيده في حديث أبي سعيد الآتي في الباب، فقال: مسيرة يومين، ومرَّ في الصلاة حديث أبي هريرة مقيدًا بمسيرة يوم وليلة، وعنه روايات أخر، وحديث ابن عمر مقيدًا بثلاثة أيام، وعنه روايات أخر، وقد مرَّ وجه الجمع بين الروايات عند حديث ابن عمر في باب في كم يقصر الصلاة من أبواب السفر، ومرَّ هناك ذكر مذاهب الأئمة في اشتراط المحرم في الحج، ومرَّ هناك أن الحنفية شرط المحرم عندهم في وجوب الحج على المرأة؛ إذا كان السفر إلى مكة ثلاثة أيام بلياليها، ومرَّ احتجاجهم هناك، واحتجوا أيضًا بأن المنع المقيد بالثلاث متحقق، وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن، ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها، وطرح ما عداها فإنه مشكوك فيه، ومن قواعد الحنفية: تقديم الخبر العام على الخامس، وترك حمل المطلق على المقيد، وقد خالفوا ذلك هنا، والاختلاف إنما وقع في الأحاديث التي وقع فيها التقييد، بخلاف حديث الباب،
стр. 6682
فإنه لم يختلف على ابن عباس فيه، وتمسك أحمد بعموم الحديث فقال: إذا لم نجد زوجًا أو محرمًا لا يجب عليها الحج، هذا هو المشهور عنه، وعنه رواية أخرى كقول مالك وهو تخصيص الحديث بغير سفر الفريضة، قالوا: وهو مخصوص بالإجماع، قال البغوي: لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج، أو محرم إلا كافرة أسلمت في دار الحرب، أو أسيرة تخلصت، وزاد غيره: أو امرأة انقطعت من الرفقة، فوجدها رجل مأمون، فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة، قالوا: وإذا كان عمومه مخصوصًا بالاتفاق فليخص منه حجة الفريضة، وأجاب صاحب المغني بأنه سفر الضرورة، فلا يقاس عليه حالة الاختيار، ولأنها تدفع ضررًا متيقنًا بتحمل ضرر متوهم، ولا كذلك السفر للحج، وقد روى الدارقطني وصححه أبو عوانة حديث الباب عن ابن جريج عن عمرو بن دينار بلفظ: "لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم" فنص في نفس الحديث على منع الحج، فكيف يخص من بقية الأسفار؟ وقد مرَّ عند حديث ابن عمر في السفر تفصيل مذهب مالك والشافعي في سفر المرأة إلى الحج، وقد مرَّ هناك عن الشافعية أن السفر الواجب من الحج والعمرة يجوز للمرأة أن تسافر إليه وحدها، إذا كان الطريق آمنًا، وأغرب القفال فطرده في الأسفار كلها، واستحسنه الروياني قال: إلا أنه خلاف النص، قال في الفتح: وهو يعكر على نفي الاختلاف الذي نقله البغوي آنفًا، واختلفوا هل المحرم وما ذكر معه شرط في وجوب الحج عليها، أو شرط في التمكن، فلا يمنع الوجوب والاستقرار في الذمة؟! وعبارة أبي الطيب الطبري منهم: الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تؤديه فلا يجوز لها إلا مع محرم أو زوج، أو مع نسوة ثقات، ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق أول أحاديث الباب، لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي ﷺ على ذلك، وعدم نكير أحد من الصحابة عليهن في ذلك، ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين فإنما أباه من جهة خاصة كما مرَّ، لا من جهة توقف السفر على المحرم، ولعل هذا هو النكتة في إيراد البخاري الحديثين -أحدهما عقب الآخر- ولم يختلفوا أن النساء كلهن في ذلك سواء، إلا ما نقل عن أبي الوليد الباجي أنه خصه بغير العجوز التي لا تشتهى، وكأنه نقله من الخلاف المشهور في شهود المرأة صلاة الجماعة، قال ابن دقيق العيد: الذي قاله الباجي تخصيص للعموم بالنظر إلى المعنى، يعني مع مراعاة الأمر الأغلب، وتعقبوه بأن لكل ساقطة لاقطة، والمتعقب راعى الأمر النادر، وهو الاحتياط، وقد احتج له بحديث عديّ بن حاتم مرفوعًا: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة، تؤم البيت لا زوج معها" الحديث.
وهو في البخاري وتعقب بأنه يدل على وجود ذلك لا على جوازه، وأجيب بأنه خبر في سياق المدح، ورفع منار الإِسلام فيحمل على الجواز، وأجيب عن الباجي بأن هذه الساقطة
стр. 6683
ما لها لاقطة، ولو وجد خرجت عن فرض المسئلة؛ لأنها تكون حينئذ مشتهاة في الجملة، وليس الكلام فيها وإنما الكلام فيمن لا تشتهى أصلًا، ورأسًا، ولا يسلم أن من بهذه المثابة مظنة الطمع، والميل إليها بوجه، قال في المجموع: والخنثى المشكل يشترط في حقه من المحرم ما يشترط في المرأة، ولم يشترطوا في الزوج والمحرم كونهما ثقتين وهو في الزوج واضح، وأما في المحرم فسببه أن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي، واستثنى أحمد ممن حرمت على التأبيد مسلمة لها أب كتابي فقال: لا يكون محرمًا لها لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها إذا خلا بها، وقد مرَّ قريبًا أنهم اختلفوا هل المحرم شرط في وجوب الحج عليها أو شرط في التمكن؟ إلى آخر ما مرَّ، والذين ذهبوا إلى الأول استدلوا بهذا الحديث؛ فإن سفرها للحج من جملة الأسفار الداخلة تحت الحديث، فتمتنع إلا مع المحرم، والذين قالوا بالثاني جوزوا سفرها مع رفقة مأمونة إلى الحج، كما مرَّ مستوفىً في أبواب السفر، وهو مذهب الشافعية والمالكية، والأول مذهب الحنفية والحنابلة، قال ابن دقيق العيد: هذه المسئلة تتعلق بالعامين إذا تعارضا؛ فإن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ عامٌّ في الرجال والنساء، فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر إذا وجدت وجب الحج على الجميع.
وقوله ﷺ : "لا تسافر المرأة إلا مع محرم" عامٌّ في كل سفر، فيدخل فيه الحج فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث، فيحتاج إلى الترجيح من خارج، وقد رجح المذهب الثاني بعموم قوله ﵊: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وليس ذلك بجيد، لكونه عامًا في المساجد، فيخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر بحديث النهي، ومن المستظرف أن المشهور من مذهب من لم يشترط المحرم أن الحج على التراخي، ومن مذهب من يشترطه أن الحج على الفور، وكان المناسب لهذا قول هذا وبالعكس، قلت: مشهور مذهب مالك أن الحج على الفور وهو لا يشترط المحرم.
وقوله: "إلا مع ذي محرم" أي: فيحمل ولم يصرح بالزوج، وقد جاء في حديث أبي سعيد في هذا الباب بلفظ: "ليس معها زوجها أو ذو محرم منها" وقد مرَّ ضابط المحرم عند العلماء في باب كم تقصر الصلاة، ومن قال: إن عبد المرأة محرم لها وصرح المرعشي وابن أبي الصيف بأن عبدها الأمين كالمحرم، يحتاج إلى أن يزيد في الضابط ما يدخله، وقد روى سعيد بن منصور عن ابن عمر مرفوعًا: "سفر المرأة مع عبدها ضيعة"، لكن في إسناده ضعف وقد احتج به أحمد وغيره، وينبغي لمن أجاز ذلك أن يقيده بما إذا كانا في قافلة، بخلاف ما إذا كانا وحدهما، فلا، لهذا الحديث، وفي آخر حديث ابن عباس ما يشعر بأن الزوج يدخل في مسمى المحرم، فإنه لما استثنى المحرم فقال القائل: ان امرأتي حاجّة، فكأنه
стр. 6684
فهم إدخال الزوج في المحرم، ولم يرد عليه ما فهمه بل قال له: "اخرج معها" واستثنى بعض العلماء -وهو مالك- ابن الزوج فكره السفر معه لغلبة الفساد في الناس بعد العصر الأول، ولأن كثيرًا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة عنها منزلة محارم النسب، والمرأة فتنة إلا فيما جبل الله النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب، قال ابن دقيق العيد: هذه الكراهة عن مالك إن كانت للتحريم ففيه بعد لمخالفة الحديث؛ فإن الحديث عام وإن كانت للتنزيه فهو أقرب، ولكن يتوقف على أن لفظ: "لا يحل" هل يتناول المكروه الكراهة التنزيهية.
وقوله: "ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم" فيه منع الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع، لكن اختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا كالنسوة الثقات؟ والصحيح الجواز لضعف التهمة به، وقال القفال: لابد من المحرم، وكذا في النسوة الثقات في سفر الحج لابد من أن يكون مع إحداهن محرم، ويؤيده نص الشافعي أنه لا يجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات إلا أن تكون إحداهن محرمًا له، قلت: ومذهب مالك كراهة إِمامة الأجنبي الأجنبيات، وللواحدة أشد كراهة.
وقوله: "فقال رجل: يا رسول الله! إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا" قال في الفتح: لم أقف على اسم الرجل ولا امرأته، ولا على تعيين الغزوة المذكورة، وسيأتي في الجهاد بلفظ: "إني اكتتبت في غزوة كذا" أي: كتبت نفسي في أسماء من عين لتلك الغزوة، قال ابن المنير: الظاهر أن ذلك كان في حجة الوداع، فيؤخذ منه أن الحج على التراخي، إذ لو كان على الفور لما تأخر الرجل مع رفقته الذين عينوا في تلك الغزوة، كذا قال، وليس ما ذكره بلازم لاحتمال أن يكونوا قد حجوا قبل ذلك مع من حج في سنة تسع مع أبي بكر الصديق، أو أن الجهاد قد تعين على المذكورين بتعيين الإِمام، كما لو نزل عدو بقوم فإنه يتعين عليهم الجهاد، ويتأخر الحج اتفاقًا.
وقوله: "اخرج معها" أخذ بظاهره بعض أهل العلم، فأوجب على الزوج السفر مع الزوجة إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والمشهور أنه لا يلزمه، كالولي في الحج عن المريض، فلو امتنع إِلا بأجرة لزمها لأنه من سبيلها، فصار في حقها كالمؤنة، واستدل به على أنه ليس للزوج منع زوجته من حج الفرض، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخي، وأما ما رواه الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا في امرأة لها الزوج، ولها مال، ولا يأذن لها في الحج فليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها، فأجيب عنه بأنه محمول على حج التطوع عملًا بالحديثين، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا، استنبط منه ابن حزم جواز سفر المرأة بغير زوج، ولا محرم، بكونه ﵊ لم يأمر بردها، ولا عاب سفرها، وتعقب بأنه لو لم يكن ذلك شرطًا لما أمر زوجها بالسفر
стр. 6685
معها، وتركه الغزو الذي كتب فيه، ولاسيما وقد رواه سعيد بن منصور عن حماد بن زيد بلفظ: فقال رجل: يا رسول الله! إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا" فلو لم يكن شروطًا ما رخص له في ترك النذر، قال النووي: وفي الحديث تقديم الأهم من الأمور المتعارضة فإنه لما عرض له الغزو والحج، رجّح الحج؛ لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها، بخلاف الغزو.
وهذا الحديث قد مرَّ كثير من مباحثه في باب في كم يقصر الصلاة، من أبواب السفر، وذكر الباقي هنا مستوفىً.
رجاله خمسة:
قد مرّوا، وفيه لفظ رجل مبهم: مرَّ أبو النعمان في الأخير من الإيمان، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم ومرَّ أبو معبد في الثامن والمائة من صفة الصلاة ومرَّ عبد الله بن عباس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع والعنعنة ورواته بصريان ومكي وحجازي أخرجه البخاري في الجهاد وفي النكاح ومسلم في الحج والرجل السائل قال في الفتح لم أقف على اسمه ولا امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة.
الحديث الخامس والخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: "مَا مَنَعَكِ مِنَ الْحَجِّ". قَالَتْ: أَبُو فُلاَنٍ تَعْنِى زَوْجَهَا كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: "فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِى حَجَّةً مَعِي".
قوله قالت أبو فلان تعني زوجها وقد تقدم أنه أبو سنان وتقدم الحديث مشروحًا في باب عمرة رمضان.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أم سنان وقد مرَّ الجميع مرَّ عبدان في السادس من بدء الوحي، ومرَّ يزيد بن زريع في السادس والتسعين من الوضوء، ومرَّ حبيب المعلم في الحادي عشر والمائة من الحج، ومرَّ عطاء في التاسع من العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرت أم سنان وأبو فلان في العاشر من العمرة.
стр. 6686
ثم قال رواه ابن جريج عن عطاء سمعت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أراد تقوية طريق حبيب بمتابعة ابن جريج له عن عطاء واستفيد منه تصريح عطاء بسماعه له من ابن عباس، ورواية ابن جريج هذه مرت موصولة في باب عمرة في رمضان، وقد مرَّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرَّ محل عطاء وابن عباس في الذي قبله، ثم قال وقال عبيد الله عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ أراد البخاري بهذا بيان الاختلاف فيه على عطاء وقد مرَّ في باب عمرة في رمضان ابن أبي ليلى ويعقوب بن عطاء وافقا حبيبًا وابن جريج فتبين شذوذ رواية عبد الكريم وشذ معقل الجزري أيضًا فقال عن عطاء عن أم سليم وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية ابن جريج ويومىء إلى أن رواية عبد الكريم ليست مطرحة لاحتمال أن يكون لعطاء فيه شيخان ويؤيد ذلك أن رواية عبد الكريم خالية عن القصة مقتصرة على المتن، وهو قوله: "عمرة في رمضان تعدل حجة"، وهذا التعليق وصله ابن ماجه وأحمد في مسنده.
ورجاله أربعة:
مرَّ منهم عبد الكريم بن مالك في الثالث والتسعين والمائة من الحج، ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، والباقي عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم أبو وهب الجزري الرقي، قال ابن معين والنسائي ثقة وقال أبو حاتم صالح الحديث ثقة صدوق لا أعرف له حديثًا منكر هو أحب إلى من زهير بن محمد وقال ابن سعد كان ثقة صدوقًا كثير الحديث ربما أخطأ وكان أحفظ من روى عن عبد الكريم الجزري ولم يكن أحد ينازعه في الفتوى في دهره وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان راويًا لزيد بن أبي أنيسة ووثقه العجلي وابن نمير.
روى عن عبد الملك بن عمير وعبد الكريم بن مالك والأعمش ويحيى بن سعيد وغيرهم وروى عنه بقية وعبد الله بن جعفر الرقي، وأحمد بن عبد الملك الحراني وغيرهم، ولد سنة إحدى ومائة، ومات بالرقة سنة ثمانين ومائة.
والرقي في نسبه نسبة إلى الرقة بفتح الراء وتشديد القاف المفتوحة بلد على الفرات، واسطة ديار ربيعة، وآخر غريب بغداد، وقرية أسفل منها بفرسخ والمتعارف هو البلد الأول وإليه النسبة.
الحديث السادس والخمسون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ:"أَرْبَعٌ
стр. 6687
سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: "أَنْ لاَ تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلاَ صَوْمَ يَوْمَيْنِ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى".
هذا الحديث مرَّ بعينه قبيل أبواب العمل في الصلاة.
وهو مشتمل على أربعة أحكام:
أحدها: سفر المرأة، وقد مرَّ الكلام عليه في هذا الباب قريبًا.
وثانيهما: منع الصلاة بعد الصبح والعصر، وقد مرَّ الكلام عليه في أواخر المواقيت.
والثالث: منع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليه في باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.
والرابع: منع صوم يوم الفطر والأضحى، وقد مرَّ بعض الكلام عليه عند ذكر الحديث سابقًا، وأتمم الكلام عليه فأقول: في رواية الصوم عن عمر هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما؛ يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم، وفائدة وصف اليومين الإِشارة إلى العلة في وجوب فطرهما، وهو الفصل من الصوم وإظهار تمامه وحده بفطر ما بعده، والآخر لأجل النسك المتقرب بذبحه ليؤكل منه، ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بالأكل من النسك لأنه يستلزم النحر، ويزيد فائدة التنبيه على التعليل، والمراد بالنسك هنا الذبيحة المتقرب بها قطعًا قيل: ويستنبط من هذه العلة تعين السلام للفصل من الصلاة، وفي الحديث تحريم صوم يومي العيد سواء النذر والكفارة والقضاء والتطوع والتمتع، وهو بالإجماع، واختلفوا فيمن قدم فصام يوم عيد فعن أبي حنيفة ينعقد، وخالفه الجمهور، فلو نذر صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم العيد فالأكثر لا ينعقد النذر، وعن الحنفية ينعقد ويلزمه القضاء، وفي رواية: يلزمه الإطعام، وعن الأوزاعي: يقضي إلا إن نوى استثناء العيد، وعن مالك في رواية: يقضي إن نوى القضاء وإلا فلا، وسيأتي في الصوم أن ابن عمر توقف في الجواب عن هذه المسألة، وأصل الخلاف في هذه المسألة أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه؟ قال الأكثر: لا، وعن محمد بن الحسن: نعم، قلت: وكذا قال أبو حنيفة، واحتجا بأنه لا يقال للأعمى: لا يبصر؛ لأنه تحصيل الحاصل، فدل على أن صوم يوم العيد ممكن وإذا أمكن ثبت الصحة، يعني أن النهي عن الشيء يقتضي إمكان وجوده شرعًا، وإلا امتنع النهي عنه وأجيب بأن الإمكان المذكور عقلي، والنزاع
стр. 6688
في الشرعي والمنهي عنه شرعًا غير ممكن فعله شرعًا، ومن حجج المانعين أن النفل المطلق إذا نهي عن فعله لم ينعقد؛ لأن المنهي مطلوب الترك سواء كان للتحريم، أو للتنزيه، والنفل مطلوب الفعل فلا يجتمع الضدان، والفرق بينه وبين الأمر ذي الوجهين -كالصلاة في الدار المغصوبة- أن النهي عن الإقامة في المغصوب ليست لذات الصلاة، بل للإقامة، وطلب الفصل لذات العبادة بخلاف صوم يوم النحر مثلًا، فإن النهي فيه لذات الصوم فافترقا.
وقوله: "أو قال: يحدثهن" وعند الكشميهني بلفظ: أو قال: أخذتهن بالخاء والذال المعجمتين أي: جملتهن عنه.
وقوله: "أو محرم" بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه، وفي رواية أبي ذر: محرم بوزن محمد أي: عليها.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ سليمان بن حرب في الرابع عشر من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو سعيد الخدري في الثاني عشر منه، ومرَّ عبد الملك بن عمير في الحادي والثلاثين من الجماعة، ومرَّ قزعة بن يحيى في الرابع عشر من التطوع.
ثم قال المصنف:
стр. 6689
باب من نذر المشي إلى الكعبة
أو غيرها من الأماكن المعظمة هل يجب عليه الوفاء بذلك أو لا؟ وإذا وجب فتركه قادرًا، أو عاجزًا ماذا يلزمه؟ وفي كل ذلك اختلاف بين أهل العلم وسأذكر طرفًا منه هنا عند الحديث الثاني.
الحديث السابع والخمسون
حَدَّثَنَا محمد بْنُ سَلاَمٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: "مَا بَالُ هَذَا؟ ". قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ". وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
قوله: "حدثني ثابت" هكذا قال أكثر الرواة: عن حميد، وهذا الحديث مما صرح حميد فيه بالواسطة بينه وبين أنس، وقد حذفه في وقت آخر فأخرجه النسائي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، والترمذي عن ابن أبي عدي كلاهما عن حميد، عن أنس، وكذا أخرجه أحمد عن ابن أبي عدي، ويزيد بن هارون جميعًا عن حميد بلا واسطة، ويقال: إن غالب رواية حميد عن أنس بواسطة، لكن قد أخرج البخاري من حديث حميد، عن أنس أشياء كثيرة بغير واسطة مع الاعتناء ببيان سماعه لها من أنس، وقد وافق عمران القطان عن حميد الجماعة على إدخال ثابت بينه وبين أنس، لكن خالفهم في المتن، أخرجه الترمذي من طريقه بلفظ: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله، فسئل نبي الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: "إن الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب".
وقوله: "رأى شيخًا يهادى بين ابنيه"، ويهادى بضم أوله من المهاداة، وهو أن يمشي معتمدًا على غيره، للترمذي عن حميد: يتهادى بفتح أوله ثم مثناة، قال في الفتح: لم أقف على اسم هذا الشيخ، ولا على اسم ابنيه إلى آخر ما يأتي في السند.
وقوله: "ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي"، عند مسلم عن أبي هريرة أن الذي أجاب النبي ﷺ عن سؤاله ولدا الرجل، ولفظه: فقال: "ما شأن هذا الرجل؟ " قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر.
стр. 6690
وقوله: "أمره" في رواية الكشميهني: "وأمره" بزيادة واو.
وقوله: "أن يركب" زاد أحمد عن الأنصاري، عن حميد: فركب، وإنما لم يأمره بالوفاء بالنذر إما لأن الحج راكبًا أفضل من الحج ماشيًا فنذر المشي يقتضي التزام ترك الأفضل، فلا يجب الوفاء به، أو لكونه عجز عن الوفاء بنذره، وهذا هو الأظهر.
رجاله خمسة:
قد مرّوا: مرَّ محمد بن سلام في الثالث عشر من الإيمان، ومرَّ حميد الطويل في الثاني والأربعين منه، والفزاري قيل: المراد به مروان بن معاوية وقد مرَّ في الحادي والثلاثين من مواقيت الصلاة، وقيل: المراد به أبو إسحاق الفزاري وقد مرَّ في الخامس والخمسين من الجمعة، ومرَّ ثابت البناني في تعليق بعد الخامس من العلم، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان، وفي الحديث رأى شيخًا يهادى بين ابنيه قال في الفتح: لم أقف على اسم هذا الشيخ، ولا على اسم ابنيه، وقول من قال: إنه أبو إسرائيل غلط لأن ذلك هو الرجل الذي كان قائمًا في الشمس، وحديثه يأتي إن شاء الله تعالى في الأيمان والنذور، والمغايرة بينه وبين حديث أنس ظاهرة من عدة أوجه، فيحتاج من وحد بين القصتين إلى مستند.
أخرجه مسلم في النذور، وكذا أبو داود والترمذي.
الحديث الثامن والخمسون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِي لَهَا النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ ﷺ : "لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ". وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لاَ يُفَارِقُ عُقْبَةَ.
قوله: "عن عقبة بن عامر" هو الجهني كذا وقع عند أحمد ومسلم وغيرهما في هذا الحديث من هذا الوجه.
وقوله: "نذرت أختي" يأتي في السند ما قيل في اسمها من كلام ابن حجر في "الفتح".
وقوله: "أن تمشي إلى بيت الله" زاد مسلم عن عبد الله بن عياش -بالتحتانية والمعجمة- عن يزيد: حافية، ولأحمد وأصحاب السنن عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر الجهني: أن أخته نذرت أن تمشي حافية، غير مختصرة، وزاد الطبري عن عقبة بن عامر: وهي امرأة ثقيلة، والمشي يشق عليها، ولأبي داود عن ابن عباس أن عقبة بن عامر سأل النبي ﷺ فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت، وشكى إليه ضعفها.
следующие страницы →