Полный текст (6 753 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
المعروف بالأحنف الذي يضرب به المثل في الحِلْم.
ولد ﵁ أحْنَف، والأحنف الأعوج من الحَنَف، وهو الاعوجاج في الرِّجل، وهو أن يَنْفَتل إحدى الإِبهامين من إحدى الرِّجْلين على الأخرى. وقيل: هو الذي يمشي على وَحْشيِّ رِجْله، أي: ظهرها.
ولد ملتصق الألْيتين حتى شُق ما بينهما، وكان أعور ذهبت عينه في فتح سَمَرْقند، وقيل: ذهبت بالجُدريّ، وكان متراكب الأسنان، صغير الرأس، مائل الذَّقن. وكان أطلس أي لا شعر في وجهه، وهو أحد الطُّلس الأربعة، والآخرون: شُريح القاضي، وعبد الله بن الزُّبير، وقيس ابن سَعد بن عبادة.
كُنّي بابنه بحر. وكان مَصعُوفًا أي: فيه رِعْدة، وقد قيل له: لم لم تتأدب بأخلاق أبيك؟ قال: من الكسل. ومات وانقطع عَقِبُه.
كان الأحنف ﵁، من سادات التابعين، أدرك زمن النبي ﷺ ، ولم يسْلم، وقيل: أسلم على عهده ولم يره. ويُروى بسند فيه لِين: أن النبي ﷺ دعى له.
وروى ابن قُتيبة لما أتى النبي ﷺ بني تميم يدعوهم إلى الإِسلام، كان الأحنف فيهم، ولم يجيبوا إلى اتباعه، فقال لهم الأحنف: إنه ليدعوكم إلى مكارم الأخلاق، وينهاكم عن ملَائمِها، فأسْلموا وأسلم الأحنف. والصحيح أنه لم يفِد على النبي ﷺ ، ووفد على عمر ﵁.
وهو الذي افتتح مَرْو الرُّوذ، وكان في جيشه الإِمامان الحَسن وابن سيرين.
ذكره ابن سَعْد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: كان ثقة مأمونًا قليل الحديث. وقال الحسن: ما رأيت شريف قومٍ أفضل من
стр. 702
الأحنف. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال مُصعب بن الزُّبير يوم موته: ذهب اليوم الحزم والرأي.
وروى أحمد في الزهد: أن الأحنف بلّغه رجلان دعاء النبيّ ﷺ له، فسجد.
كان سيد قومه، موصوفًا بالدهاء والحلم والعلم، قال فيه الثَّوريّ: ما وُزِن عقل الأحنف بعقل إلا وَزَنه. شهد صفين مع علي ﵁. ولم يشهد وقعة الجمل مع أحد من الفريقين.
ولما استقر الأمر لمعاوية دخل عليه يوما فقال له معاوية: والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حَزَازة في قلبي إلى يوم القيامة، فقال له: والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها وإن تَدْن من الحرب فترًا نَدْنُ منه شبرا، وإن تمش إليها نُهَرول إليها، ثم قام وخرج. وكانت أخت معاوية من وراء الحجاب تسمع كلامه، فقالت: يا أمير المؤمنين، من هذا الذي يتهدد ويتوعد؟ فقال: هذا الذي إذا غضب غضب لغضبه مئة ألف لا يدرون فيم غضب.
وسُئل عن الحِلم ما هو فقال: الذلّ مع الصبر. وكان يقول إذا عجب النَّاس من حلمه: إني لأجد ما تجدون، ولكني صبور. ومن طريق الحسن عن الأحنف قال: لستُ بحليم، ولكني مُتحالمٌ، وكان يقول: وجدتُ الحِلم أنْصر لي من الرجال.
وكان يقول: ما تعلمت الحِلم إلا من قيس بن عاصم المِنْقريّ، لأنه قَتَل ابن أخ له بَعْض بنيه فأُتي بالقاتل يقاد إليه مكتوفًا. فقال: ذَعَرْتُم الفتى ثم أقبل على الفتى وقال له: يا بُنيّ، بئس ما فعلت، نقَصت عَدْوَك، وأوهنت عَضُدك، وأشْمتَّ عدوَّك، وأسأت بقومك، خلّوا سبيله، واحملوا إلى أم المقتول ديته، فإنها غريبة. ثم انصرف القاتل وما حَلّ قَيْس حَبْوته، ولا تغيّر وجهه.
стр. 703
ومن كلامه: جَنّبوا مجلسنا ذكر الطّعام والنّساء فإني لأُبْغض الرجل يكون وصّافا لفرجه وبطنه، وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه.
ومن كلامه: ما دخلتُ بين اثنين قَطُّ حتى يُدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من الملوك إلا أن يكون داعيا لي، وما حَلَلتُ حَبْوتي إلى ما يقوم الناس إليه. ومن كلامه: ما خان شريف، ولا كذب عاقل، ولا اغتاب مؤمن، وقال: ما ادَخَرَت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتي للأحياء أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب والآداب.
وقال: كثرة الضحك تُذْهب الهَيْبة، وكثرة المِزاح تُذْهب المروءة، ومن لَزِم شيئًا عُرف به. وسمع رجلًا يقول: لا أبالي أمدِحْتُ أم ذُمِمت. فقال له: لقد استرحت من حيث تعب الكرام.
ومن كلامه: ألا أدلكم على المَحْمَدَة بلا مرْزية؟ الخُلُق السّجِيع، والكف عن القبيح. ألا أُخبركم بأدواء الأدواء؟ الخُلُق الدنيء واللسان البذيء.
وروي أن معاوية ﵁، لما نَصَّب ولده يزيد لولاية العهد، أقعده في قبة حمراء فجعل الناس يسلّمون على معاوية، ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية. فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنك إن لم تُوَلّ هذا لأمور المؤمنين أضعتها، والأحنف ابن قيس جالس، فقال له معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحْر؟ فقال: أخاف الله إن كذبتُ، وأخافكم إن صدقت، فقال له معاوية: جزاك عن الطاعة خيرًا، وأمر له بألوف. فلما خرج لقيه ذلك الرجل بالباب، وقال: يا أبا بحر، إني لأعلم أن شَرّ من خلق الله تعالى هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلا يُطمع في استخراجها إلا بما سمعت، فقال له الأحْنف: أمْسك عليك، فإن ذا الوجهين خليقٌ أن لا يكون عند الله وجيها.
стр. 704
وكان زياد بن أبيه مدة توليته على العراق كثير الرعاية للأحْنف، ولما تولّى ولده عُبيد الله بعده تغيرت منزلته عنده، وصار يُقدِّم عليه من لا يساويه، ثم إن عبيد الله جمع أعيان العراق وفيهم الأحنف، وتوجه بهم إلى الشام للسلام على معاوية، فلما وصلوا دخل عبيد الله على معاوية، وأعلمه بوصول رؤساء العراق، فقال أدخلهم إليّ أوّلًا فأولًا على قدر مراتبهم عندك، فخرج إليهم وأدخلهم على الترتيب، وكان آخر من دخل الأحنف، فلما رآه معاوية، وكان يعرف منزلته، ويبالغ في إكرامه لتقدمه وسيادته، قال له: إليّ يا أبا بحر، وأجلسه معه على سريره، وأقبل عليه يسأله عن حاله ويحدثه، وأعرض عن غيره، ثم إن أهل العراق أخذوا في الثناء على عبيد الله والأحْنف ساكت، فقال له معاوية: لم لا تتكلم يا أبا بَحْر؟ فقال: إن تكلمت خالفتهم، فقال: اشهدوا عليّ أني قد عزلت عنكم عبيد الله، وقوموا وانظروا في أمير أوَلِّيه عليكم، وترجعون إليّ بعد ثلاثة أيّام. فلما خرجوا من عنده كان فيهم جماعة يطلبون الإِمارة لأنفسهم، وفيهم من عيّن الإِمارة لغيره، وسعوا في السر مع خواص معاوية أن يفعل لهم ذلك، ثم اجتمعوا بعد ثلاثة أيّام فدخلوا عليه، فأجلسهم على ترتيبهم في المجلس الأول، وأخذ الأحنف إليه كما فعل أوّلا، وحادَثَه ساعة، ثم قال: ما فعلتم فيما انفصلتم عليه؟ فجعل كل واحد يذكر شخصًا، وطال حديثهم في ذلك، وأفضى إلى منازعة وجدال، والأحْنف ساكت، ولم يكن في الأيام الثلاثة تحدث مع أحد في شيء، فقال له معاوية: لم لا تتكلم يا أبا بَحْر؟ فقال: إن ولّيت أحدًا من أهل بيتك لم نجد من يَعْدِل عبيد الله، ولا يسد مَسَدّه، وإن وليت من غيرهم، فذلك إلى رأيك، ولم يكن في الحاضرين الذين بالغوا في المجلس الأول في الثناء على عبيد الله من ذكره في هذا المجلس، ولا سأل عَوْدهُ إليهم، فلما سمع معاوية مقالة الأحْنف قال: اشهدوا عليّ أني قد أعدتُ عليكم عبيد الله. فكلٌّ منهم ندم على عدم تعيينه، وعلم معاوية أن شكرهم لعُبيد الله لم يكن لرغبتهم فيه، بل كما جرت العادة في حق
стр. 705
المولى، فلما انفصلت الجماعة من مجلس معاوية خلا بعبيد الله، وقال: كيف ضيّعت مثل هذا الرجل؟ يعني الأحْنف. فإنه عَزَلَك وأعَادك وهو ساكت. وهؤلاء الذين قدمتهم عليه واعتمدت عليهم لم ينفعوك ولا عرّجوا عليك لمّا فوضْتُ الأمر إليهم، فمِثل الأحْنف من يتخذه الإِنسان عونًا وذُخرًا، فلما عادوا إلى العراق أقبل عليه عبيد الله وجعله بطانَتَه، وصاحب سرِّه.
وبقي الأحْنف إلى زمن مُصْعب بن الزُّبير ﵄. فخرج معه إلى الكوفة، ومات بها سنة سبع وستين على الصحيح، وقيل سنة إحدى وسبعين، وقيل سبع وسبعين، وقيل ثمان وستين، وكان قد كبر جدًّا ودفن بالثُّوَيَّة موضع بظاهر الكوفة، فيه قبور جماعة من الصحابة، وغيرهم.
وحكى عبد الرحمن بن عِمارة بن عُقْبة بن أبي مُعَيْط قال: حضرت جنازة الأحْنف بالكوفة فكنت ممن نزل قبره، فلما سويته وجدته قد فُسِح له في قبره مد بصري، فأخبرت أصحابي بذلك، فلم يروا ما رأيت.
روى عن: عمر وعثمان وعلي وسَعد وابن مسعود وأبي ذر وغيرهم.
وروى عنه: الحسن البصريّ وأبو العلاء ابن الشِّخِّيْر وطَلْق بن حَبِيب وغيرهم. وليس في الستة الأحْنف سواه.
السابع: أبو بَكرة: واسمه نُفَيع بن مَسْروح على الصحيح، لما رُوي أنه قال: أنا من إخوانكم في الدين، وأنا مولى رسول الله ﷺ ، فإن أبى الناس إلَّا أن ينسبوني فأنا نُفَيع بن مَسْرُوح.
ونفيع بالتصغير وهو مولى الحارث بن كَلَدَة بفتحات، طبيب رسول الله ﷺ ، وقيل: إنه ابن الحارث بن كَلَدَة، وكلدة بن عُمر بن عِلَاج بن أبي سَلَمة بن عبد العُزّى بن غِيَرَة، بكسر الغين وفتح الياء آخر الحروف، ابن عوف بن قَسِيّ، بفتح القاف وكسر السين المهملة، وهو ثَقيفُ بن
стр. 706
مُنبِّه وأمُّه سُميّة أمَة للحارث بن كَلَدة، وهو أخو زياد لأُمِّه، ولما استلحقه معاوية، ورضي بذلك، آلى أبو بكرة يمينا أنْ لا يكلمه أبدًا، وقال: هذا زَنّى أمَّه، وانتفى من أبيه، لا والله ما علمت سُمَيّة رأت أبا سُفيان قط، وَيْله ما يصنع بأم حَبِيبة زوج النبي ﷺ ؟ أيريد أن يراها، فإن حجبته فضحته وإن رآها فيا لها مصيبة يهتِك من رسول الله ﷺ حُرْمةً عظيمة.
وحج زياد في زمن معاوية، ودخل المدينة فأراد الدخول على أم حبيبة، ثم ذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك، وقيل: إنها حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها. وقيل: إنه حج ولم يزُر من أجل قول أبي بكرة، وقال: جزى الله أبا بكرة خيرًا فما يَدَعُ النصيحة على حال.
وأبو بكرة ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله ﷺ من حصن الطائف في بَكْرة، فكُنّي من أجل ذلك بأبي بَكْرة، وأعتقه رسول الله ﷺ وهو معدود في مواليه، وكان من فضلاء الصحابة وصالحيهم. كان مثل النَّصْل من العبادة حتى مات.
وقال الحسن البَصْريّ: لم يترك البصرة من الصحابة ممن سكنها أفضل من عِمران بت حُصَين وأبي بَكرة، وكان أولاده أشرافًا بالبصرة بالولايات والعلم، وله عَقيبٌ كثير.
كان قد شهد على المُغيرة في ثلاثة، ونَكَلَ زياد، والثلاثة هم: هو ونافع بن الحارث وشِبل بن مَعْبد وحَدَّهم عمر ﵁ إذ لم تتم شهادتهم، ولم يجلد زيادًا لأنه نكل، ثم استتابهُم، فتاب الاثنان، فجازت شهادتهما، وأبى أبو بَكرة أن يَتوب، وقال لعمر، لما قال له: تُبْ لتقبل شهادتك: إنما تَسْلبُني لتقبل شهادتي؟ قال: أجل، قال: لا جَرَم، لا أشهد بين اثنين ابدًا ما بقيت في الدنيا.
قال سعيد بن المُسيِّب: وكان أفضل القوم، وقال العجليّ: كان من خيار الصحابة وعن الحسن البصري قال: مرّ أنس بن مالك وقد بعثه زياد
стр. 707
إلى أبي بكرة يعاتبه، فانطلقتُ معه، فدخلنا على الشيخ وهو مريض، فأبلغه عنه فقال: إنه يقول: ألم أستعمل عُبيد الله على فارس وروادا على دار الرزق وعبد الرحمن على الديوان؟ فقال أبو بكرة: هل زاد على أن أدخلهم النار؟ فقال له أنس؛ إني لا أعلمه إلا مجتهدًا، فقال الشيخ: أقعدوني، إني لا أعلمه إلا مجتهدًا، وأهل حَرَوْرَاء قد اجتهدوا فأصابوا أو أخطأوا. قال أنس: فرجعنا مخصومين.
له عن رسول الله ﷺ مئة واثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاريّ بخمسة، ومسلم بحديث واحد.
وروى عنه: أولاده عُبيد الله وعبد الرحمن ومُسلم وعبد العزيز، والحسن البصريّ، وأبو عثمان النّهْديّ، ورِبعيّ ابن خِراش والأحْنف بن قيس وابن سيرين وأشْعثُ بن تَرْمُلة وغيرهم.
مات بالبصرة في ولاية زياد سنة خمسين. يقال مات هو والحسن بن علي في سنة واحدة. وقيل مات بعد الحسن سنة إحدى وخمسين، وصلى عليه أبو بَرْزة الأسْلميّ، وكان أوصى بذلك.
وقال أبو نُعيم: أن النبي ﷺ آخى بينهما. وليس في الستة ولا في الصحابة أبو بَكرة سواه. وفي الستة نُفَيع سواه ثلاثة.
نُفَيع بن الحارث أبو داود الأعمى الهَمْداني الدّارميّ، روى عن عِمران بن حُصين.
ونُفَيْع بن رافع الصائغ أبو رافع المَدَنيّ نزيل البصرة، مولى ابنة عمر، وقيل مولى ابنة العجْماء، أدرك الجاهلية، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم.
ونُفيع مُكاتب أمِّ سَلَمَة، روى عن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع، ورُوَاته كلهم
стр. 708
بصريون، وفيهم ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، وهم أيوب والحسن والأحْنف، أخرجه البخاريّ هنا. وفي الفتن عن عبد الله ابن عبد الوهاب ومسلم بِطُرُق غير هذه، ولفظ آخر، وأبو داود والنّسائي.
ثم قال المُصنِّف:
باب ظلم دون ظلم
باب بالتنوين، ودون يحتمل أن تكون بمعنى غير، أي: أنواع الظلم متغايرة، أو بمعنى الأدْنى، بعضها أخف من بعض. وهو أظهر في مقصود المؤلف. وهذه الجملة لفظُ حديثٍ رواه أحمد في كتاب الإِيمان من حديث عطاء، فاستعمله المؤلف ترجمةً، واستدل له بالحديث المرفوع.
ووجه الدلالة منه أن الصحابة فهموا من قوله بظلم، عموم أنواع المعاصي، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وإنما بين لهم أنّ المراد أعظم أنواع الظلم، وهو الشرك، فدل على أن للظلم مراتبَ متفاوتةً، ومناسبة إيراد هذا عقب ما تقدم من أن المعاصي غير الشرك، لا ينسب صاحبها إلى الكفر المخرج عن المِلّة، على هذا التقرير، ظاهرة.
стр. 709
الحديث الخامس والعشرون
٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: لَمَّا نَزَلَت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نفسه؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
قوله: "لما نزلت" في رواية شعبة، هذه دلالة على أن السؤال هو سبب نزول الآية الأخرى التي في لقمان لكن رواه البخاري ومسلم من طريق أخرى عن سليمان المذكور في حديث الباب: أيُّنا لم يَلْبس إيمانه بظلم؟ فقال: "ليس بذاك، ألا تسمعون إلى قول لقمان"، وفي رواية "ليس كما تظنُّون" وفي رواية: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان؟ " وظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومة عندهم، ولذلك نبههم عليها، ويُحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال، فتلاها عليهم ثم نبههم، فتلتئم الروايتان.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: لم يخلِطوا، تقول: لَبست الأمر -بالتخفيف- ألبِسه -بالفتح في الماضي، والكسر في المستقبل- أي: خلطته، وتقول: لبِست الثوب ألبَسه -بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل-.
وقال محمَّد بن إسماعيل التّيْمي في "شرحه": خلْط الإِيمان بالشرك
стр. 710
لا يتصور، فالمراد أنهم لم تحصُل لهم الصفتان كفر متأخر عن إيمان متقدم، أي: لم يرتدوا، ويُحْتمل أن يراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا، أي: لم ينافِقوا، وهذا أوجه، ولهذا عَقَّبه المؤلف بباب علامات المنافق، وهذا من بديع ترتيبه.
وقوله: "أيُّنا لم يظلِم؟ " قال الخطّابي: كان الشرك عند أصحابه أكبر من أن يلقَّب بالظلم، فحملوا الظلم في الآية على ما عداه من المعاصي، فسألوا عن ذلك، فنزلت هذه الآية، قال في "الفتح": الذي يظهر لي: أنهم حملوا الظلم على عمومه الشّرك فما دونه، وهو الذي يقتضيه صنيع المؤلف، وإنما حملوا الظلم على العموم لأن قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ نكرة في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر. قال المحققون: إن دخل على النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم ويقويه، نحو من في قوله: ما جاءني من رجل، أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، كما فهمه الصحابة من هذه الآية، وبيّن لهم النبي ﷺ أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذي أُريد به الخاص، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك، وإنما فهم الصحابة حصر الأمْن والاهتداء فيمن لم يلبِس إيمانه بظلم، حتى شقَّ عليهم ذلك، والسياق إنما يقتضي أن مَنْ لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتد من مفهوم الصفة، أو من الاختصاص المستفاد من تقديم لهم على الأمن، أي: لهم الأمن لا لغيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أي: قائلها هو لا غيره، وقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ التنوين فيه للتعظيم، وقد بين ذلك استدلال الشارع بالآية الثانية، فالتقدير لم يلبِسوا إيمانهم بظلم عظيم، أي: بشرك إذ لا ظلم أعظم منه، وقد وَرَد ذلك صريحًا في قصة الخليل ﵇، من طريق حَفْص بن غِياث عن الأعْمش ولفظه، قلنا: يا رسول الله أيُّنا لم يظلم نفسه؟ قال: "ليس كما تقولون، بل لم يلبسوا إيمانهم بظلم
стр. 711
بشرك، ألم تسمعوا إلى قول لقمان" فذكر الآية الآتية، واستنبط منه المازريّ جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه القاضي عِياض، فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هي الحاجة؟ ويمكن أن يقال: المعتقدات أيضًا تحتاج إلى البيان، فلما أجمل الظلم حتى تناول إطلاقه جميع المعاصي، شقَّ عليهم حتى ورد البيان، فما انتفت الحاجة، والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر.
وفي المتن من الفوائد العمل على العموم حتى يرد دليل الخصوص، وأن النكرة في سياق النفي تعُم، وأن الخاص يقضي على العام، والمبيّن على المُجمل، وأن اللفظ يُحْمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفْع التعارض، وأن درجات الظلم تتفاوت كما ترجم له، وأن المعاصي لا تسمّى شِركًا، وأن من لم يشرك باللهِ شيئًا فله الأمن وهو مهتد، فإن قيل: فالعاصي قد يعذب، فما هو الأمْن والاهتداء الذي حصل له؟ فالجواب: إنه آمن من التخليد في النار، مهتد إلى طريق الجنة.
رجاله ثمانية:
الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك، مرّ في العاشر من كتاب "الإِيمان" هذا.
والثاني: شُعبة وقد مرّ في الثالث منه أيضًا.
الثالث: بِشْرُ بن خالد العَسكريّ أبو محمَّد الفرائِضِي نزيل البصرة.
قال أبو حاتم: شيخٌ، وقال النَّسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
يُغربُ عن شُعبة عن الأعْمش بأشياء.
روى عن: غُندَر، وأبي أُسامة حسين الجُعْفيّ، وشبابة بن سوّار،
стр. 712
ويحيى بن آدم، ويزيد، وغيرهم.
روى عنه: البُخاري، ومسلم، وأبو داود، والنّسائي، وابن خُزَيْمة، وأبو عَروبة، وعَبْدان الأهْوازيّ، ومحمد بن يحيى بن مَنْده، وغيرهم.
مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين، وقيل سنة خمس وخمسين. ومرّ في الحديث السادس من بدء الوحي بحث بِشْر وبُسُر -بضم الباء والسين المهملة-.
وليس في الستة بِشْر بن خالد سواه، وأما بِشر فكثير.
الرابع: محمَّد بن جعفر الهُذَلي مولاهم أبو عبد الله البَصْري المعروف بغُنْدَر صاحب الكرابيس، وغُندَر -بضم الغين المعجمة، وفتح الدال المهملة- وحكى الجَوْهريّ ضمها، لقّبه به ابن جُرَيْج لما قَدِم البصرة، كان يكثِر عليه الشَّغَب، وحَدّث عن الحسن البَصريّ بحديث فأنكره عليه، وجعل يكثر عليه التشغيب، فقال له: اسكت يا غُندَر، وأهل الحجاز يسمون المُشَغِّب غُندَرًا. وزعم أبو جعفر النحاس أنه من الغدر، وأن نونه زائدة.
كان محمَّد بن جعفر ربيب شُعبة، وقال: إنه جالسه عشرين سنة لم يكتب عن أحد غيره شيئًا، وكان شُعبة زوج أُمه، وكان إذا كتب عنه شيئًا عرضه عليه، قال أحمد: أحسبه من بَلادته. قال يحيى بن مَعين: كان من أصح الناس كتابًا، وأراد بعضهم أن يُخَطِّئه فلم يقدِر. وقال أبو حاتم: صدوق. وهو في شعبة ثقة، صام خمسين سنة يصوم يومًا ويُفطر يومًا. وقال ابن المدِيني: هو أحَبُّ إلي من عبد الرحمن في شُعبة، وقال ابن مَهْدي: كنّا نستفيد من كتب غُندَر في حياة شعبة، وقال غُندَرُ أثبت في شُعبة مني. وكان وكيع يسميه: الصحيح الكتاب. وقال ابن المُبارك: إذا اختلف الناس في حديث شُعبة فكتاب غُندَر حَكَمٌ بينهم. وذكره ابن
стр. 713
حِبّان في "الثّقات" وقال: كان من خيار عباد الله، ومن أصحهم كتابًا على غفلة فيه.
وقال ابن مَعين: اشترى غُندَر سمكًا، وقال لأهله: أصلحوه، ونَام فأكلوا السمك، ولطخوا يده، فلما انتبه قال: هاتوا السمك: فقالوا: قد أكلتَ، قال: لا. قالوا: شُمَّ يدك؟ ففعل، فقال: صَدقتُم، ولكَني ما شبِعتُ، ورُوي عنه أنه أنكر حكاية السمكة، وقال: أما كان بطني يدُلني؟ وروي عن ابن معين أنه قال: قدِمْنا على غُندَر، فقال: لا أُحدِّثكم حتى تمشوا خلفي، فيراكم أهل السوق، فيكرموني، وقال العِجلي: بصريٌّ ثقة، وكان من أثبت الناس في حديث شُعبة.
وقال عَمرو بن العبّاس: كتبت حديثه كله إلا حديثه عن سعيد بن أبي عَروبة فإني لم أكتبه عنه لأن عبد الرحمن نهاني أن أكتب عنه حديثه، قال: إنه سمع منه بعد الاختلاط.
قال ابن حَجَر: أخرج له البخاري عن شُعبة كثيرًا، وأخرج له حديثًا عن مَعْمر، وآخر عن سعيد بن أبي هند توبع فيهما، وروى له الباقون.
وقال المُسْتَملي محمَّد بن جعفر: غُندَر كنيته أبو بكر، بصري ثقة. وقال محمَّد بن يزيد: كان فقيه البدن، وكان ينظر في فقه زُفَر. وقال ابن المديني: كنت إذا ذكرت غُندَر ليحيى بن سعيد عَوَج فمه كأنّه يضعِّفه.
روى عن: شعبة فأكثر، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند، وعَوْف الأعرابي، ومَعْمر بن راشد، وسعيد بن أبي عَروبة، وابن جُرَيْج، والثَّوريّ، وابن عُيينة، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد بن حَنْبل، ويحيى بن مَعين، وإسحاق بن رَاهَوَيْه، وعلي بن المديني، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شَيْبة، وقُتيبة، وبِشْر بن خالد، وعقبة بن مُكْرَم، وخلق.
مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومئة. وقيل: سنة أربع،
стр. 714
وقيل: سنة اثنتين، وقدّمنا قريبًا سبب تلقيبه بغُندَر وقد قال العراقيُّ: وربما كان لبعضٍ سَبَبُ:
كغُندَرٍ محمدِ بن جَعْفَرِ ... وصالِحٍ جزَرَةِ المُشْتَهِرِ
لقِّب صالح جزرة لكونه حكى عن نفسه أنه صَحَّف خَرَزة -بمعجمة ثم راء ثم زاي- في حديث عبد الله بن بُسْرة: أنه كان يُرقي بخرزة. إذ سُئِل بعد الفراغ من السماع على عَمرو بن زُرارة: من أين سمعت؟ فقال: من حديث الجَزَرة، -بالجيم والزاي والراء مفتوحات- وكان في حداثته، قال: فَبقِيت عليّ، وقد مر الكلام على الألقاب مستوفىً في الثامن من كتاب الإِيمان. عند ذكر ابن عُليّة.
والمُلقب بغُندَر غيره عشرة، وأما محمَّد بن جعفر في الستة سواه فسبعة.
والهُذليّ في نسبه مرّ الكلام عليه في السادس من بدء الوحي.
الخامس: سُليمان بن مِهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمَّد الكُوفي الأعْمش.
يقال: أصله من طبرِستان، وولد بالكوفة، وقيل: إن أصله من رُستاق من قرية يقال لها: دُنباوَنْد -بدال مضمومة، ونون ساكنة، ثم موحدة مفتوحة، ثم ألف، ثم واو مفتوحة، ثم نون ساكنة، بعدها دال مهملة- قدِم عليها أبوه وامرأته حامل بالأعْمش، فولدته بها، ويقال: إن أباه جاء به حميلًا إلى الكوفة، فاشتراه رجل من بني أسد، فأعتقه وعند الترمذي في "جامعه" في باب الاستشارة عند الحاجة عن الأعمش، أنه قال: كان أبي حميلًا، فورثه مسروق، فالحميل على هذا أبوه، والحميل الذي يحمل من بلده صغيرًا، ولم يولد في الإِسلام.
قال ابن المديني: حفظ العلم على أمة محمَّد ﷺ ستة: عمرو بن
стр. 715
دينار بمكة، والزُّهريّ بالمدينة، وأبو إسحاق السّبيعيّ والأعْمش بالكوفة، وقَتادة ويحيى بن أبي كَثير بالبصرة، وقال أبو بكر بن عَيّاش، عن مُغيرة: لما مات إبراهيم اختلفنا إلى الأعْمش في الفرائض. وقال هُشَيْم: ما رأيت بالكوفة أحدًا أقرأ لكتاب الله منه. وقال ابن عُيَيْنة: سبق الأعمشُ أصحابه بأربع: كان أقرأهم للقرآن، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وذكر خَصْلة أخرى. وقال ابن مَعين: كان جرير إذا حدّث عن الأعْمش، قال: هذا الديباج الخُسْرَواني. وحكى الحاكم عن ابن مَعين أنه قال: أجود الأسانيد: الأعْمش، عن إبراهيم، عن عَلْقمة، عن عبد الله. فقال له إنسان: الأعْمش مثل الزُّهري، فقال برِئتُ من الأعْمش أن يكون مثل الزُّهريّ، الزُّهريّ يرى العرضَ والإِجازة ويعمل لبني أُميّة، والأعمش فقيرٌ صبور مجانبٌ ورع عالم بالقرآن. وقال عيسى بن يوسُف: لم نَر مثل الأعمش، ولا رأيت الأغْنياء والسّلاطين عند أحدٍ أحقر منهم عند الأعْمش مع فَقْره وحاجته. وقال يحيى بن سعيد القطّان: كان من النُّساك، وهو علامة الإِسلام. وقال وكيع: اختلفت إليه قريبًا من ستين سنة، ما رأيته يقضي ركعة، وكان قريبًا من سبعين سنة، لم تفته التكبيرة الأولى. وقال الخُرَيْبيّ: مات يوم مات وما خلف أحدًا من الناس أعبد منه، وكان صاحب سنة. وقال شُعبة ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعْمش، وكان شعبة إذا ذكر الأعمش قال: المصحف المصحف.
وقال عمرو بن علي: كان الأعمش يُسَمّى المصحف لصدقه. وقال ابن عمار: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش، ومنصور ثبت أيضًا إلا أن الأعمش أعرف بالمسند منه. وقال العِجليّ: كان ثقة ثبتًا في الحديث، وكان محدّث أهل الكوفة في زمانه، ولم يكن له كتاب، وكان رأسًا في القرآن عَسِرًا سيء الخُلُق، عالمًا بالفرائض، وكان لا يلْحن حرفًا، وكان فيه تشيُّع، وقال ابن مَعين؛ ثقة. والنّسائي: ثقة ثبت، وقال ابن المُنادي: قد رأى أنس بن مالك إلَّا أنه لم يسمع منه، ورأى أبا بَكْرة الثَّقفيّ، وأخذ له بركابه، فقال له: يا بني إنما أكرمت ربك. وقال وَكيع
стр. 716
عن الأعْمش: رأيتَ أنس بن مالك، وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي. وقال الكُدَيْميّ: حدثنا عُبيد الله عن الأعْمش، قال: ما سمعت من أنس إلا حديثًا واحدًا، سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : "طلبُ العلم فريضة على كل مُسلم" لكن الكُدَيْمي ضعيف. وقال أحمد ابن عبد الجبار العُطارِديّ عن ابن فُضَيْل عن الأعْمش قال: رأيتُ أنسًا بال فغسل ذكره غسلًا شديدًا، ثم مسح على خُفَّيه، وصلّى بنا، وحدثنا في بيته، ولكن العُطارديّ مضعف. وقال الخلِيلِيّ: رأى أنسًا، ولم يُرْزق السماع منه، وما يرويه عن أنس ففيه إرسال، وقول ابن المُنادي الذي سلف: أن الأعْمش أخذ برِكاب أبي بَكرة الثّقفي غلط فاحش، لأن الأعْمش وُلد سنة إحدى وستين، أو سنة تسع وخمسين على الخُلْف في ذلك، وأبو بكرة مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين، فكيف يتهيّأ أن يأخذ بركاب من مات قبل مولده بعشر سنين أو نحوها؟! وكأنه كان والله تعالى أعلم أخذ بركاب ابن أبي بَكْرة، فسقط ابن، وثبت الباقي، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقد رأى أنسًا بمكة وواسط، وروى عنه شبيهًا بخمسين حديثًا، ولم يسمع منه إلا أحرفًا معدودة، وكان مدلسًا أخرجناه في التابعين لأن له حفظًا ويقينًا، وإن لم يصح له سماع المسند من أنس. وقال أبو بكر البزار: لم يسمع من أبي سُفيان شيئًا، وقد روى عنه نحو مئة حديث، وإنما هي صحيفة عرفت، وذكر الخطيب عن بعض الحُفاظ أنه يُدلس عن غير الثقة بخلاف سُفيان، فإنه إنما يدلس عن الثقة.
كان ﵁ لطيف الخلق مزّاحًا، جاءه يومًا بعض أصحاب الحديث ليسمعوا منه، فخرج إليهم، وقال: لولا أن بالبيت من هو أبغض إليّ منكم ما خرجت إليكم، وجرى بينه وبين زوجته يومًا كلام، فدعا رجلًا ليصلح بينهما، فقال لها الرجل: لا تنظري إلى عَمَش عينيه وحُموشة ساقيه، فإنه إمام له قدر، فقال له: أخزاك الله، ما أردت إلا أن تُعرِّفها عيوبي.
стр. 717
وقال له داود بن عُمر الحائِك: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء. فقال: ما تقول في شهادة الحائك؟ فقال: تُقبل مع عدْلين. ويقال أن الإِمام أبا حنيفة ﵁ عادهُ يومًا في مرضه، وطوَّل القعود عنده، فلما عزَم على الانصراف، قال له: ما كأني إلَّا ثَقُلت عليك، فقال: والله إنك لثقيل عليّ وأنت في بيتك.
وعاده أيضًا جماعةٌ فأطالوا الجلوس عنده، فضَجر منهم، فأخذ وسادته، وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية.
وقيل عنده يومًا: قال ﷺ : "من نامَ عن قيام الليل بال الشيطان في أُذنه" فقال: ما عَمِشت عيني إلا من بول الشيطان في أُذُني، وكانت له نوادر كثيرة.
وبعث إليه هشام بن عبد الملك، أن اكتب لي مناقب عثمان، ومساوىء علي، فأخذ القِرطاس وأدخله في فم شاة حتى لاكته، وقال لرسوله: قل له هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمل عليه بإخوانه، فقالوا له: يا أبا محمَّد نجِّه من القتل، فلما ألحّوا عليه كَتَب له بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان ﵁ مناقب أهل الأرض ما نَفَعتك، ولو كانت لعلي ﵁ مساوىء أهل الأرض ما ضرَّتْك، فعليك بخويصة نفسك والسلام.
وقال زائدة بن قُدامة: تبعت الأعْمش يومًا، فأتى المقابر، ودخل في قبر محفور، فاضطجع فيه، ثم خرج ينفُض التراب عن رأسه، ويقول: واضيقَ مسكناه.
روى عن: أنس بن مالك ولم يثبُت له منه سماع كما مر، وعبد الله ابن أبي أوفى يقال: إنه مرسل، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وأبي عمرو الشّيْباني، وعامر الشعبي، وإبراهيم النّخعي، وعديّ بن ثابت، وعُمارة ابن عُمير، وخلق كثير.
стр. 718
وروى عنه: الحكم بن عُتيبة، وزُبيد اليامي، وأبو إسحاق السّبيعي -وهو من شيوخه- وسُهيل بن أبي صالح، وهو من أقرانه، ومحمد بن واسع، والسُّفيانان، وإبراهيم بن طَهُمان، وفُضيل بن عِياض، وخلائق من آخرهم أبو نُعيم وعُبيد الله بن موسى.
ولد قبل مقتل الحسين، ومات في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومئة وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقيل مات سنة خمس وأربعين. وقيل: سنة سبع وأربعين. وقيل: إنه ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين.
وليس في الستة سليمان بن مِهْران سواه، وأما سليمان في الستة فكثير.
والكاهلي في نسبه نسبة إلى كاهِل أبو قبيلة من أسَد، وهو كاهِل ابن أسد بن خُزَيْمة بن مُدركة بن الياس وهم قتلة أبي امرىء القيس، وفيها يقول:
يَا لَهْفَ هِنْدٍ إذْ خَطِئن كاهلًا ... القاتِلينَ المَلِك الحُلاحلا
السادس: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسْود بن عَمرو بن ربيعة ابن حارثة بن سعد بن مالك بن النّخع أبو عمران وأبو عمار الفقيه الكوفي النّخعي، فقيه أهل الكوفة، وأمه مُلَيْكة بنت يزيد بن قَيْس النّخعيّة أخت الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد. قال العَجليّ: رأى عائشة ﵂ رؤيا وكان مفتي أهل الكوفة في زمانه، وكان رجلًا صالحًا فقيهًا مُتوقِّيًا قليل التكلف.
وكان يُرسل كثيرًا عن عَلْقمة، ومات وهو مُختفٍ من الحجّاج، وقال ابن مَعين: مراسيل إبراهيم أحب إليّ من مراسيل الشَّعْبيّ. وقال الشعبي: ما ترك إبراهيم بعده أعلم منه. قال أبو بكر بن شُعيب: ولا الحسن وابن
стр. 719
سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين ولا من أهل البصرة ولا من أهل الكوفة ولا من أهل الحجاز. وفي رواية: ولا بالشام.
وكان لا يتكلم إلا إذا سُئل، قال مُغيرة: كنا نهاب إبراهيم كما يُهاب الأمير، وقال الأعْمش: كان إبراهيم يتوقّى الشُّهرة، ولا يجلس إلى الأُسطوانة. وقال: كان إبراهيم صيرفيّ الحديث، وفي رواية: كان خبيرًا في الحديث. وقال الأعمش أيضًا: قلت لإِبراهيم: أسند لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله.
ولما حضرته الوفاة جزع جزعًا شديدًا، فقيل له في ذلك، فقال: وأيّ خطر أعظم مما أنا فيه؟ إنما أتوقع رسولًا يرد عليّ من ربي إما بالجنة وإما بالنار، والله لوددت أنها تتلجلج في حلقي إلى يوم القيامة.
قال ابن المَدِيني: لم يلق النّخعيّ أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقلت له: فعائشة؟ قال: هذا لم يروه غير سعيد بن أبي عَروبة عن أبي معشر عن إبراهيم وهو ضعيف.
وقد رأى أبا جُحَيْفة وزَيْد بن أرْقم وابن أبي أوْفى، ولم يسمع من ابن عباس. ورواية سعيد عن أبي مَعْشر ذكرها ابن حِبان بسَنَد صحيح إلى سعيد عن أبي مَعْشر أن إبراهيم حدثهم أنه دخل على عائشة ﵂، فرأى عليها ثوبًا أحمر. وقال ابن مَعين: أُدخل على عائشة ﵂ وهو صغير، وقال أبو حاتم: لم يلق أحدا من الصحابة إلا عائشة ولم يسمع منها، وأدرك أنسًا ولم يسمع منه.
روى عن: خاليه الأسْود وعبد الرحمن ابني يَزيد، ومَسروق وعَلْقمة وأبي مَعمر وهمّام بن الحارث وجماعة، وروى عنه الأعْمش ومنصور وابن عَوْن وزبيد الياميّ، وحمّاد بن سُليمان، ومُغيرة بن مُقسِّم الصَّنِّبيّ وخلق.
مات وهو مختف من الحجّاج، ولم يحضر جنازته إلا سبعة أنفس،
стр. 720
سنة ست وتسعين، وهو ابن تسع وقيل ابن ثمان وخمسين.
والنَّخعيّ في نسبه نسبة إلى النَّخَع، بفتح النون والخاء المعجمة والعين المهملة، قبيلة كبيرة من مَذْحج باليمن. والنَّخع اسمه جَسْر بن عَمرو بن وَعْلة بن خالد بن مالك بن أُدد. سمي بذلك لأنه انتخع من قومه، أي بَعُد منهم، وخرج منه خلق كثير ..
وإبراهيم بن يزيد في الستة سواه ثلاثة.
اين يزيد بن شريك التَّيميّ تَيْم الرِّباب أبو أسماء، كان من العباد. روى عن أنس وغَيره.
وابن يزيد بن مردانبة أو يزدانبة القُرَشي المخزومي مولى عمرو بن حُرَيْث.
وابن يزيد الخُوزيّ الأُمويّ أبو إسماعيل المكّي مولى عمر بن عبد العزيز، روى عن طاووس وغيره وفي الرواة غير الستة أربعة.
السابع: عَلْقَمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمَة بن سَلَامان ابن كَهْل، ويقال: ابن كُهَيْل بن بَكْر بن عَوْف، ويقال: ابن المُنتشر بن النَّخع أبو شِبْل، الكوفي. ولد في حياة رسول الله ﷺ وهو عم الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد خَالَيْ إبراهيم بن يزيد كما مر قريبًا. أحد الأعلام، مُخَضْرم.
اتُّفق على جلالته وتوثيقه. قال أحمد: ثقة من أهل الخير، وقال عثمان بن سعيد: قلت لابن مَعين: علقمة أحب إليك أم عُبيدة؟ فلم يخيرّ. قال عثمان: كلاهما ثقة، وعلقمة أعلم بعبد الله. وقال ابن المَديني: أعلم الناس بعبد الله علقمة والأسود وعُبيدة والحارثُ. وقال أبو المثنى رِياح: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، علقمةُ شبيه الناس به سمتا وهَدْيا، وإذا رأيت إبراهيم فلا يضرك أن لا ترى علقمة. وقال الأعْمش: عن عِمارة بن عُمير قال لنا أبو مَعْمر: قوموا بنا
стр. 721
إلى أشبه الناس هَديا سمتًا ودلًا بابن مسعود، فقمنا معه حتى جلس إلى علقمة. وقال داود بن أبي هِند: قلتُ لشعبة: أخبرني عن أصحاب عبد الله، قال: كان علقمة أنظر القوم به.
وقال ابن سيرين: أدركت الناس بالكوفة وهم يقدمون خمسة، من بدأ بالحارث ثنى بعبيدة، ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث ثم علقمة الثالث، لا شك فيه، وقال منصور عن إبراهيم: كان أصحاب عبد الله الذين يقرئون الناس ويعلِّمونهُم السنة. ويَصْدُر الناس عن رأيهم ستة: علقمة والأسْود، وذكر الباقين، وقال غالب أبو هُذَيْل: قلت لإِبراهيم: أعلقمة كان أفضل أو الأسود؟ فقال: علقمة.
وقد شهد صفين، وقال مُرّة الهَمْدانيّ: كان علقمة من الربانيين.
وقال إبراهيم عن علقمة: كنت رجلًا قد أعطاني الله تعالى حُسْن الصوت بالقرآن، وكان ابن مسعود يرسل إليّ فأقرأ عليه، فإذا فرغت من قراءتي قال: زدنا فداك أبي وأمي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن حُسْن الصوت زينة القرآن.
وقال عبد الرحمن بن يزيد: قال عبد الله: ما أقرأ شيئًا ولا أعلمه إلا علقمة يقرؤه ويعلمه. وقال أبو ظَبْيَان: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يسألون علقمة ويستفتونه.
وقال أبو قَيْس: رأيت إبراهيم آخذًا بركاب علقمة، وقال إبراهيم: قرأ علقمة القرآن في ليلة. روى عن عمر وعثمان وعلي وسعد وحُذَيْفة وأبي الدّرداء وابن مسعود وأبي مسعود وأبي موسى وعائشة وخلق. وروى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن قيس، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النَّخعيّ وعامر الشعبيّ، وأبو الرّقّاد النخعي، وأبو وائِل شَقيق بن سَلَمة وأبو إسحاق السّبيعيّ. وقيل: لم يسمع منه. وأبو الضحى وجماعة.
مات علقمة بالكوفة سنة اثنتين وستين، ولم يولد له، وكان قد غزا خراسان، وأقام بخُوَارزم سنتين، ودخل مَرْوَ، فأقام بها مدة، وقيل مات
стр. 722
سنة اثنتين وسبعين وقيل سنة ثلاث وسبعين، وله تسعون سنة. وكان ولدا أخيه عبد الرحمن والأسود ابنا يزيد بن قيس أسَنّ منه. وليس في الستة علقمة بن قيس سواه، وأما علقمة فكثير.
ومر قريبًا أن علقمة مخضرم. وهذا أول ذكر المخضرمين فلا بد من تعريفهم. فالمخضرم على الصحيح هو الذي أدرك الجاهلية والإِسلام، ولم يُرَ في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي ﷺ ، ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أم لا. وهم ليسوا صَحَابة باتفاق أهل العلم بالحديث. وقال صاحب المُحْكم: رجل مُخَضْرم: إذا كان نصف عمره في الجاهلية ونصفه في الإِسلام. وشاعر مخضرم أدرك الجاهلية. وقال ابن حبّان: الرجل إذا كان له في الكفر ستون سنة وفي الإِسلام ستون سنة يدعى مخضرمًا. ومقتضى عدم اشتراطهما نفي "الصحبة"، أن حَكِيم بن حزام وشبهه مخضرم، وليس كذلك في الاصطلاح، لأن المخضرم هو المتردد بين الطبقتين لا يدري من أيتهما هو. وهذا مدلول الخَضْرمة لُغَةً.
فقد قال صاحب المحكم: مخضرم ناقص الحَسَب، وقيل: الدّعِيّ، وقيل: من لا يُعرف أبواه، وقيل: من أبوه أبيض وهو أسود.
وقيل: من ولدته السّراري. وقال هو والجَوْهريّ: لحم مخضرم: لا يُدرى أمن ذكر هو أم من أُنثى، فكذلك المخضرمون مترددون بين الصحابة والتابعين لعدم اللّقْي. وما حكاه الحاكم عن بعض مشايخه، من اشتقاقه من أهل الجاهلية ممن أسلم ولم يهاجر، كانوا يخضرمون آذان الإِبل، أي يقطعونها لتكون علامة لإِسلامهم إن أُغِير عليهم أو حُوربوا، محتملٌ لاسم الفاعل والمفعول، فالفتح من أجل أنهم خضرموا أي قُطِعوا عن نُظرائهم بما ذكر، فيكون مخضرم اسم مفعول. والكسر من أجل أنهم خَضْرَموا آذان إبلهم فهو اسم فاعل. وأشار العراقي إلى الصحيح في المخضرمين بقوله:
والمُدركونَ جاهِلِيّةً فَسَمّ ... مُخَضْرمِين كَسُوَيْد في أمَمْ
стр. 723
وسُوَيد هو ابن غَفِلة بالتحريك، وكأبي عمرو وسعد بن إياس الشَّيباني، وشُرَيْح بن هانىء، وبشير أو أسِير بن عمرو بن جابر، وعمرو ابن مَيْمون الأوْديّ، والأسود بن يزيد النّخعي، والأسود بن هلال المحاربي، وقد بلغ بهم مسلم بن الحجاج عشرين، ومغَلْطاي أزيد من مئة. انتهى من الشيخ زكرياء بحروفه إلا اليسير من الإِصابة لابن حَجَر.
الثامن: عبد الله بن مسعود وقد مرّ في الأثر الثالث من كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإِفراد والعنعنة، وفيه ثلاثة من التابعين الكوفيين، يروي بعضهم عن بعض: الأعْمش وإبراهيم وعلقمة. وهو أحد الأسانيد التي قيل فيها إنها أصحّ الأسانيد. ورُواته كلهم أئمة حُفّاظ أجِلّاء. ومنها أن في بعض النسخ قبل قوله: حدثني بِشْر صورة "ح" إشارة إلى التحويل وقد مرّ الكلام عليه مُستوفى في السادس من بدء الوحي.
وفيه الأعمش وهو من المُدلّسين، وروايته بالعنعنة، والمدلّس روايته بالعنعنة لا تُحمل على السماع، ولكن ما في الصحيحين من ذلك محمول على السماع، وقد مر الكلام على ذلك مستوفىً في الأول من بدء الوحي.
أخرجه البخاري هنا وذهب أحاديث الأنبياء عن أبي الوليد وغيره، وفي التفسير عن بُنْدار وغيره، وفي استتابة المرتدين عن قُتيبة ومُسلم، وفي الإِيمان عن أبي بكر وغيره والتِّرمذي أيضًا. ثم قال المصنف:
باب علامات المنافق
جمع علامة، وهو ما يُسْتدل به على الشيء، ومنه سمي الجَبَل علامة وعَلَمًا وعُدِل عن التعبير بآيات المنافق المناسب للحديث المَسُوق هنا إلى العلامات موافقة لما ورد في صحيح أبي عوَانة بلفظ علامات المنافق، فيكون مُنبِّها بالترجمة على حديث غير المذكور فيها، والجمع
стр. 724
في العلامات رواية الأربعة، ومناسبة الترجمة لما قبلها هي أنه لما قَدّم أنّ مراتب الكفر متفاوتة، وكذلك الظلم، أتْبَعه بأن النفاق كذلك.
وقيل: مناسبة هذا الباب لكتاب الإِيمان هي أن النفاق علامة عدم الإِيمان، أو ليُعلم منه أن بعض النفاق كفر دون بعض، فإن النفاق لغةً: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإِيمان فهو نفاق الكفر، وإلّا فهو نفاق العمل. ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت أفراده وفي الاصطلاح هو الذي يُظهر الإِسلام ويُبطن الكفر، أو هو الدخول في الإِسلام من وجه، والخروج عنه من وجه آخر. قيل: إنه مشتق من نافِقاء اليُربوع، فإن إحدى جُحْريه يقال له النافقاء، وهو موضع يُرقِّقُه بحيث إذا ضَرَب رأسه عليه ينشَقّ، وهو يكتمه ويُظْهر غيره. وإذا أتى الصائد إليه من قبل القاصعَاء، وهو جُحره الظاهر الذي يَقْصع فيه، أي: يدخل، ضَرَب النافقاء برأسه فانتفق، أي: خرج، فكما أن اليربوع يكتم النافقاء ويظهر القاصعاء، فكذلك المنافق يكتم الكفر ويظهر الإِيمان، أو يدخل في الإِيمان من باب ويخرج من آخر.
ويناسبه وجه آخر. وهو أن النافقاء ظاهرهُ، يُرى كالأرض، وباطنه الحفرة فيها، فكذا المُنافق. وقيل: المنافق مشتق من النَّفق وهو السّرَب تحت الأرض، يراد أنه يستتر بالإِسلام كما يستتر صاحب النفق به.
والمنافق من المفاعلة، وأصلها أن تكون بين اثنين، ولكنّها هنا من باب خادَعَ وراوَغَ. أو يقال: لأنه يقابل بقَبُول الإِسلام منه، فإن عُلِم أنه منافق، فقد صار الفعل من اثنين، وسمي الثاني باسم الأول مجازًا للازدواج. كقوله تعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
стр. 725
الحديث السادس والعشرون
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا نَافِعُ ابْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ».
قوله آية المنافق: أي علامته، مبتدأ. والقياس جمعه ليطابق الخبر الذي هو ثلاث. وأجِيبَ بأن ثلاثا اسم جمع لفظه مفرد. أو يقال: إن آية مضاف إلى معرفة فيعم، كأنه قال: آياته. وقال في الفتح: الإِفراد على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث. قال: والأول أليق بصنيع المؤلف، ولهذا ترجم بالجمع، وتعقبه العَيْنيّ بأن التاء تمنع الجنس، كالتاء في تَمْرة. فالآية والآي كالتّمرة والتمر. قال: وقوله: إنما يحصل باجتماع الثلاث: مُشْعرٌ بأنه إذا وجدت فيه واحدة من الثلاث لا يطلق عليه منافق، وليس كذلك. بل يطلق عليه اسم منافق غير أنه إذا وجدت فيه الثلاث كلها كان منافقًا كاملًا.
قلت: اعتراضه الأول ظاهر، وأما الثاني فغير ظاهر، لأنّ ابن حجر إنما قال ما قال احتمالا. ولم يأت العَيْنيّ بنص يرفع ذلك الاحتمال.
وإنما قال ما قال من أنه إذا وجدت فيه واحدة كان منافقا، غير أنه لم يكن كاملا من نفسه، والحديث الآتي بعد هذا فيه الاستئناس لما قاله ابن حجر، فإن فيه أنَّ الخالِصَ من كانت فيه الخصال الأربع. ومن كانت فيه خصلة منهُنَّ كانت فيه خصلة من النفاق إلخ ... فلم يقل كان منافقا
стр. 726
غير كامل، بل عبر بأن فيه خصلة، ووجود خصلة فيه لا يستلزم تسميته منافقا، فتأمل.
ثم بيَّن الثلاث فقال: إذا حَدَّث كَذَب، أي أخْبر عنه بخلاف ما هو به، قاصدًا الكذب، وقد حكى ابن التين عن مالك أنه سُئل عمن جُرِّب عليه الكذب، فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله حدّث عن عيش له سلف، فبالغ في وصفه، فهذا لا يضر، وإنما يضر من حدّث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصدًا الكذب.
وقوله: وإذا وعد أخلف أي: لم يَف بوعده. قال في المُحْكم: يقال وَعَدْتُه خيرًا، ووعدته شرًا، فإذا أسقطوا المفعول، قالوا في الخير: وَعَدته، وفي الشر: أوْعَدْتُه. وحكى ابن الأعرابي: أوعدته خيرًا بالهمز، والمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأما الشر فيُستحب إخلافه، وقد يجب. وهو من عطف الخاص على العام، لأن الوعد نوعٌ من التحديث، وكان داخلًا في قوله وإذا حدّث، ولكنه أفرده بالذِّكر معطوفًا تنبيهًا على زيادة قُبْحه.
فإن قلت الخاص إذا عطف على العام لا يخرج من تحت العام، وحينئذ تكون اثنتين لا ثلاثًا، أُجيب بأنه لازم الوعد الذي هو الإِخلاف الذي قد يكون فعلا، ولازم التحديث الذي هو الكذب لا يكون فعلا، متغايران، فبهذا الاعتبار كان الملزومان متغايرين، وإخلاف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزمُ عليه مُقارِنا للوعد، أما لو كان عازمًا ثم عَرَض له مانع، أو بدا له رأي، فهذا لم توجد منه صورة النفاق، قاله الغزاليّ.
وفي الطبرانيّ من حديث سَلْمان، ما يشهد له: إذا وعد وهو يحدث نفسه أنّه يُخلف، وكذا في باقي الخِصال. وإسناده لا بأس به. وهو عند أبي داود والتِّرمذيّ من حديث زيد بن أرْقم بلفظ "إذا وَعَد الرجل أخاه ومن نيَّتِه أن يفي له فلم يَفِ فلا إثم عليه"، وقوله: وإذا ائتمن خان، أي: بأن يتصرف فيها على خلاف الشرع.
стр. 727
ووجه الاقتصار على هذه الثلاثة هو أنها مُنبِّهة على ما عداها إذ أصل عمل الديانة منحصر في ثلاث: القول والفعل والنية. فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخُلْف، لأن خُلْف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مُقارنًا للوعد كما مر قريبًا.
وقد قيل إن ظاهر هذا الحديث الحَصْر في ثلاث، فكيف جاء في الحديث الذي يليه "أربعٌ من كنَّ فيه" وأجيب باحتماله، أنه استجد له ﷺ من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده، أو يُجاب بأنه لا تعارض بينهما، لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق، لاحتمال أن تكون العلامات دالة على أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كَمُل بها خلوص النفاق.
على أن في رواية مسلم ما يدل على إرادة عدم الحصر، ففيه لفظة "من علامة المنافق ثلاث" وكذا أخرجه الطَّبرانيّ في الأوسط عن أبي سعيد. وإذا حمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت، وببعضها في وقت آخر وهذا غير مفيد لأنه تبقى أربعة لكن يأتي ردها إلى ثلاث. أو يجاب بأنَّ إذا عاهد غَدَر، التي هي إحدى الأربع في معنى قوله: وإذا ائتمن خان، لأن الغدر خيانة.
وعد بعضهم هذا الحديث مُشْكلا من حيثُ أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المُجْمع على عدم كفره، وأجيب عن هذا بأن هذه خصال نفاق لا نفاق، فهو على سبيل المجاز، أو المراد نفاق العمل لا نفاق الكفر، وارتضى هذا القُرطبيّ، ويؤيده قول عُمَر لحُذَيْفة: هل تعلم فيّ شيئًا من النفاق؟ فإنه لم يُرِد بذلك نفاق الكُفْر، وإنما أراد نفاق العمل.
أو المراد من اتصف بذلك وكانت له دَيْدنا وعادة. ويدل عليه التعبير بإذا المفيد لتكرار الفعل، وأيضًا حذف المفعول من حدث ووعد يدل على العموم، أي إذا حدّث في كل شيء كذب، أو يجعل قاصرًا أي: إذا وَجَد ماهيّة التحديث كذب. أو هو محمول على من غلبت عليه هذه
стр. 728
الخصال، وتهاون بها واستخف بأمرها. فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبا، أو المراد الإِنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال وأن الظاهر غير مراد، أو الحديث واردٌ في رجل معين كان منافقا، ولم يصرح ﵊ به، على عادته الشريفة، من كونه لا يواجههم بصريح القول، بل يشير إشارة كقوله: "ما بال أقوامٍ" ونحوه. أو المراد المنافقون الذين كانوا في الزّمن النبويّ، وهذا قول ابن عبّاس وسَعيد بن جُبير وعطاء ابن أبي رباح، ويروى أنَّ رجلًا قال لعطاء: سمعت الحَسن يقول من كان فيه ثلاث خصال لم أتحرّج أن أقول إنه منافق، مَن إذا حدّث كَذَب، وإذا وَعَد أخلف، وإذا ائتمن خان. فقال عطاء: إذا رجعت إلى الحسن فقل له: إن عطاء يُقْرئك السلام ويقول لك: اذكر إخوة يوسف ﵇.
رجاله خمسة:
الأول: سُليمان بن داود أبو الرّبيع العَتكيّ الزَّهْرانيّ الحافظ، سكن بغداد. قال ابن مَعين وأبو زُرعة وأبو حاتم: ثقة. وقال الآجُريّ: سألت أبا داود عن أبي الربيع والحَجْبيّ أيهما أثبت في حماد بن زيد؟ فقال: أبو الربيع أشهرهما، والحجبي ثقة. وقال ابن خِراش: تكلم الناس فيه وهو صدوق، وقال ابن قانع: ثقة صدوق. وقال عبد القُدّوس بن محمَّد: قال لي عبد الله بن داود الخُريْبيّ: اقرأ على أبي الربيع، فإنه موضع يُقرأ عليه.
وقال مَسْلمة بن قاسم: بصْريّ ثقة. وذكره ابن حِبّان في الثقات.
وقال لا أعلم أحدا تكلم فيه بخلاف ما زعم ابن خِراش.
روى عن: مالك حديثًا واحدًا وحمّاد بن زيد وإسماعيل بن جَعْفر وجَرِير بن حازم وفُلَيْح بن ليمان ويزيد بن زُرَيع وجَرير بن عبد الحميد وابن المُبارك وغيرهم.
стр. 729
وروى عنه: البُخاريّ ومسلم وأبو داود، وروى له النّسائي بواسطة عليّ بن سعيد بن جرير. وحدّث عنه أحمد بن حَنْبل وإسحاق بن رَاهَوَيه وأبو زُرعة وأبو حاتم والذُّهليّ، وموسى بن هارون ويعقوب بن شَيْبة وزكرياء وأبو يَعلى الموصِلِيّ، وأبو القاسم البَغَويّ وغيرهم.
مات في رمضان سنة أربع وثلاثين ومئتين بالبصرة. وفي الستة سليمان ابن داود سواه سبعة، وفيهم اثنان كل منهما يُكنى أبا الربيع، أحدهما ابن داود بن حمّاد بن سعد المَهَريّ أبو الربيع، والثاني ابن داود بن رَشِيد البغداديّ، أبو الربيع الخَتْليّ الأحْول، والعَتَكيّ في نسبه مر الكلام عليه في السادس من بدء الوحي، والزّهرانيّ نسبة إلى زهران، وهو أبو قبيلة من الأزْد بن كَعْب بن عبد الله بن مالك بن نَصر بن الأزد. منهم جُنْدب ابن أبي أُمية من الصحابة.
الثاني: إسماعيل بن جعْفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ مولاهم، أبو إسحاق، قارىء أهل المدينة أخو محمَّد ويحيى وكَثير ويعقوب بني جعفر.
قال أحمد وأبو زرْعة والنَّسائي: ثقة. وقال ابن مَعين: ثقة. وهو أثبت من ابن أبي حازم والدّراوَرْديّ وأبي ضَمْرة. وقال ابن معين أيضًا فيما حكاه عنه ابن أبي خَيْثمة: ثقة مأمون قليلُ الخطأ صدوق.
وقال ابن سعد: ثقة، وهو من أهل المدينة، قَدِم بغداد فلم يزل بها حتى مات، وهو صاحب الخمسمائة حديث، التي سمعها منه الناس. وقال ابن خراش: صدوق، وقال ابن المَدينيّ: ثقة، وقال الخليلي في الإِرشاد: كان ثقة، شارك مالكا في أكثر شيوخه، وكذا قال الحاكم. وذكره ابن حِبان في الثقات.
روى عن أبي طُوالة وعبد الله بن دينار، وربيعَة وجَعْفر الصادق وحُميد الطويل، ومالك بن أنس، وإسرائيل بن يونس، وأبي سُهَيْل نافع بن مالك بن أبي عامر، ويزيد بن خُصَيْفة وغيرهم.
стр. 730
وروى عنه: محمَّد بن جَهْضم ويحيى بن يحيى النَّيْسابوريّ وأبو الربيع الزّهرانيّ، ويحيى بن أيّوب المقابِريّ وأبو مَعْمر الهُذَليّ وعلي بن حَجَر وغيرهم.
مات ببغداد سنة ثمانين ومئة والزُّرقيّ في نسبه بضم الزاي وفتح الراء نسبة إلى أبي بطن من الأنصار، وهو زُريق بن عامر بن زُرَيق بن عبد حارِثة بن مالك بن غَضَب بن جُشَم بن الخَزْرج، وفي طيء أيضًا زُريق، ابن الغَوْث بن طيء جذيمة بن زُهير بن ثَعلبة بن سَلامان بن ثَقل بن عمرو بن الغَوْث ابن طيء.
الثالث: نافع بن مالك بن أبي عامر الأصْبحيّ أبو سُهَيل التَّيميّ المدنيّ، حليف بني تَيْم. قال أحمد: من الثقات. وقال أبو حاتم والنّسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الواقِدِيّ: كان تؤخذ عنه القراءة بالمدينة، هَلَك في إمارة أبي العبّاس. وقال ابن خِراش: كان صَدُوقًا.
روى عن: أبيه وابن عَمْر وسَهل بن سَعد وأنس وسعيد بن المُسيِّب والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وغيرهم.
وروى عنه: الزُّهريّ، وهو من أقرانه، وابن أخيه مالك بن أنس ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كَثير وعبد العزيز الدراوَرْديّ وآخرون.
والتّيميُّ في نسبه نسبةً إلى تَيْم بن مُرّة. ومرّ الكلام عليه في الثاني من كتاب الإِيمان. ومر الكلام على الأصْبحيّ في الثاني من بدء الوحي، وعلى المَدني في العاشر من كتاب الإِيمان.
الرابع: مالك بن أبي عامر الأصْبحيّ أبو أنس، ويقال: أبو محمَّد جد الإِمام مالك والد أنس، والربيع ونافع وأُويْس حليف عُثمان بن عُبيد الله أخي طلحة التَّيْميّ وذكره ابن سَعْد في الطبقه الثانية. وقال: كان ثقة وله أحاديث صالحة، وفرض له عثمان ﵁.
стр. 731
وقال النّسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في الثقات.
روى عن: عُمر وعثمان وطلحة وعقِيل بن أبي طالب وأبي هُريرة وعائشة ورَبِيعة وكَعْب الأحْبار. فقد صَحَّ عنه، قال: شَهِدتُ عمر ﵁ عند الجَمْرة وأصابه حَجَر فَدمّاه. وفي حديثه: فلمّا كان من قابل أُصيب عُمر.
وروى عنه: أبناؤه أنس والربيع ونافع وسُليمان بن يَسار، وسالم أبو النّضْر، ومحمد بن إبراهيم التَّيميّ.
والصحيح في موته ما قاله ابنه الرَّبيع: مات أبي حين اجتمع الناس على عبد الملك، يعني سنة أربع وسبعين. وذكره البُخاريّ فيمن مات ما بين السبعين إلى الثمانين.
وأما كونه مات سنة اثنتي عشرة ومئة، وهو ابن سبعين أو تسعين، فغير صحيح. لأن الأول يُبْطله بثُبُوت روايته عن طَلْحة بن عُبيد الله، وقد مات طلحة سنة ست وثلاثين، فتكون سنُّه عند موت طلحة أربع سنين، فلا يمكن سماعه منه. ويُبْطل الثاني سماعه من عمر.
الخامس: أبو هريرة، وقد مر في الثاني من كتاب الإِيمان.
لطائف إسناده: منها أن فيه التَّحديث والعَنْعنة ورُواته كلهم مدنيون ما عدا أبا الربيع. وفيه رواية تابعي عن تابعي. ورواية الابن عن أبيه.
وقد مر الكلام على الجميع في الأول والثالث من بدء الوحي، أخرجه البُخاريّ هنا. وفي الوصايا عن أبي الربيع، وفي الشهادات عن قُتيْبة، وفي الأدب عن ابن سَلَام، ومُسْلم في الإِيمان عن قُتيبة وغيره، والتِّرمذيّ والنّسائي.
стр. 732
الحديث السابع والعشرون
٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».
قوله: كان منافقًا خالصًا، أيْ في هذه الخصال فقط لا في غيرها، أو شديد الشبه بالمنافقين. ووصفه بالخُلُوص يؤيد قولَ من قال: إن المراد بالنفاق العَمليّ لا الإِيمانيّ، أو النفاق العُرفيّ لا الشّرْعِيّ لأن الخلوص بهذين المعنيين لا يستلزم الكفر المُلقي في الدَّرك الأسفل من النار. وقوله: "إذا عاهد غدر" أي: تَرَك الوفاء لما عاهد عليه. وقوله: "وإذا خاصم فجر" أي في خصومته، والفجور الميل عن الحق والاحتيال في رده وقد تَحَصّل من الحديثين خَمسُ خصال: الثلاثة السابقة في الأول، والغدر في المعاهدة، والفجور في الخصومة في الثاني. فهي مُتغَايرة باعتبار تَغَايُر الأوصاف واللوازم ووجه الحصر فيها أن إظهار خلاف ما في الباطن إمّا في الماليات وهو ما إذا ائتمن وإما في غيرها. وهو إما في حالة الكُدورة، فهو إذا خاصم، وإما في حالة الصَّفاء، فهو إما مُؤكد باليمين، فهو إذا عاهد أم لا، فهو إما بالنّظر إلى المستقبل، فهو إذا وعد، وإما بالنظر إلى الحال، فهو إذا حدّث. لكنّ هذه الخمسة في الحقيقة ترجع إلى الثلاث لأنّ الغَدْر في العهد مُنْطوٍ تحت الخيانة في الأمانة. والفُجُور في الخصومة داخلٌ تحت الكذب في الحديث.
стр. 733
رجاله ستة:
الأول: قَبِيصةُ، مكبّرًا، ابن عُقْبة بن محمَّد بن سُفيان بن عُقبة بن رَبيعة بن جُنْدب بن رِئاب بن حَبيب بن سُواءة بن عامر بن صَعْصعة السّوائي، أبو عامر الكُوفي. قال أبو زرعة الدمشقيّ عن أحمد بن أبي الحوّاري، قلت للفريابيّ: رأيت قَبِيصة عند سفيان؟ قال: نعم رأيته صغيرًا. قال أبو زرعة: فذكرته لابن نُمير فقال: لو حدثنا قَبيصة عن النّخعيّ لقَبِلْنا منه.
وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبو زرعة عن قَبيصة وأبي نُعيم، فقال: كان قَبيصة أفضل الرجلين، وأبو نعيم أتقن الرجلين. وقال أيضًا: سألتُ أبي عن قبيصة وأبي حُذَيْفة، فقال: قَبيصةُ أحلى عندي، وهو صدوق ولم أرَ من المُحدّثين من يحفظ يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يُغيِّره، سوى قَبيصة وأبي نُعيم في حديث الثَّوريّ ويحيى الحمّاني في حديث شَريك وعلي بن الجَعْد في حديثه.
وقال أبو داود: وكان قَبيصةُ وأبو عامر وأبو حُذيفة لا يحفظون ثم حفظوا بعد. وقال إسحاق بن سَيّار: ما رأيتُ أحفظ منه من الشيوخ. وقال ابن خِراش: صدوق وقال صالح بن محمَّد: كان رجلا تكلموا في سماعه من سفيان، وقال الفَضْل ابن سَهل الأعرج: كان قَبيصة يُحدِّث بحديث الثَّوريّ على الولاء درسًا درسًا حِفظًا.
وقال النّسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حِبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة صَدوقًا كثير الحديث، وقال أحمد بن سَلَمة: كان هَنّاد إذا ذكره قال: الرجُلُ الصالح. وقال هارون الحَمّال: سمعتُ قَبيصة يقول: جالست الثَّوريّ وأنا ابن ست عشرة سنة ثلاث سنين. وقال حَنْبل: قال أبو عبد الله: كان يحيى بن آدم عندنا أصغر من سمع من سُفيان.
قال: وقال يحيى: قَبيصة أصْغر مني بسنتين. قلت: فما قِصّة قَبيصة في سُفيان؟ قال أبو عبد الله: كان كثير الغَلط. فقلت: فغير سُفيان؟ قال:
стр. 734
كان قبيصة رجلًا صالحا ثقة لا بأس به، وأي شيء لم يَكُن عنده يذكر أنه كثير الحديث.
وقال أبو طالب: ذكر قَبيصةُ ابن مهدي وأبا نعيم، فكان أحمد لا يعبأ به. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قبيصة أثبت منه جدًّا. يعني من أبي حُذيفة. قال: وقد كتبت عنهما جميعًا، وقال ابن أبي خَيْثمة عن ابن مَعين: قَبيصة ثقةٌ في كل شيء إلَّا في حديث سُفيان، فإنه سمع منه وهو صغير. وقال يعقوب بن سُفيان: قال يحيى بن يَعْمُر: قبيصة أكبر من يحيى بن آدم بشهرين: قال: وسمعت قبيصة يقول: شهدت عند شَريك فامتحنني في شهادتي، فذكرتُ ذلك لسُفيان فأنكر على شَريك، قال: وصليتُ بسُفيان الفريضة.
روى عن الثَّوريّ وشُعبة ومَطر بن خَليفة وإسرائيل بن يونس وحَمّاد ابن سَلَمة وورقاء بن عُمر وأبي رَجَاء ويحيى بن سَلَمة بن كُهَيْل وغيرهم.
وروى عنه: البُخاريّ، وروى الباقون له بواسطة ابنه عُقبة. وروى عنه أبو بكر بن أبي شَيْبة وهنّاد بن السّريّ ومحمود بن غَيْلان ومحمد بن يونس النّسائي وأحمد بن حَنْبل، وحَنبل بن إسحاق وإسحاق بن سَيّار النّصيبِيّ وغيرهم.
مات سنة خمس عشرة ومئتين، وقيل سنة ثلاث عشرة. وليس في الستة قبيصة بن عُقبة سواه. وفيهم قبيصة سواه تسعة. والسُّوائي في نسبه بضم السين وفتح الواو مخففة، نسبة إلى جده سُواءة بن عامر المارّ. قال في القاموس: سُواءَة كخُرافة اسم. قال شارحه: بنو سُواءة بن عامر بن صعصعة بطن من هوازن، وله وَلَدان: حَبيب وخُرثان، قلت: وحبيب هو جد قَبيصة كما مر، ومنهم أبو جُحَيْفة وَهْبُ بن عبد الله الملقب بالخير السُّوائيّ ﵁.
الثاني: سُفيان بن سَعيد بن مَسروق الثَّورِيّ أبو عبد الله الكوفي أحد
стр. 735
أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، المتفق على جلالته وقدره، وكثرة علومه وزهده، وصلابته في دينه، وتوثيقه وأمانته.
قال شُعْبة وابن عُيينة وأبو عاصم وابن مَعين وغير واحد من العلماء: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبتُ عن ألف ومئة شيخ، ما كتبتُ عن أفضل من سُفيان، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، رأيت سعيد بن جُبير وغيره يقول هذا، قال هو: ما أقول: ما رأيت أفضل من سُفيان. وقال وَكِيع عن سَعيد: سُفيان أحفظ منّي. وقال ابن مَهْديّ: كان وَهْبٌ يقدِّم سفيان في الحفظ على مالك.
وقال يحيى القطّان: ليس أحدٌ أحَبّ إليّ من شُعبة، ولا يَعدِله أحدٌ عندي، وإذا خالفه سُفيان أخذتُ بقول سُفيان. وقال الدُّورِيّ: رأيتُ يحيى بن مَعين لا يقدم على سفيان في زمانه أحدا في الفقه والحديث والزهد وكلِّ شيء. وقال أبو داود: ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا يظفر سفيان وقال أبو داود أيضًا: بَلَغني عن ابن مَعين قال: ما خالف أحدٌ سُفيان في شيء إلّا كان القولُ قولَ سُفيان.
وقال العجليّ: أحسن أسناد الكوفة سُفيان عن مَنصور عن إبراهيم عن عَلقمة عن عبد الله. وقال العجليّ أيضًا: كان لا يسمع شيئًا إلا حفظه. وقال الخطيب: كان إماما من أئمة المسلمين وعَلَمًا من أعلام الدين، مُجْمَعًا على إِمامته بحيث يُستغنى عن تزكيته، مع الاتقان والحفظ والمعرفة والضبط والوَرَع والزهد. وكان يقول: إذا رأيتَ القارىء مُحبَبًّا إلى جيرانه، فاعلم أنه مداهِنٌ. وقال عليّ بن الفُضيل: رأيتُ سُفيان ساجدًا حول البيت فقطعتُ سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه.
وقال فيه ابن عُيَينة: ما رأيتُ رجلًا أعلَمَ بالحلال والحرام من سفيان الثَّوري. وكان يقال: عمر بن الخطاب في زمنه رأسُ الناس، وبعده عبد الله بن عباس ﵄، وبعده الشّعبيّ، وبعده سُفيان الثَّوريّ.
стр. 736
وقال أبو صالح لشُعَيْب بن حَرب المدائِنِيّ، وكان أحد السادة الأئمة الأكابر في الحفظ والدين. إني لأحْسب أنه يُجاء بسُفيان الثَّوريّ يوم القيامة حجةً من الله تعالى على خلقه، يقال لهم: لم تدركوا نَبيَّكم ﵊، ولقد أدركتم سُفيان الثّوريّ. ألا اقْتديتُم به؟ وعن قَبيصة قال: رأيتُ سُفيان الثَّوريّ في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: نظرت إلى ربي عِيانًا وقال لي:
هَنيئًا رضائي عنكَ يا ابنَ سعيد
لقد كنتَ قوَّاما إذ الليلُ قد دَجى ... بِعبْرة مُشْتاق وقَلْب عَمِيد
فَدُونَكَ فاخْتر أيَّ قَصْرٍ تُريدهُ ... وَزُرني فإني عنك غيرُ بعيدِ
وقال ابن المدينيّ: لا أعلم سفيان صَحَّف في شيء قط إلا في اسم امرأة أبي عُبيد، كان يقول حَفِينة، يعني بالحاء المهملة، والصواب جَفينة بالجيم. وقال عبد الله بن داود: ما رأيت أفقه من سُفيان وقال أبو قَطَن: قال لي شُعبة: إن سُفيان سادَ الناس بالوَرَع والعِلم. وقال عبد الرزاق: بعثَ أبو جعفر الخَشّابين إلى مكة فقال: إنْ رأيتم سفيان فاصلبوه، قال: فجاء النجّارون ونَصبوا الخشب، ونودي لسفيان وإذا رأسُه في حِجْر الفُضيل بن عِياض، ورجلاه في حِجر ابن عُيينة. فقالوا: يا أبا عبد الله، اتَّق الله، ولا تُشْمت بنا الأعداء. قال: فتقدم إلى الأستار فأخذها، ثم قال: برئتْ منه إن دخلها أبو جعفر قال: فمات قبل أن يدخل مكة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، وكان عابدًا ثبتًا. وقال النَّسائي: هو أجَلّ من أن يقال فيه ثقة. وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون ممن جعله الله إماما للمتقين.
وقال ابن أبي ذِيب: ما رأيت أشبه بالتابعين من سُفيان. وقال زائِدة: كان أعلم الناس في أنفسنا. وقال ابن حِبان: كان من سادات الناس فقهًا وورعًا وإتقانًا. وقال الوليد بن مُسْلم: رأيته بمكة ولما يَخُطّ وَجهه بعد.
стр. 737
وقال أبو حاتم وأبو زُرعة وابن مَعين: هو أحفظ من شُعبة. وقال ابن المَدينيّ: قلتُ ليحيى بن سعيد: أيُّهما أحبُّ إليك؟ رأيُ سفيان أو رأي مالك؟ قال: سفيان، لا شك. فحق هذا سفيان فوق مالك في كل شيء.
وقال صالح بن محمَّد: سفيان ليس يَقدُمُه أحد عندي في الدنيا، وهو أحفظ وأكثر حديثًا من شُعبة، يبلغ حديثه ثلاثين ألفا، وقال مالك: كانت العراق تَجيشُ علينا بالدّراهم والثّياب، ثم صارت تَجيش علينا بالعلم مُنذ جاء سُفيان. وقال أبو إسحاق الفَزّاريّ: لو خُيّرتُ لهذه الأُمّة لما اخترت لها إلا سفيان. وقال ابن معين: مُرسَلاتُه شِبه الريح، وكذا قال أبو داود، قال: ولو كان عنده شيء لصاح به. وقال ابن المبارك: حدث سفيان بحديثٍ فجئْتُه وهو يُدلِّسه، فلما رآني استحيى وقال: نرويه عنك.
وروى المَسْعوديّ عن القَعْقاع بن حَكيم أنه قال: كنت عند المَهديّ وأتى سُفيان الثَّوريّ، فلما دخل عليه سلّم تسليم العامة، ولم يسلِّم بالخلافة، والرَّبيع قائم على رأسه، متكىءٌ على سيفه يرقب أمره، فأقبل عليه المَهْديّ بوجه طَلْق، وقال له: يا سفيان تَفِرُّ منا ها هنا وها هنا، وتظن أننا إن أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ فقال له سفيان: إن تحكم فيّ يحكم فيك ملكٌ قادر يفرّق بين الحق والباطل. فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل أنْ يستقبلك بمثل هذا؟ ائذنْ لي أنا أضرب عنقه، فقال له المَهديّ: ويلك! رهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه أحد في حكم.
فكُتب عهدُه ودُفع إليه فأخذه وخرج، ورمى به في دَجْلة، وهرب فطُلِب في كل بلد، فلم يوجد.
ولمّا امتنع من قضاء الكوفة وتولاه شَريك بن عبد الله النَّخعيّ قال الشاعر:
стр. 738
تَحَرّز سُفيان وفَرّ بدينه ... وأمسى شَريكٌ مَرصَدًا للدّراهم
قال أحمد: لم يسمع من سَلَمة بن كُهيل حديث السّائبة، أي: العبْد المُعْتق، سائبَةٌ ولا يكون ولاؤُهُ لِمُعتقِه، ولا وارثَ له، يضع ماله حيثُ يشاء.
ولم يسمع من خالد بن سَلَمة، إلا حديثًا واحدًا، ولا من ابن عَوْن إلا حديثًا واحدًا. وقال البَغَويّ: لم يسمع من يزيد الرَّقَّاشي.
روى عن: أبيه وأبي إسحاق الشّيباني وأبي إسحاق السّبيعيّ، وعبد الملك بن عُمَيْر والأسود بن قَيس، والأعمش ومنصور وصالح بن صالح ابن حَيّ، ومُحارب بن دِثار، ومالك الأشْجعيّ، وزياد بن عَلاقة، وعاصم الأحْول، وحُميد الطويل، وزَيْد بن أسْلم، وعَمرو بن دينار، وخلقٌ كثير.
وروى عنه: جَعْفرُ بن بَرْقان، وخُصيف بن عبد الرحمن وابن إسحاق، وغيرهم من شيوخه، وشُعبة وزائِدَة ومالك والأوْزاعيّ وزُهير بن معاوية ومِسْعر وغيرهم من أقرانه، وعبد الرحمن بن مَهْدي، ويحيى بن سعيد القطّان وابن المُبارك، ووكِيع ويزيد بن زُرَيع، وخلق كثير. قيل: روى عنه عشرون ألفًا. وآخر من حدث عنه من الثقات علي بن الجَعْد.
مات سنة ستين ومئة بالبَصْرة متواريًا من سلطانها. وقيل: سنة إحدى وستين وقيل اثنتين وستين، ودفن عِشاء، ولم يُعَقِّب.
والثَّوريّ في نسبه نسبة إلى ثَوْر بن عَبد مناة على الصحيح، وقيل: نسبة إلى ثَوْر هَمْدان ومر الكلام على ثَوْر في الثالث من كتاب الإِيمان.
وليس في الستة سفيان بن سعيد سواه وأما سفيان فكثير نحو ثلاثة وعشرين.
الثالث: سليمان بن مَهْران، وقد مَرّ في الخامس والعشرين من كتاب الإِيمان.
стр. 739
الرابع: عبد الله بن مُرّة، بضم الميم، الهَمْدانيّ الخارِفيّ الكوفيّ.
قال ابن معين وأبو زرعة والنّسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحةٌ وقال العجليّ: تابعي ثقة.
روى عن: ابن عُمَر والبَرَاء وأبي الأحْوص ومَسروق وغيرهم. وروى عنه الأعْمش ومنصور.
مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال عمرو بن عليّ: مات سنة مئة. وفي الستة عبد الله بن مُرّة الزُّرقيّ الأنصاري، روى عن أبي سعيد الأنصاري. وفيهم عبد الله بن أبي مُرّة، شهد فتح مصر.
والخارِفيّ في نسبه نسبة إلى خارِف، وهو مالك بن عبد الله بن كثير ابن مالك بن جُشَم خَيْواز بن نوْف بن هَمْدان. وفي تاج العروس: خارف ويام قبيلتان، وقد نسب إليهما المِخْلاف باليمن. وقد مرّ الكلام على الهَمداني في الخامس من بدء الوحي.
الخامس: مَسْروق بن الأجْدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مُرّ ابن سَلامان بن مَعْمر بن الحارث بن سَعد بن عبد الله بن وَداعة الهَمْدانيّ، الوَدَاعيّ الكوفيّ العابد، أبو عائشة الفقيه.
قال أبو داود: كان عمرو بن مَعدِ يكَرِب خالَه، وكان أبوه أفرس فارس باليمن. وقال الأعْمش عن مسروق: قال لي عُمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجْدع، قال: الأجدع شيطان. أنت مسروق بن عبد الرحمن. وقال مالك بن مغول: سمعتُ أبا السّفر غير مرة يقول: ما ولدت هَمْدانية مثل مسروق.
وقال الشّعبيّ: ما رأيت أطلب للعلم منه. وذكره منصور عن إبراهيم في أصحاب ابن مسعود الذين كانوا يعلمون الناس السنة. وقال الشعبيّ أيضًا: كان مسروق أعلم بالفتوى من شُرَيح، وكان شُريح أعلم بالقضاء.
стр. 740
وقال أبو إسحاق: حجّ مسروق فلم ينم إلا ساجدًا على وجهه. وقال أنس ابن سيرين عن امرأة مسروق: كان يصلي حتى تورّم قدماه.
وقال ابن عُيينة: لا أُفضل عليه أحدًا بعد علقمة. وقال ابن المدينِي: ما أُقدّم على مسروق من أصحاب عبد الله أحدًا. صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعليًا، ولم يروِ عن عثمان شيئًا. وقال إسحاق بن منصور: لا يُسأل عن مثله. وقال عثمان الدّارميّ: قلت لابن مَعين: مسروق عن عائشة أحب إليك أو عُروة؟ فلم يُخيِّر. وقال العجليّ: كوفيٌّ تابعيّ ثقة.
وكان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرأون ويفتون وقال ابن سعد: كان ثقة. وله أحاديث صالحة وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة ولّاه زياد على السِّلْسلة، ومات بها.
وقال أبو الضُّحى: سُئل مسروق عن بيت شعر فقال: إني أكره أن أرى في صحيفتي شعرًا. وقال الكلبيّ: شُلّت يد مسروق يوم القادسية، وأصابته أمَة. وقال أبو الضُّحى عن مسروق: كان يقول ما أُحب أنها -يعني الأمَة- ليست لي، لعلها لو لم تكن لي كنت في بعض هذه الفتن. قال وكيع: لم يتخلف مسروق عن حروب عَلي.
روى عن: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ومُعاذ بن جَبَل، وابن مسعود، وخَبّاب بن الأرَتّ، وابن عُمر، وابن عَمرو، وعائشة، وأم سلمة، وجماعة.
وروى عنه: ابن أخيه محمَّد بن المُنْتشر بن الأجْدع، وأبو وائل وأبو الضحى، وأبو إسحاق السّبيعيّ، والشّعبي، وإبراهيم النّخعيّ، وعبد الله بن مرة الخارِفيّ ومَكحُول، وامرأته قُمير بنت عَمرو، وغيرهم.
مات سنة اثنتين أو ثلاث وستين، وله ثلاث وستون سنة. وهو من المُخضرمين. وقد مر الكلام عليهم في الخامس والعشرين من كتاب الإِيمان هذا، وفي الستة مسروق سواه اثنان: ابن أوس التَّميمي الحنْظَليّ
следующие страницы →