Полный текст (6 753 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وقال أبو صالح لشُعَيْب بن حَرب المدائِنِيّ، وكان أحد السادة الأئمة الأكابر في الحفظ والدين. إني لأحْسب أنه يُجاء بسُفيان الثَّوريّ يوم القيامة حجةً من الله تعالى على خلقه، يقال لهم: لم تدركوا نَبيَّكم ﵊، ولقد أدركتم سُفيان الثّوريّ. ألا اقْتديتُم به؟ وعن قَبيصة قال: رأيتُ سُفيان الثَّوريّ في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: نظرت إلى ربي عِيانًا وقال لي:
هَنيئًا رضائي عنكَ يا ابنَ سعيد
لقد كنتَ قوَّاما إذ الليلُ قد دَجى ... بِعبْرة مُشْتاق وقَلْب عَمِيد
فَدُونَكَ فاخْتر أيَّ قَصْرٍ تُريدهُ ... وَزُرني فإني عنك غيرُ بعيدِ
وقال ابن المدينيّ: لا أعلم سفيان صَحَّف في شيء قط إلا في اسم امرأة أبي عُبيد، كان يقول حَفِينة، يعني بالحاء المهملة، والصواب جَفينة بالجيم. وقال عبد الله بن داود: ما رأيت أفقه من سُفيان وقال أبو قَطَن: قال لي شُعبة: إن سُفيان سادَ الناس بالوَرَع والعِلم. وقال عبد الرزاق: بعثَ أبو جعفر الخَشّابين إلى مكة فقال: إنْ رأيتم سفيان فاصلبوه، قال: فجاء النجّارون ونَصبوا الخشب، ونودي لسفيان وإذا رأسُه في حِجْر الفُضيل بن عِياض، ورجلاه في حِجر ابن عُيينة. فقالوا: يا أبا عبد الله، اتَّق الله، ولا تُشْمت بنا الأعداء. قال: فتقدم إلى الأستار فأخذها، ثم قال: برئتْ منه إن دخلها أبو جعفر قال: فمات قبل أن يدخل مكة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، وكان عابدًا ثبتًا. وقال النَّسائي: هو أجَلّ من أن يقال فيه ثقة. وهو أحد الأئمة الذين أرجو أن يكون ممن جعله الله إماما للمتقين.
وقال ابن أبي ذِيب: ما رأيت أشبه بالتابعين من سُفيان. وقال زائِدة: كان أعلم الناس في أنفسنا. وقال ابن حِبان: كان من سادات الناس فقهًا وورعًا وإتقانًا. وقال الوليد بن مُسْلم: رأيته بمكة ولما يَخُطّ وَجهه بعد.
стр. 737
وقال أبو حاتم وأبو زُرعة وابن مَعين: هو أحفظ من شُعبة. وقال ابن المَدينيّ: قلتُ ليحيى بن سعيد: أيُّهما أحبُّ إليك؟ رأيُ سفيان أو رأي مالك؟ قال: سفيان، لا شك. فحق هذا سفيان فوق مالك في كل شيء.
وقال صالح بن محمَّد: سفيان ليس يَقدُمُه أحد عندي في الدنيا، وهو أحفظ وأكثر حديثًا من شُعبة، يبلغ حديثه ثلاثين ألفا، وقال مالك: كانت العراق تَجيشُ علينا بالدّراهم والثّياب، ثم صارت تَجيش علينا بالعلم مُنذ جاء سُفيان. وقال أبو إسحاق الفَزّاريّ: لو خُيّرتُ لهذه الأُمّة لما اخترت لها إلا سفيان. وقال ابن معين: مُرسَلاتُه شِبه الريح، وكذا قال أبو داود، قال: ولو كان عنده شيء لصاح به. وقال ابن المبارك: حدث سفيان بحديثٍ فجئْتُه وهو يُدلِّسه، فلما رآني استحيى وقال: نرويه عنك.
وروى المَسْعوديّ عن القَعْقاع بن حَكيم أنه قال: كنت عند المَهديّ وأتى سُفيان الثَّوريّ، فلما دخل عليه سلّم تسليم العامة، ولم يسلِّم بالخلافة، والرَّبيع قائم على رأسه، متكىءٌ على سيفه يرقب أمره، فأقبل عليه المَهْديّ بوجه طَلْق، وقال له: يا سفيان تَفِرُّ منا ها هنا وها هنا، وتظن أننا إن أردناك بسوء لم نقدر عليك، فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ فقال له سفيان: إن تحكم فيّ يحكم فيك ملكٌ قادر يفرّق بين الحق والباطل. فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل أنْ يستقبلك بمثل هذا؟ ائذنْ لي أنا أضرب عنقه، فقال له المَهديّ: ويلك! رهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على أن لا يعترض عليه أحد في حكم.
فكُتب عهدُه ودُفع إليه فأخذه وخرج، ورمى به في دَجْلة، وهرب فطُلِب في كل بلد، فلم يوجد.
ولمّا امتنع من قضاء الكوفة وتولاه شَريك بن عبد الله النَّخعيّ قال الشاعر:
стр. 738
تَحَرّز سُفيان وفَرّ بدينه ... وأمسى شَريكٌ مَرصَدًا للدّراهم
قال أحمد: لم يسمع من سَلَمة بن كُهيل حديث السّائبة، أي: العبْد المُعْتق، سائبَةٌ ولا يكون ولاؤُهُ لِمُعتقِه، ولا وارثَ له، يضع ماله حيثُ يشاء.
ولم يسمع من خالد بن سَلَمة، إلا حديثًا واحدًا، ولا من ابن عَوْن إلا حديثًا واحدًا. وقال البَغَويّ: لم يسمع من يزيد الرَّقَّاشي.
روى عن: أبيه وأبي إسحاق الشّيباني وأبي إسحاق السّبيعيّ، وعبد الملك بن عُمَيْر والأسود بن قَيس، والأعمش ومنصور وصالح بن صالح ابن حَيّ، ومُحارب بن دِثار، ومالك الأشْجعيّ، وزياد بن عَلاقة، وعاصم الأحْول، وحُميد الطويل، وزَيْد بن أسْلم، وعَمرو بن دينار، وخلقٌ كثير.
وروى عنه: جَعْفرُ بن بَرْقان، وخُصيف بن عبد الرحمن وابن إسحاق، وغيرهم من شيوخه، وشُعبة وزائِدَة ومالك والأوْزاعيّ وزُهير بن معاوية ومِسْعر وغيرهم من أقرانه، وعبد الرحمن بن مَهْدي، ويحيى بن سعيد القطّان وابن المُبارك، ووكِيع ويزيد بن زُرَيع، وخلق كثير. قيل: روى عنه عشرون ألفًا. وآخر من حدث عنه من الثقات علي بن الجَعْد.
مات سنة ستين ومئة بالبَصْرة متواريًا من سلطانها. وقيل: سنة إحدى وستين وقيل اثنتين وستين، ودفن عِشاء، ولم يُعَقِّب.
والثَّوريّ في نسبه نسبة إلى ثَوْر بن عَبد مناة على الصحيح، وقيل: نسبة إلى ثَوْر هَمْدان ومر الكلام على ثَوْر في الثالث من كتاب الإِيمان.
وليس في الستة سفيان بن سعيد سواه وأما سفيان فكثير نحو ثلاثة وعشرين.
الثالث: سليمان بن مَهْران، وقد مَرّ في الخامس والعشرين من كتاب الإِيمان.
стр. 739
الرابع: عبد الله بن مُرّة، بضم الميم، الهَمْدانيّ الخارِفيّ الكوفيّ.
قال ابن معين وأبو زرعة والنّسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحةٌ وقال العجليّ: تابعي ثقة.
روى عن: ابن عُمَر والبَرَاء وأبي الأحْوص ومَسروق وغيرهم. وروى عنه الأعْمش ومنصور.
مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. وقال عمرو بن عليّ: مات سنة مئة. وفي الستة عبد الله بن مُرّة الزُّرقيّ الأنصاري، روى عن أبي سعيد الأنصاري. وفيهم عبد الله بن أبي مُرّة، شهد فتح مصر.
والخارِفيّ في نسبه نسبة إلى خارِف، وهو مالك بن عبد الله بن كثير ابن مالك بن جُشَم خَيْواز بن نوْف بن هَمْدان. وفي تاج العروس: خارف ويام قبيلتان، وقد نسب إليهما المِخْلاف باليمن. وقد مرّ الكلام على الهَمداني في الخامس من بدء الوحي.
الخامس: مَسْروق بن الأجْدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مُرّ ابن سَلامان بن مَعْمر بن الحارث بن سَعد بن عبد الله بن وَداعة الهَمْدانيّ، الوَدَاعيّ الكوفيّ العابد، أبو عائشة الفقيه.
قال أبو داود: كان عمرو بن مَعدِ يكَرِب خالَه، وكان أبوه أفرس فارس باليمن. وقال الأعْمش عن مسروق: قال لي عُمر: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجْدع، قال: الأجدع شيطان. أنت مسروق بن عبد الرحمن. وقال مالك بن مغول: سمعتُ أبا السّفر غير مرة يقول: ما ولدت هَمْدانية مثل مسروق.
وقال الشّعبيّ: ما رأيت أطلب للعلم منه. وذكره منصور عن إبراهيم في أصحاب ابن مسعود الذين كانوا يعلمون الناس السنة. وقال الشعبيّ أيضًا: كان مسروق أعلم بالفتوى من شُرَيح، وكان شُريح أعلم بالقضاء.
стр. 740
وقال أبو إسحاق: حجّ مسروق فلم ينم إلا ساجدًا على وجهه. وقال أنس ابن سيرين عن امرأة مسروق: كان يصلي حتى تورّم قدماه.
وقال ابن عُيينة: لا أُفضل عليه أحدًا بعد علقمة. وقال ابن المدينِي: ما أُقدّم على مسروق من أصحاب عبد الله أحدًا. صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر وعليًا، ولم يروِ عن عثمان شيئًا. وقال إسحاق بن منصور: لا يُسأل عن مثله. وقال عثمان الدّارميّ: قلت لابن مَعين: مسروق عن عائشة أحب إليك أو عُروة؟ فلم يُخيِّر. وقال العجليّ: كوفيٌّ تابعيّ ثقة.
وكان أحد أصحاب عبد الله الذين يقرأون ويفتون وقال ابن سعد: كان ثقة. وله أحاديث صالحة وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة ولّاه زياد على السِّلْسلة، ومات بها.
وقال أبو الضُّحى: سُئل مسروق عن بيت شعر فقال: إني أكره أن أرى في صحيفتي شعرًا. وقال الكلبيّ: شُلّت يد مسروق يوم القادسية، وأصابته أمَة. وقال أبو الضُّحى عن مسروق: كان يقول ما أُحب أنها -يعني الأمَة- ليست لي، لعلها لو لم تكن لي كنت في بعض هذه الفتن. قال وكيع: لم يتخلف مسروق عن حروب عَلي.
روى عن: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ومُعاذ بن جَبَل، وابن مسعود، وخَبّاب بن الأرَتّ، وابن عُمر، وابن عَمرو، وعائشة، وأم سلمة، وجماعة.
وروى عنه: ابن أخيه محمَّد بن المُنْتشر بن الأجْدع، وأبو وائل وأبو الضحى، وأبو إسحاق السّبيعيّ، والشّعبي، وإبراهيم النّخعيّ، وعبد الله بن مرة الخارِفيّ ومَكحُول، وامرأته قُمير بنت عَمرو، وغيرهم.
مات سنة اثنتين أو ثلاث وستين، وله ثلاث وستون سنة. وهو من المُخضرمين. وقد مر الكلام عليهم في الخامس والعشرين من كتاب الإِيمان هذا، وفي الستة مسروق سواه اثنان: ابن أوس التَّميمي الحنْظَليّ
стр. 741
اليَرْبُوعيّ، غَزَا في خلافة عمر، وروى عن أبي موسى الأشْعري. والثاني ابن المَرْزُبان الكِنديّ، أبو سعيد بن أبي النعمان، الكوفي.
والوَدَاعيّ في نسبه نسبة إلى جدّه ودَاعَة، أبو قبيلة من هَمْدان، وهو وداعة بن عمرو بن عامر بن ناسِج بن رافع بن مالك بن ذي بارق بن مالك بن جُشَم بن حاشِد بن جُشَم بن حَزّان بن نَوْف بن هَمدان. وقيل: اسمه وادِعة، بتقديم الألف كما في جمهرة النسب لابن الكلبي، قال في تاج العروس: وهو المشهور عند أهل النسب والمعروف عندنا.
السادس: عبد الله بن عَمرو بن العاص، وقد مر في الثالث من كتاب الإِيمان هذا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وفيه رواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. ورواته كلهم كوفيون إلا الصحابيّ، وقد دخلها أيضًا. أخرجه البخاريّ هنا وفي الجِزْية عن قُتيبة ومُسلم في الإِيمان عن أبي بكر وغيره، وأخرجه بقية الجماعة. ثم قال البخاري تابعه شعبة عن الأعمش.
وقد أوصل البخاريّ هذه المتابعة في كتاب المظالم، وقد مر الكلام على المتابعة في الرابع من بَدء الوحي، ومرّ شعبة في الثالث من كتاب الإِيمان، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين منه ثم قال المصنف:
بابٌ قيام ليلة القدر من الإِيمان
باب بالتنوين لما بين علامات النفاق وقبحها رجع إلى ذكر علامات الإِيمان وحسنها، لأن الكلام على متعلقات الإِيمان هو المقصود بالأصالة، وإنما يذكر متعلقات غيره استطرادًا، ثم رجع فذكر أنَّ قيام ليلة القدر، وصيام رمضان، وقيام رمضان من الإِيمان.
стр. 742
الحديث الثامن والعشرون
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قوله: يقم ليلة القدر، اختُلف في المراد بالقَدر الذي أُضيفت إليه الليلة. فقيل: المراد به التعظيم. كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] والمعنى أنها ذات قَدر لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر. وقيل: القدر هنا التّضْييق، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧] ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العِلم بتعيينها، أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة، وقيل: القدر هنا بمعنى القَدَر بفتح الدال، الذي هو مؤاخي القضاء. والمعنى أنه يُقدّر فيها أحكام تلك السنة، لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وبه صَدَّر النوويُّ كلامه. ورواه عبد الرزاق وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة، عن مُجاهد وعِكرمَة وقَتادة وغيرهم. وقال التّوْربُشْتيّ: إنما جاء القدْر بسكون الدال. وإن كان الشائع في القدَر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال، ليُعلم أنه لم يرد به ذلك، وإنما أُريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة، لتحصيل ما يُلقى إليهم فيها مُقدّرًا بمقدار.
وقوله: "إيمانا" أي: تصديقًا بأنه حق وطاعة، وقوله: "احتسابا" أي لوجهه تعالى. طلبا لثوابه لا للرياء ونحوه.
стр. 743
وقال الخطّابي: احتسابا: أي عزيمة، وهو أن يفعله على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسُه بذلك، غير مستثقل له. ونُصبا على المفعول له. وجَوّز أن يكونا على الحال مصدرًا بمعنى الوصف، أي مؤمنًا محتسِبًا، وقوله: "غُفر له" ما تقدم من ذنبه يعني غير الحقوق الآدمية، لأن الإجماع قائم على أنها لا تسقط إلا برضاهم.
ولفظة من إما متعلقة بغفر أي غفر من ذنبه ما تقدم، فهو منصوب المحل، أو هي مبينة لما تقدم، وهو مفعول لما لم يُسَمّ فاعله فيكون مرفوع المَحلّ، ولفظة ذنبه اسم جنس مضاف، فيتناول جميع الذنوب الصغائر والكبائر وبه جزم ابن المُنذر.
وقال النّوويّ: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جَزم إمام الحرمين، وعزاه عِياض لأهل السُّنة. قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة. ومن ليس له صغائر ولا كبائر يُزاد في حَسناته بنظير ذلك.
وهذا الحديث نَظيره ما في البُخاريّ عن عثمان بن عفان في صفة الوُضوء إلى أن قال: من توضأ نَحْو وُضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين لا يُحدّث فيهما نفسه، غُفر له ما تقدم من ذنبه، ونظيره أيضًا ما في البخاريّ في مواقيت الصلاة عن أبي هريرة، ففيه "فذلك مِثْل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا" فحمل العلماء في المشهور عنهم هذه الأحاديث على الصغائر دون الكبائر لوجود التَّقييد بالصّغائر فيما أخرجه مسلم من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هُريرة مرفوعًا: "الصلوات الخمس كفّارةٌ لما بينها ما اجْتُنِبت الكبائر". فحملوا على هذا المُقيّد ما أُطلق في غيره.
وقد قال ابن بُزَيْزَة: يتوجه على حديث العلاء إشكال يصعب التخلص منه، وذلك أن الصغائر مكفَّرَةٌ باجتناب الكبائر بنص القرآن الكريم، فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟ وأجاب البَلقَيْنيّ بأنَّ السؤال غير وارد، لأن مراد الآية إن تجتنبوا في جميع العمر، ومعناه المُوافاة على هذه الحالة
стр. 744
من وقت الإِيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها، أي في يومها إذا اجْتُنبت الكبائر في ذلك اليوم، فلا تَعارُض بين الآية والحديث. قلت: في هذا الجواب نظر. لأنه إن أراد أن الآية لا تصدُق إلا على من اجتنب في جميع عمره، ومن عداه لا ينتفع بذلك الاجتناب سواء الآتي بالخمس وغيره، فهذا تضْييق بعيد يحتاج إلى نصّ، والحديث الصحيح يكذبه. وإن كان مراده أنها متناولة لجميع العمر، فاليوم داخل فيه تكفر فيه الصغائر باجتناب الكبائر.
ثم قال: وعلى تقدير ورود السؤال، فالتخلص منه بأنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يعد مُجتنبًا للكبائر، لأن تركها من الكبائر، فوقف التكفير على فعلها. وقد فصل البَلْقَينيّ أحوال الإِنسان -يعني المؤدي للخمس- بالنسبة إلى ما يصدر منه من صغيرة وكبيرة، فقال: تنحصر في خمسة:
أحدها أن لا يصدر منه شيء البتة، فهذا يُعاوض برفع الدرجات.
ثانيها: يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تكفر عنه جَزْما.
ثالثها: مثله لكن مع الإِصرار فلا تُكفّر إذا قلنا إن الإِصرار على الصغائر كبيرة.
رابعها: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر.
خامسها: أن يأتي بكبائر وصغائر وهذا فيه نظر يحتمل إذا لم يَجْتنب الكبائر أن لا تكفّر الكبائر بل تُكفّر الصغائر ويحتمل أن لا تكفر شيئًا أصلًا.
والثاني أرجح، لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يُعمل به، فهنا لا تكفِّر شيئًا إما لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لِتمحُّض الكبائر، أو تكفر الصغائر فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة لدورانه بين الفصلين، فلا يُعمل به، ويؤيّده أن مقتضى ما اجْتُنبت الكبائر أنْ لا كبائر فيُصانُ الحديث عنه.
وفي حديث الباب زيادة وما تأخّر بعد قوله: "ما تقدم من ذنبه"
стр. 745
أخرج تلك الزيادة أحمد والنّسائي وأبو بكر بن المُقرىء في فوائده، وأبو عبد الله الجُرْجانيّ في أماليه عن ابن وهب عن مالك، فما رُوي عن ابن عبد البرّ من استنكارها غير مُعوّل عليه. وقد استشْكلت هذه الزيادة من حيث أن المغفرة تستدعي سَبْق شيء يغفر، والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يغفر؟ والجواب أنه قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورة، وبهذا أجاب جماعةٌ منهم الماوَرْديّ في الكلام على حديث صيام عَرَفة، وأنه يُكفّر سنتين سنةً ماضية وسنة آتية. وقد أخرج البخاري هذا الحديث عن أبي هريرة وحَديثَيْ قيام رمضان وصيامه من الإِيمان الآتيين قريبًا.
وعبر في حديث ليلة القدر بالمضارع في الشرط وبالماضي في جوابه بخلاف الآخرين فبالماضي فيهما قال الكَرَمانيّ: النكتة في ذلك هي أن قيام رمضان محقق الوقوع، وكذا صيامه، بخلاف قيام ليلة القدر، فإنه غير مُتيَقَّن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل. وقال غيره: استعمل لفظ الماضي في الجزاء إشارة إلى تحقق وقوعه، فهو نظير قوله ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١].
وفي استعمال الشرط مضارعًا والجزاء ماضيًا نزاعٌ بين النحاة، فمنعه الأكثر، وأجازه آخرون بقلّة، واستَدَلّوا بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ [الشعراء: ٤] لأن قوله فظلت بلفظ الماضي، وهو تابع للجواب وتابع الجواب جواب، واستدلوا أيضًا بهذا الحديث، وفي الاستدلال به نظرٌ كما قال في الفَتح، لأن الظن عنده أنه من تصرُّف الرواة، لأن الروايات فيه مشهورة عن أبي هريرة بلفظ المضارع في الشرط والجزاء. ورواه النَّسائي عن أبي اليَمان شيخ البُخاريّ فيه، فلم يُغاير بينهما فيه، بل قال: "من يقم ليلة القدر يغفر له". ورواه أبو نعيم في المُسْتخرج عن أبي اليمان، ولفظه زائد على الروايتين، فقال: "لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًا إلا غُفر له ما تقدم من ذنبه".
стр. 746
وقوله فيوافقها زيادة بيان، وإلا فالجزاء مُترَتِّب على قيام ليلة القدر. ولا يصدق قيامها إلا على من وافقها.
والحَصْر المُستفاد من النَّفْي والإثبات مستفاد من الشرط والجزاء.
فوضح أن ذلك من تَصرُّف الرواة بالمعنى، لأن مُخرِّج الحديث واحد.
وقوله يَقُم بفتح الياء وضم القاف، من قام يقوم وقع هنا متعديا. ويدل له حديث الشيخين مرفوعًا "مَن قامه إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه" وليلة نصب مفعول به لا فيه، وفي الحديث دلالة على جعل الأعمال إيمانًا لأنه جعل القيام إيمانًا.
رجاله خمسة:
الأول: أبو اليمان والثاني شُعيب بن أبي حمزة، وقد مرّا في السابع من بدء الوحي ومرّ أبو الزّناد والأعرج في السابع من كتاب الإِيمان ومرّ أبو هريرة في الثاني منه.
لطائف إسناده: منها أن فيه التَّحديث والعنعنة، ورجاله ما بين حُمصيّ ومَدنيّ، أخرجه البخاريّ هنا، وفي الصيام مطولًا. وأخرجه مسلم بغير هذا اللفظ، وأبو داود والتِّرمذيّ والنّسائي والموطأ بلفظ آخر.
ثم قال المصنف:
باب الجهاد من الإِيمان
أي شُعبة من شُعبه. وباب بالتنوين. أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه. فأما مناسبة إيراده معها في الجملة فواضح لاشتراكها في كونها من خصال الإِيمان، وأما إيراده بين هذين البابين مع أن تعلُّق أحدهما بالآخر ظاهر، فلِنُكتةٍ، وهي أن التماس ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة، ومجاهدة تامة، ومع ذلك، فقد يوافقها أو لا، وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة، ويقصد إعلاء كلمة الله تعالى، وقد
стр. 747
يحصل ذلك أو لا يحصل، فتناسبا في أن كلّا منهما مجاهدة، وفي أن كلّا منهما قد يحصل المقصود الأصلي أو لا.
فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور فإنْ وافقها كان أعظم أجرًا، والمجاهد لالتماس الشهادة مأجور، فإن وافقها كان أعظم، فلهذا ناسب أن يُعقّب المؤلف الباب السابق بباب فضل الجهاد استطرادًا.
والجهاد، بكسر الجيم، لغة: المَشقَّة. يقال: جَهِدت جهادًا: بلغْتُ المشقة. وشرعًا: بذل الجَهْد في قتال الكفار، ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفُسّاق. فأمّا مُجاهدة النفس فعلى تعلُّم أُمور الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من الشُّبهات، وما يُزَيِّنه من الشّهوات. وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفاسق فباليد ثم اللسان ثم القلب.
стр. 748
الحديث التاسع والعشرون
٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ».
قوله انتدب الله، بالنون، أي: سارع في ثوابه وحسن جزائه. وقيل: بمعنى أجاب إلى المراد. وفي القاموس: نَدَبه إلى الأمر: دعاه وحَثَّه.
وفي رواية ابن عساكر: ائتدب، بياء تحتانية مهموزة بدل النون، من المأدُبة، وهو تصحيف. وقد وجهوه بتكلُّّف، لكن إطباق الرواة على خلافه مع اتحاد المُخرِّج كاف في تخطئته.
ويأتي للمؤلف في الجهاد رواية "تكفّل الله" ورواية "توكَّل الله" وفي رواية لمسلم "تضمن الله" قال في الفتح: وقوله "تضمَّن الله" و"تكفل الله" و"انتدب الله" بمعنى واحد. ومُحصِّله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وذلك التحقيق على وجه الفضل منه تعالى.
وقد عبّر ﷺ عن الله بتفضيله بالثواب بلفظ الضّمان ونحوه، مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به نفوسهم. وقوله لا يخرجه إلا إيمان بي بالرفع فاعل يخرج. والاستثناء مُفرغ. وفي قوله بي عدول من ضمير الغيبية إلى ضمير المتكلم، فهو الْتفَاتٌ. وقال ابن
стр. 749
مالك: الأصل إيمان به، ولكنه على تقدير اسم فاعل من القول منصوبٍ على الحال، أي: انتدب الله قائلا: لا يخرجه إلا إيمان بي، ولا يخرجه مقول القول، لأن صاحب الحال على هذا التقدير هو الله تعالى، والاكتفاء بالمقول سائغ شائع، سواء كان حالًا أو غير حال.
فمن شواهد الحال قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٧] أي: قائلين ربنا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] أي: قائلين ربنا. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] أي: قائلين. فاعتراض ابن المُرحّل على ابن مالك بأن حذف الحال لا يجوز، ساقطٌ.
وقد جاء من غير التفات في رواية عند المُصَنِّف في الجهاد والخمس.
بلفظ "لا يُخْرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته". وأخرجه الدّارميّ بلفظ "لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته".
وأخرجه أحمد والنّسائي عن ابن عمر مُصرِّحًا بأنه من الأحاديث الإِلهية،
ولفظه عن رسول الله ﷺ ، فيما يَحْكي عن ربه "أيُّما عَبدٍ من عِبادي خَرَج
مُجاهدًا في سبيلي ابتغاء مَرْضاتي" الحديث. وفي رواية لمسلم والإِسماعيليّ "إلا إيمانًا" بالنصب. قال النّووي: هو مفعول له وتقديره لا يخرجه المُخرج إلا الإِيمان والتصديق.
قوله: "وتصديقٌ برسلي" مرفوعٌ عطف على إيمان. وذكر الكَرَمانيّ "أو تصديق" بلفظ أو، واستشكله لأنه لا بد من الأمرين: الإِيمان بالله، والتصديق برسله. وأجاب بما معناه أن أو بمعنى الواو، وأن الإِيمان بالله مُستلزم لتصديق رُسُله وتصديق رسله مستلزم للإِيمان بالله. وتعقَّبه ابن حَجَر بأنه لم يثبت في شيء من الروايات بلفظ "أو" فلا يحتاج إلى جواب.
وقال القَسْطلانيّ: إنها في أصل فرع اليُونَينيّة، وإنها في نسخة كريمة.
وقوله: أن أرجعه، بفتح الهمزة، من رجع، وأن مصدرية والأصل:
стр. 750
بأن أرجعه، أي برجعِهِ إلى بلده وفي نسخة: أُرْجعه بضم الهمزة. وقوله: "بما نال من أجر" عبّر بالماضي في نال موضع المضارع لتحقُّق وعده تعالى، أي: بالذي أصابه من النَّيْل، وهو العطاء من أجر خالص، إن لم يغنم شيئًا أو من غنيمة خالصة معها أجر، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة.
والحامل على هذا التأويل هو أن ظاهر الحديث أنه إذا غنم لا يحصل له أجر، وليس ذلك مرادا، بل المراد أو غنيمة معها أجر أنْقَصُ من أجرِ من لم يغنم، لأن القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجرا عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحًا في نفي الجمع.
قال الكرمانيّ: معنى الحديث أن المجاهد إما أن يستشهد أو لا.
والثاني: لا ينفكُّ من أجر أو غنيمة مع امكان اجتماعهما، فهي قضية مانعة الخُلوّ لا الجمع، فعلى هذا الذي يغنم يرجع بأجر لكنه أنقص من أجر من لم يغنم، فتكون الغنيمة في مقابلة جزاء من أجر الغزو، فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا وتمتعه به، بأجر من لم يغنم مع اشتراكهما في التعب والمشقة كان أجر من غنم دون أجر من لم يغنم. وهذا موافق لقول خَبّاب في الحديث الصحيح الآتي عند المؤلف "فمنّا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا".
ويؤيد هذا التأويل ما أخرجه مُسلم عن عبد الله بن عَمرو بن العاص، مرفوعًا: "ما مِن غازية تغزو في سبيل الله فيُصيبون الغنيمة إلا تعجَّلُوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تمّ لهم أجرهم". وذكر بعض العلماء للتعبير بثلثي الأجر في هذا الحديث لطيفة بالغة، ؤلك أن الله أعد للمجاهدين ثلاث كرامات دُنْيويَّتان وأُخْرويَّة.
فالدنيويتان: السلامة والغنيمة. والأُخروية: دخول الجنة. فإذا رجع سالمًا
стр. 751
غانمًا فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغير غنيمة، عوَّضه الله عن ذلك ثوابا في مقابلة ما فاته، وكأن معنى الحديث أن يُقال للمجاهد إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوضتك عنه ثوابا. وأما الثّواب المختصّ بالجهاد، فهو حاصل للفريقين معًا، قال: وغاية ما فيه عد ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجرًا بطريق المجاز، وقد استشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة، لأنه مخالف لما يدل عليه أكثر الأحاديث.
وقد اشتهر تمدُّح النبي ﷺ بحِل الغنيمة وجعلها من فضائل أمته، فلو كانت تنقص الأجر ما وقع التمدح بها، وأيضًا فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق، وسبق إلى هذا الإِشكال ابنُ عبد البرّ، وحكاه عِياضٌ، وذكر أن بعضهم أجاب عنه: بأنه ضَعَّف حديث عبد الله بن عمرو لأنه من رواية حُميد بن هانىء، وليس بمشهور، وهذا مردود، لأنه ثقة يحتج به عند مسلم، وقد وثَّقه النّسائي وابن يونس، ولا يعرف فيه تجريح لأحد.
وقال ابن دَقيق العِيد: لا تعارُضَ بين الحديثين، بل الحكم فيهما جارٍ على القياس، لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقة، فيما كان أجره بحسب مشقته، إذ للمشقة دخولٌ في الأجر، وإنما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم، فلو كانت تنقص الأجر لما كان السلف الصالح يثابرون عليها، فيمكن أن يجاب بأن أخذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض، لأن أخذ الغنائم أول ما شُرع كان عونا على الدين وقوة لضُعفاء المسلمين، وهي مصلحة عظمى يُغتفر لها بعض النقص في الأجر، من حيث هو.
وأما الجواب عمّن استشكل ذلك بأهل بدر، فالذي ينبغي أن يكون، التقابُل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو باعتبار نفسه إذا لم يغز لم يغنم، أو يغزو فيغنم، فغايته أن حال أهل بدر مثلًا عند عدم الغنيمة
стр. 752
أفضل منه عند وجودها، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى. ولم يرد فيهم نص أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة. ولا يلزم من كونهم مغفورًا لهم، وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى. وأما الاعتراض بحل الغنائم فغير وارد، إذ لا يلزم من الحِل ثبوت وفاء الأجر لكل غازٍ. والمُباح في الأصل لا يستلزم الثّواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب، ومع ذلك، فمع صحة ثبوب الفضل في أخذ الغنيمة وصحة التمدح بأخذها، لا يلزم من ذلك أن كل غاز يحصُل له من أجر غَزَاته نظير من لم يغنم شيئًا البتة.
قال في الفتح: والذي مثّل بأهل بدر أراد التهويل، وإلا فالأمر على ما تقرر آخرًا، بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجرًا مما لو لم تحصل لهم الغنيمة، أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بَعْدهم، كمن شَهِد أُحُدًا لكونهم لم يغنموا شيئًا، بل أجر البَدْري في الأصل أضعاف أجر من بعده، مثال ذلك أن يقول: لو فُرض أن أجر البَدْريّ بغير غنيمة ست مئة، وأجر الأحديّ مثلا بغير غنيمة مئة، فإذا نسبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عَمرو، كان للبدري، لكونه أخذ الغنيمة مئتان وهي ثلث الست مئة، فيكون أكثر أجرًا من الأحدي. وإنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبي ﷺ في قتال الكفار، وكان مَبدأ اشتهار الإِسلام، وقوة أهله، فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعًا، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل. هذا ما يتعلق بهذا الجواب.
وقد قيل في الجواب عن الإِشكال الوارد في حديث الباب أن "أو" بمعنى الواو وبه جزم ابن عبد البر والقُرطبي، ورجّحها التوربشتيّ، والتقدير: بأجر وغنيمة. وقد وقع كذلك في رواية لمسلم. ووقع عند النّسائي وأبي داود بالواو أيضًا. قال في الفتح: فإن كانت هذه الروايات محفوظة، تعين القول بأن "أو" في هذا الحديث بمعنى الواو، كما هو
стр. 753
مذهب نحاة الكوفيين. لكن فيه إشكالٌ صعب، لأنه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكل من رجع، وقد لا يتفق ذلك، فإن كثيرًا من الغزاة يرجع بغير غنيمة، فما فَرَّ منه الذي ادعى أن "أو" بمعنى الواو وقع في نظيره، لأنه كما يلزم على ظاهرها من أن من رجع بغنيمة رجع بغير أجر يلزم على أنها بمعنى الواو أن كل غاز يجمع له بين الغنيمة والأجر معًا اهـ. وهنا أجوبة أخرى أعرضتُ عنها لظهور فسادها.
وقوله: أو أدخله الجنة، أي: عند دخول المقربين بلا حساب ولا مؤاخذة بذنوب إذْ تُكفِّرها الشهادة، أو عند موته لقوله: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وكما ورد في الحديث أن أرواح الشهداء تَسْرح في الجنة، وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال: ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد والراجع سالمًا، لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنة. ومحصل الجواب أن المراد بدخول الجنة دخول خاص.
وقوله: ولولا أن أشُقّ على أمتي ما قعدت خلف سرية، أي بعدها.
وهي منصوبة على الظرفية. والمعنى: بل كنت أخرج مع كل سرية بنفسي لعِظم أجرها. ولولا امتناعية وأن مصدرية في موضع رفع بالابتداء. وما قعدت، جواب لولا. وأصلها لما، فحُذفت اللام. والمعنى امتنع عدم القعود، وهو السفر، لوجود المشقة. وفُسّر المراد بالمشقة برواية أبي هريرة المذكورة في الجهاد وهي لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب نفوسُهم بأن يتخلفوا عني، يعني ولا يقدرون على التأهُّب لعجزهم عن آلة السفر من مركوب أو غيره، ولا أجد ما أحملهم عليه، وذلك يشق عليّ وعليهم.
وقوله "ولَوَددتُ أني أُقتل في سبيل الله الخ"، اللام: لام القسم وليست بجواب لولا بدليل رواية الجهاد "والذي نفسي بيده لوددت" فهي جملة مستأنفة. وفهم بعض الشُّرّاح أن قوله: "لوددت" معطوف على قوله:
стр. 754
"ما قعدت" فقال: يجوز حذف اللام وإثباتها من جواب لولا، وجعل الودادة ممتنعة خشية وجود المشقة لو وُجِدت. وتقدير الكلام عنده "لولا أن أشق على أمتي لوددت أني أُقتل" ثم شرع يتكلَّف استشكال ذلك.
والجواب عنه: ورواية الجهاد المتقدمة بَيَّنتُ أنها جملة استئنافيّة، ووددت من الوَدادة، وهي إرادة وُقوع الشيء على وجه مخصوص يراد.
وقال الراغب: الودّ محبة الشيء وتمني حصوله. فمن الأول: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ومن الثاني ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] والنكتة في إيراد هذه الجملة عقب تلك إرادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم، وكأنّه قال: الوجه الذي يسيرون له، فيه من الفضل ما أتمنى لأجله أني أقتل مرّات، فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل يحصل لكم مثله، وفوقه من فضل الجهاد. فراعى خَواطِر الجميع.
وقد خرج النبيُّ ﷺ في بعض المغازي، وتخلّف عنه المُشار إليهم، وكان ذلك حيثُ رجّحت مصلحة خروجه على مراعاة حالهم. وقوله: "أني أُقتل في سبيل الله" استشكل بعض الشُّراح صدور هذا التمني منه ﵊، مع علمه بأنه لا يقتل.
والذي يظهر في جوابه أنَّ تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال ﷺ : "ودِدت لو أنّ موسى صَبَر" فكأنّه ﵊ أراد المبالغة في فضل الجهاد، وتحريض المسلمين عليه.
ولفْظُ الحديث "أُقْتل وأُحيا" بضم الهمزة فيهما، وهي خمسة ألفاظ.
ورواية الأصيليّ "أن أُقتل" بدل أني. ولأبي ذرٍّ "فأُقتل ثم أُحيا فأُقتل" وختم بقوله "أُقتل". والقرار إنما هو على حالة الحياة، لأن المراد الشهادة.
فختم الحال عليها أو الإِحياء للجزاء معلوم، فلا حاجة إلى ودادته، لأنه ضروريّ الوقوع، وثمَّ للتّراخي في الرُّتبة، أحسن من حملها على تراخي
стр. 755
الزمان، لأن المتمنى حصول مرتبة بعد مرتبة إلى الانتهاء إلى الفردوْس الأعلى، فإن قيل: تمنيه ﵊ أن يُقتل يقتضي تمني وقوع زيادة الكفر لغيره، وهو ممنوع للقواعد. أجيب بأنّ مراده ﵊ حصول ثواب الشهادة، لا تمني المعصية للقاتل.
وفي الحديث الحضُّ على حُسن النية، وبيان شدة شفقته صلى الله تعالى عليه وسلم، ورأفته بهم واستحباب طلب القتل في سبيل الله، وجواز قول وَددتُ حصول كذا من الخير، وإن عَلِم أنه لا يحصل، وفيه تَرْك بعض المصالح لمصلحة راجحة أو أرجح، أو دفع مفسدة. وفيه جواز تمني ما يَمْتنع في العادة، والسعي في إزالة المكروه عن المسلمين.
وفيه أن الأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لأعيانها، وإنما تحصل بالنية الخالصة إجمالًا وتفصيلًا.
رجاله خمسة:
الأول: حَرَمي بن حَفْص بن عُمر العَتكيّ القَسْمليّ أبو علي البصريّ، قال أبو حاتم أدركته بمصر وهو مريض، ولم أكتب عنه. وذكره ابن حِبان في الثقات، وابن قانع. روى عن أبَان العَطّار وحمّاد بن سَلَمة وعبد الواحد بن زياد ووُهَيْب بن خالد وعُبيد بن مَهْران وعبد العزيز بن مُسلم وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، وروى له أبو داود والنّسائي بواسطة وعمرو بن عليّ الفَلّاس والذُّهليّ والدَّوْريّ وإسماعيل القاضي وسمويه وغيرهم. مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين، وقيل سنة ست وعشرين. والعَتَكيّ في نسبه مر الكلام عليه في السادس من بدء الوحي، والقَسْمليّ فيه نسبة إلى قَسْملة، لقب مُعاوية بن عَمرو بن مالك بن فَهْم بن غَنم بن دَوْس الأزْديّ أخي جُذَيْمة الأبْرش، وهَناءَة ونَواء وفَراهيم بني مالك بن فهم بن دَوْس.
لقب قسملة لجماله. وقال ابن الأثير: القَسامِلَة بطن من الأزد نزلوا البصرة، فنُسبت إليهم المحلة. منهم أبو علي بن حِرْميّ بن حَفْص
стр. 756
العَتَكيّ ومن المحلة أبو شَيْبَان عيسى بن سِنان وقيل: إن اللام في قَسْملة زائدة فهي من قَسَمات الوجه، أي أعاليه. وحَرمي في الستة هذا، والثاني حَرَميّ بن عِمارة وقد مر.
الثاني: عبد الواحد بن زِياد العَبْديّ، مولاهم، أبو بِشْر. وقيل: أبو عُبيدة البصريّ أحد الأعلام. قال ابن عبد البَرّ: أجمعوا لا خلاف بينهم أن عبد الواحد بن زياد ثقة ثَبتٌ. وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثّقات. وقال العِجليّ: بصري ثقة حَسَنُ الحديث. وقال ابن سعد: كان يُعْرف بالثقفي. وهو مولى لعَبْد القَيْس. وكان ثقة كثير الحديث وقال أبو زرعة وأبو حاتم ثقة. وقال النّسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: ثقة عمد إلى أحاديث كان يُرْسلها الأعمش، فَوَصلها.
وقال محمَّد بن عَبد الملك: قلت ليحيى بن مَعين: من أثبتُ أصحاب الأعمش، قال: بعد شُعبة وسُفيان أبو معاوية، وبعده عبد الواحد. وقال عُثمان الدّارميّ: قلت ليحيى: عبد الواحد أحبُّ إليك أو أبو عُوانة؟ قال: أبو عوانة، وعبد الواحد ثقة. وقال ابن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيتُ عبد الواحد بن زياد يَطلب حديثا قَطّ بالبصرة، ولا بالكوفة، وكنا نَجّلِس على بابه يوم الجُمُعة بعد الصلاة، إذا كره حديث الأعمش فلا يعرف منه حرفًا. قال ابن حجر: وهذا غير قادح، لأنه كان صاحب كتاب، وقد احتجَّ به الجماعة. وقال ابن القَطّان الفاسيّ: ثقة لم يُعْتلّ عليه بقادح.
روى عن أبي إسحاق الشَّيبانيّ وعاصم الأحْول والأعمش وأبي مالك الأشْجعيّ وعُمارة بن القَعْقاع وعمرو بن مَيْمون بن مَهْران وصالح بن صالح ابن حَيّ وغيرهم.
وروى عنه ابن مَهْديّ وعفّان وعارِم ومُعلّى بن أسَد وقَيْس بن حَفص وحَرَمي بن حَفص ويحيى بن يحيى النَّيْسابوريّ وقُتيْبة بن سَعيد والحَسنُ ابن الرّبيع وغيرهم.
стр. 757
مات سنة ست وسبعين ومئة، وقيل: سنة سبع وسبعين ومئة، وليس في الستة عبد الواحد بن زياد سواه، وأما عبد الواحد فنحو عشرة والعَبْديّ في نسبه مر الكلام عليه في الثامن من كتاب الإِيمان.
الثالث: عُمارة بن القَعْقاع بن شُبْرُمة، بضم الشين المعجمة والراء، بينهما موحدة ساكنة، الضَّبّيّ الكُوفيّ ابن أخي عبد الله بن شُبْرُمة. وكان أكبر من عمه. قال البخاري عن علي: له نحو ثلاثين حديثًا. وقال ابن مَعين والنّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات وَوَثَّقهُ ابن سعد، ويعقوب بن سفيان.
وقال ابن عيينة: عُمارة بن القعقاع ابن أخي عبد الله بن شُبْرُمة، وعبد الله بن عيسى ابن أخي محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، كانوا يقولون: هما أفضل من عَمَّيْهما.
وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن أبيه: عُمارة بن القعقاع، عن ابن مسعود، ليس بمتصل، بينهما رجل.
روى عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، وعبد الرحمن بن أبي نُعْمٍ البَجليّ، والحارث العُكليّ، والأخْنس بن خليفة الضَّبّي.
وروى عنه: الحارث العُكليّ شيخه، وابنه القعقاع، والأعمش، وفضيل بن غَزْوان، وابنه محمَّد بن فُضيل، والسفيانان، وعبد الواحد بن زياد، وشَريك، وغيرهم.
وليس في الستة عُمارة بن القعقاع سواه.
وأما عُمارة فكثير نحو ثلاثة وعشرين، والضَّبِّي -بفتح الضاد والباء الموحدة المشددة- في نسبه نسبة إلى ضَبَّة بن أُد، عمّ تميم بن مر بن أُد بن طابخة بن إلياس بن مُضَر، وأبناء ضَبّة ثلاثة: سعد، وسُعَيْد -مصغر-، وباسل الأخير أبو الدَّيْلم، والذي قبله لا عَقِب له، فانحصر
стр. 758
جماع ضَبّة في سعد بن ضبة، وهم جَمْرة من جَمَرات العرب، ومنهم الرباب.
وفي قريش: ضَبَّة بن الحارث بن فهر، وفي هذيل: ضَبّة بن عمرو ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل.
الرابع: أبو زُرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَلي، اختُلف في اسمه، وأشهرها: هرم، وقيل: جرير، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عبد الله، وقيل: عمرو، وقيل: اسمه كنيته، كان من علماء التابعين.
قال عثمان الدّارمي، عن ابن معين: ثقة، وقال ابن خِراش، صدوق ثقة، وقال عُمارة بن القعقاع: قال لي إبراهيم: إذا حدثتني فحدثني عن أبي زُرعة، فإني سألته عن حديث، ثم سألته عنه بعد ذلك بسنة أو سنتين فما أخرم منه حرفًا.
قال ابن عساكر: فَرَّق ابنُ المَديني بين أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، وبين هرم أبي زُرعة صاحب أبي قيس.
وذكر ابن حبان في "الثقات" أبا زُرعة بن عمرو بن جرير فيمن اسمه هرم: رأى عليًّا، وروى عن جده، وأبي هريرة، ومعاوية، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثابت بن قيس النَّخعيّ، وأرسل عن عمر بن الخطاب وأبي ذر. وروى عنه عمه إبراهيم بن جرير وحفيداه جرير ويحيى ابنا أيوب ابن أبي زُرعة وابن عمه جرير بن يزيد وإبراهيم النّخعي وطلق بن معاوية وعبد الله بن شُبرمة الضبي وأبو حيّان التّيمي وأبو فروة الهَمْداني وغيرهم.
وليس في الستة أبو زرعة بن عمرو سواه، وأما أبو زرعة سواه فخمسة، أبو زرعة الضحاك، والدمشقي، والرازي، والشيباني، والخولاني. والبجليّ في نسبه نسبة إلى بَجِيلة كسَفينة، واختُلف في بجيلة، فقيل: حي من اليمن وهو المشهور وهم ولد عمرو بن الغَوْث ابن نبت بن مالك بن زَيْد بن كَهلان فولد إراشا، فولد إراش أغارًا، فولد
стр. 759
أنمار أفتل وهو خثعم وأمه هند بنت مالك بن الغافق بن الشاهد بن عكّ وعبقرًا والغوث وصهيبة وخُزَيمة، دخل في الأزْد وادعة بطن مع بني عمرو بن يَشْكُر وأشهل وشهلاء وطريفًا وسنية رجل والحارث وخدعة وأمهم بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة بها يُعرفون. وقيل: هم من نزار بن مَعد. قاله مُصعب بن الزُّبير اهـ.
الخامس: أبو هريرة وقد مرّ في الثاني من كتاب الإِيمان.
لطائف إسناده: منها أنه خال من العنعنة وليس فيه إلا التحديث والسماع وهو أعظم أنواع الرواية ورواته ما بين بَصْريّ وكوفي وفيه اسم على صورة النسبة، وربما يظنه من لا إلمام له بالحديث أنه نسبة. أخرجه البخاري في الجهاد أيضًا عن أبي هريرة، ومسلم في الجهاد أيضًا عن زهير بن حرب وأخرجه النّسائي أيضًا نحو رواية البخاري، ثم قال المصنف:
باب تطوع قيام رمضان من الإِيمان
بتنوين باب، وتطوع: مبتدأ خبره من الإِيمان أي شعبة، وفي رواية إضافة باب إلى تطوع، وفي رواية قيام شهر رمضان. والتطوع تفعُّل ومعناه التكلف بالطاعة، والمراد هنا التنفل، ورمضان ممنوع من الصرف للعلمية والألف والنون ورمضان في الأصل مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء ثم جعل علمًا لهذا الشهر ولما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر.
стр. 760
الحديث الثلاثون
٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
هذا الحديث تقدم الكلام عليه مستوفى في حديث من يقم ليلة القدر فراجعه.
رجاله خمسة:
الأول: إسماعيل بن أبي أُوَيْس وقد مرّ في الخامس عشر من كتاب الإِيمان ومرّ أبو هريرة في الثاني منه ومرّ الإِمام مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ ابن شِهاب في الثالث منه أيضًا.
الرابع من السند: حُميد بن عبد الرحمن بن عَوْف أبو إبراهيم وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عثمان القرشيّ الزُّهريّ المَدني وأمُّه: أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيْط أخت عثمان بن عفان من أمه، أول المهاجرات من مكة إلى المدينة. قال العجليّ وأبو زرعة وأبو خِراش ثقة.
وقال ابن سعد: روى مالك عن الزُّهري عن حميد أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان ثم يفطران، ورواه يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزُّهري عن حميد قال: رأيت عمر وعثمان، قال الواقِدي وأثبتهما حديث مالك عندنا، فإن حميدًا لم يرَ عمر ولم يسمعْ منه شيئًا وسنُّه وموتُه يدلّان على ذلك، ولعله قد سمع من عُثمان لأنه كان خاله، وكان ثقة كثير الحديث.
стр. 761
روى عن: أبيه وأمه وعثمان وسعيد بن زَيْد وأبي هُريرة وابن عباس وابن عُمر والنعمان بن بشير ومُعاوية وأم سَلَمة وغيرهم. وقال ابن مَعين روايته عن عُمر منقطعة وكذا عن عثمان وأبيه، وقال أبو زُرْعة حديثه عن أبي بكر وعلي ﵄ مُرسل. وروى عنه ابن أخيه سعد بن إبراهيم وابنه عبد الرحمن وابن أبي مُلَيْكة والزُّهري وقَتادة وصفوان بن سُلَيم وغيرهم. مات سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وأما كونه مات سنة خمس ومئة فغلط. وفي الستة حُميد بن عبد الرحمن سواه اثنان.
الرُّؤاسيّ والحِمْيريّ وهذا الحِمْيَري يَروي عن أبي هريرة وابن عباس كالزُّهريّ وجَزَم الكلاباذيّ والمَزِّي في تهذيبه بأن البُخاري أخرج لهذا الحِمْيَري. وقال الحاكم والحُمَيْدي صاحب الجمع، وعبد الغني وغيرهم: إنه لم يخرج له شيئًا. وإن الكلاباذيّ غالط، وإن مسلمًا لم يخرج له إلا حديث أفضل الصيام بعد رمضان .. الحديث، وما عدا ذلك فهو من رواية ابن عَوْف.
وقال العَيْنيّ: إن مسلمًا روى له في ثلاثة مواضع غير هذا، أحدها أول الكتاب في حديث ابن عمر في القدر عن يحيى بن يَعْمُر وحُميد بن عبد الرحمن قالا: لقينا ابن عُمر .. الحديث. والثاني: في الوصايا، عن عَمرو بن سعيد عن حُميد الحِمْيَريّ عن ثلاثة من وَلَد سعد أنَّ سعدًا .. فذكره. والثالث فيها: عن محمَّد بن سِيرين عن عبد الرحمن ابن أبي بَكْرة، وعن رجل آخر هو في نفسي أفضل من عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، ثم ساقه من حديث قُرَّة، قال: وسمى الرجل حُميد بن عبد الرحمن عن أبي بكرة: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: "أي يوم هذا؟ ".
لطائف إسناده: منها أن فيه التَّحديث بصيغة الجمع والإِفراد والعنعنة، ورواته كلهم مَدَنيُّون وهم أئمة أجلّاء، أخرجه البخاري هنا، وفي الصيام. والتِّرمذيّ ومُسلم وأبو داود والنّسائي وابن ماجه والمُوطَّأ وآخرون. ثم قال المصنف:
стр. 762
باب صوم رمضان احتسابًا من الإِيمان
لم يقل إيمانًا للاختصار، أو لاستلزام الاحتساب الإِيمان
стр. 763
الحديث الحادي والثلاثون
٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلاَمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قوله: "إيمانًا واحتسابًا" إيمانًا اعتقادًا بحق فرضية صومه، واحتسابًا أي: عزيمة وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة نفسه بذلك غير مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه وهذا الحديث مثل الذي قبله تقدم استيفاء الكلام عليه في المحل المذكور لأن معنى الجميع واحد.
رجاله خمسة:
الأول: محمَّد بن سلام البيكنديّ وقد مرّ في الثالث عشر من كتاب الإِيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ يحيى بن سعيد الأنْصاري في الأول من بدء الوحي ومرّ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عَوف في الرابع منه أيضًا.
والثاني من السند: محمَّد بن فُضيل -بالتصغير- ابن غزوان بن جرير الضبّي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، قال أحمد: كان يتشيع، وكان حسن الحديث، وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق، من أهل العلم. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النّسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: كان شيعيًا محترفًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان يغلو في التشيع، صنف مصنفات في العلم وقرأ القراءات على حمزة الزيّات. وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا كثير الحديث، ويعضهم لا يحتج به، وقال العجليّ: كوفي ثقة شيعي وكان أبوه ثقة وكان عثمانيًا، وقال علي بن المديني كان ثقة ثبتًا في الحديث، وقال الدّارقطنيّ كان
стр. 764
ثبتًا في الحديث إلا أنه كان منحرفًا عن عثمان، وقال يعقوب بن سفيان ثقة شيعي، وقال ابن حَجَر: قال أحمد بن علي الأبّار حدثنا أبو هاشم سمعت محمد بن فضيل يقول رحم الله عُثمان ولا رحم من لا يترّحمُ عليه. قال: وسمعته يحلف بالله أنه صاحب سنة ورأيت عليه آثار أهل السنة، رأيت على خفه أثر المسح وصليت خلفه ما لا يحصى فلم أسمعه يجهرُ يعني بالبسملة، قال ابن حَجر: وإنما توقف من توقف فيه لأجل التشيع، وهذا ينفيه، وقد احتجّ به الجماعة قلت: وقد مرّ الكلام على المُبتدعة في الأول من كتاب الإِيمان. روى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصم الأحول، وهشام بن عروة، وأبي إسحاق الشَيباني. ويحيى بن سعيد الأنصاريّ والأعمش وعُمارة بن القعقاع وغيرهم.
وروى عنه الثَّوريّ، وهو أكبر منه، وأحمد بن حَنْبل وإسحاق بن راهَويه، وأحمد بن إشْكاب الصَّفّار، وعَمرو بن علي الفَلّاس، وقُتيْبة ومحمد بن سَلَام البَيْكنديّ وغيرهم. مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئتين.
وليس في الستة محمَّد بن فُضيل سواه، وأما محمَّد فأكثر من الحصر.
والضَّبّيِّ في نسبه مر الكلام عليه، في الذي قبل هذا بحديث. ومر الكلام أيضًا على الكوفيّ ثم قال البخاري:
بابٌ الدينُ يُسْرٌ
بتنوين باب، وسقط لفظ "باب" عند الأصيليّ، أي دين الإِسلام ذو يُسر، أو سُمِّي الدين يُسرًا مبالغةً بالنسبة إلى الأديان قبله، لأن الله تعالى رفع عن هذه الأمّة الإِصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له: أن توْبَتَهم كانت بقَتْل أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وتوبة هذه الأمة بالإِقلاع والعَزْم والنَّدم.
ثم قال: وقول النبيّ ﷺ : "أحبُّ الدين إلى الله الحَنِيفيّةُ السَّمْحة"
стр. 765
بجرِ قول. وفي رواية "وقولُ" بالرفع على القطع، وقوله: "أحب الدين" أي: خصال الدين المعهود الذي هو دين الإِسلام، لأن خصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحًا، أي سهلًا، فهو أحبُّ إلى الله تعالى، ويدل عليه ما أخرجه أحمد بسند صحيح من حديث أعرابي لم يُسمِّه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "خَيرُ دِينكم أيسَرُه" أو: الدين جنس، أي: أحب الأديان إلى الله تعالى الحنيفية، والمراد بالأديان الشرائع الماضية، قبل أن تُبدَّل وتُنْسخ.
والحَنيفيّة مِلَّة إبراهيم، والحَنيفيّ من كان على ملة إبراهيم، وسمي إبراهيم حَنِيفًا لميله عن الباطل إلى الحق، لأن أصل الحَنَف الميل.
والسَّمْحة: السهلة أي أنها مَبنيّة على السهولة، عارية عمّا يتَكلَّفُه رُهْبان بني إسرائيل من الشدائد، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وأحب: مبتدأ، وإنما أخبر عنه. وهو مذكر بمؤنث، وهو الحنيفية، لغلبة الاسمية عليها، لأنها عَلَم على الدِّين أو لأن أفعل التفضيل المضاف لقصد الزيادة على ما أُضيف إليه، يجوزُ فيه الإِفراد والمطابقة لمن هو له.
وهذا الحديث المُعلّق لم يُسنده المؤلف في هذا الكتاب، لأنه ليس على شرطه، فاستعمله في الترجمة، وقوّاه بما دلّ على معناه، لتناسب السهولة واليُسر. وأخرجه موصولًا في كتاب الأدب المُفْرد، وأخرجه أحمد ابن حَنْبَل، وغيره، موصولًا من طريق محمد بن إسحاق. وإسناده حسن، وأخرجه الطَّبرانيّ من حديث عثمان بن أبي عاتِكة، وأخرجه ابن أبي شَيْبة في مُسنده، وطرق هذا عن سبعة من الصحابة.
стр. 766
الحديث الثاني والثلاثون
٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلاَمِ بْنُ مُطَهَّرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ هذا الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
قوله: "إن الدّين يُسْرٌ" مرّ قريبًا، أن في تفسيره تأويلين، واستدل القائل بأن المعنى أنَّه نفسُ اليُسر، بما قاله بعضهم في النبي ﷺ "إنَّه عَيْن الرحمة" مُسْتدلًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] كأنه، لكثرة الرحمة المودعة فيه، صار نَفْسها. والتأكيد فيه بإن، فيه رد على مُنْكر يُسْر هذا الدين، فإما أن يكون المُخاطب مُنْكرا، أو على تقدير تنزيله مَنْزِلَته، أو على تقدير المنكرين غير المخاطبين، أو لكون القصة مما يُهتم بها. وقوله: ولَنْ يُشَادَّ الدينَ إلا غلبه. هكذا في بعض الروايات بإضمار الفاعل، للعلم به وفي أكثر الروايات "ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلّا غلبه" وفي بعضها هذا الدّين بنصب الدِّين فيهما على المفعولية. وحكى صاحب المَطَالع أن أكثر الروايات برفع الدِّين على أن يُشادَّ مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وتَعقَّبَهُ النّوويّ بأن أكثر الروايات بالنصب، وجمع الحافظُ بينهما بأنه بالنسبة إلى روايات المشارقة والمغاربة. ويؤيد النصبَ حديثُ بُريْدة عند أحمد أنه من شادَّ هذا الدّين يغلِبُه، والمُشادَّة بالتشديد المُغَالبة. يقال: شادّه يُشادُّه مُشادَّةً، إذا قاوَاه. والمعنى لا يَتَعَمَّقُ أحدٌ في الأعمال الدّينية ويترك الرِّفق إلا عَجِز وانقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور
стр. 767
المحمودة، بل منع الإِفراط المؤدي إلى الملَال والمُبالغة في التطوّع المُفْضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفَرْض عن وقته كمن يُصلي الليل كله، ويغالبُ النوم إلى أن غَلبته عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة.
قال ابن المُنير: في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النُّبُوَّة، فقد رأينا، ورأى الناس قبلنا، أن كل متنطع في الدين ينقطع. وفي حديث مِحْجن ابن الأدرع عند أحمد: "إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخَيْر دينكم اليُسْرة". وقد يستفاد من هذا الإِشارة إلى الأخْذ بالرُّخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطعٌ كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيُفْضي به استعماله إلى حصول الضرر.
وقوله: فسَدِّدوا -بالمُهملة- من السَّداد، وهو التَّوسُّط في العمل.
أي: الْزموا السَّداد، وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط. وقوله: وقارِبوا: أي في العبادة، بالموحدة، أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا بما يُقرِّب منه. وقوله: وأبشروا، بقطع الهمزة، من الإِبشار. وفي لغة، بضم الشين، من البُشرى، بمعنى الإِبشار، أي: بالثواب على العمل الدائم، وإن قلّ.
والمراد تبشير من عَجز عن العمل الأكمل بأنَّ العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره. وأبهم المُبشِّر به تعظيمًا له وتفخيمًا. وقوله: واستعينوا بالغَدْوة والرَّوْحة، بفتح أولهما وسكون الثاني. وفي العَيْنيّ، تبعًا لابن الأثير أنّ الغُدْوة بضم الغين. والغَدْوة سَيْر أوّل النهار. وقيل: ما بين صلاة الغَداة وطلوع الشمس. والرَّوْحة: السَّيْر بعد الزوال، وقوله: وشيءٍ من الدُّلْجة، أي: واستعينوا بشيء من الدُّلجة. والدُّلجة، بضم أوله وفتحه، وإسكان اللام: سير آخر الليل. وقيل: سيرُ الليل كلِّه، ولهذا عبَّر فيه بالتبْعيض، ولأن عمل الليل أشقُّ من عمل النهار. وهذه
стр. 768
الأوقات أطيب أوقات المسافر، وكأنه ﵊، خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبهه على أوقات نشاطه، لأن المسافر إذا سافر الليل والنهارَ جميعًا، عجز وانقطع. وإذا تحرَّى السير في هذه الأوقات المنشطة، أمْكَنَتْه المُداومة من غير مشقة.
وحُسْن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نَقْلةٍ إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البَدَن، ومناسبة إيراد المُصنِّف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرةٌ من حيث أنها تَضَمَّنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يُبيِّن أن الأوْلى للعامل بذلك أن لا يُجْهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج، ليدوم عمله ولا ينقطع.
وهذا الحديث من رواية عُمر بن عليّ، وهو ثقة مُدلِّس، كما يأتي قريبًا في تعريفه. ورواه هنا عنه بالعنعنة لتصريحه فيه بالسماع في صحيح ابن حبان من طريق أخرى، وله شواهد.
رجاله خمسة:
الأول: عبدُ السلام بن مُطَهَّر، باسم المفعول ابن مصك بن ظالم ابن شَيْطان أبو ظُفر، بالتحريك، الأزْدي البَصْريّ، قال في الزهرة: روى عنه البخاريّ أربعة أحاديث، وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال أبو حاتم: صدوق. روى عن جَرير بن حازم وشُعْبة وحَفْص بن غِياث ومُبارك ابن فَضالَة وموسى بن خَلف العَمِّي، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ وأبو داود وإبراهيم الحربيّ وسَلَمة بن شَبيب والذُّهليّ وأبو خَليفة وأبو موسى محمد بن المُثنى وغيرهم.
مات في رجب سنة أربع وعشرين ومئتين وليس في الستة عبد السلام ابن مطَهَّر سواه وأما عبد السلام فستة عشر.
الثاني: عمر بن علي بن عَطاء بن مُقَدَّم، بصيغة اسم المفعول،
стр. 769
أبو حَفْص أو أبو جعفر المقَدَّميّ البَصْريّ، مولى ثقيف. قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكره فأثنى عليه خيرًا. وقال: كان يُدلِّس. وقال ابن مَعين: كان يُدلِّس، وما كان به بأس، حسن الهيئة. وأصله واسطيٌّ نزل البصرة. لم أكتب عنه شيئًا.
وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان يُدلّس تدليسًا شديدًا. يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت، فيقول: هشام بن عروة والأعمش. وقال: كان رجلًا صالحًا، ولم يكونوا يَنْقِمون عليه غَير التدليس، وأما غير ذلك فلا.
ولم أكن أقبل منه حتى يقول: حدثنا. وقال أبو حاتم: محله الصّدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاء بزيادة، غير أنّا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة.
وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال أبو زيد عمر بن شَبَّة: كان مدلِّسًا، وكان مع تدليسه أنبل الناس. وفي الميزان عن أحمد: عمر ابن عليّ صالحٌ عفيفٌ مسْلمٌ عاقلٌ، كان به من العقل أمرًا عجيبًا جدًا، جاء إلى مُعاذ بن مُعاذ، فأدّى إليه مئتي ألف، وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال السّاجىِ: صَدوق كان يدلس، ونقل ابن خَلْفون توثيقه عن العجليّ.
قال ابن حَجَر: ولم أر له في الصحيح إلا ما توبع عليه، روى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهِشام بن عُروة، وحجّاج بن أرْطأةٍ، وخالد الحذّاء، ومَعْن بن مُحمّد الغِفاري، ونافع بن عمر الجُمَحيّ، وإبراهيم بن عُقبة وغيرهم.
وروى عنه ابنه محمد وابن أخيه محمد بن أبي بكر بن علي، وأحمد ابن حنبل، ويحيى بن يحيى النَّيْسابوريّ، وعفّان بن مُسلم، وقُتَيْبة بن سعيد، وأبو الأشعث أحمد بن المِقدام العجليّ، وأبو بكر بن أبي شَيْبة، وآخرون. مات سنة تسعين ومئة. وقيل سنة اثنين وتسعين.
стр. 770
وفي الستة عمر بن علي اثنان: أحدهما: ابن علي بن أبي طالب الهاشمي الأكبر، أمُّه الصَّهباء بنت رَبيعة من بني تَغْلب، روى عن أبيه وغيره.
والثاني: عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشمي الأصغر، المدَنِيّ، روى عن أبيه وغيره. والمُقَدَّميّ في نسبه نِسبةً إلى جده مُقَدَّم كمعظم.
الثالث: مَعْن، بفتح الميم، ابن محمد بن مَعْن بن نَضْلَة بن عمرو الغِفاريّ، أبو محمد، حِجازيّ. ذكره ابن حبان في الثقات روى عن سعيد المقبريّ وحنظلة بن علي الأسلمي، وروى عنه ابنه محمد وابن جُريج وعبد الله بن عبد الله الأشْعريّ وعمر بن علي المُقَدَّميّ، وليس في الستة معن بن محمد سواه، وأما معن سواه فخمسة.
الرابع: سعيد بن أبي سعيد، واسمه كَيْسان المَقْبريّ، أبو سَعد المَدنيّ، وكان أبوه مُكاتبًا لامرأة من بني ليْث. قال ابن المَدينيِّ والعجْليُّ وأبو زُرعة والنّسائيّ: ثقة. وقال ابن خِراش: ثقة جليل، أثبت الناسُ فيه الليث بن سعد. وقال أبو حاتم صَدوق. وقال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث، ولكنه كَبر واختلط قبل موته. وقال يعقوب بن شَيْبة: قد كَبِر واختلط قبل موته بأربع سنين. وكان شُعبة يقول: حدثنا سعيد بعد ما كَبِر.
وقال الواقِدِيّ: اختلط قبل موته بأربع سنين. وقال ابن عَديّ: إنما ذكرته لقول شعبة هذا، وأرجو أن يكون من أهل الصِّدق، وما تكلم فيه أحد إلا بخير.
وقال ابن عساكر: قَدِم الشام مُرابطًا، ومات بساحل بَيْروت. وقال ابن مَعين: أثبت الناس في سعيد بن أبي ذيب، قال ابن حجر: أكثر ما أخرج البخاريّ له من حديث اللَّيْث وابن أبي ذيب الثابتين فيه، وأخرج أيضًا من حديث مالك وإسماعيل بن أُميّة وعُبيد الله بن عمر العُمريّ وغيرهم من الكبار.
стр. 771
وروى له الباقون، لكنهم لم يُخرِّجوا عنه من حديث شُعبة شيئًا لقوله المتقدم قريبًا. روى عن سعد وأبي هريرة وأبي سعيد وعائشة وأُمِّ سَلَمة، وقيل: لم يسمع منهما، ومعاوية بن أبي سُفيان وأنس وجابر بن عبد الله وابن عُمر وعن أبيه أبي سعيد، ويزيد بن هُرْمُز وأخيه عباد بن أبي سعيد، وأبي سَلَمة بن عبد الرحمن، وشَرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر وغيرهم.
وروى عنه مالك وابن إسحاق ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي ذيب، وعبيد الله بن عُمر، وابن عَجْلان والوليد بن كثير ومعن بن محمد الغِفاريّ وابنه عبد الله واللّيث بن سعد وجماعة.
مات في آخر خلافة هِشام سنة ثلاث وعشرين ومئة، وقيل: مات سنة خمس وعشرين، وقيل: سنة ست.
وفي الستة سعيد بن أبي سعيد سواه اثنان: الأنصاريّ المدنيّ مولى أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، والثاني: الزَّبيديّ، وهو ابن عبد الجبّار.
وسعيد بن أبي سعيد في الرُّواة أربعة عشر رجلا ذكرهم الخطيب في المُتَّفِق والمُفْترق. والمَقْبُريّ في نسبه نسبةً إلى المَقْبرة، بتثليث الباء، فقيل إن أباه أبا سعيد كان ينزل المقابر فقيل له المقبريّ، وقيل إن عمر ابن الخطاب جعله على حفر القبور، فقيل له المَقْبريّ، كما جعل نُعَيْما على أجمار المسجد فقيل له نعيم المُجَمِّر، ويحتمل أنه اجتمع فيه ذلك فكان على حفرها، وكان نازلًا عندها.
الخامس: أبو هريرة، وقد مرّ في الثاني من كتاب الإِيمان هذا.
لطائف إسناده: منها أنّ فيه التَّحديث والعَنْعنة، ورُواته ما بين مدنيّ وبَصريّ. وفيه رواية مُدلِّس شديد التدليس بعن، ومر ما فيه أول حديث وهذا الحديث من أفراد البخاريّ عن مُسلم، أخرجه هنا، وأخرج طَرَفًا منه في الرِّقاق عن آدم، وأخرج النَّسائي مثل حديث الباب، وله شاهد عند أحمد بإسناد حسن. ثم قال المؤلف:
стр. 772
باب الصلاة من الإِيمان
باب بالتنوين، وتَرْكه بالإِضافة إلى الجملة، والصلاة مبتدأ خبره من الإِيمان، أي من شُعَبه، ووجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله من حيث أن من جملة المذكور في حديث الباب السابق الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات، وأفضل الطاعات البدنية التي تُقام في هذه الأوقات الصلوات الخمس، فوقتُ صلاة الصبح في الغَدوة، ووقت صلاة الظهر والعصر في الرَّوْحة، ووقت صلاة العشاءين في جزء الدُّلجة عند من يقول أنها سير الليل كله، فناسب تعقيب هذا الباب للذي قبله لأنه في الصلاة.
ثم قال المُصنِّف: وقول الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني صلاتكم عند البيت. لفظة قول يجوز فيه الرفع عطفا على لفظة الصلاة والجر عطفًا على مَحلّ المضاف إليه، الذي هو الصلاة، على ترك التنوين في باب وإضافته إلى الصّلاة. وقوله: "ليضيع" اللام فيه لتأكيد النفي، وقوله إيمانكم بالخطاب، وكان المقام يقتضي الغَيْبة، لكنه قصد تعميم الحُكْم للأُمة الأحياء والأموات، فذكر الأحياء المخاطَبين تغليبًا لهم على غيرهم.
وقوله: "صلاتكم عند البيت" قال في الفتح: وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه الذي أخرج منه المؤلف حديث الباب عند النّسائي والطّيالسِيّ بلفظ "إيمانكم صلاتكم إلى بيْت المقدس" قال: فقول المصنف "عند البيت" مُشْكل مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات، ولا اختصاص بذلك، لكونه عند البيت. وقد قيل: إنه تصحيف وإن الصواب يعني "صلاتكم لغير البيت".
قال الحافظ: وعندي أنه صواب ولا تصحيف فيه، ومقاصد البخاريّ دقيقة، وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان ﷺ يتوجه إليها في الصلاة، وهو بمكة، فقال: ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المَقْدس، لكنه لا يَسْتدبرُ القِبْلة. بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس،
стр. 773
وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: إنه كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحوّل إلى المدينة، استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النَّسخ مرتين، والأول أصح، لأنه يجمع بين القولين. وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، وكأن البخاري أراد الإِشارة إلى الجزم بالأصح، من أن الصلاة لما كانت عند البيت، كانت إلى بيت المقدس. واقتصر على ذلك اكتفاء بالأوْلويّة.
لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت، وهم عند البيت، إذا كانت لا تضيع، فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا منه، فتقدير الكلام، يعني صلاتكم، التي صليتموها عند البيت إلى بيت المقدس. فانظر هذا الجواب ما أحْسَنَه وما أدقَّه، وانظر تحامُل العيْنيّ على ابن حَجَر من أنه كان من حقه أن يرد على من قال إن اللفظ فيه تصحيف. ويقول هذا لا يسمى تصحيفا، ثم قال: ومن لم يعرف معنى التصحيف كيف يجيب عنه بالتحريف وما قاله في غاية التَّحامل الباطل، الذي لا يناسب، فإن القائل بأنه تصحيف قال: إن البخاريّ جعل لفظة "عند البيت" مكان "لغير البيت" وأي تصحيف بعد هذا؟ وهو قد فسر التصحيف فقال: هو أن يتصحف لفظ بلفظ. وما فسره به منطبق على هذا الواقع غاية الانطباق.
стр. 774
الحديث الثالث والثلاثون
٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلاَّهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا -كَمَا هُمْ- قِبَلَ الْبَيْتِ. وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
قوله: "أول ما قدم" منصوب على الظرفية، أي في أوّل زمن قدومه، وما مصدرية، لا خبر كان، كما توهمه بعضهم، فإن خبرها نزل، وقوله المدينة يعني طيبَة في هجرته من مكة، وقد مر في حديث هرقل في بدء الوحي الكلامُ على اشتقاقها. وقوله نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار، وفي كليهما مجاز، لأن الأنصار أقاربه من جهة الأمومة، لأن أم جده عبد المطلب سَلْمى بنت عَمرو منهم من بني عَديّ بن النَّجّار، وإنما نزل النبيُّ ﵊ بالمدينة على إخوتهم بني مالك بن النجار، ففيه على هذا مجاز آخر. وقوله: "قِبَل بيت المقدس" بكسر القاف وفتح الموحدة، والمقْدس مصدر ميمي كالمَرْجع، أي حال كونه متوجهًا إليه. وقوله "ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر" وقع هنا وفي الصلاة وعند التِّرمذي بالشك. ورواه مسلم وأبو عُوانة في صحيحه والنّسائي ستة عشر "بغير شك". ورواه البَزَّار والطَّبراني سبعة عشر "بغير شك" والجمع
стр. 775
بين الروايتين سهل، بأن يكون من جَزَمَ بستة عشر لفّق بين شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الزائد. ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا.
ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور.
ورواه الحاكم بَسَند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حِبان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأول. وقال ابن حبيب: كان التحويل في نصف شعبان، وهو الذي ذَكره النّوويّ في الروضة، وأقره مع كونه رجَّح في شرح مسلم رواية ستة عشر شهرًا لكونها مجزومًا بها عند مُسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا إن أُلغي شهرا القدوم والتحويل.
وقوله: "وأنه صلّى أول صلاة صلّاها صلاة العصر" وأنه بفتح الهمزة عطفًا على أنه الأولى. وأول بالنصب لأنه مفعول صلى، وصلاة العصر كذلك، على البدلية. وأعربه ابن مالك بالرفع، وفي الكلام مُقدَّر لم يُذْكر لوضوحه، أي أول صلاة صلاها متوجهًا إلى الكعبة صلاة العصر.
وعند ابن سَعْد حُوّلت القبلة في صلاة الظهر أو العصر على التردد. والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بِشْر بن البَرَاء بن مَعْرُور الظُّهْر. وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، وأما الصبح فهو من حديث ابن عمر، في قُبَاء. وقوله: فخرج رجلٌ ممن صلّى .. إلخ، الرجل هو عبّاد بن بِشْر بن قَيْظيّ. كما رواه ابن مَنْده من حديث طَويلة بنت أسْلم، وقيل: هو عبّاد بن نَهِيك بفتح النون، وقد عرفناهما في الحديث السابع من أبواب القبلة.
وأهل المسجد الذين مرّ بهم. قيل: هم بنُو حَارِثة. ويُجمع بين حديث البَراء هذا وحديث ابن عمر الآتي في أبواب استقبال القبلة، حيث قال فيه: بينا الناس بقُبَاء في صلاة الصُّبح إذ جاءهم آتٍ .. الخ،
следующие страницы →