Полный текст (6 753 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وروى له الباقون، لكنهم لم يُخرِّجوا عنه من حديث شُعبة شيئًا لقوله المتقدم قريبًا. روى عن سعد وأبي هريرة وأبي سعيد وعائشة وأُمِّ سَلَمة، وقيل: لم يسمع منهما، ومعاوية بن أبي سُفيان وأنس وجابر بن عبد الله وابن عُمر وعن أبيه أبي سعيد، ويزيد بن هُرْمُز وأخيه عباد بن أبي سعيد، وأبي سَلَمة بن عبد الرحمن، وشَرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر وغيرهم.
وروى عنه مالك وابن إسحاق ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي ذيب، وعبيد الله بن عُمر، وابن عَجْلان والوليد بن كثير ومعن بن محمد الغِفاريّ وابنه عبد الله واللّيث بن سعد وجماعة.
مات في آخر خلافة هِشام سنة ثلاث وعشرين ومئة، وقيل: مات سنة خمس وعشرين، وقيل: سنة ست.
وفي الستة سعيد بن أبي سعيد سواه اثنان: الأنصاريّ المدنيّ مولى أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حَزْم، والثاني: الزَّبيديّ، وهو ابن عبد الجبّار.
وسعيد بن أبي سعيد في الرُّواة أربعة عشر رجلا ذكرهم الخطيب في المُتَّفِق والمُفْترق. والمَقْبُريّ في نسبه نسبةً إلى المَقْبرة، بتثليث الباء، فقيل إن أباه أبا سعيد كان ينزل المقابر فقيل له المقبريّ، وقيل إن عمر ابن الخطاب جعله على حفر القبور، فقيل له المَقْبريّ، كما جعل نُعَيْما على أجمار المسجد فقيل له نعيم المُجَمِّر، ويحتمل أنه اجتمع فيه ذلك فكان على حفرها، وكان نازلًا عندها.
الخامس: أبو هريرة، وقد مرّ في الثاني من كتاب الإِيمان هذا.
لطائف إسناده: منها أنّ فيه التَّحديث والعَنْعنة، ورُواته ما بين مدنيّ وبَصريّ. وفيه رواية مُدلِّس شديد التدليس بعن، ومر ما فيه أول حديث وهذا الحديث من أفراد البخاريّ عن مُسلم، أخرجه هنا، وأخرج طَرَفًا منه في الرِّقاق عن آدم، وأخرج النَّسائي مثل حديث الباب، وله شاهد عند أحمد بإسناد حسن. ثم قال المؤلف:
стр. 772
باب الصلاة من الإِيمان
باب بالتنوين، وتَرْكه بالإِضافة إلى الجملة، والصلاة مبتدأ خبره من الإِيمان، أي من شُعَبه، ووجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله من حيث أن من جملة المذكور في حديث الباب السابق الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات، وأفضل الطاعات البدنية التي تُقام في هذه الأوقات الصلوات الخمس، فوقتُ صلاة الصبح في الغَدوة، ووقت صلاة الظهر والعصر في الرَّوْحة، ووقت صلاة العشاءين في جزء الدُّلجة عند من يقول أنها سير الليل كله، فناسب تعقيب هذا الباب للذي قبله لأنه في الصلاة.
ثم قال المُصنِّف: وقول الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني صلاتكم عند البيت. لفظة قول يجوز فيه الرفع عطفا على لفظة الصلاة والجر عطفًا على مَحلّ المضاف إليه، الذي هو الصلاة، على ترك التنوين في باب وإضافته إلى الصّلاة. وقوله: "ليضيع" اللام فيه لتأكيد النفي، وقوله إيمانكم بالخطاب، وكان المقام يقتضي الغَيْبة، لكنه قصد تعميم الحُكْم للأُمة الأحياء والأموات، فذكر الأحياء المخاطَبين تغليبًا لهم على غيرهم.
وقوله: "صلاتكم عند البيت" قال في الفتح: وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه الذي أخرج منه المؤلف حديث الباب عند النّسائي والطّيالسِيّ بلفظ "إيمانكم صلاتكم إلى بيْت المقدس" قال: فقول المصنف "عند البيت" مُشْكل مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات، ولا اختصاص بذلك، لكونه عند البيت. وقد قيل: إنه تصحيف وإن الصواب يعني "صلاتكم لغير البيت".
قال الحافظ: وعندي أنه صواب ولا تصحيف فيه، ومقاصد البخاريّ دقيقة، وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان ﷺ يتوجه إليها في الصلاة، وهو بمكة، فقال: ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المَقْدس، لكنه لا يَسْتدبرُ القِبْلة. بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس،
стр. 773
وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: إنه كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحوّل إلى المدينة، استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النَّسخ مرتين، والأول أصح، لأنه يجمع بين القولين. وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، وكأن البخاري أراد الإِشارة إلى الجزم بالأصح، من أن الصلاة لما كانت عند البيت، كانت إلى بيت المقدس. واقتصر على ذلك اكتفاء بالأوْلويّة.
لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت، وهم عند البيت، إذا كانت لا تضيع، فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا منه، فتقدير الكلام، يعني صلاتكم، التي صليتموها عند البيت إلى بيت المقدس. فانظر هذا الجواب ما أحْسَنَه وما أدقَّه، وانظر تحامُل العيْنيّ على ابن حَجَر من أنه كان من حقه أن يرد على من قال إن اللفظ فيه تصحيف. ويقول هذا لا يسمى تصحيفا، ثم قال: ومن لم يعرف معنى التصحيف كيف يجيب عنه بالتحريف وما قاله في غاية التَّحامل الباطل، الذي لا يناسب، فإن القائل بأنه تصحيف قال: إن البخاريّ جعل لفظة "عند البيت" مكان "لغير البيت" وأي تصحيف بعد هذا؟ وهو قد فسر التصحيف فقال: هو أن يتصحف لفظ بلفظ. وما فسره به منطبق على هذا الواقع غاية الانطباق.
стр. 774
الحديث الثالث والثلاثون
٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلاَّهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا -كَمَا هُمْ- قِبَلَ الْبَيْتِ. وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
قوله: "أول ما قدم" منصوب على الظرفية، أي في أوّل زمن قدومه، وما مصدرية، لا خبر كان، كما توهمه بعضهم، فإن خبرها نزل، وقوله المدينة يعني طيبَة في هجرته من مكة، وقد مر في حديث هرقل في بدء الوحي الكلامُ على اشتقاقها. وقوله نزل على أجداده، أو قال أخواله من الأنصار، وفي كليهما مجاز، لأن الأنصار أقاربه من جهة الأمومة، لأن أم جده عبد المطلب سَلْمى بنت عَمرو منهم من بني عَديّ بن النَّجّار، وإنما نزل النبيُّ ﵊ بالمدينة على إخوتهم بني مالك بن النجار، ففيه على هذا مجاز آخر. وقوله: "قِبَل بيت المقدس" بكسر القاف وفتح الموحدة، والمقْدس مصدر ميمي كالمَرْجع، أي حال كونه متوجهًا إليه. وقوله "ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر" وقع هنا وفي الصلاة وعند التِّرمذي بالشك. ورواه مسلم وأبو عُوانة في صحيحه والنّسائي ستة عشر "بغير شك". ورواه البَزَّار والطَّبراني سبعة عشر "بغير شك" والجمع
стр. 775
بين الروايتين سهل، بأن يكون من جَزَمَ بستة عشر لفّق بين شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الزائد. ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا.
ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور.
ورواه الحاكم بَسَند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حِبان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأول. وقال ابن حبيب: كان التحويل في نصف شعبان، وهو الذي ذَكره النّوويّ في الروضة، وأقره مع كونه رجَّح في شرح مسلم رواية ستة عشر شهرًا لكونها مجزومًا بها عند مُسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا إن أُلغي شهرا القدوم والتحويل.
وقوله: "وأنه صلّى أول صلاة صلّاها صلاة العصر" وأنه بفتح الهمزة عطفًا على أنه الأولى. وأول بالنصب لأنه مفعول صلى، وصلاة العصر كذلك، على البدلية. وأعربه ابن مالك بالرفع، وفي الكلام مُقدَّر لم يُذْكر لوضوحه، أي أول صلاة صلاها متوجهًا إلى الكعبة صلاة العصر.
وعند ابن سَعْد حُوّلت القبلة في صلاة الظهر أو العصر على التردد. والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بِشْر بن البَرَاء بن مَعْرُور الظُّهْر. وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، وأما الصبح فهو من حديث ابن عمر، في قُبَاء. وقوله: فخرج رجلٌ ممن صلّى .. إلخ، الرجل هو عبّاد بن بِشْر بن قَيْظيّ. كما رواه ابن مَنْده من حديث طَويلة بنت أسْلم، وقيل: هو عبّاد بن نَهِيك بفتح النون، وقد عرفناهما في الحديث السابع من أبواب القبلة.
وأهل المسجد الذين مرّ بهم. قيل: هم بنُو حَارِثة. ويُجمع بين حديث البَراء هذا وحديث ابن عمر الآتي في أبواب استقبال القبلة، حيث قال فيه: بينا الناس بقُبَاء في صلاة الصُّبح إذ جاءهم آتٍ .. الخ،
стр. 776
بأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة وهذا هو الذي في حديث البَراء، والآتي إليهم بذلك عبّاد بن بِشر أو عبّاد بن نَهِيك كما مر، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج عن المدينة، وهم بنو عَمْرو بن عَوْف أهل قُباء، وذلك في حديث ابن عُمر، ولم يُسَمِّ الآتي بذلك إليهم. وقد نقل ابن ظاهر وغيره أنه عَبّاد بن بِشر، فإن كان ما نقلوه محفوظًا، فيحتمل أن يكون عباد أتى بني حارثة أولًا في وقت العصر، ثم توجه إلى أهل قُباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح.
وقوله: وهم راكعون، أي حقيقة، أو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. وقوله "أشهد لقد صلّيت إلخ"، الّلام للتأكيد، وقد للتحقيق، وجملة أشهد اعتراض بين القول ومَقُوله. وقوله: فَدَاروا، أي: سمعوا كلامه فدَاَروا. وقوله: كما هم قِبل البيت، أي الحرام، ولم يَقطعوا الصلاة، بل أتموها إلى جهة الكعبة، فصلوا صلاة واحدة إلى جهتين بدليلين شرعيين. والكاف في "كما هم" للمبادرة، وقيل للمقارنة، وما كافة، وهم مبتدأ حُذِف خبره، أي: عليه. وقيل: ما موصولة، والعائد عليه المحذوف، لكن يلزم عليه حذف العائد المجرور مع تخلّف شرطه، ووقع كيفية التَّحوُّل عند ابن أبي حاتم في حديث ثُويْلة بنت أسْلَم، قالت فيه: فَتَحوَّل النّساء مكان الرجال، والرِّجالُ مكان النّساء فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام.
قال في الفتح: وتصويره أن الإِمام تحوّل من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد، لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف. ولمّا تحوّل الإِمام تحولت الرجال، حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صِرْن خلف الرجال، وهذا يستدعي عملًا كثيرًا في الصلاة. فيحتمل أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، كما كان قبل تحريم الكلام. ويحتمل أن يكون العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة أو لم تتوال الخطا عند التحول، بل وقعت مُفرَّقة.
стр. 777
وقوله: "وقد أعجبهم" أي النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو منصوب على المفعولية، وقوله: "قِبَل بيت المقدس" أي حال كونه متوجهًا إليه. وقوله: "وأهلُ الكتاب" بالرفع، عطفًا على اليهود، وهو من عطف العام على الخاص، أو المراد النصارى فقط. وردُّ هذا بأنّ النصارى لا يصلون إلى بيت المقدس فكيف يعجبهم؟ وأجيب بأن إعجابهم بطريق التَّبعيّة لليهود، وفيه بُعدٌ، لأنهم أشد الناس عداوة لليهود، ويحتمل أن يكون بالنصب، والواو بمعنى مع، أي؛ يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس. وعلى هذا، المراد بأهل الكتاب اليهود خاصة. وقوله "أنكروا ذلك" يعني اليهود، فنزلت ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢].
وقد صرح المصنف بذلك في روايته من طريق إسرائيل.
واختُلف في صلاته ﵊ إلى بيت المَقْدس وهو بمكة، فقال قوم: لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس، ثم نسخ. وعلى هذا يلزم النسخ مرتين. وقال البَيْضاويّ في تفسير قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، فإنه كان ﷺ يُصلّي إليها بمكة، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصَّخرة تألُّفًا لليهود، ثم نُسِخ.
وقال قومٌ: كان لبيت المقدس، فروى ابنُ ماجه حديث "صلينا مع رسول الله ﷺ نحو بيت المَقْدس ثمانية عشر شهرًا وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين" وظاهره أنه كان يصلي إلى بيت المقدس محضًا، ويؤيد حمله على ظاهره خبرُ إمامة جبريل، ففي بعض طرقه أن ذلك كان عند باب البيت. وعن ابن عبّاس: كانت قبلته بمكة بيت المقدس، إلا أنّه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، فكان يصلي بين الرُّكْنَين اليمانيَّين. قال البَيْضاويّ: فالمخبر به في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ [البقرة: ١٤٣] على الأول، الجَعْل النّاسخ، وعلى الثاني الجعلُ المنسوخ. والمعنى: أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قِبلتك بيتَ المقدس.
стр. 778
وفي هذا الحديث أن حُكْم الناسخ لا يثبت في حق المُكَلَّف حتى يبلُغَه، لأن أهل قُباء لم يؤمروا بالإعادة مع كون الأمر باستقبال القبلة قد وقع قبل صلاتهم تلك الصلوات، واستنْبط الطَّحاوِيّ منه أن من لم تَبلُغْه الدعوة ولم يمكنه استعلام ذلك، فالفرض غير لازم له وفيه جواز الاجتهاد في زمنه ﵊، لأنهم لما تَمادَوْا في الصلاة ولم يقطعوها، دل على أنه رَجَح عندهم التمادي والتحول على القطع، والاستئناف.
ولا يكون ذلك إلا عن اجتهاد. قيل: وفيه نظر، لاحتمال أن يكون عندهم في ذلك نصٌّ سابق، لأنه ﷺ كان مُترقِّبًا التحوُّل المذكور، فلا مانع من أن يعلمهم ما صنعوا من التمادي والتحول. قلتُ: هذا فيه بُعدٌ، لأنه وإن كان مترقبا للتحول لا يكون مُطَّلعًا على أن أهل مسجد يُخبَرُونَ به في أثناء الصلاة، وما رأينا أنه ﵊ علَّم الناس حُكْم شيء لم يُسأل عنه قبل وقوعه، فتأمل.
وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، ونسخ ما تقرر بطريق العلم به، لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كان عندهم بطريق القطع، لمشاهدتهم صلاة النبي ﷺ إلى جهة، ووقع تحولهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد. وأجيب بأنّ الخبر المذكور احْتفَّت به قرائنُ ومُقدِّمات أفادت القطع عندهم بصدق ذلك المُخْبر، فلم يُنسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم. قلت: هذا الجواب واهٍ، فأين هذه القرائن غير أنه صحابيّ عَدلٌ لا حامل له على الكذب؟.
وقيل: كان النَّسخُ بخبر الواحد جائزًا في زمنه ﵊ مطلقا، وإنما مُنِع بعده، وهذا يحتاج إلى دليل. وفيه جواز تعليم مَنْ ليس في الصلاة من هو فيها، وأن استماع المصلي أم من ليس فيها لا يُفْسد صلاته. وفيه الرد على المُرْجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانا وفيه أن تَمَنِّي تغيير بعض الأحكام جائزٌ إذا ظهرت المصلحة في ذلك. وفيه بَيَان شَرَفِه ﷺ ، وكرامته على ربه، لإِعطائه له ما أحبّ من غير تصريح بالسؤال. وفيه بيانُ ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم.
стр. 779
رجاله أربعة:
الأول: عُمر بن خالد بن فرُّوخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة، ابن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ليث بن واقِد بن عبد الله أبو الحسن الحَنْظليّ، ويقال الخُزاعيّ الجَزَرِيّ الحَرّانيّ، سكن مصر.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال العجليّ: مِصريّ ثبت ثِقة. وقال الدَّارقُطنيّ: ثقة حُجّة. وذكره ابن حِبّان في الثِّقات، وفي الزّهرة: روى عنه البُخاريّ ثلاثة وعشرين حديثًا، روى عن زُهير بن مُعاوية واللّيث وابن لَهيعة وحمّاد بن سَلَمة وضمام بن إسماعيل، وموسى بن أعْيَن، ويَعْقوب ابن عبد الرحمن وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ وروى ابن ماجه عن رجل عنه، وابناه أبو عُلاَثة محمد، وأبو خَيْثمة عليّ ويونس بن عبد الأعلى وأبو حاتم وأبو زرعة، وأبو الأحوص محمد بن الهَيْثم، وأحمد بن إبراهيم بن مِلحان وغيرهم.
مات بمِصر سنة تسع وعشرين ومئتين. وفي الستة عمرو بن خالد سواه واحد. وهو عَمرو بن خالد أبو خالد القُرشيّ مولى بني هاشم، أصله من الكوفة، ثم انتقل إلى واسط. وفي الرّواة عمرو بن خالد أبو حفص الأعْشى الكوفي. والحَنْظليّ في نسبه مرّ الكلام عليه في السادس من بدء الوحي. ومر الكلام أيضًا على الجَزْري في الأثر الأول من كتاب الإِيمان.
الثاني: زُهير بن مُعاوية بن حُدَيْج، بالحاء المهملة والتصغير، ابن الرُّحَيْل بن زهير بن خَيْثمة، أبو خَيْثمة .. الكوفيّ، سكن الجزيرة. قال معاذ بن معاذ: والله ما كان سُفيان بأثبت من زهير، فإذا سمعتُ الحديث من زُهير فلا أبالي أن لا أسمعه من سُفيان. وقال ابن حِبان في الثقات: كان حافظًا مُتقنًا، وكان أهل العراق يقولون في أيام الثَّوريّ: إذا مات الثوري ففي زهير خَلَفٌ. وكانوا يُقدِّمونه في الإِتقان على غيره، وعاب
стр. 780
عليه بعضهم أنه كان ممن يَحْرس خَشَبة زيد بن علي لما صُلِب. وقال ابن سعد: كان ثِقة، ثبتًا، مأمونًا، كثير الحديث. وقال شُعيْب بن حَرْب: كان زهير أحفظ من عشرين مثل شُعبة.
وقال بِشْر بن عُمر الزَّهرانيّ عن ابن عُيَيْنة: عليك بزهير بن معاوية، فما بالكوفة مثلُه. وقال أحمد: كان من معادِن الصِّدق. وقال أيضًا: زهير فيما روى عن المشائخ ثبتٌ بَخٍ بَخٍ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لِينٌ.
سمع منه بآخره. وقال ابن مَعين، وقال أبو زرعة: ثقةٌ إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط وقال أبو حاتم: زهير أحبّ إلينا من إسرائيل في كل شيء إلا في حديث أبي إسحاق. فقيل له: فزائِدةُ وزُهير؟ قال: زهير أتقن من زائدة، وهو أحفظ من أبي عُوانة، وما أشبه حديثه بحديث زيد بن أبي أُنَيْسة، وزُهير ثقةٌ مُتْقن صاحبُ سنّة. وهو أحبّ إليّ من جَرير وخالد الواسطيّ. وقال العجليّ: ثقة مأمون. وقال النّسائي: ثقة ثَبْتٌ. وقال ابن مَنْجَوَيْه: كان حافظًا متقنًا، وكان أهل العراق يقدِّمونه في الإِتقان على أقرانه.
حدَّث عنه ابن جُرَيْج وعبد السلام بن عبد الحميد الحَرّانيّ، وبين وفاتيْهما بضعٌ وتسعون سنة. روى عن أبي إسحاق السّبيعيّ، وسُليمان التَّيْميّ، وعاصم الأحْول، والأعمش، وسِماك بن حَرْب، وزَبيد الياميّ وموسى بن عُقْبة، وهشام بن عُروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق كثير.
وروى عنه ابن مَهْديّ والقطّان وأبو داود الطّيالسِيّ وأبو النصر هاشم ابن القاسم، ويحيى بن آدم، وعليّ بن الجَعْد، وعبد السلام بن عبد الحميد الحرّانيّ، وهو آخر من حدّث عنه، وجماعة. مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين ومئة، في رجب، وولد سنة مئة. وليس في الستة زهير ابن معاوية سواه. وأما زهير فثلاثة عشر والجُعفيّ في نسبه مر الكلام عليه في الثاني من كتاب الإِيمان، ومر الكلام على الكوفيّ في الثالث منه أيضًا.
стр. 781
الثالث: عَمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال عليّ، ويقال ابن أبي شَعِيرةٍ، أبو إسحاق السّبيعيّ الكوفيّ. وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان.
قال أبو داود الطّيالِسِيّ: قال رجل لِشُعبة: سمع أبو إسحاق من مُجاهِد؟ قال: ما كان يصنع بمجاهد؟ هو والله أحسن حديثًا من مجاهد، ومن الحسن وابن سيرين. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أحفظ من أبي إسحاق الشَّيْبانيّ، وشِبْه الزُّهريّ في كثرة الرّواية واتساعه في الرجال، وقال العجْليّ: كوفيٌ تابعيٌ ثقة، والشَّعبيّ أكبر منه بسنتين، ولم يسمع أبو إسحاق من عَلْقَمة. ولم يسمع من حارثٍ الأعْور إلا أربعة أحاديث، والباقي كتاب.
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أيّما أحب إليك أبو إسحاق أو السدّيّ؟ فقال: أبو إسحاق ثقة، ولكن هؤلاء الذين حَمَلوا عنه بأخْرَة.
وقال ابن مَعين والنّسائي: ثقة. وقال ابن المَدينيّ: أحصينا مَشْيَختَه نحوًا من ثلاث مئة شيخ، وقال مرة أربع مئة. وقد روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. وعن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله إذا رأوا أبا إسحاق قالوا: هذا عَمرو القارىء. وقال عَوْن بن عبد الله: ما بقي منك؟ قال: أُصَلّي البقرة في ركعة. قال: ذهب شرُّك وبقي خيرُك. وعن أبي بكر ابن أبي عيّاش قال: قال أبو إسحاق: ذهبت الصلاة منّي وضَعُفْت، فما أقدر أن أصلّي إلا بالبقرة وآل عمران.
وقال العَلاء بن سالم: كان الأعمش يتعجب من حِفظ أبي إسحاق لرجاله الذين يروي عنهم. وقال الأعمش: كنت إذا خَلَوْت بأبي إسحاق، جئنا بحديث عبد الله غَضّا. وقال ابن حبان في الثقات: كان من المُدلِّسين. وقال شُعبة: كان أبو إسحاق إذا أخبرني عن رجل قلت له: هذا أكبر منك، فإن قال: نعم، علمتُ أنه لقي، وإن قال: أنا أكبر منه، تركته. وقال أبو إسحاق الجَوْزجَانيّ: كان قومٌ من أهل الكوفة لا تُحْمد مذاهبهم، يعني التشيع، هم رؤوس مُحدِّثي الكوفة، مثل أبي إسحاق والأعمش ومنصور بن زَبيد وغيرهم من أقرانهم. احتملهم الناس
стр. 782
على صدق ألسنتهم في الحديث، ووقفوا عندما أرسلوا لما خافوا أن لا يكون مخارِجُها صحيحة.
فأما أبو إسحاق فروى عن قوم لا يعرفون ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلا ما حكى أبو إسحاق عنهم، فإذا روى تلك الأشياء عنهم، كان التوقيف في ذلك عند الصواب. وقال معن: أفسد حديثَ أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق؛ يعني للتدليس. قال ابن مَعين: سمع منه ابن عُيينة بعدما تغير. وفي تاريخ المُظفَّريّ، أن يوسف لما ولي الكوفة أخرج بنو أبي إسحاق أبا إسحاق على بِرْذَوْن ليأخذ صِلة يوسف، فأُخِذت وهو راكب، فرجعوا به.
قال ابن حَجَر: لم أر في البخاريّ من الرواية عنه إلا عن القدماء من أصحابه، كالثَّوريّ وشُعبة، لا عن المتأخرين كابن عُيَينة وغيره.
قلت: كيف يصح هذا مع أنّ الراوي عنه لهذا الحديث زهير بن معاوية، الذي قيل إنه لم يسمع منه، إلا بعد الاختلاط؟ فالكمال لله. روى عن علي بن أبي طالب والمُغيرة بن شُعبة. وقيل: لم يَسْمع منهما، وقد رآهما. وعن سليمان بن صُرَدٍ، وزيد بن أرْقم، والبَراء بن عازِب، وجابر ابن سَمُرَة، وذي الجَوْشَن وعَدِيّ بن حاتم، وصِلة بن زُفَر، ومَسْروق بن الأجْدَع، وعَلْقمة وخلق كثير.
وعنه ابنه يونُس وابن ابنه إسرائيل بن يونس، وابن ابنه الآخر يوسف ابن إسحاق، وقَتادة والأعْمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وشُعبة ومِسْعر والثَّوريّ، وهو أثبت الناس فيه، وزهير بن معاوية، ومالك بن مغول، وسفيان بن عُيَيْنة، ومِطْرَف بن طريف وآخرون.
مات يوم دخول الضّحّاك الخارجيّ الكوفة، سنة ست وعشرين ومئة، وقيل: سنة ثمان، وقيل: تسع. وعمرو بن عبد الله في الستة سواه تسعة.
والسّبيعيّ في نسبه نسبة إلى سَبيع، كأمير، أبي بطن من هَمْدان، وهو سَبيع بن سَبُع بن صَعْب بن مُعاوية بن كُرْز بن مالك بن جُشَم بن حاشِد
стр. 783
ابن جُشَم بن خَيْران بن نَوْف بن همدان. منهم أبو إسحاق هذا، ومنهم أبو محمد الحسن بن أحمد السَّبيعيّ الحافظ، كان في حدود السبعين وثلاث مئة بحلب، وإليهم تُنْسب مَحَلَّةٌ بالكوفة. ومرّ الكلام على المختلطين في التاسع من كتاب الإِيمان.
الرابع: البَرَاء، بالمد والتخفيف، وقيل بالقَصْر، ابن عازب بن الحارث بن عَدِيّ بن جُشَم بن مَجْدَعة بن حارِثة بن الخَزْرج بن عَمرو ابن مالك بن أوْس الأنصاريّ الأوسيّ أبو عُمارة، وقيل: أبو عَمرو، وقيل: أبو الطُّفيل. له ولأبيه صحبةٌ. روى أحمد بسنده عنه "استصغرني رسول الله ﷺ يوم بدر، أنا وابن عمر، فردَّنا، فلم نَشْهَدها"، وزاد عبد الرحمن ابن عَوْسَجة: "وشَهدْتُ أحدًا" وذكر الواقديّ أن أول غزوة شهدها ابن عمر والبراء بن عازب وأبو سعيد وزيد بن أرقم -الخَندقُ. وذكر أنه ﷺ ، استصغر معه يوم بدر ابن عمر ورافع بن خَدِيج وأُسيد بن ظَهير وزيدَ بن ثابت وعُمَير بن أبي وقّاص، ثم أجاز عُميرًا فقط يومئذٍ. وقال أبو عمرو الشيبانيّ: افتتح البراء بن عازب الرّيّ سنة أربع وعشرين صُلحا، وقيل: عُنْوة. وقال أبو عُبيدة: افتتحها حُذَيْفة سنة اثنتين وعشرين. وقال حاتم ابن مُسْلم: افتتحها قَرَظَة بن كَعب الأنصاريّ. وقال المدائنيّ: افتتح بعضها أبو موسى، وبعضها قَرَظة، وشهد مع علي ﵁ مشاهدَه كلَّها.
وروي عنه أنه قال: شهدت مع النبي ﷺ أربع عشرة غزوة، وفي رواية خمس عشرة. رُوي عنه أنه قال: ما كلُّ ما حَدَّثْنا كُموه عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، حدَّثَنَاهُ أصحابه، وكان يَشْغلُنا رَعْيُ الإِبل. وقيل: هو الذي أرسله النبي ﷺ بالسَّهم إلى قَليب الحُديْبيّة، فجاش بالرِّيّ، والمشهور أنّ ذلك ناجِيَةُ. وكان يلقب ذا الغُرّة، كذا قيل. وقيل: إن ذا الغُرة آخر.
روي له ثلاث مئة حديث وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين
стр. 784
منها، وانفرد البخاريّ بخمسة عشر ومسلم بستة.
روى عن أبي بكر وعمر وعليّ وأبي أيّوب وبِلال وغيرهم. وروى عنه عبد الله بن زيد الخَطَفي وأبو جُحَيْفة، ولهما صُحْبة، وعُبيد والرّبيع ويزيد ولُوط أولاد البَراء، وابن أبي ليلى، وأبو بكر وأبو بُرْدة ابنا أبي موسى، وخلق.
مات بالكوفة أيام مُصْعب بن الزبير سنة اثنتين وسبعين، روى له الجماعة، وليس في الصحابة البراء بن عازب سواه، وفيهم البراء ستة. وفي الستة البراء سواه أربعة.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة، وهو من رباعيات البخاريّ. ورُواته كلُهم أئمة أجلّاء. فإن قيل إنه معلول بعلتين: إحداهما أن زهيرًا لم يسمع من أبي إسحاق إلا بعد الاختلاط. والثانية أن أبا إسحاق مُدَلس، ولم يصرِّح بالسماع! فالجواب عن الأولى هو أنه لو لم يثبت عند البخاري سماع زهير بن حَرْب منه قبل الاختلاط ما أودعه في صحيحه، مع أنه تابعه عليه عند البخاريّ إسرائيل بن يونس حفيده، وغيره. وعن الثانية: أن البخاري في التفسير روى من طريق الثّوريّ عن أبي إسحاق "سمعتُ البَراء" فحصل الأمْن من ذلك.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في التفسير أيضًا عن أبي نَعيم، وفي الصلاة عن عبد الله بن رَجاء، وفي خَبر الواحد عن يحيى ومُسلم في الصلاة عن محمد بن المُثنّى وغيره، والنّسائي في الصلاة، والتفسير، عن محمد بن بشّار ومحمد بن حاتم والتَرمذي فيهما أيضًا، عن هَناد. وقال: حسن صحيح. قلتُ: مرّ قريبًا أن الحديث معلولٌ بعلتين، فلا بد إذن من معرفة المعلول، وهو عند أهل الحديث يقال له معلول وبه عبّر ابن حَجَر وقال: إنه الأولى، لأنه وقع في عبارات أهل الفن مع ثبوته في اللغة. وقال النّوويّ: إنه لَحَن. ويقال له مُعَلَّل، واختاره العراقي في منظومته، ويقال مُعَلّ، من أعَلّه، يقال: لا أعَلَّك الله، أي: لا أصابك
стр. 785
بعلّة. وقال العراقيّ أيضًا: إنه الأجود.
وقال ابن الصّلاح: معرفة عِلَل الحديث من أجل علومه وأدقها وأشرفها، وإنما يقطع بذلك أهل الحفظ والخِبْرة والفَهْم الثاقب. والمُعلَّلُ في الاصطلاح هو حديثٌ ظاهره السّلامة، اطُّلع فيه بعد التفتيش على قادحٍ، والقادح هو العِلة، والعِلة عبارة عن أسباب ظهرت للناقد، وتلك الأسباب فيها غموضٌ وخَفَاء. مثاله حديث ابن جُرَيْج؛ في التّرْمذيّ وغيره، عن موسى بن عُقبة عن سُهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا "مَن جَلس مَجْلِسًا فكَثُر فيه لَغَطُه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك الَّلهُمَّ وبحمدك .. " الحديث. فإن موسى بن إسماعيل المَنْقريّ رواه عن وُهَيْب بن خالد الباهِليّ عن سُهيل المذكور، عن عَون بن عبد الله، وبهذا عَلَّهُ البخاريّ، فقال: هو مرويٌّ عن موسى بن إسماعيل، وأما موسى ابن عُقبة فلا نعرف له سماعا من سهيل.
وتعرف تلك العلة بمخالفة راوي الحديث لغيره ممن هو أحفظ منه أو أضبط أو أكثر عددًا وبِتفَرُّدِه به، بأن لم يتابَع عليه مع قرائِن تُضَمّ لذلك، يهتدي بمجموع ذلك الحاذق في الفن إلى تصويب الإِرسال لما قد وُصِل، أو وَقْف ما قد رُفع أو تصويب فَصْل متنٍ من غيره مُدْرجًا فيه، أوغير ذلك، فيُمضي ما ظنّه من عدم قبول ذلك الحديث، أو يتوقَّفُ فيه.
وتجيء العلةُ القادحة في السَّند كثيرًا وفي المتن قليلًا، وإذا وقعت في السند كانت قادحة في المتن، وذلك كقطع مُسْندٍ مُتَّصل، أو وَقْف مَرْفوع، أو غير ذلك من موانع القبول، وإنما يقع القدح في المتن بعلة السند حيث لم يتعدد السند أو لم يَقْوَ الاتصال أو الرفع مثلا، على القطع أو الوقف، أو يقع الاختلاف في تعيين واحد من ثقتين، وإلا فلا قدح.
وذلك كحديث البَيِّعان بالخيار، فقد رواه يعلي بن عُبيد الطَّنافِسِيّ عن سُفيان الثَّوريّ عن عمرو بن دينار، وشذّ بذلك عن سائر أصحاب الثَّوريّ، فكلُّهم قالوا عبد الله بن دينار. وتوبع الثوريّ عليه، فرواه كثيرون عن
стр. 786
عبد الله. قال ابن الصَّلاح: وكلاهما أي: عمرو وعبد الله ثقة فلم يَقْدح الخلاف فيهما في المتن.
وأما علة المتن القادحة فيه، فهي كحديث أنس المروي عنه في نفي البسملة، إذ ظنَّ راوٍ من رُواته حين سمع قول أنس، ﵁: صلّيت خلف النبيّ ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، نفي البَسْملة، فروى الحديث مُصرِّحًا بما ظنّه، فقال عقب ذلك: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم. وفي رواية: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة، ولا في آخرها، فصار بذلك حديثًا مرفوعًا، والراوي له مخْطيء في ظنه، ومن ثَمّ قال الشافعيُّ وأصحابه: المعنى أنهم يبدأون بقراءة أُم القرآن قبل ما يقرأونه بعدها، أنهم يتركون البسملة. وقد روى الحديث عن أنس جماعة منهم حُميد وقَتادة. والمُعلِّل رواية حُميد ورفعها، وهم من الوليد ابن مسلم عن مالك عنه، فإن سائر الرواة عن مالك لم يذكروا فيها "خلف النبي ﷺ " فليس عندهم إلا الوقف. وأما رواية قتادة، فلم يتفق أصحابه عنه على ذكر النفي المذكور، بل أكثرهم لم يذكروه. وجماعة منهم ذكروه بلفظ، فلم يكونوا يَجْهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وجماعة منهم بلفظ، فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم وجماعة بلفظ، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.
قال ابن حَجر: والجمع بين هذه الروايات ممكن بحمل نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على الجهر. ويدل على معلولية الحديث بخطأ النافي ما صرّح به الدّارقطني وغيره، من أن أنسًا، ﵁، لما سأله أبو مَسْلمة سعيد بن يزيد: أكان رسول الله ﷺ ، يستفتح بالحمد لله، أو ببسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لا أحفظ شيئًا فيه.
وقد مرّ أن العلة القادحة تكون خفيّة، وقد تكون أيضًا ظاهرة،
стр. 787
كالتعليل بالإِرسال الظاهر للموصول، والوَقْف الظاهر أيضًا للمرفوع، إذا قَوِي الإِرسال أو الوقف بسبب كَوْن راويه أضْبط، وأكثر عددا. وقد يطلِقون التعليل أيضًا على كل قادح من فِسْق وغَفْلة ونوع جَرْح. وقد يطلقون اسم العلة أيضًا على غير قادح، كوصل ضابط ثقةٍ لما أرْسل، كحديث مالك في الموطأ أنه قال: بَلَغَنا أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : للمملوك طعامه وكسْوَته، فقد وصله مالك في غير الموطأ بمحمد بن عَجْلان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، فقد صار الحديث بتبين الإِسناد صحيحًا يعتمد عليه.
وهذا الإِطلاق لأبي يعلى الخليليّ، فإنه قال في إرشاده: الحديث أقسام: معلول صحيح، وصحيح متفق عليه، وصحيح مُختلفٌ فيه.
ومثَّل للصحيح المعلول بحديث الموطأ هذا. وعند الخليليّ ومن وافقه كالحاكم كما يُطلق المعلول على الصحيح، يطلق عليه الشذوذ أيضًا.
فيُقال فيه: صحيح شاذٌّ. فالشذوذ عندهما قادح في الاحتجاج لا في التسمية. وسمّى التِّرمذيّ النَّسْخ علة، فإن أراد أنه علة في العمل بالمنسوخ، فذلك صحيح. وإن أراد أنه علة في صحته أو صحة نقله، فلا، لأن في كتب الصحيح أحاديث كثيرة صحيحة ومنسوخة، وقد صحح التِّرمذيّ نفسه منه جملة، فمراده الأول.
وقد أشار العراقيّ إلى المُعلّل بقوله:
وسَمِّ ما بعلّة مشمولُ ... مُعَلَّلًا ولا تقُل معلُولُ
وهي عبارةٌ عن أسباب طَرَتْ ... فيها غُموضٌ وخَفاء أُثِرتْ
تُدْرك بالخِلافُ والتفَرُّدِ ... مَعْ قرائنَ تُضمُّ يَهْتدي
جَهْبذُها إلى اطِّلاعه على ... تَصْويب إرسال لما قد وَصَلا
أوْ وَقْف ما يُرفع أو مَتْنٍ دخلْ ... في غيره أو وهْمِ واهمٍ حَصَل
ظنّ فأهْدى أو وَقَف فأحْجَما ... مع كونه ظاهِرُه أن سَلِما
وهي تجيءُ غالبًا في السِّندِ ... تَقْدحَ في المَتْن بقطعِ مُسْندِ
стр. 788
أو وَقْف مرفوع، وقد لا تَقْدحُ ... كالبَيِّعان بالخِيار صَرَّحوا
بوَهم يعلى بن عُبيد أبْدَلا ... عَمْرًا بعبد الله حين نَقَلا
وعلةُ المَتْنِ كنَفْي البَسْملهْ ... إذْ ظنَّ راوٍ نفْيَها فَنَقَلهْ
وصَحَّ إنَ أنْسًا يقول: لا ... أحفظ شيئًا فيه حين سُئِلَا
وكَثُر التعليل بالإِرسال ... للوَصْل إنْ يَقْوَ على اتِّصال
وقد يَعلوه بكُلِّ قَدْحِ ... فِسْقٌ وغَفْلةٌ ونوعُ جَرْحِ
ومنهُمُ من يُطلِق اسْم العِلِّةِ ... لغَير قادحِ كوَصْل ثِقةِ
يقولُ: معلولٌ صحيحٌ كالذي ... يقولُ: صَحَّ مَعْ شذُوِذٍ احتذِي
والنسخُ سَمّى التِّرمذيّ عِلّهْ ... فإنْ يردْ في عَملٍ فاجنحْ لهْ
ثم قال المصنف: قال زهير: حدثنا أبو إسحاق عن البَراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندرِ ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقوله: أنه مات على القبلة، أي قبلة بيتِ المقدس قبل التحويل إلى الكعبة. قوله: وقُتِلوا، هو بضمّ أوّله وكسر ثانيه، وفائدةُ ذكر القتل بيانُ كيفيته، إشعارًا بشَرفِهِم، واستبعادا لضياع طاعتهم. أو أن الواو بمعنى أو فيكون شكا. لكن قال في الفتح: ذكْرُ القتل لم أره إلا في رواية زُهير، وباقي الروايات إنما فيها ذكرُ الموت فقط. وكذلك روى أبو داود والتِّرمذيّ وابن حِبّان والحاكم، صحيحا، عن ابن عباس. ثم قال: لكن لا يَلْزم من عدم الذِّكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فتُحمل على أن بعض المسلمين، ممن لم يشتهر، قُتِل في تلك المدة في غير الجهاد، ولم يُضْبط اسمه لعدم الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك. ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو سُوَيْد بن الصّامت، فقد ذكر ابن إسحاق أنه لقي النبي ﷺ ، قبل أن تلقاه الأنصار في العقبة، فعرض عليه الإِسلام فقال: إن هذا القول حَسَنٌ، وانصرف إلى المدينة وقُتِل بها في وقعة بُعَاث بين الأنصار. وكانت قبل الهجرة، فكان قومه
стр. 789
يقولون لقد قُتِل وهو مسلم، فيحتمل أن يكون هو المراد، قال: وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين، كأبوي عمّار، ولكن هذا يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما كان بعد الإِسراء، يعني ليكونا قُتِلا بعد فرض الصلاة.
وقوله: فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: بالقِبلة المنسوخة، أو صَلاِتكم إليها. ووقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر، كما صح من حديث البراء أيضًا، فنزل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:١٣٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
والذين ماتوا قبل تحويل القبلة من المسلمين عشرة أنفس، فبمكة من قريش: عبد الله بن شِهاب، والمُطَّلب بن أزهر الزُّهْريّان، والسَّكْران ابن عَمرو العامِريّ. وبأرض الحبشة منهم: حَظَّان، بمُهملة، ابن الحارث الجُمَحيّ، وعمرو بن أُميّة الأسَدِيّ، وعبد الله بن الحارث السّهمْيّ، وعُرْوة بن عبد العُزّى، وعَديّ بن نَضْلة العَدَويّان. ومن الأنصار بالمدينة: البَراء بن مَعْرُور، بمهملات، وأسعد بن زُرارة. فهؤلاء العشرة متفق عليهم.
ومات في المدة أيضًا: إياس بن معاذ الأشْهليّ، لكنه مُختلفٌ في إسلامه. والمقتولون ثلاثة: أحدهم لم يثبت إسلامه: أبوا عمّار، وهما ياسر وسمية الصحابيان إجماعا، والثالث سُوَيد بن الصّامت. فالجميع أربعة عشر. وهذه الأربعة عشر عُرفت منها سُميّة والدة عمّار بن ياسر في الثالث عشر من "فضائل الصحابة" وعرف البراء بن معرور في تعليق بعد الحادي والأربعين من المَبْعث النبويّ، وأسعد بن زُرارة في السادس والخمسين منه، وها أنا أذكر تعريف الباقين على هذا الترتيب المذكور فوق.
стр. 790
الأول: عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن زُهرة بن كِلاب الزُّهريّ، وهو جدُّ الزُّهريّ من قبل أُمّه، وكان من السابقين. ذكره الزُّهريّ والزُّبير وغيرهما فيمن هاجر إلى الحبشة. ومات بمكة قبل هجرة المدينة. وكذا قال الطَّبريّ. وقال ابن سَعد والزُّبير: كان اسمه عبد الجانّ، فسماه النبيّ ﷺ ، عبد الله. زاد ابن سعد: وليس له حديث. وزَعَم السهَيْليّ أنه مات بمكة بعد الفتح. ولعل مستَنَدَه ما ذكره الوَقّاصيّ من أن عبد الله بن شِهاب قدم مع جعفر في السفينة، لكن الوقّاصيّ ضعيف. وذكر البخاريّ في تاريخه الأوسط أن أبا بكر بن عبد الرحمن، وسعيد بن المُسيّب وعُروة قالوا: وممّن أقام بالحبشة عبد الله بن شهاب.
الثاني: المُطَّلب بن أزْهر بن عَبدِ عَوْف الزُّهريّ، ابن عم عبد الرحمن ابن عوف بن عبد عوف. ذكره ابن إسحاق فيمن هاجَر إلى الحبشة، ومات بها، وورثه ابنه عبد الله. ويقال: إنه أول من وُرِث في الإِسلام.
وقال الواقِديّ: هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، فوُلد له بها عبد الله.
وقال ابن الكلبيّ: هاجر مع ولده عبد الله فماتا جميعًا بأرض الحبشة، وكانت مع المُطَّلب امرأته رَمْلةُ بنت أبي عَوْف بن صُبَيْرة بن سَعيد بن سَعد السّهميّ.
الثالث: السّكران بن عَمرو بن عَبدِ شَمْس بن عَبْد وُدٍّ بن مالك بن نَصْر بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيْ القُرشيّ العامِرِيّ، أخو سُهيل بن عمرو.
ذكره موسى بن عُقبة في مُهاجرة الحبشة، وكذا قال ابن إسحاق، وزاد: أنه رجع إلى مكة، فمات بها، وتزوج النبيُّ ﷺ بعده زوجته سَوْدة بنت زَمْعة، زَوَّجَه إياها أخوها حاطب. وزعم أبو عُبَيْدة أنه رجع إلى الحبشة فتَنصّر بها ومات. وقال البَلاذَرِيّ: الأول أصح، ويقال: إنه مات بالحبشة.
الرابع: حطّان، بمهملة، ابن الحارث بن يَعْمُر بن حَبيب بن وَهْب
стр. 791
ابن حذافَة بن جُمَحٍ القَرشِيّ الجُمَحيّ، ذكره موسى بن عُقبة في مُهاجرَة الحَبَشة. وابن إسحاق والطَّبريّ في الذيل.
الخامس: عمرو بن أُميّة بن الحارث بن أسَد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ الأسَديّ. قال الطبريُّ في الذَّيل: كان قديمَ الإِسلام. وذكره الواقديّ والطبريّ فيمن هاجر إلى أرض الحبشة ومات بها.
السادس: عبد الله بن الحارث بن قَيْس بن عَديّ بن سَعِيد بن سَعْد ابن سَهْم القُرشيّ السّهمْيّ: ذكره ابن إسحاق وغيره فيمن هاجر إلى الحبشة. وذكر ابن الكَلْبيّ له شعرًا يُحرّض المسلمين على الهجرة إلى الحبشة، ويذكر ما لقوا فيها من الأمن فمنه:
يا راكبًا بلِّغَن عني مُغلْغَلةً ... مَن كان يرجو لقاءَ الله والدِّينِ
أنّا وجَدْنا بلاد الله واسعةً ... تُنْجي من الذُّلِّ والمَخْزاة والهُونِ
فلا تُقيموا على ذُلِّ الحياة ولا ... خِزْي المَمات، وعيبٍ غير مأمونِ
إنا تَبِعنا رسول الله واطَّرحُوا ... قولَ النبي وعالُوا في الموازينِ
وفي كتاب البلاذَرِيّ وذيل الطَّبريّ: أنه مات بالحبشة. وذكر ابن إسحاق والزُّبير بن بَكّار أنه مات بالطّائف. وذكر ابن سَعْد والمَرْزُبانيّ أنّه قُتل باليمامة. وقال المَرْزُبانيّ: كان يُلَقب المُبْرق لقوله:
إذا أنا لم أُبْرق فلا يَسَعَنَّنِي ... من الأرض برٌّ ذو فضاء ولا بَحْرُ
السابع: عُرْوة بن عبد العُزّى بن حُرْمان بن عَوْف بن عَبيد بن عُويج ابن عدِيّ بن كعْب القُرشيّ العَدويّ: ذُكر فيمن هاجر إلى الحبشة ومات بها.
الثامن: عديّ بن نَضْلة أو نُضَيْلة، بالتصغير، ابن عبد العُزّى بن حَرثان بن عوف بن عَبِيد بن عُويْج بن عَدِيّ بن كَعْب القُرشيّ العَدويّ.
стр. 792
ويقال: عديّ بن أسَدَ. ذكره ابن إسحاق في مُهاجرة الحبشة. وقال موسى ابن عُقبة: عديّ بن أسد العدويّ، مات بالحبشة، وهو أول موروث وُرِث في الإِسلام، ورثه ابنه النُّعمان، فخالف ابن إسحاق في نَسبه، وفي أوَّليته. فإن ابن إسحاق قال: إن أول موروث في الإِسلام المُطَّلب ابن أزْهر كما مر. ووافق موسى الزُّبير بن بكّار. قال في الإِصابة: ويمكن الجمع بأن تكون أولية المطلب بالحجاز وأولية عدي بالحبشة.
قلت: قد مر بك أن المُطّلب ورث بالحبشة أيضًا، لا بالحجاز، فلا يمكن الجمع المذكور.
التاسع: إياس بن مُعاذ الأنصاريّ الأشهليّ. قال ابن السَّكْن وابن حِبّان: له صُحْبة. وذكره البُخاريّ في الأوسط فيمن مات على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -، من المهاجرين الأولين والأنصار. وقال مُصْعَب الزُّبيْريّ: قدِم إياس مكةَ وهو غلام قبل الهجرة، فرجع ومات قبل هجرة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -. وذكر قومه أنه مات مسلمًا.
وروى ابن إسحاق في المغازي عن محمود بن لَبِيد قال: لما قَدِم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فِتْيةٌ من بني عبد الأشهل، فيهم إياس ابن مُعاذ، يلتمسون الحِلْف من قريش على قومهم من الخَزْرج، سمع بهم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فأتاهم، فجلس إليهم، فقال لهم: هلْ لكم إلى خيرٍ ممّا جئتُم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعَثَني إلى العباد أدعوهم إلى أن يَعْبُدوه، ولا يُشركوا به شيئا، ثم ذكر لهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن مُعاذ: يا قوم، هذا، والله، خيرٌ مما جئْتُم له. فأخذ أبو الحيسر حَفْنَة من البطْحاء، فضرب وجهه بها، وقال: دَعْنا منك، فَلَعمْري لقد جئنا لغير هذا، فسكت وقام وانصرفوا، فكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخَزْرج، ثم لم يَلْبثْ إياس ابن مُعاذ أن مات. قال محمود ابن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يُهَلِّل الله ويُكبّره ويُحَمِّده ويُسبِّحه، فكانوا لا يشكون أنه مات مسلمًا. وهذا من صحيح حديث ابن إسحاق.
стр. 793
العاشر: سُوَيد بن الصَّامِت بن حارِثَةَ بن عَديّ بن قَيسِ بن زَيْد بن مالك بن ثَعْلبةَ بن كعْب بن الخَزْرَج الأنصاريّ. قال ابن سَعْد والطَّبريّ: شَهد أُحدًا وأنشد له دِعْبل بن عليّ في طبقات الشعراء، وكان قد أدان دَيْنا وطولب، فاستغاث بقومه فَقَصَّروا عنه، فقال:
وأصْبحتُ قد أنْكَرتُ قومي كأنّني ... جَنيْتُ لهم بالدَّين أخزى الفضائحِ
أدين وما دَيْني عليهم بِمَغْرمٍ ... ولكنْ على الحزر الجِلادِ القرادحِ
أدين على أثمارها وأصولها ... لمولى قريبٍ أو لآخَرَ نازحِ
هذا ما قال في الإِصابة من أنه شهد أُحدًا. وهو مخالف لما مر عنه في الفتح، من أنه مات في بُعاث، فلعله التَبَس عليه هو وإياس بن مُعاذ، لأنه هو الذي مات بُبعاث كما مر.
الحادي عشر: ياسر العَنْسِي بالنون، حَليف آل مَخْزوم، قَدِم من اليمن فحالَف أبا حُذيْفَة بن المُغيرة، فزوَّجه أمَةً له يقال لها سُمَية، فولدت له عمارًا فأعتقه أبو حُذيفة. ثم كان عمّار وأبوه ممن سَبق إلى الإِسلام فقد أخرج أبو أحمد الحاكم عن عبد الله بن جَعْفر قال: مر رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بياسر وعمّار وأمِّ عمار سُميَّةَ، وهم يُؤذَوْن في الله، فقال لهم: صَبْرًا يا آل ياسر، صبرًا يا آل ياسر، فإن موعدَكم الجنة. ورواه ابن الكَلْبيّ في التفسير عن ابن عبّاس نحوه، وزاد وعبد الله ابن ياسر، وزاد فطعن أبو جَهل سُمَيّة في قُبُلها فماتت، ومات ياسر في العذاب، ورُميَ عبد الله فسقط. قلت: وإذا كانت رواية ابن الكلبيّ هذه صحيحة يكون عبد الله بن ياسر معدودًا في المقتولين.
ورجاله الثلاثة مرّوا في أول الرواية لهذا الحديث. وَوَهِم من قال إنه مُعَلَّق، وقد ساقه المُصَنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نُعيم عن زُهير سِياقًا واحدًا، وأخرجه أبو داود والتِّرمِذيّ من حديث ابن عباس.
ثم قال المصنف:
стр. 794
باب حسن إسلام المرء
والباب هنا مضافٌ قطعًا. ووجه المناسبة بين البابين أن المذكور في الباب الأول أن الصلاةَ من الإِيمان، وهذا الباب فيه حُسنُ إسلام المرء، ولا يَحسُن إسلام المرء إلا بإقامة الصلاة.
стр. 795
الحديث الرابع والثلاثون
٤١ - قَالَ مَالِكٌ أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا».
قوله: "إذا أسلم العبد" هذا الحكم يشترك فيه الرجال والنساء، وذكره بلفظ المذكر تغليبًا.
وقوله: "فحسن إسلامه" أي: صار إسلامه حسنًا باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن، والظاهر، وأن يستحضر عند عمله قرب ربه منه، وإطلاعه عليه، كما دل عليه تفسير الإِحسان في حديث سؤال جبريل كما سيأتي.
وقوله: "يكفر الله عنه كل سيئة" هو بضم الراء، لأن إذا وإن كانت من أدوات الشرط لكنها لا تجزم إلا في الضرورة، واستعمل الجواب مضارعًا وإن كان الشرط بلفظ الماضي لكنه بمعنى المستقبل، وفي رواية البزار: "كفر الله" فواخى بينهما، واعتراض العيني على صاحب "الفتح" بأن إذا تجزم، واستشهاده ببيت الشاعر غلط، فإن جزمها مقيد بالشعر، وهذا النثر.
قوله: "كان زلفها" رويت بالتشديد والتخفيف وأزلفها بالهمزة، وكلها بمعنى واحد، أي: أسلف وقدم، كما قاله الخطابي، وقال في "المحكم": أزلف الشيء قربه، وزلفه مخففًا ومثقلًا قدمه، والزُّلفة تكون في الخير والشر، وأما القُربة فلا تكون إلا في الخير، وفي "المشارق": زلف بالتخفيف أي: جمع وكسب، وهذا يشمل الأمرين.
стр. 796
وروى الدارقطني هذا الحديث عن مالك بلفظ: ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلا كتب الله له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل خطيئة زلفها بالتخفيف فيهما، وللنسائي نحوه، لكن قال: أزلفها.
وقوله في هذا الحديث: "كتب الله" أي: أمر أن يكتب، ورواه الدارقطني عن مالك بلفظ: "يقول الله للملائكة: اكتبوا". وكتابة الحسنات المتقدمة قبل الإِسلام الساقطة من رواية البخاري ثابتة في جميع الروايات، وقد قيل: إن البخاري أسقطها عمدًا لأنها مشكلة على القواعد، وقال المارزي: الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على العمل الصالح الصادر منه في شركه، لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفًا لمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، ووافقه القاضي عياض على هذا الإِشكال، واستضعف النووي ذلك، وقال: الذي عليه المحققون، بل نقل بعضهم فيه الإجماع، أن الكافر إذا فعل أفعالًا جميلة كالصدقة وصلة الرحم، ثم أسلم ومات على الإِسلام فإن ثواب ذلك يكتب له، وأما دعوى أن ذلك مخالف للقواعد، فغير مسلم، لأنه قد يعتد ببعض أفعال الكافر في الدنيا، ككفارة الظهار، فإنه لا تلزمه إعادتها إذا أسلم، وتجزئه، وقد جزم بما جزم به النووي إبراهيم الحربي، وابن بطّال، وغيرهما من القدماء، والقرطبي وابن المنير من المتأخرين.
قال ابن المنير: المخالف للقواعد دعوى أن يكتب له ذلك في حال كفره، وأما أن الله يضيف إلى حسناته في الإِسلام ثواب ما كان صدر منه مما كان يظنه خيرًا فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداء من غير عمل، وكما يتفضل على العاجز بثواب ما كان يعمل، وهو قادر، فهذا جاز أن يكتب له ثواب ما لم يعمل البتة، جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفى الشروط.
وقال ابن بطال: لله أن يتفضل على عباده بما شاء، ولا اعتراض لأحد عليه.
стр. 797
واستدل غيره بأن من آمن من أهل الكتاب يؤتى أجره مرتين، كما دل عليه القرآن والحديث الصحيح، وهو لو مات على إيمانه الأول لم ينفعه شيء من عمله الصالح، بل يكون هباءً منثورًا، فدل على أن ثواب عمله الأول يكتب له مضافًا إلى عمله الثاني، وبقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لما سألته عائشة عن ابن جُدْعان وما كان يصنعه من الخير هل ينفعه؟ فقال: "إنه لم يقُل يومًا ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين" فدل على أنه لو قالها بعد أن أسلم نفعه ما عمله في الكفر.
قلت: ما قاله النووي ومن وافقه هو صريح ما أخرجه البخاري في كتاب الأدب والزكاة والعتق، عن حكيم بن حِزام، ولفظه أنه قال: يا رسول الله أرأيت أمورًا كنت أتَحنَّثُ بها في الجاهلية من صلة وعتاقة وصدقة، هل كان لي فيها من أجر؟ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "أسلمتَ على ما سلفَ من خيرٍ". والذين قالوا: إن الكافر لا يثاب، حملوا هذا الحديث على وجوه أخرى، منها أن يكون المعنى: أنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعًا جميلة، فانتفعت بتلك الطباع في الإِسلام، وتكون تلك العادة قد مَهَّدت لك معونةً على فعل الخير، أو أنك اكتسبت بذلك ثناءً جميلًا، فهو باق لك في الإِسلام، أو أنك ببركة فعل الخير هُديت إلى الإِسلام، لأن المبادىء عنوان الغايات، أو أنك بتلك الأفعال رُزقت الرزق الواسع، قال ابن الجوزي: قيل: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ورّى عن جوابه، فإنه سأل: هل لي فيها من أجر؟ فقال: "أسلمت على ما سَلفَ من خير" والعتق فعل الخير، وكأنه أراد: إنك فعلت الخير، والخير يُمدح فاعله، ويُجازى عليه في الدنيا، فقد روى مسلم عن أنس مرفوعًا: "إن الكافر يُثاب في الدنيا بالرِّزقِ على ما يفعله من حسنةٍ" وفيما أخرجه في العتق عن هشام. إن حكيمًا أعتق في الجاهلية مئة رقبة، وحمل على مئة بعير، وقال: فوالله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإِسلام مثله.
قال في "الفتح": والحق أنه لا يلزم من كتابة الثواب للمسلم في
стр. 798
حال إسلامه تفضلًا من الله تعالى وإحسانًا أن يكون ذلك لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولًا، والحديث إنما تضمن كتابة الثواب، ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول يصير معلقًا على إسلامه فيُقبل ويُثاب إن أسلم، وإلا فلا، وهذا أقوى.
والتكفير هو التغطية، وهو في المعاصي كالإِحباط في الطاعات.
وقال الزَّمَخْشَرِيّ: التكفير إماطة المستحق من العقاب بثواب زائد.
وقوله: "وكان بعد ذلك القصاص" أي: بعد حسن الإِسلام، والقصاص بالرفع اسم كان على أنها ناقصة، أو فاعل على أنها تامة، وعبر بالماضي وإن كان السياق يقتضي المضارع، لتحقق الوقوع، كما في نحو قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ والقصاص هو كتابة المجازاة في الدنيا.
وقوله: (الحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا) الحسنة مبتدأ والخبر بعشر، والجملة استئنافية.
وقوله: "إلى سبع مئة ضِعْف" متعلق بمقدر، أي: منتهية، والضعف -بكسر الضاد- المثل إلى ما زاد، ويقال: لك ضعفه يريدون مثليه، أو ثلاثة أمثاله، لأنه زيادة غير مخصوصة، وقد حكى الماوردي أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية، فقال: إن التضعيف لا يتجاوز سبع مئة، ورد بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] والآية محتملة للأمرين، فتحتمل أن يكون المراد أنه يُضاعف تلك المضاعفة بأن يجعلَها سبع مئة، ويحتمل أنه يضاعف السبع مئة بأن يزيد عليها، والمصرح بالرد عليه حديث ابن عباس المخرج عند المصنف في الرقاق، ولفظه: "كتبَ اللهُ له عشرَ حسناتٍ إلى سبع مئة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرةٍ"، وقد ذكرت هذا الحديث في باب: أنا أعلمكم بالله، وذكرت جميع مباحثه هناك مستوفاة.
وقوله "إلا أن يتجاوزَ الله عنها" زاد سمّويه في "فوائده": "إلا أن
стр. 799
يغفرَ الله وهو الغفورُ" وفيه دليل على الخوارج وغيرهم من المكفرين بالذنوب، والموجبين لخلود المذنبين في النار، فأول الحديث يرد على من أنكر الزيادة والنقص في الإِيمان، لأن الحسن تتفاوت درجاته، وآخره يرد على الخوارج والمعتزلة.
رجاله أربعة:
الأول: مالك بن أنس الإِمام مر في الثاني من بدء الوحي.
ومر زيد بن أسلم، وعطاء بن يسار في الثاني والعشرين من كتاب الإِيمان هذا.
ومر أبو سعيد الخُدْريّ في الثاني عشر منه أيضا.
وهذا الحديث أورده البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وقد مر الكلام على التعليق وأحكامه في الرابع من بدء الوحي، ولم يوصله البخاري في موضع آخر من هذا الكتاب، وقد وصله أبو ذَرٍّ الهَرَويّ في روايته "للصحيح"، فقال عقِبهُ: أخبرنا النَّضْروِيّ هو العباس بن الفضل، حدثه الحسن بن إدريس، حدثه هشام بن خالد، حدثه الوليد بن مسلم، عن مالك به. وكذا وصله النّسائي من رواية الوليد بن مسلم، حدثه مالك، ووصله الحسن بن سفيان من طريق عبد الله بن نافع، والبزار من طريق إسحاق الغزويّ، والإِسماعيلي من طريق عبد الله بن وَهْب، والبيْهَقيّ في "الشعب" من طريق إسماعيل بن أبي أويس، كلهم عن مالك، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى، عن مالك، وذكر أنَّ مَعْن بن عيسى رواه عن مالك، فقال: عن أبي هُريرة بدل أبي سعيد، وروايته شاذة، وقال الخطيب: هو حديث ثابت. وذكر البزار أن مالكًا تفرد بوصله.
لطائف إسناده: منها أن رواته كلهم أئمة أجلاء مشهورون، ومنها أنه مسلسل بلفظ الإِخبار على سبيل الانفراد، وهو القراءة على الشيخ إذا
стр. 800
كان القارىء وحده عند من فرَّق بين التحديث والإِخبار، وبين أن يكون معه غيره أو لا يكون، وقد مر الكلام عليه في الحديث الأول، ويأتي مستوفى إن شاء الله في كتاب العلم، ومنها أن فيه التصريح بسماع الصحابي من النّبي ﷺ ، وهو يدفع احتمال سماعه من صحابي آخر.
стр. 801
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا".
قوله: "إذا أحسن أحدكم إسلامه" كذا له، ولمسلم ولإِسحاق بن راهُوَيه في "مسنده": "إذا حسُنَ إسلامُ أحدكم" وكأنه رواه بالمعنى، لأنه من لازمه، والخطاب بأحدكم بحسب اللفظ للحاضرين، لكن الحكم عام لهم ولغيرهم باتفاق، لأن حكمه ﵊ على الواحد حكم على الجماعة، ويدخل فيه النساء والعبيد، لكن النزاع في كيفية التناول أهي بالحقيقة اللغوية أو الشرعية أو العرفية أو المجاز.
وقوله: "فكل حسنة" مبتدأ خبره تكتب، وهذا اللفظ ينبىء أن اللام في قوله ذهب الحديث السابق: "الحسنة بعشر أمثالها" للاستغراق.
وقوله: "تكتبُ له بمثلِها" الباء فيها للمقابلة، وزاد مسلم وإسحاق والإِسماعيلي: "حتى يَلْقى الله " وقيد الحسنة والسيئة هنا بالعمل، وأطلق في السابق، فيُحمل المطلق على المقيد، وهذا الحديث استوفيت مباحثه في الذي قبله.
رجاله خمسة:
الأول: إسحاق بن منصور بن بَهْرام الكَوْسج أبو يعقوب التَّميمي المَرْوَزي نزيل نَيْسابور.
قال مسلم: ثقة مأمون، أحد الأئمة من أصحاب الحديث وقال
стр. 802
النَّسائي: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الحاكم: هو أحد الأئمة من أصحاب الحديث، من الزهاد المتمسكين بالسنة. وقال الخطيب: كان فقيهًا عالمًا. وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق ثقة، وكان غيره أثبت منه.
روى عن: ابن عُيينة، وابن نُمير، وعبد الرزاق، وأبي داود الطَّيالسيّ، وابن مَهْدي، والقطان، وخلق كثير، وتَلْمَذَ لأحمد بن حَنبل، وإسحاق ابن راهُويْه، ويحيى بن معين، وله عنهم مسائل.
وروى عنه الجماعة سوى أبي داود، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، وإبراهيم الحربي، وأبو بكر محمد بن علي ابن أخت مسلم بن الحجّاج، وغيرهم.
مات بنيسابور يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لعشر خَلَون من جُمادى الأولى سنة إحدى وخمسين ومئتين.
وفي الستة إسحاق بن منصور سواه اثنان، أبو عبد الرحمن السَّلُولي مولاهم، روى عن زهير بن معاوية وغيره. والثاني: السُّلَميّ روى له أبو داود.
والكَوْسج -بفتح الكاف، وقد يضم- وهو الذي لا شَعْر على عارضيه، وهو الأثَطّ، والكَوْسج أيضًا ناقص الأسنان، ويقال من طالت لحيته تَكَوْسجَ عقله.
وحكي أن امرأة قالت لزوجها: أنت كَوْسج. فقال لها: إن كنتُ كوسجًا فأنتِ طالقٌ، فسئل عن ذلك الإِمام أبو حنيفةَ، فقال: عدّوا أسنانه، فإن كانت ثمانيةً وعشرين فهو كَوْسج، وتطلق عليه امرأته، وإن كانت اثنتين وثلاثين فلا، ولا تطلق، فعُدّت، فوجدت اثنتين وثلاثين.
الثاني: عبد الرزاق بن هَمّام بن نافع الحِمْيرِيّ مولاهم أبو بكر الصَّنْعاني.
стр. 803
قال أبو سعد السَّمعاني: ما رحل الناس بعد رسول الله ﷺ مثل ما رحلوا إليه. وقال عبد الوهاب بن هَمّام: كنت عند مَعْمر، فقال: يختلف إلينا أربعة: رباح بن زيْد، ومحمد بن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق، فأما رباح فخليق أن تغلِبَ عليه العبادة، وأما هشام فخليقٌ أن يغلِبَ عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النِّسيان، وأما عبد الرزاق فإن عاش فخليقٌ أن تُضرب إليه أكباد الإِبل. قال ابن أبي السُّرّي: فوالله لقد أتعبها. وقال ابن أبي خَيْثمة عن ابن مَعين: وأما عبد الرزاق، والفِرْيابيّ، وأبو أحمد الزبيري، وعُبيد بن موسى، وأبو عاصم، وقَبِيصة، وطبقتهم فهم كلهم في سفيان قريب بعضُهم من بعض، وهم دون يحيى بن سعيد وابن مَهْدي ووكيع وابن المُبارك وأبي نُعيم. وقال أحمد بن صالح المِصْري: قلت لأحمد بن حَنبل: رأيت أحسن حديثًا من عبد الرزاق؟ قال: لا. وقال أبو زُرعة الدِّمَشقي: عبد الرزاق أحد من ثبت حديثه. وقال أحمد: حديث عبد الرزاق أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه، وينظر فيها باليمن، وكان يحدثهم حفظًا بالبصرة يعني معمرًا. وقال أبو زُرعة: قلت لأحمد: من أثبت في ابن جُريج عبد الرزاق أو البرساني؟ قال: عبد الرزاق. وقال ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر عن هشام بن يوسف، وكان هشام في ابن جُريج أقرأ للكتب. وقال ابن المديني: قال لي هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا. وقال الذُّهْليّ: كان عبد الرزاق أيقظهم في الحديث، وكان يحفظ، وهو أحد الحفاظ الأثبات صاحب التصانيف، وقال إبراهيم بن عَبّاد الدبري: كان عبد الرزاق يحفظ نحوًا من سبع عشرة ألف حديث. وقال ابن عَدِي: ولعبد الرزاق أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكتبوا عنه، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد روى أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب غيرهم، لم يوافقه أحدٌ من الثقات عليها، فهذا أعظم ما ذموه من روايته لهذه الأحاديث، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس عليه. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: كان ممن
стр. 804
يُخطىء إذا حدث من حفظه على تشيع فيه، وكان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر، وقال أبو داود: الفِريابيّ، أحب إلينا منه، وعبد الرزاق ثقة. وقال علي بن هشام عن عبد الرزاق: كتبت عن ثلاثة لا أُبالي أن لا أكتب عن غيرهم، كتبت عن ابن الشاذكوني، وهو من أحفظ الناس، وكتبت عن يحيى بن مَعين وهو من أعرف الناس بالرجال، وكتبت عن أحمد بن حَنْبل وهو من أثبت الناس.
وقال ابن مَعين: سمعت من عبد الرزاق كلامًا استدللتُ به على ما ذُكر عنه من المذهب، فقلت له: إن أساتيذك الذين أخذت عنهم ثقات، كلهم أصحاب سنة، معمر ومالك وابن جُريج والثَّوري والأوْزاعي فعمّن أخذت هذا المذهب؟ قال: قدم علينا جَعْفر بن سُليمان، فرأيته فاضلًا حسن الهَدْي، فأخذت هذا عنه.
وقال محمد بن أبي بَكْر المُقدَّمي: وجدت عبد الرزاق ما أفسد جعفرًا غيرُهُ يعني في التشيع. وقال ابن مَعين: وقد قيل له: قال أحمد: إن عبيد الله بن موسى يرُدُّ حديثه للتشيع، فقال: كان عبد الرزاق والله الذي لا إله إلا هو أغلى في ذلك منه مئة ضعف، ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف ما سمعت من عبيد الله.
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي: هل كان عبد الرزاق يتشيع ويُفرط في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئًا. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت سلَمة بن شَبيب يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: والله ما انشرَحَ صدري قطُّ أن أفضل عليًا على أبي بكرٍ وعمر، رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان، من لم يحبَّهم فما هو مؤمنٌ، وقال: أوثق أعمالي حبي إيّاهم، وقال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أفضِّلُ الشيخين بتفضيل عليٍّ إياهما على نفسه، ولو لم يفضِّلْهما ما فضلتهما، كفى بي ازدراءً أن أُحبَّ عليًا ثم أخالف قوله.
وقال الحسن بن علي الحلواني: سمعت عبد الرزاق، وسُئل: أتزعم
стр. 805
أن عليًا كان على الهدى في حروبه؟ قال: لاها الله إذ يزعم عليٌّ أنها فتنة، وأتقلدها له هذا. وقال أبو داود: كان عبد الرزاق يُعرِّض بمعاوية. وقال محمد بن إسماعيل الفَزَاريّ: بلغني ونحن بصنعاء أن أحمد ويحيى تركا حديث عبد الرزاق، فدخلنا غمٌّ شديد، فوافيت ابن مَعين في الموسم، فذكرت له، فقال: يا أبا صالح، لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه.
ورُوي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت، فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة، وقلت: يا رب، أكذابٌ أنا؟ أمدلسٌ أنا؟ فرجعت إلى البيت، فجاؤوني.
وقال العِجْلي: ثقة يتشيع. وقال العبّاس العَنْبريّ لما قدم صنعاء: لقد تجشمت إلى عبد الرزاق، وإنه لكذاب، والواقدي أصدق منه. وقال الذّهبي: هذا شيء ما وافق العباسَ عليه مسلم.
قال في "تهذيب التهذيب": وافقه على ذلك زيد بن المبارك، فقد قال: كان عبد الرزاق كذابًا يسرق الحديث، وقال: لم يخرج أحدٌ من هؤلاء الكبار من هاهنا إلا وهو مجمعٌ أن لا يحدث عنه.
ولكن هذا الكلام مردودٌ، ولأجل هذا كله قال النَّسائي في كتاب "الضعفاء" عبد الرزاق بن همّام فيه نظر لمن كتب عنه بأخرة، كتبوا عنه أحاديث مناكير. وقال الأثرمُ عن أحمد: من يسمع منه بعدما عمي فليس بشيء، وما كان في كتبه فهو صحيح، وما ليس في كتبه فإنه كان يُلَقَّن فيتلقن. قال ابن حجر في مقدمته: احتج به الشيخان في جملة من حديث من سمع منه قبل الاختلاط، وضابط ذلك من سمع منه قبل المئتين، فأما بعدهما فكان قد تغير، وفيها سمع منه أحمد بن شبُّويه فيما حكى الأثرم عن أحمد وإسحاق الدَّيْريّ، وطائفة من شيوخ أبي عَوانة والطبراني ممّن تأخر إلى قرب الثمانين ومئتين. وكان ﵁ يقول: من يصحب الزمان يرى الهوان، وكان ينشد:
فَذاكَ زمانٌ لعِبنا بهِ ... وهذا زمانٌ بنا يَلْعبُ
стр. 806
روى عن: ابن جُريج، وهشام بن حسان، ونور بن يزيد، ومَعْمر، ومالك والسفيانين، والأوزاعي، وزكريّاء بن إسحاق المكي، وإسرائيل، وإسماعيل، وخلق كثير.
وروى عنه: ابن عُيينة، ومعتمر بن سليمان، -وهما من شيوخه- ووكيع، وأبو أسامة -وهما من أقرانه- وأحمد، وإسحاق، وعلي، ويحيى، وأبو خَيْثمة، وأحمد بن صالح، وعمروٌ الناقد، وسلمة بن شَبيب، وعبد الله ابن محمد المُسْنِدي، وإسحاق بن منصور الكوْسَج، ومحمد بن مِهْران الجمّال، وإسحاق بن إبراهيم الدَّيْري، وغيرهم.
ولد سنة ست وعشرين ومئة، ومات في شوال سنة إحدى عشرة ومئتين عن خمس وثمانين سنة.
وفي الستة عبد الرزاق سواه واحد، وهو ابن عمر بن مسلم الدِّمشقي العابد.
وفي غير الستة اثنان ابن عُمر الثَّقفي أبو بكر الدِّمشقي الكبير. روى عن الزهري وغيره. والثاني: ابن عمر أيضًا ابن يزيد البَزِيْعيّ البيروتي، روى عن ابن المُبارك، ويحيى بن أبي زائدة.
والصَّنْعاني في نسبه نسبة إلى صنعاء مدينة باليمن من أشهر مدنه، كثيرة الأشجار والمياه، تشبه دمشق بالشام، وزادوا النون في النسبة إليها، وهي نسبة شاذة كما قالوا في بَهْراء: بَهْراني، والقياس أن يقال: صنعاوِيّ، ومن العرب من يقوله، فأبدلوا في الهمزة النون؛ لأن الألف والنون تشبهان ألفي التأنيث، وصنعاء أيضًا قريةٌ، من قرى الشام.
الثالث: مَعْمر بن راشد، وقد مر في متابعة الرابع من بدء الوحي.
الرابع: همّام بن منبِّه -باسم الفاعل من التنبيه- ابن كامل بن سَيْج -بفتح السين المهملة، وقيل: بكسرها، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره جيم- أبو عُقبة اليماني الصنعاني الأبناويّ، أخو وهب، وهو أكبر منه، ومعْقِل وعمرو.
стр. 807
قال ابن مَعين: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال العِجْلي: يماني تابعي ثقة. وقال أحمد: كان يغزو كان يشتري الكتب لأخيه وَهْب، فجالس أبا هُريرة، فسمع منه أحاديث، وهو نحو من أربعين ومئة حديث بإسناد واحد، وأدركه مَعْمر، وقد كبر وسقط حاجباه على عينيه، فقرأ عليه همام، حتى إذا ملَّ أخذ مَعْمر، فقرأ الباقي، وكان عبد الرزاق لا يعرف ما قُرىء عليه بما قرَأ هو.
روى عن أبي هُريرة، ومعاوية، وابن عباس، وابن عُمر، وابن الزُّبير.
وروى عنه: أخوه وَهْب بن مُنبِّه، وابن أخيه عقيل بن مَعْقل بن مُنَبِّه، ومعمر بن راشد، وعلي بن الحسن بن اتش.
مات بصنعاء سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل: سنة إحدى وثلاثين.
وفي الستة همّام سواه ثلاثة: النَّخَعيّ الكوفي العابد. والثاني. ابن نافع الحِمْيَري مولاهم اليماني الصنعاني. والثالث: ابن يحيى بن دينار الأزْديّ العوذِيّ.
والصنعاني في نسبه مرّ في الذي قبله.
واليماني فيه نسبة إلى اليمن بزيادة الألف، قال الجَوْهري: اليمن بلاد العرب، والنسبة إليها يمني ويمان مخففة، والألف عوضٌ عن ياء النسبة، فلا تجتمعان. قال سيبويه: وبعضهم يقول: يمانيّ بالتشديد، قال الشاعر:
يَمانيًّا يَظلُّ يَشدُّ كِيرًا ... ويَنفُخُ دائِبًا لهَبَ الشَّواظِ
واليمن في الأصل ما كان عن يمين القبلة من بلاد الغور، قال الشرقي: إنما سميت اليمن لتيامنهم إليها، قال ياقوت: وفيه نظر، لأن الكعبة مربعة فلا يمين لها ولا يسار، فإذا كانت اليمن عن يمين قوم، كانت عن يسار آخرين، وكذلك الجهات الأربع، إلا أن يريد بذلك من يستقبل الركن اليماني، فإنه أجلها، فإذن يصح، والله تعالى أعلم.
стр. 808
قلت: فيما قاله ياقوت نظر، فإن من كان مستقبلًا للقبلة من القفا عند المقام المالكي يكون اليمن إذن له على يمين القبلة بهذا الاعتبار، وفي "المراصد": إن اليمن ثلاث ولايات، الجند ومخاليفها، وصنعاء ومخاليفها، وحضرموت ومخاليفها، وقال قطرب: سُمي اليمن ليمنه، والشّام لشؤمه، وأما حد اليمن فمن وراء تثليث وما ساقها، إلى صنعاء وما قاربها، إلى حضرموت والشحر وعمان، إلى عدن أبيه وما يلي ذلك، إلى التهائم والنجود، واليمن يجمع ذلك كله، يقال: قوم يمانية ويمانون مثل ثمانية وثمانون، وامرأة يمانية أيضًا، وتيمن انتسب إلى اليمن، والتَّيْمني أفق اليمن.
والذَّماري في نسبه نسبة إلى ذَمار كسَحاب أو قِطام، قرية باليمن على مرحلتين من صنعاء على طريق المتوجه من زبيد إليها، وهي الآن مدينة عامرة كبيرة ذات قصور وأبنية فاخرة ومدارس علم، وخرج منها فقهاء ومحدثون، سميت بقيلٍ من أقيال اليمن، يقال: إنه شمر بن الأملوك الذي بني سَمَرْقند، وقيل: إن ذمارًا اسم صنعاء، وإن معنى صنعاء كلمة حبشية معناه: وثيق حصن، ويشهد له ما في اللسان وغيره: كشفت الريح عن منبر هود ﵊، وهو من الذهب، مرصع بالدر والياقوت وعن يمينه من الجزع الأحمر مكتوب بالمسند، وعبارة "اللسان": هدمتها قريش في الجاهلية، فوجد في أساسها حجر مكتوب فيه بالمسند: لمن ملك ذَمار لِحمير الأخيار؟ لمن ملك ذَمار للحبشة الأشرار؟ لمن ملك ذَمار لفارس الأحرار؟ لمن ملك ذَمار لقُريش التجار؟ وذموران ودالان قريتان بقربها، يقال: ليس بأرض اليمن أحسن وجوهًا من نسائها. قال في "تاج العروس": والأمر كما ذكر، ويضاهيها في الجمال وادي الحصيب، الذي هو وادي زبيد، حرسها الله تعالى.
والأبناويّ في نسبه أيضًا بتقديم الباء الموحدة على النون نسبة إلى الأبناء، قوم من العجم، سكنوا اليمن، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يَزَن لما جاء يستنجده على الحبشة، فنصروه وملكوا اليمن
стр. 809
وتَدَيَّروها وتزوجوا في العرب، فقيل لأولادهم: الأبناء، وغلب عليهم الأنباء لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم، والنسبة إليهم أبناويّ في لغة بني سعد، وبعض العرب يقول فيه: بَنَويّ محركة ردًّا له إلى الواحد، ويقال: إنهم ينتسبون إلى هُرْمز الفارسي الذي أرسله كسرى مع سيف بن ذي يزن، فاستوطن اليمن، وأولد ثلاثة بَهْلوان ودادَوان وبانيان، فأعقب بَهْلوان بهلول، والدادوِيّون بسعوان، ومنهم بنو المتَمَيِّر بصنعاء، وصعدة وجراف الطاهر ونحر البون، وإلدادويُّون خوارج، ومنهم: غزاكراذَمار، وهم خلق كثير.
الخامس: أبو هُريرة، وقد مر في الثاني من كتاب الإيمان هذا.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة، ومنها أن هذا الإسناد إسناد حديث من نسخة همّام المشهورة المروية بإسناد واحد عن عبد الرزاق عن معمر عنه، وقد مر الكلام على النسخة في السابع من بدء الوحي.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق.
باب أحب الدين إلى الله أدْوَمُهُ
مراد المصنف الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال، لأن المراد بالدين هنا العمل، والدين الحقيقي هو الإِسلام، والإِسلام الحقيقي مرادف للإيمان، فيصح بهذا مقصوده، ومناسبته لما قبله من قوله: "عليكم بما تُطيقون" لأنه لما قدَّم أن الإِسلام يحسُنُ بالأعمال الصالحة، أراد أن ينبه على أن جهاد النفس في ذلك إلى حد المغالبة غير مطلوب، وقد مر هذا المعنى في باب الدين يسر، وفي هذا ما ليس في ذلك على ما سيظهر.
وقوله: "أدومه" أفعل تفضيل من الدوام، والمراد به هنا الدوام العُرفي، وهو قابل للكثرة والقلة.
стр. 810
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ قَالَ "مَنْ هَذِهِ". قَالَتْ فُلاَنَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا. قَالَ "مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا". وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ
قوله: "وعندها امرأةٌ" فقال: الواو للحال، والفاء في فقال للعطف على دخل السابق، وللأصيلي قال: بحذفها، فتكون جملة استئنافية جواب سؤال مقدر، كان قائلًا قال: ماذ! قال حين دخل؟ قالت: قال من هذه.
وقوله: "قالت؟ فلانة" هذا اللفظ كناية عن كل علم مؤنث، فلا ينصرف لذلك.
وقوله: "تذكُرُ من صلاتِها" بفتح التاء الفوقانية، والفاعل عائشة، ورُوي بضم الياء التحتانية على البناء، لما يسمَّ فاعله وتاليه نائب عنه أي يذكرون أن صلاتها كثيرة، ولأحمد عن يحيى القطان: "لا تنامُ تُصلّي" وللمصنف في صلاة الليل معلقًا عن القَعْنَبيّ: "لا تنامُ بالليل" وهذه المرأة يأتي قريبًا تعريفها في الرجال، ووقع في حديث الباب حديث هشام هذا: "دخل عليها وعندها"، وفي رواية الزُّهري: "أن الحولاءَ مرَّتْ بها" فظاهره التغاير، فيحتمل أن تكون المرأة المارة امرأة غيرها من بني أسد أيضًا، وأن قصتها تعددت، والجواب أن القصة واحدة، ويبين ذلك ما أخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل له، عن هشام في هذا الحديث، ولفظه: "مرت برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحولاء بنت تُوَيتْ" فيحمل على أنها كانت أولًا عند عائشة، فلما دخل صلى الله تعالى عليه
следующие страницы →