Полный текст (739 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
منابض": موضع. "لم نرعش": لم نضطرب. و"لم نتخذل" لم يخذل بعضنا بعضاً.
٨ ... فجئنا، جميعاً، تحت ظل لوائنا
بأمرٍ جميعٍ، مبرمٍ، غير مسحل
٩ ... وليس بطيء السير، فينا، بمتعب
ولا عن جميع القوم، من متعجلِ
١٠ ... إذا ما خشينا ظهر غيب أباحه
خناذيذ خيلٍ، نعت، لم تغيل
"الغيب": ما غيبك من بطن الأرض، إذا صرت فيه. و"الخناذيذ": خيل خفاف، كرام. "نعمت" من النعمة. "لم تغيل" من الغيلة.
١١ ... فكل أخي حربٍ، جميعٍ سلاحه
طويل ظنابيب الشوى، متسربل
"الظنابيب": جمع ظنبوب، وهو عظم الساق. وقوله "جميع سلاحه" أي: تام السلاح. "متسربل" أي: عليه سربال حديد.
стр. 667
١١٠ وقال دجاجة أيضاً
١ ... تجرد علاق إلينا، وحاجبٌ
وذو الكير يدعو: يا لحنظلة، اركبوا
قال: "علاق وحاجب": ابنا عبد الله بن همام بن رياح بن يربوع. و"ذو الكير": الحارث بن بيبة بن قرط بن سفيان بن مجاشع.
٢ ... ومنا رقيبٌ، جالسٌ في علايةٍ
من الأرض، رابٍ، طرفه يتقلبُ
ويروى: "بأرض فضاء، طرفه يتقلب". قال: و"الرقيب": الذي يربأ القوم فوق رابية، ينظر: هل يأتيهم عدوهم، ومن أين يأتيهم؟ و"علاية": مكان عالٍ. و"أرض فضاء" أي: واسعة. وقوله "طرفه يتقلب" أي: ينظر ههنا وههنا.
٣ ... فأقبل، يسعى، ثوبه في شماله
يزل، على وحشيه، وهو أنكبُ
стр. 668
قوله "ثوبه في شماله" يقول: أقبل، يلوي بثوبه، يزل عن الرابية التي كان عليها. "وحشيه": الشق الخارج عنه.
٤ ... فقال لهم: إني رأيت بغيةً
وكان صدوقاً، فيهم، لا يكذبُ
قوله "بغية" أي: قوم يبغون.
٥ ... فقاموا إلى جردٍ، ضوامر فيهم،
غشاشاً، فلما أثخنوا، وتلببوا
قوله "غشاشاً" أي: بليلٍ. و"تلببوا": لبسوا السلاح.
٦ ... مروهن، بالأعقاب، حتى بدا لهم
ثرى الماء، من أعطافها، يتحلبُ
"مروهن": استحموهن بأعقابهم، يستخرجون ما عندهن من الجري "ثرى الماء" يعني: عرقها.
٧ ... فجاؤوا، جميعاً، لابسين دروعهم
فلم أدر، حتى أفزع الورد كوكب
стр. 669
٨ ... فقالوا: فتيلاً، سددوا، إذ لقوهم
كراماً، وكانت عادةً، إذ تعصبوا
"سددوا" أي: سددوا نحوهم السلاح، أي: الرماح. و"تعصبوا": عصبوا رؤوسهم بعمائمهم. وربما تعصب الفارس بعمامة حمراء، أو لون آخر، يعلم بذلك، ليعرف.
٩ ... رأيتك لما خفت وقع رماحنا
نزوت عليها، والعقال مؤربُ
"نزوت عليها" يعني: ناقته. و"العقال مؤرب" يعني: مائلاً معوجاً.
١٠ ... فلبث قليلاً، يطلق القوم جلها
أبا نهشل، هل ينجينك تعتب؟
١١ ... كما سلب السربال، ممن يريده
خروءٌ عليه، أورقٌ، يتصببُ
стр. 670
١٢ ... حماك، ولم يحمِ السلاح بنجدةٍ
ثيابك، والنعلين، إذ سال غيهبُ
١٣ ... وولوا، سراعاً، وابن بيبةً خلفهم
يثور عليه النقع، وهو محلبُ
"النقع": الغبار. "محلب": مصروعٌ مقتول.
١٤ ... رأيتك، غذ خام الأكف، كأنما
يرى بك مطلي، من القار، أجربُ
"خامت الأكف": عدلت عن القتال، وانحرفت.
١٥ ... وظل، هوي المنجنون، يسبنا
على ظهرها، معقولةً، ويؤنب
"هوي المنجنون" يريد: أنه خفيفٌ أهوج. "يؤنب": يعير ويلوم. والاسم منه التأنيب.
стр. 671
١١١ وقال سبيع بن الخطيم
يمدح زيد الفوارس بن حصين بن ضرار بن عمرو الضبي، وكان رد عليه إبلاً له، أخذتها بنو صباح من بني ضبة بن أد:
١ ... نبهت زيداً، فلم أفزع إلى وكلٍ
رث السلاح، ولا في القوم مكثورِ
"نبهت زيداً" يقول: صحت، واستغثت به. "وكل": ضعيف ذليل. "رث السلاح": كليل. وقوله "مكثور" أي: لا يكثره القوم حتى يغلب.
٢ ... سالت عليه شعاب الجو، حين دعا
أنصاره، بوجوهٍ، كالدنانيرِ
"
стр. 672
شعاب الجو": نواحيه التي تتشعب منه.
٣ ... إن ابن آل ضرارٍ، حين أدركها،
زيداً سعى لي سعياً، غير مكفورِ
٤ ... لولا الإله، ولولا حزم طالبها،
نالوا بها مثلما نالوا، من العير
٥ ... فاستعجلوا بسديد المضغ، فابتلعوا
والشتم يبقى، وزاد البطن في حورِ
"فاستعجلوا بسديد المضغ" يقول: برجلٍ كأنه يمضغهم. و"زاد البطن في حور" أي: في نقصان. يقول: إذا شتم الرجل بقي ذلك عليه، والزاد ينقص ويذهب.
٦ ... ليس الكرام، إذا ما كنت منتجباً،
كالورق، تنظر في أولادها، الخور
"الخور": الكثيرات اللبن، الضخام. و"المنتجب": المنتقي. و"الورق": الإبل التي لونها إلى السواد.
стр. 673
١١٢ وقال المخبل
ابن ربيعة بن عوف بن قتال بن أنف الناقة - واسم أنف الناقة جعفر - ابن قريع بن عوف بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة:
١ ... عفا الروض بعدي من سليمى، فحائله
فبطن عنانٍ: روضه، فأفاكلُهْ
٢ ... فروض القطا، بعد التساكن حقبةً
فبلوٌ عفت باحاته، فمسايلُهْ
стр. 674
٣ ... فميث عريناتٍ، بها كل منزلٍ
كوشم العذارى، ما يكلم سائله
٤ ... وتمشي به عين النعاج، كأنها
نبيطٌ، توافي الحج، حانت منازله
"العين": العظام العيون. و"النعاج": البقر.
٥ ... ذكرت به سلمى، وكتمان حاجةٍ
لنفسي، وما لا يعلم الناس داخله
٦ ... فظل يؤسيني صحابي، كأنني
صريع مدامٍ، باكرته نياطله
"يؤسيني": يعزيني، ويطيب نفسي. ويروى: "نواطله". والناطل: مكيال للخمر.
٧ ... وما كان محتوماً فؤادك، بالصبا
ولا طربٌ، في إثر من لا تواصله
٨ ... وما ذكره سلمى، وقد حال دونها
مصانع حجرٍ: دوره، ومجادله؟
стр. 675
قوله "وما ذكره سلمى" أي: كيف يذكرها، ويرجو ودادها، وقد حال دونها حجرٌ؟ و"حجر": قريب من المدينة، مدينة اليمامة. و"المجادل": القصور. واحدها: مجدلٌ.
٩ ... وإذ هي لم يود الشباب، ولم يلح
برأسي شيبٌ، أنكرته غواسله
١٠ ... وفيت، فلم أغدر، ولم يلق غبطةً
مساجل بؤسى، قمت يوماً، أساجله
"مساجل": يفعل كما أفعل. وأنشد:
من يساجلني يساجل ماجداً ... يملأ الدلو، إلى عقد الكربْ
١١ ... وقد عابني، من بعض قومي، منطقٌ
له جلبٌ، تروى عليها بواطله
"له جلب" أي: بقايا وفضولٌ، كجلب القروح.
١٢ ... فمن ير مجداً في قريعٍ فإنه
تراث أبيها، مجده، وفواضله
стр. 676
١٣ ... جعلنا له أثمانها، من بيوتنا
وحلت إلينا، يوم حلت رواحله
١٤ ... وكائن لنا، من إرث مجد، وسؤددٍ
موارده معلومةٌ، ومناهله!
"المناهل": مواضع المياه.
١٥ ... ومنا الذي رد المغيرة، بعدما
بدا حاملٌ، كاللوث، تبدو شواكله
١٦ ... أتيح لها، ما بين أسفل ذي حسى
فحزن اللوى، وادي الرسيس فعاقله
١٧ ... هزبرٌ، هريت الشدق، رئبال غابةٍ
إذا سار عزته يداه وكاهله
"هزبر": شديد. و"هريت الشدق" واسعه. و"الرئبال":
стр. 677
الأسد. و"الغابة": الأجمة. "إذا سار" يريد: إذا ساور قرنه. "عزته" أي: غلبته. يقال: عزني فلان، أي: غلبني. ومنه "من عز بز" أي: من غلب سلب.
١٨ ... شتيم المحيا، لا يخاتل قرنه
ولكنه، بالصحصحان، ينازله
"شتيم": قبيح. و"محياه": وجهه.
١٩ ... وأعطي منا الحلم أبيض، ماجدٌ
رديف ملوكٍ، ما تغب نوافله
"الرديف" بمنزلة خليفة. "ما تغب": ما تنقطع. و"نوافله": عطاياه، ومواهبه.
٢٠ ... وليلة نجوى، يعتري الغي أهلها
شهدنا، فقاضي الأمر منا، وفاصله
٢١ ... ويوم الرحى سدنا، وجيش محرقٍ
ضربناه، حتى أنكأته شمائله
"
стр. 678
يوم الرحى" يعني: رحى بطان. وكانت فيه وقعة لهم. و"محرق": ملك، من ملوك اليمن.
٢٢ ... ويوم أبي يكسوم، والناس حضرٌ
على حلبان، إذ تقضى محاصله
"أبو يكسوم": ملك. و"حلبان" موضع. "تقضى محاصله": ما يجمع منه.
٢٣ ... طوينا لهم باب الحصين، ودونه
عزيز، تمش بالحراب مقاوله
يريد ب"الحصين": الحصن والقصر. "بالحراب" أراد: رجالته وخيله.
٢٤ ... وإذ فتك النعمان، بالناس، محرماً
فملئ، من كعب بن عوفٍ، سلاسله
٢٥ ... فككنا حديد الغل، عنهم، فسرحوا
جميعاً، وأولى الناس بالخير فاعله
стр. 679
٢٦ ... وقلنا له: لا تنس صهرك، عندنا
ولا تنس، من أخلاقنا، ما نجامله
٢٧ ... فما غيرنا، بعد، من سوء صرعةٍ
ولا شيمةٍ، مذ بوأ الخير جابله
"شيمة": خلق. و"جابله": خالقه. تقول: جبل فلان على الخير، أو الشر، أي: خلق على ذلك.
٢٨ ... فتلك مساعينا، وبدر مخلفٌ
على كتفيه ربقه، وحبائله
٢٩ ... لعمرك، إن الزبرقان لدائمٌ
على الناس، يغدو نوكه، ومجاهله
٣٠ ... شرى محمراً يوماً، بذودٍ، فخاله
نماه، إلى أعلى اليفاع، أفائله
"اليفاع": الارتفاع. "أفائله" واحدها أفيل. وهي صغار القلاص.
стр. 680
٣١ ... شرى مجد أقوامٍ، فروى حياضهم
وهدم، حوض الزبرقان، غوائله
٣٢ ... أتيت امرأً، أحمى على الناس عرضه
فمازلت حتى أنت مقعٍ، تناضله
٣٣ ... تعالج عزاً، قد عسى عظم رأسه
قراسيةً، كالفحل، يصرف بازله
"قراسية": ضخم. "يصرف بازل": يحك نابه بنابه، فيسمع له صوتاً.
٣٤ ... فأقع، كما أقعى أبوك على استه
رأى أن ذئباً، فوقه، لا يعادله
٣٥ ... فإن كنت لم تصبح بحظك راضياً
فدع عنك حظي، إنني عنك شاغله
٣٦ ... ولما رأيت العز في دار أهله
تمنيت، بعد الشيب، أنك ناقله
стр. 681
٣٧ ... وقبلك، بدر عاش، حتى رأيته
يدب، ومولاه عن المجد عازله
٣٨ ... وينفس، فيما أورثتني أوائلي
ويرغب، عما أورثته أوائله
٣٩ ... ولما نر الأخفاف تمشي على الذرى
ولما تكن أعلى العضاه أسافله
٤٠ ... ولما يزل، عن رأس رهوة، عصمها
ولما تدع، ورد العراق، مناهله
"رأس رهوة": جبل. و"عصمها": أوعالها. واحدها أعصم. ووالذي في يديه بياضٌ.
٤١ ... وأنكحت هزالا خليدة، بعدما
زعمت، برأس العين، أنك قاتله
"هزال" رجل من بني قريع. وكان الزبرقان أوعده بأن يقتله، ثم زوجه خليدة أخته. فعيره بذلك. و"رأس العين" موضع.
стр. 682
٤٢ ... فأنكحته رهواً، كأن عجانها
مشق إهاب، أوسع السلخ ناجله
"رهواً": واسعاً. "ناجله": سالخه الذي نجله بالمدية.
٤٣ ... يلاعبها فوق الفراش، وجاركم
بذي شبرمان، لم تزيل مفاصله
"ذو شبرمان" موضع.
стр. 683
١١٣ وقال عدي بن زيد العبادي
١ ... أرواحٌ مودعٌ، أم بكور
لك؟ فاعمد، لأي حالٍ تصيرُ
قال ابن الأعرابي: أتروح منهم أم تبكر. أتراهم يروحون أم يبكرون، فتفارقهم. "فاعند لأي حال تصير": إن راحوا فرح معهم، وإن شئت فتخلف. وقال غيره: يقول: الرواح والبكور مودع لك. أحدهما يذهب بك من الدنيا. فهو مودع لك على كل حال. "فاعمد" أي: اعمل للآخرة. ويقال أيضاً: إنه مبكر عليك، أو رائج، فيذهب بك من الدنيا. ثم أمره أن يعمل للذي إليه مصيره، إما إلى الجنة، أو إلى النار. يريد: لأي حال تصيره. ويروى: "أنت فاعمد".
٢ ...
стр. 684
إن شغل المصابيات، من الأس
تار، طرف يصبي، وفيه فتورُ
أي: هن يشغلن الرجال، فدعهن. ثم قال: لا يواتيك تصابيهن، إذا صحوت، وإن شبت. و"المصابيات": اللواتي يصابينه، أي: يلاعبنه. و"طرفهن" الذي يصبي. فيريد أن شغلهن نظرهن إليك.
٣ ... زانهن الشفوف، ينضخن بالمس
كِ، وعيشٌ مفنقٌ، وحرير
أراد: اللواتي زانهن الشفوف، فأضمر. كما قال الله (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها) أراد: التي بناها. والشف - والجمع "شفوف"- الثوب الرقيق. ويقال: "فنفه" أي: ناعمة.
٤ ... كدمى العاج، في المحاريب، أو كال
بيض، في الروض، زهوه مستنير
"الدمى": الصور. واحدتها دمية. و"والمحاريب": المجالس. و"البيض" يريد: بيض النعام. أي: أنها لا تبيض إلا في أيام الربيع. فلهذا وصف بأنه في الروض. و"الزهو": النور. ويروى: "زهره".
٥ ...
стр. 685
لا يواتيك، إذ صحوت، وإذ أج
هد، في العارضين منك، القتيرُ
"لا يواتيك" يريد: الصبا. و"أجهد": كثر. ويروى: "أسرع" و"أشرق". و"القتير": الشيب.
٦ ... وابيضاض السواد من نذر الش
ر، وهل بعده لحيٍّ نذير؟
٧ ... وحبي، بعد المنام، تزجي
هـ شمالٌ، كما يوجي الكسير
ويروى: "بعد الهدوء تهاديه". و"الحبي": السحاب المتداني المجتمع. و"الهدوء": المنام. و"تزجيه": تسوقه.
٨ ... وسطه كاليراع، أو سرج المج
دل، حيناً يخبو، وحينا ينير
"اليراع": الزمار من القصب. واحدته يراعة. ويقال: هو الفراش الذي يطير بالليل، كأنه سراج. و"المجدل": القصر.
٩ ... مثل نار الحراض، يجلو ذرى المز
ن، لمن شامه، إذا يستطير
"المزن": السحاب. والواحدة مزنة. و"ذرى" الشيء:
стр. 686
أعلاه. و"شامه" أي: نظر إليه. و"يستطير": يلمع. ويقال: يتفرق. و"الحراض": الذي يحرق الأشنان - والأشنان: الحرض - ويقال: الذي يطبخ الجص. والأتون يقال له: الحراضة. وهي معروفة بالكوفة.
١٠ ... زجل عجزه، يجاوبه د
ف، لخون مأدوبةٍ، وزمير
"زجل": صوت. و"عجزه": آخره. و"خون": أخونةٌ. فشبه السحاب والرعد بمأدبة. وهي العرس.
١١ ... فتأيا بالري نقدة، فالخب
تين، حطت منه هنالك عير
"تأيا": تعمد. و"نقدة والخبتان": موضعان.
١٢ ... هزج وبله، يسح سيوب ال
ماء سحاً، كأنه منحورُ
ويروى: "مرخ وبله". و"سيوب الماء": مجاري الماء. واحدها سيب. ويقال: قد مرخ ناقته بالقطران. ومرخت رأسي بالدهن. ويقال: امرخ سقاءك ومرخها، أي: ادهنها.
стр. 687
١٣ ... فسقى البض، فالبسيطة، فالجر
فين، يهدي لصوبه، ويجورُ
هذه كلها مواضع. "يهدي لصوبه" أي: إذا رآه الناس قصدوا نحوه. و"يجور": يعدل عن وجهه. ويروى: "يهدي لوجهه".
١٤ ... فاستدارت به الجنوب، على الحز
نة، فالحنو، سيره مقصور
"استدارت" أي: درت عليه. و"الحنة والحزنة": موضعان. و"مقصور": قليل قليل. ويقال: محبوس. ويروى: "على الحزنة يوماً، فصوبه مدرور".
١٥ ... لم أغمض له، وشأني به، ما
ذاك أني، بصوبه، مسرور
ويروى: "وشأيي به". يقال: شؤت به، أي: سررت. وأنشد:
ولقد أراك تشاء بالأظعان
стр. 688
أي: تسر. يقول: لم أغمض له وشأني به. ثم قال: وما ذاك أني بصوبه مسرورٌ. ولكني أرقت لأمر، فجعلت ذاك سبباً لسهري. فأنظر إليه، ولا أبالي: سقي أهله أم لا. وقال المفضل: "وشأيي به": إعجابي به.
١٦ ... بل عناني قول امرئٍ، لم يكن في
هـ صواب بدا، ولا تعذير
ويروى: "صواب بدءاً" أي: أول ما ابتدأ فيه. من قولك: بدءاً وعوداً. ومعنى "بدا" غير مهموز أي: ظهر.
١٧ ... أيها الشامت، المعير بالده
ر، أأنت المبرأ، الموفور؟
أأنت المبرأ مما أصابني؟ و"الموفور" يقال: قد وفر ماله وعرضه إذا لم يصب منه شيء.
١٨ ... أم لديك العهد، الوثيق، من الأي
ام، أم أنت جاهلٌ، مغرور؟
стр. 689
ويروى: "بل أنت جاهل". يعني: عدي بن مرينا.
١٩ ... من رأيت المنون عرين، أم من
ذا عليه، من أن يضام، خفير؟
"خفير": يريد: من يمنعه من الموت. يقال: خفرته: منعته. وخفرت منه: استحييت منه.
٢٠ ... أين كسرى، كسرى الملوك أنوشر
وان، أم أين قبله سابور؟
ويروى:
... خير الملوك، أبو سا ... سان، أم أين قبله سابور؟
ويقال: "كسرى" بكسر الكاف، و"كسرى" بفتحها. والكسر أكثر في اللغة، وأفصح.
٢١ ... وبنو الأصفر الكرام، ملوك ال
روم، لم يبقَ منهم مذكور
стр. 690
٢٢ ... وأخو الحضر، إذ بناه، وإذ دج
لة تجبى، إليه، والخابورُ
كان "الحضر" مدينة بالجزيرة. وكان بها في الزمن الأول ملك، يقال له: ساطرون. وكان لين الملك، حسن الصنيع إلى رعيته. وكان يتدين بدينٍ، يتأله فيه، على خطائه. وكان يستحل نكاح البنات، والأخوات. وكانت عنده ابنةٌ له، من أجمل الخلق، وكان قد كبر وطال عمره. فغزاه جيش من فارس في ملك سابور ذي الأكتاف. وعلى ذلك الجيش عظيم من عظمائهم، يقال له: شروين. ومعه عبدٌ له، يقال له: حرين. وأمره سابور ألا يريمها أبداً، حتى يفتحها. ووعده أن يمده بما أحب. فأقبل بجيشه، حتى نزل بشاطئ الفرات. والمدينة نحيةٌ عن شاطئ الفرات وكان من تلك المدينة بناء إلى الفرات، فد بني بالحجارة، مخرجاً إلى الفرات، فلم يزل شروين، حتى هرب من كان حول المدينة. فكانوا يغدون إليها، فينزلون قريباً منها، فيقاتلون قتالاً شديداً، ثم ينصرف ففعل ذلك حيناً.
стр. 691
ثم إن امرأة ساطرون - وهي ابنته - احتالت حتى أرسلت رسولاً، إلى شروين، فدلته على المدخل إلى المدينة - وشرط لها أن يتزوجها - وقالت: إنما يحرس المدينة بالليل غلمان أبي، وأنا محتالة لهم في يوم كذا وكذا. فلما كانت تلك الليلة بعثت إلى غلمان أبيها، الذين يحرسون المدينة، وإلى من كان معهم، فقالت: إني، والله، ما علمت ما تلقون من الشدة، إنكم بالنهار تقاتلون، وبالليل تسهرون. ولو علمت بذلك لبعثت إليكم ما يكفيكم من الطعام، والشراب. فأمرت أن يؤتوا بطعام وشراب. وأمرت جاريتها أن تصنع لهم ما كانت تصنع وتزيدهم، وتصنع في شرابهم بنجاً. وذلك في الليلة التي وعدت شروين فيها. فسقط القوم سكارى، من البنج، وأقبل شروين إلى المدينة. فدخل من المدخل الذي وعدته. فقتل أباها، ومن كان بها من أهلها، وأخذ المرأة، فرأى بها من الهيئة والجمال ما لم يره بامرأة قط. فقال في نفسه: ما أعلم أن في الناس أخبث من هذه. إن أباها صنع بها ما أرى، وأكرمها هذه الكرامة، فلم ترض حتى حملها الشر على قتله، وقتل إخوتها. فما ينبغي لأحد أن يدخلها بيته، ولا يأمنها. فأمر بها فذبحت. وخرب المدينة وانصرف.
٢٣ ... شاده مرمراً، وخلله كل
ساً، فللطير في ذراه وكورُ
"
стр. 692
الكلس": الرماد والنورة. وكل ما ملس وسوي فهو "مرمر".
٢٤ ... لم يهبه ريب المنون، فباد ال
ملك، عنه، فبابه مهجورُ
٢٥ ... وتبين رب الخورنق، إذ أش
رف، يوماً، وللهدى تفكير
أي: تبين أنت رب الخورنق. ويروى: "وتفكر رب الخورنق". لما التقى حرفان من جنس واحد أدغم أحدهما.
قال ابن الكلبي: أما خبر الخورنق فصاحبه الذي ذكره عدي ابن زيد، وقال فيه ما قال، هو النعمان بن امرئ القيس، فارس حليمة.
стр. 693
وذلك أن يزدجرد بن سابور، الملك، كان لا يبقى له ولد. فشق ذلك عليه، فسأل عن منزلٍ بريء مريء، صحيح من الأدواء والأسقام، لينزله ولده. فدل على ظهر الحيرة. فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان بن امرئ القيس، وأمر ببناء الخورنق مسكناً، وأسكنه إياه. وكان الذي بنى له الخورنق رجلاً، يقال له سنمار. فلما فرغ منه تعجب من رآه من حسنه، وإنقان عمله. فقال: لو علمت أنكم توفونني أجري، وتصنعون بي ما أنا أهله، بنيت بناء يدور مع الشمس. فقال له: وإنك لتقدر أن تبني ما هو أفضل من هذا، ثم لا تفعل؟ فطرح من رأس الخورنق، فقال في ذلك عبد العزى بن امرئ القيس:
جزاني ... جزاه الله شر جزائه
جزاء سنمار، وما كان ذا ذنبِ
سوى رصه البنيان عشرين حجةً ... يعل عليه، بالقراميد، والسكبِ
فأتهمه، من بعد دهرٍ وحقبةٍ ... وقد هره أهل المشارق، والغربِ
فلما رأى البنيان تم سحوقه ... وآض كمثل الطود، ذي الباذخ الصعب
وظل سنمارٌ به كل حبرةٍ ... وفاز لديه، بالمودة، والقربِ
стр. 694
فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهقٍ ... فهذا لعمر الله، من أعجب الخطب
قال: وكان النعمان بن امرئ القيس قد غزا أهل الشام مرارا، وأكثر المصائب فيهم، وسبى، وغنم. وكان من أشد الناس نكاية في عدوه، وأبعدهم مغاراً فيهم. وكان ملك فارس جعل جمعه كتيبتين، يقال لإحداهما: دوسر، وهي لتنوخ، وللأخرى: الشهباء. وهي لفارس. وهما اللتان يقال لهما: القبيلتان. فكان يغزو بهما بلاد الشام، ومن لم يدن له من العرب.
فجاس يوماً في مجلسه، من الخورنق، فأشرف منه على النجف، وما يليه من البساتين والكروم والأنهار، مما يلي المغرب، وعلى الفرات، مما يلي المشرق، وهو على متن النجف، في يوم من أيام الربيع. فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار، فقال لوزيره وصاحبه: هل رأيت مثل هذا المنظر؟ قال: لا، لو كان يدوم. قال: وأي شيء يدوم؟ قال: ما عند الله، ، في الآخرة. قال له: بم ينال ذلك؟ قال: بتركك الدنيا، وإقبالك على عبادة الله، تعالى، والتماس ما عنده. فترك ملكه من ليلته، وليس المسوح، وخرج يسيح في الأرض، لا يعلم به.
وأصبح الناس لا يعلمون بحاله، فحضروا بابه، فلم يؤذن لهم عليه،
стр. 695
كما كان يفعل، فلما أبطأ الإذن عليهم سألوا عنه، فلم يجدوه. ثم علموا حاله من بعد.
٢٦ ... سره ملكه، وكثرة ما يم
لك، والبحر معرضاً، والسدير
قال: وكان البحر يضرب إلى الحيرة. ويروى: "والنخل معرضاً والسدير". و"السدير": السواد كله. ونصب "معرضاً" على الحال.
٢٧ ... فارعوى قلبه، وقال: فما ل
ذة حيٍّ، إلى الممات، يصير؟
ويروى: "فارعوى قدره" أي: شرفه. ويقال: "قدره": ما قدر. ويروى: "فما لذة عيشٍ".
٢٨ ... ثم بعد الفلاح، والرشد وال
إمة وارتهم، هناك، القبور
"الفلاح": البقاء. و"الإمة": النعمة.
٢٩ ... ثم أضحوا كأنهم ورقٌ، ج
فَّ، فألوت به الصبا، والدبور
стр. 696
٣٠ ... إن يصيبني بعض الأذاة فلا وا
نِ ضعيفٌ، ولا أكب، عثورُ
"الأكب": الذي يكب رأسه عند السؤال. ويروى: "ولا ألف عثور".
٣١ ... غير أن الأيام يخنعن بالمر
ءِ، وفيها العيصاء، والميسور
"يخنعن" أي: يغدرن به، ويملن عليه. ويروى: "يصرفن بالمرء" من صروف الدهر. و"العيصاء" والعوصاء واحد. وهي العسر والشدة.
٣٢ ... وأنا الناصر الحقيقة، إذ أظ
لم يومٌ، تضيق فيه الصدور
"الحقيقة": ما يحق عليك أن تحميه، وترعاه. ويروى: "إن أشرف يومٌ".
٣٣ ...
стр. 697
يوم لا ينفع الرواغ، ولا ين
صع إلا المشيع، النحرير
يقال: "نصع": أضاء. ويقال إذا صلب وخلص. ويقال: أسود ناصعٌ، وأبيض وأخضر ناصعٌ.
٣٤ ... شيعتني نعمى علي، وما وا
فق ربي، إن التقي شكور
٣٥ ... واشتريت الجمال بالحمد، إن الس
عي فيه الإمضاء، والتعذير
٣٦ ... كقصير، إذ لم يجد غير أن ج
دع أشرافه، لشكرٍ، قصير
"أشرافه": ما أشرف منه. وهو أنفه. ويروى: "لا قصير". قال ابن الكلبي، في حديث جذيمة والزباء - وهو جذيمة الأبرش، والزباء التي ذكرها عدي -: إن جذيمة الأبرش ملك بعد أبيه،
стр. 698
وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب، وأبعدهم مغاراً، وأشدهم نكاية، وأول من استجمع له الملك بأرض العراق. وكان برص، فكانت العرب تكره أن تسميه، أو تنسبه إليه، إعظاماً له. فقيل: جذيمة الأبرش، وجذيمة الوضاح. وكانت منازله بين الحيرة والأنبار، وعين التمر، وبقة وناحيتها. وكانت تجبى إليه الأموال. وكان غزا طسماً وجديساً، في منازلهم، فأصاب حسان بن تبع بن أسعد بن أبي كرب، قد أغار على طلسم وجديس باليمامة، فانكفأ راجعاً. وأتت سرية تبعٍ على خيل جذيمة، فاجتاحها. وبلغ جذيمة خبرهم، فقال:
ربما أوفيت، في علمٍ ... ترفعن، ثوبي، شمالاتُ
في فتوٍ، أنا رابئهم ... من كلال غزوةٍ، ماتوا
ليت شعري: ما أباتهم؟ ... نحن أدلجنا، وهم باتوا
ثم أبنا، غانمي نعمٍ ... وأناسٌ، بعدنا، ماتوا
نحن كنا في ممرهم ... إذ ممر القوم خواتُ
стр. 699
وفي ملك جذيمة، ومغازيه العرب، يقول الأول:
أضحى جذيمة في يبرين منزله ... قد حاز ما جمعت، في دهرها، عادُ
وكان ملك العرب يومئذ، بأرض الجزيرة، ومشارق بلاد الشام، عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العاملي. فجمع جذيمة جنوده من العرب، فسار إليه يريد غزاته، وأقبل عمرو بن الظرب، بجموعه، من الشام. فاقتتلوا قتالاً شديداً. فقتل عمرو بن الظرب، وفضت جنوده، وانصرف جذيمة، بمن معه، غانمين. فقال في ذلك الأعور بن عمرو بن هناءة بن مالك بن فهم الأزدي:
كأن عمرو بن ترنا لم يعش ملكاً ... ولم تكن حوله الرايات تختفقُ
لاقى جذيمة، في شعواء مشعلةٍ ... فيها خراشيف، بالنيران ترتشق
ويقال: إن الزباء رومية. ولذلك قال عدي:
مخالبة ابنة الرومي زبا
فملك، بعد عمرو بن الظرب، ابنته الزباء، واسمها نائلة. وكان
стр. 700
في جنودها بقايا من العماليق، والعاربة الأولى، وسليح وتزيد ابني حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ومن كان معهم من قبائل قضاعة. وكانت للزباء أخت تسمى زبيبة، فبنت لها قصراً حصيناً، على شاطئ الفرات الغربي، تشتو عند أختها، وتربع ببطن النجار، وتصير إلى تدمر. فلما اجتمع لها أمرها أجمعت لغزو جذيمة الأبرش، تطلب ثأر أبيها. فقالت لها أختها زبيبة - وكانت ذات رأي ودهاء وإرب -: إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده: إن ظفرت أصبت ثأرك، وإن قتلت ذهب ملكك. والحرب سجال، وعثرتها لا تستقال، وإن كعبك لم يزل سامياً على من ناوأك، ومن قصد لك، ولم تري بؤساً، ولا تدرين لمن تكون العاقبة، ولا على من تدور الدائرة؟ فقالت لها الزباء: قد أديت النصيحة، والرأي ما رأيت. فانصرفت عما أجمعت عليه، من غزو جذيمة. وأرادت ختله، فمكرت به، وكتبت إليه أنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبحٍ في السماع، وضعف في السلطان، وأنها لم تحد لملكها موضعاً، ولا [لنفسهاٍ كفواً. فأقبل إلي، وتقلد أمري، وصل
стр. 701
ملكي بملكك، وبلادي ببلادك. وزعم حماد، وأبو عمرو، وأبو عبيدة، أن جذيمة هو الذي كتب إليها، وأراد تزوجها. فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة، وقد عليه رسلها، استخفه ما دعته إليه، ورغب فيها، وفيما أطمعته فيه. فجمع أهل الحجى، من ثقات أصحابه، وهو بالبقة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء، وعرضته عليه، واستشارهم في أمره. فأجمع رأيهم على أن يسير إليها، ويستولي على ملكها وكان فيهم رجل يقال له: قصير. وهو قصير [بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن ربي] بن نمارة بن لخم. وكان حازماً، أثيراً عنده، وناصحاً له، فخالفهم فيها، وفيما أشاروا به عليه. وقال رأي فاتر، وغدر ظاهر. فرادوه في الكلام، ونازعوه الرأي، فقال: إني لأرى أمراً ليس بالخسا، ولا الزكا. فذهبت مثلاً. وقال لجذيمة: اكتب إليها. فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا فلم تمكنها من نفسك، ولم تقع في يدها، وقد وترتها، وقتلت أباها. فلم يوافق جذيمة ما أشار به قصير. فقال قصير:
إني امرؤٌ، لا يميل العجز ترويتي ... إذا أنت دون شيء مرة الوذم
стр. 702
مثل تضربه العرب. فقال جذيمة: لا، ولكنك امرؤٌ رأيك في الكنِّ لا في الضح فذهبت مثلاً. ودعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي، فاستشاره فشجعه على المسير، وقال: إن نمارة قومي مع الزباء. ولو قد رأوك صاروا معك. فأطاعه جذيمة، وعصى قصيراً. فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر. وفي ذلك يقول نهشل بن حري الدارمي:
ومولى عصاني واستبد برأيه ... كما لم يطع، بالبقتين، قصير
وقالت العرب: ببقة أبرم الأمر. فذهبت مثلاً.
واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه، وسلطانه، وجعل عمرو بن عبد الجن معه، على خيوله، وسار في وجوه أصحابه. فأخذ على الفرات الجانب الغربي. فلما نزل القرضة دعا قصيراً، فقال له: ما الرأي؟ قال: ببقة تركت الرأي والأمر. فذهبت مثلاً.
واستقبلته رسل الزباء بالهدايا، والألطاف. فقال: يا قصير، كيف ترى؟ فقال: خير يسيرٌ، في خطبٍ كبير. فذهبت مثلاً. وستلقاك الخيل، فإن سارت أمامك فهي صادقة، وإن أخذت جنبتيك فإن القوم غادرون بك، فاركب العصا. وكانت فرساً لجذيمة، لا تجارى. فلقيته الخيول والكتائب، فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير، فنظر إليها جذيمة مولياً، فقال:
стр. 703
ويل أمه حزماً على ظهر العصا. فذهبت مثلاً. فجرت به إلى غروب الشمس، فنفقت، وقد قطعت أرضاً بعيدة. فبنى عليها برجاً، يقال له: برج العصا. فقالت العرب: خيرٌ ما جاءت به العصا.
وسار جذيمة، وقد أحاطت به الخيول، حتى دخل على الزباء فلما رأته تكشفت، فإذا هي مضفورة الإسب، محتبية بشعرها. فقالت: يا جذيم، أذات عرسٍ ترى؟ قال: بلغ المدى، وجف الثرى، وأمر غدرٍ أرى. فقالت: لا، وإلهي، ما من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكنها شيمة ما أناس. فأجلسته على نطع، وأمرت بطست من ذهب، فأعدت له، وسقته من الخمر حتى إذا أخذت منه مأخذها أمرت براهشيه، فقطعا، وقدمت إليه الطست. وقد قيل: إن قطر من دمه في غير الطست طلب بدمه. وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق، إلا في قتال تكرمةً للملك فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه في غير الطست. فقالت: لا تضيعوا دماء الملوك. فإنها شفاء من الخبل، والجنون. فقال جذيمة: دعوا دماً، ضيعه أهله فهلك جذيمة. وجعلت الزباء دمه في قطن في ربعة لها.
стр. 704
وخرج قصير من الحي الذي هلكت العصا بين أظهرهم، حتى قدم على عمرو بن عدي بالحيرة. فقال له قصير: أدائرٌ أنت أم ثائر؟ فقال: لا بل ثائر سائر. فذهبت مثلاً. ووافق قصير الناس، قد اختلفوا، فصارت طائفة منهم مع عمرو بن عدي، وجماعة مع عمرو بن عبد الجن، فاختلف بينهم قصير، حتى أصلح ذلك، وإنقاذ ابن عبد الجن لعمرو بن عدي، ومال إليه الناس. فقال عمرو بن عدي في ذلك:
دعوت ابن عبد الجن للسلم بعدما ... تتابع، في غرب السفاه، وكلسما
فلما ارعوى عن مدنا باعتزامه ... مريت هواه، مري أمٍ، أو ابنما
فأجابه ابن عبد الجن:
أما، ودماء مائراتٍ، تخالها ... على قلة العزة، أو النسر، عندما
وما قدس الرهبان، في كل هيكلٍ ... أبيل أبابيل، المسيح بن مريما
ذكر أنه هكذا وجد الشعر، ليس بتام. فقال قصير لعمرو بن
стр. 705
عدي: تهيأ واستعد، ولا تبطلن دم خالك. فقال: كيف لي بها، وهي أمنع من عقاب الجو؟ وكانت الزباء سألت كاهنةً لها، عن أمرها، وملكها. فقالت: أرى هلاكك على يدي غلامٍ، مهين، غير أمين، وهو عمرو بن عدي. ولن تموتي إلا بيده. ولكن حتفك بيدك، ومن قبله يكون ذلك فحذرت الزباء عمراً، واتخذت نفقاً من محبسها الذي كانت فيه تجلس إلى حصن لها داخل مدينتها. وقالت: إن فجئني أمرٌ دخلت النفق إلى حصني. ودعت رجلاً مصوراً، من أجود أهل بلادها تصويراً. وكان من أحسنهم عملاً، وأحذقهم حذقاً. فجهزته، وأحسنت إليه. وقالت له: سر حتى تقدم على عمرو بن عدي متنكراً، فتخلو بحشمه. وتنضم إليهم، وتعلمهم ما عندك. وأثبت معرفة عمرو بن عدي، فصوره قائماً وقاعداً وراكباً، ومتفضلاً ومتسلحاً بهيئته، ولبسه وثيابه ولونه. فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلي: فانطلق المصور حتى قدم على عمرو بن عدي، فصنع لها الذي أمرته، وبلغ ما أوصته. ثم رجع إليها بعلم ذلك. وإنما أرادت أن تعرف عمرو بن عدي، فلا تراه على حال إلا عرفته، وحذرته.
следующие страницы →