المقالة الرابعة
تصحيح طريقة معالجة تفسير السلف في بحوث الإعجاز العلمي
стр. 107
المقالة الرابعة
تصحيح طريقة معالجة تفسير السلف في بحوث الإعجاز العلمي (١)
الحمدُ لله الذي جعل كتابه الكريم لا يَخْلَقُ من كثرة الردِّ، وأصلِّي وأسلِّم على أفضل الخلق محمد بن عبد الله، أرسله الله رحمة للعالمين، ومبلّغاً للدين، فأتمَّ الله به النعمة على العالمين، ثمَّ أثني بالصلاة والسلام على آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرِّ الميامين، وعلى من تبعهم، وسار على نهجهم إلى يوم الدين، اللهم احشرنا في زمرتهم، واجعلنا ممن قلت فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
أما بعد: فإن كتاب الله تعالى نزل بلسان عربي مبين، وعَلِمَهُ جيل السلف مجتمعين، فلا يمكن أن يقال: إن آية منه لم يقع لهم فيها الفهم الصحيح، ومن قال: إن آية لم يفهمها هؤلاء، فإنه قد زعم النقص في البيان الرباني والنبوي على حدٍّ سواء، فالله يقول ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، ويقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، ويقول: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، ويقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]، ويقول:
стр. 108
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ويقول: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَاتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ويقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وغيرها من الآيات التي تدل على أن الله قد بيَّن كلامه بياناً واضحاً لا لبس فيه ولا إلغاز، وأنه يسَّر للناس فهمَه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢]، وهذا التيسير لا يمكن أن يكون لجيل متأخر دون الجيل المتقدم من السلف.
مشكلة البحث:
١ - إنه من خلال قراءتي فيما سطَّره بعض المعاصرين ممن اعتنوا بإبراز (الإعجاز العلمي) في كتاب الله ؛ رأيت أن اعتمادهم على المأثور عن السلف قليلٌ جداً، وجُلُّ اعتمادهم على كتب التفسير المتأخرة، فتراهم ينسبون القول إلى القرطبي وأبي حيان والشوكاني على أنهم هم السلف.
وهؤلاء العلماء الكرام وغيرهم لا شكَّ أنهم سلف لنا، لكن مصطلح السلف عند علماء الشريعة لهم زمن محدود، وليس كالإطلاق اللغوي الذي يشمل كل من سبقك، وقد كان في فعل بعضهم قطع لسلسلة التفسير، ولعدم الرجوع إلى أقوال السلف في الآية.
وإن الراصد لحركة التفسير يعرف أن الذين لا يعتمدون قول السلف (الصحابة والتابعين وأتباعهم) هم أهل البدع الذين أصَّلوا أصولاً عقلية، ثم حاكموا آيات القرآن عليها، فما وافق أصولهم من ظواهر القرآن قالوا به، وما خالف أصولهم أوَّلوه لكي يوافقها.
وحاشا المخلصين من المعتنين بالإعجاز العلمي أن يكونوا
стр. 109
كأولئك، لذا كان يحسن بالمتخصِّصين في علوم القرآن تنبيههم على هذا الأمر، لئلا يقعوا في محذور وهم لا يشعرون.
٢ - في هذا العصر الذي برز فيه سلطان العلوم الكونية والتجريبية سعى نفر من المسلمين إلى إبراز سبق القرآن إلى كثير من هذه المكتشفات المعاصرة، لكنَّ بعضهم تنقصه الآلة التي يستطيع بها معرفة صحة مطابقة تلك القضية في تلك العلوم للآية التي يحمل عليها ذلك التفسير الحادث، كما أن الملاحظ على هؤلاء أنهم لا يعرفون قول السلف في الآية لكي لا يناقضوه، وإن ذكروه فإنهم لا يعرفون وجهه، ولا تراهم يفقهون مدلول قولهم؛ لأنهم لا يعرفون طرائق هؤلاء السلف الكرام في التعبير عن التفسير، وفي اختلافات التنوع عندهم، فإذا رأوا خلاف عبارة ظنوا أنهم مختلفون، ولا تراهم يعرفون كيف يوفِّقون بين أقوالهم.
كما تجدهم يحرصون على الرجوع إلى معاجم اللغة لبيان بعض المدلولات التي يحتاجونها، ولا تراهم يرجعون إلى تحريرات السلف في هذه الأمور، وهم أهل اللغة، ولهم فيها السبق.
ولما كان الأمر كذلك، أردت أن أكتب في هذه الحيثية، لأبيِّن لإخواني الكرام ممن يسلكون بيان إعجاز القرآن الكريم على هذه الطريقة؛ أبيِّن لهم كيف يمكنهم التعامل مع أقوال السلف أثناء بحوثهم العلمية التي يربطون بها المكتشفات المعاصرة بآيات القرآن، لكي لا يقع عندهم ردٌّ لأقوال السلف أو نقض لأقوالهم بلا علم.
وقد سمَّيته: (تصحيح طريقة معالجة تفسير السلف في بحوث الإعجاز العلمي).
стр. 110
مصطلحات البحث (١):
التفسير:
إن القرآن يحتوي على عدد من العلوم، منها التفسير، وقد وقع خلاف في تعريف التفسير، وأوضحها ـ والله أعلم ـ: بيان معاني القرآن الكريم.
لأن مدلول التفسير من جهة اللغة هو البيان، والمراد من المفسر بيان المعاني، أما العلوم الأخرى التي يحتوي عليها القرآن فإنها ليست من التفسير؛ فعدُّ الآي ـ مثلاً ـ من علوم القرآن، لكنه ليس من التفسير؛ لأنه لا يُبنى على معرفة عدِّ الآي فهم لمعنى آية من الآيات، والمقصود أنه يحسن أن ننتبه إلى الفرق بين علوم القرآن المرتبطة بسوره وآياته، وعلم التفسير الذي هو بيان معانيه، فكل ما له أثر في بيان معانيه، فهو من العلوم التي ينبغي للمفسر الاعتناء بها ليستطيع بيان معاني القرآن على الوجه المَرضيِّ.
السلف:
الأصل اللغوي لكلمة السلف يدل على السبق والتقدم، فكل ما تقدمك فهو سلف، وهذا الإطلاق اللغوي يشمل كل من سبقك من الناس، لذا إذا قلت: المفسر القرطبي من السلف، فإن ذلك قول صحيح من حيث اللغة. غير أن للعلماء اصطلاحاً خاصًّا في المراد بالسلف، وقد اختلفوا في تحديد الفترة الزمنية التي يقف عندها هذا المصطلح، والغالب في ذلك أنهم الصحابة والتابعون وأتباعهم ممن التزم الكتاب والسُّنَّة.
والسلف في مصطلح المفسرين لا يخرج عن هذه الطبقات الثلاث بدلالة أنك إذا رجعت إلى التفاسير التي جمعت مأثور السلف ـ كتفسير الطبري وابن أبي حاتم ـ تجدها تعتمد على ما نُقِل عن هذه الطبقات الثلاث، وتراها تقف عند طبقة أتباع التابعين.
стр. 111
ومِن ثَمَّ، فإن مصطلح السلف عند الباحث هم أهل هذه الطبقات الثلاث.
أصول التفسير:
هي الأسس العلمية التي يرجع إليها المفسر حال تفسيره لكلام الله وتحريره للاختلاف في التفسير.
وإن من أهم مسائل هذا العلم ثلاثة أمور كلية:
الأول: مصادر التفسير (النقل والرأي)، وطرقه (القرآن والسُّنَّة وأقوال السلف واللغة).
الثاني: الإجماع في التفسير، والاختلاف فيه (أنواعه، وأسبابه، وطرق المفسرين في التعبير عنه).
الثالث: كيفية التعامل مع اختلاف المفسرين (قواعد الترجيح).
وتفصيل هذا يؤخذ من كتب هذا العلم (١)، وليس هذا مجال تقرير
стр. 112
هذه المسائل برمَّتها، وإن كانت ستأتي إشارات موجزة لبعض مسائل هذا العلم.
الإعجاز العلمي:
تكاد تتفق كلمة الباحثين في الإعجاز العلمي على أن المراد به: سبق القرآن إلى الإخبار بأمور كانت غير معلومة للجيل الذين نزل عليهم القرآن، وظهرت معرفتها في هذا العصر المتأخر.
وبعد، فإني قسمت هذا البحث إلى مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة:
المقدمة، وذكرت فيها مشكلة البحث ومصطلحاته.
الفصل الأول: أهمية تفسير السلف وكيفية التعامل معه.
المبحث الأول: أهمية تفسير السلف.
المبحث الثاني: كيفية التعامل مع تفسير السلف.
المبحث الثالث: احتمال الآية القرآنية للمعاني المتعددة.
الفصل الثاني: ضوابط القول بالتفسير المعاصر.
الضابط الأول: أن يكون القول الحادث صحيحاً في ذاته.
الضابط الثاني: أن تحتمل الآية القول الحادث.
الضابط الثالث: أن لا يبطل قول السلف.
الضابط الرابع: أن لا يقصر معنى الآية على التفسير الحادث.
الفصل الثالث: اعتراضات على تفسير السلف.
المبحث الأول: وجود الخطأ في تفسير آحاد السلف.
المبحث الثاني: الإسرائيليات ومخالفتها للقضايا العلمية المعاصرة.
الخاتمة، وفيها ذكر أهم النتائج والتوصيات.
стр. 113
الفصل الأول
أهمية تفسير السلف وكيفية التعامل معه
المبحث الأول
أهمية تفسير السلف
إن معرفة تفسير السلف أصل أصيل من أصول التفسير، ومن ترك أقوالهم، أو ضعف نظره فيها، فإنه سيصاب بنقص في العلم، وقصور في الوصول إلى الحق في كثير من آيات القرآن (١).
وإن من استقرأ تاريخ السلف مع كتاب الله؛ وجد تمام عنايتهم بكتاب الله حفظاً وتفسيراً وتدبراً واستنباطاً، كيف لا؟! وكتاب الله هو العصمة والنجاة، لذا لا تراه خفي على الصحابة شيء من معانيه ولم يستفصلوا من الرسول ﷺ فبقي عليهم منه شيء غامضٌ لا يعرفونه.
وكذا الحال بالتابعين، الذين هم أكثر طبقات السلف في التفسير، وعددهم فيه كثير، لقد سألوا عن التفسير، واستفصلوا فيما غمُض عليهم، ولهم في ذلك أقوال، ومن أشهرها ما رواه الطبري بسنده عن الشعبي، قال: «والله ما من آية إلا سألت عنها، لكنها الرواية عن الله تعالى» (٢).
وروى بسنده عن مجاهد، قال: «عرضت المصحف على ابن عباس
стр. 114
ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأسأله عنها» (١).
وبقي الحال كذلك في أتباع التابعين الذين كانوا أكثر طبقات السلف تدويناً للتفسير، وجمعاً لما روي عن الصحابة والتابعين، وفي عصرهم ظهر أول مدوَّن كاملٍ في التفسير (٢)، وكان لهم أقوال في التفسير، كما كان لهم اختيارات من أقوال من سبقهم، وهذا يعني أن من استقرأ تفسير السلف وجد أنهم قلَّما يتركون آية لا يتكلمون عنها، ويبينون ما فيها من المعاني، سواءٌ اتفقوا في تفسيرهم أم كان اختلافهم فيه اختلاف تنوع (٣)، أو اختلاف تضادٍّ (٤)، والتضاد في تفسيرهم قليل.
كما سيظهر للمستقرئ أن ما تركوه إنما هو واضح ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وأنَّ كثيراً مما بحثه المتأخرون إنما يتعلق بمسائل علمية خارجة عن حدِّ التفسير الذي هو بيان معاني القرآن، وبحث بعض هذه المسائل موجود في تفاسير السلف، لكنه توسع وزاد في تفاسير المتأخرين.
لكن مما يحسن ذكره هنا أن يعرف المفسر المعاصر أن اجتهاده في التفسير سيكون في أمرين:
الأمر الأول: الاختيار من أقوال المفسرين السابقين.
الأمر الثاني: الإضافة على ما قاله السلف، ولكن يحرص على أن يكون مضيفاً لا ناقضاً ومبطلاً لأقوالهم.
стр. 115
ومثال هذه المسألة في جملة: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، فهذه الجملة واضحة المعنى من حيث التفسير، لكن المراد بيانه هو ذلك المسلوب، ما هو؟
والمتقدمون يقولون: وإن يسلب الذباب الآلهة والأوثان شيئاً مما عليها من طيب أو طعام وما أشبهه لا تقدر الآلهة أن تستنقذ ذلك منه، وقد ورد هذا المعنى عن جماعة من السلف؛ منهم: عبد الله بن عباس (١)، والسدي الكبير (٢)، وابن جريج (٣)، وعلى هذا المعنى سار المفسرون خلفاً، ولم يغفلوا عن بيان المثل المضروب الذي هو المقصود بضرب المثل، ومن ذلك ما قاله الطبري (ت:٣١٠): «... وإنما أخبر ـ جَلَّ ثناؤه ـ عن الآلهة بما أخبر عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها = تقريعاً منه بذلك عَبَدَتَها من مشركي قريش؛ يقول تعالى ذكره: كيف يُجعل لي مِثْلٌ في العبادة ويُشرَك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب = وإن استذلَّه الذباب فسلبه شيئاً عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السماوات والأرض، ومالكٌ جميعَ ذلك، والمحيي من أردت، والمغني ما أردت ومن أردت؟! إنَّ فاعل ذلك لا شك أنه في غاية الجهل» (٤).
وفي هذا العصر ظهر اكتشاف غريب في الذباب، وهو أنه إذا ابتلع شيئاً من الطعام، فإنه يتحول في جوفه إلى مواد أخرى لا يمكن
стр. 116
استرجاعها إلى مادتها الأولية (١).
وهذا المعنى المذكور ينطبق على الوصف المذكور في الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣]، لكن من الذي لا يستطيع استنقاذه عند من يذهب إلى هذا التفسير؟
سواءً أقال: لا تستطيع الآلهة، أو قال: لا يستطيع الناس، فإن الوصف صحيح منطبق على معنى الجملة، لكن السياق في الآلهة وليس في الناس كما ترى.
وهذا القول إذا قيل به على أنه احتمال ثانٍ مما تحتمله الآية، فإنه يصح تفسير الآية به على أنه مثال آخر من أمثلة ما لا يستطيعون استنقاذه مما يأخذه الذباب، وليس بمبطل لقول السلف.
وتفسير السلف أولى لأن ما قالوه ظاهر لجميع الناس يدركونه بلا حاجة إلى مختبرات، بخلاف القول المعاصر الذي لم يره إلا النادر من الناس، ولا يدركه تمام الإدراك إلا القلة منهم، فليس كل الناس عندهم مختبرات يمكنهم أن يروا تحوُّل مادة الطعام التي يأكلها الذباب.
ومع هذا الترجيح يبقى ما قاله المعاصرون قولاً صحيحاً محتملاً يمكن القول به، لكن القاعدة السليمة في ذلك: أن تثق بمعرفة السلف وتفسيرهم لجميع القرآن، وأنهم لم يخرجوا عن الفهم الصحيح في تفسيرهم، ثم تعرف ما يمكن لمن جاء بعدهم عمله من الاختيار أو الزيادة المقبولة.
وهذا المثال التطبيقي هو المنهج لمن أراد أن يزيد على تفسير السلف، وأن يأتي بجديد من المعاني أو الاستنباطات، فهو لا يترك ما قالوه، ولا يجمد عنده فلا يأتي بجديد.
стр. 117
المبحث الثاني
كيفية التعامل مع تفسير السلف
إن من يُعنى بدراسة (الإعجاز العلمي) يلزمه أن يكون مدركاً لكيفية التعامل مع أقوال السلف المتفقة والمختلفة، ويكون عنده الأداة القادرة على التمييز بين الأقوال، والقادرة على الترجيح بينها إذا دعا إلى ذلك الحال.
وهذا الأصل يرتبط بأصول أخرى هي بالنسبة له مقدمات مهمة، وإلى أصول لاحقة هي كالتتمة، وبالجملة، فلا بدَّ لمن أراد أن يحمل اكتشافاً من تلك الاكتشافات المعاصرة على آية من الآيات؛ أن يكون ملمّاً بأصول التفسير، وإلا فإنه قد يحصل عنده خلل أو نقص في بيانه.
وإذا كان أهل الطب لا يرضون لأي واحد أن يكون طبيباً حتى يلم بأصول الطب ويدرسه دراسة وافية، وكذا أهل العلوم الأخرى؛ إذا كان ذلك كذلك، فأصول معرفة تفسير كلام الله أولى بذلك، فلا يحق لأي مسلم أن يتعرض للتفسير، وهو لا يملك أدواته، وهذه المسألة من الخطورة بمكان، وهي ـ أيضاً ـ من الغياب بمكان عند بعض من يكتبون في الإعجاز العلمي، فتراهم يلوون أعناق النصوص، ويحرفون كلام الله ليوافق ما يعرفونه من علومهم الدنيوية، والآية لا تدل على ما ذهبوا إليه.
وأعود بعد ذلك إلى أصل المسألة فأقول:
إن أي مفسر ـ كائناً من كان ـ إذا أقدم على التفسير وهو غير عالم بطريقة التعامل مع تفسير السلف حال الاتفاق وحال الاختلاف، فإنه سيقع في تفسيره خلل بسبب نقص علمه في هذا المجال، إلا أن يكون ناقلاً لا رأي له، وبهذا يكون خارجاً عن أن يكون مفسراً.
وسأذكر مثالاً يُحتذى في هذه المسألة من خلال ما ذكره بعض المعاصرين في بعض أمثلة الإعجاز العلمي.
стр. 118
المثال الأول:
في قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].
ورد عن السلف في تفسير هذه الآية قولان (١):
الأول: بسطها، وهو مروي عن قتادة والسدي وسفيان الثوري.
الثاني: إخراجه ماءها ومرعاها، وهو مروي عن ابن عباس وابن جريج وابن زيد.
وهذان الاختلافان يعودان إلى قولين متغايرين غير متضادين، ويمكن اجتماعهما في معنى دحو الأرض؛ لأن بسطها لا يعارض إخراج مائها ومرعاها منها، فكلاهما محتمل، وإن كان الأول أشهر.
وذهب بعض المعاصرين إلى أن الدحو هنا بمعنى جعل الأرض كُرَةً (٢)، وهذا المعنى له أصل في اللغة، وهو حقيقة كونية دلَّت عليها آيات قرآنية غير هذه الآية، وبهذا يكون قد تحقق في هذه القضية صحتها من جهة اللغة، وصحتها من جهة الواقع.
لكن هذا لا يلزم من كونها كذلك أن يكون المراد بالدحو كون الأرض كُرَةً، ويكون المعنى: (والأرض بعد ذلك كوَّرها)؛ أي: جعلها كُرَةً.
ولو ذهب مفسر إلى هذا المعنى لكان له وجه، وكان معنًى ثالثاً
стр. 119
غير مناقض للأوَّلين، وإن غايرهما (١). وبهذا تكون لفظة (دحاها) قد دلَّت على هذه المعاني الثلاثة، فالله سبحانه كوَّر الأرض، وجعلها منبسطةً لكِبَرِ تكويرها، وأخرج منها الماء والمرعى، فتجتمع هذه المعاني الثلاثة في وصف الأرض، وليس بينها أي تناقض كما ترى.
وفي هذا المثال تلاحظ أنَّ اختلاف السلف كان على سبيل التنوع المتعدد المعاني، وأن بعض المعاصرين زادوا تفسيراً آخر يدخل في التنوع أيضاً، ولم يكن في اختلاف السلف ما يشكل على إضافة قول جديد.
المثال الثاني:
تفسير الرتق والفتق من قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
ورد في تفسير السلف للرتق والفتق في هذه الآية عدة أقوال:
القول الأول: كانتا ملتصقتين ففصل الأرض عن السماء، فجعل الأرض في الأسفل والسماء في العلو، وقد ذهب إلى هذا ابن عباس من رواية عطية العوفي وعلي بن أبي طلحة، وذهب إليه الحسن والضحاك وقتادة (٢).
القول الثاني: أن السماء كانت مرتتقة طبقة ففتقها الله فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت كذلك مرتتقة ففتقها فجعلها سبع أرضين، وذهب إلى هذا مجاهد، وأبو صالح، والسدي.
стр. 120
القول الثالث: أن السماوات كانت رتقاً لا تمطر، والأرض كذلك رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، وذهب إلى ذلك عكرمة وعطية العوفي وابن زيد.
القول الرابع: أن السموات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما بالنهار، وهذه رواية عن ابن عباس، قال الطبري: حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: خلق الليل قبل النهار، ثم قال: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠].
فهذه أقوال أربعة من أقوال السلف، وظاهر من اختلافهم ﵏ أنَّ كل واحد منهم قال باجتهاده، واعتمد على مدلول الرتق والفتق.
والرتق في اللغة: التضامُّ والالتحام.
والفتق: الانفصال والانفتاح بين شيئين.
وقد بيَّن الطبري دلالة الرتق والفتق في اللغة، فقال: «... كانتا رتقاً: يقول: ليس فيهما ثقب بل كانتا ملتصقتين، يقال منه: رَتَقَ فلان الفَتْقَ: إذا شدَّه فهو يرتقُه رَتْقاً ورُتُوقاً، ومن ذلك قيل للمرأة التي فرجها ملتحم: رتقاء.
ووحَّد الرتق، وهو من صفة السماء والأرض، وقد جاء بعد قوله: ﴿كَانَتَا﴾؛ لأنه مصدر مثل: الزَّور، والصَّوم، والفَطْر.
وقوله: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، يقول: فصدعناهما وفرجناهما.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله السماوات والأرض بالرتق، وكيف كان الرتق وبأي معنى فتق» (١).
وإذا أجريت أقوال المفسرين على معنى الرتق والفتق وجدتَ
стр. 121
أقوالهم تخرج عنه، وتصدر منه، فما من قول إلا وفيه معنى الرتق والفتق سوى قول ابن عباس الأخير الذي هو تفسير بلازم لفظ الرتق والفتق، واستدلال على خلق الظلمة قبل النور؛ فكأنه ظهر له أن الالتصاق قرين الظلمة، والفتق قرين النور، وهو النهار، وعلى هذا لا يكون تفسيره هذا تفسيراً للمفردة بما يدلُّ عليها من لغة العرب، بل هو تفسير لها بلازمها في هذا السياق.
وعند تأمل هذه الأقوال تجد أن الرؤية في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٠] تحتمل أمرين:
الأول: أن الرؤية بمعنى العلم، وعلى هذا القول الأول والثاني والرابع، وهذا يعني أن الاعتبار بهذه الآية يأتي عن طريق العلم الاستدلالي.
الثاني: أن الرؤية بصرية، وعليه القول الثالث الذي فسر الرتق بعدم إنزال المطر وبعدم إنبات النبات، والفتق بإنزال المطر، وبإنبات النبات، وهذا مشاهد لكل واحد من الناس، فهم يدركونه بأبصارهم، وعلى هذا يكون المراد العبرة بالآية عن طريق البصر.
وهذا القول يعضده عدد من الأدلة، منها:
١ - كونه معلوماً مشاهداً لجميع الناس بخلاف غيره من الأقوال التي تحتاج إلى استدلال.
٢ - أن هذا المعنى له نظير في القرآن، وذلك مثل قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ *وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١١ - ١٢]، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ *أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا *ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٤ - ٢٦]، ووجود النظير يعزز كون هذا المعنى أرجح، مع الأدلة الأخرى المذكورة.
٣ - أن السياق بعده يشير إلى صحته، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا
стр. 122
مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقد استدل على ترجيح هذا المعنى بالسياق عدد من العلماء، أذكر منهم عبد الرحمن بن زيد (ت:١٨٢)، قال: «كانت السماوات رتقاً لا ينْزل منها مطر، وكانت الأرض رتقاً لا يخرج منها نبات، ففتقهما الله، فأنزل مطر السماء، وشَقَّ الأرض، فأخرج نباتها، وقرأ: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]».
وقال الطبري (ت:٣١٠): «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث، والأرض بالنبات.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك؛ لدلالة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ على ذلك وأنه ـ جل ثناؤه ـ لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه» (١).
ومع رجحان هذا المعنى على ما سواه يبقى لغيره احتمال الصحة، فالأقوال غير متناقضة ـ كما ترى ـ بحيث لو قيل بأحدها سقط الآخر، وما دام الأمر كذلك، فإن هذه الأقوال تكون في مرتبة دون القول الأول.
وقد ذهب بعض المعاصرين المعتنين بالإعجاز العلمي إلى تفسير هذه الآية بما يسمى بنظرية (الانفجار الكوني العظيم) وهي نظرية من بين عدَّة نظريات في نشأة هذا الكون (٢)، ومع كونها نظرية لم تثبت صحتها إلى اليوم، فإنك تجد بعض المعاصرين يعتمدها فيقول: «وهذا السبق
стр. 123
القرآني بحقيقة الفتق بعد الرتق تجعلنا نرتقي بنظرية الانفجار الكوني العظيم إلى مقام الحقيقة، ونكون هنا قد انتصرنا بالقرآن للعلم المكتسب، وليس العكس، والسبب في لجوئنا إلى تلك النظرية لحسن فهم دلالة الآية القرآنية رقم (٣٠) من سورة الأنبياء هو أن العلوم المكتسبة لا يمكن لها أن تتجاوز مرحلة التنظير في القضايا التي تخضع لحس الإنسان المباشر أو إدراكه المباشر من مثل قضايا الخلق والإفناء وإعادة الخلق ...» (١).
وأقرب أقوال المفسرين لهذه النظرية القول الأول، وهو من قال بأن السموات والأرض كانتا ملتزقتين ففتقهما إلى سماء وأرض.
وهذا يعني أن القول بهذه النظرية ـ على سبيل التفسير ـ إنما هو تفصيل لمجمل هذا القول، وليس قولاً حادثاً جديداً، وإنما الجديد فيه هذه التفاصيل التي لا زالت في طور النظرية.
وإذا صحَّت هذه النظرية فصارت بمثابة الحقيقة التي لا خلاف فيها، فإنه لا يمتنع أن تكون أحد المعاني المرادة بهذه الجملة من الآية، مع بقاء احتمال الأقوال الأخرى في كونها مرادة كذلك، لكن لا زال أقوى الأقوال ما ذكرت ترجيحه.
وهذا الأسلوب الذي ذكرت لك في التعامل مع الاختلاف ناشئٌ عن أصل مهم من أصول التفسير، وهو (احتمال الآية القرآنية لعدد من المعاني)، وهذا الأصل من الأصول التي يلزم تحريرها وبيانها ليستفيد
стр. 124
منها من يروم البحث في الإعجاز العلمي، لكي يكون بحثه على أصول علمية صحيحة. فمعرفتهم له مهمٌّ للغاية، ولا يمكنهم الانفكاك عنه؛ لأنهم قد يقعون في تخطئة أقوال صحيحة، وهم لا يشعرون، ولو أدركوا هذا الأصل لما حصل منهم مثل هذه التخطئة لبعض أقوال المفسرين.
المبحث الثالث
احتمال الآية القرآنية للمعاني المتعددة
ما دمت قد ذكرت لك بعض الأمثلة التفسيرية، وطريقة معالجتها من جهة التفسير، وكيفية احتمال الأقوال الحادثة، فيحسن أن أرجع بك إلى الأصل الذي تنبثق منه هذه التطبيقات، وهو أن الآية إذا احتملت أكثر من معنى صحيح ليس بينها تناقض جاز حمل الآية عليها، وقد نصَّ العلماء على هذه القاعدة في مواطن كثيرة، وسأذكر لك بعض نصوص العلماء في ذلك:
١ - قال محمد بن نصر المروزيُّ (ت:٢٩٤) (١): «وسمعتُ إسحاقَ (٢) يقولُ في قولِه: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]: قدْ يمكنُ أنْ يكونَ تفسيرُ الآيةِ على أولي العِلْمِ (٣)، وعلى أمراءِ السَّرَايَا (٤)؛ لأنَّ الآيةَ الواحدةَ
стр. 125
يفسِّرُها العلماءُ على أوجهٍ، وليس ذلك باختلافٍ. وقد قالَ سفيانُ بنُ عُيَينَةَ: ليسَ في تفسيرِ القرآنِ اختلافٌ إذا صَحَّ القولُ في ذلكَ (١). وقالَ: أيكونُ شَيءٌ أظهرَ خِلافاً في الظَّاهرِ منَ الخُنَّسِ؟
قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: هي بقرُ الوحشِ (٢).
وقالَ عليٌّ: هي النُّجومُ (٣).
قالَ سفيانُ: وكلاهما واحدٌ؛ لأنَّ النُّجومَ تَخْنُسُ بالنَّهارِ وتظهرُ باللَّيلِ، والوَحْشِيَّةُ إذا رأتْ إنسيّاً خَنَسَتْ في الغيطانِ (٤) وغيرِها، وإذا لم ترَ إنسيّاً ظهرتْ.
قالَ سفيانُ: فَكُلٌّ خُنَّسٌ.
قالَ إسحاقُ: وتصديقُ ذلك ما جاءَ عنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في الماعونِ (٥)، يعني أنَّ بعضَهم قالَ: الزَّكاةُ، وقال بعضُهم: عاريةُ المتاعِ.
قالَ: وقالَ عكرمةُ: الماعونُ: أعلاه الزَّكاةُ، وعاريةُ المتاعِ منه (٦).
قالَ إسحاقُ: وجَهِلَ قومٌ هذه المعاني؛ فإذا لم توافقِ الكلمةُ الكلمةَ قالوا: هذا اختلافٌ. وقدْ قالَ الحسنُ ـ وذُكِرَ عنده الاختلافُ في
стр. 126
نحوِ ما وصفْنا، فقالَ ـ: إنما أُتِيَ القومُ منْ قِبَلِ العُجْمَةِ (١)» (٢).
ولعلَّ في هذا المثالِ العزيزِ ما يدلُّ على ظهورِ هذه المسألةِ عندَ علماءِ السَّلَفِ، وأنهم كانوا يَعُونَهَا جيداً، حيثُ جعلوا هذه المحتملاتِ الصحيحة الواردةَ على النَّصِّ مقبولةً، ولم يَرُدُّوها.
ولفهم السلف لهذه القاعدة وتعاملهم بها؛ تجد عن بعضهم قولين متغايرين غير متضادين في الآية، وقد يحملها ـ من لا يدرك هذه القاعدة، ولا يفقه أصول التفسير ـ على أنها أقوال متناقضة، وهي ليست كذلك، وليس المجال مجال عرض بعض هذه الأمثلة، لكن أكتفي بمثال عزيز عن حبر الأمة ابن عباس (ت:٦٤هـ)، فقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ما رواه ابن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا إسماعيل عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: «لها وجهان، قال: ذكر الله عندما حرمه، قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه» (٣)، فانظر، كيف نصَّ على وجهين متغايرين في معنى الجملة؟ وما ذاك إلا لإعمال هذه القاعدة الجليلة، وهي تعدد المحتملات الصحيحة للفظ القرآني.
فإن قلت: ألا يفتح هذا باب الوقوع في التفسيرات الباطلة والمحتملات الفاسدة؟
فالجواب: إن هناك أصول علمية من سار عليها، واجتهد في تحقيقها، فإنه يكون قد سار على الطريقة المثلى المرجوَّة، فإن وصل إلى
стр. 127
الصواب، فذلك عين المطلوب، وإن لم يصل إلى الصواب كان مخطئاً مأجوراً، أما إذا لم يعتمد هذه الأصول، فإنه مخالف من بداية الطريق، لذا لا يمكن الالتقاء معه، فالخطان سيكونان متوازيان، وأنَّى لهما أن يلتقيا؟!
واعلم أن كل من نقص علمه، أو نقص اعتماده على المصادر الصحيحة، فإنه سيقع في الخطأ لا محالة، وليس بمعذور إلا إذا لم يستطع التعلم، ولم يكن إليه سبيل، أما أن يكون بين علماء وطلاب علم، ولا يحرص على تعلم الأسلوب الصحيح للتفسير، فليس ذلك بمعذور، بل إن العتب عليه مضاعف، لعدم حرصه على سلوك السبيل الصحيح لتفسير كلام الله، مع حرصه على الكلام فيه.
٢ - عندَ تفسيرِه قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] قالَ الشَّنقيطيُّ (١) (ت:١٣٩٣هـ): «... فقوله ﵁: إلاَّ فهماً يعطيه الله رجلاً في كتابِ اللهِ (٢)، يدلُّ على أنَّ فَهْمَ كتابِ اللهِ تتجدَّدُ به العلومُ والمعارفُ التي لم تكنْ عند عامَّةِ الناسِ، ولا مانعَ من حمل الآيةِ على ما حملها المفسِّرونَ، وما ذكرْناه أيضاً أنَّه يُفْهَمُ منها، لِمَا تَقَرَّرَ عندَ العلماءِ مِنْ أنَّ الآيةَ إنْ كانت تحتملُ معانيَ كلُّها صحيحٌ، تَعَيَّنَ حَمْلُهَا على الجميعِ، كما حَقَّقَه بأدلتِهِ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ أبو العباسِ بنُ تَيمِيَّةَ ﵀ في رسالتِهِ في علومِ القرآنِ (٣)».
стр. 128
٣ - جعلَ الطَّاهِرُ بنُ عاشورَ (ت:١٣٩٣هـ) مقدمةً منْ مقدماتِ تفسيرِهِ خاصَّةً بهذه القاعدةِ، وعَنْوَنَ لها بقولِه: «المقدِّمَةُ التَّاسعةُ: في أنَّ المعاني التي تَتَحَمَّلُهَا جُمَلُ القرآنِ، تُعْتَبَرُ مُرادَةً بها» (١).
ولو ذهبت إلى سرد نصوص العلماء وتطبيقاتهم في هذه المسألة لطال المقام، وما ذكرته ففيه الغنية لمن أراد أن يتذكر.
وإذا جاز احتمال الآية لأكثر من معنى، فإنما ذلك لأن المفسر لا يستطيع الجزم ـ في حال الاحتمال ـ بأن هذا هو مراد الله دون ذاك؛ لأن أدلة الترجيح قد تستوي في نظره، أو قد يرى أحد الأقوال أقوى من الآخر من غير إبطاله، وإن أبطله فإنما يبطله بالدلائل العلمية، وليس لأنه يخالف قوله، أو أنه لا يدرك وجه هذا القول، فيردُّه، ويكون القصور والنقص في ردِّه وليس في القول.
* * *
стр. 129
الفصل الثاني
ضوابط قبول التفسير المعاصر
لما سبق بيان جواز احتمال الآية لأقوال متعددة، فإن كل من يقول بقول جديد في تفسير الآية عموماً، وفي التفسير العلمي (أو الإعجاز العلمي) خصوصاً، فإنه يدخل من هذا الباب، وعليه أن يتبع الضوابط العلمية الصحيحة لمعرفة القول الصحيح من غيره، وستأتي هذه الضوابط.
الضابط الأول: أن يكون القول المفسَّر به صحيحاً في ذاته:
إن كل قول يقال في التفسير يمكن أن يُعلم صحيحه من خطئه، والقول الصحيح تُعلم صحتُه من وجوه:
١ - أن تدلَّ عليه لغة العرب، وذلك في تفسير الألفاظ أو الصيغ أو الأساليب.
وهذا يعني أن تفسير ألفاظ القرآن بمصطلحات علمية سابقة له (١)، أو مصطلحات لاحقة لا يصحُّ البتة؛ لأن ألفاظه عربية، وتفسيرها يؤخذ من لسان العرب، ولغة القرآن، لا من هذه المصطلحات، كمن يفسر لفظ الأقطار في قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لاَ تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] بأنه القطر
стр. 130
الهندسي، وهو الخط الهندسي المنصِّف للدائرة أو الشكل البيضاوي (١).
والأقطار في اللغة جمع القُطْرُ بالضم، وهو الناحية والجانب (٢)، وهو المراد بآية سورة الرحمن، وكذا هو المراد في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأََتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤].
ومن أوضح الأمثلة في أثر هذه المصطلحات على تفسير ألفاظ القرآن العربية بما اصطلح عليه علماء الفلك ما يَرِدُ من كون الشمس نجماً، والأرض كوكباً، وذلك لا تجده في آية قرآنية، ولا سُنَّة نبوية، ولا لغة عربية، فالشمس جرم غير النجم، والأرض جرم غير الكوكب، والقمر جرم غير هذه كلها، وإليك أدلة ذلك من القرآن.
قال تعالى ـ في قصة مناظرة إبراهيم لقومه عبدة النجوم ـ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقال فيها: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧]، وقال فيها: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨]، ففرق إبراهيم بين الكوكب والشمس والقمر.
وقال تعالى ـ في قصة رؤيا يوسف ـ: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَِبِيه ياأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، ففرق يوسف بين الكواكب والشمس والقمر.
стр. 131
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بَأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بين الأرض والشمس والقمر والنجوم.
وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨].
والأحاديث وآثار السلف وأقوال علماء اللغة في التفريق بين هذه الأجرام أكثر من أن تُحصى، فإذا جاء مفسر معاصر إلى مثل هذه الآيات وزعم أن الشمس نجم، أو أن القمر والأرض كوكبان، فإنه يُعترض عليه بأنَّ القرآن فرق بينها، وأن لغة العرب فرقت بينها كذلك، ولم يرد في موطن واحد ما يدل على هذا التفسير لا من قريب ولا من بعيد، ومن ثَمَّ فالتفسير بهذه المصطلحات المعاصرة لهذه الأجرام لا يصلح.
فإن قلت: هل يمتنع أن يصطلح علماء الفلك في علمهم على هذه الفروق التي لم تُجِز حملها على كتاب الله؟
فالجواب: لا، لا يمتنع، فاتفاقهم على هذا مصطلحاً بينهم لا غبار عليه، لكن أن يحملوا ألفاظ القرآن والسُّنَّة واللغة عليه فهذا هو المحذور؛ لأنه لم يرد فيها ما يدل على صحة هذه الإطلاقات الاصطلاحية في علم الفلك.
٢ - أن لا يخالف مقطوعاً به في الشريعة.
فإن ما لا يوافق الشريعة لا يمكن أن تدل عليه آيات القرآن بحال، وذلك كمن يفسر قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، بأنها
стр. 132
الأطوار الداروينية (١)، ونظرية دارون ـ كما هو معلوم ـ مخالفة لجميع الشرائع السماوية التي تجعل أصل الإنسان أبانا آدم ﵇.
وكذا من يفسر العرش أو الكرسي بأحد الكواكب السيارة (٢)، وهذا مخالف أيضاً لما ثبت في الشريعة من كون هذه المخلوقات فوق السموات، وأنها أكبر منها بكثير.
الضابط الثاني: أن تحتمل الآية هذا القول الحادث:
ويمكن معرفة ذلك بطرق، منها أن تدلَّ عليه بأي وجهٍ من وجوه الدلالة: مطابقةً أو تضمُّناً أو لزوماً، أو مثالاً لمعنى لفظ عام في الآية، أو جزءاً من معنى لفظ من الألفاظ، أو غير ذلك من الدلالات التي يذكرها العلماء من أصوليين وبلاغيين ولغويين ومفسرين.
وهذا الضابط مهمٌّ للغاية، إذ قد يصحُّ القول من جهة وجوده في الخارج، لكن يقع الخلل في صحة ربطه بالآية، وهذا مجال كبير للاختلاف، بل هو مجال تحقيق المناط في كثير من القضايا التي ثبتت صحتها من جهة الواقع، لكن يقع التنازع في كونها مُرادة في الآية، وهذا الاختلاف لا يصلح أن يكون محطّاً للانتقاص من الأطراف المختلفة، فإني رأيت بعض من يدعو إلى تفسير كثيرٍ من الآيات القرآنية بما ثبت من المكتشفات في بحوث العلوم التجريبية والكونية يتنقص الآراء التي في الآية، ويطالب علماء الشريعة بأن يُلِمُّوا بالعلوم المعاصرة لكي يتسنى لهم أن يقدموا التفسير المناسب لأهل هذا العصر، وتلك دعوى غير لازمة.
стр. 133
ولو وُعيت قضية احتمال تنازع الطرفين في صحة حمل القضية العلمية الحادثة على الآية القرآنية، وأنها مجال للاجتهاد، ولا يلزم التثريب ما دام الأمر لا يقع فيه تحريف في كلام الله؛ لو رُوعيت وصارت منهجاً لما حصل تدابر وتشاحٌّ بين المتنازعين، بل تبقى بينهم المحبة والتوادِّ والرحمة، وقديماً قيل: إن الاختلاف لا يفسد للودِّ قضية.
وأضرب لك مثالاً في ذلك:
قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ورد فيها تفسيران للسلف:
الأول: أن المراد بالنجوم نجوم القرآن، أنزل القرآن على رسول الله ﷺ نجوماً متفرقة، وقد ورد ذلك عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد.
الثاني: أن المراد بالنجوم نجوم السماء، واختلف القائلون بكون المراد بها نجوم السماء على عدة معاني:
المعنى الأول: فلا أقسم بمساقط النجوم ومطالعها، والمراد مواقع طلوعها في أول الليل، ومواقع غروبها في آخر الليل، وقد ورد عن مجاهد، وقتادة.
المعنى الثاني: بمنازل النجوم، والمراد بها المنازل المعروفة لهذه النجوم، كالثور والسرطان والجوزاء وغيرها، وقد ورد عن قتادة.
المعنى الثالث: بانتثار النجوم عند قيام الساعة، وقد ورد عن الحسن البصري.
وإذا تأملت هذه الأقوال وجدتها قد اختلفت في المراد بالنجوم، ثم اختلف القائلون بأنها نجوم السماء في المراد بمواقعها.
فأصحاب القول الأول ذهبوا إلى موقع (مكان) طلوع النجم وغروبه، وكذا ذهب أصحاب القول الثاني، لكن تحديد الموقع اختلف، حيث ذهبوا إلى أماكنها في بروجها.
стр. 134
أما القول الثالث، فذهب إلى معنى السقوط، فجعل الموقع بمعنى الوقوع.
وذهب بعض المعاصرين بمعنى الآية إلى قضية من قضايا العلوم الكونية المعاصرة، ومنه ما ذكره بعض الفضلاء، قال: «وهذا القَسَم القرآني العظيم بمواقع النجوم يشير إلى سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى إحدى حقائق الكون المبهرة، والتي مؤداها أنه نظراً للأبعاد الشاسعة التي تفصل نجوم السماء عن أرضنا، فإن الإنسان على هذه الأرض لا يرى النجوم أبداً، ولكنه يرى مواقع مرَّت بها النجوم ثمَّ غادرت، وفوق ذلك أن هذه المواقع نسبية، وليست مطلقة؛ لأن الضوء كأي صورة من صور المادة والطاقة لا يستطيع أن يتحرك في صفحة السماء إلا في خطوط منحنية، وعين الإنسان لا ترى إلا في خطوط مستقيمة، وعلى ذلك فإن الناظر إلى النجم من فوق سطح الأرض يراه على استقامة آخر نقطة انحنى ضوءه إليها، فيرى موقعاً وهميّاً للنجم غير الموقع الذي انبثق منه ضوءه، فنظراً لانحناء الضوء في صفحة السماء فإن النجوم تبدو لنا في مواقع ظاهرية غير مواقعها الحقيقية.
ليس هذا فقط، بل إن الدراسات الفلكية الحديثة أثبتت أن نجوماً قديمة قد خبت أو تلاشت منذ أزمنة بعيدة، والضوء الذي ينبثق منها في عدد من المواقع التي مرَّت بها لا يزال يتلألأ في ظلمة السماء في كل ليلة من ليالي الأرض إلى اليوم الراهن، ومن هنا كان القسم القرآني بمواقع النجوم، وليس بالنجوم ذاتها ...» (١).
وهذا القول يوافق من قال بأن النجوم هي نجوم السماء، لكن يفارقه بأن النجوم لم يقع عليها قسم، وإنما وقع على مواقعها الخالية منها، وبهذا يكون مخالفاً للقول السابق في هذه الحيثية، فالمتقدمون
стр. 135
يذهبون بتفسير (مواقع النجوم) إلى أن القَسَم بالنجوم وبمواقعها، والذين نَحَو إلى التفسير المعاصر يذهبون إلى أن القَسَم بالمواقع دون النجوم، وعلى فرض صحة هذه القضية، فإن كونها هي المرادة بقوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] فيه نظر؛ لأمور:
١ - أن الأقوال الثلاثة قد ورد ما يشهد لها من القرآن، فمن ذهب إلى مطالع النجوم ومغاربها يشهد له مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩].
ومن قال إن المراد منازل النجوم، فإنه يشهد له مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] على أحد الأقوال في تفسير الآية.
ومن قال بأن المراد سقوطها عند قيام الساعة، فيشهد له مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢]؛ أي: انصبت وسقطت، وهذا أحد معاني الانكدار في الآية.
٢ - أن الله ذكر النجوم في غير ما آية، والمراد بها تلك النجوم المتلألئة في جوِّ السماء، ولم يشر في آية منها إلى هذه القضية، ولو كانت هذه القضية حقيقة، فإن إبراهيم ـ لما قال الله عنه ـ: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨] (١) يكون واهماً، فهو لم ينظر إلى النجوم إلا توهُّماً، وإنما نظر إلى مواقعها من حيث لا يدري!
وإذا رجعت إلى السُّنَّة وآثار السلف وأقوال الناس، فإن النجوم عندهم هي ما يرونه فوقهم يتلألأ في جو السماء، ولا يمكن أن يدور في خلدهم أن ما يرونه إنما هو مواقع النجوم، والموجود فيها إنما هو صورة النجم لا حقيقته، فذلك محال أن يسلِّم به هؤلاء، ويبنون على ذلك
стр. 136
أحكامها العلمية والعملية، ومن ذلك ما رواه مسلم بسنده عن عبد الله بن شقيق قال: «خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاةَ، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاةَ. فقال ابن عباس: أتعلمني بالسُّنَّة؟ لا أمَّ لك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدَّق مقالته» (١).
٣ - أن الله خاطب العرب بما يعقلون، والنجم عند العرب ما يشاهدونه، خلافاً لما قيل في هذا العلم المعاصر من كون ما نراه ليس نجوماً، وإنما مواقع النجوم، وبهذا يكون القول بها مخالفاً للمنقول والمعقول بين الناس، والناس مجمعون على أن ما يرونه يتلألأ في السماء إنما هي النجوم، بأي لفظ نطقوا به من لغاتهم، فهذه النجوم يرونها ويعرفونها بأسمائها ومواقعها ويهتدون بها؛ كما قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، وليس من المقبول إنكار ما اتفق عليه الناس بهذه السهولة.
٤ - أن هذه القضية التي ذُكرت في التفسير المعاصر لا يدركها إلا القليل من الناس، وهم من كان عندهم من الآلات التي تقرِّب لهم ما بعُد في جَوِّ السماء فيدركون هذا بالنظر فيها، وفي مثل هذه الحال فإن العمدة في قبول مثل هذه القضية العلمية إنما هو العالم المسلم المطلع على ما اطلع عليه المكتشفون لها، وهم كذلك قليل جداً، وغير المتخصصين يقبلون منهم ما يطرحونه ثقة بهم في فهمهم وعلمهم بهذه القضايا فحسب، وليس عندهم إمكانية تصديق ذلك بالنظر كما هو
стр. 137
الحال في كون المقسم به النجوم التي يرونها تتلألأ في السماء.
وكثيرٌ من المسائل التي يطرحها المعتنون بالإعجاز العلمي تتصف بأن الاطلاع عليها محدود، وإدراكها لا يتأتَّى بسهولة، بل بمعالجة علمية معقَّدة من خلال الآلات والمعامل المتطورة.
والمقصود أن القرآن الذي نزل للناس كافة لا يمكن أن يراد به بعض ما تدركه الخاصة فقط.
وهذه الوجوه التي ذكرتها تجعل القول بهذا القول المعاصر محلَّ نظرٍ في أن يكون مراداً بالآية، فالاعتراض هنا على ربطه بالآية وليس في صحته في ذاته.
الضابط الثالث: أن لا يبطل قول السلف:
والمراد أن القول المعاصر المبني على العلوم الكونية أو التجريبية يُسقطُ قول السلف بالكلية، وقد سبقت الإشارة إلى هذا الموضوع، وذكرت لك الأصل الأصيل في هذا، وهو مبني على أمور:
الأول: أن تعلم أن تفسير السلف شامل للقرآن كله، ولا يمكن أن يخرج الحق عنهم، أو يخفى عليهم فلا يدركونه، ويدركه المتأخرون.
والمعنى أن كل القرآن كان معلوماً لهم بوجه من الوجوه الصحيحة، وأن ما زاده المتأخرون من الوجوه لا يعني نقص علمهم بالقرآن؛ لأن موجب ذلك القول الذي ظهر للمتأخرين لم يكن موجوداً في عصرهم كي يقال بجهلهم به.
وعلى هذا فإنه لا يوجد في القرآن ما لم يعلم السلف معناه، ولا يمتنع أن يظهر للمتأخرين وجوه صحيحة من التفسير؛ يجوز القول بها واعتمادها ما دامت لا تناقض قول السلف.
الثاني: أن العصمة لمجموعهم، وليست لفرد منهم، لذا يقع
стр. 138
الاستدراك في التفسير فيما بينهم، فترى بعضهم يخطِّئ فهم الآخر، ويرد عليه، ولو كان لقول الواحد منهم عصمة لما قُبِل تخطيئ من خطَّأ منهم، والعصمة للواحد منهم لم يَدَّعها أحد منهم.
الثالث: أن إضافة الأقوال الجديدة الصحيحة التي تحتملها الآية ممكن، وقد سبق بيان هذه المسألة.
لكن المشكلة هنا إذا كان القول المعاصر مسقطاً لقول السلف بالكلية؛ لأنه يلزم منه أن آية من الآيات لم يُفهم معناها على مرِّ القرون حتى ظهر هذا المكتشَف العلمي المعاصر، وهذا اللازم ظاهر البطلان، وقد سبق نقل قول بعض المعتنين بالإعجاز وبيان ما يؤول إليه قوله من هذا اللازم (١).
стр. 139
الضابط الرابع: أن لا يقصر معنى الآية على ما ظهر له من التفسير الحادث:
وهذا الضابط يشير إلى الأسلوب التفسيري الذي يحسن بمن يريد بيان معنى جديد أن يسلكه؛ لأن الاقتصار على القول الجديد اقتصاراً يشعر بصحته وسقوط ما سبقه من الأقوال يعتبر خطأ في طريقة التفسير.
وقد تأملت طريقة بعض الباحثين في الإعجاز العلمي، فألفيتها لا تخرج عن الأحوال الآتية:
الأولى: أن يقتصر على ما ظهر له من ربط المكتشفات المعاصرة بآية من الآيات، دون تعرض لأقوال المفسرين، وهذا لا يبين من حاله القبول أو الرفض لأقوال العلماء السابقين.
الثاني: أن ينص صراحة على رفضه لأقوال العلماء السابقين، ويفرض ما يراه من المكتشفات المعاصرة تفسيراً للآية، ولا يرتضي غيره.
الثالث: أن يذكر أقوالهم على سبيل حشد الأقوال المذكورة في الآية، دون التعريج على إمكانية قبولها من عدمه، ثمَّ يستطرد في ذكر ما يراه تفسيراً للآية من المكتشفات المعاصرة.
وبعض هؤلاء لا يحرص على تفسير السلف، ولا على تفهُّمه ودرايته، بل أحسنهم حالاً من يرجع إلى تفاسير المتأخرين وينقل أقوالهم، حتى إنه ينقل أقوال المعاصرين من المفسرين على أنها أقوال المفسرين.
ولا شكَّ أن من يدرس التفسير على أصوله يعلم أن هذا الأسلوب فيه تقصير، لعدم الرجوع إلى تفسير الصحابة والتابعين وأتباعهم أولاً، ثم النظر في من وافقهم من المفسرين المتأخرين.
стр. 140
وإن التقصير في معرفة علومهم وأحوالهم كائن فينا نحن المسلمين في مجالات متعددة؛ كالتعبد والزهد والمتابعة وغيرها.
فإن قلت: لمَ تُلزم بذكر أقوال السلف من المفسرين، وعمل الباحث المعاصر يقوم على إثبات ارتباط ذلك المكتشَف المعاصر بالآية؟
فالجواب: إني أطالب بأكثر من ذكر أقوالهم، وذلك بأن يتعرَّف المعاصر على أقوالهم ويفهمها على وجهها؛ لتتحصل له المعرفة بمرتبة القول الحادث على النحو الآتي:
الأول: أن يكون قوله المعاصر مناقضاً لما اتفقوا عليه، فيتوقف في ربطه بين قوله والآية، ولا يتعجل حتى يسأل أهل العلم ليبينوا له صواب قوله من خطئه، فلا يجترئ على مخالفة الإجماع الذي هو أصل من أصول الدين، فالأمة لا يمكن أن تجمع منذ سالف دهرها على خطأ، ثم يظهر الصواب لشخص في الزمان المتأخر.
الثاني: أن يعرف أقوالهم المختلفة، ويتأمل قوله بينها، هل يدخل في أحد الأقوال، فإن وجد قوله يندرج تحت قول من الأقوال أدرجه تحته، وبيَّن ما زاد على ذلك القول من تفاصيل عنده.
الثالث: أن يكون قوله ـ مع اختلافهم ـ قولاً جديداً، لا يدخل في أحد هذه الأقوال، فينظر إلى صحته في الواقع، ومدى احتمال الآية له، فيقول به على سبيل الإضافة.
فإن قلت: أرأيت إن أبطل قولُه أحد الأقوال المختلفة عن السلف؟
فالجواب: إن وصل إلى إبطال قول، فلا أرى أن يجترئ على إبطاله إلا بعد ظهور البينة التي لا لبس فيها بأن ما قاله صواب صحيح تدل عليه الآية، والقول الذي أبطله خطأ محض لا تدل عليه الآية.
وههنا ملحظ مهم قد أشرت إليه، وهو أنه قد يكون القول الذي يقوله صحيح في ذاته، لكن الخطأ الذي يقع في صحة دلالة الآية عليه،
стр. 141
فتراه يتعسَّف في حمل الآية عليه، ويجعله تفسيراً لها، وهو ليس كذلك، إذ لا يلزم أن يكون كل قول صحيح في هذه المكتشفات المعاصرة أن يوجد ما يشهد لها من الآية، فتفسَّر به، وهذا أمر مهم للغاية.
أما ما يقع من بعض الحريصين على ربط بعض المكتشفات العلمية بالآيات، وهذه المكتشفات ظَنِّية ظنّاً ضعيفاً، أو إنها خطأ محض = فإن هذا لا يختلف في رده ورفضه الباحثون الجادون في الإعجاز العلمي.
* * *
стр. 142
الفصل الثالث
اعتراضات على تفسير السلف
قد يقع عند بعض المعتنين بالإعجاز اعتراض على هذه القضية من جهتين:
الأولى: أن الواحد من السلف قد يخطئ، فكيف أكون ملزَماً بقوله.
الثانية: أن في تفسير السلف إسرائيليات، وبعضها يتعلق بأمور كونية أو تجريبية قد ثبت خطؤها.
وهاتان مسألتان من المهم دراستهما في هذا المقام، وإليك تفصيلهما في المبحثين الآتيين:
المبحث الأول
وجود الخطأ في تفسير آحاد السلف
أقول: إن وقوع الخطأ من الواحد منهم غير بعيد، سواءً أكان في التفسير، أم في معرفة هذه القضايا كما هي في الواقع، إذ قد يتكلمون في ذلك باجتهادهم، أو بما وصلهم من العلم المعاصر لهم.
لكن الحكم بالخطأ لا يتأتى لكل واحد، ولا بدَّ من التريث حال الحكم بالخطأ على تفسير ما، وليس هناك ما يمنع من التخطئة إذا ثبت وقوع الخطأ، لكن الذي يحسن التنبه له أن بعض أقوالهم قد يكون لها وجه يجهله المخطِّئ، ولو حمله على ذلك الوجه الذي ذكره الواحد من السلف لصحَّ عنده، وهذا باب في أصول التفسير مهم، وهو (توجيه
стр. 143
أقوال السلف) فمن تعلَّم طرائق توجيه أقوالهم وجد كثيراً منها له وجه معتبر، وإن كان غير راجح عند بعض العلماء، ولأذكر لك مثالاً تهتدي به في هذا المقام.
ذكر الطبري (ت:٣١٠هـ) تفسير السلف لاستحياء النساء من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، وذهب جمهورهم في التعبير عن ذلك بأنهم يبقونهنَّ على قيد الحياة، ثم ذكر قولاً لابن جريج يخالف تعبيره تعبيرَهم، قال: «وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج فقال بما:
حدثنا به القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين بن داود قال: حدثني حجاج عن ابن جريج قوله: ﴿وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ قال: يسترقُّون نساءكم.
فحاد ابن جريج بقوله هذا عما قاله من ذكرنا قوله في قوله: ﴿وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: إنه استحياء الصبايا الأطفال إذ لم يجدهن يلزمهن اسم نساء، ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله: ﴿وَيْسَتَحْيُونَ﴾: يسترقُّون، وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية، وذلك أن الاستحياء استفعال من الحياة، نظير الاستبقاء من البقاء، والاستسقاء من السقي، وهو من معنى الاسترقاق بمعزل» (١).
ولو التمست لتفسير ابن جريج (ت:١٥٠هـ) وجهاً في التأويل، وذهبت إلى أنه فسَّر جملة ﴿وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ بلازمها، وهو كون هؤلاء الفتيات الصغيرات سيكنَّ رقيقات حال كِبَرِهنَّ واستطاعتهن للخدمة، لكان وجهاً حسناً مليحاً، فيكون تفسير الجمهور مبيناً عن معنى اللفظ من جهة
стр. 144
اللغة، وتفسير ابن جريج (ت:١٥٠هـ) مبينٌ عن لازم هذا الاستحياء، وهو الاسترقاق، فإذا ذهبت بقوله هذا المذهب صار القولان مقبولين، ولَمَا احتجت إلى ردِّ قول ابن جريج (ت:١٥٠هـ) كما ذهب إلى ذلك الإمام الطبري (ت:٣١٠هـ) الذي ذهب بقول ابن جريج (ت:١٥٠هـ) إلى التفسير اللفظي، فأنكره عليه.
ولو سار من يبحث في الإعجاز العلمي على هذا النموذج، وحرص على تفهُّم قول السلف، واجتهد في تخريج أقوالهم، وتعرَّف على طريقتهم في التفسير لسَلِم من انتقاد أقوالهم، والتنقُّص لعلمهم، كما وقع في كتاب (من أوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عالم البحار) فقد جاء في هذا البحث عبارات ما كان لها أن تكون لو كان الباحث يتبع منهج الاعتداد بقول السلف، والحرص على تفهُّم أقوالهم، وتخريجها بحملها على المحمل العلمي المناسب لها، ومما جاء في هذا الكتاب ما يأتي:
١ - في تعليقه على أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]، قال: «ولم يتيسر للمفسرين الإحاطة بتفاصيل الأسرار التي ألمحت إليها الآية؛ لأنها كانت غائبة عن مشاهدتهم، وتعددت أقوالهم في تفسير معانيها الخفية» (١).
ثم ذكر أقوال المفسرين: ابن الجوزي وأبي السعود والبيضاوي والشنقيطي وطنطاوي جوهري وغيرهم، ثم قال: «فتأمل كيف عجز البشر عن إدراك تفاصيل ما قرره القرآن الكريم، فمن المفسرين من ذكر أن البرزخ أرضاً أو يبساً (حاجز من الأرض).
стр. 145
ومنهم من أعلن عجزه عن تحديده وتفصيله، فقال: «هو حاجز لا يراه أحد»، وهذا يبين لنا أن العلم الذي أوتيه محمد ﷺ فيه ما يفوق إدراك العقل البشري في عصر الرسول ﷺ ، وبعد عصره بقرون.
وكذا الأمر في الحجر المحجور، فقد ذهب بعض المفسرين إلى حملها على المجاز، وذلك بسبب نقص العلم البشري طوال القرون الماضية ...» (١).
ثم ذكر ما توصل إليه الباحثون المعاصرون في عالم البحار في مسألة البرزخ والحجر المحجور، ثم قال: «فانظر كيف حارت العقول الكبيرة عدة قرون ـ بعد نزول القرآن الكريم ـ في فهم الدقائق والأسرار، وكيف جاء العلم مبيناً لتلك الأسرار، وصدق الله القائل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [النمل: ٩٣]، وانظر كيف استقر المعنى بعد أن كان قلقاً ...» (٢).
ومؤدى هذا الكلام أن المفسرين السابقين لم يهتدوا إلى معرفة معنى هذه الآية، وأن معناها لم يظهر إلا في هذا العصر.
ولا يخفاك أن هذا من عدم فهم أصول التفسير، وتقرير صحة ما ذهب إليه المفسرون من السلف، ثم بناء علم آخر عليه، وليس الاعتراض عليه كما هو الحال في هذا المثال.
والباحث الكريم الذي توصل إلى هذه النتيجة في فهم معنى الآية لم يبين للقارئ عدم تطابق ما ذكره المفسرون مع معنى الآية بأي وجه من الوجوه، بل راح يفند أقوالهم بالجملة، ثم يبيِّن أن ما توصل إليه