← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 13768

الإعجاز العلمي إلى أين

مساعد الطيار

Полный текст (202 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فتراه يتعسَّف في حمل الآية عليه، ويجعله تفسيراً لها، وهو ليس كذلك، إذ لا يلزم أن يكون كل قول صحيح في هذه المكتشفات المعاصرة أن يوجد ما يشهد لها من الآية، فتفسَّر به، وهذا أمر مهم للغاية. أما ما يقع من بعض الحريصين على ربط بعض المكتشفات العلمية بالآيات، وهذه المكتشفات ظَنِّية ظنّاً ضعيفاً، أو إنها خطأ محض = فإن هذا لا يختلف في رده ورفضه الباحثون الجادون في الإعجاز العلمي. * * *

стр. 142

الفصل الثالث اعتراضات على تفسير السلف قد يقع عند بعض المعتنين بالإعجاز اعتراض على هذه القضية من جهتين: الأولى: أن الواحد من السلف قد يخطئ، فكيف أكون ملزَماً بقوله. الثانية: أن في تفسير السلف إسرائيليات، وبعضها يتعلق بأمور كونية أو تجريبية قد ثبت خطؤها. وهاتان مسألتان من المهم دراستهما في هذا المقام، وإليك تفصيلهما في المبحثين الآتيين: المبحث الأول وجود الخطأ في تفسير آحاد السلف أقول: إن وقوع الخطأ من الواحد منهم غير بعيد، سواءً أكان في التفسير، أم في معرفة هذه القضايا كما هي في الواقع، إذ قد يتكلمون في ذلك باجتهادهم، أو بما وصلهم من العلم المعاصر لهم. لكن الحكم بالخطأ لا يتأتى لكل واحد، ولا بدَّ من التريث حال الحكم بالخطأ على تفسير ما، وليس هناك ما يمنع من التخطئة إذا ثبت وقوع الخطأ، لكن الذي يحسن التنبه له أن بعض أقوالهم قد يكون لها وجه يجهله المخطِّئ، ولو حمله على ذلك الوجه الذي ذكره الواحد من السلف لصحَّ عنده، وهذا باب في أصول التفسير مهم، وهو (توجيه

стр. 143

أقوال السلف) فمن تعلَّم طرائق توجيه أقوالهم وجد كثيراً منها له وجه معتبر، وإن كان غير راجح عند بعض العلماء، ولأذكر لك مثالاً تهتدي به في هذا المقام. ذكر الطبري (ت:٣١٠هـ) تفسير السلف لاستحياء النساء من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]، وذهب جمهورهم في التعبير عن ذلك بأنهم يبقونهنَّ على قيد الحياة، ثم ذكر قولاً لابن جريج يخالف تعبيره تعبيرَهم، قال: «وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج فقال بما: حدثنا به القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين بن داود قال: حدثني حجاج عن ابن جريج قوله: ﴿وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ قال: يسترقُّون نساءكم. فحاد ابن جريج بقوله هذا عما قاله من ذكرنا قوله في قوله: ﴿وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: إنه استحياء الصبايا الأطفال إذ لم يجدهن يلزمهن اسم نساء، ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله: ﴿وَيْسَتَحْيُونَ﴾: يسترقُّون، وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية، وذلك أن الاستحياء استفعال من الحياة، نظير الاستبقاء من البقاء، والاستسقاء من السقي، وهو من معنى الاسترقاق بمعزل» (١). ولو التمست لتفسير ابن جريج (ت:١٥٠هـ) وجهاً في التأويل، وذهبت إلى أنه فسَّر جملة ﴿وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ بلازمها، وهو كون هؤلاء الفتيات الصغيرات سيكنَّ رقيقات حال كِبَرِهنَّ واستطاعتهن للخدمة، لكان وجهاً حسناً مليحاً، فيكون تفسير الجمهور مبيناً عن معنى اللفظ من جهة

стр. 144

اللغة، وتفسير ابن جريج (ت:١٥٠هـ) مبينٌ عن لازم هذا الاستحياء، وهو الاسترقاق، فإذا ذهبت بقوله هذا المذهب صار القولان مقبولين، ولَمَا احتجت إلى ردِّ قول ابن جريج (ت:١٥٠هـ) كما ذهب إلى ذلك الإمام الطبري (ت:٣١٠هـ) الذي ذهب بقول ابن جريج (ت:١٥٠هـ) إلى التفسير اللفظي، فأنكره عليه. ولو سار من يبحث في الإعجاز العلمي على هذا النموذج، وحرص على تفهُّم قول السلف، واجتهد في تخريج أقوالهم، وتعرَّف على طريقتهم في التفسير لسَلِم من انتقاد أقوالهم، والتنقُّص لعلمهم، كما وقع في كتاب (من أوجه الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عالم البحار) فقد جاء في هذا البحث عبارات ما كان لها أن تكون لو كان الباحث يتبع منهج الاعتداد بقول السلف، والحرص على تفهُّم أقوالهم، وتخريجها بحملها على المحمل العلمي المناسب لها، ومما جاء في هذا الكتاب ما يأتي: ١ - في تعليقه على أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]، قال: «ولم يتيسر للمفسرين الإحاطة بتفاصيل الأسرار التي ألمحت إليها الآية؛ لأنها كانت غائبة عن مشاهدتهم، وتعددت أقوالهم في تفسير معانيها الخفية» (١). ثم ذكر أقوال المفسرين: ابن الجوزي وأبي السعود والبيضاوي والشنقيطي وطنطاوي جوهري وغيرهم، ثم قال: «فتأمل كيف عجز البشر عن إدراك تفاصيل ما قرره القرآن الكريم، فمن المفسرين من ذكر أن البرزخ أرضاً أو يبساً (حاجز من الأرض).

стр. 145

ومنهم من أعلن عجزه عن تحديده وتفصيله، فقال: «هو حاجز لا يراه أحد»، وهذا يبين لنا أن العلم الذي أوتيه محمد ﷺ فيه ما يفوق إدراك العقل البشري في عصر الرسول ﷺ ، وبعد عصره بقرون. وكذا الأمر في الحجر المحجور، فقد ذهب بعض المفسرين إلى حملها على المجاز، وذلك بسبب نقص العلم البشري طوال القرون الماضية ...» (١). ثم ذكر ما توصل إليه الباحثون المعاصرون في عالم البحار في مسألة البرزخ والحجر المحجور، ثم قال: «فانظر كيف حارت العقول الكبيرة عدة قرون ـ بعد نزول القرآن الكريم ـ في فهم الدقائق والأسرار، وكيف جاء العلم مبيناً لتلك الأسرار، وصدق الله القائل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [النمل: ٩٣]، وانظر كيف استقر المعنى بعد أن كان قلقاً ...» (٢). ومؤدى هذا الكلام أن المفسرين السابقين لم يهتدوا إلى معرفة معنى هذه الآية، وأن معناها لم يظهر إلا في هذا العصر. ولا يخفاك أن هذا من عدم فهم أصول التفسير، وتقرير صحة ما ذهب إليه المفسرون من السلف، ثم بناء علم آخر عليه، وليس الاعتراض عليه كما هو الحال في هذا المثال. والباحث الكريم الذي توصل إلى هذه النتيجة في فهم معنى الآية لم يبين للقارئ عدم تطابق ما ذكره المفسرون مع معنى الآية بأي وجه من الوجوه، بل راح يفند أقوالهم بالجملة، ثم يبيِّن أن ما توصل إليه

стр. 146

العلم الحديث هو التفسير الصحيح للآية، وما قاله المفسرون لا يخرج عن أن يكون نوعاً من البرزخ والحجر المحجور، لكن قناعتهم بما عندهم من العلم الحديث قد تردهم ـ من حيث لا يشعرون ـ عن تفهُّم قول المفسرين، وعن التنبه إلى مطابقة قولهم لمعنى الآية. والأسلوب الصحيح في مثل هذا المثال: ١ - أن يُفهم قول المفسرين على وجهه، ويُعرف وجهه الصحيح الذي قالوا به، وذلك بتطابق ما قالوه مع معنى البرزخ والحجر المحجور. ٢ - أن يُتأدَّب في العبارات معهم، ولا يؤتى بعبارات تشعر بالتصغير لعلمهم وفهمهم. ٣ - أن يُجعل ما فهموه صحيحاً ـ إن كان قولاً واحداً ـ أو يختار الباحث من أقوالهم المختلفة المعنى الذي يظهر له أنه صحيح، ولا يرمي كل ما عندهم من الأقوال ويتركها لأجل ما توصل إليه العلم الحديث. ٤ - أن يجعل ما توصل إليه إضافة فحسب، وهي إضافة قابلة للصواب والخطأ، ولا يصلح الجزم بها كما هو الحال في مثل هذا المثال. المبحث الثاني الإسرائيليات ومخالفتها للقضايا العلمية المعاصرة إن معرفة كيفية تعامل السلف مع الإسرائيليات يعتبر أصلاً مهماً من أصول التفسير؛ لأن القارئ في التفسير سيمرُّ بها لا محالة، لكن هذا المقام ليس مقام التفصيل في هذه المسألة، لذا سأكتفي بذكر بعض الأمثلة ونقاشها نقاشاً علميّاً. لو سأل سائل: هل كل ما ورد من أخبار في أسفار بني إسرائيل خطأ محض؟

стр. 147

لا شك بأن الجواب من أي عاقل: لا، بل فيها ما هو صواب، وفيها ما هو خطأ. ولو سأل سائل: هل عندنا ميزان يرشدنا إلى معرفة الصواب من الخطأ في هذه الأخبار؟ فالجواب فيه تفصيل: أما بعض الأمور، فعندنا ميزان، وهو شرع الله، إذ لا يمكن أن يختلف الأنبياء في أصول الشرائع كتحريم الكذب، والسرقة، والزنى، وغيرها من الأصول التشريعية في الأوامر والنواهي، فإذا وجدناهم قد نسبوا إلى نبي من الأنبياء إباحة شيء من هذا أو استباحته علمنا أنه خطأ محض، وكذب مُفترى. والآثار النبوية قد دلت على شيء من الأمثلة في هذا، وهذه القضية معلومة لا تحتاج إلى تفصيل. وأما بعض الأمور من الأخبار فإنها تتأرجح بين الصدق والكذب، ولا يمكن الجزم بهذا أو بذاك، لذا جاء الإرشاد النبوي ناسخاً للنهي عن التحديث عن بني إسرائيل، ومن هذه الأحاديث: ١ - روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ قال: «بلِّغوا عني ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (١). ٢ - وروى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]» (٢).

стр. 148

٣ - روى أحمد بسنده عن ابن أبي نملة أن أبا نملة الأنصاري ﵁ أخبره أنه: بينا هو جالس عند رسول الله ﷺ جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ قال رسول الله ﷺ : «الله أعلم». قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلاً لم تصدقوهم» (١). وهذه الأحاديث تبين بوضوح طريقة التعامل مع مرويات بني إسرائيل فيما لا يمكن الجزم بصحته أو كذبه. فإن قلت: لِمَ لَمْ تذكر ضابط العقل هنا؟ أليس العقل ضابطاً في معرفة الصدق من الكذب؟ فأقول: العقل قرينة في معرفة الصدق من الكذب، لكن هناك بعض الأمور التي تختلف فيها العقول من جهة القَبول وعدمه، كما أن هناك غرائب حكاها الرسول ﷺ ، ولولا حكايته لها لما قبلتها العقول، فدلَّ على أن العقل ليس ضابطاً مطلقاً؛ لأنه قد يأتي في بعض هذه المرويات ما تستغربه العقول لا ما تحيله العقول، وليس من الصواب ردُّها لعدم ملاءمتها لعقلك؛ إذ قد تتخرَّج عند عقل غيرك على تخريج معقول مقبول، وسيأتي ذكر مثال لذلك. ولكي لا يخرج الموضوع عن مداره أقول: إن السلف لما حكوا هذه الإسرائيليات انطلقوا من هذه الأحاديث التي تجيز التحديث عن بني إسرائيل، وتأمر بالتوقف في التصديق والتكذيب؛ إلا إذا كان هناك بينة ظاهرة واضحة لا لبس فيها، ومن ثَمَّ،

стр. 149

فإنه لا يصلح التثريب عليهم بوجود إسرائيليات في تفاسيرهم، بعد التجويز النبوي للتحديث بأخبار بني إسرائيل، وهل سنكون أشفق من الرسول ﷺ بأمته، فنمنع ذلك؟! وسأذكر مثالاً من التفاسير التي نقلها السلف من بني إسرائيل، وأناقش إحالة العقل أو إمكانيته لمثل هذا الخبر. في تفسير قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] ورد عن بعض السلف في تفسير ﴿ق﴾ أنه جبل محيط بجميع الأرض يقال له: جبل قاف. وهذا الخبر غريب جدّاً، وقد استنكره بعض الأئمة؛ كابن كثير الدمشقي (١)، ولم يسنده الطبري كعادته، بل ذكره من دون ذكر قائله (٢)، ومحله عندما تعرضه على عقلك كما ترى.

стр. 150

لكن هل يستحيل عقلاً وجود مثل هذا الجبل؟ لو قال قائل ـ ممن سبقنا، ولم يدرك صور الأرض من الفضاء ـ: لا يلزم أن يكون الإنسان أدرك جميع التفاصيل المتعلقة بالأرض وأحوالها، وقد يكون هذا الجبل موجوداً لكن لم يدركه الإنسان، ولم يعرف كنهه، ويكون مما أخبرت به بعض الأنبياء، فبقي مكتوباً عند بني إسرائيل، فيبقى الأمر محتملاً للتصديق والتكذيب، وليس مما تحيله العقول. ومما يشهد لوجود أشياء في هذا الكون لا يدركها الإنسان، مع إخبار الرسول ﷺ بها = ما رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس. ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق. ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط. ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس، فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان» (١). وهذا الخبر صحيح عن النبي ﷺ ، وليس كخبر جبل قاف من جهة القبول والتصديق، لكن المراد أن الرسول ﷺ قد أخبر بخبره الصادق عن أمر غريب لا يدركه الناس بأبصارهم، وعدم إدراكهم له لا ينقضه، فكذلك جبل قاف يحتمل أن يكون كقرني الشيطان. ولو استشهد بأمرين في هذه المسألة، فقال: الأول: أحاديث النبي ﷺ التي تأمر بأن لا نصدق مرويات بني إسرائيل ولا نكذبها، وأنا أراه من هذا الجنس.

стр. 151

الثاني: وجود أحاديث صحيحة من جنس هذا الخبر من حيث الغرابة. = فإن (١) قوله ـ من جهة التحليل العلمي ـ قول صحيح، ولا يمكن أن يُخطَّأ بدعوى عدم قبول العقل لها. فإذا وُجِد من يقول بهذا من السابقين، فإننا اليوم ـ وقد جاب الباحثون الفضاء فلم يظهر لهم جبل قاف ـ يمكننا أن ننكره بالحس، لكن لا يجوز لنا أن نقول: لقد تابعوا حركة الشمس في السماء، فهل وقفوا على قرني الشيطان هذه؟ وعدم وقوف البحوث الكونية المعاصرة على قرني الشيطان لا يصلح لتكذيب الخبر الصادق عن المعصوم ﷺ . والمقصود من ذلك: أن الاعتذار مطلب يحسن أن نتأدب به مع أسلافنا، وفيما بيننا، كما يحسن أن لا نُلْصِقَ بهم تهمة الأخذ من بني إسرائيل، ثم نبني على ذلك الإعراض عن تفسيرهم، أو بيان ضعف تفسيرهم، وليس هذا الاتهام لهم هو المنهج الصحيح، بل الصواب أن يُتعرَّف على مناهجهم في تلقُّف هذه الأخبار الإسرائيلية، وكيفية التعامل معها بناءً على المنهج النبوي الواضح من الأحاديث التي ذكرتها لك. فإن قلت: إن وجدنا بعض السلف يعتمدها، ويصحح التفسير بها؟ فأقول: على فرض ذلك، فنحن عندنا المنهج النبوي الصحيح، ولسنا ملزمين بغيره من أقوال كائن من كان قائلها، فلو وقع ذلك، فهنالك يقع الرد والاعتراض إذا كان له مجال. لكن الملاحظ على جمهور المعاصرين الذين درسوا الإسرائيليات أو كتبوا فيها المقالات أن الحكم عندهم سابقٌ، وهو ردُّ هذه

стр. 152

الإسرائيليات، والتشنيع على المفسرين الذين ذكروها، حتى صاروا يعدون ذكرها أو الإكثار منها من عيوب التفاسير، بل زعم بعضهم أنها من أسباب ضعف التفسير المأثور عن السلف، وذهب بعضهم إلى الدفاع عن التفسير بردِّ الدخيل منه، ومن هذا الدخيل عندهم الإسرائيليات، بل طالب بعضهم بطبع كتب التفسير من جديد بعد حذف الإسرائيليات منها، وهذا المنهج الذي سلكوه ليس بصواب، وليس هو السبيل الذي سار عليه العلماء سلفاً وخلفاً في هذا الموضوع، ونقاش ذلك ليس هذا محله، وهو أمر يطول تقريره. وبعد، فإنَّ ورود بعض التفاسير عنهم مما تلقفوه من بني إسرائيل لا مشاحة في ردِّه إذا ثبت ثبوتاً يقينيّاً خطؤه، وليس على من نقله منهم تثريب أو ملامة، فالإنسان يتكلم على حسب ما ورده من العلم. وإن رأى بعض من يطلع على مقالتي هذه تشديداً في مسألة الإعجاز العلمي، فإني أذكِّرهم بأن الأمر خطير، وإن وُجِدَ تشديد فإنه من باب الذبِّ عن كتاب الله تعالى، فلا يجوز لكل مسلم أن يقول في كلام الله وتفسيره ما يقول، وهو ليس من أهل العلم، ولا هو عارف بالتفسير وأصوله، فإن القول على الله بغير علم من الكبائر التي حرمها الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، والتفسير قول على الله؛ لأن من فسَّر كلامه، فكأنه يقول: هذا ما قاله الله وأراده بكلامه، لذا عظَّم بعض السلف جانب التفسير، وتورَّعوا فيه، ومن ذلك قول مسروق (١): «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله» (٢)، وقد كان ذلك المذهب ـ وهو التورع في

стр. 153

التفسير ـ بارزاً في علماء التابعين من أهل المدينة والكوفة (١)، والذين يريدون تفسير كلام الله بحاجة إلى أن يدرسوا هذا المذهب، ويتأملونه قبل أن يلجوا إلى التفسير. وإن من العجيب أن يطالب بعضُ الجادِّين في بحث الإعجاز العلمي؛ يطالب المتكلمين فيه بأن لا يتكلموا فيما لا يحسنون من العلم، فلا يبيحون للطبيب أن يتكلم في الآيات التي تتحدث عن الفلك ليبين وجوه الإعجاز فيها، ولا يبيحون للمهندس أن يتكلم في آيات الطب ليبين الإعجاز فيها، ويأمرون باحترام التخصص، ولا ترى كثيراً منهم ـ مع كل أسف ـ يطالبون بالتعامل مع التفسير وأصوله بمثل هذه المطالبة، وكأن علم التفسير علم سهل ميسور يستطيعه كل مثقف، وكل متخصص في العلوم التجريبية والكونية، ونحن نرى كيف يقع الخلل في فهم بعض الآيات ممن هم متخصصون في علم الشريعة، وليسوا من أهل التفسير؟ فكيف الحال بهؤلاء؟! إن حقوق كتاب الله أن يشرع أحد في تفسير آياته وهو لم يتعلم أصول تفسيره، ولم يتقن التعامل مع اختلاف المفسرين، ولم يعرف كيف يقوم بتفسير الآيات بعد ذلك. وأخيراً أقول: أرجو أن لا يُفهم أني أدعو إلى إقفال باب الحديث عن الإعجاز العلمي، فملاحظاتي على ما هو مطروح لا يعني عدم قناعتي به جملة وتفصيلاً، بل في الساحة من الحديث عنه خير كثير، وأتمنى أن لا يعتب عليَّ إخواني من المعتنين بالإعجاز العلمي، وأن تتسع صدورهم لأظهر ما أرى أنه صوابٌ في هذه المسألة؛ لأني أدعو إلى تصحيح المسار في بحوث الإعجاز العلمي للتوافق مع المنهج

стр. 154

التفسيري الصحيح، فإن كان كذلك، فتلك منَّة وفضل من الله، وإن كان غير ذلك، فمن تقصيري، ومن نزغات الشيطان، أعيذ نفسي وإخواني من نزغاته. * * *

стр. 155

المقالة الخامسة هل يصح أن ينسب الإعجاز للسُّنَّة؟

стр. 156

المقالة الخامسة هل يصح أن ينسب الإعجاز للسُّنَّة ؟ (١) إن أزمة المصطلحات لا تكاد تنفك عن علم من العلوم، ونحن بحاجة إلى النظر فيها لتحرير محلِّ النِّزاع، أو لما قد يترتب عليها من معلومات فيها خلل، لذا فإن ما يقال: إنه لا مشاحة في الاصطلاح = فإنه ليس على إطلاقه، نعم، لا مشاحة في الاصطلاح إذا كان لا يغيِّر حقائق الأمور، ولا يترتب عليه معلومات علمية خاطئة. وهنا مصطلح معاصر حادث، وهو (الإعجاز العلمي في السُّنَّة النبوية)، فهل يصح هذا الإطلاق؟ إذا رجعنا إلى تراثنا المتراكم عبر القرون، وجدنا علماءنا ـ رحمهم الله تعالى ـ قد كتبوا في هذا الأمر، لكن تحت مسمَّى (دلائل النبوة) أو (أعلام النبوة)، وهو أقلُّ في الاستعمال من (دلائل النبوة). ويذكرون في كتبهم هذه أموراً: الأول: معجزات نبينا محمد ﷺ . الثاني: أحواله الدالة على صدقه. الثالث: إخباراته بالغيب، والإشارة إلى وقوع بعض ما أخبر به. لذا فدلائل النبوة فيها المعجزات، وفيها غيرها مما يدل على صدق نبينا محمد ﷺ . وما دام هذا كان متحرِّراً عند علمائنا ـ رحمهم الله تعالى ـ فما

стр. 157

الداعي إلى ترك الاصطلاح الدقيق لعلمائنا السابقين، واستبداله بمصطلح يحمل مشكلات علمية؟ إن مصطلح الإعجاز منذ ظهر وهو مرتبط بأمرين: • بالقرآن الكريم. • وبالأمور الخارقة لعادة الخلق جميعاً، تلك العادة ـ كتسبيح الحصى ـ التي يجريها الله على يد نبيٍّ من أنبيائه لتكون دليل صدقٍ على نبوتهم، أو تأييداً لهم. ولقد قلَّبتُ الأمر في هذا المصطلح الحادث، فلم أر أننا بحاجة إليه ما دام في تراثنا ما يغني عنه، ويدلُّ على المراد به دون مشكلات علمية. والملاحظ أن من أحدث هذا المصطلح راح يُعرِّفه بتعريف خاصٍّ جدّاً ينطبق على ما يريد هو، دون الالتفات إلى تقرير العلماء السابقين في تعريف المعجزة، فصار نشازاً بعيداً عن مفهوم المعجزة كما عرفته القرون من قبلنا. وإذا تأملت تعريفهم للإعجاز العلمي بالسُّنَّة النبوية؛ ظهر لك يقيناً أن مدلول مصطلح (دلائل النبوة) أصدق وأدقُّ من مدلول (الإعجاز). ومن عرَّف الإعجاز العلمي يقول: «هو إخبار القرآن الكريم أو السُّنَّة بحقيقة أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول ﷺ . وهذا مما يُظهر صدق الرسول محمد ﷺ فيما أخبر عن ربه سبحانه». تأصيل الإعجاز العلمي في القرآن والسُّنَّة الصادر عن هيئة الإعجاز العلمي برابطة العالم الإسلامي (ص: ١٤). والذي يُظهِر صدق الرسول ﷺ إما أن يكون من قبيل المعجزات، وإما أن يكون من قبيل الأحوال النبوية الدالة على صدقه، وإما أن يكون من قبيل الإخبار بالغيب الذي يقع تحقيقه في المستقبل، وهذه كلها دلائل نبوة.

стр. 158

• أما المعجزات فهي من الأمور الخارقة التي لا يقدر عليها الخلق البتة، لذا فهي مختصَّة بالله تعالى يظهرها على يد نبي من أنبيائه، أو يظهرها على يد وليٍّ من أوليائه تدلُّ على صدق النبي، وتكون مؤيدة له. • وأما الأحوال النبوية، فإنها تدلُّ على صدق النبي ﷺ ، ومن أشهر الأمثلة في تاريخ الرسالة خبر هرقل مع أبي سفيان، فهرقل قد استدل على صدق النبي ﷺ بالسؤال عن أحواله. وفي الإصابة لابن حجر في ترجمة ملك عُمان، قال: «الجُلَنْدَى بضم أوله وفتح اللام وسكون النون وفتح الدال، ملك عمان ذكر وثيمة في الردة عن ابن إسحاق أن النبي ﷺ : بعث إليه عمرو بن العاص يدعوه إلى الإسلام، فقال: لقد دلني على هذا النبي الأمي: إنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يَغلِب فلا يبطر، ويُغلَب فلا يَهجُر، وأنه يفي بالعهد، وينجز الوعد، وأشهد أنه نبيٌّ، ثم أنشد أبياتاً منها: أتاني عمرو بالتي ليس بعدها ... من الحق شيء والنصيح نصيح فقلت له ما زدت أن جئت بالتي ... جُلندى عُمان في عمان يصيح فيا عمرو قد أسلمت لله جهرة ... ينادي بها في الواد بين فصيح وسيأتي في ترجمة جيفر بن الجلندى في هذا الحرف أنه المرسل إليه عمرو فيحتمل أن يكون الأب وابنه كانا قد أرسل إليهما». ومن تأمل أحوال من ادَّعى النبوة من الكَذَبَةِ عرف أهمية الأحوال النبوية في الدلالة على الصدق. • وأما الإخبار بالغيب، فهو كثير في سُنَّته ﷺ ، وقد كتب العلماء في ذلك في كتبهم في الصحاح والسنن والمسانيد، ولبعضهم مؤلفات خاصة؛ ككتب (الفتن والملاحم)، وكتبوا ـ كذلك ـ في كتب (دلائل النبوة) وفي غيرها مما يتعلق بسيرته الشريفة؛ كتبوا كثيراً من أخبار الغيب

стр. 159

التي تنبَّأ بها، وقد وقع منها شيء كثيرٌ يدلُّ على صدقِه ﷺ . وأما النوع الذي ينحو إليه من يكتب في (الإعجاز العلمي في السُّنَّة النبوية) فحقيقةُ أغلبِه أنه إخبار الرسول ﷺ بأمر يطابق الواقع الذي كان بين يديه، وليس بأمر سيأتي بعده بعد حين. ومن باب الفائدة أقول: إن كانت تفاصيل بعض ما أخبر به النبي ﷺ غير مدرَكة للصحابة ـ كما يرى من عرَّف الإعجاز العلمي ـ فإن هذا لم يؤخِّر الصحابة ومن جاء بعدهم عن العمل بما ثبت عن النبي ﷺ . وإدراكُ ذلك ـ على سبيل التفصيل ـ بطرق بشرية بحتة توصِل إلى صدق ما أخبر به الرسول ﷺ = هو من دلائل نبوته ﷺ بلا ريب، لكن لا يصلح أن يقال عنه: إنه (معجزة)، فهو لا يتناسب مع تعريف المعجزة التي عرَّفها به العلماء على اختلافهم في تعريفاتهم لها. تنبيه: إن مما لا يخفى أن قضية الإخبار بالغيب قد تحصل لغير النبيِّ، لكن الفرق بين النبي ومدَّعي النبوة أن أخبار الأول كلها صادقة، أما الثاني فالأصل في أخباره الكذب، ولا يصدق منها إلا القليل جدّاً، وقد أخبر النبي ﷺ عن استراق الجنِّ لأخبار السماء، ولزيادتهم فيها حتى يكون الخبر الواحد معه مائة كذبة. • ويمكن القول بأن تميُّز الرسول ﷺ في المعجزات والأحوال تميزٌ تامٌّ، بخلاف الإخبار بالغيب، إذ قد يقع فيه مشاركة من جهة، لكن ـ كما سبق ـ شتان بين الإخبار النبوي عن الغيوب وإخبار الدجالين عنها. أما أن يرد في أخباره ﷺ خبر مجمل في قضية ما، ثم يأتي العِلمُ المعاصر مصدِّقاً لما قال، فهذا لا خلاف في وقوعه، بل هو الأصل عندنا نحن المسلمين؛ لأن كلام نبينا ﷺ حقٌّ، لكن أين مجال السبق هنا؟

стр. 160

إن السبق يصحُّ لو كنا نحن الذين اكتشفنا بناءً على معطيات الخبر النبوي، ثم توصل الغرب أو الشرق إلى ما اكتشفناه، أما على أسلوب من يدَّعي الإعجاز في السُّنَّة النبوية، فلا يوجد سبق؛ لأن السبق في الكشف إنما هو لمن اكتشف، وليس لمن كان عنده الخبر ولا يدري ما تحته من التفاصيل (أعني: نحن المسلمين المعاصرين). ومصطلح (السبق) الذي يقوم عليه الإعجاز العلمي بحاجة إلى إعادة نظر وتقويم؛ إذ لا حاجة لنا بأن نقول بالسبق، وإنما يكفي أن ندلَّ على أن ما اكتشفه المعاصرون بالتجربة والتحليل والتفصيل هو معلوم عندنا على سبيل الإجمال من حديث نبينا ﷺ ، وأننا مؤمنون بخبره، مطبِّقون له؛ سواءٌ علمنا هذه التفاصيل أو لم نعلمها، وما يزيدنا هذا الكشف الجديد إلا إيماناً وتسليماً. ومن وجوه الصدق التي يحسن أن نعرفها أنه لا يوجد في سُنَّة نبينا ﷺ ما يمكن أن يخالف الفطرة السوية والصحة البدنية والنفسية، فربُّنا قد يسَّر لنبينا ﷺ أمور دينه ودنياه، فللَّه الحمد والمنة على أن جعلنا من أتباع هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. * * *

стр. 161

المقالة السادسة تعريف الإعجاز العلمي بالسبق هل هو دقيق في التعبير عن مضمونه؟

стр. 162

المقالة السادسة تعريف الإعجاز العلمي بالسبق هل هو دقيق في التعبير عن مضمونه ؟ (١) لا يفتأ من يقرأ في تقريرات العلماء في التعريفات، أن يجد حرصهم على دفع الإشكالات عنها، وعلى جعل المصطلح منطبقاً على مضمون القضية التي يتحدثون عنها، وقد قامت سجالات علمية في تحرير مصطلحات العلوم، ولك أن تنظر في مصطلح (النحو) (أصول الفقه) (البلاغة) (التفسير) إلى غيرها من المصطلحات التي لا يخفى على طالب العلم ما دار حولها من النقاشات. ولا يخفى على طالب العلم ما في تحرير مصطلح جديد من العناء والتعب، حتى يرى أنه لا يكاد يُوفَّق فيه إلا بعد جهد جهيد، وعرض على كثير من العقول تختبره وتبلوه حتى يخرج حسناً مقبولاً. وطالب الحقِّ لا ينزعج من أن يُعترض عليه في تعريفه، بل أن يُنقض تعريفه؛ لأن الحقَّ مطلبُه وبغيته، ولا ينزعج من ذلك إلا قليل البضاعة في العلم، أو ضيق النفس الذي لا يحتمل الصولة في العلم. وإذا كان المطلوب من خُلقِه أن لا يكون كذلك، فمطلوب منه ـ أيضاً ـ أن لا ينزعج من عدم قبول انتقاده لأمر ما، وهذا هو ديدن طالب العلم في خُلقه، ديدنه أن يكون قولُه محاطاً بصفتي (العدل والعلم)، فالعدل يقيه من أن يُعرِض عن الحقِّ إذا كان الحقُّ مع غيره،

стр. 163

والعلم يقيه من الجهل الذي يُبعده عن معرفة الحق، وإن لم يتصف بهما كان كما قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾. وإذا أتينا إلى تعريف الإعجاز العلمي كما رضيه المعتنون به، فإننا سنجد من تعريفاتهم: ١ - تقول الأمانة العامة لهيئة الإعجاز العلمي في كتاب «الإعجاز العلمي تأصيلاً ومنهجاً»: «الإعجاز العلمي هو إخبار القرآن الكريم أو السُّنَّة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول مما يظهر صدقه فيما أخبر به عن ربه ». ٢ - يقول الأستاذ الدكتور زغلول النجار: إن تعبير «الإعجاز العلمي للقرآن الكريم يُقصد به سبق هذا الكتاب العزيز بالإشارة إلى عدد من حقائق الكون وظواهره التي لم تتمكن العلوم المكتسبة من الوصول إلى فهم شيء منها إلا بعد قرون متطاولة من تنزُّل القرآن الكريم ...» الموقع الرسمي للأستاذ الدكتور زغلول النجار. وبين التعريفين تداخل، فإخبار القرآن نوع من السبق، وهو ما وقع التصريح به في التعريف الثاني، ومؤداهما واحد، فكلاهما يدَّعي وجود تلك القضايا من العلوم المكتسبة المعاصرة في القرآن (أو في السُّنَّة، حسب التعريف الأول)، والذين قرأوه من الصحابة ومن بعدهم لم تظهر لهم هذه الحقائق، ثم ظهرت للمعاصرين، فكان إخبار القرآن بها سبقاً عندهم. ويقع هاهنا سؤال: هل يُعدُّ هذا سبقاً، وهل هذا السبق ـ لو صحَّ ـ إعجاز؟! إننا بحاجة إلى تأمل هذا المعنى (السبق) الذي قام عليه تعريف الإعجاز العلمي، والنظر في دِقَّةِ مضمونه.

стр. 164

أين وجه السبق الذي يدَّعيه متعاطي الإعجاز العلمي؟! إن حقيقة السبق تكمن في المجهود البشري البحت، وليس في ادِّعاء سبق القرآن للعلم المعاصر؛ لأن ادعاء السبق ظنِّي بلا ريب، ولا يمكن لأحد أن يجزم بأن هذه القضية المعاصرة تفسير وتأويل لآيةٍ ما. وإنما يصحُّ ادعاء السبق في حالين: الأولى: أن تكون الآية ظاهرة واضحة بلا نزاع في أن المراد منها ما اكتشفه العلم المعاصر، وفي هذه الحالة، فإن فهم السلف لها يُخرجها عن كونها لم تُكتشف إلا بالعلوم المعاصرة المكتسبة، ويبدو أنه إذا وُجد أمثلة من هذا النوع فإنها خارجةٌ عن كلام أهل الإعجاز العلمي. الثانية: إذا قام الباحث المسلم باكتشاف القضية المعاصرة، ثم اكتشفها الكافر بعده، فتلك حقيقة السبق. أما أن يُعلَّق السبق ـ وكذا دعوى الإخبار ـ على قضية ظنية «وهي الزعم بأن الآية تدل على هذا الاكتشاف المعاصر»، فتلك مشكلة علمية تحتاج إلى نظر وتأمُّل. هل هناك فرق بين دلالة الآيات القرآنية ودلالة الأحاديث على المكتشفات المعاصرة؟ إذا تأملت مجموعة من الأحاديث النبوية التي نُسب إليها (الإعجاز) ـ كما هو الحال في التعريف الأول ـ فإنك ستلاحظ أن دلالة الحديث النبوي على القضية المكتشفة المعاصرة أقوى من دلالة الآية التي تأتي مجملة ـ في كثير من الأحيان ـ غير محدَّدة الدلالة على القضية بعينها، ولأضرب لذلك مثالاً: فيما روى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ قال: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء

стр. 165

والأخرى شفاء»، فهذا صريح في الدلالة، بخلاف كثير من الآيات التي يستدل بها أهل الإعجاز العلمي. ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، فتفسير لفظ ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ عند السلف على وجهين: الأول: بنيناها واسعة الأرجاء، وهذا إخبار عن حال السماء في السعة. الثاني: بنيناها وإنا لقادرون على بنائها، من الوُسع؛ أي: القُدرة. ثم حمل بعض المعتنين بالإعجاز لفظ (لموسعون) على ما قالوا بأنه اكتُشف في هذا العصر من أن الكون يتمدد. فلو ثبت يقيناً أن الكون يتمدد، فإن السؤال الذي يقع هنا: هل دلالة الآية على تمدد الكون ظنية أو قطعية؟ لا شكَّ أن هذه الدلالة ظنية؛ لأن من يقول بهذا التفسير لا يمكنه أن يجزم في إثبات هذه الدلالة. وإذا كانت الدلالة ظنيةً، فإن دعوى السبق تبقى ظنية أيضاً. ومن المهم النظر والتدقيق في هذا الأصل الذي يقوم عليه الإعجاز العلمي، ثمَّ في الأمثلة التي حُملت عليه؛ لأن مقام بيان كتاب الله ليس بالأمر الهيِّن الذي يستطيعه كل مسلم مثقف أو متعلم، بل لا بدَّ من اعتماد أصول التفسير التي لا يقوم التفسير إلا بها، ولَمَّا لم يعتمد بعض متعاطي الإعجاز العلمي على هذه الأصول ظهر خلل كبير في الأمثلة التي يذكرونها في الإعجاز العلمي، وهذا ظاهر لمن قرأ في كتبهم أو بحوثهم. ويمكن لسائل أن يسأل: أين التفسير الصحيح للآية ما دامت الدلالة عندك ظنية؟

стр. 166

فأقول: إن الجواب عن هذا يحتاج إلى التذكير بقاعدة مهمة يغفل عنها بعض من يعتني بالإعجاز العلمي، وهي أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة، ومن ثَمَّ، فإنه لم يفُتْها فهمُ كلام ربها على وجهٍ صحيح معتبرٍ، وهذه القاعدة تبدأ بزمن الصحابة ثمَّ من بعدهم، فلا يصحُّ أن يقال: إن الصحابة لم يفهموا شيئاً من معاني القرآن، ولا أن يقال: إن من بعدهم ـ كذلك ـ قد وقع لهم ذلك. وإذا كانت هذه القاعدة معتبرةً عند المسلمين، فإن من لوازمها أن الحق قد وقع في فهم القرآن، وأنه لا يمكن أن توجد آية ضلَّ المسلمون عن فهمها على وجهٍ صحيح معتبرٍ. وإذا ركَّبت هذه المسألة مع المسألة السابقة ـ في كون دلالة الآية على القضية المعاصرة ظنية ـ فإنه سيظهر لك الآتي: ١ - أن من اعتمد تفسير السلف ومن قال بقولهم ـ ممن جاء بعدهم ـ فإنه قد قال بالقول الحقِّ والصواب، ولا يمكن أن يخرج عن الحقِّ. ٢ - أن من اعتمد على المكتشفات المعاصرة، وأعرض عن قول السلف، فإنه قد أخطأ الصواب بلا ريب؛ لأن وجود التفسير الصحيح في كلام السلف متيقنٌ منه، وأما قوله المعاصر فإنه يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ؛ لأن دلالة الآية ـ كما قلتُ ـ ظنية. وإذا اعتمد قول السلف، وأضاف إليه ما ظهر من المكتشفات المعاصرة، فإنه لا يغير من الأمر شيء، فتفسير السلف قطعي في تضمُّنه للقول الصحيح في معنى الآية، والتفسير المعاصر ظَنِّي في ذلك. وينتج عن هذا مسألة مهمة جداً، وهي: هل ينقص فهمنا للقرآن إذا لم نقل بالإعجاز العلمي؟ والجواب مبنيٌّ على التفصيل السابق، فما دام أن السلف لم ينقص فهمهم للقرآن ـ وهم لا يعرفون هذا النوع من العلم ـ فمن باب أولى أن لا ينقص فهمنا نحن.

стр. 167

ومن هنا، فلو اقتصر المفسر على ما وصله من تفسير السلف، فإنه قد تمسَّك بالحق بلا ريب، وخرج من عُهدة المساءلة، بخلاف من تعرض للإعجاز العلمي (الظني الدلالة)، فإنه لا يسلم من ذلك بأن يقال له: من أين علمت أن هذا هو مراد الله؟ أما الأول فيقول: علمته من كون الأمة خلفاً عن سلف تناقلت هذه الأقوال بلا نكير، واعتمدتها في التفسير، ولم يجعلوا ما جاء عن سلفهم باطلاً، ولم يتركوه وراءهم ظهريّاً، وإن احتاج العلماء المحرِّرون في التفسير إلى بيان أقرب الأقوال أو أولاها بالصحة والصواب من الأقوال المختلفة في تفسير سلفهم اعتمدوا القواعد العلمية، وبينوا ذلك بالطرق المعتبرة عند أولي العلم بالتفسير. وهذا حقٌّ ظاهر بلا ريب، وإن كان قد يخفى عن بعض من يتكلم في الإعجاز العلمي لغلبة هذا الموضوع عليه، وتمكنه من نفسه، حتى يظنَّ أن ما جاء به فإنه حقٌّ لا شكَّ فيه. ولا يخفاك أن من ظنَّ هذا الظنَّ فإنه مخطئٌ. * * *

стр. 168

المقالة السابعة مصطلح الإعجاز العلمي عند الطاهر بن عاشور

стр. 169

المقالة السابعة مصطلح الإعجاز العلمي عند الطاهر بن عاشور كان من بركات اللقاء بالشيخ المفيد الدكتور محمد الحمد؛ اللقاء الذي عقدته الجمعية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (مساء الأحد ٢٨/ ١٢/١٤٢٨هـ) كان من بركاته أن فتح الذهن على موضوع (الإعجاز العلمي) عند الطاهر بن عاشور، وقد فتح هذا الباب الدكتور عادل الشدي بسؤاله للشيخ الدكتور محمد الحمد: هل تحدث الطاهر بن عاشور عن الإعجاز العلمي؟ وقد توقف الشيخ محمد آنذاك في الإجابة نفياً أو إثباتاً، وصار بيني وبينه مباحثة سريعة حول الموضوع بعد اللقاء، وقررنا مراجعة التفسير، ولما ظفر بمواطن من تصريحه بذلك هاتفني بها، ثم تتبعت مواطن ورود هذا المصطلح عنده فرأيت أن أكتب في هذا الموضوع مقالة سريعة، وأملي أن أتبعها ببحث أكثر تقصِّياً إن شاء الله، ودونكم هذا الموضوع: لقد ذكر الطاهر بن عاشور (الإعجاز العلمي) في حديثه في المقدمة العاشرة في إعجاز القرآن، وقد نبَّه على نوعين من أنواع العلم، فقال: «إن العلم نوعان: علم اصطلاحي، وعلم حقيقي، فأما الاصطلاحي فهو ما تواضع الناس في عصر من الأعصار على أن صاحبه يعد في صف العلماء، وهذا قد يتغير بتغير العصور، ويختلف باختلاف الأمم والأقطار، وهذا النوع لا تخلو عنه أمة.

стр. 170

وأما العلم الحقيقي فهو معرفة ما بمعرفته كمال الإنسان، وما به يبلغ إلى ذروة المعارف وإدراك الحقائق النافعة عاجلاً وآجلاً. وكلا العلمين كمال إنساني ووسيلة لسيادة أصحابه على أهل زمانهم، وبين العلمين عموم وخصوص من وجه، وهذه الجهة خلا عنها كلام فصحاء العرب؛ لأن أغراض شعرهم كانت لا تعدو وصف المشاهدات والمتخيلات والافتراضات المختلفة، ولا تحوم حول تقرير الحقائق وفضائل الأخلاق التي هي أغراض القرآن، ولم يقل إلا صدقاً كما أشار إليه فخر الدين الرازي» (١). ثم ذكر اشتمال القرآن على النوعين، ومما ذكر في النوع الثاني: «وأما النوع الثاني من إعجازه العلمي فهو ينقسم إلى قسمين: قسم يكفي لإدراكه فهمه وسمعه، وقسم يحتاج إدراك وجه إعجازه إلى العلم بقواعد العلوم فينبلج للناس شيئاً فشيئاً انبلاج أضواء الفجر على حسب مبالغ الفهوم وتطورات العلوم، وكلا القسمين دليل على أنه من عند الله؛ لأنه جاء به أمي في موضع لم يعالج أهله دقائق العلوم، والجائي به ثاو بينهم لم يفارقهم. وقد أشار القرآن إلى هذه الجهة من الإعجاز بقوله تعالى في سورة القصص: ﴿قُلْ فَاتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٩، ٥٠]، ثم إنه ما كان قصاراه مشاركة أهل العلوم في علومهم الحاضرة، حتى ارتقى إلى ما لم يألفوه وتجاوز ما درسوه وألفوه ...» (٢). ويلاحظ أن مدلول العلم عند الطاهر بن عاشور أوسع من مدلول المعتنين بالإعجاز العلمي الذين جعلوه في (العلوم التجريبية)، وقد ظهر

стр. 171

أثر توسع المدلول عنده في التطبيقات التي استخرجتها من كتابه، وهي قريبة من العشرين موضعاً، وسأذكر منها ما يدل على هذا المقال: أولاً: إطلاقه على ما يُسمى عند بعض المعاصرين بالإعجاز التاريخي: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَاكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]. قال: «هذا عطف جزء من قصة على جزء منها تكملة لوصف خلاص يوسف ﵇ من السجن. والتعريف في ﴿الْمَلِكُ﴾ للعهد؛ أي: ملك مصر، وسماه القرآن هنا ملكاً ولم يسمه فرعونَ لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر القبط، وإنما كان ملكاً لمصر أيامَ حَكَمَها (الهِكسوس)، وهم العمالقة، وهم من الكنعانيين، أو من العرب، ويعبر عنهم مؤرِّخو الإغريق بملوك الرعاة؛ أي: البَدو، وقد ملكوا بمصر من عام ١٩٠٠ إلى عام ١٥٢٥ قبل ميلاد المسيح ﵇، وكان عصرهم فيما بين مدة العائلة الثالثة عشرة والعائلة الثامنة عشرة من ملوك القبط، إذ كانت عائلات ملوك القبط قد بقي لها حكم في مصر العليا في مدينة (طِيبة) كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ﴾ [يوسف: ٢١]، وكان ملكهم في تلك المدة ضعيفاً لأن السيادة كانت لملوك مصر السفلى، ويقدّر المؤرخون أن ملك مصر السفلى في زمن يوسف ﵇ كان في مدة العائلة السابعة عشرة. فالتعبير عنه بالملك في القرآن دون التعبير بفرعون مع أنه عبّر عن ملك مصر في زمن موسى ﵇ بلقب فرعون هو من دقائق إعجاز القرآن العلمي. وقد وقع في التوراة إذ عبر فيها عن ملك مصر في زمن يوسف عليه السلام

стр. 172

فرعون وما هو بفرعون؛ لأن أمته ما كانت تتكلم بالقبطية، وإنما كانت لغتهم كنعانية قريبَة من الآرامية والعربية، فيكون زمن يوسف ﵇ في آخر أزمان حكم ملوك الرعاة على اختلاف شديد في ذلك». ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، قال: «ومن لطائف القرآن في اختيار لفظ العهد للاستعارة هنا لتكليف الله تعالى إياهم أن ذلك خطاب لهم باللفظ المعروف عندهم في كتبهم، فإن التوراة المنزلة على موسى ﵇ تلقب عندهم بالعهد؛ لأنها وصايات الله تعالى لهم، ولذا عبر عنه في مواضع من القرآن بالميثاق، وهذا من طرق الإعجاز العلمي الذي لا يعرفه إلا علماؤهم وهم أشح به، منهم في كل شيء، بحيث لا يعرف ذلك إلا خاصة أهل الدين، فمجيئه على لسان النبي العربي الأمي دليل على أنه وحي من العلام بالغيوب». ثانياً: الإعجاز العلمي في اصطلاح المعاصرين: ١ - في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، قال: «وحرف (ثم) في قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ للترتيب الرتْبي إذ كان خلق النطفة علقة أعجبَ من خلق النطفة، إذ قد صُير الماء السائل دَماً جامداً فتغير بالكثافة وتبدل اللون من عواملَ أودعها الله في الرحم. ومن إعجاز القرآن العلمي تسمية هذا الكائن باسم (العلَقة) فإنه وضْع بديع لهذا الاسم، إذ قد ثبت في علم التشريح أن هذا الجزء الذي استحالت إليه النطفة هو كائن له قوة امتصاص القوة من دم الأم، بسبب التصاقه بعروق في الرحم تدفع إليه قوة الدم، والعلقة: قطعة من دم عاقد. والمضغة: القطعة الصغيرة من اللحم مقدار اللقمة التي تمضغ، وقد تقدم في أول سورة الحج كيفية تخلُّق الجنين.

стр. 173

وعطف (جَعل العَلقةِ مُضغةً) بالفاء لأن الانتقال من العلقة إلى المضغة يشبه تعقيب شيء عن شيء، إذ اللحم والدم الجامد متقاربان، فتطورهما قريب، وإن كان مكث كل طورٍ مدة طويلة». وانظر أيضاً: تفسيره لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ في سورة العلق. ٢ - في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧]. قال: «وأُطنب في وصف هذا الماء الدافق لإِدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل الكافر ويزداد المؤمن علماً ويقيناً. ووُصف أنه يخرج من ﴿بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ لأن الناس لا يتفطنون لذلك، والخروج مستعمل في ابتداء التنقل من مكان إلى مكان ولو بدون بروز، فإن بروز هذا الماء لا يكون من بين الصلب والترائب. و ﴿الصُّلْبِ﴾: العمود العظمي الكائن في وسط الظهر، وهو ذو الفقرات. ﴿وَالتَّرَائِبِ﴾: جمع تريبة، ويقال: تَريب. ومحرّر أقوال اللغويين فيها أنها عظام الصدر التي بين الترقُوَتَيْن والثَّديين ووسموه بأنه موضع القلادة من المرأة. والترائب تضاف إلى الرجل وإلى المرأة، ولكن أكثر وقوعها في كلامهم في أوصاف النساء لعدم احتياجهم إلى وصفها في الرجال. وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ الضمير عائد إلى ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ وهو المتبادر، فتكون جملة ﴿يَخْرُجُ﴾ حالاً من ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي: يمر ذلك الماء بعد أن يفرز من بين صلب الرجل وترائبه. وبهذا قال سفيان والحسن؛ أي: أن أصل تكَوُّن ذلك الماء وتنقله من بين الصلب والترائب، وليس المعنى أنه يمر بين الصلب والترائب،

стр. 174

إذ لا يتصور ممر بين الصلب والترائب؛ لأن الذي بينهما هو ما يحويه باطن الصدر والضلوع من قلب ورِئَتَيْن. فجعل الإِنسان مخلوقاً من ماء الرجل لأنه لا يتكوّن جسم الإنسان في رحم المرأة إلا بعد أن يخالطها ماء الرجل، فإذا اختلط ماء الرجل بما يُسمى ماء المرأة وهو شيء رطب كالماء يحتوي على بُوَيضات دقيقة يثبت منها ما يتكوّن منه الجنين ويُطرح ما عداه. وهذا مخاطبة للناس بما يعرفون يومئذ بكلام مجمل مع التنبيه على أن خلق الإِنسان من ماء الرجل وماءِ المرأة بذكر الترائب؛ لأن الأشهر أنها لا تطلق إلا على ما بين ثديي المرأة. ولا شك أن النسل يتكون من الرجل والمرأة، فيتكون من ماء الرجل وهو سائل فيه أجسام صغيرة تسمى في الطب: الحيوانات المنوية، وهي خيوط مستطيلة مؤلفة من طرف مسطح بيضوي الشكل وذَنب دقيق كخيط، وهذه الخيوط يكون منها تلقيح النسل في رحم المرأة، ومقرها الأنثيان وهما الخصيتان فيندفع إلى رحم المرأة. ومن ماء هو للمرأة كالمني للرجل ويسمى: ماء المرأة، وهو بويضات دقيقة كروية الشكل تكون في سائل مقره حُويصلة من حويصلات يشتمل عليها مَبيضان للمرأة وهما بمنزلة الأنثيين للرجل فهما غدتان تكونان في جانبي رحم المرأة، وكل مَبيض يشتمل على عدد من الحُويصلات يتراوح من عشر إلى عشرين، وخروج البيضة من الحُويصلة يكون عند انتهاء نمو الحويصلة فإذا انتهى نموها انفجرتْ فخرجت البَيضة في قناة تبلغ بها إلى تجويف الرحم، وإنما يتم بلوغ البيضة النموَّ وخروجُها من الحويصلة في وقت حيض المرأة، فلذلك يكثر العلوق إذا باشر الرجل المرأة بقرب انتهاء حيضها. وأصل مادة كِلا الماءين مادة دموية تنفصل عن الدماغ وتنزل في

стр. 175

عرقين خلف الأذنين، فأما في الرجل فيتصل العرقان بالنخاع، وهو الصلب، ثم ينتهي إلى عرق يسمى الحَبْل المَنَوي مؤلف من شرايين وأوْرِدَةٍ وأعصابٍ وينتهي إلى الأنثيين، وهما الغدتان اللتان تُفرزانِ المني، فيتكون هنالك بكيفية دُهنية وتبقى منتشرة في الأنثيين إلى أن تفرزها الأنْثيان مادةً دهنية شحمية، وذلك عند دغدغة ولَذع القضيب المتصل بالأنثيين فيندفق في رحم المرأة. وأما بالنسبة إلى المرأة، فالعرقان اللذان خلف الأذنين يمران بأعلى صدر المرأة وهو الترائب؛ لأن فيه موضع الثديين وهما من الأعضاء المتصلة بالعروق التي يسير فيها دم الحيض الحاملُ للبويضات التي منها النسل، والحيض يسيل من فَوهات عروق في الرحم، وهي عروق تنفتح عند حلول إبان المحيض وتنقبض عقب الطُّهر، والرحم يأتيها عصب من الدماغ. وهذا من الإِعجاز العلمي في القرآن الذي لم يكن علمٌ به للذين نزل بينهم، وهو إشارة مجملة وقد بيَّنها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة: «أن رسول الله ﷺ سئل عن احتلام المرأة، فقال: تغتسل إذا أبصرت الماء. فقيل له: أترى المرأة ذلك؟ فقال: وهل يكون الشبه إلا من قِبَل ذلك؟! إذا علا ماءُ المرأة ماءَ الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءَها أشبه أعمامه». ثالثاً: موافقة العقل الحق: هذا النوع الذي ذكره لا يستريب فيه مسلم، إذ العقل الصحيح لا يناقضه النص الصريح مطلقاً، وكون العقل يتوصل إلى حدود وتقسيمات ومعلومات صحيحة فإنه لا يمكن أن يختلف ما يتوصل إليه الناس بعقولهم الصحيحة مع ما جاء في القرآن. في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

стр. 176

وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. قال: «ويندرج في التي هي أحسن ردّ تكذيبهم بكلام غير صريح في إبطال قولهم من الكلام الموجّه، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ *اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: ٦٨، ٦٩]. والآية تقتضي أن القرآن مشتمل على هذه الطرق الثلاثة من أساليب الدعوة، وأن الرسول إذا دعا الناس بغير القرآن من خطبه ومواعظه وإرشاده يسلك معهم هذه الطرق الثلاثة، وذلك كله بحسب ما يقتضيه المقام من معاني الكلام ومن أحوال المخاطبين من خاصّة وعامّة. وليس المقصود لزوم كون الكلام الواحد مشتملاً على هذه الأحوال الثلاثة؛ بل قد يكون الكلام حكمة مشتملاً على غِلظة ووعيد وخالياً عن المجادلة، وقد يكون مجادلة غير موعظة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَاتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]. وكقول النبي: «إنك لتأكل المِرباع، وهو حرام في دينك»، قاله لعديّ بن حاتم وهو نصراني قبلَ إسلامه. ومن الإعجاز العلمي في القرآن أن هذه الآية جمعت أصول الاستدلال العقلي الحقّ، وهي البرهان والخطابة والجَدل المعبّر عنها في علم المنطق بالصناعات، وهي المقبولة من الصناعات، وأما السفسطة والشعر فيَرْبَأُ عنهما الحكماء الصادقون بله الأنبياء والمرسلين. قال فخر الدين: إن الدعوة إلى المذهب والمقالةِ لا بدّ من أن تكون مبنيّة على حُجّة، والمقصود من ذكر الحجّة إما تقرير ذلك المذهب

стр. 177

وذلك الاعتقاد في قلوب السامعين، وإما إلزام الخصم وإفحامُه. أما القسم الأول فينقسم إلى قسمين؛ لأن تلك الحجّة: إما أن تكون حُجّة حقيقية يقينية مبرأة من احتمال النقيض، وإما أن لا تكون كذلك بل تكون مفيدة ظناً ظاهراً وإقناعاً، فظهر انحصار الحجج في هذه الأقسام الثلاثة: أولها: الحجّة المفيدة للعقائد اليقينية، وذلك هو المسمّى بالحكمة. وثانيها: الأمارات الظنّية، وهي الموعظة الحسنة. وثالثها: الدلائل التي القصد منها إفحام الخصم، وذلك هو الجَدل. وهو على قسمين؛ لأنه: إما أن يكون مركّباً من مقدّمات مسلّمة عند الجمهور، وهو الجدل الواقع على الوجه الأحسن، وإما أن يكون مركّباً من مقدّمات باطلة يحاول قائلها ترويجها على المستمعين بالحيل الباطلة، وهذا لا يليق بأهل الفضل. اهـ. وهذا هو المدعو في المنطق بالسفسطة، ومنه المقدمات الشعرية وهي سفسطة مزوّقة. والآية جامعة لأقسام الحجّة الحقّ جمعاً لمواقع أنواعها في طرق الدعوة، ولكن على وجه التّداخل، لا على وجه التباين والتقسيم كما هو مصطلح المنطقيين، فإن الحجج الاصطلاحية عندهم بعضها قسيم لبعض، فالنسبة بينها التبايُن، أما طرق الدعوة الإسلامية فالنسبة بينها العموم والخصوص المطلق أو الوجهي، وتفصيله يخرج بنا إلى تطويل، وذهنك في تفكيكها غير كليل. فإلى الحكمة ترجع صناعة البرهان؛ لأنه يتألف من المقدمات اليقينية وهي حقائق ثابتة تقتضي حصول معرفة الأشياء على ما هي عليه.

стр. 178

وإلى الموعظة ترجع صناعة الخطابة؛ لأن الخطابة تتألف من مقدّمات ظنّية لأنها مراعى فيها ما يغلب عند أهل العقول المعتادة، وكفى بالمقبولات العادية موعظة، ومثالها من القرآن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٢٢]، فقوله: ﴿وَمَقْتًا﴾ أشار إلى أنّهم كانوا إذا فعلوه في الجاهلية يُسمونه نكاح المَقت، فأجري عليه هذا الوصف لأنه مُقنع بأنه فاحشة، فهو استدلال خطابي. وأما الجدل فما يورد في المناظرات والحجاج من الأدلّة المسلّمة بين المتحاجَيْن أو من الأدلّة المشهورة، فأطلق اسم الجدل على الاستدلال الذي يروج في خصوص المجادلة ولا يلتحق بمرتبة الحكمة، وقد يكون مما يُقبل مثله في الموعظة لو ألقي في غير حال المجادلة، وسمّاه حكماء الإسلام: جدلاً تقريباً للمعنى الذي يطلق عليه في اللغة اليونانية». وقبل أن أختم هذا المقال أحبُّ أن أبين نظر الطاهر بن عاشور في مقام الإعجاز العلمي بأنواعه، قال: «وهذه الجهة من الإعجاز إنما تثبت للقرآن بمجموعه؛ أي: مجموع هذا الكتاب، إذ ليست كل آية من آياته ولا كل سورة من سوره بمشتملة على هذا النوع من الإعجاز، ولذلك فهو إعجاز حاصل من القرآن وغير حاصل به التحدي إلا إشارة، نحو قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]» (١). وهذا يفيد في أن بيان الإعجاز في هذه القضية ـ عنده ـ إنما هو بالأمر الكلي، وليس بالتفاصيل، فالآية الواحدة المبينة للإعجاز العلمي لا يلزم أن تقوم مقام الحجة في الإعجاز، وإنما يكون مقام الحجة بمجموعها الذي نص عليه القرآن أو أشار إليه، وهذه مسألة مهمة تحتاج إلى بيان وإيضاح.

стр. 179

المقالة الثامنة التفسير بالإعجاز العلمي قائم على الظنِّ والاحتمال، وليس على اليقين

стр. 180

المقالة الثامنة التفسير بالإعجاز العلمي قائم على الظنِّ والاحتمال، وليس على اليقين لقد بقي تفسير القرآن بما ورد في كتب العلوم التجريبية والكونية يسمَّى بالتفسير العلمي، وهو اجتهاد في ربط بعض ظواهر الكون المكتشفة حديثاً بالقرآن، وإبراز أن القرآن قد دلَّ عليها، وهذه النتيجة لا تختلف عن الانتقال من تسمية هذه الظاهرة التفسيرية الجديدة باسم الإعجاز العلمي، فهذا يفسر، وذاك يفسر، وإنما الاختلاف في كون المفسَّر به نظرية أو حقيقة. وفي كلا الحالتين (أي: كونه تفسيراً علميّاً أو إعجازاً علميّاً) لا يختلف الحال في أن تفسير القرآن بهذا أو ذاك إنما هو تفسير احتمالي ظني. فلو وصلنا إلى ظاهرة كونية ما، إلى كونها حقيقة علمية ثابتة، فإنَّ رَبْطَنَا لها بالقرآن، وجعلنا لها تفسير لآية من الآية جهد بشري ظني احتمالي، وهو كأي تفسير اجتهادي آخر غيره لا يختلف عنه، ولا شكَّ أن مخرج هذا التفسير هو الرأي والاجتهاد. ومن ادعى في (الإعجاز العلمي) خلاف ذلك، فهذا يدلُّ على خلل علمي في فهم التفسير عند الجازم بالتفسير بالإعجاز العلمي. ولأضرب لكم مثالاً تتضح به المسألة: يقول الشيخ عبد الله المصلح: (إن الإعجاز العلمي هو الأمر
следующие страницы →