← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وفي رواية لأبي داود "نقية" وظاهره يخالف ظاهر الآحاديث الصحيحة في تعميم النهي من حين صلاة العصر إلى الغروب، ويخالف أيضًا ما عليه مذاهب جماهير العلماء.

стр. 1052

الحديث الثاني عشر ٥٨/ ١٢/ ٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي ﷺ والله ما صليتها. قال: فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس. ثم صلى المغرب بعدها" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وقد سبق في آخر الجنابة وعمر ﵁ تقدم في أول الكتاب. ثانيها: يوم الخندق تقدم بيانه في الحديث الخامس. ثالثها: فيه دليل جواز سبّ المشركين للتقرير عليه، والمراد به: ما ليس بفحش إذ هو اللائق [هنا] (٢) بمنصب عمر ﵁.

стр. 1053

رابعها: مقتضاه أن عمر صلى العصر قبل الغروب [لأن النفي] (١) إذا دخل علي "كاد" اقتضى وقوع الفعل في الأكثر كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ (٢) نبه عليه الشيخ تقي الدين (٣). قال القرافي: والمشهور في "كاد" أنها إذا كانت في سياق النفي أوجبت، وإن كانت في سياق الإِيجاب نفت. وقيل: النفي نفي، والإِيجاب إيجاب، انتهى. وكلاهما وقع في كلام عمر ﵁. فالأول: قوله: "ما كدت أصلي العصر". والثاني: "حتى كادت الشمس تغرب". وقال غيرهما: اختلف في "كاد" إذا دخل عليها حرف النفي كما في هذا الحديث هل يكون نفيها نفيًا كسائر الأفعال أو يكون نفيها إيجابًا أو التفرقة بين كون الفعل ماضيًا ويكون للإثبات أو مضارعًا فيكون كسائر الأفعال، وتوجيه ذلك وتحريره في كتب النحو فيخرّج قول عمر "ما كدت أصليها" على هذا الخلاف. فإن قلنا: إن نفيها إيجاب، فيكون صلى العصر قبل المغرب وإلَّا فبعدها.

стр. 1054

خامسها: ورد في رواية أخرى في مسلم "حتى كادت الشمس أن تغرب" بإثبات "أن" فاستدل به على إثبات "أن" في خبر "كاد" والكثير حذفها [كما] (١) في رواية الكتاب (٢). سادسها: فيه جواز الحلف من غير استحلاف إذا ترتب على ذلك مصلحة دينية وهو كثير في القرآن [وقد] (٣) قيل: إنه- ﵇ إنما حلف تطيبًا لقلب - عمر ﵁ لأنه [لما] (٤) شق عليه تأخيرها أخبره ﵊ بأنه لم يصلها هو أيضًا، ليتأسى ويتسلى به ﵊[ثم] (٥) إنه أكد ذلك [باليمين] (٦) ليكون أبلغ في هذا المعنى. وقيل: [في] (٧) قسمه ﷺ إشفاق منه في تركها، وتحقيق هذا أن القسم تأكيد للمقسم عليه، وفي هذا القسم إشعار ببعد وقوع هذا المقسم عليه حتى كأنه لا يعتقد وقوعه، فأقسم على وقوعه، وذلك يقتضي تعظيم هذا الترك وهو مقتضى الإِشفاق منه أو ما يقارب هذا المعنى، ففيه الاعتناء بأمر الصلاة وشدة المحافظة عليها. وقيل: يحتمل أنه تركها نسيانًا لاشتغاله بالقتال، فلما قال له

стр. 1055

عمر ذلك تذكر فقال: "والله ما صليتها" والنسيان عذر واضح شرعي في تأخير الصلاة، ويكون في هذا النسيان فائدة يقتضي بيان حكم شرعي، كما ورد في ذلك الحديث المنقطع في الموطأ (١) "إني لأَنسى أو أُنسَّي لأسُنَّ" كما وقع بنومه ﵊ في حديث الوادي بيان حكم من نام عن الصلاة بالفعل حتى يتظافر [على] (٢) ذلك بالدليل الفعلي والقولي. سابعها: "بَطحَان" -بضم الباء الموحدة وإسكان الطاء وبالحاء المهملتين-. قال صاحب المطالع: كذا يرويه المحدثون أجمعون. وحكى أهل اللغة: فيه "بطحان" بفتح أوله وكسر الطاء وهو واد بالمدينة.

стр. 1056

قال البكري: هو على وزن فَعِلَان لا يجوز غيره (١). قلت: ويجوز فيه [الصَّرْفُ] (٢) وعدمه على تأويل المكان أو البقعة. ثامنها: قوله: "فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها" لله المراد: صلاة العصر وفيه إشعار بأنه توضأ لها على التعيين، وقد صحيح أصحابنا أن من توضأ لصلاة دون غيرها صح لكل شيء. وقيل: لا مطلقًا. وقيل: لها فقط. تاسعها: ظاهره أنه صلاهما في جماعة فيكون [فيه] (٣) دليل للجماعة في الفائتة، وهو إجماع إلَّا ما حكاه القاضي عياض عن الليث بن سعد، فإنه منع ذلك، وهذا إن صح عنه فمردود بهذا الحديث وبحديث [الوادي] (٤) وقد تقدمت المسألة في آخر الحديث الخامس من هذا الباب (٥) أيضًا بزيادة فراجعها وما ذكرته من أن الظاهر أنه ﵇ صلاهما في جماعة هو ما ذكره النووي في [شرحه لمسلم] (٦) أيضًا،

стр. 1057

وقال الشيخ تقي الدين: إنه قد [يشعر] (١) به. وقال بعضهم: الظاهر أنه صلاها وحده لاشتغالهم بالقتال، ولهذا صلى عمر العصر وحده لأنه لو صلاها جماعة لقال فصلينا العصر وإنما قال: فصلى، وفيما ذكره بعد فليتأمل. عاشرها: فيه دليل على أن [من] (٢) فاتته صلاة وذكرها في وقت آخر ينبغي له أن يبدأ بالفائته ثم بالحاضرة، وهذا إجماع لكنه عند الشافعي وطائفة وابن القاسم وسحنون على سبيل الاستحباب. وعند مالك وأبي حنيفة وآخرين: على الإِيجاب. واتفق مالك وأصحابه على أن حكم الأربع فما دونها حكم صلاة واحدة، يبدأ بهن وإن خرج الوقت. واختلفوا في خمس وعند أبي حنيفة الكثير ستًّا وفي قول محمد خمس. وقال زفر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة. وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا تجوز صلاته سنة بعدها.

стр. 1058

قال الشيخ تقي الدين (١): وإذا ضم إلى هذا الحديث الدليل على اتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق لم يكن فيه دليل على وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، لأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب (٢) على المختار عند الأصوليين، وإن ضم إليه الدليل على تضييق وقت المغرب، كان فيه دليل على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة عند ضيق الوقت، لأنه لو لم يجب لم تخرج الحاضرة عن وقتها لفعل ما ليس بواجب، فالدلالة من هذا الحديث على حكم الترتيب ينبني على ترجيح أحد الدليلين على الآخر من امتداد وقت المغرب. قلت: وأما حديث: "لا صلاة لمن عليه صلاة" (٣) فلا يعرف وحديث: "من نسي صلاة فلم يذكرها إلَّا مع الإِمام فليصل مع الإِمام فإذا فرغ من صلاته فليصل التي نسي، ثم ليعيد صلاته التي صلى مع

стр. 1059

الإمام"، الصحيح وقفه على ابن عمر (١). قال القاضي عياض: واتفق العلماء على الاستدلال بهذا الحديث فيمن فاتته صلاة وأيقن أنه يصليها، ويدرك وقت الحاضرة أنه يبدأ بالمنسية، قال: واختلفوا [فيها] (٢) إذا خشي فوات وقت الحاضرة بتقديم المنسيات عليها. فقال مالك: يبدأ بالمنسية. وقال الشافعي: يبدأ بالحاضرة وما ذكره القاضي من الاستدلال بهذا الحديث على ما ذكره إنما يأتي إذا قلنا: إن وقت المغرب إلى غروب الشفق فتأمله. الحادي عشر: قد يحتج به من يقول: إن وقت المغرب يتسع إلى غروب الشفق، لأنه قدم العصر عليها، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب لئلا يفوت وقتها أيضًا، كما قدمته في الحديث الخامس أيضًا.

стр. 1060

لكن قال النووي في شرحه لمسلم (١): لا دلالة فيه لهذا القائل، لأن هذا كان بعد غروب الشمس بزمن بحيث خرج وقت المغرب عند من يقول إنه ضيق ... الثاني عشر: فيه دليل على عدم كراهة قول القائل [ما صليت] (٢) خلاف ما يتوهمه بعضهم. وفي البخاري أن ابن سيرين كره أن يقول فاتتنا وليقل لم ندرك، قال البخاري (٣): وقول النبي ﷺ [أصح] (٤). الثالث عشر: هذا الحديث قبل نزول صلاة الخوف كما قدمته في الحديث السادس فلا يحسن تمسك بعض المتقدمين به في تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى حالة الأمن ولا تمسك الفقهاء على إقامة الصلاة في حالة الخوف (٥). قال الشيخ تقي الدين (٦): ومن الناس من سلك طريقًا أخر، وهو أن الشغل عنها بالقتال إن أوجب النسيان فالترك للنسيان وربما ادُعِي الظهور في الدلالة على النسيان، وليس كذلك، بل الظاهر تعليق الحكم بالمذكور لفظًا وهو الشغل.

стр. 1061

الرابع عشر: جاء في هذا الحديث أنه أخر صلاة العصر فقط، وكذا في حديث علي وابن مسعود السالفين في الباب، وجاء في الموطأ (١) وصحيح ابن حبان (٢) أنها الظهر والعصر، وفي الترمذي (٣) بإسناد منقطع أنه فاته أكثر من ذلك، والجمع ممكن، فإن الخندق كان أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها.

стр. 1062

١٠ - باب فضل [الصلاة في] (١) الجماعة ووجوبها حديث ابن عمر وأبي هريرة دالٌ على فضلها، وحديث أبي هريرة الذي أوله: "أثقل الصلاة على المنافقين" كأنه ساقه لوجوبها وهو ماضٍ على ما ذكره القاضي عياض إن الحديث في المؤمنين دون المنافقين، لأنه كان يعلم طويتهم، ولم يتعرض لهم، لكن فيه نظر كما أبداه الشيخ تقي الدين لتصريح الحديث في أوله بالمنافقين، فالظاهر أنه في المنافقين كما قيل، وإذا كان كذلك فالتحريق إنما هو لمن ترك الصلاة في جماعة نفاقًا لا غيره، وترك تعرضه لهم للتأليف. نعم رواية أبي داود الآتية في الوجه الرابع عشر من الكلام على الحديث الثالث يؤيد ما قاله القاضي [عياض] (٢) ولفظ الجماعة يحتمل أن يراد به [لعموم المجتمعون في الصلاة ويحتمل أن يراد

стр. 1063

به] (١) الاجتماع نفسه، ويكون المعنى صلاة الاجتماع فعلى الأول تكون الجماعة صفة موصوف محذوف أي القوم ونحو ذلك وعلى الثاني لا حذف لوقوعه على المعنى الذي هو الاجتماع والحكمة في مشروعية الجماعة، وجوه ذكرها ابن القسطلاني في مقاصد الصلاة. أحدها: قيام نظام الألفة بين المصلين، ولهذه العلة شرعت المساجد في المحال [ليحصل التعاهد] (٢) باللقاء في أوقات الصلوات [بين] (٣) الجيران. ثانيها: حصر النفس أن تستقل بهذه العبادة وحدها فإنها ربما لم تف بالقيام بها وحدها، فإذا علمت انتظار جماعة بوقعها فيها [نشطها] (٤) ذلك على المبادرة إلى فعلها، فإن النفوس تحب البطالة، وتركن إليها، فإذا وجدت محركًا من خارج أذعنت وأجابت. ثالثها: أن الناس بين عالم بأفعال الصلاة وأحكامها وجاهل بها، فإذا حصل إقامتها في الجماعة تعلم الجاهل من العالم فزال جهله. رابعها: أن الدرجات والمثوبات متقاربة في العمال لأجل قبول الأعمال، فإذا كانت الجماعة حصل فيها الكامل والناقص بحسب الحضور والغفلة، فيعود من بركة الكامل على الناقص فتكمل صلاته وذكر المصنف ﵀ في الباب سبعة أحاديث:

стр. 1064

الحديث الأول ٥٩/ ١/ ١٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة. [الثاني] (٢): في ألفاظه:

стр. 1065

"الفذ": هو المنفرد، ومعناه: المصلي وحده. قال صاحب المطالع: ولغة عبد القيس: الفند بالنون، وهي غنة لا نون حقيقية. قال: [وكذلك] (١) يقوله أهل الشام. الثاني: [إن] (٢) قوله: "أفضل" إعلم أن صيغة أفضل للتفضيل بصفتي الاشتراك غالبًا حيث لا مانع [منه] (٣)، وقد [لا] (٤) يقتضيه لمانع [لقولهِ] (٥) -[تبارك] (٦) وتعالى-: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ (٧) فإنه لا يجوز حمله هنا على الاشتراك إجماعًا. [الوجه] (٨) الثالث: في فوائده؛ الأولى: فيه دلالة على سنية الجماعة. ونقله الشيخ تقي الدين (٩) عن الأكثرين، ووجهه أن تفضيل فعل [على] (١٠) آخر يشعر بتفضيلهما كما قررناه، وهي هنا مقتضية لذلك، وزيادة فضل الجماعة.

стр. 1066

وفيه رد على داود حيث قال: إنها شرط للصحة، وعلى أحمد حيث قال: إنها فرض على الأعيان. وكذا على من قال بقوله، ولا يقال: إن هذه الصيغة قد ترد مع عدم الاشتراك في الأصل: كقولهم: العسل أحلى من الخل، لأن ذلك خلاف الأصل لغة، وأيضًا فإن ذلك إنما يقع عند الإِطلاق، وأما التفاضل بزيادة عدد فيقتضي قطعًا أن ثم جزاء معدودًا يزيد أجزاء أُخر، كما إذا قلنا: هذا العدد يزيد على ذلك بكذا وكذا من الآحاد؛ فلا بد من وجود أصل العدد، (١) [ويزيد هذا بيانًا رواية [التضعيف] (٢) الآتية]، فإن ذلك يقتضي وجود شيء يزاد عليه وعدد يضاعف (٣)، والمسألة مبسوطة في الخلافيات. الثاني: في حديث أبي هريرة الآتى بعد "تضعف خمسًا وعشرين ضعفًا" [وفي رواية للبخاري ومسلم "جزاء بدل ضعفًا"] (٤) وفي رواية لمسلم "درجة" وفي الجمع [بينهما] (٥) ثلاثة عشر وجهًا: إحداهما: أنه لا منافاة بينهما، فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور الأصوليين، كذا حكاه عنهم النووي

стр. 1067

في شرحه لمسلم (١) وتبعه تلميذه ابن العطار في شرحه، لكن نقله الغزالي في المنخول (٢) عن الشافعي. وقال ابن برهان (٣): إن الشافعي والجمهور يقولون به. ثانيهما: أن يكون أخبر أولًا بالقليل، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بها. ولا بد من معرفة التاريخ على هذا، وقد يقال: إن الفضائل لا تنسخ فيتعين التأخير. ثالثهما: أنه يختلف باختلاف المصلين والصلاة؛ فيكون لبعضهم خمسًا وعشرين، ولبعضهم سبعًا وعشرين بحسب كمال الصلاة [و] (٤) من المحافظة على هيأتها وخشوعها وكثرة جماعاتها وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك. رابعها: أن الدرجة غير الجزء، وهو غلط؛ لأن لفظ الدرجة [ورد في الصحيح فيها، كما تقدم، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة] (٥) وحذف التاء مع الجزء وإثباتها مع الدرجة [يدل] (٦) على

стр. 1068

تأويل أحدهما بالآخر أيضًا، وقد سمع من العرب: جاءته كتابي فاحتقرها، على تأويل الكتاب بالصحيفة. خامسها: أن الجزء في الدنيا والدرجة في [الجنة] (١) ذكره العلامة أبو بكر [محمد] (٢) بن أحمد بن القسطلاني (٣) في الكتاب السالف ذكره احتمالًا. سادسها: أن الاختلاف بحسب قرب المسجد وبعده. سابعها: أن السبع والعشرين للصلاة الجهرية والخمس والعشرين للسرية، لأنها تنقص عن الجهرية بسماع قراءة الإِمام والتأمين لتأمينه، قاله بعض المتأخرين (٤). ثامنها: أن الأول إذا كان فيها خُطَا إلى المسجد وانتظار الصلاة والثاني إذا انتفيا.

стр. 1069

تاسعها: أن الأول: لصلاتي العشاء والصبح لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، والثاني: لغيرهما يؤيده حديث أبي هريرة (١): "تفضل صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزاء، ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، فذكر اجتماع الملائكة بواوٍ فاصلة، واستأنف الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة. عاشرها: أن الأول للصبح والعصر، حكاه القاضي عياض للحديث المذكور، وصح اجتماعهما أيضًا في صلاة العصر، فيكون التفضيل بالدرجتين لبركة اجتماع [الملائكة] (٢) في الصلاتين، ونبه بصلاة الفجر على صلاة [العصر] (٣) في الحديث السالف لثبوت اجتماعهما فيهما في [الصبح] (٤). الحادي عشر: أن الأول لمن صلى في جماعة في المسجد، والثاني لمن صلى جماعة في غيره. الثاني عشر: [أن الأول لمن أدرك الصلاة كلها مع الإِمام والثاني لمن أدرك بعضها. الثالث عشر] (٥): أن الأول لمن صلى في جماعة كثيرة، والثاني لمن صلى في جماعة قليلة، على من يقول: إن ما كثر جمعه

стр. 1070

أفضل، وسيأتي الكلام في ذلك، وهذه [كلها] (١) احتمالات. [والله أعلم] (٢). الثالث (٣): قال ابن الجوزي: تكلف جماعة تعليل هذه الدرجات وما جاؤوا بطائل. وذكر ابن التين، وابن بطال أيضًا مناسبات، ولابن حبان صاحب الصحيح في ذلك مصنف مفرد كما نبه عليه في أثناء صحيحه. الرابع: اختار القاضي عياض أن كل درجة هي بمقدار صلاة الفذ، كما يقتضيه [ظاهر] (٤) [كثير من الروايات] (٥) ورجحه الشيخ تقي الدين (٦) أيضًا، فإنه قال: وقع البحث في أن هذه "الدرجات" هل هي بمعنى الصلوات؟ فتكون صلاة الجماعة بمثابة خمس وعشرين صلاة أو بسبع وعشرين، أو يقال: إن لفظ "الدرجة" و "الجزء" لا يلزم منهما أن يكونا بمقدار الصلاة؟ قال: والأول أظهر لأنه قد ورد مبينًا في بعض الروايات، وكذلك لفظة "تضاعف" مشعرة بذلك. لأن التضعيف إنما يكون بمثل الشيء المضاعف. قلت: وفي مسند أحمد من حديث ابن مسعود (٧): "صلاة

стр. 1071

الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفًا كلها مثل صلاته". الخامس: استدل بعض المالكية بهذا الحديث على أن صلاة الجماعة لا تفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة، وهو أشهر القولين عندهم، لأنه لم يذكر جماعة كثيرة دون قليلة، وهو مردود بحديث أبي بن كعب: "وما كثر فهو أحب إلى الله"، صححه ابن حبان (١) والعقيلي (٢) وغيرهما، ووافق الشافعي ابن حبيب من المالكية وفي رد ابن عبد البر (٣) [بأن] (٤) حديث أبي بن كعب (٥) غير قوي، وكذا قول القرطبي في تفسيره: في إسناده

стр. 1072

لين نظر. السادس: اختلف العلماء هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنما تكون الجماعة التي تكون في المسجد [لما يلازم] (١) ذلك من أفعال تختص بالمساجد. قال القرطبي في تفسيره (٢): والأول. أظهر لأن الجماعة هو الوصف الذي علق عليه الحكم، وما كان من إكثار الخُطا إلى [المسجد] (٣)، وقصد الإتيان [إليها] (٤) والمكث فيها، فذاك زيادة فوات خارج عن فضل الجماعة. وكذا قال الشيخ تقي الدين: إنه الظاهر [في] (٥) إطلاقهم قال: ولست أعني أنه [لا] (٦) تتفاضل صلاة الجماعة في البيت على الانفراد فيهِ، فإن ذلك لا شك فيه، إنما المنظر هل يتفاضل هذا القدر المخصوص أم لا؟ ولا يلزم من [عدم] (٧) حصول هذا [القدر المخصوص من الفضيلة عدم حصول] (٨) مطلق الفضيلة، قال: وإنما تردد أصحاب الشافعي في أن إقامة الجماعة في غير المسجد

стр. 1073

كالبيوت هل يتأدى بها المطلوب؟ [والأصح عندي] (١) أنه لا يكفي، لأن [في] (٢) أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد، وهذا وصف معتبر لا يتأتى إلغاؤه (٣). السابع: قال ابن عبد البر في تمهيده (٤): اختلفوا في الأفضل من القيام مع الناس أو الانفراد في شهر رمضان.

стр. 1074

فقال مالك والشافعي: [في] (١) صلاة المنفرد في بيته [برمضان] (٢) أفضل. قال مالك: وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. قال مالك: وأنا أفعل ذلك وما قام رسول الله ﷺ إلَّا في بيته. واحتج الشافعي: بحديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال في قيام رمضان: "أيها الناس! صلوا في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة" (٣)، قال الشافعي: ولا سيما مع رسول الله ﷺ في مسجده على ما كان في ذلك من الفضل. وروينا عن ابن عمر، وسالم، والقاسم، وإبراهيم، ونافع: أنهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. وقال قوم من المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة [وأصحاب] (٤) الشافعي منهم المزني وابن عبد الحكم: الجماعة في المسجد في قيام رمضان أحب إلينا، وأفضل من صلاة المرء في بيته. وإليه ذهب أحمد وكان يفعله وابن جبير.

стр. 1075

وقال الطحاوي: قيام رمضان واجب على الكفاية، لأنهم قد أجمعوا أنه لا يجوز للناس تعطيل المساجد عن قيام رمضان، فمن فعل كان [أفضل] (١) ممن انفرد كسائر الفروض التي هي على الكفاية، قال: وكل من اختار التفرد فينبغي [أن يكون ذلك] (٢) على أن لا يقطع معه القيام في المساجد، وأما المنفرد الذي يقطع معه القيام في المساجد فلا. الثامن: تحصل الجماعة باثنين فصاعدًا. وقال مالك: لا تكون جماعة إلَّا أن يكون إمامًا راتبًا. وحكى الروياني من أصحابنا في "تلخيصه": إن أقل الجماعة ثلاثة. قال: وهو غلط (٣). فرع: من صلى في جماعة استحب إعادتها في أخرى على

стр. 1076

الصحيح عندنا، ومشهور مذهب مالك أن من صلى في جماعة وإن قلّت لايعيد في أكثر منها. قال ابن العطار في شرحه: وهو قول عامة العلماء. وحُكي عن مالك إعادتها في المساجد الثلاثة جماعة (١). التاسع: المراد بالفذ إذا لم يكن معذورًا بترك الجماعة لمرض أو سفر أو نحوهما، أما إذا كان معذورًا بذلك فهل يقع التفاضل بينه وبين الصلاة في جماعة؟ الظاهر: نعم، والألف واللام في الفذ وإن كانت للعموم فالمعذور خرج بدليل، وهو قوله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا" رواه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري، وقد شرح بما ذكرته غير واحد. قال الروياني في "تلخيصه": تحصل له الفضيلة إذا كان قصده جماعة لولا العذر للأخبار الواردة فيه، ونقله في "البحر" عن القفال. وقال الماوردي (٢): صلاة المريض منفردًا: كصلاة الصحيح جماعة في الفضل. وأما النووي في "شرح المهذب" (٣) فخالف وقال: هذه الأعذار مسقطة للإِثم والكراهة، ولا تكون محصلة للفضيلة بلا شك. ويرده المنقول كما ذكرته.

стр. 1077

العاشر: يؤخذ من الحديث إطلاق الفضيلة في الجماعة سواء تبدد قلب المصلي فيها أو لم يتبدد لطلب الشرع لها والحث عليها. خاتمة: صرح الروياني من المالكية في "شرح رسالة ابن أبي زيد" عند [ذكر] (١) تضعيف الحسنات بعشر: أن العشر زائدة على الأصل المضاعف، وأن العشر غير ملفقة من الأصل والتضعيف. ويلزمه مثل ذلك هنا، فيكون الأجر المرتب على صلاته وحده غير السبع والعشرين.

стр. 1078

الحديث الثاني ٦٠/ ٢/ ١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك: أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلَّا الصلاة لم يخطُ خطوة إلَّا رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة. وإذا صلّى لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صلى عليه اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله ﵇: "صلاة الرجل" هو في المرأة كذلك حيث يشرع لها الخروج [إلى] (٢) المسجد، لأن وصف

стр. 1079

الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعًا، وهو مثل قوله ﵊: "من أعتق شركًا له في عبد" (١) من صلى كذا، من فعل كذا فله كذا، كله يتساوى فيه الرجال والنساء من غير نزاع، نبه على ذلك الشيخ تقي الدين (٢)، فتكون "الألف واللام" في "الرجل" ليست لتعريف ماهية الرجولية، بل للعموم من حيث المعنى، كما عم قول الرجال والنساء في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (٣) وإن كان لفظ "قوم" خاصًا بالرجال دون النساء، كما قاله الماوردي: نعم قال الروياني من أصحابنا: هل تكون جماعة النساء في الفضل و [إلا] (٤) ستجاب كجماعة الرجال، فيه وجهان: أحدهما: نعم فتفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة. وأظهرهما: أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهن، لقوله تعالي: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٥). ثانيها: قوله ﵇: "تضعف على صلاته في بيته

стр. 1080

وفي سوقه" المراد: في بيته وفي سوقه منفردًا، هذا هو الصواب، كما قاله النووي (١)، قال: وما عداه مما قيل فيه باطل. قلت: و [من] (٢) ذلك [قول] (٣) ابن التين في "شرح البخاري": لو صلى في سوقه جماعة كان كالفذ أخذًا بظاهر الحديث، أو لأن السوق مأوى الشياطين، وهذا واه جدًا [نعم] (٤) رفع الدرجات وحط الخطيئات مشروطٌ بالمشي إلى المسجد، فمن فعل ذلك حصلا له، وإلَاّ فلا. ثالثها: إحسان الوضوء هو الإِتيان [بفرضه] (٥) وسننه وآدابه، ويبعد تنزيله على الفرض فقط. وقوله: "توضأ" شمل الوضوء المجدد وغيره، وقد يقال: إن قوله: "توضأ" ليس للتقييد بالفعل، وإنما خرج مخرج الغالب أو ضرب المثال. رابعها: لفظ: "ثم خرج" لا يستلزم الفورية، نعم البدار أولى فيما يظهر لعموم قوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ (٦).

стр. 1081

خامسها: قوله ﵊: "لا يخرجه إلَّا الصلاة" ظاهره ترتب المذكور من رفع الدرجات وحط الخطيئات على اشتراط الخروج لها فقط لا لأمر آخر من غير العبادات، ونظيره حَجُّ من خلط به التجارة أو غيرها من الأسباب [الدنيوية] (١)، فإنه ليس كمن محض الخروج للحج وكذا سائر العبادات من الجهاد وغيره، وأسند الفعل للصلاة، وجعلها هي المخرجة له: كأنه لفرط محافظته عيلها ورجاء ثوابها مجبر على خروجه إليها: وكأن الصلاة هي الفاعلة للخروج لا هو. سادسها: الخطوة هنا بالفتح لأن المراد فعل الماشي وهو بالضم ما بين قدميّ الماشي. قاله كله الشيخ تقي الدين (٢)، وكذا قال ابن التين "شارح البخاري" رويناه بفتح الخاء وهي المرة الواحدة. وأما القرطبي (٣) فقال: الرواية بضم الخاء وهي واحدة الخطأ، وهي ما بين القدمين، والتي بالفتح مصدر. وقال غيرهما من المتأخرين: كأن القياس أن يجيء في خَطوة ثلاثة أوجه -الضم، والكسر، والفتح- كما هو في [جذوة] (٤)

стр. 1082

وأشباهها، وقد قُرِىءَ بالأوجه الثلاثة في [جذوة] (١) في السبع على ما أصله أهل اللغة من أن كل ما كان على فعله لامه واو بعدها تاء التأنيث جاء فيه ثلاثة أوجه. سابعها: "الدرجة". واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب. والدرجة: -بضم الدال- مثال الهمزة لغة في الدرجة، وهي المرقاة، قاله الجوهري (٢). وهل هذه الدرجة محسوسة أو معنوية بمعنى: ارتفعت رتبته، الله أعلم بذلك. وأما حط الخطيئة: فالظاهر أنه محوها من صحيفة السيئات حقيقة. تنبيه: [قوله] (٣): "وحط عنه بها خطيئة"، قال الداودي: أي [إن] (٤) كان له خطيئة وإلَّا رفع له درجات، قال: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة درجة واحدة، إما الحط، وإما الرفع، أي وتكون الواو بمعنى أو، لا بمعنى العطف، وخالفه غيره. فقال: الحاصل بالخطوة ثلاثة أشياء. لقوله في الحديث الآخر: " [كتب] (٥) الله له

стр. 1083

بكل خطوة حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها خطيئة" (١). فائدة: في فضل الانتظار، روى [البيهقي] (٢) والحاكم (٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث عقبة بن عامر "إذا تطهير الرجل ثم مر إلى المسجد يرعى الصلاة، كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يمشيها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعد يرعى الصلاة كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع". وفي مسند أحمد (٤) من حديث عبد الله بن عمرو قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب فعقب من عقب، ورجع من رجع، فجاء رسول الله ﷺ ، وقد كاد يحسر ثيابه عن ركبتيه، قال: أبشروا معشر المسلمين! هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي قضوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى" [] (٥).

стр. 1084

ثامنها: الملائكة: جمع ملك اسم لخلق من صفوة الله -تعالى- قال ابن كيسان وغيره: فعل من الملك. وقال أبو عبيدة: هو مفعل من لاك. إذا أرسل والألوكة، [والمألكة] (١) الرسالة [فأصله] (٢) على هذا أليك الهمزة فاء الفعل، لكنهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: مليك، [ثم سهلوه فقالوا: ملك] (٣). وقيل: أصله مليك من ملك يملك [نحو سمير من سمره] (٤) فالهمزة زائدة عن ابن كيسان أيضًا. تاسعها: "ما" من قوله ﵇: "ما دام في مصلاه" مصدرية ظرفية، أي مدة دوام كونه في مصلاه، وكذلك "ما" في قوله:" ما انتظر الصلاة". عاشرها: قوله: "اللهم صلي عليه، اللهم ارحمه"، أي: تقول: اللهم. والقول يحذف كثيرًا في كلام العرب، قال تعالى:

стр. 1085

﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (١)، أي يقولون: سلام عليكم. وفي رواية لمسلم (٢): "اللهم تب عليه" وقد تقدم الكلام على: "اللهم" في باب الاستطابة، فأغنى عن الإِعادة. وقوله: "اللهم" إلى آخره هو بيان لصلاتهم. الحادى عشر: هؤلاء الملائكة الذين يصلون يجوز أن [يكونوا] (٣) الحفظة ويجوز أن [يكونوا] (٤) سواهم، فالله أعلم. الثاني عشر: "في" [من] (٥) قوله ﵇: "ولا يزال في صلاة" [من] (٦) مجاز لظرف إذ الصلاة لا تكون ظرفًا للمصلي حقيقة، فما ظنك بمن هو في [حكم] (٧) المصلي. الثالث عشر: ظاهر قوله: "ما دام في مصلاه" إن صلاة الملائكة مشروطة بدوامه في مصلاه بعد صلاته. وفي مسلم: "ما دام في مجلسه الذي صلى فيه". وفي الموطأ (٨) ما يصرح بذلك من حديث أبي هريرة: "إذا

стр. 1086

صلى أحدكم فجلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في [صلاة] (١) حتى يصلي". قال الباجي: المنتظر في غير مصلاه من المسجد يكون في صلاة: كالمنتظر في مصلاه، غير أن المنتظر في مصلاه يحصل له أنه في صلاة، وصلاة الملائكة عليه بخلاف المنتظر في غير مصلاه (٢) [...] (٣). [روى الحاكم في مستدركه من حديث داود بن صالح قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: "يابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (٤) قلت: لا، قال: إنه لم يكن في زمن رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة"] (٥). الرابع عشر: ظاهر هذا الحديث أن انتظار الصلاة مختصة بالمصلي في جماعة في المسجد، فلو صلى وحده وقعد ينتظر الصلاة لم تحصل له هذه الفضيلة.

стр. 1087

قال الباجى (١): سُئل مالك ﵀ عمن صلى في غير جماعة، [ثم] (٢) قعد في موضعه ينتظر الصلاة، أتراه في صلاة كمن ينتظر الصلاة في المسجد؟ قال: نعم، إن شاء الله تعالى. الخامس عشر: ظاهره أيضًا أن الانتظار يكون في مشترك الوقت على رأي من رواه وهو مالك وفي غيرها. وقال الباجي (٣): هذا مختص بمشترك الوقت: كانتظار العصر [بعد الظهر] (٤)، [والعشاء بعد المغرب] (٥)، [وأما انتظار الظهر بعد الصبح، والمغرب بعد العصر، والصبح بعد العشاء] (٦) فليس من عمل الناس: قلت: ويرد هذا قول عبد الله ابن سلام في الساعة التي في يوم الجمعة لأبي هريرة: "إنها لآخر ساعة بعد العصر، فقال أبو هريرة: كيف وهي ساعة لا يصلى فيها. وقد قال - عيه السلام -: لا يوافقها عبد مسلم يصلي؟ فقال له عبد الله: أليس قال: من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة؟ " رواه مالك في الموطأ (٧)

стр. 1088

وصححه الترمذي (١) وابن حبان (٢) والحاكم (٣)، فجعل الانتظار يكون من العصر إلى المغرب، ولم ينكر عليه أبو هريرة. السادس عشر: جاء في رواية لمسلم (٤) في آخر هذا الحديث بعد قوله: "اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث" قيل لأبي هريرة: ما الحدث؟ قال: يفسو أو يظرط". وفي البخاري (٥) في "باب: من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين" عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث". فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت "يعني الضرطة". السابع عشر: يؤخذ من الحديث الحث على الصلاة في الجماعة المشروعة لها. الثامن عشر: يؤخذ منه أيضًا [أن] (٦) فعلها في المسجد أفضل.

стр. 1089

التاسع عشر: يؤخذ منه أيضًا إحسان الوضوء بفعله على الوجه المأمور به من غير مجاوزة فيه ولا تقصير. العشرون: فيه أيضًا أن المسجد الأبعد للجماعة أفضل من القريب، ويستثنى منه ما إذا تعطل القريب لغيبته [أو] (١) [إذا] (٢) كان إمام البعيد مبتدعًا. الحادي والعشرون: فيه أيضًا تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وصلاة الملائكة على من ينتظر الصلاة في المسجد [وهو] (٣) الدعاء [له] (٤). الثاني والعشرون: [فيه أيضًا أن من تعاطى أسباب الصلاة يسمى مصليًا] (٥). الثالث والعشرون: فيه أيضًا أنه ينبغي لمن خرج في طاعة صلاة أو غيرها أن لا يشاركها شيء من أمور الدنيا وغيرها. خاتمة: ينعطف على هذا الحديث والذي قبله: اعلم أن ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب؛ حتى لو تصدق الرجل بعشرة الآف دينار، لكان الدينار الواجب أعظم أجرًا منه. وإن كانت مصلحة العشرة الآف أعظم، إذا تقررت هذه القاعدة، فقد جاء

стр. 1090

الحديث بالتضعيف على خلافها، فإن الشارع إنما رتب السبع والعشرين درجة على مجرد صلاة في الجماعة [ومجرد صلاة في الجماعة] (١) مندوب إليه، ولم يرتب على صلاة واحدة الذي هو الواجب عليه إلَّا درجة واحدة، فكان البخاري على القاعدة: أن يكون السبع والعشرون على صلاته وحده، والدرجة الواحدة على صلاته في الجماعة. نبه على ذلك القرافي ﵀. فإن قلت: [فإن الثواب] (٢) المضاعف ليس بين واجب ومندوب، وإنما هو بين مباح ومندوب، فإن صلاة الرجل وحده مباح له، وصلاته مع الجماعة مندوب إليه، والتضعيف إنما هو بين وصف الوحدة المباح ووصف الجماعة المندوب؛ ولا شك أن ثواب المندوب أعظم من ثواب المباح. فالجواب: أنه يلزم على هذا أن يكون المباح [في] (٣) فعله ثواب، والقاعدة: أنه مستوي الطرفين: لا ثواب في فعله، ولا عقاب في تركه. فثبت أن الدرجة الواحدة إنما هي على الفعل الواجب، لا على صفة الوحدة فيه. فإن قلت: لا نسلم أن السبعة والعشرين مرتبة على صلاة الجماعة فقط، بل على مجموع الفرض وصفته من صلاة الجماعة. فالجواب: أنه تفرض المسألة فيمن صلى وحده ثم أعاد في
следующие страницы →