← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

صلى أحدكم فجلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم يزل في [صلاة] (١) حتى يصلي". قال الباجي: المنتظر في غير مصلاه من المسجد يكون في صلاة: كالمنتظر في مصلاه، غير أن المنتظر في مصلاه يحصل له أنه في صلاة، وصلاة الملائكة عليه بخلاف المنتظر في غير مصلاه (٢) [...] (٣). [روى الحاكم في مستدركه من حديث داود بن صالح قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: "يابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (٤) قلت: لا، قال: إنه لم يكن في زمن رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة"] (٥). الرابع عشر: ظاهر هذا الحديث أن انتظار الصلاة مختصة بالمصلي في جماعة في المسجد، فلو صلى وحده وقعد ينتظر الصلاة لم تحصل له هذه الفضيلة.

стр. 1087

قال الباجى (١): سُئل مالك ﵀ عمن صلى في غير جماعة، [ثم] (٢) قعد في موضعه ينتظر الصلاة، أتراه في صلاة كمن ينتظر الصلاة في المسجد؟ قال: نعم، إن شاء الله تعالى. الخامس عشر: ظاهره أيضًا أن الانتظار يكون في مشترك الوقت على رأي من رواه وهو مالك وفي غيرها. وقال الباجي (٣): هذا مختص بمشترك الوقت: كانتظار العصر [بعد الظهر] (٤)، [والعشاء بعد المغرب] (٥)، [وأما انتظار الظهر بعد الصبح، والمغرب بعد العصر، والصبح بعد العشاء] (٦) فليس من عمل الناس: قلت: ويرد هذا قول عبد الله ابن سلام في الساعة التي في يوم الجمعة لأبي هريرة: "إنها لآخر ساعة بعد العصر، فقال أبو هريرة: كيف وهي ساعة لا يصلى فيها. وقد قال - عيه السلام -: لا يوافقها عبد مسلم يصلي؟ فقال له عبد الله: أليس قال: من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة؟ " رواه مالك في الموطأ (٧)

стр. 1088

وصححه الترمذي (١) وابن حبان (٢) والحاكم (٣)، فجعل الانتظار يكون من العصر إلى المغرب، ولم ينكر عليه أبو هريرة. السادس عشر: جاء في رواية لمسلم (٤) في آخر هذا الحديث بعد قوله: "اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث" قيل لأبي هريرة: ما الحدث؟ قال: يفسو أو يظرط". وفي البخاري (٥) في "باب: من لم ير الوضوء إلَّا من المخرجين" عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث". فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت "يعني الضرطة". السابع عشر: يؤخذ من الحديث الحث على الصلاة في الجماعة المشروعة لها. الثامن عشر: يؤخذ منه أيضًا [أن] (٦) فعلها في المسجد أفضل.

стр. 1089

التاسع عشر: يؤخذ منه أيضًا إحسان الوضوء بفعله على الوجه المأمور به من غير مجاوزة فيه ولا تقصير. العشرون: فيه أيضًا أن المسجد الأبعد للجماعة أفضل من القريب، ويستثنى منه ما إذا تعطل القريب لغيبته [أو] (١) [إذا] (٢) كان إمام البعيد مبتدعًا. الحادي والعشرون: فيه أيضًا تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وصلاة الملائكة على من ينتظر الصلاة في المسجد [وهو] (٣) الدعاء [له] (٤). الثاني والعشرون: [فيه أيضًا أن من تعاطى أسباب الصلاة يسمى مصليًا] (٥). الثالث والعشرون: فيه أيضًا أنه ينبغي لمن خرج في طاعة صلاة أو غيرها أن لا يشاركها شيء من أمور الدنيا وغيرها. خاتمة: ينعطف على هذا الحديث والذي قبله: اعلم أن ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب؛ حتى لو تصدق الرجل بعشرة الآف دينار، لكان الدينار الواجب أعظم أجرًا منه. وإن كانت مصلحة العشرة الآف أعظم، إذا تقررت هذه القاعدة، فقد جاء

стр. 1090

الحديث بالتضعيف على خلافها، فإن الشارع إنما رتب السبع والعشرين درجة على مجرد صلاة في الجماعة [ومجرد صلاة في الجماعة] (١) مندوب إليه، ولم يرتب على صلاة واحدة الذي هو الواجب عليه إلَّا درجة واحدة، فكان البخاري على القاعدة: أن يكون السبع والعشرون على صلاته وحده، والدرجة الواحدة على صلاته في الجماعة. نبه على ذلك القرافي ﵀. فإن قلت: [فإن الثواب] (٢) المضاعف ليس بين واجب ومندوب، وإنما هو بين مباح ومندوب، فإن صلاة الرجل وحده مباح له، وصلاته مع الجماعة مندوب إليه، والتضعيف إنما هو بين وصف الوحدة المباح ووصف الجماعة المندوب؛ ولا شك أن ثواب المندوب أعظم من ثواب المباح. فالجواب: أنه يلزم على هذا أن يكون المباح [في] (٣) فعله ثواب، والقاعدة: أنه مستوي الطرفين: لا ثواب في فعله، ولا عقاب في تركه. فثبت أن الدرجة الواحدة إنما هي على الفعل الواجب، لا على صفة الوحدة فيه. فإن قلت: لا نسلم أن السبعة والعشرين مرتبة على صلاة الجماعة فقط، بل على مجموع الفرض وصفته من صلاة الجماعة. فالجواب: أنه تفرض المسألة فيمن صلى وحده ثم أعاد في

стр. 1091

[جماعة] (١) فإن ثواب الفرض حصل [له] (٢) بصلاته وحده، وهو أجر صلاة واحدة، ولم يبق إلَّا ترتيب السبع والعشرين على مجرد صلاة الجماعة، فتوجه الإِشكال. ثم [أجاب] (٣): بأن [من] (٤) المندوبات ما يكون ثوابه أعظم من ثواب الواجب؛ لكن الشارع لم يوجبه رفقًا بالعباد، كما في السواك، فإنه جاء فيه من الثواب ما بلغ به رتبة الواجب، ولم يوجبه الشرع رفقًا بالعباد، فكذا صلاة الجماعة. تنبيه: حديث: "صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة" (٥) مقتضاه أن يكون السواك أفضل من صلاة الجماعة، لأن الوارد في صلاة الجماعة دون ذلك كما علمته، والظاهر كما قال القرافي: إن الصلاة في الجماعة أفضل من السواك قال: فيحتاج إلى الجواب، وإلا فهو مشكل. قلت: وحديث السواك لا يقاومه حديث صلاة الجماعة في الصحة، وإن قدمنا في بابه ثبوته من طريقة ذكرناها في التحفة.

стр. 1092

الحديث الثالث ٦١/ ٣/ ١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم أمر رجلًا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: الثِقَّلُ: ضد الخفة، والثِّقَلُ: بالتحريك متاع المسافر وَحَشَمُهُ، ويقال: وجدت ثقلًا في جسدي، أي: فتورًا. حكاه الكسائي وثقلة القوم بكسر القاف أثقالهم، وأَثْقَلَتِ المرأةُ، فهي مُثْقِل، أي: ثقل حملها في بطنها.

стр. 1093

قال الأخفش: صارت ذاتَ ثِقْلٍ (١). وألقى عليه مثاقيله، أي: مؤنته. فحصل من هذا أنه يستعمل حقيقة، وذلك في الأجسام، ومجازًا، وذلك في المعاني. ومنه الحديث إذ الصلاة ليست بجسم. ثانيها: يؤخذ من الحديث الصلوات كلها ثقيلة على المنافقين، لما تقرر من مدلول صيغة أفعل، وشاهد ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ (٢) وقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (٣) وهذا كله في صلاة الجماعة، وإن لم يذكر [لقوة] (٤) السياق الدال على ذلك [ومنه: "لأتوهما"، و"لا] (٥) يشهدون الصلاة". ثالثها: إنما كانت هاتان الصلاتان أثقل عليهما من غيرهما لقوة الداعي إلى ترك حضور الجماعة فيهما، وقوة الصارف عن الحضور. أما العشاء: فلأنها وقت الإيواء والراحة. وأما الصبح: فلأنها وقت لذة النوم صيفًا وشتاءً، والمؤمن الكامل لا مشقة عليه لابتغاء الأجر، ولهذا قال ﵇: "ولو يعلمون ما فيهما" أي جماعة في المسجد من الأجر والثواب،

стр. 1094

وفي تركها من العقاب لأتوهما، أي [جاؤا] (١) إليها ولو حبوا أي: محتبين، يزحفون على إلياتهم من مرض أو آفة كحبو الصغير على يديه ورجليه. فائدة: قال الحسن البصري: من النفاق: اختلاف اللسان والقلب، واختلاف السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج. وقال الأوزاعي: المؤمن يقول قليلًا ويعمل كثيرًا، والمنافق يقول كثيرًا ويعمل قليلًا. رابعها: المنافق: من أظهر الإِيمان وأخفى الكفر؛ مشتق من النّافِقَاءَ: وهو جحر اليربوع، لأنه يكتم النافقاء، ويظهر القاصعاء، فإذا أُتي من قِبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانفتق أي: خرج. وفي كلام المحب الطبري عن ابن عباس: كان المنافقون ثلاثمائة رجل وسبعين امرأة، وكان ابن أُبي رأس القوم (٢). خامسها: استدل بهذا الحديث من قال: الجماعة فرض عين في غير الجمعة، وهو مذهب أحمد وابن المنذر وداود وابن خزيمة وجماعة، والأظهر عن أحمد أنها ليست شرطًا للصحة.

стр. 1095

وأجاب الجمهور: بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين، وسياق الحديث يقتضيه، فإنه لا يظن بالمؤمنين من الصحابة أنهم يؤثرون ترك الصلاة خلفه وفي مسجده؛ ولأنه لم يحرق، بل همَّ به وتركه، ولو كانت فرض عين لما تركهم، كذا ذكره النووي في "شرح مسلم" (١)، ورواية أبي داود الآتية قريبًا تخدشه، فإن ظاهرها أنهم كانوا مؤمنين، نعم رواية مسلم تقويه، فإن فيه بعد قوله: " [فتحرقوا بيوتهم] (٢) ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها" يعني العشاء، وهذا ليس صفة للمؤمنين. سادسها: قوله: "ولقد هممت أن آمر بالصلاة" الهمُّ بالشيء غير فعله. واختلف في الألف والسلام في الصلاة: هل هي لمعهود صلاة أو للجنس؟ [فمن قال: للجنس] (٣) حمله على جميع الصلوات مطلقًا، ومن قال: للعهد اختلف فيها. ففي رواية: "أنها العشاء" (٤) وفي أخرى: "إنها الجمعة" وفي أخرى: "العشاء والفجر" وفي أخرى: "يتخلفون عن الصلاة" (٥)

стр. 1096

مطلقًا، ولا منافاة بينهما؛ نعم إذا كانت هي الجمعة: فالجماعة شرط فيها. ومحل الخلاف إنما هو في غيرها، فلا دلالة حينئذ في الحديث. قال البيهقي (١): والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عبر بالجمعة عن الجماعة ونوزع في ذلك. وقال المحب في "أحكامه": يحمل ذلك على تكرر الواقعة [ولا تضاد] (٢). وقال الشيخ تقي الدين: يحتاج أن ينظر في هذه الروايات، فإن كانت أحاديث مختلفة، قيل بكل واحد منها، وإن كانت حديثًا واحدًا اختلف فيه فقد يتم هذا [الجواب] (٣)، إن عُدم الترجيح بين بعض تلك الروايات وبعض، وعدمُ إمكان أن يكون الجمع مذكورًا، فترك بعض [الرواة] (٤) بعضه [ظاهرًا] (٥) بأن يقال: إن النبي ﷺ أراد إحدى الصلاتين -أعني الجمعة، أو العشاء مثلًا- فعلى تقدير أن تكون هي الجمعة لا يتم الدليل، وعلى تقدير العشاء يتم. فإذا تردد الحال وقف الاستدلال، ومما بينه عليه هنا أن هذا الوعيد بالتحريق إذا ورد في صلاة معينة -وهي العشاء، أو الجمعة، أو الفجر-

стр. 1097

فإنما يدل على وجوب الجماعة في هذه الصلاة. فمقتضى مذهب الظاهرية أن لا يدل على وجوبها في غير هذه الصلوات، عملًا بالظاهر، وترك اتباع المعنى، اللهم إلَّا أن يأخذ بقوله ﵊: "أن آمر بالصلاة فتقام" على عموم الصلاة، فحينئذ يحتاج في ذلك إلى اعتبار لفظ الحديث وسياق، وما يدل عليه، فيحمل لفظ "الصلاة" عليه إن أريد التحقيق وطلب الحق. سابعها: قال بعضهم: في هذا الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر بالمال، لأن تحريق البيوت عقوبة مالية. وقال بعضهم: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة والغال من الغنيمة، واختلف السلف فيهما. والجمهور: على منع تحريق متاعهما، نقلهما النووي في "شرح مسلم" (١). وقال ابن العطار في "شرحه": استدل [به] (٢) بعضهم على جواز العقوبة بالمال، وهو مذهب مالك. ثامنها: "الحبو": حبو الصغير على يديه ورجليه كما سلف، ومعنى: "لو يعلمون ما فيهما" أي من الأجر كما تقدم، ثم لم يستطيعوا الإِتيان إليهما [إلَّا حبوا] (٣) حبوا [إليها] (٤) ولم يفوتوا

стр. 1098

جماعتهما [في] (١) المسجد [ففيه] (٢) الحث البليغ على حضورها. فائدة حديثيه: قال ابن مندة في مستخرجة: قوله ﵇: [لو يعلمون] (٣) المتخلفون عن صلاة الفجر والعشاء لأتوهما ولو حبوًا"، رواه مع أبي هريرة، ابن مسعود (٤)، وعائشة (٥)، وأنس بن مالك (٦)، وحذيفة بن اليمان. تاسعها: قوله ﵇: "ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس" فيه أن الإِمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس؛ وإنما هم بإتيانهم بعد إقامة الصلاة، لأن ذلك الوقت يتحقق مخالفتهم وتخلفهم، فيتوجه اللوم عليهم.

стр. 1099

وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر، وهو الوجه العاشر. وفيه تقديم الوعد [والتهديد] (١) على العقوبة، وهو الوجه الحادى عشر. وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزواجر اكتفي به عن الأعلى. الثاني عشر: قوله ﵇: "فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" ظاهره أنه أراد حرقهم وقتلهم بالنار، إذ لو لم يرد ذلك لقال: "فأحرق بيوتهم" ولم يقل: عليهم. وهو يقوي ما تقدم من أن المراد بهم المنافقون، لأن المؤمن لا يقتل بترك الجماعة إجماعًا. الثالث عشر: إذا تقرر أن الظاهر أن المراد حرقهم وقتلهم بالنار فيحتاج إلى الجمع بينه وبين حديث النهي عن التعذيب بالنار؛ فإنه ﵊ لا يهم إلَّا بما يجوز. فإن قيل: إنه ناسخ لهذا، فيحتاج إلى دليل يدل عليه، فإن النسخ خلاف الأصل (٢). والرابع عشر: فيه دليل على قتال تارك الصلاة متهاونًا بها، كذا قاله القاضي عياض، وتبعه بعضهم، ولا يخلوا من نظر، ففي

стр. 1100

[سنن] (١) أبي داود (٢) من حديث أبي هريرة: "لقد هممت أن آمر فتيتي، فيجمعوا حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة، فأحرقها عليهم" وهذه الرواية ظاهرة في أن هذا التهديد لقوم مؤمنين، صلوا في بيوتهم لأمر توهموه مانعًا، ولم يكن كذلك، لأن المنافقين لا يصلون في بيوتهم، وإنما يصلون في الجماعة رياء وسمعة، وأما إذا خلوا فكما وصفهم الله من الكفر والاستهزاء. الخامس عشر: فيه دليل أيضًا على جواز أخذ أصحاب الجنايات والحرابة على غرة و [المخالفة] (٣) إلى منازلهم، وعلى جواز إخراج أهل المعاصي من بيوتهم، [وقد] (٤) ترجم البخاري عليه (٥)، واستدل بهذا الحديث [عليه] (٦): يريد أن من اختفى منهم طلب، وأخرج من بيته بما يقدر عليه، كما أراد النبي ﷺ إخراج هؤلاء، وهذا فيمن عرف واشتهر منهم. السادس عشر: فيه دليل كما قال صاحب القبس: على إعدام

стр. 1101

محل المعصية، كما ذهب إليه مالك وخالفه الشافعي وأحمد. استدل بما روي من [كسر] (١) دنان الخمر وتحريق عمر بيت خمّار. واستدلا بالنهي عن إضاعة المال. [قالا] (٢): إن المعصية لا تعلق للمحل بها، والأحكام إنما تتعلق بالفاعل (٣). خاتمة: في مسند أحمد (٤) في هذا الحديث "لولا ما في

стр. 1102

البيوت من النساء والذرية أقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار" وهذا من شفقته ﷺ على النساء والذرية.

стр. 1103

الحديث الرابع ٦٢/ ٤/ ١٠ - عن عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، فلا يمنعها"، قال: فقال بلال [بن عبد الله] (١): والله لنمنعهنَّ. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًّا سيئًا، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول والله لنمنعهنَّ (٢). وفي لفظ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (٣). الكلام عليه من وجوه:

стр. 1104

أحدها: في التعريف براويه، وقد سلفَ في [باب] (١) الاستطابة. وبلال هذا: هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب تابعي ثقة، قال بعض الأئمة: لا يعرف له غير هذا الحديث، كذا رواه ابن شهاب عن سالم بن عبد الله وفي رواية ورقاء [...] (٢) عن مجاهد عن ابن عمر، فقال: ابن له، يقال له: واقد، وواقد: هذا هو ابن عبد الله أيضًا. قال القرطبي: في "شرح مختصر مسلم" (٣): وكلاهما صحيح، كان لابن عمر ابنان: بلال وواقد، وكلاهما قابله بالمنع، وكلاهما أدبه ابن عمر. وقوله: "قال: فقال بلال" وقوله بعدهُ "قال: فأقبل عليه" المراد بالقائل: هو سالم بن عبد الله كما سلف في تلك الرواية، فلو صرّح به المصنف [كان] (٤) أوضح. ثانيها: استأذن: استفعل من الإِذن [أي طلبه] (٥) يقال: أذن له في الشيء إذْنًا، ويكون أذِنَ بمعنى: علم، ومنه قوله -تعالى-: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٦) وأذِنَ له أذِنًا بفتح الهمزة: استمع.

стр. 1105

قال الشاعر: إن يسمعوا (١) رِيبةً طَارُوا بها فرحًا ... مِنّي وما أَذِنوا مِن صالحٍ دَفَنُوا [ومنه الحديث: "ما أذن الله لشيء [كأذنه لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن] (٢) " (٣) ومن فسر يتغنى بمعنى: استغنى فقد أبعد] (٤). ثالثها: يقال: امرأة ومرأة بالهمز ومرة بغير همزة، كما تقدم في أول الكتاب. رابعها: "المسجد" بكسر الجيم وفتحها، ومسيد كما تقدم أيضًا في باب المذي. خامسها: الحديث نص صريح في النهي عن منع النساء من المساجد عند استئذانهن الأزواج، وينبغي أن يحمل عليه إذن السيد لأمته، لكن قال النووي (٥) في "شرحه": إن هذا النهي للتنزيه فقط، وهو عام في النساء، ولكن الفقهاء خصصوه بشروط وحالات تقدمت

стр. 1106

في آخر الحديث الثاني من باب المواقيت؛ فهو من باب تخصيص العموم بالمعنى. وفي مسلم: "لا تمنعوا النساء الخروج إلى المساجد بالليل" (١) وصح: "وليخرجن تفلات" (٢). وفي الصحيح: "أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" (٣) وخصها بالذكر؛ لأنه يمكنها قضاء الوطر في ذلك ما لا يمكن في غيره بخلاف صلاة الصبح، فإنها عند إقبال النهار. فرع: لو لم يكن زوج ولا سيد واجتمعت الشروط حرم المنع، كما جزم به النووي في "شرح مسلم". سادسها: في صحيح مسلم (٤) عن عائشة: "لو أن

стр. 1107

رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد، كما منعت نساء نبي إسرائيل". قال النووي (١) وغيره: والمراد به إحداث الزينة والطيب وحسن الثياب ونحوها. سابعها: ما يخص به بعضهم هذا الحديث: أن المنع للمرأة الجميلة المشهورة، وفيما ذلمحره بعضهم مما يقتضي التخصيص أن يكون بالليل، وقد تقدم ما يشهد لذلك. قال الشيخ تقي الدين (٢): ومما قيل في تخصيصه أن لا يزاحمن الرجال. وقد قدمت هذا في الموضع المشار إليه أعلاه. ثامنها: هل عدم المنع خاص بصلاة أو عام، فيه خلاف حكاه بعضهم. تاسعها: استدل [بعضهم] (٣) بهذا الحديث على أن للرجل منع امرأته من الخروج إلَّا بإذنه. قال الشيخ [تقي الدين] (٤): وهذا إن أخذ من تخصيص النهي بالخروج إلى المساجد، وأن ذلك يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد.

стр. 1108

وقد يعترض عليه بأن هذا تخصيص الحكم باللقب. وهو ضعيف عند أهل الأصول. وأجاب غيره: بأن مفهوم اللقب إنما ضعف لعدم رائحة التعليل فيه، والتعليل هنا موجود، وهو: أن المسجد فيه معنى مناسب، وهو أنه محل للعبادة، فلا تمنع من التعبد فيه، فلا يكون ذلك من مفهوم اللقب. قال الشيخ: [و] (١) يمكن أن يقال في هذا: إن منع النساء من الخروج مشهور معتاد، وقد قرروا عليه، وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز، وإخراجه عن المنع المستمر المعلوم. فيبقى ما عداه على المنع، وعلى هذا فلا يكون منع الرجل لخروج امرأته لغير المسجد مأخوذ من تقييد الحكم بالمسجد، ويمكن أن يقال فيه وجه آخر وهو: إن في قوله ﵊: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". [مناسبة تقتضي الإِباحة -أعني كونهن "إماء الله"- بالنسبة إلى خروجهن إلى مساجد الله] (٢). ولهذا كان التعبير: بإماء الله أوقع في النفس من التعبير بالنساء لو قيل. [وإن] (٣) كان مناسبًا أمكن أن يكون علة للجواز [فإن] (٤) انتفى انتفى الحكم، لأن الحكم يزول بزوال علته.

стр. 1109

عاشرها: أخذ من إنكار ابن عمر على ولده بلال وسبه إياه: تأديب المعترض على السنن والمعارض لها برأيه. وفيه تعزير الوالد ولده، وإن كان كبيرًا وهو الوجه. الحادي عشر: وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم عنده بما لا ينبغي، وتقديم حق الله ورسوله على [غيرهم] (١) والقول بالحق وإن كان المقول له قريبًا وهو [الثاني عشر] (٢). الثالث عشر: فيه أيضًا نفي التحسين والتقبيح العقليين، وإثبات أن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبّحه [الشرع] (٣)، دون ما خبث في النفس والطبع. الرابع عشر: إن ثبت أن مستند بلال بن عبد الله في المنع القياس ففيه حجة لمن يقول بتقديم القياس على خبر الواحد. الخامس عشر: استنبط منه أنه لا يجوز للزوج منع زوجته من حج الفرض، وهو أحد القولين عندنا، والأظهر الجواز لحديث آخر فيه في البيهقي هو نص في المسألة (٤).

стр. 1110

الحديث الخامس والسادس ٦٣، ٦٤/ ٥/ ١٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄. قال: "صليت مع رسول الله ﷺ [ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب] (١) وركعتين بعد العشاء" (٢). وفي لفظ: "فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته" (٣). وفي لفظ: "أن ابن عمر قال: حدثتني حفصة أن النبي ﷺ . كان يصلي سجدتين خفيفتين بعد ما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها" (٤). الكلام عليه من وجوه:

стр. 1111

أحدها: في راويهما وقد تقدم بيان حال ابن عمر في باب الاستطابة. وأما حفصة: فهي أم المؤمنين. قيل: إنها ولدت قبل المبعث بخمسة أعوام، تزوجها ﷺ سنة ثلاث من الهجرة. وقيل: سنة اثنين، روت ستين حديثًا، اتفقا منها على ثلاثة. وقال ابن الجوزي: على أربعة، وانفرد مسلم بستة، وقد بسطت ترجمتها فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب، وحكيت ستة أقوال في وفاتها منها سنة خمسين. ثانيها: هذا الحديث لا يظهر له مناسبة في هذا الباب، فإن كان [أراد] (١) أن قول ابن عمر: "صليت مع رسول الله ﷺ " معناه: اجتمع معه في الصلاة [فليست الدلالة على ذلك قوية، فإن المعية مطلقًا أعم من المعية في الصلاة] (٢) وإن كان محتملًا، ومما يقتضي أنه لم يرد ذلك أنه أورد عقبه حديث عائشة الآتي إثر هذا، لا تعلق له بصلاة الجماعة، نبّه على ذلك الشيخ تقي الدين (٣). وقد يقال: الظاهر من فعل ابن عمر هذه السنن بحضرته - عليه أفضل الصلاة والسلام - أن يكون عقب فعل الفرض، ويبعد منه وقوع صلاة الفرض وحده بحضوره، وحينئذ فقد ظهر وجه المناسبة.

стр. 1112

وقد يجاب أيضًا: بأن حكمة شرعية النوافل تكميل الفرائض، فإن عرض فيها نقص كما ثبت في سنن أبي داود (١) وغيره [وارتاض] (٢) نفسه بتقديم النافلة، وينشط لها، ويتفرغ قلبه أكمل فراغ لها، ولهذا استحب أن تفتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين (٣)، فلما ذكر المصنف المقارن للصلاة وهو الجماعة، ذكر السابق واللاحق، فالجميع مكملات الفريضة. ثالثها: هذا الحديث يتعلق بالسنن الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، ويدل على هذا العدد منها. وقد اختلفت الأحاديث في أعداد الركعات الرواتب قولًا وفعلًا. وقد اختلفت مذاهب الففهاء في الاختيار لتلك الأعداد. والمروي عن مالك أنه [قال] (٤): لا توقيت في ذلك.

стр. 1113

قال ابن القاسم صاحبه: وإنما توقف في هذا أهل العراق. والمتفق عليه عند الشافعية أن الرواتب المؤكدة ما في هذا الحديث. وفي البخاري (١) من حديث عائشة أيضًا: "كان لا يدع أربعًا قبل الظهر" وليس للعصر ذكر في الصحيحين وفي الترمذي (٢) محَسِّنًا من حديث علي ﵁ أنه ﵊: "كان يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم" وفيه أيضًا مصححًا من حديث أم حبيبة (٣): "من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار" وفي صحيح البخاري (٤)

стр. 1114

من حديث ابن مغفل الأمر بالصلاة قبل المغرب، وهذه ليست مؤكدة بل مستحبة على الأصح بخلاف الأول، واختلاف الأحاديث في أعدادها محمول على التوسعة فيها، وأن لها أقل وأكمل، فيحصل [أصل] (١) السنة [بالأقل] (٢) والأكمل بالأكثر، [وكذلك القول في الضحى والوتر يحصل أصل السنة بالأقل والأكمل بالأكثر] (٣)، وما بينهما أوفى الكمال هذا ما يتعلق بالنوافل المقيدة. وأما النوافل المطلقةِ وتسمى: المرسلة، فقد بسط الشيخ تقي الدين (٤) ﵀ الكلام فيه أحسن بسط، فقال الحق والله أعلم في هذا الباب أعني ما ورد فيه أحاديث بالنسبة إلى التطوعات والنوافل المرسلة، أن [كل] (٥) حديث صحيح دل على استحباب عدد من هذه الأعداد، أو هيئة من الهيئات، أو نافلة من النوافل، يعمل به في استحبابه، لم تختلف مراتب ذلك المستحب، فما كان الدليل دالًا على تأكده،- إما بملازمته فعلًا، وإما بكثرة فعله، وإما بقوة دلالة

стр. 1115

اللفظ على تأكيد الحكم فيه، وإما [بمعاضدة] (١) حديث آخر له أو أحاديث فيه حكم بعلو مرتبته في الاستحباب، وما نقص عن ذلك كان بعده في [الرتبة] (٢)، وما ورد فيه حديث لا ينتهي إلى الصحة، فإن كان حسنًا عمل به إن لم يعارضه صحيح أقوى منه، وكانت مرتبته ناقصة عن هذه المرتبة [الثانية] (٣) أعني: الصحيح الذي لم يدم عليه أو لم يؤكد [اللفظ] (٤) في طلبه، وما كان ضعيفًا لا يدخل في حيز الموضوع، فإن أحدث شعارًا في الدين منع منه، وإلَّا فهو محل نظر يحتمل أن يقال: إنه مستحب لدخوله تحت العمومات المقتضية لفعل الخير واستحباب الصلاة، ويحتمل أن يقال: هذه الخصوصيات بالوقت أو بالحال أو الهيئة والفعل المخصوص يحتاج إلى دليل خاص يقضي استحبابه بخصوص وهذا أقرب. ثم نبه بعد ذلك على أمور: أحدها: إنا حيث قلنا في الحديث الضعيف: إنه يحتمل أن بعمل به لدخوله تحت العمومات، فشرطه أن لا يقوم دليل على المنع منه أخص من تلك العمومات، مثال الصلاة المذكورة في ليلة أول جمعة من رجب (٥) لم يصح فيها الحديث ولا حُسن، فمن أراد فعلها

стр. 1116

إدراجًا لها تحت العمومات الدالة على [فضل] (١) الصلاة والتسبيحات لم يستقم، لأنه قد صح أن النبي ﷺ نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام، وهذا أخص من العمومات الدالة على فضيلة مطلق الصلاة. الثاني: أن هذا إلاحتمال الذي قلناه [في] (٢) جواز إدراجه تحت العمومات يريد به في الفعل لا في الحكم باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة؛ لأن الحكم باستحبابه على هيئته الخاصة يحتاج دليلًا شرعيًّا عليه ولا بد، بخلاف ما إذا فعل بناء على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت ولا بتلك الهيئة، فهذا الذي قلنا باحتماله. الثالث: قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين، ومثال ما أحدثه الروافض من عيد ثالث سموه: عيد الغدير، وكذلك الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص على شيء لم يثبت شرعًا، وقريب من ذلك أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس أن يحدث فيها أمرًا آخر لم يرد به الشرع، زاعمًا أنه يدرجه تحت عموم؛ فهذا لا يستقيم، لأن الغالب على العبادات التعبد، ومأخذها التوقيف، وهذه الصور حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه، فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول، ولعل مثال ذلك: ما ورد [في] (٣) رفع اليد [في

стр. 1117

القنوت، فإنه قد صح رفع اليد] (١) في الدعاء مطلقًا. قال بعض الفقهاء: ترفع اليد في القنوت، لأنه دعاء فيندرج تحت الدليل الذي يقتضي استحباب رفع اليد في الدعاء. وقال غيره: يكره لأن الغالب على هيئة العبادة والعبد التوقف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير المشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليدين في القنوت كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء. قلت: قد روى البيهقي (٢) الرفع فيه بإسناد جيد، كما ذكرته في "شرح المنهاج". الرابع: ما ذكرنا من المنع تارة يكون منع تحريم، وتارة يكون منع كراهة، ولعل ذلك يختلف بحسب ما يفهم من نفس الشرع [من] (٣) التشديد في الابتداع بالنسبة إلى ذلك الجنس، [و] (٤) التخفيف؛ ألا ترى أنا إذا نظرنا إلى البدع المتعلقة بأمور الدنيا لم تساوِ الدع المتعلقة بأمور الأحكام الشرعية أو لعلها -أعني البدع

стр. 1118

المتعلقة بأمور الدنيا] (١) لا تكره أصلًا، بل يحرم في كثير منها [بعدم] (٢) الكراهة، وإذا [نظر] (٣) إلى البدع المتعلقة بالأحكام الفرعية لم تكن مساوية للبدع المتعلقة بأصول العقائد. قال الشيخ: فهذا ما أمكن ذكره في هذه المواضع مع كونه من المشكلات القوية لعدم الضبط فيه بقوانين [تقدم] (٤) ذكرها للتابعين، وقد تباين الناس في هذا الباب تباينًا شديدًا، حتى بلغني أن بعض المالكية مرّ في ليلة من إحدى ليلتي الرغائب، أعني في رجب أو التي في شعبان (٥) بقوم يصلونها، وقوم عاكفين على محرم، فحسن حال العاكفين على المصلين لتلك الصلاة، وعلل ذلك بأن العاكفين عالمون بارتكاب المعصية فيرجى لهم الاستغفار والتوبة، والمصلون لتلك الصلاة في امتناعها عنده يعتقدون أنهم في طاعة فلا يتوبون ولا يستغفرون قال: والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي

стр. 1119

ذكرنا، وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات أو طلب دليل خاص على ذلك الخاص، وميل المالكية إلى هذا الثاني، وورد عن السلف الصالح ما يؤيده في مواضع، ألا ترى أن ابن عمر قال في صلاة الضحى "إنها بدعة" لأنه لم يثبت عنده فيها دليل، ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت المخصوص، وكذلك قال في القنوت الذي [كان] (١) يفعله الناس في عصره: إنه بدعة. ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء. وكذلك ما روى الترمذي (٢) من قول عبد الله بن مغفل لابنه في الجهر بالبسملة: "إياك والحدث" ولم ير إدراجه تحت دليل عام [وكذا] (٣) ما جاء عن ابن مسعود [النهي] (٤) فيما خرجه الطبراني (٥) عن قيس بن أبي حازم قال: ذكر [لابن مسعود [قاص] (٦) [يجلس] (٧) بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا،

стр. 1120

قولوا] (١) فقال: إذا رأيتموه فأخبروني. قال: فأخبروه. فجاء عبد الله متقنعًا، فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود (٢): إنكم لأهدى من محمد ﷺ وأصحابه، يعني وإنكم [المتعلقون] (٣) بذنب ضلالةٍ" وفي رواية: "لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا" فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل مع إمكان إدراجه تحت عموم فضيلة الذكر، على [أن] (٤) ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات، هذا آخر كلام الشيخ تقي الدين (٥) وهو من النفائس. ويجاب على تقدير ثبوت ذلك عنهم أنه محمول على أنه لم تبلغهم الأحاديث الخاصة فيه، أو أنه إقترن به أمر من زيادة أو ترك واجب شرعي، أو استدراج بذلك إلى مفاسد علموها؛ وإلَّا فالأحاديث الصحيحة ثابتة [بالأمر] (٦) بالذكر فرادى ومجتمعين، والحث عليه وعلى صلاة الضحى والدعاء في الصلاة وكذا القنوت في الصبح. واعترض عليه بعض المالكية فيما ذكره من الجهر بالبسملة،

стр. 1121

فقال: ليس النهي عن مجرد [الجهر] (١)، بل النهي عن زيادة البسملة في [أول] (٢) الفاتحة، لأنه ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًا لم يكونوا يقرءون بها، كما جاء مصرحًا به في الصحيح (٣) وهذا منه غلط، بل الحديث المذكور مؤول بل [معلول] (٤)، وقد ذكرت وجه تعليله في "تخريجي لأحاديث منهاج البيضاوي في الأصول" فراجعه منه [وسأذكره إن شاء الله عند وصولي إلى موضعه] (٥). [وأما] (٦) إمامنا الشافعي ﵁ كما نقله البيهقي في مدخله سنة رسول الله ﷺ من ثلاثة أوجه. أحدها: ما أنزل الله -تعالى- فيه نص بالكتاب [فسن رسول الله ﷺ بمثل نص الكتاب] (٧). والثاني: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها أعامًّا أم خاصًّا، وكيف أراد أن تأتي به العباد.

стр. 1122

والثالث: [ما سنه] (١) رسول الله ﷺ ما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعله -تعالى- له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلَّا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته ليبين عدد الصلاة وعملها عن أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع لأن الله -تعالى- قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) فما أحل وحرم فإنما بيّن فيه عن الله، كما بين الصلاة. ومنهم من قال: جاءته رسالة الله -جلّ ثناؤه- فأثبتت به سنة بفرض الله . ومنهم من قال: أُلقي في روعه كل ما سن وسببه الحكمة التي ألقيت في روعه عن الله -جلّ ثناؤه- هذا آخر كلامه. وفيه بيان لمعرفة وجوه السنة وما هي؟ وقال غيره: سنة رسول الله ﷺ قوله أو فعله أو حاله وتقريره كما اطلع عليه رسول الله ﷺ من القول والفعل أو الحال بحضرته وسكت عليه [فالحاصل أن السنة في المعنى الشرعي أمر بين الغلو والإِهمال، أعاننا الله على القيام بها على أوفى حال] (٤).

стр. 1123

الوجه الرابع: من الكلام على الحديث فيه فعل النافلة في البيت والمسجد، نعم اختلف العلماء هل التنفل إثر الفرائض في المسجد أفضل أم في البيت على ثلاثة أقوال: أحدها: وهو مذهب الشافعي وقاله النخعي وغيره: إن فعلها في البيت أفضل لقوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة" (١) وعلل بخشية اختلاطها بالفرائض، ولئلا تخلى البيوت من الصلاة. وثانيها: إن فعلها أثر الصلاة في المسجد أجمع للخاطر، حكاها القاضي عياض عن قوم. وثالثها: الفرق بين الليل والنهار، ففي النهار في المسجد أفضل، وفي الليل البيت أفضل، حكاه القاضي عن مالك والثوري. واستدل مالك بقوله: "فأما المغرب والعشاء والجمعة، ففي بيته"، وهو دال على [أن] (٢) ما سوى ذلك كان في المسجد، وما سوى المغرب والعشاء هو راتب النهار. قلت: هذه الرواية التي استدل بها قد ذكر فيها سنة الجمعة وهي نهارية فلا يحسن الاستدلال بها إذن؛ والحديث السالف عام في جميع النوافل الراتبة مع الفرائض، إلَّا في سنة الجمعة التي قبلها، وإلَّا في النوافل التي هي شعار الإِسلام: كالعيد والكسوف والاستسقاء وغير ذلك مما أوضحته في "شرح المنهاج"، فراجعه

стр. 1124

منه. وفي بعض الروايات التصريح بأنه ﵇ صلّى سنة الصبح في بيته، وهي صلاة نهار، فهو مما يرد على من فصّل أيضًا. ولو قيل: فعلها في البيت أفضل إلَّا أن يكسل عن فعلها فيه ففي المسجد أفضل لم يبعد. واعلم أن ابن حبان (١) روى في صحيحه من حديث جابر أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد الجمعة في المسجد، [ولم يُرَ يصلي بعد الجمعة يوم الجمعة ركعتين في المسجد، وكان ينصرف إلى بيته قبل ذلك اليوم]. وهو محمول على بيان المشروعية منه ﷺ وكذا حديث حذيفة أنه ﵇: "صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة" أخرجه الترمذي (٢) معلقًا قبيل أبواب الزكاة، وقال: فيه دلالة أنه ﵇ صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد (٣).

стр. 1125

الخامس: قول حفصة ﵂: "وكان يصلي سجدتين". المراد بهما: ركعتا الفجر، فهو من باب إطلاق الجزء على الكل. السادس: فيه أن سنة الصبح لا يدخل وقتها إلَّا بطلوع الفجر، ولا أعلم فيه خلافًا. السابع: فيه أيضًا استحباب تخفيفهما وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور (١). وقال بعض السلف (٢): لا بأس بإطالتهما، ولعله أراد أن الإِطالة ليست محرمة ولا نزاع في ذلك. وبالغ قوم فقالوا: لا قراءة فيها أصلًا، حكاه الطحاوي والقاضي، وهو غلط، والأحاديث الصحيحة ترده. فقد صح أنه ﵇ قال: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" (٣). وصح أنه ﵇ كان يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٤) [وقوله] (٥) تعالي:
следующие страницы →