← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فقال: ليس النهي عن مجرد [الجهر] (١)، بل النهي عن زيادة البسملة في [أول] (٢) الفاتحة، لأنه ﵇ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًا لم يكونوا يقرءون بها، كما جاء مصرحًا به في الصحيح (٣) وهذا منه غلط، بل الحديث المذكور مؤول بل [معلول] (٤)، وقد ذكرت وجه تعليله في "تخريجي لأحاديث منهاج البيضاوي في الأصول" فراجعه منه [وسأذكره إن شاء الله عند وصولي إلى موضعه] (٥). [وأما] (٦) إمامنا الشافعي ﵁ كما نقله البيهقي في مدخله سنة رسول الله ﷺ من ثلاثة أوجه. أحدها: ما أنزل الله -تعالى- فيه نص بالكتاب [فسن رسول الله ﷺ بمثل نص الكتاب] (٧). والثاني: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها أعامًّا أم خاصًّا، وكيف أراد أن تأتي به العباد.

стр. 1122

والثالث: [ما سنه] (١) رسول الله ﷺ ما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعله -تعالى- له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلَّا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته ليبين عدد الصلاة وعملها عن أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع لأن الله -تعالى- قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣) فما أحل وحرم فإنما بيّن فيه عن الله، كما بين الصلاة. ومنهم من قال: جاءته رسالة الله -جلّ ثناؤه- فأثبتت به سنة بفرض الله . ومنهم من قال: أُلقي في روعه كل ما سن وسببه الحكمة التي ألقيت في روعه عن الله -جلّ ثناؤه- هذا آخر كلامه. وفيه بيان لمعرفة وجوه السنة وما هي؟ وقال غيره: سنة رسول الله ﷺ قوله أو فعله أو حاله وتقريره كما اطلع عليه رسول الله ﷺ من القول والفعل أو الحال بحضرته وسكت عليه [فالحاصل أن السنة في المعنى الشرعي أمر بين الغلو والإِهمال، أعاننا الله على القيام بها على أوفى حال] (٤).

стр. 1123

الوجه الرابع: من الكلام على الحديث فيه فعل النافلة في البيت والمسجد، نعم اختلف العلماء هل التنفل إثر الفرائض في المسجد أفضل أم في البيت على ثلاثة أقوال: أحدها: وهو مذهب الشافعي وقاله النخعي وغيره: إن فعلها في البيت أفضل لقوله ﷺ : "أفضل صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة" (١) وعلل بخشية اختلاطها بالفرائض، ولئلا تخلى البيوت من الصلاة. وثانيها: إن فعلها أثر الصلاة في المسجد أجمع للخاطر، حكاها القاضي عياض عن قوم. وثالثها: الفرق بين الليل والنهار، ففي النهار في المسجد أفضل، وفي الليل البيت أفضل، حكاه القاضي عن مالك والثوري. واستدل مالك بقوله: "فأما المغرب والعشاء والجمعة، ففي بيته"، وهو دال على [أن] (٢) ما سوى ذلك كان في المسجد، وما سوى المغرب والعشاء هو راتب النهار. قلت: هذه الرواية التي استدل بها قد ذكر فيها سنة الجمعة وهي نهارية فلا يحسن الاستدلال بها إذن؛ والحديث السالف عام في جميع النوافل الراتبة مع الفرائض، إلَّا في سنة الجمعة التي قبلها، وإلَّا في النوافل التي هي شعار الإِسلام: كالعيد والكسوف والاستسقاء وغير ذلك مما أوضحته في "شرح المنهاج"، فراجعه

стр. 1124

منه. وفي بعض الروايات التصريح بأنه ﵇ صلّى سنة الصبح في بيته، وهي صلاة نهار، فهو مما يرد على من فصّل أيضًا. ولو قيل: فعلها في البيت أفضل إلَّا أن يكسل عن فعلها فيه ففي المسجد أفضل لم يبعد. واعلم أن ابن حبان (١) روى في صحيحه من حديث جابر أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد الجمعة في المسجد، [ولم يُرَ يصلي بعد الجمعة يوم الجمعة ركعتين في المسجد، وكان ينصرف إلى بيته قبل ذلك اليوم]. وهو محمول على بيان المشروعية منه ﷺ وكذا حديث حذيفة أنه ﵇: "صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة" أخرجه الترمذي (٢) معلقًا قبيل أبواب الزكاة، وقال: فيه دلالة أنه ﵇ صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد (٣).

стр. 1125

الخامس: قول حفصة ﵂: "وكان يصلي سجدتين". المراد بهما: ركعتا الفجر، فهو من باب إطلاق الجزء على الكل. السادس: فيه أن سنة الصبح لا يدخل وقتها إلَّا بطلوع الفجر، ولا أعلم فيه خلافًا. السابع: فيه أيضًا استحباب تخفيفهما وهو مذهبنا ومذهب مالك والجمهور (١). وقال بعض السلف (٢): لا بأس بإطالتهما، ولعله أراد أن الإِطالة ليست محرمة ولا نزاع في ذلك. وبالغ قوم فقالوا: لا قراءة فيها أصلًا، حكاه الطحاوي والقاضي، وهو غلط، والأحاديث الصحيحة ترده. فقد صح أنه ﵇ قال: "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" (٣). وصح أنه ﵇ كان يقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (٤) [وقوله] (٥) تعالي:

стр. 1126

﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا ...﴾ (١) الآيتان. واستحسن الغزالي في كتابه "وسائل الحاجات" (٢) أن يقرأ في الأولى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ وفي الثانيه ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ وقال: إن ذلك يردّ شر ذلك اليوم (٣). وفي "فضائل القرآن العظيم" لأبي العباس الغافقي (٤) أنه ﵇ "أمر رجلًا شكى إليه شيئًا أن يقرأ في الأولى والثانية بذلك". وتوسط مالك وجمهور أصحابه (٥)، فقال: لا يقرأ غير الفاتحة، وهو مخالف للسنة الصحيحة المذكورة التي لا معارض لها. وفي مختصر ابن شعبان (٦) عندهم يقرأ فيها بأم القرآن وسورة

стр. 1127

من قصار المفصل. الثامن: قوله: "وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها" هذا بيان لعذره في عدوله عن المعاينة لفعله ﵇ إلى إخبار حفصة ﵂ وفيه تنبيه على أنه لا يعدل في تحصيل العلم إلى خبر الواحد إلَّا لعذر، وإن كان حجة [كما سيأتي] (١). التاسع: في الرواية الأخيرة دلالة على رواية الأخ عن أخيه ذكرًا كان أو أنثى. العاشر: أخذ العلم عن المرأة خصوصًا إذا كانت أعلم بالواقعة والحالة. الحادي عشر: قبول خبر الواحد، وهو مذهب العلماء من جميع الطوائف، خلافًا لبعضهم، وعمل [بخبر الواحد من الصحابة فمن بعدهم] (٢) [فيما لا يحصى من الأحكام] (٣). الثاني عشر: عدم الدخول على الشخص في ذلك الوقت والاستئذان عليه.

стр. 1128

الثالث عشر: فيه أيضًا الاقتداء به ﷺ في النوافل، وفعلها وتتبعها ونقلها؛ إن حملت المعية المذكورة في الحديث على المعية في الصلاة، وقد تقدم ما فيه في الوجه الثاني من الكلام على الحديث.

стр. 1129

الحديث السابع ٦٥/ ٧/ ١٠ - عن عائشة ﵂ قالت: "لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر" (١). وفي لفظ لمسلم (٢): "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". [وفي لفظ: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما عليها"] (٣). الكلام عليه من وجوه: بعد أن تعلم أنه لا مناسبة لإِيراده في هذا الباب إلَّا ما أسلفناه في الحديث قبله. أحدها: النوافل: جمع نافلة. وأصلها في اللغة: عطية التطوع. والنافلة: أيضًا ولد الولد (٤).

стр. 1130

[ثانيها] (١): التعاهد: المحافظة على الشيء، وتجديد العهد به والتعهد مثله. قال الجوهري: [وتعهدت فلانًا وتعهدت صنعتي] (٢)، وهو أفصح من قولك: [تعاهدته] (٣)، لأن التعاهد لا يكون إلَّا بين [شيئين] (٤). قلت: وشدة تعاهده ﵊ على صلاتها لعظم فضلها وجزيل ثوابها. [ثالثها] (٥): في الحديث دليل على تأكد ركعتي الفجر، وهو إجماع فإن المراد [بها] (٦) في هذا الحديث: السنة لا الفريضة. ومن الغرائب ما حكاه في "المحصول" عن الفقهاء أنهم قالوا: إن أهل محلة لو اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإِصرار فإنهم يقاتلون بالسلاح؛ وهذا لا نعرفه عنهم، ولا عن غيرهم، وإنما قالوه في الأذان والجماعة ونحوهما من الشعائر الظاهرة، ومع ذلك فالصحيح عندهم إذا قلنا بسنيتها أنهم لا يقاتلون على تركها. رابعها: فيه أيضًا أنهما غير واجبتين لقول عائشة: من النوافل. وقد انفرد الحسن البصري بدعواه وجوبهما.

стр. 1131

وفي مذهب مالك أنها من الرغائب، لأنها قالت: من النوافل. ولم تقل من السنن. والمالكية فرقوا سنين السنة والرغيبة والنافلة. فقالوا: السنة آكدها، ثم الرغيبة، ثم النافلة. فما واظب عليه في الجماعة مظهرًا له فهو سنته. وما لم يواظب [عليه] (١) [وحده] (٢) [وعده] (٣) من النوافل فهو فصيلة. وما واظب عليه ولم يظهره كركعتي الفجر ففيه قولان: أحدهما: سنته. والثاني: فضيلة. وهذا اصطلاح لا أصل له (٤)، وقد بينا السنة

стр. 1132

ومعناها في الحديث قبله لكن السنة تختلف رتبتها في الفضيلة، فبعضها آكد من بعض على حسب مقصود الشرع ومقتضاه وشرعية الجماعة فيها؛ نعم أكابر [الصحابة] (١) (٢) على أنهما من السنن، وعرف الشرع إطلاق النافلة على الكل لقوله ﵇ للأعرابي: "إلَّا أن تطّوع" (٣) والتطوع والنافلة بمعنى واحد. [وإذا] (٤) كان لفظ النافلة إسمًا جامعًا للثلاثة، فلا دلالة فيه على أحدها بعينه، ولأن لفظ الحديث شرح بأنها نافلة، والمستدل على أنها من الرغائب لا يقول بمرادفتها للنافلة. خامسها: استدل بهذا الحديث لأحد القولين عندنا في ترجيح سنة الصبح على الوتر، لكن لا دلالة فيه، لأن الوتر كان واجبًا عليه ﷺ ، فلا يتناوله هذا الحديث. واستدل لهذا القول وهو قول قديم بأمور: أحدها: أن الوتر تبع للعشاء، وركعتي الفجر تبع للصبح، والصبح أفضل من العشاء، فتابعها آكد. ثانيها: أنه ﵇ كان يصلي الوتر على الراحلة، وركعتي الفجر على الأرض. ثالثها: أن [ركعتي] (٥) الفجر تتقدم على متبوعها، والوتر يتأخر.

стр. 1133

رابعها: أنها محصورة بعدد متفق عليه بخلافه. خامسها: شدة المحافظة [عليها وكونها] (١) خير من الدنيا وما فيها، لكن المواظبة مشتركة [بينه] (٢) وبين الوتر، فإن كان واجبًا عليه على ما صححوه، ومعلوم أنه كان على الواجب أشد محافظة من المندوب، وإذا كان فعل المندوب خير من الدنيا وما فيها، فما ظنك بالواجب؟ والجدير أن الوتر أفضل، وعلل بكونه اختلف في وجوبه وهو منتقض بما قدمناه عن الحسن البصري، فإنه قال: بوجوب ركعتي الفجر، ومعلوم [أنه] (٣) من فضلاء التابعين وجلتهم فاستويا في ذلك. سادسها: هذا الحديث يقتضي تفضيل ركعتي الفجر على جميع الصلوات فرضها ونفلها، خرج الفرض بالإِجماع، وبقي ما عداه على عمومه، قاله الماوردي (٤). سابعها: قوله ﵊: "خير من الدنيا وما فيها". قال النووي في شرح مسلم (٥): أي خير من الدنيا ومتاعها.

стр. 1134

وقال غيره المراد بالدنيا حياتها وما فيها، متاعها لا ذاتها [وكأنه] (١) قال: خير من متاع الدنيا. وقال غيرهما: إنما قال: ذلك لأنه بشر أن حساب أمته يقدر بهما، فلهذا كانتا عنده خير من الدنيا وما فيها، لما يتذكر بها من عظم رحمة الله بأمته من ذلك الموقف العظيم. وقال بعض فضلاء المالكية في تفسير النووي السالف: نظر فإنه قد جاء في الحديث الآخر: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلَّا ذكر الله" (٢) الحديث. وخير هنا أفعل تفضيل، وهو يقتضي المشاركة في الأصل وزيادة كما تقرر، ولا مشاركة بين فضيلة ركعتي الفجر ومتاع الدنيا المخبر عنه بأنه ملعون، ويبعد أن يحمل كلام الشارع على ما شذ من قولهم: العسل أحلى من الخل. إلَّا أن يقال: إن المعنى ما يحصل من نعيم ثواب ركعتي الفجر في الدار الآخرة خير مما يتنعم به في الدنيا فترجع (٣) المفاضلة إلى ذات النعيم الحاصل بين الدارين، [لا] (٤) إلى نفس ركعتي الفجر ومتاع الدنيا.

стр. 1135

١١ - باب الأذان أصله الإِعلام: قاله أهل اللغة. واشتقاقه: من الأَذَن بفتح الهمزة والذال وهو الاستماع. وهو في الشرع: ذكر مخصوص شرع في الأصل للإِعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة، ونفتتح هذا الباب بمقدمات. أولها: الأذان كلمة جامعة لعقيدة الِإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات. فأولها: إثبات الذات وما تستحقه من الكمال والتنزيه. ثم إثبات الوحدانية. ثم إثبات الرسالة والنبوة لنبينا محمد ﷺ ، ثم الدعاء إلى الصلاة، وجعلها عقب إثبات الرسالة، لأن معرفة وجودها من جهته لا من جهة العقل، ثم الدعاء إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة للإِعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإِيمان، نبّه على ذلك القاضي عياض، وهو من النفائس.

стр. 1136

ولخّصه القرطبي في شرحه (١)، فقال: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، وذلك أنه ﵇ بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله - تعالى - ووجوبه وكماله، ثم ثني بالتوحيد ثم ثلث برسالة رسوله، ثم ناداهم لما أراد من طاعاته، ثم ضمن ذلك بالفلاح وهو البقاء الدائم، فاشعر بأن ثَمَّ جزاء، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا. ثانيها: الأصل في مشروعية الأذان قصه عبد الله بن زيد أخرجها أبو داود والترمذي وغيرهما، وهي موضحة فيما خرجته من أحاديث الرافعي وأحاديث الوسيط فراجعها منهما. ثالثها: ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعار الإِسلام، وكلمة التوحيد، والإِعلام بدخول وقت الصلاة، ومكانها، والدعاء إلى الجماعة (٢). رابعها: المشهور عندنا أن الأذان والإِقامة سنته أي سنه [على] (٣) كفاية، وبه قال أبو حنيفة ومالك. وقيل: فرض كفاية، وبه قال أحمد. وقال أهل الظاهر: إنه فرض على الأعيان. وقال بعضهم: إنه فرض مطلقًا على الجماعة سواء كانت الجماعة في حضر أو سفر.

стр. 1137

وقال بعضهم: هو فرض السفر. واختار القاضي أبو الوليد من المالكية (١): أنه واجب على الكفاية في المساجد والجماعات الراتبة، وعلل الوجوب بإقامة الشعار وتعريف الأوقات. قال القاضي عياض: وهو ظاهر قول مالك في الموطأ (٢). وروى الطبري عن مالك (٣): إن ترك أهل [المصر] (٤) الأذان عامدين أعادوا الصلاة. واختلف عند المالكية في المراد بالوجوب السالف، فقيل: معناه وجوب السنن المؤكدة. وقيل: على ظاهره من الوجوب على الكفاية، وتأول قول من قال: إنه سنة. أي ليس من شروط الصلاة لقولهم في ستر العورة وإزالة النجاسة قاله أبو عمر وفي وجه عندنا أنه سنة في غير الجمعة فرض كفاية فيها. وقال ابن المنذر (٥): هو فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر. دون المنفرد، وأكثر أهل العلم على أن من صلى بلا أذان ولا إقامة في حضر أو سفر لا إعادة عليه.

стр. 1138

وقال عطاء ومجاهد (١): فيمن نسي الإِقامة أنه يعيد الصلاة. وقال الأوزاعي (٢): من نسيها فإن كان الوقت واسعًا أعاد وإلَّا فلا. خامسها: ادعى ابن العربي في القبس (٣) أنه ﵇ أذن (٤) وهذا لفظه: "أذن النبي ﷺ وأقام وصلى". فتعين الكل بفعله ثم سقط الوجوب في الأذان عن الفذ وفي ذلك غائلة، فراجعها من تخريجي لأحاديث الرافعي والوسيط وذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث:

стр. 1139

الحديث الأول ٦٦/ ١/ ١١ - عن أنس ﵁ قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإِقامة" (١). [الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وقد تقدم في الاستطابة] (٢). [ثانيها] (٣): بلال هو ابن رباح بالموحدة، مولى الصديق، أمه: حمامة، سكن دمشق، وكان ممن عذب في الله، وهانت عليه نفسه، وهو أول من أذن في الإِسلام، مات سنه عشرين، وهو ابن بضع وستين على أحد الأقوال فيهما، وترجمته مبسوطة فيما أفردته في [الكلام على] (٤) تراجم هذا الكتاب فراجعها منه.

стр. 1140

ثالثها: قوله: "أُمر [بلال] (١) " هو بضم الهمزة وكسر الميم أي أمره بذلك رسول الله ﷺ ، وقد جاء مصرحًا [به] (٢) كذلك في النسائي (٣) وصحيح أبي عوانة (٤) وابن حبان (٥) والحاكم (٦) وزاد إنه على شرط الشيخين. ومثل هذا اللفظ من الصحابي يقتضي الرفع على الصحيح عند [المحدثين] (٧) والأصوليين. وزعم بعضهم أن الآمر بذلك إنما هو أبو بكر وعمر (٨)، وهذا [فاسد] (٩). قال الخطابي (١٠): هذا تأويل فاسد؛ لأن بلال لحق بالشام بعد موت رسول الله ﷺ واستخلف سعد القرظي على الأذان في مسجد رسول الله ﷺ .

стр. 1141

[رابعها] (١): "يشفع" بفتح أوله وثالثه معناه يأتي به مثنى، وهذا مجمع عليه اليوم، وحُكي في إفراده خلاف عن بعض السلف، وأسقط مالك (٢) التكبير في أوله، وجعله مثنى، والترجيع ثابت في بعض نسخ مسلم من حديث أبي محذورة (٣). وهو المشهور أيضًا في حديث عبد الله بن زيد. وقال أبو حنيفة: هو خمس عشرة بإسقاط الترجيع (٤). وحكى الخرقي عن أحمد (٥): أنه لا يرجع.

стр. 1142

واختار بعض أصحاب مالك الترجيع. وذهب البصريون إلى تربيع التكبير الأول، وتثنية الشهادتين والحيعلتين، فيشهد أولًا إلى حي على الفلاح نسقًا، ثم يرجع ثانيًا كذلك، وبه قال الحسن وابن سيرين (١). [خامسها] (٢): قوله: "ويوتر الإِقامة" أي يأتي بها [على] (٣) وتر، ولا يثنيها بخلاف الأذان وفي الصحيحين (٤). "إلَّا الإِقامة"، فإنه يثنيها. والمراد: معظم الإِقامة وتر، وإلّاَ فلفظ التكبير [والإِقامة] (٥) مثنى، وكذلك الأذان مثنى. المراد معظمه، وإلَّا فالتكبير في أوله أربعًا، ولا إله إلَّا الله في آخره مرة. وفي الإِقامة عندنا خمسة أقوال ذكرناها في كتب الفروع. وأصحها وهو مذهب أحمد أنها إحدى عشرة كلمة (٦).

стр. 1143

ومشهور مذهب مالك أنها عشر بإفراد قوله: "قد قامت الصلاة" (١). وقال أبو حنيفة: الإِقامة سبع عشرة كلمة فثناها كلها (٢). وروي ذلك في بعض روايات عبد الله بن زيد (٣)، وهو مذهب شاذ، كما قاله النووي (٤). وقال الخطابي (٥): مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والشام ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإِسلام أن الإِقامة فرادى، وأن مذهب عامة العلماء أنه يكرر قوله: "قد قامت الصلاة" إلَّا مالكًا [فإن] (٦) [المشهور] (٧) عنه أنه لا يكررها. وأورد الشافعي على مالك سؤالًا لا جواب عنه، فقال له: إن كنت تحقق الإِفراد فاقتصر على التكبيرة الواحدة، ولا تعد إليها بعد الإِقامة.

стр. 1144

[نعم مالك] (١) [أيد] (٢) مذهبه في ذلك [وغيره] (٣) يعمل أهل المدينة ونقلهم، [وجعله أقوى] (٤)، لأن طريقة النقل والعادة في مثله تقتضي شيوع العمل، [وأنه لو كان بغيره لعمل به] (٥). وقد اختلف أصحاب مالك في أن إجماع المدينة حجة مطلقًا في مسائل الاجتهاد، أو يختص ذلك بما طريقه النقل [والأثار] (٦): كالأذان، والإِقامة، والصاع، والمد، والأوقات، وعدم أخذ الزكوات. من الخضروات. [وقال] (٧) بعض المتأخرين من [المالكية] (٨): الصحيح التعميم. قال الشيخ تقي الدين: وما قاله غير صحيح عندنا جزمًا، ولا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء، إذ لم يقم دليل على عصمة بعض الأئمة، نعم طريقة النقل إذا علم اتصاله، وعدم تغيره، واقتضت العادة من صاحب الشرع -ولو بالتقدير عليه- فالاستدلال به قوي يرجع إلى أمر عادي.

стр. 1145

سادسها: قد يستدل بهذا الحديث على وجوب الأذان من حيث أنه إذا أمر بالوصف لزم أن يكون [الأصل] (١) مأمورًا به، وظاهر الأمر الوجوب. وقد سلف الخلاف في ذلك في مقدمات أول الباب. سابعها: الحكمة في إفراد الإِقامة وتثنية الأذان، أن الأذان [لإِعلام] (٢) الغائبين، فيكرر ليكون أبلغ في إعلامهم، والإِقامة للحاضرين فلا حاجة إلى تكرارها، ولهذا يكون صوته في الإِقامة دونه في الأذان، وإنما كرر لفظ الإِقامة خاصة؛ لأنه مقصود الإِقامة. خاتمة: يحترز من أغاليط المؤذنين في أشياء. أولها: مد الهمزة من أشهد فيخرج إلى الاستفهام. ثانيها: مد الباء من أكبر فينقلب المعنى إلى جمع كبر وهو الطبل. ثالثها: الوقف على إله ويبتدىء إلَّا الله فهو كفر. رابعها: إدغام الدال من محمد ﷺ في الراء من رسول الله وهو لحن خفي عند القراء. خامسها: أن [النطق] (٣) بالهاء من الصلاة فتركها يبقى دعاء إلى النار. ذكر هذه الخمسة صاحب الذخيرة.

стр. 1146

سادسها: أن يبدل هاء الصلاة حاء زاد الماوردي. سابعها: وهو إخفاؤهم الشهادتين حتى لا تسمع، قال: وهو غلط؛ لأنه إخلال بالمقصود من الأذان الذي هو الإِسماع. قلت: وثامنًا: وهو أن يضم الراء في أكبر الأولى وإنما يفتحها ويسكن الثانية، وفي هذا غائلة ذكرتها في "شرحي المنهاج" فليراجع منه.

стр. 1147

الحديث الثاني ٦٧/ ٢/ ١١ - عن أبي جحيفة- وهب بن عبد الله السوائي ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ وهو في قبة حمراء من آدم- قال: فخرج بلال بوضوء، فمن ناضح ونائل، قال: فخرج النبي ﷺ وعليه حلة حمراء، كأني انظر إلى بياض ساقيه، فتوضأ، وأذّن بلال. فجعلت أتتبع فاه (١). ها هنا وها هنا، يقول -يمينًا وشمالًا-: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، ثم ركزت له عَنَزَةً، [فتقدم] (٢). فصلى [الظهر ركعتين، ثم صلى العصر ركعتين ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى] (٣) المدينه" (٤). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه، والمشهور في اسمه واسم أبيه ما

стр. 1148

ذكره المصنف، وكان علي ﵁ يسميه: وهب الخير، ووهب الله، له صحبة ورواية، روى خمسة وأربعين حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، نزل الكوفة وابتنى بها دارًا، قيل مات النبي ﷺ ولم يبلغ الحلم، جعله علي ﵁[على] (١) بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، وكان إذا تعش لا يتغدى، وإذا تغدى لا يتعشى. قال أبو عمر: مات في [إمارة] (٢) بشر بن مروان بالكوفة. وقال الشيخ تقي الدين (٣): مات سنة أربع وسبعين. والسُوَائي: بضم السين والمد- نسبة إلى سواءة بن عامر بن صعصعة كذا رأيته في الأنساب للسمعاني (٤)، وكذا ذكره الشيخ تقي الدين في الشرح وغيره ووقع في "شرح ابن العطار" [أنها] (٥) نسبة إلى بني سواه. ثانيها: "القبة": أصلها في البناء وشُبه الأديم وغيره به، والجمع: قبب، وقباب، وهي شيء يحمل من خشب مُقبًا وهو ضيق الرأس معروف ونعني [بالأدم] (٦) المصبوغ بالحمرة.

стр. 1149

وقوله: "حمراء" [وصفها] (١) بذلك، وهو من باب وصف الشيء بما ظهر [ورُئِيَ] (٢). وهو أحسنه. ثالثها: "الأدم": الجلد جمع أديم وأدمه، وهو جمع نادر، وربما سُمِّي وجه الأرض: أديمًا. رابعها: "الوضوء": هنا بفتح الواو لا غير، وقد تقدم ذلك، قال الشيخ تقي الدين: أطلقه على الماء المعد للاستعمال، لأنه لم يستعمله بعد، لقوله بعد ذلك: "فتوضأ فأذن بلال" وفي هذا شيء ستعرفه بعد، وقد قدمنا فيما مضى عن الشيخ تقي الدين: أنه قال الأقرب إلى الحقيقة، أن الوضوء بالفتح هو الماء بقيد كونه مستعملًا في أعضاء الوضوء، فهنا صرفه [عن] (٣). الحقيقة لأجل المذكور بعد. خامسها: قوله: "فخرج بلال" أي من القبة "بوضوء" أي بفضل الماء الذي توضأ به [﵇] (٤). وفي البخاري (٥) "أخذ وضوء رسول الله ﷺ " قيل: ولا ينبغي

стр. 1150

أن يحمل ذلك على الساقط من أعضائه [﵇] (١). لأنه ليس من عادته أن يتوضأ في إناء يسقط [فيه] (٢) الماء المنفصل عن الأعضاء ويجمع ذلك في إناء بل كان يتوضأ على الأرض. قلت: حديث جابر بن عبد الله قال: "جاء رسول الله ﷺ يعودني، وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، وصب من وضوئه عليَّ" أخرجه البخاري (٣) ومسلم وفي حديث صلح الحديبية (٤) من رواية المسور ومروان: "ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة يومئذ إلَّا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه" رواه البخاري بطوله يدل بظاهره على التوضُىءِ في الإِناء فلِمَ لا يحمل [عليه]؟ (٥). سادسها: النضح: الرش كما تقدم مبسوطًا في باب المذي وغيره. سابعها: قوله: "فمن ناضح ونائل" فيه إضمار تقديره: فتوضأ، فمن الناس من ينال من وضوئه شيئًا، ومنهم من ينضح عليه غيره شيئًا مما ناله، ويرش عليه بللًا مما حصل له تبركًا بآثاره ﷺ ، وكلاهما قد ورد مبينًا في الصحيح.

стр. 1151

ففي رواية، "ورأيت بلالًا أخرى وضوءًا فرأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئًا يمسح به، ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه"، ففيه التبرك (١) بآثار الصالحين والتماس خيرهم وبركتهم. وفيه شدة تعظيم أصحابه له وإجلالهم لمكانه [وعظيم] (٢) حقه وعظم الحرص على نيل بركته، وكانوا عنده كأنما على رؤوسهم الطير إذا تكلم أنصتوا، وإذا تنخم أو توضأ بادروا كما سلف قريبًا، وذلك بعض ما يجب من إعظامه وإجلاله، وكيف لا! وقد أنقذهم من النار، وأبعدهم عن دار البوار، وما أحسن قول القائل: ولو قيل لمجنون ليلى ووصلها ... تريد أم الدنيا وما في طواياها لقال غبار من تراب نعالها ... أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها ثامنها: "الحلة": ثوبان [غير ملفقين] (٣) إزار ورداء. وسميا بذلك لأن كل واحد يحل على الآخر. قال أهل اللغة: ولا يقال: حلة لثوب واحد. قال البطليوسي (٤): إلَّا أن يكون له بطانة.

стр. 1152

وقال بعضهم: لا يقال له حلة حتى تكون جديدة يحلها عن طيها (١). وفي سنن البيهقي في الجنائز: "الحلة ثوبان أحمران غالبًا" (٢) وظاهر هذا الحديث يشهد له، لكن لم أر من أهل اللغة [من قيدهما] (٣) بالحمر. وقال أبو عبيد (٤): الحلل برود اليمن. والدليل على أن الحلة لا تكون إلَّا ثوبان ما ثبت في الحديث أنه [﵇] (٥) رأى رجلًا عليه حلة إئتزر بإحداهما وارتدى بالأخرى. [تاسعها] (٦): قوله: "كأني انظر إلى بياض ساقية" إن قلت من صفاته: إنه ليس بالأبيض الأبهق فإذا نفى عنه البياض، فكيف يوصف به؟!

стр. 1153

الجواب: أنه ليس [المنفي] (١) عنه مطلق البياض، فإنما نُفيَ عنه البياض المقيد بالمهق. [والأمهق] (٢): هو الشديد البياض، لا يخالطه شيء من الحمرة، وليس بنير، ولكن كون الجص ونحوه. كذا ذكره أهل اللغة، وفي رواية الحاكم (٣) في مستدركه: "كأني انظر إلى [بريق] (٤) ساقيه". [عاشرها]: فيه دليل على تقصير الثياب، وهو أحد ما قيل في تفسير قوله تعالى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ (٥) فيكون من باب تسمية الشيء بلازمه إذ يلزم من تقصيرها تطهيرها، وقد جاء [أنه] (٦) أنقى وأتقى (٧). الحادى عشر: فيه دليل على أن الساق ليس بعورة، وهو

стр. 1154

إجماع من الرجل؛ لكن إن نظر [إليهما] (١) بشهوة فهو حرام إجماعًا كسائر ما ينظر إليه من المحرمات. الثاني عشر: قوله: "فتوضأ، وأذَّن بلال" في ظاهره إشكال وذلك أنه قد تقدم قوله: "فخرج بلال بوضوء" وقد قالوا: إن الوضوء ها هنا فضلة ماء وضوئه ﷺ ولذلك ابتدره الصحابة [وازدحموا] (٢) عليه تبركًا به كما تقدم، وقد جاء مبينًا في الرواية الأخرى، "فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه"، فكيف يقال بعد هذا فتوضأ؟! وقد أجاب القاضي (٣) عن هذا الإِشكال: بأن فيه تقديمًا وتأخيرًا. التقدير: فتوضأ رسول الله ﷺ فخرج بلال بوضوءه وليس بظاهر لأن التقديم والتأخير وإن كان خلاف الأصل لا يكون مع التكرار جزمًا. قيل: وأقرب ما [يقال] (٤) في ذلك والله أعلم: أن الوضوء الذي خرج به بلال يجوز أن يكون به فضلة وضوء له متقدم، ثم لما خرج توضأ لهذه الصلاة التي أذن لها بلال، قال قائل: هذا، وهذا أقل تكلفًا مما تقدم، إذ لا يلزم أن يكون الوضوء الذي خرج به بلال لهذه الصلاة ولا بد، ويحتمل أن يكون لها لكن عرض

стр. 1155

[له] (١) [﵇] (٢) بعد وضوئه ما أوجب إعادة الوضوء إما وجوبًا لحدث أو [اختار التجديد] (٣) وهذا ليس بقوي عندي، والظاهر أن قوله "فتوضأ" أي فتوضأ بلال لأجل الأذان ولا حاجة إلى ادعاء التقديم والتأخير ولا إلى التكلف السابق والله أعلم. ويبعد حمل الوضوء الأول على اللغوي، وهو إدخال اليد في الإِناء. الثالث عشر: قوله: "فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا" معناه أتتبع فاه في حال التفاته يمينًا وشمالًا يقول: "حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح". [وهنا] (٤): ظرف مكان، ويتصل بآخرها حرف الخطاب، فيقال: "هناك" زيدت عليه [هاء] (٥) التنبيه كزيادتها على اسم الإِشارة نحو "هذا". وهنا: مبنيّ لتضمنه معنى حرف الإِشارة تقديرًا، إذ لا وجود له لفظًا. [و] (٦) فيها ثلاث لغات: ضم الهاء، وتخفيف النون كما هو في الحديث، وفتح الهاء

стр. 1156

مع تشديد النون وكسرها مع ذلك، وهو أقلها ومثلها من ظروف المكان المشار بها، ثم بفتح الهاء [لكنها] (١) لا يشار بها إلَّا لما بعد من الأمكنة بخلاف [هنا] (٢) فإنها لما قرب خاصة. الرابع عشر: قوله: "يمينًا وشمالًا" هما بدل من قوله "ها هنا وها هنا" ويجوز أن يكون منصوبين بإضمار أعني، مفعولين على التبعية. الخامس عشر: فيه دليل على جواز استدارة المؤذن للإِسماع عند الدعاء إلى الصلاة، وهو وقت التلفظ بالحيعلتين. وقوله: "يقول حي على الصلاة، حي على الفلاح" يبين وقت الاستدارة وأنه وقت الحيعلتين، كذا ذكره الشيخ تقي الدين (٣)، لكن ظاهر الحديث استدارة الرأس والعنق فقط لا استدارة جميع البدن، ويؤيده رواية (٤) أبي داود بعد ذلك: "ولم يستدر" وفي النسائي (٥): "ينحرف يمينًا وشمالًا" وفي صحيح ابن خزيمة (٦) "فيتبع

стр. 1157

بفيه ووصف سفيان [يميل] (١) برأسه يمينًا وشمالًا" نعم في ابن ماجه (٢) "فاستدار في أذانه" وفيها حجاج بن أرطأة وفي مسند الدارمي (٣): "فرأيته يدور في أذانه". وفي صحيح الحاكم (٤): "رأيت بلال يؤذن، ويدور، ويتبع فاه ها هنا وها هنا" ثم قال الحاكم: لم يذكر البخاري ومسلم الاستدارة في الأذان، وهو سنته مسنونة صحيحة على شرطهما. وأما البيهقي (٥) فإنه لم يصحح رواية الاستدارة، كما ذكرت كلامه بطوله في تخريجي لأحاديث الرافعي، وليس هذا موضع ذكره فراجعه منه. وقد جوز مالك [دورانه] (٦) [للاسماع] (٧) مطلقًا فيما يظهر من

стр. 1158

كلام القاضي عياض (١)، قال: ويكون مستقبل بقدميه وهو اختيار الشافعي أي: وإنما يلوي رأسه وعنقه وفي البلد الكبير وجه عندنا في جواز الاستدارة. حكاه الماوردي (٢). واختلف في كيفية التفاته على مذاهب، وهي أوجه لأصحابنا: أصحها: أنه يلتفت في الحيعلتين الأولى: يمينًا، والثانية: شمالًا. والثاني: يقسمان للجهتين: والثالث: يلتفت يمينًا [فيحيعل] (٣) [ثم يلتفت فيحيعل] (٤)، ثم يستقبل، ثم يلتفت فيحيعل، وكذلك الشمال. قال الشيخ تقي الدين: والأقرب إلى لفظ الحديث [هو] (٥) الأول. قلت: وهو محتمل للوجه الثاني والثالث أيضًا فليتأمل. السادس عشر: قوله: "حى على الصلاة، حى على الفلاح" معناه تعالوا إلى الصلاة تعالوا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء الدائم، يقال: حي على كذا، أي: هلمّ وأقبل، ويقال: حي علا وحي هلا وحي هلا وحي على كذا وحي إلى كذا [وحي] (٦) [هل] (٧) منصوبة

стр. 1159

مخففة مشبة بخمسة عشر وحي [هل] (١) بالسكون لكثرة الحركات وتشبيهًا بصه ومه [وحي هل] (٢) بسكون الهاء [وحي هَلَن وحي هلن] (٣). وذكر الزمخشري (٤) لغة أخرى وهي [حَيَهَلَا] (٥) بتخفيف الياء. وقد نظم ابن مالك معظم لغاته في بيتٍ (٦). فقال: حيَّهلُ حيهلَ احفظ ثم حيهلَا ... أو نون أو حيهل ثم قل حي علا وهي كلمة استعجال مولدة ليست من كلام العرب، لأنه ليس في كلامهم كلمة واحدة فيها حاء وعين مهملتان. وقيل: معنى حي هلم، وهلا: حثيثًا (٧).

стр. 1160

وقيل: هلا أسرع [جعلا] (١) كلمة واحدة. وقيل: هلا أسكن. وحي: أسرع. وقيل: حي أعجل أعجلا، وهلا: صلة. السابع عشر: قوله: "ثم ركزت له عنزة" أي أثبتت له في الأرض. يقال: ركزت الشيء، أركزه بضم الكاف في المستقبل ركزا وأثبته، وتقدم بيان العنزة في الاستطابة، وأن المصنف، قال: إنها الحربة. وذكر مقالة غيره فيها أيضًا. وقال المحب الطبري في "أحكامه": في باب: استحباب السترة. العنزة: مثل نصف الرمح، والعكازة قريب منها، قال: والظاهر أن هذه العنزة هي التي قتل بها الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص يوم بدر، فإن في البخاري (٢) من حديث عروة به الزبير عن أبيه أنه "لما قتله بها سأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه [فلما] (٣) قبض أخذها، [ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أخذها، ثم سأله إياها عمر فأعطاه، فلما قبض أخذها] (٤)، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل".
следующие страницы →