← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثانيها: ذكر القرافي ﵀ أن الرسالة أفضل من النبوة، فإنَّها ثمرة هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي فنسبتها إلى النبوة كنسبة العالم للعابد، وكأن الشيخ عز الدين بن عبد السلام يذهب إلى تفضيل النبوة لشرف المتعلق؛ لأن المخاطب بها الأنبياء والمخاطب بالرسالة الأمة، والأنبياء أفضل من الأمة. ثالثها: الرسالة والنبوة ليستا [بصفتين] (١) مكتسبتين للرسول والنبى خلافًا للفلاسفة. رابعها: من الغريب ما قاله الحليمي (٢): أن الإيمان يحصل بقول الكافر (آمنت بمحمد النبى دون محمد الرسول) وعلله بأن النبي لا يكون إلَّا لله، والرسول قد يكون لغيره (٣)، وكأنه أراد أن لفظ الرسول يستعمل عرفًا في غير الرسالة إلى الخلق، بخلاف النبوة فإنها لا تستعمل إلَّا في النبوة الشرعية دون اللغوية. خامسها: جملة الأنبياء مع المرسلين مائة ألف وأربعة

стр. 107

وعشرون ألفًا، وكلهم ذكران إلَّا أم موسى وعيسى وإسحاق وحوى وآسية، على اختلاف في نبوتهن، قاله [بعضهم] (١). قال القرطبي (٢): وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ في النساء أربع نبيات حوى وآسية وأم موسى ومريم"، قال: والصحيح أن مريم كانت نبية (٣)؛ لأن الله أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر الأنبياء، ويؤيده الحديث المذكور، ذكر هذا الحديث في أوائل سورة الأنبياء وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] (٤)، أي اختارك لولادة عيسى. وقيل: اصطفاك على نساء العالمين أجمع إلى يوم النفخ في الصور، قال: وهو الصحيح والكمال المذكور في حديث: "كَمُل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون (٥)، قيل: إنه بالنبوة وإنهما نبيتين، قال: والصحيح أن مريم نبية (٦).

стр. 108

وقال النووي: لم يثبت كونها نبية، وكذا لم تثبت نبوة لقمان أيضًا، وحكى بعضهم خلافًا في نبوة أم عيسى وأم موسى وأم إسحاق والخضر، والحواريين وإخوة يوسف وذي القرنين. قال صاحب "الشفا" (١): وجميع المرسلين ثلاثمائة وثلاثة عشر، ونبينا محمد ﷺ ختمهم بثلاثمائة وأربعة عشر. قال غيره: وفي حروف اسمه تنبيه على ختم الرسل به لاشتمالها على عددهم، فإذا فككت الحروف ونطقت بكل حرف على انفراده وجمعت الأصول وما تولد عنها وجدتها ثلاثمائة وأربعة عشر حرفًا، فإن فيها ثلاث ميمات إذ الحرف المشدد بحرفين وكل واحد منها بثلاثة أحرف إذا نطقت، به ميمان وياء، عدد كل ميم أربعون، والياء عشرة، فكل ميم من تسعين حرفًا، وتسعون في ثلاثة مائتين وسبعين، والحاء من حرفين الحاء بثمانية والألف بواحد جاءت تسعة، والدال من ثلاثة أحرف بخمسة وثلاثين؛ لأن الدال بأربعة والألف بواحد واللام بثلاثين، والمجموع ثلاثمائة وأربعة عشر فهو ﷺ خاتم [الأنبياء] (٢) لاشتمال اسمه على عددهم (٣). وأولو العزم منهم خمسة، نبينا محمد ﷺ ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. وكلهم عجم إلَّا نبينا، وإسماعيل، وهود، وصالح، وشعيب. وكلهم من بني اسرائيل أولهم يعقوب وآخرهم

стр. 109

عيسى [إلَّا شيث] (١)، وإدريس، ونوحًا، وأولاده: (سام، وحام، ويافث)، وإبراهيم، وإسحاق، زاد بعض المفسرين: وكلهم وحيهم رؤيا إلَّا أولو العزم فإن وحيهم وإن رؤيا ويقظة، ولم ينزل كتب إلَّا [على] (٢) ثمانية: آدم، وشيث، وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى، ونبينا، محمد ﷺ . وأما "المصطفى": فهو من الصفوة وهي الخلوص. "والمختار": أصله مختير فهو ﵊ أفضل المخلوقات، ومذهب أهل السنة (٣) أن النوع الإنساني أفضل من نوع الملائكة خلافًا للمعتزلة، وما يعزى إلى بعضهم من تفضيل الولي على النبي فقد تأوله هو أو غيره بأن كل نبي ولي قطعًا وهو من حيث إنه ولي أفضل من حيث إنه نبي؛ لأن ولايته وجهته إلى الحق ونبوته وجهته إلى الخلق، وفيه مع ذلك ما لا يخفى من الاستشباع من جهة الإِطلاق. وذكر الحليمي في "منهاجه": أن الأنبياء لا بدَّ أن يخالفوا غيرهم في القوى الجسمانية والروحانية. قال ﵀: "وعلى آله وصحبه الأطهار". أما الآل فقال النحاس (٤): أصله: أهل ثم أبدلت من الهاء ألفًا فإن صغَّرته رددته

стр. 110

إلى أصله فقلت: أهيل. وقال المهدوي: أصله أول وقيل [أهل] (١) قلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفًا وجمعه ألون وتصغيره أويل، فيما حكى الكسائي وحكى غيره: أهيل، وقد ذكرناه عن النحاس واختلف في حقيقته على أقوال كثيرة أصحها عند الشافعي ﵁ (٢) بنو هاشم وبنو المطلب. ثانيها: عترته وأهل بيته. ثالثها: جميع الأمة، واختاره الأزهري وغيره من المحققين (٣). رابعها: أنهم أهل البيت [زوجاته] (٤) خاصة، قاله ابن عباس وغيره وذهبوا إلى أن البيت أريد به ساكنه، وصحح ابن الفركاح دخول زوجاته في أهل بيته، والخلاف عند أحمد أيضًا. وقالت الرافضة: آله فاطمة والحسن والحسين فقط. وقال القاضي عياض (٥): وقيل: إنه نفس محمد ﷺ ، ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صل على آل محمد.

стр. 111

وعبارة الإِمام الشافعى ﵁ على ما نقله البيهقي (١) فيما جمعه من كلامه في أحكام القرآن (٢)، قال: قال الشافعي ﵁ (٣) اختلف الناس في آل محمد فقال [قائلون] (٤): آل محمد أهل دينه، وقال قائل: أزواجه، وذهب ذاهبون إلى أنهم قرابته التي ينفرد بها دون غيرها من قرابته، واستدل الشافعى بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ (٥)، وأجاب عنه، وهذا يؤخذ منه أنه لا فرق بين الآل والأهل وهو وجه الشافعية في الوصايا. واستدل للثاني: بأنه مطلق. وأجاب: [بأنه] (٦) بقرينةٍ، وللثالث: بقوله عليه [الصلاة] (٧) والسلام: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا آل محمد" وبالآية الكريمة، وإعطائه بني هاشم وبني المطلب وهم الذين أمر الرسول ﷺ بالصلاة عليهم معه، والذين

стр. 112

اصطفاهم الله من خلقه بعد نبيه فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ (١) فاعلم: أنه اصطفى الأنبياء وآل الأنبياء صلى الله عليهم. تنبيهان: الأول: الصواب إضافة "آل" إلى المضمر؛ لأن السماع الصحيح يعضده (٢). الثاني: هل تضاف "آل" إلى البلدان فيقال: "آل المدينة"؟ جوزه الأخفش ومنعه الكسائى. وأما: "الصحب" فهو جمع صاحب كركب وراكب، وهو كل مسلم رآه رسول الله ﷺ ، هذا هو المختار في حده، ويدخل في هذا [التفسير] (٣) ابن أم مكتوم الأعمى وغيره، وقد حكيت في "المقنع في علوم الحديث" ستة أقوال في حده فراجعها منه وهو كتاب جليل نفع الله به (٤). ثم اعلم أن بين "الآل" و"الصحب" عمومًا وخصوصًا من وجه؛ وإن التابعي الذي من بني هاشم وبني المطلب من الأول وليس من الثاني، وسلمان الفارسي مثلًا بالعكس فلذلك حَسُنَ عطفهم عليهم.

стр. 113

"والأطهار": جمع طاهر، ذكره ابن سيده، وهو نادر كجاهل وأجهال. والتطهر: التنزه عما لا يحل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (١). أي من المعاصي والأفعال المحرمة. قال: "أما بعد: فإن بعض إخواني سألني اختصار جملة من أحاديث الأحكام مما اتفق عليه الإِمامان محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ومسلم بن الحجاج". معنى أما بعد: أما بعد ما سبق وهو الحمد والصلاة. قال ابن بطال: هو فصل بين الثناء على الله وبين ابتداء الخبر الذي يريد [الخطيب] (٢) إعلامه، وبدأ بها؛ للأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ كان يقولها في خطبه وشبهها، رواه عنه خمسة وثلاثون صحابيًا عددتهم في كتاب "الإِشارات إلى ما يتعلق بالمنهاج من الأسماء والمعاني واللغات"، وفي المبتدىء [بها] (٣) خمسة أقوال: أحدها: داوود. ثانيها: قس بن ساعدة. ثالثها: كعب بن لؤي، وهذه شهورة.

стр. 114

رابعها: يعرب بن قحطان، حكاه النووي في شرح مسلم في كتاب الجمعة. خامسها: سحبان بن وائل وهو القائل: لقد علم الحي اليمانيون أنني ... إذا قلت أما بعد أني خطيبها قال الزناتي: في "شرح رسالة ابن أبي زيد": وفي ضبطها أربعة أوجه: ضم الدال وفتحها ورفعها منونة وكذا نصبها. وقوله: "بعض إخواني" يحتمل أن يكون أخًا حقيقة، والظاهر أنه عني به: من المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١). وفي سنن أبي داود من حديث زيد بن أرقم مرفوعًا: "اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة" (٢). "والاختصار": مشتق من الخصر، والخصر سرة الشيء وخلاصته، والاختصار: إيجاز اللفظ مع استيفاء المعنى، ومراده أن البخاري ومسلمًا اشتملا على جمل من التوحيد والأحكام والآداب والفضائل والمواعظ والقصص وغير ذلك، فاختصر جملة من الأحكام دون غيرها. والفرق بين الاختصار والإِيجاز: أن الإِيجاز حذف طول الكلام، والاختصار حذف عرضه، كذا سمعت من يذكره. وعبارة بعضهم أن الإِيجاز: تجريد المعنى من غير رعاية للفظ

стр. 115

الأصل بلفظ يسير، والاختصار: تجريد اللفظ اليسير من الكثير مع بقاء المعنى. "والأحادث": [قيل] (١) هي جمع أحدوثة قياسًا على جمع أعجوبة وأعاجيب، وقيل: جمع حديث فيكون جمعًا على غير [قياس] (٢). والحديث لغة: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظة أو نوم. وفي الاصطلاح: كلام الرسول غير المتلو قرآنًا فتندرج الأحاديث المروية عن ربه ﵎: كما في ليلة الإسراء والرؤيا. وأحسن من هذا الحد: ما نسب إلى الرسول ﷺ قولًا أو فعلًا أو إقرارًا (٣). وقوله: "مما اتفق عليه الإمامان" قد خالف هذا الشرط فخرج أحاديث انفرد البخاري بها تارة، ومسلم أخرى، نعم هي قليلة كما ستقف عليها في مواطنها من هذا الشرح إن شاء الله تعالى (٤)

стр. 116

وقد أفردتها مجموعة في فصل [مفرد] (١) في معرفة رجال هذا الكتاب. فصل: في معرفة [حال] (٢) الإمام البخاري ﵁ فإن المصنف قد تعرَّض له: هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم [البخاري] (٣) ابن المغيرة بن يَزْدِزْبَه. ويقال [بَرْدِزْبَه] (٤) كذا ضبطه أولًا ابن خلكان عن بعضهم، ثم نقل الثاني عن ابن ماكولا، قال -أعني ابن ماكولا- هو بالبخارية، ومعناه بالعربية: الزرّاع، وقال ابن دحية في كلامه على حديث "إنما الأعمال بالنيات": قال لي أهل خراسان بعد أن لم يرفوا معنى [هذه] (٥) اللفظة: يقال

стр. 117

للفلاحين [بالفارسية] (١): برزكر، بباء موحدة ثم راء مهملة وزاي معجمة مكسورة وكاف غير صافية، وراء مهملة. وهو لقب لكل من سكن البادية زراعًا كان أو غيره. وقيل: إنه ابن المغيرة بن الأحنف الجعفي (٢) مولاهم ولاء الإِسلام؛ لأن جده المغيرة أسلم على يد يمان البخاري الجعفي والي بخارى (٣). الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، كتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر، عن [أبي] (٤) نعيم والفريابي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وخلق يزيدون على ألف وروى عنه الترمذي والنسائي فيما قيل ومسلم خارج الصحيح، وإبراهيم الحربي، وأبو زرعة محمد بن نصر المروزي، وصالح بن محمد جزره، ومطين، وابن خزيمة. قال الخطيب: آخر من حدَّث عن البخاري ببغداد الحسين بن إسماعيل المحاملي. قال النووي: وصحيحه متواتر عنه، وأشتهر عنه من رواية الفِرَبْرىِّ روينا عن أبي عبد الله الفربري: قال: سمع الصحيح من أبي عبد الله تسعون

стр. 118

ألف رجل فما [بقي] (١) أحد يرويه غيري. قال الذهبي: وآخر من روى عنه صحيحه منصور بن محمد البَزْدويُّ وآخر من زعم أنه سمع منه أبو [ظهيرة] (٢) عبد الله بن فارس البلخي المتوفى ستة ست وأربعين وثلاثمائة، ورواه -أعني صحيحه- عن الفربري خلائق منهم أبو محمد الحموي، وأبو زيد المروزي، وأبو إسحاق المستملي وأبو الحسن علي بن أحمد الجرجاني، وأبو الهيثم محمد بن مكي الكشميهيني، وأبو بكر إسماعيل بن محمد [الكشاني] (٣)، وأحمد بن محمد بن متّ بفتح الميم وتشديد المثناة فوق، وآخرون. ورواه عن كل واحد من هؤلاء جماعات وأشتهر الآن عن أبي الوقت عن [الداروردي] (٤) عن الحموي عن الفربري عن البخاري. قال الحسن بن الحسين البزار: رأيت البخاري شيخًا نحيفًا ليس بالطويل ولا بالقصير. ولد بإجماع بعد صلاة الجمعة لثلاث عشر خَلَت من شوال ستة أربع [وتسعين] (٥) ومائة، وأجمعوا على أنه توفي ليلة السبت عند صلاة العثساء ليلة الفطر، ودفن يوم الفطر بعد الظهر ستة ست وخمسين ومائتين ودفن بخَرْتَنك، قرية على فرسخين من سمرقند.

стр. 119

قال محمد بن أبي حاتم النحوي ورّاق البخاري: قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك؟ قال: أُلهمت حفظ الحديث في الكتاب ولي عشر سنين أو اقل ثم خرجت من الكتاب [بعد العشر] (١) فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره (إلى آخر الحكاية). وروينا عن الفربري قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال: أين تريد؛ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: أقرئه مني السلام. وعنه أيضًا: سمعت محمدًا البخاري يقول: رأيت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في النوم خلف النبي ﷺ والنبي ﷺ يمشىي كلما رفع قدمه وضع البخاري قدمه في ذلك الموضع. وعن محمد بن حمدويه قال: سمعت البخاري يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحح ومائتين ألف حديث غير صحيح. وعن الإمام أحمد قال: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل [البخاري] (٢). وعنه قال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان: أبو زرعة الرازي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي -يعني الدارمي- والحسن بن شجاع البلخي. وعن الحافظ أبي علي صالح بن محمد جزره، قال: ما رأيت خراسانيًا أفهم منه، وقال: أعلمهم بالحديث البخاري، وأحفظهم أبو زرعة وهو أكثرهم حديثًا. وعن محمد بن بشار قال:

стр. 120

حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة (١) بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد الله الدارمي بسمرقند، والبخاري ببخارى. وعنه قال: ما قدم علينا مثل البخاري. وعنه أنه قال حين دخل البخاري البصرة: دخل اليوم سيد الفقهاء. وعنه أنه حين قدم البخاري البصرة قام إليه فأخذ بيده وعانقه وقال: مرحبًا بمن أفتخر به منذ سنين. وعن إسحاق بن أحمد بن خلف قال: سمعت البخاري غير مرة يقول: ما تصاغرت نفسي عند أحد إلَّا عند علي بن المديني. وذكر لعلي بن المديني (٢) قول البخاري هذا فقال: ذروا قوله، هو ما رأى مثل نفسه. وعن محمد بن عبد الله بن نمير وأبي بكر بن أبي شيبة قالا: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل. وعن عمرو بن علي الفلاس قال: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. وعن عبد الله: قال: ما رأيت شابًا أبصر من هذا، وأشار إلى البخاري، وعن عبد الله بن محمد المسندي -بفتح النون- قال: محمد بن إسماعيل إمام فمن لم يجعله إمامًا فاتهمه. وعن الدارمي قال: رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام ومصر والعراق فما رأيت منهم أجمع من أبي عبد الله البخاري. وعن أبي سهل محمود بن النضر قال: دخلت البصرة والشام

стр. 121

والحجاز والكوفة ورأيت علماءها وكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري فضّلوه على أنفسهم. وعن علي بن حجر قال: أخرجت خراسان ثلاثة: أبا زرعة والبخاري والدارمي، قال: ومحمد عندي أعلمهم وأبصرهم. وعن أبي حامد الأعمش قال: رأيت محمد بن إسماعيل البخاري في جنازة ومحمد بن يحيى -يعني الذهلي- يسأله عن الأسماء والكنى وعلل الحديث وعرَّفها البخاري مثل السهم كأنه يقرأ (قل هو الله أحد). وعن حاشد -بالشين المعجمة- بن إسماعيل قال: رأيت إسحاق بن راهويه جالسًا على السرير ومحمد بن إسماعيل معه فأنكر محمد بن إسماعيل شيئًا فرجع إسحاق إلى قول محمد، وقال إسحاق: يا معشر أصحاب الحديث اكتبوا عن هذا الشاب فإنه لو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج إليه لمعرفته بالحديث وفقهه. وعن أبي عمرو الخفاف قال: حدثني محمد بن إسماعيل البخاري التقي النقي العالم الذي لم أر مثله. وعن الترمذي قال: لم أرى بالعراق وخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل. وعن عبد الله بن حماد الأيلي قال: وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل. وعن محمد بن يعقوب الحافظ عن أبيه قال: رأيت مسلم بن الحجاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبي المتعلم. وعن مسلم بن الحجاج أنه قال للبخاري: لا يبغضك إلَّا حاسد وأشهد أنه

стр. 122

ليس في الدنيا مثلك. وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور بإسناده عن أحمد بن حمدون قال: جاء مسلم بن الحجاج إلى البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ويا طبيب الحديث في علله. وروينا عن حاشد بن إسماعيل قال: وإن أهل المعرفة من أهل البصرة يَعْدُونَ خلف البخاري في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق ويجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه، وكان البخاري إذ ذاك شابًا لم يخرج وجهه. وعن أبي بكر الأعين قال: كتبا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة. وعن الحافظ صالح بن محمد جزرة قال: كان البخاري يجلس ببغداد وكنت أستملي له ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا. وعن محمد بن يوسف بن عاصم قال: كان لمحمد بن إسماعيل ثلاثة مستملين واجتمع في مجلسه زيادة على عشرين ألفًا. وقال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ منه. ومناقبه ﵁ جَمَّة أفردت بالتصنيف فلنقتصر على هذا القدر منها. فائدة: قدمنا أن البخاري ﵁ أمير المؤمنين في الحديث، وقد شاركه في ذلك جماعة أفردهم الحافظ أبو علي الحسن بن محمد البكري في كتابه (التبيين لذكر من يسمى بأمير

стр. 123

المؤمنين) ومن خطه نقلت، قال وأول من [تسمَّى بأول] (١) بهذا الاسم فيما أعلمه وشاهدته ورويته وسُمي بالإمام في أول الإِسلام: أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وبعده امام دار الهجرة مالك بن أنس، ثم عد بعدهما: محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، والواقدي، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والبخاري، والدارقطني، وذكر فيه أن أبا إسحاق الشيرازي أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء نقلًا عن الحنفي إمام أصحاب الرأي ببغداد، هذا مجموع ما ذكر في تأليفه، وأغفل أبا نعيم الفضل بن دكين الملآئي الكوفي، فإن الحاكم في تاريخ نيسابور قال: حدَّثني محمد بن عبد الوهاب قال: سمعت بالكوفة يقولون: أمير المؤمنين في الحديث وإنما يعنون [أبا نعيم] (٢) الفضل بن دكين بعلمه بالحديث. وقد قدمنا في ترجمة المصنف أن الضياء المقدسي لُقب بذلك أيضًا، ومسلم بن الحجاج يجب أن يلقب بذلك أيضًا، وكذا أنظاره فاستفد ذلك فإنه من المهمات (٣). فصل: في معرفة حال الإمام مسلم ﵁ فإن المصنف قد تعرّض له أيضًا: هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (٤) صاحب التصانيف، أحد الأئمة الحفاظ، يقال: إنه

стр. 124

ولد ستة أربع ومائتين، ويجزم ابن الأثير في جامعه بأنه ولد ستة ست وأنه مات عشية يوم الأحد لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين وهو ابن خمس وخمسين سنة، رحل إلى العراق والشام والحجاز، ومصر، وأخذ الحديث عن إسحاق بن راهويه، والإمام أحمد، وحرملة، وخلق، وقدم بغداد غير مرة وحدث بها. روى عنه خلق منهم إبراهيم بن محمد بن سفيان، وكان آخر قدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومائتين، روى عنه الترمذي حديثًا واحدًا، قال أحمد بن سلمة: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على أهل عصرهما. وسئل ابن عقدة: أيهما أحفظ هو أم البخاري؟ فقال: كلاهما عالم، فأعيد عليه السؤال فقال: يقع لمحمد الغلط في أهل الشام وذلك لأنه أخذ كتبهم ونظر فيها فربما ذكر الرجل بكنيته ويذكره في موضع آخر في اسمه ويظنهما اثنان، وأما مسلم فقلّ ما يوجد له غلط في النقل لأنه كتب المسانيد ولم يكتب (١) المقاطيع ولا المراسيل. قال مسلم بن الحجاج: صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقال أحمد بن سلمة: كنت مع مسلم في تأليفه صحيحه خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديث. قال الحاكم: ولمسلم: المسند الكبير على الرجال [ما أرى] (٢): أنه سمعه منه أحد، وكتاب الجامع الكبير على الأبواب، وكتاب الأسماء والكنى،

стр. 125

والتمييز، والعلل، الوحدان، الأفراد، الأقران، سؤالات أحمد بن حنبل، [حديث] (١): عمرو بن شعيب. والانتفاع بأهب [السباع] (٢)، ومشايخ مالك، ومشايخ الثوري، ومشايخ شعبة، [من] (٣) ليس له إلَّا راو واحد، المخضرمين، أولاد الصحابة؛ أوهام المحدثين، والطبقات، وأفراد الشاميين. قال أحمد بن سلمة: عقد لأبي الحسين مسلم مجلس للمذاكرة فذكر له حديث فلم يعرفه فانصرف إلى منزله وأوقد السراج وقال لمن في الدار: لا يدخل [أحد منكم] (٤) [فقيل له] (٥): أُهديت لنا سَلَّةٌ فيها تمر، فقال: قدموها، وكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث، قال الحاكم: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات. فصل: إنما اقصر المصنف على اختصار هذه الأحاديث مما اتفق عليه الإمامان لأنه أعلى درجات [الصحيح] (٦) واتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز صحيح البخاري وصحيح مسلم، وكتاب البخاري أصح منه عند الجمهور، وخالف أبو علي النيسابوري فقال: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم،

стр. 126

ووافقه على ذلك بعض شيوخ المغرب، والصحيح الأول، قال الخطيب: إنما قفى مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذى حذوه. ولما ورد البخاري نيسابور في آخر [مرة] (١) لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه، وقال الدارقطني: لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء. قال ﵀: (فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة به وأسأل الله أن ينفعنا به ...) إلى آخر الخطبة، أجاب ﵁ السائل تفضلًا منه ورجاء المنفعة ثم سأل الله ذلك وقد حقق رجاءه [و] (٢) استجاب دعاءه، فما من مذهبي [إلَّا] (٣) وأكب على حفظها والاقتباس منها. وإجابة السائل تجب أيضًا لكن بشروط: أن يكون السؤال عن واجب، وأن لا يكون هناك غيره، وأن يخاف فوات النازلة، وأن يكون عند المجيب علم من المسألة، وأن يكون عدلًا، وأن يكون السائل والمجيب مكلفين، وينبغي التحرز في الجواب، فقد قال المحاسبي: يسأل العالم يوم القيامة عن ثلاثة أشياء: هل أفتى بعلم أم لا؟ وهل نصح في الفتيا أم لا؟ وهل أخلص فيها لله أم لا؟ قال القرافي ﵀: وللمجيب ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون مجتهدًا مطلقًا فيجيب بما غلب على ظنه حيث ظفر به من أي مذهب كان.

стр. 127

ثانيها. أن يكون مجتهدًا مقيدًا بمذهب نظر نصوص إمامه ومداركه وعلله ويعلم أنواع العلل ومراتبها ومداركها وكيفية التخريج وشروطه، فيجيب نصًّا وتخريجًا على مذهب إمامه ولا يتعداه إلى غيره. ثالثها: أن يكون مقلدًا صرفًا عاريًا عما تقدم، فحظه نقل اللفظ فقط ولا يتعداه لترجيح ولا تخريج ولا تأويل ولا تعليل. وقول المصنف: "فأجبته إلى سؤاله" قد علمت أنه لم [يوف] (١) به في بعض المواضع. و"الرجاء": تعلق الأمل بأمر يحصل في المستقبل مع [العمل] (٢)، فإن تجرَّد عن العمل فهو طمع. و"النفع": ضد [الضر] (٣)؛ يقال: نفعه كذا ينفعه وانتفع به، والاسم: المنفعة، قاله الجوهري (٤). وقال الراغب في مفرداته (٥): النفع: ما يستعان به في الوصول إلى الخيرات وما يتوصل به إلى الخير خير، فالنفع خير وضده الضر، قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ (٦).

стр. 128

"والإخلاص": هو إفراد الحق سبحانه [وتعالى] (١) في الطاعة بالقصد وهو أن يريد بطاعته التقرُّب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني صوى التقرُّب إلى الله تعالى. وقوله: "لديه" أي عنده، وقوله: "فإنه حسبنا ونعم الوكيل" ختم الخطبة بذلك لأن الله وعد [من] (٢) تحصن بها بالأمن مما يخشاه فقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (٣). وفي البخاري عن ابن عباس إن: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها: إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم (٤). ومعنى حسبنا: كافينا. قال [النحاس] (٥) قول الإنسان (حسبي الله) أحسن من (حسبنا) لما في الثاني من التعظيم. قلت: والمصنف أتى بلفظ التلاوة للتبرك، وفي معنى الوكيل عشرة أقوال:

стр. 129

أحدها: المعين. الثاني: الكفيل، ذكرهما الماوردي. الثالث: الموكول إليه الأمور، ذكره الواحدي في وسيطه قال: وهو فعيل بمعنى مفعول. الرابع: المعتمد والملجأ، ذكره أيضًا. الخامس: [القائم] (١) بالأمور المصلح لما يخاف من فسادها، قاله ابن عطية. السادس: الشاهد والحافظ بالوفاء، [ذكره] (٢) الثعلبي. السابع: الحفيظ، ذكره الهروي. الثامن: الكافي. التاسع: الكفيل بالرزق والقيام على الخلق بما يصلحهم، ذكرهما البيهقي في الاعتقاد (٣). العاشر: الموكول إليه تدبير البرية، ذكره إمام الحرمين في الإرشاد. "ونِعْمَ": فعل عند أهل البصرة للمدح، كبئس للذم. وفيها أربع لغات (٤) كما في فخذ.

стр. 130

وإذْ فرغنا من شرح الخطبة فلنشرع في المقصود، أسال الله الكريم إتمامه والنفع به بمحمد وآله (١).

стр. 131

كتاب الطهارة

стр. 132

١ - باب الطهارة الكتاب: أصله الضم والجمع والمراد به ما جمع أبوابًا ترجع إلى أصل واحد، ثم قد يحتمل أن تكون حقيقة. وأن تكون مجازًا بالنسبة إلى المعنى المدلول عليه بالألفاظ المذكورة، فإن الجمع والضم حقيقة في الأجسام. [الطهارة] (١): بفح الطاء فعالة من التطهر و [هي] (٢) في اللغة: النزاهة، قال الله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) أي [من] (٤) أدناسهم، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ (٥)، وهو حقيقة لتأكيد الفعل بالمصدر، وهو في الاغلب بمنع [المجاوز] (٦).

стр. 133

وهي في الشرع: فعل ما يستباح به الصلاة. هذا أحسن حدودها وأخصرها. ونقل الشيخ تقي الدين القشيري في كلامه على ابن الحاجب عن القزاز أنه قال في جامع اللغة: الطهارة: بفتح الطاء وضمها لغتان بإزاء معنيين مختلفين، أما الفتح فمعلوم، وأما الضم فهو فضل ما تطهرت به. وبدأ المصنف بكتاب الطهارة، لأن [أشرف] (١) أركان الدين بعد الشهادتين الصلاة، ولا بد لها من الطهارة فاستحقت التقديم، ولأنها آكد شروطها ومفتاحها فإنها أول ما يبدأ به المكلف من الشروط، ثم إنَّ الطهارة [قد] (٢) تكون بالماء والتراب، والماء هو الأصل فلهذا قدمه على التيمم، والبخاري ﵁ بدأ بالوحي، ومالك بوقوت الصلاة، ومنهم من بدأ بالإِيمان، ومنهم من بدأ بالوضوء، ومنهم من بدأ بالاستنجاء. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة عشر حديثًا:

стр. 134

الحديث الأول ١/ ١/ ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنية -وفي رواية: (بالنيات) - وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١). الكلام عليه من وجوه: يحضرنا منها اثنان وثلاثون وجهًا -ولله الحمد على ذلك وعلى جميع نعمه-: أحدها: بدأ المصنف بهذا الحديث لأمور: أحدها: أنه ترجم بكتاب الطهارة فقدمه لاشتماله على النية التي هي شرطها.

стр. 135

ثانيها: اقتداء بقول الأئمة، كما نقله الخطابي عنهم: ينبغي لمن صنف كتابًا أن يبتدىء بهذا الحديث تنبيهًا للطالب على تصحيح النيّة. وقال ابن مهدي (١) الحافظ: من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بهذا الحديث. وقال: لو صنفت كتابًا لبدأت في كل باب منه بهذا الحديث. ثالثها: اقتداء بفعلهم فإنّ البخاري وغيره من المصنفين، ابتدأوا به وقد ذكره البخاري في سبعة مواضع من صحيحه في أول كتابه، ثم في الإيمان، ثم في العتق، ثم في الهجرة، ثم [في النكاح] (٢)، ثم في ترك الحيل، ثم في الأيمان والنذور. وتقديم البخاري له في أول صحيحه لا مناسبة له على ما ترجمه [من] (٣) باب بدء الوحي وإنما قصد به إصلاح النية في تأليفه وليقتدى به، وامتثالًا لقول عبد الرحمن بن مهدي السالف، فجعله فاتحة كتابه وأقامه مقام الخطبة لأبوابه (٤).

стр. 136

ثانيها: في التعريف براويه قبل الكلام عليه: هو أمير المؤمنين أبو حفص، وأول من كناه بذلك رسول الله ﷺ ، كما رواه ابن الجوزي عنه. والحفص في اللغة: الأسد، عمر بن الخطاب بن نُفَيل بضم النون وفتح الفاء [بن] (١) عبد العزى بن رياح بكسر الراء ثم مثناة تحت -وأبعد من قال بباء موحدة- بن عبد الله بن قُرط بضم القاف ثم راء ثم طاء مهملتين بن رزاح -بفتح الراء وبالزاي- بن عدي بن كعب بن لؤي -بالهمز وتركه- بن غالب بن فهر العدوي القرشي يجتمع مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي. واتفقوا على تسميته بالفاروق لفرقانه بين الحق والباطل بإسلامه، وظهور ذلك، فقيل: سمّاه الله تعالى بذلك، روته عائشة ﵂ وإسناده ضعيف (٢) كما قال ابن دحية، وقال ابن شهاب: سمّاه بذلك أهل الكتاب، ذكره الطبري، وقيل: رسول الله ﷺ ، فهذه ثلاثة أقوال (٣)، وهو أول من سمّي أمير المؤمنين عمومًا، وسمي [قبله به] (٤) خصوصًا عبد الله بن جحش على سرية في اثني عشر رجلًا، وقيل:

стр. 137

ثمانية، وقد كان مسيلمة الكذاب تسمى بذلك أيضًا كما ثبت في صحيح البخاري في قصة قتله. وأم عمر رضي الله [عنه] (١): اسمها حنتمة بالحاء المهملة [ثم] (٢) نون ثم مثناة فوق، بنت هاشم، ويعرف بذي الرمحين، ابن المغيرة المخزومي، قال أبو عمرو: من قال حنتمة بنت [هشام] (٣) فقد أخطأ ولو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام وإنَّما هي ابنة عمه، وقد وقع هذا الخطأ ابن قتيبة في "معارفه"، وقبله ابن منده في "المعرفة" وقال: هي أخت أبي جهل، وهو وهم (٤). وُلد ﵁ بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وإليه كانت السفارة في الجاهلية. وأسلم بعد ست من النبوة، وقيل: خمس، بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وذكر ابن الجوزي أن عمر لما أسلم نزل جبريل ﵇ فقال: استبشر أهل السماء بإسلامه. وكان إسلامه عزًا ظهر به الإسلام بدعوة النبي ﷺ ، وفي "صحيح البخاري" (٥):

стр. 138

"ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر". بويع له بالخلافة يوم موت الصديق وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة بوصاية الصديق إليه، فسار بأحسن سيرة وزين الإسلام [بعدله] (١). وفتح الله به الفتوح الكثيرة كبيت المقدس وجميع الشام، ودون الدواوين في العطاء ورتب الناس فيه، وكان لا يخاف في الله لومة لائم وهو أول من ضرب بالدرة وحملها، ومصّر الأمصار وكسّر الأكاسرة وقصّر بالقياصرة، وأخّر المقام إلى موضعه الآن وكان ملصقًا بالبيت، ونوّر المساجد بصلاة التراويح. وأوّل من أرّخ التاريخ من الهجرة، وأوّل قاضٍ في الإسلام (٢) ولّاه الصدِّيق القضاء، وأول من جمع القرآن في المصحف، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين الصدِّيق [و] (٣) حج بالناس عشر سنين متوالية، وزهده ومناقبه كثيرة ومشهورة، وهل كان أدم أو أبيض؟ قولان والجمهور على الثاني كما قاله النووي، وكان من محدثي هذه الأمة، وفي الصحيح أنه ﵇ قال له: "والذي نفسي بيده [مالقيك] (٤) الشيطان سالكلًا فجًا قط إلَّا سلك فجًا غير فجك" (٥)

стр. 139

وشهد له بالشهادة والجنة، ونزل القرآن بموافقته في أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي تحريم الخمر، وفي مقام إبراهيم، وغير ذلك كما أوضحته فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب فسارع إليه، قال ابن دحية في كتابه "مرج البحرين": [وكان] (١) أعسر يسر أي قوة يديه سواء قال: وكان يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى ثم يجمع جراميزه -أي أطرافه- ويثب فكأنما خلق على ظهر فرسه (٢). روي له عن النبي ﷺ خمس مائة حديث وتسعة وثلاثون حديثًا اتفق البخارى ومسلم [منها على ستة وعشرين حديثًا وانفرد البخارى بأربعة وثلاثين ومسلم بأحد وعشرين] (٣). ولي الخلافة عشر سنين ونصف، واستشهد يوم الأربعاء لأربع أو لثلاث أو لسبع بقين من ذي الحجة [سنة] (٤) ثلاث وعشرين من الهجرة، وقال الفلاس: سنة أربع، وهو ابن ثلاث وستين على الصحيح، وغسّله ابنه الزاهد أبو عبد الرحمن عبد الله وكفّنه في ثوبين سحوليين وصلى عليه صهيب بن سنان الرومي، ودفن في الحجرة

стр. 140

النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، قتله أبو لؤلؤة المجوسي فيروز غلام نصراني -وقيل: مجوسي- للمغيرة بن شعبة، وهو في صلاة الصبح، طعنه ثلاث طعنات بسكين مسموم ذات طرفين، فقال: [قتلني] (١) أو أكلمني الكلب، وطعن معه ثلاثة عشر رجلًا مات منهم تسعة، وفي رواية سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسًا فلمَّا ظنَّ أنه مأخوذ نحر نفسه فصار إلى لعنة الله وغضبه (٢)، ثم حمل [عمر] (٣) ﵁ إلى منزله وبقي ثلاثة أيام، وقيل: سبعة، ومات. قال [عمرو] (٤) بن علي: مات يوم السبت غرة المحرم، وروي عنه أنه قال حين احتضر ورأسه في حجر ابنه عبد الله: ظلوم لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلها وأصوم ومن كراماته المشهورة أنه قال في خطبته يوم الجمعة: يا سارية الجبل الجبل. فالتفت الناس بعضهم لبعض فلم يفهموا مراده، فلما قضى الصلاة، قال له علي: ما هذا الذي قلته؛ قال: وسمعته؟ قال: نعم وكل أهل المسجد، قال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا إخواننا وركبوا أكتافهم وهم يمرون بجبل فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجدوا وظفروا وإن جازوا هلكوا فخرج مني هذا الكلام. فجاء

стр. 141

البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة حين جاوزوا الجبل صوتًا يشبه صوت عمر، قال: فعدلنا إليه ففتح الله. رواه ابن عساكر بسند كل رواته ثقات، وكانت هذه الوقعة [نهاوند] (١) من بلاد العراق. وقد قيل: إن عمر ﵁[كان أطاع الله] (٢) في العناصر الأربعة: الرياح، دليله هذه القصة، والماء [دليله] (٣): قصة نيل مصر المشهورة عنه (٤)، والتراب، دليله: ما روي إن الأرض زلزلت على عهده فضربها بالدرة فقال: ألم أعدل عليك؟ فسكنت (٥)؟ والنار، دليله أن رجلًا جاءه فقال له: ما اسمك؛ فقال: جمرة، قال: ابن من؟ فقال: جذوة، فقال: أين مسكنك؟ فقال: حرة النار. فقال: بأيها؟ فقال: بذات لظى، فقال: أدرك أهلك فقد احترقوا (٦).

стр. 142

الوجه الثالث: فيمن وافق اسم راويه من الرواة وينبغي أن يعلم أن في الرواة عمر بن الخطاب سبعة أولهم: أمير المؤمنين هذا، وثانيهم: كوفي روى عنه خالد بن عبد الله الواسطي، وثالثهم: راسبي روى عنه سويد بن أبي حاتم، ورابعهم: [الأ] (١) سكندري حدَّث عن ضمام بن إسماعيل، [و] (٢) خامسهم: عنبري روى عن أبيه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وسادسهم: سجستاني روى عن محمد بن يوسف الفريابي، وسابعهم: [سدوسي] (٣) بصري روى عن معتمر بن سليمان. فائدة: عمر اسمه معدول عن عامر [كزُفر وقثم وزُحَل وحسم ودُلف، فهذه كلها معدولة، عمر معدول عن عامر] (٤)، وقثم عن قاثم، وكذلك سائرها لكنها يوقف [بها] (٥) على المسموع، لا يجوز أن يعدل عن نافع ولا عن رافع فيقول: نفع ورفع، ولا ينصرف لاجتماع أمرين فيه: العدل والتعريف، وعمر معدود من الأسماء المرتجلة، نبّه على ذلك كله ابن دحية ﵀ ثم قال: فإن قلت: قد قيل رجل عمر إذا وإن كثير الاعتمار، وقالوا عمرة الحج [وجمعها] (٦) عُمُر، فما الذي يمنع أن يكون منقولًا عن أحدهما؟ ثم

стр. 143

أجاب: بأن المانع [من] (١) ذلك أنه لو كان منهما لانصرف. قال: "والخطاب" يجوز أن يكون فعالًا من الخِطبة والخُطبة معًا، وقد أسلفت الكلام على كنيته ﵁ وأن الحفص في اللغة: الأسد. الوجه الرابع: هذا الحديث أحد أركان الإسلام وقواعد الإيمان، وهو صحيح جليل متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه [وجلالته] (٢) وثبوته من حديث الإمام أبي سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري رواه عنه حفاظ الإسلام، وأعلام الأئمة: إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، و [الحمادان] (٣): حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والسفيانان: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وخلائق لا يحصون كثرة، قال أبو سعيد محمد بن علي الخشاب الحافظ: روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلًا، قلت: وبلغهم ابن منده في مستخرجه فوق الثلاثمائة، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن أحمد يقول في المذاكرة: قال الإمام عبد الله الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد. أخرجه الإمام أبو عبد الله أحمد بن

стр. 144

حنبل في مسنده، وأبو عبد الله البخاري في سبعة مواضعٍ من صحيحه كما أسلفتها، ورواه مسلم في الجهاد من طرق ثمانية، وأخرجه أيضًا أصحاب السنن الأربعة: أبو داود في الطلاق، والترمذي في الحدود، والنسائي (١) في الأيمان والطهارة و [الرقائق] (٢) والطلاق، وابن ماجه في الزهد (٣)، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك فإنه لم يخرجه في الموطأ، نعم رواه خارجها (٤) وأخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديثه، ووهم ابن دحية فقال في كلامه على هذا الحديث: إن مالكًا أخرجه في موطئه وأن الشافعي رواه [عنه] (٥) وهو عجيب منه. وتنبَّه لقولتين ساقطتين: الأولى: ما رأيته في أول كتاب (تهذيب مستمر الأوهام) لابن ماكولا أنه يقال: إن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيمي (٦).

стр. 145

الثانية: ما ذكرها هو في موضع آخر أنه يقال لم يسمعه محمد بن إبراهيم التيمي من علقمة وبيان وهن هاتين المقالتين أن في أول صحيح البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص فذكره، وفي كتاب الأيمان والنذور منه: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة يقول: سمعت عمر فذكره، وإنما ذكرت هاتين المقالتين لأنبه على وهنهما وشذوذهما وأنهما [لا يقدحان] (١) في الإجماع (٢) السالف على صحته، ومثلهما في الوهن قول ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار): إن هذا الحديث قد يكون عند بعضهم مردودًا؛ لأنه حديث فرد. الوجه الخامس: هذا الحديث قد رواه عن النبي ﷺ من الصحابة غير عمر بن الخطاب ﵃ نحو عشرين صحابيًا، وإن كان البزار قال: لا نعلم يروى هذا الكلام إلَّا عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ بهذا الإسناد، وكذا ابن السكن في كتابه المسمى (بالسنن الصحاح) حيث قال: ولم يروه عن رسول الله ﷺ [بإسناد غير عمر بن الخطاب، وكذا الأمام أبو عبد الله محمد بن غياث حيث قال: لم يروه عن النبي ﷺ غير
следующие страницы →