← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا في ذلك اليوم وتلك الساعة حين جاوزوا الجبل صوتًا يشبه صوت عمر، قال: فعدلنا إليه ففتح الله. رواه ابن عساكر بسند كل رواته ثقات، وكانت هذه الوقعة [نهاوند] (١) من بلاد العراق. وقد قيل: إن عمر ﵁[كان أطاع الله] (٢) في العناصر الأربعة: الرياح، دليله هذه القصة، والماء [دليله] (٣): قصة نيل مصر المشهورة عنه (٤)، والتراب، دليله: ما روي إن الأرض زلزلت على عهده فضربها بالدرة فقال: ألم أعدل عليك؟ فسكنت (٥)؟ والنار، دليله أن رجلًا جاءه فقال له: ما اسمك؛ فقال: جمرة، قال: ابن من؟ فقال: جذوة، فقال: أين مسكنك؟ فقال: حرة النار. فقال: بأيها؟ فقال: بذات لظى، فقال: أدرك أهلك فقد احترقوا (٦).

стр. 142

الوجه الثالث: فيمن وافق اسم راويه من الرواة وينبغي أن يعلم أن في الرواة عمر بن الخطاب سبعة أولهم: أمير المؤمنين هذا، وثانيهم: كوفي روى عنه خالد بن عبد الله الواسطي، وثالثهم: راسبي روى عنه سويد بن أبي حاتم، ورابعهم: [الأ] (١) سكندري حدَّث عن ضمام بن إسماعيل، [و] (٢) خامسهم: عنبري روى عن أبيه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وسادسهم: سجستاني روى عن محمد بن يوسف الفريابي، وسابعهم: [سدوسي] (٣) بصري روى عن معتمر بن سليمان. فائدة: عمر اسمه معدول عن عامر [كزُفر وقثم وزُحَل وحسم ودُلف، فهذه كلها معدولة، عمر معدول عن عامر] (٤)، وقثم عن قاثم، وكذلك سائرها لكنها يوقف [بها] (٥) على المسموع، لا يجوز أن يعدل عن نافع ولا عن رافع فيقول: نفع ورفع، ولا ينصرف لاجتماع أمرين فيه: العدل والتعريف، وعمر معدود من الأسماء المرتجلة، نبّه على ذلك كله ابن دحية ﵀ ثم قال: فإن قلت: قد قيل رجل عمر إذا وإن كثير الاعتمار، وقالوا عمرة الحج [وجمعها] (٦) عُمُر، فما الذي يمنع أن يكون منقولًا عن أحدهما؟ ثم

стр. 143

أجاب: بأن المانع [من] (١) ذلك أنه لو كان منهما لانصرف. قال: "والخطاب" يجوز أن يكون فعالًا من الخِطبة والخُطبة معًا، وقد أسلفت الكلام على كنيته ﵁ وأن الحفص في اللغة: الأسد. الوجه الرابع: هذا الحديث أحد أركان الإسلام وقواعد الإيمان، وهو صحيح جليل متفق على صحته، مجمع على عظم موقعه [وجلالته] (٢) وثبوته من حديث الإمام أبي سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري رواه عنه حفاظ الإسلام، وأعلام الأئمة: إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، و [الحمادان] (٣): حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والسفيانان: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الله بن المبارك، وخلائق لا يحصون كثرة، قال أبو سعيد محمد بن علي الخشاب الحافظ: روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين رجلًا، قلت: وبلغهم ابن منده في مستخرجه فوق الثلاثمائة، وقال الحافظ أبو موسى الأصبهاني: سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن أحمد يقول في المذاكرة: قال الإمام عبد الله الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد. أخرجه الإمام أبو عبد الله أحمد بن

стр. 144

حنبل في مسنده، وأبو عبد الله البخاري في سبعة مواضعٍ من صحيحه كما أسلفتها، ورواه مسلم في الجهاد من طرق ثمانية، وأخرجه أيضًا أصحاب السنن الأربعة: أبو داود في الطلاق، والترمذي في الحدود، والنسائي (١) في الأيمان والطهارة و [الرقائق] (٢) والطلاق، وابن ماجه في الزهد (٣)، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك فإنه لم يخرجه في الموطأ، نعم رواه خارجها (٤) وأخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديثه، ووهم ابن دحية فقال في كلامه على هذا الحديث: إن مالكًا أخرجه في موطئه وأن الشافعي رواه [عنه] (٥) وهو عجيب منه. وتنبَّه لقولتين ساقطتين: الأولى: ما رأيته في أول كتاب (تهذيب مستمر الأوهام) لابن ماكولا أنه يقال: إن يحيى بن سعيد لم يسمعه من التيمي (٦).

стр. 145

الثانية: ما ذكرها هو في موضع آخر أنه يقال لم يسمعه محمد بن إبراهيم التيمي من علقمة وبيان وهن هاتين المقالتين أن في أول صحيح البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص فذكره، وفي كتاب الأيمان والنذور منه: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الوهاب قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني محمد بن إبراهيم أنه سمع علقمة يقول: سمعت عمر فذكره، وإنما ذكرت هاتين المقالتين لأنبه على وهنهما وشذوذهما وأنهما [لا يقدحان] (١) في الإجماع (٢) السالف على صحته، ومثلهما في الوهن قول ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار): إن هذا الحديث قد يكون عند بعضهم مردودًا؛ لأنه حديث فرد. الوجه الخامس: هذا الحديث قد رواه عن النبي ﷺ من الصحابة غير عمر بن الخطاب ﵃ نحو عشرين صحابيًا، وإن كان البزار قال: لا نعلم يروى هذا الكلام إلَّا عن عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ بهذا الإسناد، وكذا ابن السكن في كتابه المسمى (بالسنن الصحاح) حيث قال: ولم يروه عن رسول الله ﷺ [بإسناد غير عمر بن الخطاب، وكذا الأمام أبو عبد الله محمد بن غياث حيث قال: لم يروه عن النبي ﷺ غير

стр. 146

عمر] (١)، [و] (٢) ذكره الحافظ أبو يعلى القزويني في كتابه [الإرشاد] (٣) من رواية مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ "الأعمال بالنية" ثم قال: هذا حديث غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه فهذا ما أخطأ فيه الثقة عن الثقة، ورواه الدارقطني في (أحاديث مالك التي ليست في الموطأ) ولفظه: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" إلى آخره ثم قال: تفرد به عبد المجيد عن مالك ولا يعلم حدث به عن عبد المجيد غير نوح بن حبيب وإبراهيم بن محمد العتيقي، وقال ابن منده الحافظ في جمعه لطرق هذا الحديث: رواه عن النبي ﷺ غير عمر: سعد بن أبي وقاص وعلي بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود [وعبد الله بن عمر] (٤) وأنس وابن عباس ومعاوية وأبو هريرة وعبادة بن الصامت وعتبة بن عبد السلمي [وهلال] (٥) بن سويد وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله

стр. 147

و [أبو ذر] (١) وعتبة بن [المنذر] (٢) وعقبة بن مسلم، ﵃. قال [الخطابي] (٣) في كتاب (الأعلام) (٤): لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث أن هذا الحديث لا يصح مسندًا إلَّا من رواية عمر ﵁ [وسيأتى قريبًا نقل ذلك عن الحفاظ أيضًا] (٥)، وكذا قال المحب الطبري في "أحكامه": وقد عدد بعض هؤلاء ما لا يصح مسندًا إلَّا من حديث عمر. الوجه السادس: هذا الحديث فرد غريب باعتبار، مشهور باعتبار آخر، وليس بمتواتر بخلاف ما يظنه بعض الناس، فإن مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري كما سلف، قال الحفاظ: لا يصح عن النبي ﷺ إلَّا من [جهة] (٦) عمر بن الخطاب ﵁، ولا عن عمر إلَّا من جهة علقمة ولا عن علقمة إلَّا من جهة محمد بن إبراهيم التيمي ولا عن محمد إلَّا من جهة يحيى بن سعيد الأنصاري، وعن يحيى اشتهر، ورواه جماعات لا يحصون كما سلف وأكثرهم أئمة معروفون. ونبهنا على هذا؛ لأنه قد يخفى على بعض من لا يعاني الحديث فيتوهم تواتره لشدة شهرته عند الخاصة

стр. 148

والعامة، وعدم معرفته بفقد شرط التواتر في أوله، وقد صرح الائمة بأنه لا يوصف بالتواتر لما قلناه. قلت: وقد تُوبع علقمة والتيمي ويحيى بن سعيد على روايتهم، قال الحافظ أبو عبد الله بن منده (١): هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة: ابنه عبد الله، وجابر، وأبو جحيفة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وذو الكلاع، وعطاء بن يسار، وياسرة بن سمي، وواصل بن عمرو الجذامي، ومحمد بن المنكدر، ورواه عن علقمة غير التيمي: سعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر. وتابع يحيى بن سعيد على روايته عن التيمي محمد بن محمد بن علقمة أبو الحسن الليثي، وداود بن أبي الفرات. ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحجاج بن أرطاة وعبد ربه بن [قيس (٢) الأنصاري. تنبيهات: الأول: ادعى الحاكم أبو عبد الله أن شرط البخاري ومسلم أن [لا] (٣) يذكرا فى كتابيهما إلَّا ما رواه [صحابي] (٤) مشهور له راويان

стр. 149

نقتان فأكثر [ثم يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية عن الصحابة له راويان ثقتان فأكثر] (١). [ثم] (٢) يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن المشهور على ذلك الشرط. وما ادعاه ينتقض بأحاديث من جملتها هذا الحديث الذي بدأ به البخاري كتابه فإنه لا يصح إلَّا فردًا كما قررناه، وأغرب من هذا قول [الميانشي] (٣): أن شرطهما أن لا يدخلان فيه إلَّا ما صح عندهما وذلك ما رواه عن رسول الله ﷺ اثنان فصاعدًا وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون [عن] (٤) كل واحد من التابعين أكثر من أربعة. قال ابن دحية في كلامه على هذا الحديث: وإنما اشترط الشيخان الثقة والاشتهار بالطلب. الثاني: ادعى [الخليلي] (٥) أن الذي عليه الحفاظ: أن الشاذ ما ليس له الَّا إسناد واحد يشد به ثقة أو غيره، فما كان عن غير ثقة فمتروك وما كان عن ثقة توقف فيه [فلا] (٦) يحتج به، وقال الحاكم: انه ما انفرد به ثقة وليس [له] (٧) أصل متابع، وما ذكراه يشكل بما

стр. 150

ينفرد به العدل الحافظ الضابط. [كهذا] (١) الحديث فإنه لا يصح إلَّا فردًا كما قدمناه وهو أول حديث استفتح به البخاري [كتابه] (٢) كما أسلفناه. الثالث: هذ الحديث فيه طرفة [من] (٣) طرف الإسناد وهي رواية ثلاثة تابعين بعضهم عن بعض يحيى ومحمد وعلقمة، وقد اعتني بجمع نظائر ذلك في جزء. الوجه السابع: هذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختلف في عدها على عشرة أقوال، يسر الله جمعها. أحدها: أنها ثلاثة: هذا الحديث، وحديث " [من] (٤) حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٥) وحديث "الحلال بيّن والحرام بيِّن" (٦). قال الحافظ حمزة بن محمد الكناني (٧): سمعت أهل العلم

стр. 151

يقولون: هذه الثلاثة أحاديث هي الإسلام، وكل حديث منها ثلث الإسلام. الثاني: أنها أربعة قاله أبو داود والدارقطني وغيرهما، بزيادة حديثًا "وازهد في الدنيا يحبك الله"، وقال عثمان بن سعيد الدارمي: أمهات الحديث أربعة هذا أحدها، وقد نظمها أبو الحسن المعرور (١) رحمه الله تعالى فقال: عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ... ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية الثالث: أنها اثنان. الرابع: أنها واحد. الخامس: قال أبو بكر الخفاف (٢) من قدماء أصحابنا في كتابه "الخصال" ومنه نقلت: روي عن الشافعى ﵁ أنه قال: مدار الإسلام على أربعمائة حديث، كذا رأيته أربعمائة، ثم رأيت في "أصول الفقه" لابن سراقة العامرى من أصحابنا [يذكر] (٣) أربعة أحاديث، وكأنه أصوب. السادس: قال الخفاف أيضًا لما نقل هذا: وقال علي بن

стр. 152

المديني وعبد الرحمن بن مهدي: أن مداره على أربعة أحاديث "الأعمال بالنيات"، و"لا يحل دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث" (١)، و"بني الإِسلام على خمس" (٢)، و"البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (٣)، وحكاه أيضًا ابن سراقة المذكور. السابع: قال أيضًا بعد ذلك عن إسحاق أن مداره على ثلاثة: "إنما الأعمال بالنيات"، وحديث عائشة: "من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد" (٤)، وحديث النعمان: "الحلال بين والحرام بين"، ونقله غيره عن الإمام أحمد. الثامن: قال أبو داود: الفقه يدور على خمسة أحاديث: "الأعمال بالنيات"، و"الحلال بيِّن والحرام بيِّن"، و"ما نهيتكم عنه فانتهوا وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"، و"لا ضرر ولا ضرار". التاسع: أسند ابن دحية عن أبي داود (٥) من طريق ابن داسة أنه قال: كتبت عن رسول الله - صلى الله عليه ومسلم - خمسمائة ألف حديث انتخبت منها

стр. 153

ما ضمنته هذا الكتاب -يعني كتاب السنن- جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث أحدها: "الأعمال بالنيات"، ثانيها: "من حسن إسلام [المرء] (١) تركه ما لا يعنيه"، ثالثها: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى لا يرضى لأخيه إلَّا ما يرضى لنفسه"، ورابعها: "الحلال بيّن والحرام بيّن"، وحكاه القاضي عياض عن أبي داود ايضًا، ولفظه عنه: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، الثابت منها أربعة آلاف حديث، وهي ترجع إلى أربعة أحاديث، فذكرهن. العاشر: أسند ابن دحية أيضًا عن أبي داود من طريق أبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي قال: أقمت بطرسوس عشرين سنة فاجتهدت في المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث لمن وفقه الله، فأولها: حديث النعمان "الحلال بيّن والحرام بيِّن وشبهات بين ذلك" الحديث، قال: وهذا ربع العلم، ثانيها: حديث عمر بن الخطاب: "الأعمال بالنيات ولكل أمرىء ما نوى" وهذا نصف العلم، ثالثها: حديث أبي هريرة: "إن الله طيب لا يقبل إلَّا طيبًا" الحديث، وهذا ثلاثة أرباع العلم، ورابعها، حديث أبي هريرة أيضًا: "من حسن إسلام [المرء] (٢) تركه ما لا يعنيه"، فهذه أربعة

стр. 154

أحاديث من أخذها ووفقه الله تجزي عن الأربعة آلاف، وقال ابن أبي زيد في آخر رسالته: جماع أبواب الخير وأزمته تتفرع على أربعة أحاديث: حديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، وحديث "لا تغضب". فتصير الأقوال إذن أحد عشر قولًا. فائدة: مما نحن فيه ما حكاه الزناتي شارح "الرسالة" عن بعضهم أنه كتب إلى ابن عمر ﵄ أن اكتب لي بالعلم كله [وكتب] (١) إليه: العلم كثير ولكن إن استطعت أن تلقى الله تعالى خميص البطن من أموال الناس، خفيف الظهر من دنياهم، كافّ اللسان عن أعراضهم، ملازمًا لجماعاتهم؛ فافعل. فكانوا يقولون: جمع العلم في أربع كلمات. وفي "إقليد التقليد" لابن أبي جمرة، نفعنا الله به، على المدونة: أن رجلًا صحب بعض ملوك العجم، فرأى معه سبعين بعيرًا تحمل كتبًا، فردها إلى سبعة أبعرة، ثم ردها إلى أربعة أبعرة، ثم ردها إلى أربع كلمات: لا تأكل إلَّا عن شهوة، ولا تنظر المرأة إلَّا إلى زوجها، ولا يصلح الملك إلَّا الطاعة، ولا يصلح الرعية إلَّا العدل. الوجه الثامن: هذا الحديث عظيم الموقع، كبير الفائدة، أصل

стр. 155

من أصول الدين، وقد خطب به النبي ﷺ فقال: "يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية" كما رواه البخاري في أحد المواضع السبعة السالفة (١)، وخطب به عمر أيضًا على منبر رسول الله ﷺ كما أخرجه [أيضًا] (٢) وقد أسلفنا عن أبي داود أنه نصف الفقه. وقال الشافعي فيما رواه البويطي [عنه] (٣): يدخل في هذا الحديث ثلث العلم. وقال في رواية الربيع: هذا الحديث ثلث العلم ويدخل في شعين بابًا من الفقه (٤)، وكذا قال الإمام أحمد وغيره: إنه ثلث العلم (٥). وسببه، كما قال البيهقي وغيره: أن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها؛ لأنه يكون عبادة

стр. 156

بانفرادها بخلاف القممين الآخرين، ولهذا كانت "نية المؤمن خيرًا من عمله" (١) ولأن القول والعمل يدخلهما [الفساد] (٢) بالرياء ونحوه بخلاف النية. وقال عبد الرحمن بن مهدي: [يدخل] (٣) هذا الحديث في ثلاثين بابًا من الإِرادات والنيات. وقال أبو عبيد: ليس شيء من أخبار النبي ﷺ حديثًا أجمع وأغنى وأكثر فائدة وأبلغ من هذا الحديث (٤). وقال البخاري فيما نقله ابن دحية عنه: قوله ﵇: "وإنما لكل امرئ ما نوى". يدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام، وقال ابن دحية: لم أجد فيما أرويه من الدينيات أنفع من قوله: "إنما الأعمال بالنيات"، إذ

стр. 157

مدار العلم عليه وهو نور يسعى بين يديه. قلت: وقول إمامنا الشافعى ﵁ السالف: إن هذا الحديث يدخل في سبعين بابًا من الفقه، مراده الأبواب الكلية كالطهارة بأنواعها، والصلاة بأقسامها، والزكاة، والصيام، والاعتكاف، والحج والعمرة، والأيمان، والنذور، والأضحية والهدي، والكفارة، والجهاد، والطلاق، والخلع، والظهار، والعتق، والكتابة، والتدبير، والابراء ونحوها، والبيع، والإجارة، وسائر المعاملات، والرجعة والوقف، والهبة وكناية الطلاق وغيرها عند من يقول كنايتها مع النية كالصريح وهو الصحيح، وكذلك إذا كان عليه ألفان بأحدهما رهن دون الآخر فلو وفاه ألفًا صرفه إلى ما نواه منهما وشبه ذلك، وذكر القاضي حسين من أصحابنا في آخر حد الخمر أنه لا بد للإمام في إقامة الحدود من النية حتى لو ضربه لمصادرة أو لمعنى آخر، وعليه حدود لا تحتسب عنه، وأما المسائل الجزئية فلا [تحصى] (١)، ثم يحتمل أن يكون أراد بالسبعين التحديد ويحتمل أن يكون أراد المبالغة في التكثير؛ لأن العرب تستعمل السبعين في ذلك ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (٢). ومن المسائل الجزئية التي ينبغي استحضار النية فيها: الصدقات، وقضاء حوائج الناس، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وابتداء السلام ورده، وتشميت العاطس، وجوابه، والأمر

стр. 158

بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإجابة الدعوة، وحضور مجلس العلم والأذكار، وزيارة الأخيار والقبور، والنفقة على الأهل والضيفان، وإكرام أهل الود والفضل وذوي الأرحام، ومذاكرة العلم والمناظرة فيه وتكراره وتدريسه، وتعليمه، وتعلمه، ومطالعته وكتابته، وتصنيفه، والفتوى، والقضاء وإماطة الأذى [من] (١) الطريق، والنصيحة، والإِعانة على البر والتقوى، وقبول الأمانات وأدائها، وما أشبه ذلك، حتى ينبغي استحضارها عند إرادة الأكل والشرب والنوم ويقصد بها التقوّي على الطاعة وإراحة البدن لينشط لها، وكذا إذا جامع موطوءته بقصد المعاشرة بالمعروف، وإيصالها حقها، وتحصيل ولد صالح يعبد الله، وإعفاف الزوجة، وإعفاف نفسه وصيانتها من التطلع إلى [حرام] (٢) أو الفكر فيه أو مكابدة [العشاق] (٣) بالصبر، وهذا معنى قوله ﵇، "وفي بُضع أحدكم صدقة"، وكذا ينبغي لمن عمل حرفة للمسلمين مما هو فرض كفاية أن يقصد إقامة فرض الكفاية ونفع المسلمين كالزراعة وغيرها من الحرف التي هي قوام عيش المسلمين. والضابط لحصول النية: أنه متى قصد بالعمل امتثال أمر الشرع، وبتركه الانتهاء بنهي الشرع؛ كانت حاصلة مُثابًا عليها وإلَّا فلا، وإن لم يقصد ذلك كان عملًا بهميًّا، ولهذا قال السلف: الأعمال البهيمية ما عملت بغير نية.

стр. 159

الوجه التاسع: هذا الحديث من أجل أعمال القلوب والطاعة المتعلقة بها، وعليه مدارها وهو قاعدتها، فهو قاعدة الدين لتضمنه حكم النيات التي محلها القلب بخلاف الذكر الذي محله اللسان ولهذا نشر نوى الصلاة بلسانه دون قلبه لم تصح، ولو قرأ الفاتحة بقلبه دون لسانه لم تصح فهو أصل في وجوب النية في سائر العبادات كما سيأتي عن الجمهور قال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي (في أربعينه): هذ الحديث أصل كبير في صحة الأعمال الدينية وأنها موقوفة على خلوص النية وهي بالإضافة إلى الأفعال والأقوال بمنزلة الأرواح للأشباح، [والأعمال] (١) كالأجسام الموات، والنية [الصالحة] (٢) لها كالحياة، فمتى لم يقصد العامل بعمله وجه الله دون ما سواه كان سعيه خائبًا وأمله كاذبًا، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣). العاشر: هذا الحديث [أصل] (٤) في الإخلاص أيضًا وهو إرادة عمل الفعل إلى وجه الله تعالى وحده خالصًا. والنية: هي القصد المتعلق بتمييل الفعل إلى وجه الله تعالى، قاله القرافي. والإخلاص يرجع إلى الكتاب والسنة، أما الكتاب: فكل آية

стр. 160

تضمنت [مدح] (١) الإخلاص وذم الرياء، نحو: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢)، ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣)، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (٤)، ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ (٥)، ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾ (٦)، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ (٧). الآية، فأخبر الله تعالى إنه لا يكون في الآخرة نصيب إلَّا لمن قصدها بالعمل، وأما السنة فقوله ﵇: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (٨). وقوله: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" (٩). وقوله: "إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها فهي له صدقة". وقوله في حديث سعد: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلَّا أُجرت عليها حتى [ما تجعل] (١٠) في فيّ امرأتك" (١١). وقوله: "يقول الله : أنا

стр. 161

أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري فإني بريء منه وهو للذي أشرك". وفي رواية "تركته وشركه" (١). وقوله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (٢). وإخلاص النية لله تعالى لم تزل شرعًا لمن كان قبلنا ثم لنا من بعدهم، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (٣). قال أبو العالية: وصاهم بالإخلاص لله تعالى وعبادته لا شريك له، وترجم البخاري على قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (٤) قال: على نيته. فائدة: لما عزم مالك [﵀] (٥) على تصنيف الموطأ فعل من كان [بالمدينة يومئذ] (٦) [من العلماء] (٧) الموطآت فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال (٨): ائتوني بما عملوا، فأُتي بذلك فنظر فيه ثم نبذه، وقال: لتعلمن أنه لا يرتفع من هذا إلَّا ما أريد به وجه الله. قال الفضل بن محمد بن حرب: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار وما

стр. 162

سمع بشيء منها بعد ذلك يذكر (١). الحادي عشر: ومن هنا وقع الكلام على ألفاظ الحديث فوائده: قوله: (سمعت رسول الله ﷺ يقول) اختلف النحاة في (سمعت) هل تتعدى إلى مفعولين؛ فقيل: نعم، وهو مذهب أبي علي الفارسي في إيضاحه (٢)، قال: لكن لا بد أن يكون الثاني مما سمع، كقولك: سمعت زيدًا يقول كذا، ولو قلت: سمعت زيدًا [يضرب] (٣) أخاك؛ لم يجز. والصحيح أنه لا يتعدى إلَّا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي سمعت حال قوله كذا. وأما ابن دحية فقال في كلامه على هذا الحديث: نجد أن إعراب (سمعت رسول الله ﷺ ) فعلًا وفاعلًا ومفعولًا، قال بعضهم: فمن يسلك التعليل ويتكلف المجاهيل يجب أن يكون في الكلام مضاف محذوف كأنه قال: سمعت قول الناس؛ لأن الأشخاص لا يسمع إنما يسمع أصواتها وكلامها، فإذا قلت: سمعت زيدًا يقول كذا وكذا، فإنما التقدير: سمعت كلام زيد ويقول جملة موضعها نصب على الحال ثم ذكر مقالة أبي علي الفارسي، فقال: وزعم الفارسي في الإيضاح أن سمع يتعدى إلى: [مفعول واحد إذا كان مما يسمع كقولك: سمعت كلام زيد وإن كان مما لا يسمع تعدى

стр. 163

إلى مفعولين] (١) كقولك: (سمعت زيدًا يقول) فتقديره عنده في موضع المفعول الثاني [حال] (٢) قال: وهذا من مسائِله التي غلط فيها [لأن سمعت لو كان] (٣) مما يتعدى إلى مفعولين لم يخل من أن يكون من باب ما يتعدى إلى مفعولين لا يجوز السكوت على أحدهما وهو ظننت وأخواتها، أو يكون، وليس في العربية باب آخر له حكم ثالث ولا يجوز أن تكون من باب ظننت؛ لأنهم عدوه إلى مفعول واحد فقالوا: سمعت كلام زيد، ولا يجوز أن تكون من باب أعطيت؛ لأن بابه لا يجوز أن يكون المفعول الثاني فيه إلَّا اسمًا محضًا ولا يجوز أن يقع موقع فعل ولا جملة، وأنت تقول: سمعت زيدًا يتكلم وسمعت زيدًا وهو يتكلم، فتأتي بعده بفعل وبجملة فإذا بطل أن يكون من هذين البابين ثبت أنه مما تعدى إلى مفعول واحد، وإنك إذا قلت: سمعت زيدًا يقول فيقول في موضع الحال، كقولك: أبصرت الرجل ونحوه. وأهل شيراز يقلدون الفارسي في مقالته وهو خطأ عند النحويين، قاله البطليوسي. الثانى عشر: أجمعوا على أن الإسناد المتصل بالصحابي لا فرق فيه بين أن يأتي بلفظ "سمعت"، أو بلفظ "عن"، أو بلفظ "أن"، أو بلفظ "قال".

стр. 164

وإنما وقع الاختلاف فيمن دونه إذا قال: عن فلان، فقيل: إنه من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره، والصحيح أنه من قبيل المتصل بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضًا، وفي اشتراط ثبوت اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه مذاهب أربعة: أحدها: لايشترط شيء من ذلك، ونقل مسلم في مقدمة صحيحه الإجماع عليه. وثانيها: يشترط ثبوت اللقاء وحده، وهو قول البخاري والمحققين. ثالثها: يشترط طول الصحبة. ورابعها: يشترط معرفته بالرواية عنه، والأصح أنَّ: أنَّ كَعَن بالشرط المذكور، وقال أحمد وجماعة: يكون منقطعًا حتى يتبين السماع. الثالث عشر: أرفع الأقسام عند الجماهير: السماع من لفظ المُسْمِع، قال الخطيب: وأرفع العبارات سمعت، ثم حدثنا وحدثني، فإنه لا يكاد أحد يقول في الإجازة والكتابة سمعت؛ لأنه تدليس ما لم يسمعه. وقال ابن الصلاح: حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت؛ إذ ليس في سمعت دلالة أن الشيخ خاطبه بخلافهما، كما وقع للبَرقاني (١) مع شيخه أبي القاسم

стр. 165

الأبندوني (١) فإنه وإن عسر الرواية وكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به فكان يقول: سمعت، ولا يقول: حدثنا وأخبرنا؛ لأن قصده الرواية للداخل عليه. قلت: ولك أن تقول سمعت صريحة في سماعه بخلاف [حدثنا] (٢) لاستعمالها في الإِجازة عند بعضهم، ففيما ذكره ابن الصلاح نظر من هذا الوجه. الرابع عشر: تقدم الكلام على لفظ "الرسول" في الخطبة والفرق بينه وبين "النبي" واختلف المحدثون: هل يجوز تغيير قال النبي إلى قال الرسول أو عكسه؟ فقال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز وإن جازت الرواية بالمعنى لاختلاف معنى الرسالة والنبوة، وسهّل في ذلك الإمام أحمد وحماد بن سلمة والخطيب، وقال النووي: إنه الصواب؛ لأنه لا يختلف به ها هنا معنى، وقال غيره: لو قيل يجوز تغيير النبي إلى الرسول دون عكسه لما بعد؛ لأن في الرسول معنى زائدًا على النبي وهو الرسالة فإن كل رسول نبي من غير عكس. الخامس عشر: لفظة "إنما" موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه، هذا مذهب الجمهور من أهل اللغة والأصول (٣)

стр. 166

وغيرهم، وعلى هذا: هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؛ فيه مذهبان حكاهما ابن الحاجب ومعنى كلام الإمام وأتباعه أنه بالمنطوق واختار الآمدي: أنها لا تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإِثبات وهو الصحيح عند النحويين، وقيل: تقتضيه عرفًا لا وصفًا، حكاه بعض المتأخرين، ومحل بسط المسألة كتب الأصول، وعبر بعض الفضلاء عن إفادتها الحصر بعبارة لطيفة فقال: لفظة (إنما) موضوعة لتحقيق المتصل وتمحيق المنفصل يعني أنها تحمل تركها نفيًا وإثباتًا فتثبت ما اتصل بها وتنفى ما انفصل عنها، وقد فهم ابن عباس ﵁ أنها للحصر من قوله ﵊: "إنما الربا في النسيئة" (١) وعورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل ولم يعارض فى فهمه للحصر، وفي ذلك اتفاق على أنها للحصر، وقال أبو علي الفارسي: يقول ناس من النحويين في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٢) أن المعنى ما حرم ربي إلَّا الفواحش، قال: ويؤيده قول الفرزدق: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (٣)

стр. 167

وقال الزجاج: الذي أختار في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ (١) أن تكون "ما" هي التي تمنع، ويكون المعنى: ما حرَّم عليكم إلَّا الميتة؛ لأن "إنما" تأتي إثباتًا لما يذكر بعدها ونفيًا لما سواه، وقال أبو علي: التقدير في البيت: وما يدافع عن أحسابهم إلَاّ أنا أو مثلي. وقال ابن عطية: إنما: لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر، فإذا دخل في قصة وساعد معناها على الانحصار صح ذلك وترتب، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٢) وغير ذلك من الأمثلة وإذا كانت القصة لا يتأتي فيها الانحصار بقيت "إنما" للمبالغة والتأكيد فقط لقوله ﵇: "إنما الربا في النسيئة" (٣)، وكقولهم: إنما الشجاع [عنترة] (٤)، قال: وأما من قال: إن "إنما" لبيان الموصوف فهي عبارة [جائزة] (٥). إذ بيان الموصوف يكون في مجرد الإِخبار دون إنما. وقال الشيخ تقي الدين: تارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة تقتضي حصرًا مخصوصًا، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق، أي فالأول كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. الحصر ها هنا على إطلاقه لشهادة العقول والنقول بوحدانيته تعالى، والثانى كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ

стр. 168

مُنْذِرٌ﴾ (١) أي بالنسبة لمن لا يؤمن وإلَّا فصفاته الجميلة [لا تحصر بالبشارة] (٢) والشجاعة والكرم وغير ذلك، وكذا قوله ﵇: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ" (٣) معناه حصر في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على مواطن الخصوم لا بالنسبة إلى كل شيء وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (٤) باعتبار (٥) أثرها، والله أعلم، وإلَّا فقد تكون سبيلًا إلى الخيرات أو يكون ذلك من باب التغليب بحال الأكثر أو الواقع كذلك، فاعتبر هذا الأصل فحيث دل السياق على الحصر في شيء مخصوص فقل به وإلَّا فالأصل الإطلاق، ومن هذا قوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات". وقال السماكي في "إعجازه": الحصر في الحديث ليس عامًا فإن القاعدة أن المبتدأ والخبر إذا وقعا بعد "إنما" فالمحصور الثاني كيف كان، فإذا قلت: إنما المال لك، [فالمحصور المال لك] (٦) وتقديره: لا لغيرك، وإذا قلت: إنما لك المال، فالمحصور المال وتقديره: لا غيره، فتأمله.

стр. 169

تنبيهات: أحدها: الأصل في "إنما" [أن] (١) تجيء بخبر لا يجهله المخاطب أو لما هو متنزل منزلته، كما نبه عليه ابن خطيب زملكان، مثال الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ (٣) فإن كل عاقل يعلم أنه لا يكون استجابة إلَّا ممن يسمع، وأن الإِنذار إنما يجدي إذا كان مع من يصدق بالبعث، ومثال الثاني قوله: إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء ثانيها: (أنما) بالفتح كأنما كما قاله الزمخشري في قوله تعالي: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٤). قال شيخنا أبو حيان: وهذا شيء انفرد به، ودعوى الحصر هنا ممنوع؛ لاقتضائه أنه لم يوح إليه غير التوحيد. وفيما ذكره نظر فإن الخطاب مع المشركين، فالمعنى: ما أوحى إليَّ في أمر الربوبية إلَّا التوحيد لا الإِشراك. ثالثها: للحصر أدوات أخر: منها: حصر المبتدأ في الخبر، نحو: العالم زيد وصديقي زيد.

стр. 170

ومنها: إلَّا، على اختلاف فيها. ومنها: تقديم المعمولات، على ما قاله الزمخشري وجماعة نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (١). ومها: لام كي، كقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٢) قاله الباجي. ومنها: السَّبر والتقسيم، نحو إن لم يكن زيد متحركًا فهو ساكن. رابعها: في الحديث صيغتا [حصر] (٣) وهما (إنما، والمبتدأ والخبر الواقع بعده) وقد ورد بإسقاط (إنما) في رواية صحيحة كما سيأتي، فكل منهما إذا انفرد يفيد ما أفاده الآخر، واجتماعهما آكد. السادس عشر: وقع في كتاب الشهاب للقضاعي: "الأعمال بالنيات" بجمع "الأعمال" و"النيات" وحذف "إنما"، قال النووي في كتابه بستان العارفين (٤)، وفي إملائه على هذا الحديث أيضًا ولم يكملهما، نقلًا عن الحافظ أبي موسى الأصبهاني أنه قال: "لا يصح إسناد هذا الحديث"، وأقره عليه. وفيما قاله نظر، فقد رواه كذلك حافظان وحكما بصحته: ابن حبان في صحيحه، والحاكم في

стр. 171

أربعينه، ثم حكم بصحته، وقد ذكرت إسنادهما إليه في تخريجي لأحاديث الرافعي فراجعه (١) منه، وكذا ساقه ابن دحية في كلامه على هذا الحديث من طريق النسائي عن ابن راهويه عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد به، ورواه ابن الجارود في المنتقى (٢) بلفظ آخر: "إن الأعمال بالنية وإن لكل امرئ ما نوى". وفي رواية للبخاري: "العمل بالنية". وفي رواية له: "الأعمال بالنية". وفي رواية له: "يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية". السابع عشر: الأعمال: حركات البدن، ويتجوز بها عن حركات النفس وإنما عبَّر بالأعمال دون الأفعال؛ لئلا يتناول أفعال القلوب، ومنها النية ومعرفة الله تعالى، فكان يلزم أن لا يصحان إلَّا بنية لكن النية فيهما محال، أما النية فلأنها لو توقفت على نية أخرى لتوقفت الأخرى على أخرى ولزم التسلسل أو الدور وهما محالان، وأما معرفة الله تعالى فإنها لو توقفت على النية مع أن النية قصد

стр. 172

المنوى بالقلب لزم أن يكون الإنسان عارفًا بالله قبل معرفته وهو محال؛ ولأن المعرفة وكذا الخوف والرجاء مستمرة لله تعالى بصورتها، وكذا التسبيح وسائر الأذكار والأذان والتلاوة لا يحتاج شيء منها إلى نية التقرب به بل إلى مجرد القصد له، ولهذا لما كان الركوع والسجود في الصلاة غير ملتبس بغيرها لم تجب فيها ذكر، بخلاف القيام والقعود في التشهد فإن كلا منهما ملتبس بالعادة فوجب في القيام القراءة وفي القعود التشهد؛ ليتميز عن العادة، ثم اعلم أن الأعمال ثلاثة: بدني، وقلبي، ومركب منهما. فالأول: كل عمل لا يشترط فيه النية كرد الغصوب والعواري والودائع والنفقات وإزالة النجاسات ونحو ذلك. والثاني: كالاعتقادات والتوبة والحب في الله والبغض في الله، وما أشبه ذلك. والثالث: كالوضوء والصلاة والحج وكل عبادة بدنية، فيشترط في حصولها النية قولًا كانت أو فعلًا كما سيأتي، وبعض الخلافيين يخصص العمل [بما] (١) لا يكون قولًا، وفيه نظر للشيخ تقي الدين؛ لأن القول عمل خارجي أيضًا أما الأفعال فقد استعملت مقابلة للأقوال ولا شك أن هذا الحديث يتناول الأقوال. الثامن عشر: النيات: جمع نية بالتشديد والتخفيف، فمن شدد وهو المشهور كانت من نوى ينوي إذا قصد وأصله نِوْية قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء بعدها لتقاربهما، وانقلاب الواو [إلى

стр. 173

الياء] (١) بطريقين: أحدهما: انكسار ما قبلها فإنه يوجب قلبها إلى الياء. والثاني: أن من أصلهم أنه متى اجتمع واو وياء وأرادوا الإدغام قلبوا الواو إلى لفظ الياء لأنه أخف اعتلال من الواو والياء، وسواء كان [المتحرك هو الواو والياء وسواء كان] (٢) المتقدم أو المتأخر قالوا: طويت طيًّا ولويته ليًّا أصله طويًا ولويًا [فتقدمت الواو] (٣) ساكنة وقلبوها. وقالوا سيد وميت وأصله سيود وميوت؛ لأنه من ساد يسود ومات يموت فتأخرت الواو وتحركت ومع ذلك قلبوها إلى الياء ولم يقلبوا الياء إليها لما ذكرناه، ومن خفف الياء كانت من وَنِى يَني إذا أبطأ وتأخر، لأن النية تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخر يقال: نويت فلانًا وأنويته بمعنًى، ثم إنهم جعلوا مصدر نوى (نية) وَقَلّ ما يقولون نيًا كما قالوا شَوَى شَيًّا جآؤوا بالمصدر على الفعلة التي هي من نيا الهيئات، إذ القصد المعتمد هنا إنما هو صادر عن القلب فله هيئة متميزة فمن ها هنا جاء مصدرها على نيا الهيئات، نبّه عليه ابن دحية. فائدة: الباء في قوله "بالنيات" يحتمل أن تكون (باء) السبب ويحتمل أن تكون (باء) المصاحبة وينبني على ذلك: أن النية جزء من العبادة أم شرط؟ وستعلم ما فيه قريبًا.

стр. 174

التاسع عشر: وجه إفراد (النية) على الرواية الأولى كونها مصدرًا وجمعت في الثانية (بالنيات) لاختلاف أنواعها ومعانيها؛ لأن المصدر إذا اختلفت أنواعه جمع، فمتى أريد مطلق النية من غير نظر لأنواعها تعين الإفراد ومتى أريد ذلك جمعت. تنبيه: أفردت "النية" في الرواية الأولى وجمعت (١) "الأعمال" لأن المفرد المعرف عام، وجمعًا في الثانية، والمراد: أن كل عمل على انفراده يعتبر فيه نية مفردة ويحتمل أن العمل الواحد يحتاج إلى نيات إذا قصد كمال العمل كمن قصد بالأكل دفع الجوع وحفظ الصحة والتقوي على العبادة وما أشبه ذلك وبسبب تعدد النيات بتعدد الثواب. العشرون: أصل النية: القصد، تقول العرب: نواك الله بحفظه، أي قصدك الله بحفظه، كذا نقله عنهم جماعة من الفقهاء، واعترض ابن الصلاح فقال: هذه عبارة منكرة؛ لأن المقصود مخصوص بالحادث فلا يضاف إلى الله تعالى، قال: وفي ثبوت ذلك عن العرب نظر؛ لأن الذي في الصحاح: نواك الله: أي: صحبك في السفر وحفظك. وقال الأزهري: يقال نواه الله أي حفظه، وهذا الذي أنكره عليهم غير منكر بل صحيح (٢)، وقد قال هو في القطعة التي شرحها في أول صحيح مسلم: وقد ورد عن العرب أنها قالت: "نواك الله بحفظه" فقال فيه بعض الأئمة: معناه

стр. 175

قصدك [الله] (١) بحفظه، هذا كلامه، ومعلوم أن من أطلق القصد لم يرد القصد الذي هو من: [صفة الحادث] (٢) بل أراد الإرادة. إذا تقرر هذا فالمراد هنا: قصد الشيء المأمور به تقربًا إلى الله تعالى مقترنًا بفعله، فإن قصد وتراخى عنه فهو عزم، وكذا حدها الماوردي من أصحابنا في كتاب الأيمان، [وجعل الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي (٣) في أربعينه: النية والإِرادة والقصد والعزم بمعنى، قال: وكذا أزمعت على النبلاء وعمدت إليه. قال: وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها (٤) مما ذكرناه، وقد علم بعد ذلك أن] (٥) محلها القلب عند الجمهور كما جزمت به في الوجه التاسع لا اللسان؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا

стр. 176

إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) والإخلاص إنما يكون بالقلب، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، وقال ﷺ : "التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلات مرات" (٣) رواه مسلم من حديث أبي هريرة. إذا تقرر أن محلها القلب فإن اقتصر عليه جاز، إلَّا في الصلاة على وجه ضعيف للشافعية لا يعبأ به (٤)، وإن اقتصر على

стр. 177

اللسان لم يجز إلَّا في الزكاة [على وجه لهم شاذ، ومثله قول الأوزاعي: لا تجب النية في الزكاة] (١) وإن جمع بينهما فهو آكد. وعند المالكية: الأفضل أن ينوي العبادة بقلبه من غير نطق بلسانه إذ اللسان ليس محلًا للنية على ما تقرر، ونقل التلمساني منهم عن صاحب "الاستلحاق": استحباب النطق، وهو غير المعروف من مذهبهم. تنبيهات: الأول: جميع النيات المعتبرة في العبادات يشترط فيها المقارنة، إلَّا الصوم؛ للمشقة، وإلَّا الزكاة فإنه يجوز تقديمها قبل وقت إعطائها، قيل: والكفارات فإنه يجوز تقديمها على الفعل والشروع. الثاني. ينبغي لمن أراد شيئًا من الطاعات أن يستحضر النية فينوي به وجه الله تعالى، وهل يشترط ذلك أول كل عمل وإن قلّ وتكرر فعله مقارنًا لأوله؟ فيه مذاهب: أحدها: نعم. وثانيها: يشترط ذلك في أوله ولا يشترط إذا تكرر، بل يكفيه أن ينوي أول كل عمل ولا يشترط تكرارها فيما بعد [ولا مقارنتها] (٢) ولا الاتصال.

стр. 178

وثالثها: يشترط المقارنة دون الاتصال. ورابعها: يشترط الاتصال وهو أخف من المقارنة. وكأن هذه المذاهب راجعة إلى أن النية جزء من العبادة أم شرط لصحتها؟ مذهب الجمهور أنها جزء منها، ولأصحابنا وجه أنها شرط، والشرط لا يجب مقارنته ولا اتصاله ولا تكراره للمشروط، بل متى وجد ما يرفعه أو ينفيه وجب فعله. وقال الحارث بن أسد المحاسبي (١): الراجح عند أكثر السلف الاكتفاء بنية عامة ولا يحتاج إليها في كل جزء لما فيه من [الحرج] (٢)، والمشقة. الثالث: النية وسيلة للمقاصد، والأعمال قد تكون وسيلة [وقد تكون] (٣) مقصودة وقد يجتمعان. الرابع: الغرض المهم من النية: تمييز العبادات عن العادات، وتمييز رتب العبادات بعضها عن بعض، فمن أمثلة الأول: الوضوء والغسل والإمساك عن المفطرات ودفع المال إلى الغير [والذبح] (٤)، ومن أمثلة الثاني: الصلاة.

стр. 179

الخامس: قد أسلفنا أن معنى النية القصد، وذلك لا يؤثر إلَّا إذا كان جازمًا بالمقصود بصفته الخاصة وإلَّا لم يكن قصدًا، فلو كان شاكًّا في وجود شرط ذلك الفعل أو علق النية على شرط لم يصح المنوي، نعم لو كان جازمًا بالوجوب ناسيًا صفته كمن تحقق أن عليه صومًا ولم يدر أنه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة فقد حكى صاحب (البيان) (١) عن الصيمري (٢): أنه يصح إذا نوى الصوم الواجب عليه؛ قياسًا على من نسي صلاة من الخمس ولم يدر عينها فإنه يعذر في جزم النية للضرورة، ولو علق كما إذا قال: أصوم غدًا إن شاء الله تعالى، فالأصح أنه إن قصد الشك أو التعليق لم يصح، وإن قصد التبرك أو تعليق الحياة على مشيئة الله تعالى وتمكنه صح، ثم فى عدم الجزم بالنية صورٌ محلُّ الخوض فيها كتب الفروع. الحادي والعشرون: قوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" وهو متعلق بالخبر المحذوف، ولا جائز أن يقدر وجودها لوجود العمل ولا نية، فتعين أن يقدر نفي الصحة أو نفي الكمال، وفيه مذهبان للأصوليين، والأظهر الأول؛ لأنه أقرب إلى حضوره بالذهن عند الإِطلاق فالحمل عليه أولى، وقد يقدرونه بالاعتبار أي اعتبار

стр. 180

الأعمال بالنيات، وقرب ذلك تمثيل قولهم: "إنما الملك بالرجال" أي قوامة وجوده، و"إنما الرجال بالمال" و"إنما الرعية بالعدل" وكل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور. وقدَّر بعض المحدثين: القبول، وهو راجع إلى ثواب الآخرة وهو مرتب على الصحة والكمال، وقد تنفك الصحة عن القبول بالنسبة إلى أحكام الدنيا فقط. وعلى تقدير إضمار الصحة أو الكمال وقع اختلاف الفقهاء. فذهب الشافعى ومالك وأحمد وداود وجمهور أهل الحجاز إلى تقدير الصحة، أي: الأعمال مجزية أو معتبرة بالنيات أو إنما صحتها أو اعتبارها بالنيات، فيكون قد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فلا يصح وضوء (١) ولا غسل ولا تيمم إلَّا بنية. وذهب أبو حنيفة ومن وافقه: إلى تقدير الكمال، أي كمال الأعمال بالنيات، فيصح الوضوء والغسل بغير نية ولا يصح التيمم إلَّا بنية. وذهب طائفة ثالثة: إلى أنه يصح الكل من غير نية حكاه ابن المنذر (٢) عن الأوزاعي وغيره (٣). احتج الأولون بأدلة: أحدها: هذا الحديث.
следующие страницы →