← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ما فيه من الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمبين والمجمل، وتبيين المذاهب الواقعة فيه، وذكر وجهها وما يظهر منها على وجه الإنصاف، وما لا يظهر، وأعرض عما فعله بعض الشراح من إيراد [مسائل] (١) لا تستنبط من ألفاظ الحديث، كمن يأتي إلى حديث يدل على جواز مسح الخف مثلًا، فيأتي [بمسائل] (٢) ذلك الباب من غير أن تكون مستنبطة من الحديث الذي تكلَّم عليه، وإن أمكن فبطريق مستبعد، وأعرض أيضًا عما فعله قوم من الاسترسال في وجوه الاستنباط، فإن تعرضت له نبهت على بعده وعدم ظهوره، وأتبع ذلك على ما وقع للشراح من المؤاخذات، إلى غير ذلك مما ستراه واضحًا إن شاء الله تعالى من الفوائد والفرائد، وسميته "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" أسال الله الكريم إتمامه مصونًا عاجلًا، وأن يجعله لكل خير كافلًا لا رب سواه ولا نرجو إلَّا إيَّاه حسبنا [الله ونعم الوكيل ولا حول] (٣) ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، [اعتصمت] (٤) بالله ألجأت ظهري إلى الله اعتمدت على الله، اللهم انفع به [مؤلفه وقارئه والناظر فيه وجميع] (٥) المسلمين. فصل: في نسب النبي ﷺ ليشرف الكتاب به، ولمعرفه فوائد

стр. 72

[لا تحصى هو: محمد بن] (١) عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي -بالهمز، وقيل: [مرة] (٢) - بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس -بكسر الهمزة وفتحها- بن مضر [ابن نزار بن] (٣) معد بن عدنان، إلى هنا إجماع الأمة، وما وراءه مختلف (فيه) (٤)، كنيته أبو القاسم، وكناه جبريل أبا إبراهيم (٥)، ويكنى أبا الأرامل أيضًا. وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب. وأسماؤه كثيرة ذكر ابن عساكر منها جملة، وذكر ابن العربي (٦) منها [ستين] (٧) اسمًا (٨) سردها وقال: [وله] (٩) وراء ذلك أسماء، وقال بعض الصوفية: له ألف اسم، وذكر له ابن دحية فوق المائتين في جزئين وقد لخصتهما فيما اختصرته من (دلائل

стр. 73

النبوة) (١) للبيهقي، أعان الله على إكماله. ولد عام الفيل، وقيل: بعده بثلاثين سنة، وقيل: بأربعين سنة، واتفقوا على ولادته يوم الاثنين في ربيع الأول، قيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لثمان، وقيل: لعشر، وقيل: لثنتي عشرة وهو أشهر. وبُعثَ رسولًا إلى الناس كافة وهو بمكة ابن أربعين سنة، وقيل: أربعين ويوم، ثم أقام بها بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، وقيل: عشرًا، وقيل: خمس عشرة، ثم هاجر إلى المدينة فأقام بها عشرًا بالاتفاق، والصحيح في عمره ثلاث وستون (٢) وقدم المدينة يوم الاثنين ضحى لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، وتوفي يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وابتدأ التاريخ من الهجرة. قال الحاكم أبو أحمد: يقال نبىء يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرًا يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، وفيه ولد وتوفي. فصل: في نبذة مختصرة من حال مصنف هذا الكتاب المبارك الذي عمَّ النفع به وكم من قاصد "تحداه" (٣) فلم ينل شيئًا من مرتبته وهذا مما يدل على صدق نية مؤلفه وعلو منزلته، هو الحافظ الإمام محدث الإِسلام تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن

стр. 74

علي بن سرور المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي ثم المصري الحنبلي، صاحب التصانيف، ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مائة بجماعيل، سمع ابن البطي وطبقته ببغداد، وأبا طاهر السلفي بالثغر، وأقام عليه ثلاثة أعوام، ولعله كتب عنه ألف جزء، والحافظ أبا موسى المديني وأقرانه بأصبهان، وعلي بن هبة الله الكاملي بمصر وسمع أيضًا من غيرهم، وكتب ما لا يوصف كثرة، وما زال ينسخ ويصنف ويحدث ويعبد الله حتى أتاه اليقين، روى عنه [ولداه] (١)، أبو الفتح، وموسى، وعبد القادر الرهاوي، والشيخ موفق الدين، والضياء، وابن خليل، وابن عبد الدائم، وابن عزون، وابن علاق، وحدَّث بالكثير وصنَّف في الحديث تصانيف حسنة، وكان غزير الحفظ من أهل الإتقان والتجويد، وكان كثير العبادة ورعًا متمسكًا بالسنة على قانون السلف [خرج] (٢) من دمشق لكائنة (٣) وأقام بمصر إلى أن توفي. وصفته أنه ليس بالأبيض الأبهق يميل إلى سمرة، حسن الثغر كث اللحية واسع الجبين، عظيم الخلق تام القامة كأن النور يخرج من وجهه، ضعف بصره من كثرة الكتابة والبكاء، وحدَّث ببغداد ودمشق ومصر والإِسكندرية، قال ابن خليل: كان دائم الصيام كثير الِإيثار، يصلي كل يوم وليلة ثلائمائة ركعة ومن تصانيفه "المصباح" يشتمل على أحاديث الصحيحين، "نهاية المراد في

стр. 75

السنن" في نحو مائتي جزء لم يتمه، "المواقيت"، "الجهاد"، "الروضة"، "فضائل خير البرية"، "الذكر"، "الإسراء"، "البهجة"، "الفرج"، "صلات الأحياء إلى الأموات"، "الصفات الحسنة"، "فضل مكة"، "غنية الحفاظ في مشكل الألفاظ"، "الحكايات" أزيد من مائة جزء، وتصانيف كثيرة جزء جزء (١) ومما ألفه بلا إسناد "هذه العمدة"، و"العمدة الكبرى"، و"درر الأثر والكمال" عدة مجلدات و"السيرة" و"الجامع الصغير لأحكام البشير النذير" ولم يتمه، و"مناقب عمر بن عبد العزيز". قال الضياء: وكان أمير المؤمنين في الحديث، وقد ترجمه في أربعة كراريس ذكرت منها في الكتاب المشار إليه أوراقًا (٢) فراجعها. مات ﵁ ونوّر ضريحه- في يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول سنة ستمائة، قال المنذري: مات بمسجد ابن الفرات بمصر ودفن بسفح المقطم بالتربة المعروفة به. وبيننا وبينه اثنان، فإن جماعة من شيوخنا أخبرونا بهذا الكتاب وبغيره عن مسند وقته الفخر بن البخاري عنه، منهم الحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي، وفتح الدين بن سيد الناس اليعمري، وغيرهما، وأخبرني أيضًا [السيد] (٣) الأمير [بدر الدين] (٤)

стр. 76

أبو علي حسن بن محمد بن عبد الرحمن الأرملي -عرف بابن السديد- عن ابن عبد الدائم عنه، وهذا أعلى [ما يقع] (١) في زماننا ولله الحمد. فصل: في شرح خطبته أيضًا على طريق الاختصار: قال ﵀ ونفعنا به: "الحمد لله"، الكلام عليه من وجوه: أحدها: إنما بدأ بالحمد [لله] (٢) لأمور. أولها: الاقتداء بكتاب الله تعالى فإنَّه مفتتح به. ثانيها: لامتثال أمر الله تعالى ونبيه ﷺ قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] (٣). وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ (٤). وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (٥). وقال رسول الله ﷺ : "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم" (٦).

стр. 77

رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي في عمل [اليوم والليلة] (١) وصححه أبو عوانة وابن حبان وروي مرسلًا وموصولًا، والحكم للاتصال عند الجمهور لأنها زيادة من ثقة، فقبلت. ثالثها: للتبرك بذكر الله تعالى في أول كتابه. رابعها: شكر الله على ما أولى من النعم حيث رفعه من درجة التعلم إلى التعليم. ثانيها: في حد الحمد: هو الثناء على الممدوح بصفاته الجميلة وأفعاله الحسنة. وقال الإمام فخر الدين في "تفسيره": هو عبارة عن كل فعل [مشعر] (٢) بتعظيم المنعم لكونه منعمًا، والفعل إما بالقلب وهو اعتقاد كونه موصوفًا بصفات الجلال، وإما باللسان وهو أن يذكر ألفاظًا دالة على اتصافه بصفات الكمال، وإما بالجوارح وهو أن يأتي بأفعال دالة على ذلك.

стр. 78

وقال جماعة: هو الرضا. وقال الجوهري (١): هو نقيض الذم. وقال ثعلب والزمخشرى (٢): هو المدح. ورُد بأن [الحمد] (٣) أعم كما ستعلمه. وقيل: إنه الوصف بالجميل على سبيل التعظيم قصدًا مطلقًا، فخرج بالأول حمد الغافل، وبالئاني قصد الحمد ظاهرًا لغيره وباطنًا لنفسه، كقولك: نعم الطالب زيد، وقد قرأ عليَّ. وقيل: غير ذلك. ثالثها: أكثر الناس في الحمد والشكر وأيهما أخص؟ والتحقيق أن بينهما عموم وخصوص من وجه فيجتمعان في ثناء في مقابلة نعمة، ويوجد الحمد بدون الشكر في ثناء [ولا] (٤) مقابل نعمة، والشكر بدون الحمد في فعل مقابل لنعمة، فليس كل حمد شكرًا ولا كل شكر حمدًا، نعم متعلق الحمد وهو المحمود عليه أعم من متعلق الشكر، فكل ما يصح الشكر عليه يصح الحمد عليه، ولا ينعكس. رابعها: اختار المصنف الحمد دون المدح لأمرين:

стр. 79

أحدهما: [اختار المصنف الحمد] (١) للتأسي بالقرآن. ثانيهما: أنه بعد الإحسان بخلاف المدح، وقال الزمخشرى (٢): هما أخوان. وقال الرافعي في "تذنيبه" (٣): إن المدح أعم، لأن الثناء على الشخص بما لا اختيار له فيه كحسن الوجه والقد ونحوهما يطلق عليه المدح دون الحمد، وحينئذ يكون متعلق المدح وهو الممدوح عليه أعم الثلاثة. وفرّق السهيلي بينهما؛ لأن الحمد يشترط فيه أن يكون صادرًا عن علم، وأن تكون تلك الصفات المحمودة صفات كمال، والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما. وفرّق الرضا القزويني صاحب "العروة الوثقى": بأن المدح يكون للحي وغيره بخلاف الحمد، تقول: مدحت اللؤلؤة، ولا تقول: حمدتها، والمدح قد يكون منهيًا عنه، قال ﵇ (٤): "احثوا في وجوه المداحين التراب" (٥). بخلاف الحمد، فالحمد أعم

стр. 80

ولأنه يصح إطلاقه للشاهد والغائب، بخلاف المدح فإنه مختص بالغائب، والحمد [لله] (١) يدل على كونه فاعلًا مختارًا بخلاف المدح لله لعمومه (٢). خامسها: اختار المصنف الحمد دون الشكر أيضًا؛ لأنه ثناء على الله بسبب كل إنعام، فهو أفضل، بخلاف الشكر فإنه ثناء عليه بسبب إنعامه عليك، هذا هو قول من فرق بين الحمد والشكر [بأن الحمد] (٣) يكون مع [الإنعام] (٤) عليك وعدمه، والشكر مختص بالإنعام عليك (٥). سادسها: اختار أيضًا (الحمد لله) دون أحمد الله، لأنه أولى منه، لأن أحمد يفيد أن العامل نحمد. وقوله: "الحمد لله" يفيد أنه محمود قبل حمد الحامدين سواء حمده أحد أم لا، ولأن الحمد لله معناه أن الحمد حق لله وأنه تعالى مستحقه لذاته لكثرة آلائه على عبيده، ولو قال: (أحمد الله) لم يدل على كونه مستحق للحمد لذاته، والأول أولى لأن في قوله أحمد الله أنه يحمد حمدًا يليق به، وإذا قال: الحمد لله. فكأنه يقول من أنا حتى أحمده لكنه محمود قبل حمد الحامدين، ذكر ذلك ابن الخطيب.

стр. 81

سابعها: الألف واللام في "الحمد" يحتمل كونها للجنس، ويحتمل كونها للعهد أي -الذهني- الذي حمد به نفسه وحمدته أوليائه. ثامنها: أجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من "الحمد لله"، وقرىء بنصبها على إضمار فعل وبضمها مع ضم اللام على الاتباع وبكسر الدال على الاتباع أيضًا. تاسعها: اختلف العلماء: هل الحمد المقيد أفضل أم المطلق؟ فذهب جمع من أصحابنا الخرسانيين إلى تفضيل الأول لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (١) وقالوا: من حلف ليحمدن الله بأجل المحامد فطريقه أن يقول "الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، ويكافىء مزيده" (٢) وذهبت طائفة من متكلمي المغاربة إلى ترجيح المطلق لتشعب جميع المحامد منه. عاشرها: التحميد أكمل من التسبيح، كما قاله الإمام [فخر الدين] (٣)، وأجاب عن تقديم التسبيح على التحميد في قوله ﵇: "سبحان الله والحمد لله" [بأن] (٤) الحمد يدل على

стр. 82

التسبيح؛ لأنَّ معنى التسبيح: التنزيه [عن] (١) النقائص، والتحميد فيه مع ذلك ... أنه محسن إلى خلقه، فهو أكمل. الحادي عشر: نبه الإِمام فخر الدين في "تفسيره" على أن من قال: الحمد لله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية، لأن الحمد لله ثمانية أحرف وأبواب الجنة كذلك. وقال صاحب "الحُللِ " أبو عمر الزناتي، شارح "رسالة ابن أبي زيد": موجب الحمد اثنان وخمسون خصلة ما اجتمعت قط لمخلوقٍ، وإليها أشير بكلمة حمد، فإن الحاء بثمانية والميم بأربعين والدال بأربعة (٢)، ولقد أحسن المتنبي في شعره حيث قال في ذلك: لك الحمد حتى لا لمفتخرٍ ... في الحمد حاءٌ ولا ميمٌ ولا دالُ (٣) الثانى عشر: [في] (٤) أحكام الحمد، وهو ينقسم أربعة أقسام: واجب، ومندوب، ومكروه، وحرام. أما الأول: فهو واجب في الجملة سمعًا وعند المعتزلة عقلًا،

стр. 83

وحكى الإِمام فخر الدين عن طائفة: إنكاره جملة، ولا وجه له، ومن أمثلة هذا القسم: الابتداء به في الخطبة فإنه ركنٌ فيها. وأما الثاني: فمن أمثلته الخُطبة على الخطبة، وعند العقد، وفي ابتداء الدعاء، وبعد الأكل والشرب، والعطاس، والخروج من الخلاء، وعند النوم، واليقظة، ونحو ذلك. وأما الثالث: فمن أمثلته الأماكن المستقذرة تنزيهًا له: كالمزبلة، والمجزرة، والأحوال المستكرهة لفرط الشبع والنوم، ومدافعة الأخبثين، وقد نص القرافي في "قواعده" (١) على كراهة الدعاء في ذلك كله، وما أحسن ما حكي عن سرّى السقطي (٢) أنه بقي يستغفر الله ثلاثين سنة في قوله: "الحمد لله" لوقوع حريق ببغداد أتى على دورها ودكاكينها فبلغه أن دكانه سلم، فحمد الله على ذلك، ثم راجع نفسه، وقال: كان الواجب أن يحزنني ما أصاب إخواني المؤمنين. وأما الرابع: فهو حرام، على الفرح بوقوع معصية. وأوجبه بعض العلماء في الأمور الدنيوية ليكون لها عاقبة محمودة، واستحسنه في الدينية لأنها طاعة.

стр. 84

وأما قوله: [الله] (١) فهو علم على المعبود بحق وهو الباري سبحانه وتعالي، واللام فيه لام الإضافية ولها معنيان: الملك "كالمال لزيد"، وفي معناه "القدرة" (٢) والاستيلاء نحو "البلد للسلطان"، والاختصاص "كالسرج للفرس". وعن الإِمام فخر الدين (٣): أنها لام اللياقة أي أن الحمد لا يليق إلَّا له، وقرنَ الحمد به لأنه اسم للذات بخلاف الرحمن وغيره، لأنه صفة لا تدل على [غيره] (٤). قال البندنيجي (٥): وأكثر أهل العلم على أن هذا الاسم هو الاسم الأعظم.

стр. 85

قال الخطابي (١). وأحب الأقاويل إليّ: قول من ذهب إلى أنه اسم علم وليس بمشتق. قال الإمام فخر الدين (٢) في "لوامع البيان في شرح الأسماء والصفات" (٣): وهو قول أكثر المحققين خلافًا لجمهور المعتزله. وقال صاحب "الحلل": هو مرتجل غير مشتق ولا منقول بخلاف لفظة [الإله] (٤) فإنه منقول اتفاقًا. وأما صاحب "العروة الوثقى" فنقل عن الأكثربن: أنه مشتق. وقال أبو العز مظفر في "الأسرار العقلية": الصحيح عندي أنه كان مشتقًا ثم صار علماً وهذا جمعٌ بين القولين. ومن خواص هذا الاسم أنك متى حذفت من خطه حرفًا بقي دالًا عليه ﵎ [ويقال] (٥): فإن حذفت الألف بقي لله وإن حذفت اللام الأولى وأبقيت الألف بقي إله [واحد] (٦) وإن حذفتهما معًا بقي له ملكُ السموات والأرض، وإن حذفت الثلاثة [بقي] (٧) هو الحيٌّ لا إله إلَّا هو.

стр. 86

قال بعضهم: كل اسم يصلح للتخلق إلَّا اسم الله تعالى فإنه لا يصلح إلَّا للتعلق. قال بعض المتكلمين: والإله عند أهل الحق هو الكامل على الإطلاق، والإلهية هي: الكمال على الإطلاق في جميع الصفات الواجبة والجائزة والمستحيلة في حقه تعالي. وقال جمهورهم: الإِله عبارة عن موجود قائم بذاته قديم لا حد له ولا نهاية حيٌّ عالم قادر مدبر سميع بصير متكلم فرد صمدٌ، وقيل: الإِله: القادر على الاختراع (١) والإلهية: القدرة على الاختراع. واختلف في اشتقاقه عند من قال به على أقوال حكاها صاحب "العروة الوثقى": أحدها: أن [أصله] (٢) "إله" [والإله] (٣) مَنْ تُضرع إليه في النوائب، وهو اختيار المحاسبي وغيره. ثانيها: أنه مشتق من "لاه" إذا احتجب، وهو خطأ. ثالثها: أنه من "لاه"، إذا على. رابعها: أنه من "أله" إذا قام بالمكان.

стр. 87

خامسها: أنه من "إله" إذا تجبّر، وهو خطأ. سادسها: من "التأله" وهو التعبد. سابعها: وقال: وهو أصحها: أنه من "الإِلهية" وهي القدرة على الاختراع (١)، واختلف أهل العربية في أصله أيضًا على قولين: فذهب أهل البصرة إلى أن أصله "إلاه"، وذهب الكوفيون إلى أن أصله "لاه" (٢). وموضع البسط في ذلك كتب العربية فلا نطوّل به. قال ﵀: "الملك الجبّار". وأما "الملك" فقال [أبو عَمْرو] (٣) [وهو] (٤) أبلغ من المالك في المدح؛ لأن الملك لا يكون إلَّا مالكًا وقد يكون المالك غير الملك. قال [الأزهري] (٥): هذا إنما يكون في المخلوقين لأن أحدهم ملك شيئًا دون شيء، [والله تعالى] (٦) ملك كل شيء والمُلك والملوك [من أملاكه] (٧) ألا تراه يقول: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٨).

стр. 88

وقال الأزهري: الملك تمام القدرة. وقيل: هو [شرعًا] (١): القدرة على الإِيجاد والاختراع، من قولهم: فلان يملك الانتفاع بكذا: إذا تمكَّن منه، فيكون من أسماء الصفات كالقادر. وقيل: هو المتصرف في الأشياء بالإِيجاد والإِعدام فتكون من أسماء الأفعال، كالخالق، والله تعالى مالك، وملك، ومليك، ولا يطلق الاسم على غيره إلَّا مجازًا. وأما "الجبار": فله معان: أحدها: بمعنى المكره لغيره [لأنه] (٢) جبر خلقه على ما شاء، ومنه: جبر الأمير فلانًا وأجبره على كذا: إذا أكرهه عليه. ثانيها: بمعنى المصلح للشيء من حال الفساد إلى نسق السداد. ثالثها: بمعنى المتعالي على كل شيء. ومنه قولهم: نخلة جبَّارة إذا كانت باسقة، لا تنالها الأيدي، فالأول والثاني [راجعان] (٣) إلى صفة الأفعال، والثالث إلى "صفات" (٤) التنزيه. وقيل معناه: جبر القلوب على معرفته وفطرها على الإِقرار به، وهو راجع إلى الثاني. وقرن المصنف الملك بالجبار؛ لأن بسطوة الجبروت يتم الملك. قال ﵀: "الواحد القهار".

стр. 89

أما "الواحد" فله معنيان: أحدهما: مفتتح الوجود. والثاني: أنه لا نظير له ولا مثل، كقولهم: فلان واحد في قومه في الشرف، واختلف في "واحد" و"أحد"، فقيل: هما بمعنى، وقيل: إن "أحدًا" أكمل من "واحد" لأنك تفرق بين قولك: فلان لا يقوم له واحد وأحد، وقد أوضحت الكلام على هذه المادة في خطبة "شرح المنهاج" (١)، فإن شئت فراجعها منه، وقرن المصنف الواحد بالقهار لأن بالوحدة يقع القهر. تنبيهان: الأول: توحيد الله نفسه على ثلاثة أوجه: علمه بأحديته، وإخباره بها، وإقرار العبد عليها. وتوحيد العبد لله على ثلاثة أوجه: علمه بأحديته، وإقراره بها، وتعليمها لغيره، نبّه عليه صاحب العروة الوثقى. الثاني: قال القرافى (٢): الإلهية، وعموم تعلق صفاته، وشبهها ... يجب توحيده بالإِله إجماعًا، والعلم والقدرة ونحوهما لا توجب [توحده] (٣) به إجماعًا، فيجوز أن يقال: فلانٌ عالم بكذا قادر على كذا. والقسم بغيره تعالى اختلف فيه، فإن القسم بالشيء تعظيمٌ له

стр. 90

وتعظيم غير الله حرام، وهو جائز [و] (١) لأنه يرجع إلى تعظيم الله تعالى كالحلف برسول الله ﷺ (٢). وأما "القهار" فقال الحليمي وغيره: هو الذي يقهر ولا يُقهر [بحال] (٣). وقال الخطابي (٤): هو الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعبودية، وقهر الخلق كلهم بالموت. قلتُ: وله معنيان: الأول: بمعنى القادر على منع غيره من فعل بخلاف مراده، فهو من صفات الذات. الثاني: المانع لغيره من جريه على وفق مراده فهو من صفات الفعل. والقهار: يدل على الوحدانية إذ لو كان معه شريك يعانده لما كان قهارًا، ويوجب الخوف الشديد [لا جرم] (٥) أنه تعالى أردفه في صورة ص

стр. 91

بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (١). تنبيه: اختلف الأصوليون في أن الاسم غير المسمى، أو هو هو، وذلك في غير اسم الله تعالى، وأما الله تعالى فلا يجوز إطلاق ذلك عليه، بل هو سبحانه واحدٌ في ذاته وصفاته، وذاته وصفاته وأسماؤه كذلك لا يقال هذا هذا ولا هذا غير هذا، بل نطلقه كما أطلقه تعالى (٢)، تعالى الله

стр. 92

عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا. قال ﵀: "وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار" معنى: "أشهد" أعلم وأبين (١). ومن خواص لا إله إلَّا الله، أن حروفها كلها مهملة، ليس فيها حرف معجم تنبيهًا على التجرد عن كل معبود سوى الله، ومن خواصها أيضًا: أن جميع حروفها جوفية ليس فيها حرف من الحروف الشفهية، وهذه الكلمة فيها إثبات بعد [نفي] (٢)، وأنكره أبو العز مظفر صاحب "الأسرار العقلية"، وقال: كلها إثبات، إذ يلزم منه كفر، وإيمان، بل المستثنى مع المستثنى منه كاللفظة الواحدة الدالة على شيء واحد، وإن للسبعة عبارتان: سبعة وعشرة إلَّا ثلاثة، وما قاله ضعفَّه الأصوليون؛ لأنه إنما يكون كفرًا عند إنفراد النفي، وأفاد بقوله: "لا شريك له" وإن كان مستفادًا من الأول نفي القائل بان الإستثناء من النفي ليس إثباتًا وإن [كان] (٣) كلمة التوحيد لا تفيده إلَّا بقرائن حالية لا لفظية، والشريك هو [المقارن] (٤) في الإِيجاد والعدم تعالى الله

стр. 93

عن ذلك، ولقد أحسن أبو العتاهية (١) في شعره حيث قال: أيا عجبًا كيف يُعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد ولله في كل تحريكة ... عليك وتسكينة شاهد [وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد] (٢) وفي معنى "رب" أربعة أقوال: الملك، والسيد، والمدبر، والمربي، فالأولان: من صفات الذات، والآخران من صفات الفعل، قال العلماء: متى دخلت الألف واللام على لفظ رب اختص بالله تعالى، وإن حذفت كان مشتركًا. ومنه رب المال ورب الإِبل، وكله جائز عند الجمهور، وخصه بعضهم برب المال ونحوه مما لا روح له وهو غلط. قال بعض العلماء: إذا تأمَّلت [الكتاب] (٣) والسنة وجدت أكثر دعوات المرسلين والنبيين وسائر من ذكر الله من المؤمنين: الرب. والسموات: جمع سماء [وكل] (٤) شيء ارتفع فهو سماء، وهي سبع، جاء أن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام (٥) وغلظ كل سماء خمسمائة عام (٦).

стр. 94

وروينا عن كعب أنه قال: خلق الله السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوت. قال الزمخشري (١): قيل: ما في [القرآن] آية تدل على أن [الأرضين] (٢) سبع، إلَّا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (٣). قلت: والأحاديث مستفيضة فيه أيضًا كقوله ﵊: "من ظلم قيد شبر طوقه الله من سبع أرضين" (٤). وإختلف أهل الهيئة: هل هن متراكمات بلا تفاصل، أو بين كل واحدة والتي تليها خلاء؟ على قولين: أصحهما الثاني، وفي وسطها المركز وهو نقطة مقدرة متوهمة [وهو] (٥) محط الأثقال [إليه] (٦) ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يقارنه مانع، وتأول بعضهم الحديث على أن المراد بها [سبع] (٧) أقاليم، بعيد. وروى البيهقي عن أبي الضحى مسلم عن ابن عباس أنه قال: " ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: سبع أرضين في كل أرضين نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى

стр. 95

كعيسى" ثم قال: إسناد هذا الحديث عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا (١). وهي مثل السموات في البعد والغلظ، أخرج الترمذي من حديث الحسن عن أبي هريرة: لما عد مسيرة ما بين سماء وسماء حتى عد سبع ثم قال: "أتدرون ما فوق ذلك"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين"، ثم عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: "والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله"، ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ (٢). قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه (٣)، والحسن لم يسمع من أبي هريرة، وأعله الجوزقاني من هذا الوجه فذكره في "موضوعاته"، وقال إنه حديث باطل، لكن قد صحح جماعات سماع الحسن من أبي هريرة، ثم ذكر أعني الجوزقاني الحديث المذكور من طريق أبي ذر وبنحوه من طريق

стр. 96

العباس ووهّاهما. وقوله: "إنما هبط على الله"، قال الترمذي: قراءة رسول الله ﷺ هذه الآية تدل على أنه أراد: هبط على علم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه (١). وجمع السموات ووحَّد الأرض لأنه أراد الجنس، وجمع السموات لشرفها، قاله النووي (٢) في "شرح المهذب".

стр. 97

وقال القاضي أبو الطيب: إنما جمعت؛ لأنا لا ننتفع من الأرض إلَّا بالطبقة الأولى، بخلاف السماء فإن الشمس والقمر والكواكب موزعة عليها. والمذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض، وقيل: الأرض أشرف؛ لأنها مستقر الأنبياء ومدفنهم، وهو ضعيف (١). [وخلق] (٢) السموات والأرض في ستة [أيام] (٣)، والجمهور على أنها كأيامنا هذه، واختار جماعة أن كل يوم كألف سنة مما تعدون. وروى ابن جرير (٤) عن الضحاك بن مزاحم وغيره أن أسماء الأيام الستة: أبجد هوَّز حطي كلمن سعفص قرشت. وحكى ابن جرير (٥) في أول الأيام ثلاثة أقوال: فروى عن ابن

стр. 98

إسحاق أن أهل التوراة يقولون: ابتداؤها يوم الأحد، وعن أهل الإنجيل: الاثنين، وعن الإسلاميين: السبت، ثم اختار ابن جرير أنه الأحد. فائدة: حكى [ابن حزم] (١) وابن الجوزي وغيرهما الإجماع على أن السماء كرة مستديرة، وهو أشهر القولين لقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٢)، قال الحسن: يدورون، قال ابن عباس: في فلكة مثل فلكة المغزل. فائدة [ثانية] (٣) اختلف العلماء: هل كان قبل السموات والأرض شيء مخلوق قبلهما أم لا؟ فقالت طائفة من المتكلمين: لم يكن قبلهما شيء مخلوق وإنما خلقتا من العدم المحض، وخالفهم آخرون لقوله تعالى: (﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٤)، ثم اختلف هؤلاء فاختار ابن جرير (٥) وغيره أن [القلم] (٦) خلق قبل هذه الأشياء ثم السحاب الرقيق وبعده العرش. ونقل الحافظ أبو العلاء الهمداني (٧) وغيره عن الجمهور: أن

стр. 99

العرش خلق قبل ذلك، ويحمل حديث: "أول ما خلق الله القلم" (١) على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، وقال آخرون: بل خلق الماء قبل العرش، وقال ابن إسحاق: أول ما خلق [الله] (٢) النور ثم الظلمة ثم ميز بينهما (٣)، وقيل: أول ما خلق [الله] (٤) بعد القلم الكرسي ثم العرش ثم الهواء والظلمة ثم الماء، حكاه ابن جرير (٥). وقوله: "وما بينهما" أي من الجواهر والأعراض (٦). وأما "العزيز" فله معان: أولها: لا مثيل له، من عزّ يعِزُّ بكسر العين في المستقبل: إذا تعذَّر وجود مثله.

стр. 100

وثانيهما: بمعنى الغالب ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ (١)، أي غلبني. وثالثها: بمعنى الشديد، من عزَّ يَعز بفتح العين في المستقبل: إذا إشتد وقوي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (٢)، أي شددنا. ورابعها: بمعنى المعز، وقيل: بمعنى [مفعول] (٣) كأليم بمعنى مؤلم. والأول: يرجع إلى التنزيه، والثاني والثالث: إلى صفة الذات. والرابع: إلى صفة الفعل (٤). وحكى الزجاج (٥): العزيز: الجليل الشريف. وقال أبو حامد الإسفراييني (٦): العزيز الذي يقل وجوده، وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه، فمتى لم تجتمع هذه

стр. 101

المعاني الثلاثة لم يطلق [اسم] (١) العزيز عليه. وأما "الغفار": فمعناه الستار، وقيل: معناه الماحى، وأطلق على المحو ستر لاشتراك الممحو والمستور في عدم الظهور. ونقل ابن الجوزي (٢) عن بعض أهل اللغة: أنه مأخوذ من الغفر وهو نبت يداوى به الجراح إذا ذر عليها دملها وأبراها. وهو غريب، وقد أوضحت الكلام على هذه المادة في خطبة "شرح المنهاج"، فليراجع منه، وقرن المصنف العزيز بالغفار تبعًا للآية السالفة (٣). قال ﵀: "وصلى على النبي المصطفى المختار". أما الصلاة فهي من الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم، ومن الملائكة باستغفار، ومن الآدمي تضرع ودعاء (٤). وأعرض (٥) القرافي في "شرح التنقيح" فقال: عادة جماعة يفسرون الصلاة في حق الله تعالى بالرحمة وهي مستحيلة لأنها [رقة] (٦) في الطبع فلذلك فسرتها:

стр. 102

[بالإحسان] (١) لأنه ممكن في حق الله تعالى. قال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بالصلاة عليه ﷺ . وفي مسند إسحاق بن راهويه من حديث

стр. 103

أبي ذر مرفوعًا: "إنَّ أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل عليَّ" (١). قلت: وكان ينبغي للمصنف أن يقرن الصلاة بالتسليم، وقد نص العلماء على كراهة إفراد أحدهما (٢). وأما "النبي": فهو بالهمز وتركه، فمن همز فهو عنده من أنبأ إذا أخبر واسم فاعله منبي وجمعه أنبياء. وجاء نبأ. ومن ترك الهمز فقيل: إن اشتقاقه اشتقاق المهموز ثم سهل الهمزة، ومنهم من قال: هو مشتق من نبأ ينبو إذا أظهر. فالنبى من النبوة وهو الارتفاع فمنزلته رفيعة. والنبي (٣): بترك الهمز أيضًا: الطريق، فسمي الرسول نبيًا لاهتداء الخلق به كالطريق. قال الزمخشري: النبي هو الذي ينبي عن الله تعالى وإن لم يكن معه كتاب. وذهب الأشعرى: إلى أنه هو الذي نبأه الله. وتظهر ثمرة الخلاف في أن الرسول هل يثاب على النبوة والإِرسال أم لا؟

стр. 104

أما الإرسال: فهو من الصفات الشريفة التي لا ثواب عليها وإنما الثواب على أداء الرسالة التي حملها. وأما النبوة: فمن قال بالقول الأول قال: إنه يثاب على إنبائه لأنه من كسبه، ومن قال بمذهب الأشعري قال: لا ثواب له على إنباء الله إياه لتعذر اندراجه في كسبه، وكم من صفة شريفة لا يثاب الإنسان عليها كالمعارف الإِلهامية التي لا كسب له فيها، وكالنظر إلى وجهه الكريم الذي هو أشرف الصفات ولا يثاب عليه، ذكره ابن عبد السلام (١). وها هنا أمور مهمة: أولها: الرسول أخص من النبي فإنه الذي أوحي إليه للعمل والتبليغ، بخلاف النبي فإنه أوحي إليه العمل فقط، نعم. قال القاضي عياض في "الشفا" (٢): اختلف العلماء: هل الرسول والنبي بمعنى واحد أم لا؟ فقيل: هما بمعنى واحد وأصله من الإِنباء وهو الإِعلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ...﴾ (٣) الآية. فأثبت لهما معنى الإرسال فلا يكون الرسول إلَّا نبيًا ولا النبي إلَّا رسولًا.

стр. 105

وقيل: هما مفترقان من وجه، إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب (١) والإِعلام بخواص النبوة، وفي الفرق وجهان: أحدهما: امتياز الرسول بالأمر بالتبليغ. وثانيهما: امتيازه بمجيئه بشرع مستأنف، والنبي من لم يأت بذلك وإن كان قد أمر بتبليغ، واحتج هذا القائل من الآية نفسها؛ لأنه فرَّق بين الاسمين فلو كانا بمعنى واحد للزم التكرار في الكلام البليغ، قالوا: والتقدير: وما أرسلنا من رسول إلى أمة أو نبى ليس بمرسل إلى أحد. قال القاضي: والصحيح الذي عليه الجمهور أن كل رسول نبى من غير عكس. ونقل غيره الإجماع على هذا (٢). وقال القاضي في "إكماله": في قوله ﵊ للذي قال آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت: (قل وبنبيك الذي أرسلت) إنما قال ذلك ليشعر بأن المراد محمد ﷺ ، إذ قوله: (وبرسولك الذي أرسلت) يعم جبريل وغيره إذ ليس بنبي. وقال الخطابي في "إعلامه": لو قال (وبرسولك الذي أرسلت) لكان تكرارًا إذ كان نبيًا قبل أن يكون رسولًا، فجمع له الثناء بالاسمين جميعًا.

стр. 106

ثانيها: ذكر القرافي ﵀ أن الرسالة أفضل من النبوة، فإنَّها ثمرة هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي فنسبتها إلى النبوة كنسبة العالم للعابد، وكأن الشيخ عز الدين بن عبد السلام يذهب إلى تفضيل النبوة لشرف المتعلق؛ لأن المخاطب بها الأنبياء والمخاطب بالرسالة الأمة، والأنبياء أفضل من الأمة. ثالثها: الرسالة والنبوة ليستا [بصفتين] (١) مكتسبتين للرسول والنبى خلافًا للفلاسفة. رابعها: من الغريب ما قاله الحليمي (٢): أن الإيمان يحصل بقول الكافر (آمنت بمحمد النبى دون محمد الرسول) وعلله بأن النبي لا يكون إلَّا لله، والرسول قد يكون لغيره (٣)، وكأنه أراد أن لفظ الرسول يستعمل عرفًا في غير الرسالة إلى الخلق، بخلاف النبوة فإنها لا تستعمل إلَّا في النبوة الشرعية دون اللغوية. خامسها: جملة الأنبياء مع المرسلين مائة ألف وأربعة

стр. 107

وعشرون ألفًا، وكلهم ذكران إلَّا أم موسى وعيسى وإسحاق وحوى وآسية، على اختلاف في نبوتهن، قاله [بعضهم] (١). قال القرطبي (٢): وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ في النساء أربع نبيات حوى وآسية وأم موسى ومريم"، قال: والصحيح أن مريم كانت نبية (٣)؛ لأن الله أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر الأنبياء، ويؤيده الحديث المذكور، ذكر هذا الحديث في أوائل سورة الأنبياء وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] (٤)، أي اختارك لولادة عيسى. وقيل: اصطفاك على نساء العالمين أجمع إلى يوم النفخ في الصور، قال: وهو الصحيح والكمال المذكور في حديث: "كَمُل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون (٥)، قيل: إنه بالنبوة وإنهما نبيتين، قال: والصحيح أن مريم نبية (٦).

стр. 108

وقال النووي: لم يثبت كونها نبية، وكذا لم تثبت نبوة لقمان أيضًا، وحكى بعضهم خلافًا في نبوة أم عيسى وأم موسى وأم إسحاق والخضر، والحواريين وإخوة يوسف وذي القرنين. قال صاحب "الشفا" (١): وجميع المرسلين ثلاثمائة وثلاثة عشر، ونبينا محمد ﷺ ختمهم بثلاثمائة وأربعة عشر. قال غيره: وفي حروف اسمه تنبيه على ختم الرسل به لاشتمالها على عددهم، فإذا فككت الحروف ونطقت بكل حرف على انفراده وجمعت الأصول وما تولد عنها وجدتها ثلاثمائة وأربعة عشر حرفًا، فإن فيها ثلاث ميمات إذ الحرف المشدد بحرفين وكل واحد منها بثلاثة أحرف إذا نطقت، به ميمان وياء، عدد كل ميم أربعون، والياء عشرة، فكل ميم من تسعين حرفًا، وتسعون في ثلاثة مائتين وسبعين، والحاء من حرفين الحاء بثمانية والألف بواحد جاءت تسعة، والدال من ثلاثة أحرف بخمسة وثلاثين؛ لأن الدال بأربعة والألف بواحد واللام بثلاثين، والمجموع ثلاثمائة وأربعة عشر فهو ﷺ خاتم [الأنبياء] (٢) لاشتمال اسمه على عددهم (٣). وأولو العزم منهم خمسة، نبينا محمد ﷺ ، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. وكلهم عجم إلَّا نبينا، وإسماعيل، وهود، وصالح، وشعيب. وكلهم من بني اسرائيل أولهم يعقوب وآخرهم

стр. 109

عيسى [إلَّا شيث] (١)، وإدريس، ونوحًا، وأولاده: (سام، وحام، ويافث)، وإبراهيم، وإسحاق، زاد بعض المفسرين: وكلهم وحيهم رؤيا إلَّا أولو العزم فإن وحيهم وإن رؤيا ويقظة، ولم ينزل كتب إلَّا [على] (٢) ثمانية: آدم، وشيث، وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى، ونبينا، محمد ﷺ . وأما "المصطفى": فهو من الصفوة وهي الخلوص. "والمختار": أصله مختير فهو ﵊ أفضل المخلوقات، ومذهب أهل السنة (٣) أن النوع الإنساني أفضل من نوع الملائكة خلافًا للمعتزلة، وما يعزى إلى بعضهم من تفضيل الولي على النبي فقد تأوله هو أو غيره بأن كل نبي ولي قطعًا وهو من حيث إنه ولي أفضل من حيث إنه نبي؛ لأن ولايته وجهته إلى الحق ونبوته وجهته إلى الخلق، وفيه مع ذلك ما لا يخفى من الاستشباع من جهة الإِطلاق. وذكر الحليمي في "منهاجه": أن الأنبياء لا بدَّ أن يخالفوا غيرهم في القوى الجسمانية والروحانية. قال ﵀: "وعلى آله وصحبه الأطهار". أما الآل فقال النحاس (٤): أصله: أهل ثم أبدلت من الهاء ألفًا فإن صغَّرته رددته

стр. 110

إلى أصله فقلت: أهيل. وقال المهدوي: أصله أول وقيل [أهل] (١) قلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفًا وجمعه ألون وتصغيره أويل، فيما حكى الكسائي وحكى غيره: أهيل، وقد ذكرناه عن النحاس واختلف في حقيقته على أقوال كثيرة أصحها عند الشافعي ﵁ (٢) بنو هاشم وبنو المطلب. ثانيها: عترته وأهل بيته. ثالثها: جميع الأمة، واختاره الأزهري وغيره من المحققين (٣). رابعها: أنهم أهل البيت [زوجاته] (٤) خاصة، قاله ابن عباس وغيره وذهبوا إلى أن البيت أريد به ساكنه، وصحح ابن الفركاح دخول زوجاته في أهل بيته، والخلاف عند أحمد أيضًا. وقالت الرافضة: آله فاطمة والحسن والحسين فقط. وقال القاضي عياض (٥): وقيل: إنه نفس محمد ﷺ ، ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صل على آل محمد.
следующие страницы →