← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

مع تشديد النون وكسرها مع ذلك، وهو أقلها ومثلها من ظروف المكان المشار بها، ثم بفتح الهاء [لكنها] (١) لا يشار بها إلَّا لما بعد من الأمكنة بخلاف [هنا] (٢) فإنها لما قرب خاصة. الرابع عشر: قوله: "يمينًا وشمالًا" هما بدل من قوله "ها هنا وها هنا" ويجوز أن يكون منصوبين بإضمار أعني، مفعولين على التبعية. الخامس عشر: فيه دليل على جواز استدارة المؤذن للإِسماع عند الدعاء إلى الصلاة، وهو وقت التلفظ بالحيعلتين. وقوله: "يقول حي على الصلاة، حي على الفلاح" يبين وقت الاستدارة وأنه وقت الحيعلتين، كذا ذكره الشيخ تقي الدين (٣)، لكن ظاهر الحديث استدارة الرأس والعنق فقط لا استدارة جميع البدن، ويؤيده رواية (٤) أبي داود بعد ذلك: "ولم يستدر" وفي النسائي (٥): "ينحرف يمينًا وشمالًا" وفي صحيح ابن خزيمة (٦) "فيتبع

стр. 1157

بفيه ووصف سفيان [يميل] (١) برأسه يمينًا وشمالًا" نعم في ابن ماجه (٢) "فاستدار في أذانه" وفيها حجاج بن أرطأة وفي مسند الدارمي (٣): "فرأيته يدور في أذانه". وفي صحيح الحاكم (٤): "رأيت بلال يؤذن، ويدور، ويتبع فاه ها هنا وها هنا" ثم قال الحاكم: لم يذكر البخاري ومسلم الاستدارة في الأذان، وهو سنته مسنونة صحيحة على شرطهما. وأما البيهقي (٥) فإنه لم يصحح رواية الاستدارة، كما ذكرت كلامه بطوله في تخريجي لأحاديث الرافعي، وليس هذا موضع ذكره فراجعه منه. وقد جوز مالك [دورانه] (٦) [للاسماع] (٧) مطلقًا فيما يظهر من

стр. 1158

كلام القاضي عياض (١)، قال: ويكون مستقبل بقدميه وهو اختيار الشافعي أي: وإنما يلوي رأسه وعنقه وفي البلد الكبير وجه عندنا في جواز الاستدارة. حكاه الماوردي (٢). واختلف في كيفية التفاته على مذاهب، وهي أوجه لأصحابنا: أصحها: أنه يلتفت في الحيعلتين الأولى: يمينًا، والثانية: شمالًا. والثاني: يقسمان للجهتين: والثالث: يلتفت يمينًا [فيحيعل] (٣) [ثم يلتفت فيحيعل] (٤)، ثم يستقبل، ثم يلتفت فيحيعل، وكذلك الشمال. قال الشيخ تقي الدين: والأقرب إلى لفظ الحديث [هو] (٥) الأول. قلت: وهو محتمل للوجه الثاني والثالث أيضًا فليتأمل. السادس عشر: قوله: "حى على الصلاة، حى على الفلاح" معناه تعالوا إلى الصلاة تعالوا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء الدائم، يقال: حي على كذا، أي: هلمّ وأقبل، ويقال: حي علا وحي هلا وحي هلا وحي على كذا وحي إلى كذا [وحي] (٦) [هل] (٧) منصوبة

стр. 1159

مخففة مشبة بخمسة عشر وحي [هل] (١) بالسكون لكثرة الحركات وتشبيهًا بصه ومه [وحي هل] (٢) بسكون الهاء [وحي هَلَن وحي هلن] (٣). وذكر الزمخشري (٤) لغة أخرى وهي [حَيَهَلَا] (٥) بتخفيف الياء. وقد نظم ابن مالك معظم لغاته في بيتٍ (٦). فقال: حيَّهلُ حيهلَ احفظ ثم حيهلَا ... أو نون أو حيهل ثم قل حي علا وهي كلمة استعجال مولدة ليست من كلام العرب، لأنه ليس في كلامهم كلمة واحدة فيها حاء وعين مهملتان. وقيل: معنى حي هلم، وهلا: حثيثًا (٧).

стр. 1160

وقيل: هلا أسرع [جعلا] (١) كلمة واحدة. وقيل: هلا أسكن. وحي: أسرع. وقيل: حي أعجل أعجلا، وهلا: صلة. السابع عشر: قوله: "ثم ركزت له عنزة" أي أثبتت له في الأرض. يقال: ركزت الشيء، أركزه بضم الكاف في المستقبل ركزا وأثبته، وتقدم بيان العنزة في الاستطابة، وأن المصنف، قال: إنها الحربة. وذكر مقالة غيره فيها أيضًا. وقال المحب الطبري في "أحكامه": في باب: استحباب السترة. العنزة: مثل نصف الرمح، والعكازة قريب منها، قال: والظاهر أن هذه العنزة هي التي قتل بها الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص يوم بدر، فإن في البخاري (٢) من حديث عروة به الزبير عن أبيه أنه "لما قتله بها سأله إياها رسول الله ﷺ فأعطاه [فلما] (٣) قبض أخذها، [ثم طلبها أبو بكر فأعطاه، فلما قبض أخذها، ثم سأله إياها عمر فأعطاه، فلما قبض أخذها] (٤)، ثم طلبها عثمان منه فأعطاه إياها، فلما قتل وقعت عند آل علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قتل".

стр. 1161

الثامن عشر: [قوله] (١): "ثم لم يؤل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة" [يريد أن اجتماعه بالنبي ﷺ بمكة، فلم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة] (٢) وقد جاء مصرحًا بذلك في رواية أُخرى في الصحيح وأنه أتاه "بمكة وهو بالأبطح في قبة حمراء من أدم" وفيها فائدة زائدة رافعة لإِيهام أن يكون اجتماعه بالنبي ﷺ قبل وصوله إلى مكة في رواية الكتاب، فيشكل قوله: "فلم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة من حيث إن السفر يكون له نهاية يوصل إليها قبل الرجوع، وذلك مانع من القصر عند بعضهم، فإذا تبين أن الاجتماع كان بمكة علم نهاية السفر وابتداء قصر الظهر، وأنه من ابتداء رجوعه من مكة إلى وصوله إلى المدينة. نبه على ذلك الشيخ تقي الدين (٣). التاسع عشر: "المدينة": مشتقة من دان إذا أطاع. وقيل: من مدن بالمكان إذا أقام به و [قد قدمنا في باب الجنابة] (٤) أن لها أسماء كثيرة فوق العشرين وأحلنا [على] (٥) مراجعتها [من] (٦) كتابي المسمى بالإِشارات إلى ما وقع في المنهاج

стр. 1162

من الأسماء والمعاني واللغات (١). العشرون: في الإِشارة إلى ما حضرنا من فوائده. الأولى: إتيان [أهل القدوة وأهل الفضل] (٢) إلى أماكنهم في السفر والحضر [] (٣) وذكر منازلهم. الثانية: خدمتهم بإحضار الوضوء ونحوه. الثالثة: استعمال فضل طهورهم وطعامهم وشرابهم ولباسهم والتبرك بأثارهم كما سلف. الرابعة: الازدحام على فعل الخير ما لم يكن فيه أذى. الخامسة: جواز لبس الأحمر من الحلة الحمراء وغيرها (٤)

стр. 1163

وحديث: "إياكم والحمرة! فإنها أحب الزينة إلى الشيطان" باطل،

стр. 1164

وإسناده مضطرب منقطع، كما نبّه عليه الجوزقاني في "موضوعاته" (١): وقال الخطابي: عقب حديث أنه ﵇: "كان يلبس حلة حمراء" (٢) [قال الشيخ: قد نهى رسول الله ﷺ عن لبس المعصفر، وكره لهم] (٣) الحمرة [للرجال] (٤) في اللباس، وهو منصرف إلى [ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأما ما] (٥) صبغ غزله ثم نسج فغير داخل في النهي. والحلل إنما هي برود اليمن: حمر وصفر وخضر وما بين ذلك من الألوان، وهي لا تصبغ [إلَّا] (٦) بعد النسج [وإنما] (٧) يصبغ الغزل ثم يتخذ منه الحلل، وهي [العصبة] (٨)

стр. 1165

وإنما سمي عصبًا، لأن غزله [يصبغ ثم يعصب] (١) ثم ينسج. وقال الأستاذ أبو القاسم (٢) قوام السنة إسماعيل الحافظ: إنما لبسه ونهى غيره عنه لمعنى هو مأمون منه. وسأل أبو بكر المروذي (٣) الإِمام أحمد عن المرأة تلبس المصبوغ الأحمر فكرهه كراهة شديدة. [وقال] (٤): إما أن تريد الزينة فلا. وقال: يقال: إن أول من لبس الثياب الحمر آل قارون [و] (٥) آل فرعون، ثم قرأ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (٦) قال: في ثياب حمر (٧)، يروى بأسانيد في النهي عن لبس الأحمر. قال المروذي: سمعت غير واحد من أصحابنا يقول

стр. 1166

حدثنا (١) إسحاق بن منصور السلولي عن إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عمر، قال: "مر على رسول الله ﷺ رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم فلم يرد عليه" (٢). قال المروذي: ورأى أبو عبد الله بطانة جبتي حمراء. فقال: لم صبغتها حمراء؟ فقلت: للرقاع التي فيها. قال: وإيش تبالي أن يكون فيها رقاع؟ قلت: تكرهه؟ قال: نعم. قال المروذي: وأمرني يعني أبا عبد الله أن أشتري له تكة، فقال: لا تكون فيها حمرة. قلت: تكرهه.

стр. 1167

قال: نعم. قال: وأمرني أن أشتري [له] (١) مدادًا، قال: لا يكون فيه حمرة ثم قال: هو شيء يصبغ به، إنما هو طاهر، وإنما كرهته من أجل هذا قلت لأبي عبد الله: الثوب الأحمر يغطي به الجنازة، فكرهه. قلت: ترى أن [أجذبه] (٢)؟ قال: نعم. وقال النووي في شرح [المهذب] (٣): يجوز لبس الثوب الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر والمخطط وغيرها من ألوان الثياب: قال ولا خلاف في هذا ولا كراهة. قال الشافعي والأصحاب: وأفضلها البيض. السادسة: جواز النظر إلى ساقي الرجل الصالح للاقتداء به في حاله ولباسه. السابعة: [أن] (٤) الساق ليس بعورة كما تقدم. الثامنة: تقصير الثياب أيضًا كما تقدم أيضًا.

стр. 1168

التاسعة: شرعية الأذان في السفر، قال الشافعي: ولا أكره من تركه في السفر ما أكره من تركه في الحضر، لأن أمر المسافر مبني على التخفيف. العاشرة: الاستدارة في الأذان وقد تقدم ما فيه. الحادية عشرة: استحباب وضع السترة بين يدي المصلي عند خوف المرور وسيأتي بيانه في بابه. [الثانية عشرة] (١): أن المرور [من] (٢) وراء السترة غير ضار. الثالثة عشرة: الاكتفاء في السترة مثل غلظ العنزة، وهو أقل السترة عند مالك، وعند الشافعي يكفي الغليظ وغيره، لقوله ﷺ : "يجزي من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شحرة" (٣)، وقوله ﵇: "استتروا في صلاتكم ولو بسهم" (٤) [رواهما] (٥) الحاكم، وقال في كل منهما: صحيح على شرط مسلم. [وحديث النهي عن الصلاة إلى عود باطل، كما قاله الجوزقاني في موضوعاته] (٦).

стр. 1169

الرابعة عشرة: استصحاب العنزة للصلاة ونحوها في السفر. الخامسة عشرة: جواز الاستعانة للإِمام بمن يركزها له ونحو ذلك. السادسة عشرة: أن الأفضل قصر الصلاة في السفر، وإن كان بقرب بلد ما لم ينو إقامة أربعة أيام أما كونه دليلًا على وجوب القصر فلا إلَّا على [قول] (١) من يقول: إن أفعاله [﵇] (٢) على الوجوب، وليس بمختار عند الأصوليين، وسيأتي الكلام على [ذلك] (٣) في بابه إن شاء الله [تعالى] (٤) [ذلك] (٥) وقدره. السابعة عشرة: أن للمسافر القصر إلى وصوله إلى بلده.

стр. 1170

الحديث الثالث ٦٨/ ٣/ ١١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ ، قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى [تسمعوا] (١) أذان ابن أم مكتوم" (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وبما وقع فيه من الأسماء أما ابن عمر وبلال فتقدما وأما ابن أم مكتوم فالأكثرون على أن اسمه [عمر] (٣) بن قيس، وقيل: كان اسمه الحصين، فسماه رسول الله ﷺ : عبد الله. أمه: عاتكة بنت عبد الله كان قديم الإِسلام بمكة وهاجر إلى المدينة [و] (٤) قدمها بعد بدر بيسير، قاله الواقدي.

стр. 1171

وقيل: قدمها مع مصعب بن عمير قبل قدومه [﵇] (١) حكاه أبو عمر، وكان يؤذن لرسول الله ﷺ مع بلال، واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة مرة، كما جزم به أبو عمر، شهد فتح القادسية ومعه راية سوداء، وعليه درع، وقتل شهيدًا بها. وقال الواقدي: رجع منها إلى المدينة فمات ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطاب. قلت: وكان رجلًا أعمى، ذهب بصره بعد بدر بسنتين (٢)، وذكر أبو القاسم البغوي: أنه ﵇ استعمله يوم الخندق. ثانيها: في الحديث ما كان [﵇] (٣) من المحافظة على أمر ربه في بيان الشرائع والأحكام دقها وجلها؛ فإن الله جعل البيان إليه فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤). ثالثها: فيه جواز الأذان للصبح قبل طلوع الفجر الصادق في الصوم وغيره، وهو حجة على أبي حنيفة والثوري (٥) من أنه

стр. 1172

لا يؤذن لها إلَّا بعد طلوع الفجر، ومن جهة المعنى إنباه النائم وتأهبه لإِدراك فضيلة أول الوقت، وقد أشار ﷺ إلى هذا المعنى في حديث ابن مسعود: "لا يمنعن [أحدكم] (١) أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو قال ينادي [بليل] (٢) ليرجع قائمكم [ولينبه] (٣) نائمكم" (٤). وفي "شرح التنبيه" لابن الحلي عن أحمد: أنه كره الأذان للصبح قبل الوقت في رمضان خاصة. قال صاحب "الإِقليد": وتقديمه على سبيل الاستحباب لا على سبيل الجواز، كما أطلقه الأكثرون وذلك في عبارة الشافعي. [رابعها] (٥): فيه وجوب البيان عند الاشتباه، فإنه لما كان الأكل والشرب جائز إلى طلوع الفجر الثاني للصائم، والأذان في

стр. 1173

العادة مانع منهما بين حكمه ﷺ وهو عدم الامتناع منهما بأذان بلال إلى سماع آذان ابن أم مكتوم، ومن هذا كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١) فجعل حتى غاية للتبيين. قال ابن عطية (٢): والمراد به فيما قال جميع العلماء بياض النهار وسواد الليل، وهو نص قول النبي ﷺ لعدي بن حاتم في حديثه المشهور (٣). قال: واختلف في الحد الذي يجب به الإِمساك. فقال الجمهور: بطلوع أول الفجر الصادق. وروي عن عثمان وحذيفة وابن عباس وطلق وعطاء والأعمش وغيرهم: أن الإِمساك يجب بتبيين الفجر [من] (٤) الطرق وعلى رؤوس الجبال. وذكر عن حذيفة أنه قال: "تسحرت مع رسول ﷺ وهو النهار

стр. 1174

إلَّا أن الشمس لم تطلع" (١). "وروي عن علي أنه صلى الصبح بالناس ثم قال الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود" (٢). قال الطبري: "ومما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس لأن آخره غروبها فكذلك أوله طلوعها" (٣).

стр. 1175

وحكى النقاش عن الخليل أن النهار من طلوع الفجر، ويدل على ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ (١). والقول في نفسه صحيح قال [وقد ذكرت] (٢) حجته في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٣) قال: وفي الاستدلال بهذه الآية نظر. خامسها: اختلف أصحابنا في دخول وقت هذا الأذان على أوجه خمسة أوضحتها في شرح المنهاج. وأصحها عندهم: أنه يدخل من نصف الليل لأنه بمضيّه ذهب المعظم. وأقربها عندي: أنه يؤذن قبيل طلوع الفجر في السحر، وهو ظاهر المنقول عن بلال وابن أم مكتوم فإن في الصحيح (٤) أنه ليس بين أذانهما إلَّا أن ينزل [ذا] (٥) ويرقى [ذا] (٦) مقيد لإِطلاق الحديث المذكور أن بلال يؤذن بليل. وضبط ابن أبي الصيف (٧) في "نكته" في الصيام، السحر: بالسدس الأخير.

стр. 1176

وعبارة القاضي حسين الصحيح: أنه يؤذن في نحو السحر؛ لئلا يؤدي إلى اشتباه الأمر على الناس. وضبط المتولي ذلك ما بين الفجر الصادق والكاذب. وعبارة ابن يونس في "شرحه للتنبيه" في حكايته هذا الوجه ما نصه، وقيل: يؤذن [قبل] (١) الصبح كوقت السحور. وقال الشيخ تقي الدين: الذين قالوا بجواز الأذان للصبح قبل وقته اختلفوا في وقته. وذكر بعض أصحاب الشافعي أنه يكون في وقت السحر بين الفجر الصادق والكاذب ويكره التقديم على ذلك الوقت. قال: وقد يؤخذ من الحديث ما يقرب من هذا وهو أن قوله [﵇] (٢) "أن بلال يؤذن بليل" إخبار يتعلق به فائدة للسامعين قطعًا، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبهًا محتملًا لأن يكون عند طلوع الفجر [فتبين أن] (٣) ذلك لا يمنع الأكل والشرب إلَّا عند طلوع الفجر الصادق، وذلك يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. قلت: ووقع في الأذكار (٤) للنووي: حكايته وجه أنه يؤذن لها بعد ثلثي الليل وهو غريب، فالذي حكاه في غيره من كتبه أنه يؤذن لها بعد وقت العشاء المختار وهو ثلث الليل في قول، ونصفه في قول.

стр. 1177

ومن الأوجه البعيدة أن الليل كله وقت له، كما أنه وقت لنية صوم الغد. ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أنه لا يجوز تقديمه قبل الفجر إلَّا إذا كان ثم مؤذن آخر يؤذن بعد الفجر. وفي "الإِحياء" (١) للغزالي في باب الأمر بالمعروف: الجزم به لئلا يشوش الصوم والصلاة على الناس كذا علله. سادسها: فيه دليل على جواز [أن] (٢) يكون للمسجد الواحد مؤذنان وهو مستحب. سابعها: فيه دليل على استحباب أن يؤذن كل واحد منهما منفردًا إذا اتسع الوقت (٣) كصلاة الفجر ونحوها فإن كان ضيقًا

стр. 1178

كالمغرب أذنوا متفرقين، وإلَّا معًا بلا تهويش، ثم لو اقتصر على مؤذن واحد لم يكره، وفرق بين أن يكون الفعل مستحبًا وبين أن يكون تركه مكروهًا. ثامنها: لبس في الحديث تعرض للزيادة على مؤذنين فإن احتيج إلى أكثر رتب قدر الحاجة. وقيل: لا يجاوز أربعة، وبه جزم الرافعي، ثم إن اتسع الوقت فبعضهم عقب بعض، وإلَّا معًا بلا تهويش، ومحل الخوض في ذلك كتب الفقه، وقد لخصته في "شرح المنهاج" (١)، فليراجع منه، ولما ذكر الشيخ تقي الدين أن بعض أصحاب الشافعي، قال: إن الزيادة على أربعة تكره، قال: استضعفه بعض المتأخرين لكن وجه الكراهة عند القائل بها أنه [﵇] (٢) لم يزد على أربعة مؤذنين: بلال وابن أم مكتوم وسعد القرظ وأبو محذورة إلَّا أن بلالًا كان الملازم له لوظيفة الأذان حضرًا وسفرًا، فكره الزيادة على ذلك لهذا المعنى. قلت: سعد القرظ كان بقباء، وأبو محذورة كان بمكة، فليس فيه أن الأربعة لمسجد واحد، كما هو المدعى فاعلمه. وجعل الماوردي (٣) سعد القرظ مؤذن أبي بكر أي بعد

стр. 1179

النبي ﷺ فإن بلال لما ترك الأذان بعد النبي ﷺ نقله إلى مسجد رسول الله ﷺ فلم يزل يؤذن فيه إلى أن مات، وقيل: إنه أذن لعمر بعد أبي بكر. تاسعها: فيه دليل على جواز كون المؤذن أعمى، وأذانه صحيح ولا كراهة فيه (١) إذا كان معه بصير، ويكره أن يكون الأعمى مؤذنًا وحده قاله أصحابا. [العاشر] (٢): فيه دليل على جواز تقليد البصير للأعمى في الوقت، وجواز اجتهاده فيه، فإن الأعمى لا بد له من طريق يرجع إليه في طلوع الفجر إما [سماع] (٣) من بصير أو اجتهاد. وفي الصحيح (٤): "أنه كان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت" أي قاربت الصباح كما صححه القاضي عياض ومنه: "حتى مطلع الفجر" (٥) [وقيل] (٦) دخلت في الصباح. فهذا دليل على رجوعه إلى البصير ولو لم يرد ذلك لم يكن في هذا اللفظ دليل على جواز رجوعه إلى الاجتهاد بعينه، لأن الدال على أحد الأمرين منهما لا يدل على واحد منهما معينًا، وهذه المسألة عندنا فيها أوجه: أحدها: أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة العارف في

стр. 1180

الصحو والغيم، لأنه لا يؤذن في العادة إلَّا في الوقت، وصححه النووي (١) في كتبه. والثاني: لا يجوز لهما لأنه اجتهاد وهما مجتهدان. وقال الماوردي: إنه المذهب. والثالث: يعتمده أعمى مطلقًا وبصير في صحو دون غيم، وهو ما صححه الرافعي: لأنه في الغيم مجتهد، وفي الصحو مشاهد. والرابع: يجوز للأعمى دون البصير من غير فرق بين الصحو والغيم؛ نعم لو كثر المؤذنون في يوم صحو أو غيم وغلب على الظن أنهم لا يخطئون لكثرتهم، جاز اعتمادهم للبصير والأعمى بلا خلاف. الحادي عشر: فيه دليل أيضًا على صحة العمل بخبر الواحد. الثاني عشر: فيه دليل على أن ما بعد طلوع الفجر من النهار، وفيه مذاهب ثلاثة: أحدها: أنه من الليل. والثاني: أنه من النهار وهو قول الجمهور (٢). والثالث: أنه منفرد بنفسه ليس من واحد منهما، لأنه زمان

стр. 1181

ولوج الليل وينتقض بزمان ولوج النهار وهو وقت المغرب، وعزا الأول إلى الأعمش والشعبي وحكاه المحب الطبري عن السنجي (١) من أصحابنا، ولعله التبس عليه بالشعبي، فإنه القائل بذلك كما أسلفته، وممن حكاه عنه الماوردي (٢) أو التبس على الناسخ. الثالث عشر: فيه دليل لمن يرى بجواز الأكل مع الشك في الفجر حتى يتحقق طلوعه، وهو قول الأئمة الثلاثة، وخالف مالك فقال: لا يأكل فإن أكل فعليه القضاء، وحمله بعض أصحابه على الاستجاب. الرابع عشر: اختلف فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع أو أكل فترك، فإنه لا يبطل صومه عندنا، وبه قال ابن القاسم.

стр. 1182

وقال أبو حنيفة: يبطل في الأول دون الثاني، وبه قال عبد الملك من المالكية، ووجهه كونه جعل آذان بلال بليل فدل على أن آذان ابن أم مكتوم نهارًا، وإلَّا لم يكن لتخصيص آذان بلال بالليل فائدة. ويؤيده أن في رواية لمسلم: "وكان [لا] (١) ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت" كذا استدل به، وفيه نظر، ومعنى: "أصبحت"، أي: قاربت الصباح كما تقدم [قريبًا] (٢) أنه الصحيح في معناه. الخامس عشر: فيه حجة على المالكية والحنفية حيث عممت [الرؤية] (٣) في جميع الأرض، ولم يجعلوا لكل قوم رؤيتهم كما قاله الشافعية واكتفوا في الأذان بواحد والمخبر برؤية الهلال على قاعدة المالكية أشبه بالرؤية من المؤذن، فينبغي أن يقبل الواحد قياسًا على الواحد بطريق الأولى. قال القرافي في "قواعده": هنا سؤالان مشكلان على المالكية: الأول هذا. ويجاب: بأن الأذان عدل به عن الإِخبار إلى صفة العلامة على دخول الوقت. انتهى. وقد يجاب لهم: بأن الأذان يتكرر فلو أوجبنا العدد فيه لشق بخلاف رمضان.

стр. 1183

الثاني: حصول الإِجماع في الأزمان على أنها مختصة بأقطارها بخلاف الأهلة مع أن الجميع مختلف باختلاف الأقطار عند العلماء بهذا الشأن، فقد [يطالع] (١) الهلال في بلد دون غيره بسبب البعد عن المشرق والمغرب منه، فإن البلد الأقرب من المشرق [هو] (٢) بصدد أن لا يرى فيه الهلال، ويرى في البلد الغربي بسبب مزيد السير الموجب لتخلص الهلال من شعاع الشمس، وكذلك ما من زوال إلَّا وهو غروب لقوم وطلوع الشمس لقوم ونصف اليل عند قوم، وكل درجة تكون الشمس فيها فهي متضمنة لجميع أوقات الليل والنهار لأقطار مختلفة. فإذًا قياس الأهلة على أوقات الصلوات متجه، ويطلب الفرق ثم شرع يجيب عنه. السادس عشر: في مسند أحمد (٣) وصحيح ابن حبان (٤) عكس حديث ابن عمر الذي ذكره المصنف من حديث أنيسة بت حبيب وكذا في صحيح ابن خزيمة (٥) من حديث عائشة وقالا يجوز أن يكون بينهما نوب.

стр. 1184

[وأما] (١) ابن الجوزي فقال في "جامع المسانيد" عقب حديث أنيسة [هكذا] (٢) رووه كأنه مقلوب إنما هو "إن بلالًا ينادي بليل". قلت: وحديث ابن عمر (٣) "أن بلالًا أذن بليل فنهاه [﵇] " (٤) فضعيف، ضعفه ابن المديني وأبو داود، كما نقله عنهما صاحب الإِقليد. السابع عشر: "الباء" في "بليل" بمعنى "في" وهو أحد معانيها، ومنه زيد بالبصرة أي فيها هذا في ظرف المكان، وذاك ظرف الزمان. الثامن عشر: قوله: "فكلوا واشربوا" (٥) إلى آخره، اعلم أن أكل، ومر، وأخذ، ثلاثتها حذفت العرب في الأمر همزاتها على

стр. 1185

غير قياس كما نص عليه أهل العربية، وأبدى بعض الفضلاء له وجهًا من جهة القياس وهو أن إثبات الهمزة فيها يؤدي حالة الأمر إلى اجتماع همزتين همزة الوصل التي في مثل اضرب والهمزة التي [هي] (١) فاء الكلمة واجتماع الهمزتين مستثقل أو مرفوض ويوضح ذلك [أنه] (٢) إذا أسقطت همزة الوصل ثبتت فاء الكلمة قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ لما استغنى عن همزة الوصل لاتصال الهمزة الساكنة [التي] (٣) هي فاء الكلمة بما قبلها وهو الراء وثبتت فاء الكلمة ولم تحذف. التاسع عشر: استدل عبد الغني بن سعيد الحافظ بهذا الحديث على [جواز] (٤) السماع من وراء حجاب اعتمادًا على الصوت (٥).

стр. 1186

الحديث الرابع (١) ٦٩/ ٤/ ١١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول (٢) [المؤذن] " (٣). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه وقد تقدم بيانه في الصلاة. ثانيها: هذا الأمر للندب، وقيل: للوجوب حكاه [الخطابى] (٤) والجمهور على الأول.

стр. 1187

ثالثها: هذا الحديث عام مخصوص بحديث عمر في صحيح مسلم (١) أنه يقول في الحيعلتين: "لا حول ولا قوة إلَّا بالله" والمناسبة في جواب الحيعلة بالحوقلة أن الحيعلة دعاء، فلو قالها السامع لكان الناس كلهم دعاة، فمن يبقى المجيب؟ فحسن من السامع الحوقلة، لأنها تفويض محض إلى الله [سبحانه] (٢) وتعالى. نعم، قال [بعض] (٣) أهل العلم: بظاهر الحديث [كما] (٤) حكاه بعض المتأخرين. ولك أن تقول قد قال بعض أهل الأصول: إذا أمكن الجمع بين العام والخاص وإعمالهما وجب ذلك فلم لا قيل بالجمع بين الحيعلة والحوقلة ولم أر أحدًا قال به. رابعها: يستحب أن يتابع عقب كل كلمة لا معها ولا يتأخر عنها عملًا بظاهر فاء التعقيب المذكورة في الحديث هذا مذهبنا. وللمالكية في ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: للباجي إن كان في شغل من ذكر ونحوه عجل وإن كان [مستفرغًا] (٥) قارنه. خامسها: ظاهر الحديث أنه يحكي السامع مثل قول المؤذن

стр. 1188

إلى آخره إلَّا ما تقدم استثناؤه والمشهور [في] (١) مذهب مالك أنه يحكيه إلى آخر الشهادتين لأنه ذكر وما بعده [بعضه] (٢) ليس بذكر وبعضه مكرر، وأنه يحكي الشهادتين مرة واحدة. وفيه قول أنه [لا] (٣) يحكي الترجيع. سادسها: ظاهره أنه يحكيه ولو كان في الصلاة وهو قول عندنا. وقيل: إنه خلاف الأولى. والأظهر أنه مكروه. نعم إن أتى بلفظ الخطاب بطلت صلاته إن علم أنه في الصلاة، وأنه كلام أدمى وفي وجه أنه مباح. [وفي مذهب] (٤) مالك ثلاثة أقوال، ثالثها: أشهرها أنه يحكيه في النافلة لا في الفريضة. ومنعه أبو حنيفة فيهما. وفي مذهب مالك قول: إنه إذا أجاب بالحيعلة فيها لا تبطل (٥). فرع: لا تكره متابعته في حال أو وقت من الأوقات إلَّا في [حالة] (٦) نهي الشرع عن الذكر فيه.

стр. 1189

سابعها: ظاهر استحباب متابعة كل مؤذن، وأنه لا يختص بأول مؤذن، والمسألة خلافية في مذهب مالك ولا نقل فيها عندنا، لكن قال الرافعي (١) في كتاب سماه "الإِيجاز بأخطار الحجاز" على ما حكاه بعضهم [منه] (٢). خطر لي: أنه إذا سمع المؤذن وأجابه وصلى في جماعة فلا يجيب الثاني لأنه غير مدعو به وهو حسن، لكن يخدشه إعادة الصلاة جماعة، ويؤخذ منه أن من لم يصلِ أجاب لأنه مدعو به (٣). فرع: لم أر في مذهبنا هل يحكي المؤذن أذان غيره؟ فيه قولان [وظاهر] (٤) الحديث يقتضي الحكاية. ثامنها: ظاهر الحديث حكايته في الترجيع ولا نقل في ذلك عندنا، والوجه استحبابه إن سمعه. تاسعها: ظاهره أيضًا [أن] (٥) يجيب في التثويب مثل قوله، لكن صحيح النووي في كتبه أنه يجيبه: بصدقت وبررت. ولم يذكر له وجهًا (٦).

стр. 1190

وقال بعض الفقهاء: إن فيه خبرًا وبحثت عنه دهرًا فلم أره. عاشرها: قوله ﵊: "فقولوا مثل ما يقول" فيه دليل على أن لفظة "مثل" لا تقتضى المساواة من كل وجه، فإنه لا يراد بقوله: "فقولوا مثل ما يقول" مماثلته في كل أوصافه حتى رفع الصوت، كذا قاله الشيخ تقي الدين هنا، وخالف في كتاب الطهارة فقال: إنها تقتضي المساواة من كل وجه إلَّا في الوجه الذي تقع به المغايرة بين الحقيقتين بحيث يخرجها عن الوحدة بخلاف لفظة "نحو" فإنها لا تقتضي ذلك. وأجاب غيره بأن قال: المراد تلفظوا بمثل ما يتلفظ به المؤذن من أذكار الأذان من غير تعرض لرفع صوت ولا خفضه. وإذا حصل هذا التلفظ حصلت المماثلة في جميع صفات الأذان، فلا إشكال. ألا ترى أنه حيث لم تمكلن المماثلة في وضوئه ﵊ في جميع صفاته أتى "بنحو" التي هي [المقارنة] (١) دون المماثلة فقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا" ولم يقبل "مثل وضوئي" لتعذر مماثلة وضوئه ﵊[في] (٢) جميع الوجوه، وهذا فيه شيء بيناه هناك فراجعه.

стр. 1191

وادعى بعض الأصولين من أهل التحقيق: أن المماثلة لا تقتضي الاشتراك في جميع الأوصاف ولا في الذاتيات بل في وصف مخصوص، وكذا المشابهة مثال. الأول: قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (١)، أي: لم يكن له أب، ومثال الثاني: قولهم: وجه زيد: كالقمر، أي: شبيه بالبدر لاشتراكهما فيه. الحادي عشر: يتابع المؤذن في ألفاظ الإِقامة كالأذان إلَّا أنه يقول في كلمة الإِقامة: أقامها الله وأدامها (٢). ...

стр. 1192

١٢ - باب استقبال القبلة الاستقبال: استفعال من المقابلة، [وهذه] (١) الصيغة أعني استفعل تكون لطلب الفعل غالبًا، نحو استحقه واستعمله، إذا طلب حقه وعمله، وتكون من التحول نحو استحجر الطين (٢) ومن الإِصابة على صفة كاستعظمته أي وجدته عظيمًا، وتكون بمنزلة فعل نحو قرَّ واستقر. وسميت القبلة: قبلة، لأن المصلي يقابلها وتقابله. والحكمة في استقبالها كما قاله الخطيب ﵀: إن للإِنسان قوة عقلية يدرك بها المعقولات المجردة، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية، ولذلك تنحصر الصور الخيالية معينة عن إدراك المعقولات كما في وضع الأشكال الهندسية؛ والعبد [إذا] (٣) استقبل الملك العظيم [استقبله] (٤) بوجهه [وإلَاّ] (٥) كان معرضًا عنه، فاستقبال القبلة:

стр. 1193

كاستقبال الملك، والقراءة والذكر والصيام والركوع والسجود كالخدمة، وحضور القلب هو المقصود في الصلاة، وإنما يكون مع السكون وعدم الالتفات والحركة، وذلك بمداومة جهة واحدة، فلذلك شرع استقبال القبلة، ولأن [موافقة] (١) المطلوبة [والافتراق] (٢) في التوجه اختلاف ظاهر، فجمعهم على جهة واحدة لتحصل الموافقة المطلوبة، وجمعهم على استقبال الكعبة، لأن الكعبة بيته، وإضافتها [إليه] (٣) بقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ (٤)، وأضاف المؤمن إليه بوصف العبودية بقوله ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ﴾ (٥)، والكعبة بيته، والصلاة خدمته، فكأنه تعالى قال: أقبل بوجهك لي يا عبدي في خدمتي إلى بيتي، وبقلبك إلي. قال بعضهم: وإنما استقبلت اليهود المغرب، لأن النداء لموسى كان في الجانب الغربي، واستقبلت النصارى المشرق لأن الملك جاء لمريم في المكان الشرقي، قاله ابن عباس. وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث:

стр. 1194

الحديث الأول ٧٠/ ١/ ١٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄، أن [النبي ﷺ ] (١): "كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله" (٢). وفي رواية: "كان يوتر على بعيره" (٣). ولمسلم: "غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" (٤). وللبخاري: "إلَّا الفرائض" (٥). الكلام عليه من وجوه: أحدها: معنى يسبح: هنا يصلي النافلة، وأطلق التسبيح على مطلق الصلاة في قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ

стр. 1195

طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ (١) على صلاة الصبح والعصر عند أهل التفسير. والتسبيح حقيقة قوله: سبحان الله، فإذا أُطلق على الصلاة كان من باب تسمية الشيء باسم جزئه تنبيهًا على فضل ذلك الجزء، كما أن الصلاة الدعاء، ثم إنها سميت العبادة كلها به لاشتمالها عليه وكذلك [سميت] (٢) الصلاة بالركوع [أو] (٣) السجود أو القرآن أو القيام أو لأن المصلي منزه لله تعالى [بإخلاص العبادة له وحده، كالتسبيح فإنه تنزيه لله تعالى، فيكون من مجاز الملازمة، لأن التنزيه لازم للصلاة المخلصة لله تعالى] (٤). والتسبيحة التطوع من الذكر والصلاة، ومنه أن عمر جلد رجلين سبّحا بعد العصر أي صليا، ويطلق التسبيح أيضًا بمعنى النور، ومنه الحديث (٥): "لأحرقت سبحات وجهه"، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ (٦)، معناه: من المصلين، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ (٧)، قيل: أراد باللسان، وقيل: أراد غيره.
следующие страницы →