← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وادعى بعض الأصولين من أهل التحقيق: أن المماثلة لا تقتضي الاشتراك في جميع الأوصاف ولا في الذاتيات بل في وصف مخصوص، وكذا المشابهة مثال. الأول: قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (١)، أي: لم يكن له أب، ومثال الثاني: قولهم: وجه زيد: كالقمر، أي: شبيه بالبدر لاشتراكهما فيه. الحادي عشر: يتابع المؤذن في ألفاظ الإِقامة كالأذان إلَّا أنه يقول في كلمة الإِقامة: أقامها الله وأدامها (٢). ...

стр. 1192

١٢ - باب استقبال القبلة الاستقبال: استفعال من المقابلة، [وهذه] (١) الصيغة أعني استفعل تكون لطلب الفعل غالبًا، نحو استحقه واستعمله، إذا طلب حقه وعمله، وتكون من التحول نحو استحجر الطين (٢) ومن الإِصابة على صفة كاستعظمته أي وجدته عظيمًا، وتكون بمنزلة فعل نحو قرَّ واستقر. وسميت القبلة: قبلة، لأن المصلي يقابلها وتقابله. والحكمة في استقبالها كما قاله الخطيب ﵀: إن للإِنسان قوة عقلية يدرك بها المعقولات المجردة، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية، ولذلك تنحصر الصور الخيالية معينة عن إدراك المعقولات كما في وضع الأشكال الهندسية؛ والعبد [إذا] (٣) استقبل الملك العظيم [استقبله] (٤) بوجهه [وإلَاّ] (٥) كان معرضًا عنه، فاستقبال القبلة:

стр. 1193

كاستقبال الملك، والقراءة والذكر والصيام والركوع والسجود كالخدمة، وحضور القلب هو المقصود في الصلاة، وإنما يكون مع السكون وعدم الالتفات والحركة، وذلك بمداومة جهة واحدة، فلذلك شرع استقبال القبلة، ولأن [موافقة] (١) المطلوبة [والافتراق] (٢) في التوجه اختلاف ظاهر، فجمعهم على جهة واحدة لتحصل الموافقة المطلوبة، وجمعهم على استقبال الكعبة، لأن الكعبة بيته، وإضافتها [إليه] (٣) بقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ (٤)، وأضاف المؤمن إليه بوصف العبودية بقوله ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ﴾ (٥)، والكعبة بيته، والصلاة خدمته، فكأنه تعالى قال: أقبل بوجهك لي يا عبدي في خدمتي إلى بيتي، وبقلبك إلي. قال بعضهم: وإنما استقبلت اليهود المغرب، لأن النداء لموسى كان في الجانب الغربي، واستقبلت النصارى المشرق لأن الملك جاء لمريم في المكان الشرقي، قاله ابن عباس. وذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث:

стр. 1194

الحديث الأول ٧٠/ ١/ ١٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄، أن [النبي ﷺ ] (١): "كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله" (٢). وفي رواية: "كان يوتر على بعيره" (٣). ولمسلم: "غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" (٤). وللبخاري: "إلَّا الفرائض" (٥). الكلام عليه من وجوه: أحدها: معنى يسبح: هنا يصلي النافلة، وأطلق التسبيح على مطلق الصلاة في قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ

стр. 1195

طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ (١) على صلاة الصبح والعصر عند أهل التفسير. والتسبيح حقيقة قوله: سبحان الله، فإذا أُطلق على الصلاة كان من باب تسمية الشيء باسم جزئه تنبيهًا على فضل ذلك الجزء، كما أن الصلاة الدعاء، ثم إنها سميت العبادة كلها به لاشتمالها عليه وكذلك [سميت] (٢) الصلاة بالركوع [أو] (٣) السجود أو القرآن أو القيام أو لأن المصلي منزه لله تعالى [بإخلاص العبادة له وحده، كالتسبيح فإنه تنزيه لله تعالى، فيكون من مجاز الملازمة، لأن التنزيه لازم للصلاة المخلصة لله تعالى] (٤). والتسبيحة التطوع من الذكر والصلاة، ومنه أن عمر جلد رجلين سبّحا بعد العصر أي صليا، ويطلق التسبيح أيضًا بمعنى النور، ومنه الحديث (٥): "لأحرقت سبحات وجهه"، وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ (٦)، معناه: من المصلين، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾ (٧)، قيل: أراد باللسان، وقيل: أراد غيره.

стр. 1196

الثاني: "الراحلة" الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرحول. قال الجوهري (١): ويقال: الراحلة المركب من الإِبل ذكرًا كان أو أنثى. انتهى. فيكون كالبعير في وقوعه على الجمل والناقة على أحد القولين، وكالشاة، والإِنسان في وقوعه على الرجل والمرأة، وإن كان قد سمع إنسانة في المرأة كما حكاه بعض فضلاء المالكية سماعًا من شيوخه، ثم إنه كما يجوز التنفل على الراحلة يجوز أيضًا على الفرس والبغل والحمار قطعًا بشرط أن لا يكون الراكب مماسًا للنجاسة. الثالث: في "حيث" (٢) لغات بتثليث الثاء مع [الياء] (٣) والواو فهذه ست لغات، وفيها أكثر من ذلك قد ذكرته موضحًا في "الإِشارات إلى ما وقع في المنهاج من الأسماء والمعاني واللغات" وهي مبنية لخروجها عن نظائرها من ظروف المكان. [الرابع] (٤): "الإِيماء": الإِشارة أي يومئ برأسه في الركوع والسجود ليكون البدل على وفق الأصل، فيجعل السجود أخفض من الركوع، وليس في الحديث المذكور ما يدل على ذلك ولا ينفيه، لكن في اللفظ ما يدل على نفي حقيقة الركوع والسجود، نعم في

стр. 1197

أبي داود (١) والترمذي (٢) من حديث جابر [قال] (٣): "بعثني [رسول الله ﷺ ] (٤) في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق، السجود أخفض من الركوع" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. [الخامس] (٥): قوله (حيث كان [] (٦) وجهه) يعني حيث ما توجه وجهه في السفر، وقد ثبت ذكر السفر في بعض الأحاديث أو معظمها، وهو مطلق في رواية الكتاب حتى تمسك بها الإِصطخري (٧) من الشافعية في جواز النافلة في البلد وهو محكي عن أنس بن مالك وأبي يوسف صاحب أبي حنيفة. السادس: السبب في التنفل على الراحلة لئلا ينقطع المتعبد عن السفر والمسافر عن التنفل.

стр. 1198

وقال الشيخ تقي الدين: كأن سببه تيسير تحصيل النوافل وتكثيرها، فإن ما ضيق طريقه قل، وما اتسع طريقه سهل، فاقتضت رحمة الله للعباد أن يقلل الفرائض عليهم تسهيلًا للكلفة، وفتح لهم طريق التكثير للنوافل تعظيمًا للأجور. السابع: قوله: (على ظهر راحلته) قد يتمسك به من لا يرى التنفل للماشي، وهو مالك وأبو حنيفة. وعندنا وعند أحمد أنه يجوز قياسًا عليه ولأنه أشق. وعن مالك قول أنه يجوز لراكب السفينة التنفل أيضًا حيث ما توجهت به لكل أحد، وقول آخر أنه لا يجوز لتمكنه إلَّا للملاح وهو مذهبنا. الثامن: قوله (وكان ابن عمر يفعله) فيه تنبيه على أن رواية الحديث والعمل به أقوى في التمسك به من الرواية فقط لجواز أن يكون الحديث عند الراوي إذا لم يعمل به مخصوصًا بحاله أو منسوخًا أو معللًا أو نحو ذلك. التاسع: في هذه الرواية دلالة على جواز التنفل على الدابة في السفر حيث توجهت، ولا يشترط استقبال القبلة فيها، سواء كانت نافلة مطلقة أو راتبة، وفي وجه أنه لا يباح عيد، وكسوف، واستسقاء، وسجود شكر، ولا تلاوة خارج صلاة، وفيه قوة لأنه لم ينقل فعله. العاشر: لا فرق في ذلك بين السفر القصير والطويل عند الشافعي وأبي حنيفة والجمهور، وكما نقله القاضي عياض.

стр. 1199

وقال [مالك] (١) في رواية عنه [أنه] (٢) لا يجوز التنفل على الدابة إلَّا في السفر الطويل وهو قول غريب محكى عندنا. تنبيهات: أحدها: شرط السفر أن لا يكون له معصية، وأن يكون له مقصد معلوم. ثانيها: يحرم انحرافه عن طريقه إلَّا إلى القبلة، لأنه ﵊ "كان يسبح حيث كان وجهه" اللهم إلَّا أن ينحرف إلى القبلة لأنها الأصل. ثالثها: في استقباله [القبلة] (٣) عند الإِحرام خلاف، وتفصيله محله كتب الفقه، وقد بسطناه في "شرح المنهاج" وغيره. وعند أبي حنيفة وأبي ثور أنه يفتتح أولًا إلى القبلة استحبابًا ثم يصلي كيف شاء. الحادي عشر: قوله: "وكان ابن عمر يفعله" كيف يجمع بينه وبين ما رواه مالك في الموطأ عنه (٤): "أنه لم يكن يصلي مع الفريضة في السفر شيئًا قبلها ولا بعدها إلَّا من جوف الليل، فإنه كان يصلي على الأرض وكان يقول: "لو كنت مسبحًا لأتممت" (٥).

стр. 1200

والجواب: أنه إنما منع في [رواية] (١) الموطأ النافلة الراتبة دون المطلقة، ومن تتمة حديث مالك في الموطأ: "يصلي على الأرض، وعلى راحلته حيث توجهت به". قال القاضي: ومنهم من تأول حديث ابن عمر بالمنع على أنه في النافلة التي تصلي على الأرض دون النافلة على الراحلة. [الثاني عشر] (٢): قوله: "كان يوتر على بعيره" يعني النبي ﷺ لا ابن عمر ﵁. واستدل به على أن الوتر ليس بواجب، بل سنة، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور. وقال أبو حنيفة: واجب لا يجوز على الراحلة بناء على مقدمة أخرى، وهي أن الفرض لا يقام على الراحلة، وهو إجماع، كما حكاه القاضي، وهو مرادف للواجب، فلا يقام عليها [وترك الفعل] (٣).

стр. 1201

فإن قيل: مذهب الشافعي أن الوتر واجب على النبي ﷺ . قلنا: وإن كان واجبًا [عليه] (١) فقد صح فعله على الراحلة، فدل على صحته منه على الراحلة، ولو كان واجبًا على العموم لم يصح على الراحلة: كالظهر. فإن قيل: الظهر فرض والوتر واجب، وبينهما فوق. قلنا: هذا الفرق اصطلاح منكم، لا يسلمه لكم الجمهور، ولا يقضيه شرع ولا لغة، ولو سلم لم يحصل به هنا غرضكم. الثالث عشر: قوله: "غير أنه لا يصلي عليه" المكتوبة" هو نعت للصلاة، وحذفت لدلالته عليها، ونعتها بالمكتوبة دون المفروضة اتباعًا للفظ القرآن في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ (٢). وعبر في الرواية الأخرى بالفرائض، وأجمعت الأمة على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة ولا على الدابة إلَّا في شدة الخوف، فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود على الدابة واقفة، عليها هودج، أو نحوه، جازت الفريضة على الصحيح، ولو كانت سائرة لم يصح على الصحيح. وقيل: يصح كالسفينة، فإنها تصح فيها الفريضة بالإِجماع. ولو كان في ركب وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم ولحقه الضرر، صلى عليها، وأعاد لندرته، كذا جزم به الأصحاب، وفيه نظر

стр. 1202

خصوصًا إذا خاف فوت الوقت، لأنه أتى بما أمر به على حسب الطاقة، والإِعادة إنما تغيب بأمر جديد. واعلم أن الشيخ تقي الدين ﵀ قال: هذا الحديث قد يتمسك به في أن صلاة الفرض لا تؤدى على الراحلة، وليس ذلك بالقوي في الاستدلال، لأنه ليس فيه إلَّا ترك الفعل، وليس التبرك دليلًا على الامتناع. وكذا الكلام على استثناء ابن عمر الفرائض من فعله ﵊ فإنه يدل على ترك هذا الفعل وترك الفعل لا يدل على امتناعه (١). لكن قد يقال: إن وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين فترك الصلاة [لها دائمًا مع فعل النوافل على الراحلة، إشارة إلى الفرق بينهما في الجواز وعدمه مع تأييد المعنى له من كون الصلوات المفروضة قليلة محصورة؛ لا يؤدي النزول عن الراحلة لها إلى نقصان المطلوب. والنوافل المطلفة لا حصر لها، فيؤدي النزول إلى ترك المطلوب [من] (٢) تكثيرها مع اشتغاله بأمور سفره] (٣). قلت: ويحتمل أن يقال: إنما نزل عنها لأن فعلها في الأرض أفضل، فلا دلالة فيه، لكن صدنا عن هذا الإِجماع السابق (٤).

стр. 1203

الحديث الثاني ٧١/ ٢/ ١٢ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: [إن] (١) النبي ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة" (٢). الكلام عليه من وجوه: فقد جمع جملًا من اللغة والتاريخ والأصول والفروع. أحدها: "بينما": معناه بين أوقات كذا، ويجوز بينا أيضًا بلا ميم. ثانيها: "الناس": قد يكون من الإِنس والجن على ما قاله

стр. 1204

الجوهري (١)، ولم يجعلوا الألف واللام فيه عوضًا من الجملة المحذوفة، وهذا خلاف مذهب سيبويه كما حكاه عنه أبو البقاء وغيره، فإنه جعلها عوضًا منها. واختلف في عينه، فقيل: ياء والصحيح واو، بدليل قولهم في التصغير نويس، وهو من الأسماء التي لا واحد له من لفظه: كالخيل والإِبل والغنم والأنام وما أشبه ذلك. ثالثها: قباء: بالمد والقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف، فهذه ست لغات أفصحها أولها وهو موضع معروف بقرب المدينة على ثلاثة أميال، كما قاله النووي (٢)، إلَّا أنه يحتمل أن يكون المراد [هنا قباء نفسه، ويحتمل أن يكون المراد] (٣) المسجد وهو الظاهر، وهو المسجد الذي أسس على التقوى، وهو أول مسجد أسس في الإِسلام على ما حكاه البيهقي (٤)، قال: وأول من وضع فيه حجرًا رسول الله ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر، وفي حديث أخر أنه سئل عنه، فقال: هو مسجدي هذا. قال السهيلي (٥): [ويمكن] (٦) الجمع، فإن كل واحد منهما

стр. 1205

أسس على التقوى غير أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (١) يرجح الأول؛ لأن مسجد قباء أسس قبل مسجده ﵊، غير أن اليوم [قد] (٢) يراد به المدة والوقت، فيكون معنى قوله: "من أول يوم" أي من أول عام من الهجرة. رابعها: قوله: "في صلاة الصبح" هو أحد أسمائها كما أوضحته في المواقيت، وفي رواية مسلم: "في صلاة الغداة" ففيه دليل على جواز تسميتها غداة ولا خلاف فيه، وإن كان الخلاف في الكراهة كما قدمته هناك. خامسها: قوله: "إذ جاءهم آت" في اسمه ثلاثة أقوال: أحدها: عباد بن نهيك الأنصاري. ثانيها: عباد بن بشر الأشهلي، وبه جزم ابن طاهر في إيضاح الإِشكال (٣). ثالثها: عباد بن وهب. سادسها: قوله: "فاستقبلوها" كسر الباء فيه أفصح (٤)، وأشهر من فتحها، وهو الذي [يقتضيه] (٥) تمام الكلام بعده على الأمر، والفتح على الخبر.

стр. 1206

سابعها: حولت القبلة في السنة الثانية قطعًا، واختلفوا في الشهر الذي حولت فيه. فقال محمد بن حبيب الهاشمي (١): في الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان. وقال غيره: في رجب قبل بدر بشهرين، وكان ذلك في ركوع الركعة الثانية من الظهر [في مسجد بني سلمة] (٢)، فاستدار واستدارت الصفوت لما نزل قوله -تعالى-: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ)﴾ (٣) الآية. وذكر القرطبي أن الآية نزلت في غير صلاة، وفي صحيح البخاري عن البراء بن عازب: "أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة العصر"، وفي أخرى: "صلاة الصبح" والأولى أثبت، ولذلك سمي المسجد الذي لبني سلمة مسجد القبلتين، ويجمع بينهما وبين رواية العصر: أن أول صلاة صلاها كاملة إلى الكعبة صلاة العصر بخلاف الظهر، ويحتاج إلى جواب عن رواية الصبح (٤).

стр. 1207

قلت: وكانت مدة صلاته لبيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا كما ثبت في الصحيحين من حديث البراء (١) [وفي رواية لمسلم "ستة عشر شهرًا"] (٢) [بخلاف الظهر وفي سنن أبي داود "ثمانية عشر شهرًا" وحكى مسلم ثلاثة عشر] (٣) وفي أخرى سنتين حكاه المحب الطبري. وقال ابن حبان: صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام سواء، قال: لأن قدومه - عليه الصلاة

стр. 1208

والسلام - من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان (١). وفي تفسير ابن الخطيب عن أنس: "إنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر" وهو غريب، وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة، إن عد شهر الهجرة وهو ربيع الأول، أو ذي الحجة إن لم يعد (٢).

стр. 1209

واعلم أنه ينبغي أن يعرف كيف كان رسول الله ﷺ يستقبل الكعبة في صلاته وهو بمكة، فذهب نفر من العلماء إلى أن صلاته ﷺ وهو بمكة لم تكن إلى بيت المقدس، وإنما [كان] (١) صلى إليه بعد مقدمه إلى المدينة، والذي عليه جمهورهم أنه كان يصلي إلى الشام. قال أبو عمر: وأصح القولين عندي أنه [كان] (٢) يجعل مدة مقامه بمكة الكعبة بينه وبين بيت المقدس [فيقف] (٣) بين الركنين اليمانيين ويستقبل الكعبة وبيت المقدس (٤)، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه ذلك لأن المدينة عن يسار الكعبة، وكان تقلب وجهه في السماء. وقال الحافظ أبو اليمن ابن عساكر: سبب الاختلاف في ذلك أنه ﵊ كان إذا صلى بمكة مستقبلًا بيت

стр. 1210

المقدس جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فتحرى القبلتين معًا، فلم يظهر استقباله بيت المقدس ولا توجهه إليه للناس حتى هاجر إلى المدينة وخرج من مكة، هكذا روي عن ابن عباس من [طرق] (١) صحيحة، وقد روى ابن حبان في صحيحه (٢) في هجرة البراء بن معرور، وكعب بن مالك ما يدل على ذلك، وهو أن البراء رأى أن لا يجعل الكعبة وراء ظهره في صلاته، وأنه شاور في ذلك كعبًا فلم يوافقه، وأنه بقي في نفسه من فعله، حتى قدم على النبي ﷺ وهو وعمه العباس جالسين بمكة، فسلم هو وكعب عليه ﷺ في قصة طويلة، قال البراء: يا رسول الله إني [قد] (٣) صنعت في سفري هذا شيئًا أحببت أن تخبرني عنه، فإنه قد وقع في نفسي منه شيء، إني قد رأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر، وصليت إليها ومنعني أصحابي، وخالفوني حتى وقع في نفسي من ذلك ما وقع. فقال ﵊: "أما إنك قد كنت على قبلة لو صبرت عليها". قال: ولم يزده على ذلك. قال ابن حبان: أما تركه ﷺ أمر البراء بإعادة الصلاة التي صلاها إلى الكعبة حيث [قال] (٤) كان الفرض عليهم استقبال بيت

стр. 1211

المقدس، لأن البراء أسلم لما شاهد النبي ﷺ [فمن أجله] (١): لم يأمره بإعادة تلك الصلاة [من أجل ذلك] (٢)، واقتضى كلام أبي اليمن ابن عساكر أن البراء كان مسلمًا قبل هجرته إلى النبي ﷺ إلى مكة هو ومن معه من الأنصار، ويحتمل أن تكون صلاة البراء إلى الكعبة اتباعًا لما علم [به من علماء] (٣) اليهود أن هذا النبي المبعوث في عصرهم هو على ملة إبراهيم وفيه وقبلته الكعبة مستصحبًا لأصل الحكم في ذلك ورجّحه على ما وجد فيه التردد عنده في ثبوته والاختلاف في صحته أو وجوده وهو وجه من وجوه التراجيح. وقال الغزالي في "وسيطه": كان [رسول الله ﷺ ] (٤) يستقبل الصخرة من بيت المقدس مدة مقامه بمكة وهي قبلة الأنبياء (٥)،

стр. 1212

[وكان] (١) يقف بين الركنين اليمانيين كان لا يؤثر استدبار الكعبة، وعيرته (٢) اليهود، وقالوا: يخالف ديننا، ويصلي إلى قبلتنا. فسأل الله أن يحوله إلى الكعبة، فنزل قوله -تعالى-: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣) الآية، هذا لفظه برمته، وقد غيرت بعضه، وأوضحت الكلام عليه فيما خرجته من أحاديثه المسمى بـ (تذكرة الأخيار بما في الوسيط من الأخبار) (٤) فراجعه منه، ونقلت فيه عن المحاملي (٥) في المجموع (٦): أنه كان يقف ناحية الصفا، وأن رواية

стр. 1213

إمامة جبريل [فيه] (١) ﵇ عند باب البيت (٢) يقتضي بالقطع عدم استقبال ذلك. ثامنها: في الحديث دليل على جواز النسخ (٣) ووقوعه، ولا عبرة بمن أحاله (٤)، قال ابن .......................

стр. 1214

عباس (١): أول ما نسخ من القرآن: شأن القبلة والصيام، فأول من صلى إلى الكعبة (٢) البراء بن معرور. تاسعها (٣): فيه قبول خبر الواحد وهو معمول به معتد به عند الصحابة، وهلم جرا، ومن منع قال: احتفت به قرائن ومقدمات أفادت العلم، وخرج عن كونه خبر واحد. وقيل: إن النسخ بالواحد كان جائزًا في زمنه ﵊ وإنما منع بعده.

стр. 1215

وقيل: إنما تلا عليهم الآيات التي فيها ذكر النسخ، فتحولوا عند سماع القرآن، فلم يقع النسخ إلَّا بما سمعوه. قال القاضي: وأسد الجواب في هذا أن يقال: إن العمل بخبر الواحد مقطوع به. [عاشرها] (١): هل يجوز نسخ السنة بالكتاب وعكسه، فيه قولان: أصحهما عند الأكثرين. نعم كما سيأتي بعد أيضًا، ويشترط في السنة إذا كانت ناسخة أن تكون متواترة. الحادي عشر: جواز نسخ السنة بالكتاب (٢)، ووجه تعلق ذلك بالحديث أن الآتي المخبر لهم ذكر أنه أنزل اليلة قرآن وأحال النسخ على الكتاب، وليس التوجه إلى بيت المقدس بالكتاب، إذ لا نص فيه عليه، فالتوجه إليه بالسنة، ويلزم من مجموع ذلك نسخ السنة بالكتاب، والأكثرون على الجواز (٣). الثاني عشر: فيه أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف قبل بلوغ الخطاب له، وقد اختلف في ذلك ووجه استنباط هذا من الحديث أنه لو ثبت الحكم في أهل قباء قبل بلوغ الخبر إليهم لبطل ما فعلوه من التوجه إلى بيت المقدس، فلم ينعقد، وتجب الإِعادة في بعضها فتبطل.

стр. 1216

وتتعلق بذلك مسألة فقهية وهي أن الوكيل ينعزل من حين العزل على الصحيح بخلاف القاضي، والفرق تعلق المصالح الكلية بالقاضي بخلافه (١). ومسألة أخرى (٢): وهي أن الأَمة لو صلت مكشوفة الرأس، ثم علمت بالعتق في أثنائه. فقال أصبغ: تبطل. وقال ابن قاسم: تصح، وكذا إذا أُعتقت في نفس الصلاة وهي مكشوفة الرأس وأمكنها الستر، ومذهب الشافعي ومالك والكوفيين أنها تبني، وقيل: تقطع. الثالث عشر: قد يؤخذ منه جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ أو بالقرب منه، لأنه كان يمكن قطع الصلاة، وأن يبنوا على ما صلوا كما فعلوه، فرجحوا البناء، وهو محل اجتهاد. قاله الشيخ تقي الدين (٣)، وفيه نظر. وقد حكى الماوردي (٤) خلافًا لأصحابنا: في أن استقبال بيت المقدس كان ثابتًا بالقرآن ثم باجتهاده ﷺ . وقال القاضي عياض: الذي شهبة إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن [فعلى] (٥) هذا فيه دليل لمن يقول إن القرآن ينسخ

стр. 1217

السنة، وهو قول الأكثرين كما سلف، ووجه مقابله أن السنة مبينة، فكيف ينسخها؟ والقائل بهذا يقول: لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة، بل بوحي من الله -تعالى- قال -تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ (١) الآية، واختلفوا أيضًا في عكسه كما سلف. الرابع عشر: فيه دليل على أن الليلة لا تطلق إلَّا على الماضية ولا يراد بها المستقبلية إلَّا بقرينة أو دليل. الخامس عشر: [فيه] (٢) جواز الصلاة إلى جهتين، وهو الصحيح عندنا، بل إلى أربع جهات بأربع اجتهادات، وجه الدلالة أنهم استداروا ولم يستأنفوا. السادس عشر: فيه تنبيه من لم يصل [المصلي] (٣) على أمر يتعلق بالصلاة واجب أو ممنوع والحديث دال على الواجب وفي إلحاق غيره [به] (٤) نظر للشيخ تقي الدين (٥) إذ لا مساواة. السابع عشر: فيه مراعاة سمت القبلة بالاجتهاد لميلهم إلى جهة الكعبة عند بلوغهم الخبر بتحويل القبلة قبل قطعهم بالصلاة إلى عينها (٦).

стр. 1218

الثامن عشر (١): فيه أن من صلَّى إلى غير القبلة بالاجتهاد ثم تبين له الخطأ لم تلزمه الإِعادة؛ لأنه فعل ما وجب عليه في ظنه، مع مخالفة الحكم في نفس الأمر، وهو قول عندنا، والأظهر وجوب الإِعادة، وترجم أبو داود (٢) على هذا الحديث من طريق أنس: "من صلى لغير القبلة ثم علم". وترجم عليه البخاري (٣): "من لم ير الإِعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة ثم علم". وفي أخذه منه نظر لأن السهو إنما يكون عن حكم (٤) استقر. التاسع عشر (٥): فيه أن من لم يعلم بفرض الله عليه ولا بلغته الدعوة ولا أمكنه الاستعلام بذلك من غيره، فالفرض غير لازم له، والحجة غير قائمة عليه، فعلى هذا لو أسلم في دار الحرب، أو طرف بلاد الإِسلام، ولم يجد من يستعلمه عن شرائع الإِسلام، وأمكنه السير والبحث عما يجب عليه بالإِسلام. قال الشافعي ومالك: يجب عليه أن يقضي ما مر من صلاة وصيام لم يعلم وجوبهما، لأنه يعد مقصرًا بإعراضه عما يجب عليه بالإِسلام مع تمكنه منه. العشرون: قال القاضي: فيه دليل على أن المسافر إذا نوى

стр. 1219

الإِقامة في أثناء الصلاة أنه يتمادى ولا يقطع وهو قول الأكثرين، قال: واختلفوا في إمام الجمعة يعزل في أثناء الصلاة، وقد عقد ركعة منها هل يتمادى وهو قول الأكثرين، قال: وهذا الحديث يدل عليه، أو يقطع، وهو قول البعض. قال: واختلفوا في المتيمم إذا طلع عليه رجل بماء وهو في الصلاة، أو نزل المطر عليه وهو في الصلاة، هل يتمادى أو يقطع؟ ولا يقال في هذا: إنه يستعمل الماء ويتمادى، لأنه عمل كثير في الصلاة، فلا يجوز التمادي معه، وهو مذهب الشافعي ومالك والجمهور. وقال الكوفيون والأوزاعي: يستعمل ويتمادى، وهذا الحديث حجة عليهم. الحادي والعشرون: استدل به أيضًا على أن المرأة إذا زوجها أحد ولييها زيدًا، والآخر عمرًا، فدخل بها زيد ولم يعلم بعقد عمرو، أن العقد للأول ووطء الثاني شبهة، والمشهور [في] (١) مذهب مالك أنها للداخل بها، واحتجوا بأن أهل قباء لم يثبت في حقهم النسخ إلَّا بعد بلوغه إليهم، ولذلك صح ما مضى من صلاتهم، قالوا: فكذلك الناكح الثاني لا يثبت المنع في حقه إلَّا بعد علمه بعقد الأول، قالوا: وكذلك القول في السلعة يبيعها وكيلان: المشهور أنها للثاني إذا قبضها. الثاني والعشرون: فيه دليل على أن الحظر بعد الوجوب

стр. 1220

للتحريم، فإن الصلاة لبيت المقدس كانت واجبة، ثم منع من استقباله بهذا الحديث، لأن الأمر بالشيء نهى عن ضده لقوله: (فاستقبلوها) على رواية الكسر وهي المشهورة كما سلف، وفيه خلاف حكاه في المحصول (١).

стр. 1221

الحديث الثالث ٧٢/ ٣/ ١٢ - عن أنس بن سيرين قال: "استقبلنا أنسًا حين قدم من الشام، فلقيناه بعين التمر، فرأينه يصلي على حمار، ووجهه من ذا الجانب -يعني عن يسار الكعبة- فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله لم أفعله" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: كان ينبغي للمصنف ﵀ أن يذكر هذا الحديث عقب الأول لأنه في معناه، ثم يذكر حديث التحويل بعدهما، فإنه أنسب. ثانيها: أنس بن سيرين [والده] (٢) مولى أنس بن مالك ﵁، ولد أنس بن سيرين لسنة بقيت من خلافة عثمان، فيقال: إنه جيء به إلى مولاه أنس فسماه باسمه، وكناه أبا حمزة بكنيته، سمع أنسًا وابن عمر وغيرهما، مات سنة عشرين ومائة، قال ابن معين: أثبت ولد سيرين محمد يعني الإِمام المشهور، وأنس دونه ولا بأس

стр. 1222

به، ومعبد يعرف وينكر، ويحيى ضعيف [الحديث] (١) [وكريمة] (٢) كذلك، وحفصة أثبت منها. ثالثها: في ألفاظه: "الشام" تقدم [ذكرها] (٣) في الاستطابة. و"عين التمر": موضع كانت به وقعة [زمن] (٤) عمر بن الخطاب في أول خلافته، استشهد بها جماعة من الصحابة. و"الحمار": اسم للذكر من الحمر، والأنثى: أتان. رابعها: وقع في رواية مسلم: "حين قدم الشام" بإسقاط لفظة "من". قال القاضي: وقد قيل: إنه وهم وصوابه: "من الشام" كما هو في صحيح البخاري، وكذا قاله الشيخ تقي الدين (٥) أيضًا، لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قدم من الشام. وقال النووي: رواية مسلم صحيحة، ومعناه: تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام، وإنما حذف ذكر رجوعه للعلم به. خامسها: قوله: "رأيتك" إلى آخره، هذا السؤال لأنس بن مالك إنما هو عن عدم استقبال القبلة فقط، لا عن غير ذلك من هيئة ونحوها، فعلى هذا لا يؤخذ منه أنه ﵊ صلى على الحمار، بل قد غلط الدارقطني وغيره [من

стр. 1223

نسبة] (١) ذلك إليه، وهو عمرو بن يحيى المازني قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار" وإنما المعروف في صلاته ﵊ على راحلته أو على البعير، والصواب: أن ذكر الحمار في تنفل أنس كما حكاه [في] (٢) مسلم (٣) بُعْد، وفي الموطأ (٤) من حديث عمرو بن يحيى على "راحلته".

стр. 1224

سادسها: فيه الصلاة على الدابة إلى غير القبلة إذا كانت نافلة كما تقدم في حديث ابن عمر. سابعها: فيه جواز النافلة في السفر على الحمار، ولم يبين في هذا الحديث كيفية الصلاة [على الحمار] (١)، وقد وقع مفسرًا في الموطأ من فعل أنس فقال: "يركع ويسجد إيماءًا من غير أن يضع جبهته على شيء" (٢). قال مالك: وتلك سنة الصلاة على الدابة. ثامنها: قد يؤخذ منه طهارة الحمار، لأن ملامسته مع [التحري] (٣) منه متعذر، لا فيما إذا طال الزمان في ركوبه، فاحتمل العرق، وإن كان يحمل أن يكون على حائل بينه وبينه، وقد يؤخذ منه أن من صلى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيء منه تصح صلاته؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها. تاسعها: فيه الرجوع إلى أفعاله ﷺ كأقواله والوقوف عندها، وهكذا كانت عادة الصحابة غالبًا يجيبوا باتباعه ﵊ من غير إبداء [معنى، إذ أبدأ] (٤) المعنى عرضة

стр. 1225

للاعتراض، كما تقدم في قول عائشة حين [سألتها معاذة] (١): "كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (٢) فأجابتها بالنص دون المعنى. عاشرها: فيه تلقى المسافر. الحادي عشر: فيه سؤاله عن مستند عمله المخالف للعادة. الثاني عشر: فيه أن التابع إذا رأى من متبوعه ما يجهله يسأله عنه. الثالث عشر: فيه الجواب عن السؤال بالدليل، و [نص] (٣) الصحابي وقوله حجة [فيما يخالف] (٤). الرابع عشر: فيه التلطف في إنكار ما خفي على المنكر حتى أخرى في مخرج الخبر المحض. الخامس عشر: قوله: "من ذا الجانب" فيه العمل بالإِشارة، وكأنه والله أعلم متفق عليه في مسائل شتى منها: طلاق الأخرس، وبيعه، وشراؤه، وغير ذلك. وكذا غيره إذا قال: أنت طالق، وأشار بأصبعين أو ثلاثة كما هو مبسوط في الفروع. وبالله التوفيق.

стр. 1226

١٣ - باب الصفوف ذكر فيه أربعة أحاديث: الحديث الأول ٧٣/ ١/ ١٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سووا صفوفكم، فإن تسوية [الصف] (١) من تمام الصلاة" (٢). الكلام عليه من وجوه: أولها: فيه الأمر بتسوية الصفوف الأول فالأول، وهو اعتدال القائمين للصلاة على سمت واحد وسد فرج الصفوف [جمعًا] (٣) بين مدلول الأمر للصورة والمعنى، وقد ورد الأمر بسد الخلل في

стр. 1227

الصفوف في حديث صحيح أخرجه مسلم (١) من حديث جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها [فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟] (٢)، قال: يتمون الصفوف الأُول [] (٣)، [ويتراصون] (٤) في الصف" وفي سنن أبي داود (٥) وصحيح ابن حبان (٦) من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأكتاف، فوالذي نفسي بيده! إني لأرى الشيطان يدخل [في] (٧) خلل الصف: كأنها الحذف". قلت: الحذف (٨) -بفتح الحاء المهملة ودال معجمة مفتوحة ثم فاء- وهي غنم صغار سود تكون باليمن.

стр. 1228

وفي رواية البيهقي (قيل: يا رسول الله [] (١) وما الحذف؟ قال: ضأن جرد سود تكون بأرض اليمن). قال الخطابي (٢): ويقال: أكثر ما تكون بأرض الحجاز. فحصل من ذلك التسوية صورة ومعنى تصريحًا، وإن كان الشيخ تقي الدين (٣)، قال: الأظهر أن المطلوب بالحديث الأول. ثانيها: فيه إشارة إلى أن تسويتها مستحب ليس بواجب بجعله ﵊ تسويتها من تمام الصلاة، ومعلوم أن الشيء إذا لم يكن من أركان الصلاة ولا واجباته، وكان من تمامه، كان مستحبًا، لكونه أمرًا زائدًا على وجود حقيقته التي لا تسمى إلَّا بها في الاصطلاح المشهور، كما قاله الشيخ تقي الدين، قال: وقد ينطلق من حيث الوضع على [بعض] (٤) ما لا تتم الحقيقة إلَّا به (٥).

стр. 1229

وقال القاضي عياض: تمام الشيء وحسنه وكماله بمعنى واحد. قلت: ولهذا جاء في رواية ابن حبان: "حسن" مكان: "تمام" (١)، وأما ابن حزم فزعم أن تسويتها فرض، لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض [ثم] (٢) استدل بهذا الحديث. ثالثها: قيل: فيه رد على من يقول: إن المفرد المحلى بالألف واللام لا يعم. ووجهه أنه أضاف الصفوف [بصيغة] (٣) الجمع، فعمت، ثم أفرد فلو لم يكن للعموم لتناقض. رابعها: يمكن أن يؤخذ منه أن الأمر للوجوب عند التجرد عن القرائن، لأنه لو كان محمولًا على الندب لما [احتاج] (٤) لزيادة

стр. 1230

قوله: (فإن تسوية الصف من تمام الصلاة). فلما أتى بلفظ التمام الذي هو ظاهر في عدم الوجوب دل على أنه لولا تلك الزيادة لكان الأمر للوجوب، وفيه أنه ينبغي للمفتي [والأمير] (١) إذا أمر بأمرٍ أن يذكر مقام ذلك الأمر من المأمورات. [ثم] (٢) اعلم أنه يسوي الأول فالأول، فلا يشرع في صف حتى يفرغ مما قبله، ثم الأمر بتسوية الصفوف لا يختص بالإِمام، نعم هو آكد من غيره (٣). [خامسها: السر في تسويتها موافقة الملائكة كما تقدم والمطلوب منها محبة الله لعباده. فائدة: متعلقة بما نحن فيه في "الإِحياء" للغزالي: أن المنبر يقطع بعض الصفوف، وإنما الصف الأول المتصل الذي في فناء المنبر وما على طرقيه مقطوع] (٤). قال وكان سفيان الثوري يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر، وهو متجه لأنه متصل، ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب، ويسمع منه، ولا يبعد أن يقال: الأقرب إلى القبلة [هو] (٥) الصف الأول، وما ذكره في تفسير الصف الأول مقالة مرجوحة.
следующие страницы →