← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

١٣ - باب الصفوف ذكر فيه أربعة أحاديث: الحديث الأول ٧٣/ ١/ ١٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سووا صفوفكم، فإن تسوية [الصف] (١) من تمام الصلاة" (٢). الكلام عليه من وجوه: أولها: فيه الأمر بتسوية الصفوف الأول فالأول، وهو اعتدال القائمين للصلاة على سمت واحد وسد فرج الصفوف [جمعًا] (٣) بين مدلول الأمر للصورة والمعنى، وقد ورد الأمر بسد الخلل في

стр. 1227

الصفوف في حديث صحيح أخرجه مسلم (١) من حديث جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها [فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟] (٢)، قال: يتمون الصفوف الأُول [] (٣)، [ويتراصون] (٤) في الصف" وفي سنن أبي داود (٥) وصحيح ابن حبان (٦) من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: "رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأكتاف، فوالذي نفسي بيده! إني لأرى الشيطان يدخل [في] (٧) خلل الصف: كأنها الحذف". قلت: الحذف (٨) -بفتح الحاء المهملة ودال معجمة مفتوحة ثم فاء- وهي غنم صغار سود تكون باليمن.

стр. 1228

وفي رواية البيهقي (قيل: يا رسول الله [] (١) وما الحذف؟ قال: ضأن جرد سود تكون بأرض اليمن). قال الخطابي (٢): ويقال: أكثر ما تكون بأرض الحجاز. فحصل من ذلك التسوية صورة ومعنى تصريحًا، وإن كان الشيخ تقي الدين (٣)، قال: الأظهر أن المطلوب بالحديث الأول. ثانيها: فيه إشارة إلى أن تسويتها مستحب ليس بواجب بجعله ﵊ تسويتها من تمام الصلاة، ومعلوم أن الشيء إذا لم يكن من أركان الصلاة ولا واجباته، وكان من تمامه، كان مستحبًا، لكونه أمرًا زائدًا على وجود حقيقته التي لا تسمى إلَّا بها في الاصطلاح المشهور، كما قاله الشيخ تقي الدين، قال: وقد ينطلق من حيث الوضع على [بعض] (٤) ما لا تتم الحقيقة إلَّا به (٥).

стр. 1229

وقال القاضي عياض: تمام الشيء وحسنه وكماله بمعنى واحد. قلت: ولهذا جاء في رواية ابن حبان: "حسن" مكان: "تمام" (١)، وأما ابن حزم فزعم أن تسويتها فرض، لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض [ثم] (٢) استدل بهذا الحديث. ثالثها: قيل: فيه رد على من يقول: إن المفرد المحلى بالألف واللام لا يعم. ووجهه أنه أضاف الصفوف [بصيغة] (٣) الجمع، فعمت، ثم أفرد فلو لم يكن للعموم لتناقض. رابعها: يمكن أن يؤخذ منه أن الأمر للوجوب عند التجرد عن القرائن، لأنه لو كان محمولًا على الندب لما [احتاج] (٤) لزيادة

стр. 1230

قوله: (فإن تسوية الصف من تمام الصلاة). فلما أتى بلفظ التمام الذي هو ظاهر في عدم الوجوب دل على أنه لولا تلك الزيادة لكان الأمر للوجوب، وفيه أنه ينبغي للمفتي [والأمير] (١) إذا أمر بأمرٍ أن يذكر مقام ذلك الأمر من المأمورات. [ثم] (٢) اعلم أنه يسوي الأول فالأول، فلا يشرع في صف حتى يفرغ مما قبله، ثم الأمر بتسوية الصفوف لا يختص بالإِمام، نعم هو آكد من غيره (٣). [خامسها: السر في تسويتها موافقة الملائكة كما تقدم والمطلوب منها محبة الله لعباده. فائدة: متعلقة بما نحن فيه في "الإِحياء" للغزالي: أن المنبر يقطع بعض الصفوف، وإنما الصف الأول المتصل الذي في فناء المنبر وما على طرقيه مقطوع] (٤). قال وكان سفيان الثوري يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر، وهو متجه لأنه متصل، ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب، ويسمع منه، ولا يبعد أن يقال: الأقرب إلى القبلة [هو] (٥) الصف الأول، وما ذكره في تفسير الصف الأول مقالة مرجوحة.

стр. 1231

قال النووي في "شرح مسلم" (١): الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله والحث عليه هو [الصف] (٢) الذي يلي الإِمام سواء جاء صاحبه متقدمًا أو متأخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا، هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون. وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا يتخلله مقصورة ونحوها. قال: فإن تخلل الذي يلي الإِمام فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء وإن تأخر. وقيل: الصف الأول عبارة عن مجيء الإِنسان إلى المسجد أولًا وإن صلى في صف متأخر، قال: وهذان القولان غلط صريح وإنما [ذكرته] (٣) أو مثله لأنبه على بطلانه كيلا [يغتر] (٤) به. [وقال] (٥) في شرح المهذب (٦). في [باب] (٧) (موقف الإِمام والمأموم): اعلم أن المراد بالصف الأول: الصف الذي يلي الإِمام، سواء تخلله منبر ومقصورة وأعمدة وغيرها، أم لا. هذا لفظه ولم يذكر غيره.

стр. 1232

وجزم القرطبي في "شرحه لمختصر مسلم" في باب ([التنفل] (١) [بعد] (٢) الجمعة): أن المقصورة إذا اتخذت لغير التحصين لا يجوز، ولا يصلى فيها لتفريقها الصفوف، وحيلولتها مع التمكن من المشاهدة. ورأيت في "الشامل الصغير" (٣) لبعض المتأخرين من الفقهاء الشافعية: [أن] (٤) الصف الأول أفضل، ثم أقربهم من الإِمام ثم اليمين من كل صف، كذا قال. وقال الغزالي في "الإِحياء": يراعي [في] (٥) الصف الأول إلَّا أن يكون فيه منكر يعجز عن تغييره: كلبس حرير أو صلاة في ساح كثير شاغل أو مذهبة ونحو ذلك، فإن كان شيء من ذلك فالتأخير أسلم، نقله جماعة من العلماء طلبًا للسلامة.

стр. 1233

الحديث الثاني ٧٤/ ٢/ ١٣ - عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (١). ولمسلم: "كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلًا باديًا صدره، فقال: "عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم" (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه، وهو صحابي ابن صحابي، كنيته أبو عبد الله، أمير الكوفة وحمص، وقاضي دمشق، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة، وأول من حيّاه النبي ﷺ بتحية الإِسلام، ولد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة على الأصح،

стр. 1234

ومات بحمص أو بقرية من قراها أو بالشام، أقوال: سنة أربع وستين، وقيل غير ذلك، وكان كريمًا جوادًا، شاعرًا، وترجمته أوضحتها فيما أفردته لرجال هذا الكتاب، فراجعها منه فإنها مهمة. ثانيها: في التعريف بما وقع فيه من المبهم وهو قوله "فرأى رجلًا باديًا صدره" ولم أقف على تسميته بعد البحث عنه. ثالثها: في ألفاظه ومعانيه وأحكامه: أولها: الظاهر أن اللام في "لتسون" [جواب قسم محذوف التقدير: والله لتسون صفوفكم] (١) "لتسون صفوفكم" الواقع ولا بد [من] (٢) أحد [الأمرين] (٣) من تسوية الصفوف أو وقوع المخالفة بين الوجوه. [ثانيها] (٤): هذه المخالفة للوجوه هل هو بالصورة أو بالمعنى، اختلف فيه، فقيل: معناه مسخ الوجوه وتحويلها عن خلقتها، لقوله ﷺ : "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإِمام أن يجعل الله صورته صورة حمار" (٥)، وقيل يغير صفتها، وقيل: المراد

стр. 1235

بالوجوه القلوب، فإن تقدم الشخص على المصلي إلى جنبه يوغر صدره، وذلك موجب لاختلاف القلوب فعبر عنه باختلاف وجوههم [لكونه] (١) يلزم من تغير القلب تغير الوجه غالبًا، فلما كان لازمًا له عبر به عنه. قلت: ويؤيده رواية أبي داود (٢) وابن حبان (٣) (بين قلوبكم). وقال النووي (٤): الأظهر والله أعلم: أن معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما يقال: تغير وجه فلان عليّ، أي: ظهر لي من وجهه كراهة لي، وتغير قلبه (٥) عليّ. قلت: ومقتضى الوجه الأول وجوب تسوية الصفوف لترتيب الوعيد المذكور على عدمها، فإن حمل الوعيد على ترك ائتلاف القلوب فهو على تركه واجب.

стр. 1236

[ثالثها] (١): "القداح" بكسر القاف جمع قدح بكسرها أيضًا وسكون الدال كذلك، وهي خشب السهام، حين تنحت وتبرى وتهيأ للرمي به، وهو تمثيل حسن جدًّا، فإن السهام يطلب في تسويتها التحذير وحسن الاستقامة، كيلا يطيش عند الرمي، فلا يصيب الغرض. فشبه تسوية الصفوف بها، فالمعنى كان يبالغ في تسويتها، حتى يصير كأنما يقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها، وإنما قال: القداح ولم يقل القدح لأجل مقابلة الصفوف، وقد كان بعض أئمة السلف يوكلون رجالًا يسوون الصفوف. [رابعها] (٢): قوله: "حتى رأى أن قد عقلنا" أي فهمنا ما أمرنا به من التسوية، [وكأنه] (٣) ﷺ راقبهم في التسوية حتى ظهر له فهمهم المقصود منها وامتثالهم له. خامسها: هذه الرؤية رؤية علم لا رؤية بصر، لأن فهمهم ليس مما يدرك بحاسة البصر. و"أن": هذه مخففة من العقيلة. سادسها: قوله: "حتى كاد أن يكبر" تتعلق به مسألة نحوية، وهو دخول "أن" على "كاد" وهو قليل عندهم، والأكثر حدفها عكس "عسى". سابعها: فيه جواز كلام الإِمام بعد الإِقامة وقبل الإِحرام، وهو

стр. 1237

مذهبنا ومذهب الجمهور للحاجة، سواء كان الكلام لمصلحة الصلاة أو لم يكن، ومنعه أبو حنيفة، وقال: يكبر الإِمام إذا قال المؤذن "قد قامت الصلاة"، والحديث حجة عليه، نعم إذا كان لا لمصلحة أصلًا يكون مكروهًا. وقال اللخمي: من أصحاب مالك إذا طال الكلام أعاد الإِقامة. ثامنها: فيه أن تسوية الصفوف من وظيفة الإِمام وقد تقدم في الحديث الأول أنه آكد في حقه من غيره، وقدمت قريبا أن بعض أئمة السلف كانوا يوكلون رجالًا يسوون الصفوف وهو المنقول عن عمر وعثمان. تاسعها: قوله: "عباد الله لتسوّن صفوفكم" [هذا تفسير لشدة مراقبته ﵊ لهم في التسوية في الصفوف، والمحافظة على ذلك] (١)، وتنبيه المأمومين عليه" والأمر المؤكد لهم بها، فإنه أكده بلام الأمر ونون التوكيد، والتهديد على تركها باختلاف القلوب والأبشار. عاشرها: فيه أنه ينبغي للإِمام والراعي أمر أتباعه بالخير، ومراقبته لهم في ذلك ظاهرًا وباطنًا والشفقة عليهم في الدنيا والآخرة، ولا يهمل واحد منهم، ولا يخصه بالمخاطبة، بل يعم جميعهم بالخطاب وإن وقعت من [أحد] (٢) منهم.

стр. 1238

الحادي عشر: فيه التحذير من المخالفة في الظاهر والباطن، والحث على الموافقة في الظاهر والباطن. الثاني عشر: فيه أنه لا يهمل مخالفة، حتى لو حصل الامتثال من الجميع، وتخلف واحد [خشي] (١) من شؤمه عليهم. الثالث عشر: فيه كراهة المتقدم على المأمومين في الصف، سواء كان المتقدم بقدمه أو بمنكبه أو بجميع بدنه، فإنه إذا كان ﷺ منع بادي الصدر الذي [لا] (٢) يظهر فيه كبير مخالفة [في التسوية، وهدد من فعله، فما ظنك بغيره من البدن والقدم والمنكب؟!] (٣). الرابع عشر: [فيه] (٤) جواز التمثيل للأمور المأمور بها بعضها ببعض، فإن تسوية الصف مأمور بها، وتسوية القداح مأمور بها، ومثل بتسوية الصف تسوية القداح. الخامس عشر: فيه اختبار الإِمام أو المعلم أتباعه بعد فهمهم عنه. السادس عشر: فيه التهديد على المخالفة والتوكيد للتحذير.

стр. 1239

الحديث الثالث ٧٥/ ٣/ ١٣ - عن أنس بن مالك ﵁، (أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته فأكل منه، ثم قال: "قوموا لأصلي لكم". قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسودّ من طول ما لبس، فنضحته بماء، وقام عليه رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم انصرف ﷺ ) (١). ولمسلم: "أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه (٢) فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا" (٣). الكلام عليه من وجوه: أولها: التعريف براويه وقد تقدم في الاستطابة.

стр. 1240

ثانيها: هذا اليتيم، قال المصنف فيه: أنه ضُميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة ولم ينسبه، وإنما عرفه بكونه جد حسين المذكور وهو ضُميرة بن أبي ضُميرة الليثي، قاله ابن حبان. وقال النووي في "شرح مسلم" (١): ضميرة بن سعد الحميري، ولا تنافي بينهما، فإن ليثًا من حمير. وفي كتاب [ابن] (٢) الحذاء قيل: اسمه روح [بن سندر] (٣)، وقيل: ابن شيرزاد. وادعى بعض الشراح أن في "تاريخ الصحابة" لابن حبان بدل ضميرة والد عبد الله عميرة بفتح العين المهملة وكسر الميم، قال: فيكون أحدهما تصحيفًا، وهذا غريب، فإن الذي رأيته في كتاب ابن حبان (٤) المذكور هو كما قال المصنف سواء، وهذا لفظه: (ضميرة بن أبي ضميرة الليثى) جد حسين بن عبد الله بن ضميرة من

стр. 1241

أهل المدينة له صحبه. [انتهى] (١). وكأنه والله أعلم تصحف عليه فضبطه ثم ادعى التصحيف. ثالثها: مليكة: بضم الميم، وزعم الأصيلي بأنها -بفتح الميم وكسر اللام (٢) - وهي أم سليم، وقد قدمنا التعريف بها في باب الجنابة. رابعها: قوله: "أنَّ جدته مليكة"، كذا شرح بأنها جدته، ويؤيده ما رواه أبو الشيخ (٣) الحافظ في "فوائد العراقيين" (٤) من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: "أرسلتني جدتي إلى النبي ﷺ واسمها مليكة فجاءنا فحضرت الصلاة، فقمت إلى حصير لنا ... " الحديث. وقال أبو عمر (٥): الضمير في جدته يعود إلى إسحاق بن

стр. 1242

عبد الله الراوي عن أنس، فعلى هذا كان ينبغي للمصنف وغيره أن يذكر إسحاق فإن إسقاطه يوهم أن تكون جدة أنس لا جدة إسحاق، وكذا قال القاضي عياض، [وعبد الحق] (١) أن الضمير يعود إلى إسحاق. وقال النووي (٢): إنه الصحيح فتكون أم أنس، لأن إسحاق ابن أخي أنس لأمه (٣) (٤).

стр. 1243

خامسها: العجوز: هي أم سليم [أم آنس] (١) قاله غير واحد. سادسها: فيه دليل على عظم تواضعه ﷺ بإجابة دعوة داعيه. سابعها: فيه دليل أيضًا على إجابة الداعي لغير وليمة العرس، ولا خلاف في أن إجابتها مشروعية، لكن إجابتها عندنا غير واجبة على الأظهر، وظواهر الأحاديث الإِيجاب، ونشره مالك إجابة أهل الفضل لكل من دعاهم إلَّا في وليمة العرس، كذا نقله القاضي عياض، والحديث حجة عليه، وتكلف بعض المالكية فقال:

стр. 1244

المقصود بهذه الدعوة إنما كان للصلاة لهم ليتخذوا مكانه مصلى، والطعام تبع، ويرده قوله: (لطعام صنعته) (١). ثامنها: اللام في قوله: (فلأصلي) مكسورة لام كي، والفاء زائدة وقد جاءت زيادتها في قولهم: (زيد فمنطلق)، كما قال: (وقائلة خولان فانكح فتاتهم) وهو مذهب الأخفش، وقد [ورد] (٢) بكسر اللام وجزم الياء على أنه أمر نفسه، وروي بفتح اللام الأولى والياء ساكنة وهي [أشدها] (٣) لأن اللام تكون جواب قسم محذوف، وحينئذ يلزمها النون في الأشهر. وقال البطليوسي: كثير من الناس يتوهمه قسمًا، وهو غلط، لأنه لا وجه للقسم هنا، ولو كان قسمًا لقال (فلأصلين) بالنون، وإنما الرواية الصحيحة فلأصلّ على معنى الأمر، والأمر إذا كان للمتكلم والغائب كان باللام أبدًا، وإذا كان للمخاطب كان باللام وغيره. وحكى صاحب المطالع: (فلنصل) (٤) بالنون وكسر اللام الأولى والجزم، كأنه أمر للجميع. تاسعها: فيه جواز النافلة جماعة.

стр. 1245

عاشرها: فيه الصلاة للتعليم، ولحصول البركة للاجتماع فيها أو بإقامتها في المكان المخصوص، فإن قوله ﵊ (فلأصل لكم) يشعر بتخصيصهم. [وفيه] (١) تبريك الرجل الصالح والعالم (٢) أهل المنزل بصلاته في منزله، ولعل النبي ﷺ أراد تعليمهم أفعال الصلاة مشاهدة مع [تبريكهم] (٣)، فإن المرأة قلّ ما تشاهد أفعاله في المسجد، فأراد أن تشاهدها وتتعلمها وتعلمها غيرها. الحادي عشر: فيه جواز صلاة النافلة في الجماعة اليسيرة وهو مذهب مالك، أعني جواز الجمع في النافلة في غير رمضان في موضع خفي، والجماعة يسيرة، وإلَاّ فالكراهة على المشهور. الثاني عشر: قال بعض العلماء: المتعبد له حالتان. الأولى: أن يصلى لنفسه قاصدًا وجه الله -تعالى-

стр. 1246

والإِخلاص في العبادة لمن يستحق أن يكون معبودًا لذاته، وهو الله [وهذا] (١) أعلى مراتب الإِخلاص. الثاني: أن يأتي بالعبادة ليعلم الجاهل، فهذا جائز، وهو مستحب، وعلى هذا الحديث يكون سنة، لكن هذا في حقه ملتحق بالأول، فإنه في حقه ﷺ أبلغ فإنه من باب التبليغ والتعليم الواجب عليه، وأفضل العبادات أداء المفروضات، ويكون فعله ﷺ هذا موصوف بأحسن الصفات، ويقرب من هذا تعليم العالم للمتعلم، وإن لم يبلغ تلك المرتبة العلية. الثالث عشر: قوله: (فقمت إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لبس) أخذ منه أن الافتراش يطلق عليه لباس، ولا شك أن لباس كل شيء بحسبه شرعًا ولغة، فافتراش الحصير لا يسمى لباسًا عرفًا، ولو حلف لا يلبس ثوبًا، ولم يكن له نية بافتراشه، فافترشه حنث عند مالك (٢) احتجاجًا بقوله: (من طول ما لبس) خلافًا للشافعية، لأن الأيمان مبناها العرف، وهذا في العرف لا يسمى لباسًا، وافتراش الحرير لباسًا له فيحرم على الرجل مع أن فيه نصًّا يخصه بالتحريم على المذكور والتحليل للإِناث، واختلف أصحابنا في جواز افتراش الحرير للنساء على وجهين:

стр. 1247

أصحهما عند النووي: الجواز، لأنه يسمى لباسًا، وقد أحل لهن اللباس. وأصحهما عند الرافعي: المنع، لأن اللباس العرفي في البدن، وجوز لهن لما فيه من الزينة للرجال، وليس ذلك في الجلوس والاستناد إليه. وفي "المدخل" لابن الحاج المالكي ﵀ أنه يجوز لها استعمال ذلك خاصة، قال: وأما زوجها فسمعت سيدي أبا محمد ﵀ يقول: إنه لا يجوز له ذلك إلَّا على سبيل التبع لها، فلا يدخل الفراش إلَّا بعد دخولها، ولا يقيم في الفراش بعد قيامها، ويجب عليها أن توقظه إذا قامت أو تزيله عنه. الرابع عشر: (النضح): الرش، قاله الجوهري (١)، وقد يطلق على الغسل، والأول أشهر، فنضحه للحصير يجوز أن يكون لأجل تليينه وتهيئته للجلوس عليه، فإنه كان من جريد، كما جاء في رواية لمسلم، واختار هذا التأويل النووي (٢). ويجوز أن يكون لطهارته [وزوال] (٣) ما يعرض من الشك [من] (٤) نجاسة، ورجحه القاضي (٥)، فإن احتراز الصبيان عن

стр. 1248

النجاسة بعيد، ويقوي هذا كون أبي عمير في البيت معهم، وكان طفلًا صغيرًا، كما جاء في رواية [في] (١) غير الصحيحين، فيدل للمالكية حينئذ على اعتبار النضح حال الشك (٢)، وقد قدمت خلافًا في حديث أم قيس في باب المذي وغيره في الفرق بين النضح بالحاء المهملة والمعجمة. الخامس عشر: (اليتيم): جمعه أيتام ويتامى، وقد يتمِ الصبي بالكسر [يتمَ بالفتح] (٣) يُتما ويَتْما بالتسكين فيهما قاله أهل اللغة قالوا: واليُتْمُ في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم. وحكى الماوردي: أنه يقال في بني آدم أيضًا أيتمت المرأة، فهي مؤتم أي صار أولادها يتامى. وكلُّ شيءٍ مفرد يعز نظيره، فهو يتيم، يقال: درة يتيمةٌ، ويتّمهم تيتيمًا، جعلهم أيتامًا. السادس عشر: فيه صحة [صلاة] (٤) الصبي المميز. السابع عشر: فيه أن للصبي موقفًا في الصف، وبه قال الجمهور. قال النووي في "شرح مسلم" (٥): وهو الصحيح المشهور من مذهبنا، وعن أحمد كراهته في الفرائض والمساجد.

стр. 1249

وروي عن عمر أنه إذا أبصر صبيًّا في الصف أخرجه، ونحوه (١) عن بعض السلف وهو محمول على صبي لا يعقل الصلاة ويعبث فيها. الثامن عشر: أن الاثنين يكونان صفًا وراء الإِمام، وهو مذهب العلماء كافة إلَّا ابن مسعود وصاحبيه وأبا حنيفة والكوفيين، فإنهم قالوا: يكونان عن يمينه [وعن] (٢) يساره، ويكون بينهما، واستدل بحديث عنه أجوبة أوضحتها في "شرح المنهاج" (٣).

стр. 1250

التاسع عشر: فيه أن موقف المرأة في الصلاة وراء الصبي، وأنها إذا لم تكن معها امرأة أخرى تقف وحدها وهذا لا خلاف فيه (١). العشرون: يجوز أن يتمسك به على أن المرأة لا تؤم الرجال، لأن مقامها في الائتمام متأخر عن مرتبتهم، فكيف تتقدم أمامه؟ وهذا مذهب جمهور العلماء خلافًا للطبري [وأبي] (٢) ثور، فإنهما أجازا إمامة المرأة للرجال والنساء جملة، وحكي عنهما إجازته في التراويح إذا لم يوجد قارئ غيرها. واختلف أيضًا في إمامتها للنساء فذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة من العلماء إلى المنع أيضًا، وأجازه الشافعي وغيره، وهو رواية عن مالك (٣). الحادي والعشرون: فيه دليل على أن موقف المنفرد من المأمومين عن يمين الإِمام سواء كان رجلًا أو صبيًّا. الثاني والعشرون: فيه جواز الصلاة على الحصير وسائر ما تنبته الأرض، وهو مجمع عليه، وروي عن عمر بن عبد العزيز خلاف هذا، وهو محمول على استحباب التواضع بمباشرة الأرض نفسها، وكره مالك نبات القطن والكتان، وأجازه ابن مسلمة (٤).

стр. 1251

الثالث والعشرون: فيه أن الأصل في الثياب والحصر والبسط الطهارة، وأن حكم الطهارة مستمر حتى تتحقق النجاسة. واستفد هنا أن إسحاق بن راهويه انفرد فقال: لا يجوز لأحد أن يلبس ثوبًا جديدًا من ثياب النصارى حتى يغسله، ويرده أنه ﵊: "لبس جبة من جباب الروم ضيقة الكمين" (١)، ولم يرو واحد أنه غسلها. الرابع والعشرون: فيه أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعين: كنوافل الليل. الخامس والعشرون: جاء في هذا الحديث [فعيل] (٢) في [الصفات] (٣) من غير مبالغة، وذلك (يتيم وعجوز) وهو مما جاء على خلاف القياس، ومثله حصور للناقة الضيقة الإِحليل وهي التي ضاق مجرى لبنها من ضرعها وهو كثير. السادس والعشرون: فيه دليل على ترك الوضوء مما مست النار، لأنه لم يذكر في الحديث أنه توضأ. السابع والعشرون: أدخل مالك (٤) هذا الحديث في ترجمة جامع لسبحة الضحى، واستدل به القاضي عياض على ذلك.

стр. 1252

وقال الباجي (١): حديث أنس أنه لم ير النبي ﷺ يصلي الضحى إلَّا مرة واحدة في دار رجل من الأنصار، سأله أن يصلي في بيته ليتخذ مكانه مصلى، قد يجمع بينه وبين هذا بأن يقال: لعل مالكًا بلغه أن صلاته في دار مليكة كانت ضحى، وأن أنسًا لما اعتقد فيها أن المقصود [منها] (٢) التعليم دون الوقت لم يعتقدها صلاة ضحى، ويحتمل أن يكون مالكًا لم يبلغه ذلك، ولكنه لما كانت عنده صلاة الضحى نافلة عبر عنها بصلاة الضحى، وجعلها تنوب عنها. وقال صاحب القبس (٣): إنما أخذ مالك أنها صلاة الضحى من قوله: "أن جدته مليكة دعته لطعام صنعته"، والظاهر منه أن الدعوة في وقت الغداة عند تناول الغداء، وفيما ذكره نظر. الثامن والعشرون: احتج بعضهم بهذا الحديث على صحة صلاة المنفرد خلف الصف ولا دلالة فيه لأنه موقفها (٤)، وملخص ما في هذه المسألة ثلاثة مذاهب.

стр. 1253

أحدها: الصحة مطلقًا، وهو قول النووي وابن المبارك وأصحاب الرأي ومالك والشافعي والأكثرين. وثانيه: البطلان مطلقًا، وهو قول النخعي وحماد وابن أبي ليلى ووكيع، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الزهري والأوزاعي: من ركع دون الصف إن كان قريبًا من الصف أجزأه وإلَاّ فلا. وقال ابن حبان (١): من فعل هذا الفعل المنهي عنه بعد أن علم بالنهي كان مأثومًا في ارتكابه وصلاته صحيحة. لحديث أبي بكرة أي في صحيح البخاري (٢).

стр. 1254

التاسع والعشرين: قوله: (فصلى لنا ركعتين ثم انصرف) الأقرب كما قال الشيخ تقي الدين: إنه أراد الانصراف عن البيت، ويحتمل أنه أراد الانصراف من الصلاة بناء على أن السلام لا يدخل تحت مسمى [الصلاة] (١) عند أبي حنيفة. وأما على رأي غيره فيكون الانصراف عبارة عن التحلل، ويؤيده الحديث الآخر: "لا تسبقوني بالركوع ولا بالانصراف" (٢) أي بالسلام، فيكون أراد الانصراف عن الصلاة، وهو السلام، وهذا الاحتمال هو الأظهر.

стр. 1255

الحديث الرابع ٧٦/ ٤/ ١٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: "بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي، فأقامني عن يمينه" (١). الكلام عليه من تسعة عشر وجهًا: الأول: في التعريف براويه وقد تقدم في باب الاستطابة، وميمونة ﵂ تقدم التعريف بها في باب الجنابة. الثاني: فيه جواز نوم بعض محارم المرأة في بيت زوجها، إذا لم يكن على الزوج ضرر في ذلك.

стр. 1256

الثالث: ورد في رواية ضعيفة (١) في مبيته عندها أنها كانت حائضًا وهي حسنة المعنى جدًّا إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة للنبي ﷺ فيها حاجة إلى أهله، لأنه معلوم أنه ﵊ لا يفعل حاجته مع حضرة ابن عباس معها في الوسادة، فإن مبيته إنما كان ليراقب أفعاله ليقتدي به في الصلاة وغيرها، ولعله لم ينم أو نام قليلًا جدًّا. رابعها: فيه فضل قيام الليل، وكان واجبًا عليه، ثم نسخ وجوبه عليه [على] (٢) الأصح. خامسها: فيه أن أقل الجماعة اثنان، وأن الجماعة تحصل بالصبي المميز. سادسا: فيه أن موقفه موقف الرجال في الصف عن يمين الإِمام. سابعها: فيه أن موقف الواحد مطلقًا عن يمينه صغيرًا كان أو كبيرًا، خلافًا لسعيد بن المسيب في أن قيام الواحد مع الإِمام عن يسار الإِمام، وقال أحمد: [إن وقف] (٣) عن يساره بطلت صلاته. ثامنها: فيه جواز الجماعة في النافلة في صلاة الليل.

стр. 1257

تاسعها: فيه أن الإِمام إذا اطلع على مخالفة من المأموم يرشد إليها بالفعل وهو في الصلاة. عاشرها: أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة ولا يسجد لسهوه. الحادي عشر: أن المأموم إذا وقف في غير موقفه يحول إلى غيره، سواء كان في الصلاة أو خارجها، بشرط عدم تكرار الأفعال ثلاثًا متوالية. قال ابن بشير المالكي: وتكون الإِدارة من وراء الإِمام. قلت: وهو المنقول، قال القاضي عياض: قوله (فأقامني عن يمينه) فسره في حديث محمد بن حاتم: (فأخذ بيدي من وراء ظهري [يعدلني] (١) كذلك إلى الشق الأيمن) (٢). الثاني عشر: فيه جواز الائتمام لمن لم ينو الإِمامة، فإن إحرامه كان بعد دخوله ﵊ فيها، ويحتمل (٣) أن يكون النبي ﷺ نوى الإِمامة لما اقتدى به، فلا دلالة فيه إذن. قال القاضي: واختلفوا فيمن لم ينو هو أن يؤمك. فذهب مالك: إلى جوازه. وذهب إسحاق والثوري: إلى منع ذلك على الجملة.

стр. 1258

وذهب غيرهم: إلى منعه لغير الإِمام والمؤذن الداعي إلى الصلاة. وذهب أبو حنيفة: إلى منع ذلك للنساء دون الرجال. قال القاضي: وقد يجاب عنه بأن في بعض الروايات: "فحركني النبي ﷺ وفي ظني نية الائتمام به". [قلت: ومذهبنا أنها مستحبة محصلة للفضل إلَّا في الجمعة] (١). الثالث عشر: فيه نقل أفعاله وأقواله ليقتدى بها. الرابع عشر: فيه دليل على أنه لا يجوز المتقدم على الإِمام، لأنه لو جاز ذلك لكانت إدارة ابن عباس من قدامه أسهل، والمنقول عنه أداره من خلفه، كما سلف كذا استنبطه بعضهم، وفيه نظر، لأن المرور بين يدي المصلي مكروه، فجاز أن تكون إدارته من خلفه لذلك. الخامس عشر: قوله: "من الليل" يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون بمعنى في لقوله -تعالى-: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ (٢) أي في يوم الجمعة. السادس عشر: قد قدمنا أن مبيته ليراقب أفعاله، فيستفاد منه مسألة حديثية، وهو طلب علو المسند في الرواية، فإنه كان يكتفي بإخبار خالته وفيها خلاف، فذهب بعضهم إلى أن النزول أحسن،

стр. 1259

لأنه كلما طال السند كثر البحث عن أحوال الرجال، وذهب بعضهم أن العلو أحسن طلبًا للقرب منه ﷺ . السابع عشر: كان سن ابن عباس إذ ذاك عشر سنين، كما رواه أحمد، وأخذه القاضي عياض منه. الثامن عشر: قوله: "فأخذ برأسي" كذا جاء في رواية، وفي أخرى: "فوضع [يده] (١) اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى يفتلها"، وفي أخرى: "فأخذ بأذني"، وفي أخرى: "فأخذ برأسي من ورائي"، وفي رواية: "بيدي أو عضدي" (٢) والرواية الثانية جامعة لهذه الروايات، قال الماوردي: قيل: في أخذه بأذنه أنه أراد أن يذكره القضية بعد ذلك لصغر سنه. وقيل: لينفي عنه النوم لما أعجب قيامه معه. وقيل: تنبيهًا للفهم، وفي بعض طرقه أنه قال: "وكنت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني"، فقد بين في هذا الحديث: أنه إنما فعل ذلك لينبهه من النوم (٣). التاسع عشر: يؤخذ من الحديث أيضًا أن النافلة كالفريضة في تحريم الكلام فيها، لأنه ﵊ لم يكلمه.

стр. 1260

١٤ - باب الإِمامة ذكر فيه سبعة أحاديث: الحديث الأول ٧٧/ ١/ ١٤ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإِمام أن يحول الله رأسه: رأس حمار؛ أو يجعل صورته: صورة حمار" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث ترجم عليه البخاري باب (إثم من رفع رأسه قبل الإِمام) ثم أخرجه بلفظ (أما يخشى أحدكم [أو ألا] (٢) يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإِمام أن يجعل الله رأسه: رأس حمار، أو يجعل صورته: سورة حمار)، كذا رواه بلفظ (يجعل)

стр. 1261

فيهما، وكذا ذكره الحميدي في جمعه بين الصحيحين بلفظ (يجعل) فيهما، وذكره صاحب المنتقى (١) بلفظ (يحول) فيهما، وعزاه إلى رواية الجماعة، وأما لفظ رواية المصنف (٢). وهذا الحديث رواه مع أبي هريرة، عائشة، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وحذيفة بن اليمان، كما أفاده ابن مندة في مستخرجه (٣). ثانيها: (أما) مخفف لفظهُ: لفظ استفهام ومعناه: التقرير والتوبيخ، ويسمى حرف استفتاح [وحرفا الاستفهام] (٤) "أما، وألا" أي يستفتح بعدها الكلام، والأصل فيه ما النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، وهي كليس في قوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (٥). وفي الصحاح (٦): "أمَا" مخففة تحقق الكلام الذي يتلوه، تقول: "أما إن زيدًا قائم" بمعنى أنه قائم على الحقيقة، لا على المجاز، وهذا معنى آخر، وكذا قولهم: (أما والله قد ضرب زيد عمرًا) معناه غير معنى أما في الحديث.

стр. 1262

ثالثها: (يخشى) معناه: يخاف. رابعها: الحديث نص في النهي عن الرفع قبل الإِمام في الركوع والسجود، [ويقاس عليها الخفض: كالهويّ في الركوع والسجود] (١) كذا قاله الشيخ تقي الدين (٢). وقد يقال: الرفع وسيلة للفصل بين الأركان والاعتدال، وهو مختلف في [وجوبه، والخفض وسيلة إلى الركوع والسجود، وهما متفق على وجوبهما، وإذا دل الحديث على] (٣) وجوب الموافقة فيما هو وسيلة لأمر مختلف فيه، فأولى أن تجب الموافقة فيما هو وسيلة لأمر مجمع عليه، نبه على ذلك الباجي. خص الركوع والسجود دون غيرهما، لأنهما آكد أركان الصلاة من حيث إن غاية الخضوع والتذلل ظاهر، إنما يحصل بهما فهما محل القرب: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٤). وذلك يناسب الطمأنينة فيهما، فلما عجل حتى سبق الإِمام فيهما، فقد قصر فيما ينبغي التطويل فيه نهى عن ذلك ونبه عليه. خامسها: إنما خص الحمار دون غيره كالكلب مثلًا لمناسبة حسية وهي التنبيه بذكر الحمار على البلادة وعدم الفهم، لأن

стр. 1263

المتعاطي بمخالفة إمامه ومسابقته في أفعاله: كأنه بلغ هذا المبلغ من البلادة، فناسب بذلك أن [يجعل] (١) الله رأسه رأس حمار لشبهه به، لا سيما وقد قالوا: إن العقوبة تكون من جنس الجناية والذنب: كقوله ﵊: (من تحلم كاذبًا ألزم أن يكلف عقد شعيرتين وليس بعاقد) (٢)، وكقوله في المصور: (كلف أن ينفخ فيه الروح، وليس بنافخ) (٣)، وفي الحديث الآخر: (أحيوا ما خلقتم) (٤). قلت: وجاء في صحيح ابن حبان في هذا الحديث (أن يحول الله رأسه: رأس كلب) (٥) فيتأمل لهذه الرواية مناسبة [أخرى] (٦)، وروى ابن جُمَيعْ (٧) في حديث أبي هريرة أيضًا (أنه يحول الله رأسه: رأس شيطان).

стр. 1264

سادسها: إنما خصت الرأس بذلك دون غيرها، لأن بها وقعت الجناية. واعلم: أنه جاء في رواية (الرأس) وفي أخرى (الوجه) وفي أخرى (الصورة) وكلها بمعنى واحد، كما قال القاضي، لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه (١). سابعها: هذا الحديث فيه الوعيد على الفعل المذكور، ولا يلزم وقوعه بخلاف الوعد، فإنه لازم وقوعه، ثم التحويل والجعل هل يرجع إلى أمر معنوي كما أسلفناه أو صوري أو أعم، فيرجع إلى المعنى والصورة جميعًا، ويكون أبلغ في [الوعيد] (٢) والتخصيص على عدم المخالفة واجتنابها، فإن الحمار موصوف بالبلادة، ويستعار للجاهل البليد عن ترك ما يجب عليه من فروض الصلاة ومتابعة الإِمام، فيرجح المعنى المجازي بأن التحويل في الصورة الظاهرة لم يقع غالبًا مع كثرة [رفع] (٣) المأمومين قبل الإِمام، وإن كان قد نقل وقوعه بإسناد صحيح لشخص أو شخصين في أزمنة

стр. 1265

قديمة (١). لكن الحديث لا يدل على وقوعه، وإنما فاعل الرفع قبل الإِمام متعرض له خصوصًا إن كان مستهزءًا بالحديث. فإنه يقع به كما ذكرنا ونعوذ بالله من ذلك، والمتعرض للشيء لا يلزم وقوع ما تعرض له، والمتوعَّد به لا يلزم وقوعه في الفعل الحاضر عند المخالفة، والجهل موجود عنده -فإن الجهل عبارة عن فعل ما لا ينبغي- وعن الجهل بالحكم فإن العالم بالشيء ولم يعمل به، يقال له: جاهل، لأن الشيء يفوت بفوات ثمرته ومقصوده وإن كان سببه موجودًا، ولهذا يقال: فلان ليس بإنسان، لفوات وصف يناسب الإِنسانية، ولما كان المقصود من العلم العمل به جاز أن يقال لمن لا يعمل به: جاهل غير عالم، وقد يقال: عالم غير عارف، فسمى عدم المعرفة جهلًا.
следующие страницы →