← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

السابع: قوله: "وكان لا يفعل ذلك في السجود" معناه لا يرفع يديه في ابتداء السجود والرفع منه. ولعلَّ مراده في الابتداء أو كأنه أقرب، وبه قال أكثر الفقهاء، وخالف فيه بعضهم كما قدمته [وأنه] (١) صح في [النسائي] (٢) من حديث أبي قلابة (٣)، وكأنه اعتمد أنه زيادة فقدمت على من [نفاها] (٤) أو سكت عنها لكن من ترك الرفع ورجح رواية ابن عمر في الترك، لكن الترجيح إنما يكون عند التعارض، ولا تعارض بين رواية من أثبت الزيادة أو نفاها أو سكت عنها إلَّا أن يكون ذلك جميعه منحصرًا متحدًا في وقت واحد فيجب العمل بالزيادة، وادعى بعض الشارحين أن إثبات الرفع فيه ضعيف، وهو غلط منه، فقد صح كما أسلفناه. الثامن: فيه إثبات تكبيرة الإِحرام، وقد تقدم الكلام عليها في الحديث قبله. التاسع: في الحديث التكبير في الهوي إلى الركوع، وهو سنة عند العلماء كافة، إلَّا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه فإنه أوجبها، وكذا [سائر تكبيرات] (٥) الانتقالات [وحجة] (٦) الجمهور أنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته وهو موضع غاية البيان.

стр. 1402

العاشر: فيه أن أفعاله ﷺ حجة كأقواله. الحادي عشر: فيه وجوب نقلها وتبليغها والعمل بها على مراتبها من الوجوب والندب. الثاني عشر: فيه فضل الصحابة على من بعدهم حيث ضبطوا وبلغوا وعملوا وبذلوا الجهد في ذلك، واعلم أنه إذا ثبت عن النبي ﷺ سنة وجب اعتقاد شرعيتها والعمل بها، فإن كانت واجبة كان الاعتقاد والعمل واجبين، وإن كانت مندوبة وجب اعتقاد ندبيتها من حيث هو مندوب، ولم يجب العمل بها لكن يستحب، ويتأكد ما لم يعارضه مراعاة واجب في نفس أو مال أو عيال أو حق واجب غيرهما. وقد صنف الأئمة كتبًا مستقلة في الرد على من مع الرفع، ومنهم البخاري، ولله الحمد (١).

стр. 1403

الثالث عشر: روى مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك" (١)، وروايته في الكتاب "وإذا رفع رأسه

стр. 1404

من الركوع رفعهما كذلك" قد يشعر بذلك، فإن المشبه بالشيء دون المشبه [به] (١).

стр. 1405

الحديث الرابع ٨٧/ ٤/ ١٥ - عن ابن عباس - رضي الله [عنهما] (١) -. قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين" (٢). الكلام عليه من [وجوه ثمانية] (٣):

стр. 1406

أحدها: الأصل: (أمرت بأن أسجد). ولكن حديث حرف البحر مع أن، وأن [قياس] (١) مطرد. ثانيها: الأمر له ﷺ بواسطة جبريل ﵊ وبالإِلهام [وغير] (٢) ذلك من الطرق: كالرؤيا. والأمر: يقتضي الوجوب. ثالثها: تسمية كل واحد من هذه الأعضاء عظمًا، وإن كان كل واحد منها يشتمل على عظام من باب تسمية الجملة باسم بعضها. وأراد ﷺ الأعضاء. كما جاء في رواية. وفي رواية "سبعة أراب" وهي الأعضاء أيضًا. رابعها: قوله: "على الجبهة" إلى آخره هو من بدل التقسيم كقولك: مررت برجال زيد [وبكر] (٣) وعمرو. والجبهة: هي ما أصاب السجود من الأرض، ولا يكفي جانباها، وهما الحبينان. خامسها: إشارته ﷺ إلى الأنف دون الجبهة، بعد ذكرها يحتمل أن معناه: أنهما جعلا كعضو واحد. فنبه بالإِشارة إلى ذلك [وعيّنها] (٤) بالذكر [ليتبين] (٥) أنهما المردان من الوجه دون سائره.

стр. 1407

وهذا المعنى يقوي قول من يوجب السجود على الأنف مع الجبهة، كما ستعلمه، لكن [في] (١) بعض طرق هذا الحديث: "الجبهة والأنف معًا" (٢) واصل العطف [للمغايرة] (٣)، وذلك [يضعف] (٤) دليل الوجوب. سادسها: ظاهر الحديث دال على وجوب السجود على هذه الأعضاء. أما الجبهة: فالسجود عليها واجب عينًا عندنا (٥). وبه قال مالك والجمهور. وأوجب أحمد (٦): السجود على الأنف أيضًا، وهو قول عندنا. ووافقه ابن حبيب المالكي، وقال أبو حنيفة وابن القاسم: هو مخير بينهما، وله الاقتصار على أحدهما. والمشهور عند المالكية: الإِجزاء عند الاقتصار على الجبهة دون الأنف. واختلف قول الشافعي في السجود على اليدين والركبتين

стр. 1408

والقدمين، فالراجح عنده كما نقله النووي في (شرح مسلم) (١) الوجوب، ورجح الرافعي في كتبه: المنع. ونقل القاضي عياض عن الجمهور: أن السجود على ما عدا الوجه واليدين غير واجب (٢). واستدل من قال بالمنع بأدلة: أحدها: حديث رفاعة بن رافع: "ثم يسجد فيمكن جبهته" (٣) وهذا غاية دلالة مفهوم لقب أو غايته. ودلالة المنطوق مقدمة وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم [في] (٤) حديث: "جعلت [لي] (٥) الأرض مسجدًا وطهورًا" (٦) مع الزيادة المنقولة عن جماعة من الثقات: "وتربتها طهورًا" فإنه يعمل بها لما يلزم من

стр. 1409

العمل بالعموم، المفهوم بخلاف هذا، فإنا إذا قدمنا دلالة المفهوم أسقطنا المنطوق، وهو السجود على الأعضاء الستة مع تناول اللفظ لها بخصوصها. ثانيها: إضافة السجود إلى الوجه في حديث: "سجد وجهي للذي خلقه" (١)، وهذا أضعف من الأول من حيث أنه لا يلزم من الإِضافة [إليه] (٢) انحصار السجود فيه. ثالثها: إن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة، وهذا أضعف [منهما] (٣)، فإن الحديث يدل على إثبات زيادة في المسمى فلا تترك. وأضعف من الكل المعارضة بقياس شبهي، وهو أنه لا يجب كشفها، فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء سوى الجبهة. نعم الرافعي استدل له بأنه لو وجب وضعها لوجب الإِيماء بها عند العجز كالجبهة.

стр. 1410

ولك أن تقول: الفرق أن الجبهة عضو لا يتحقق السجود بدونه، فلذلك وجب الإِيماء به عند العجز، لا لمجرد وجوب السجود به، وأما غير الجبهة فإنها يجب السجود بها لتمكن الجبهة من السجود فلا يحمل المقصود بالإِيماء عند العجز، ولا يدعي أن هذا من خصانصه لقوله: "أمرت" لأنه لا قائل به. واحتج لأبي حنيفة ومن وافقه بالرواية السالفة "والأنف" وقد قدمنا تأويل رواية الكتاب "وأشار بيده إلى أنفه" وأنه يحتمل أن معناه: أنهما جعلا كالعضو، ويكون الأنف كالتبع للجبهة، وقوي هذا الاحتمال بوجهين: الأول: لو كان الأنف كعضو منفرد عن الجبهة حكمًا لكانت الأعضاء المأمور بالسجود عليها: ثمانية لا سبعة، فيخرج الحديث عن مطابقة العدد المذكور فيه. الثاني: اختلاف [عبارة] (١) الحديث في ذكره لفظًا أو إشارة، فإذا جعلا كعضو واحد أمكن أن تكون الإِشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، فتتطابق الإِشارة والعبارة، وحينئذ ربما [استنتج] (٢) منه إجزاء السجود على الأنف وحده، لأنهما كعضو واحد، فإذا سجد على بعضه أجزأه، لكن هذا لا يعارض رواية التصريح بذكرهما ودخولهما تحت الأمر، وإن اعتقد أنهما كعضو من حيث العدد فهو في التسمية لفظًا؛ لا في الحكم الدال عليه الأمر مع أن الإِشارة

стр. 1411

لا تغير المشار إليه، بل قد تتعلق بالجبهة، فتكون الإِشارة إلى ما قاربه، لا إليه يقينًا بخلاف اللفظ، فإنه يتعين لما وضع له. سابعها: المراد باليدين المأمور بالسجود عليهما: الكفان، كما جاء في رواية أخرى، فهو من باب تسمية الجملة ببعضها، اعتقد قوم أن مطلق اليدين يحمل عليهما، كما في -قوله تعالى-: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) واستنتجوا من ذلك أن التيمم إلى الكوعين كما تقدم، ولو حملنا الحديث على الكفين والذراع لكان آمرًا بالمنهي عنه من افتراش الكلب أو السبع، وهو مستحيل أن يكون الشيء الواحد مأمورًا به منهيًّا عنه. ثم المراد بالكفين الراحة والأصابع من غير اشتراط جمعهما، بل يكفي أحدهما فلو سجد على ظهر الكف لم يكفه، هكذا ذكره الشيخ تقي الدين (٢) عن بعض مصنفي الشافعية. وقال النووي في (تحقيقه): المعتبر في القدمين بطون الأصابع. وقيل: يكفي ظهر القدم، وفي الكفين بطنهما. وقيل: يشترط بطن الراحة. وقال ابن عبد البر: لو سجد عليهما مقبوضتين جاز ذلك. ثامنها: أقل السجود مباشرة [بعض] (٣) جبهته مصلاه مع الطمأنينة، والتحامل على موضع سجوده، وارتفاع الأسافل على

стр. 1412

الأعالي، وإذا أوجبنا وضع الركبتين والقدمين لم يجب كشفهما قطعًا، بل يكره كشف الركبتين، كما نص عليه في الأم، وإذا أوجبنا وضع الكفين لم يجب كشفهما أيضًا على أظهر القولين، وهو ظاهر الحديث، فأنه دال على الوضع فقط. والزائد هل يجعل علة للإِجزاء [أوجزء] (١) [علة] (٢) فيه نظر، والخلاف متردد بين الجبهة، فيجب كشفها قطعًا، وبين الركبتين والقدمين فلا يجب قطعًا. وقال القاضي عياض: استحب ستر الجبين أو بعضه بما خف: كطاقات العمامة مع كراهة ذلك ابتداء، قال: ويكره السجود على اليدين وهما ملفوفتان في الثياب. قال الشيخ تقي الدين (٣): ورخص في ذلك بعض السلف، ولعله لكثرة حر أو برد.

стр. 1413

الحديث الخامس ٨٨/ ٥/ ١٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركعة، ثم [يقول وهو قائم: "ربنا ولك الحمد"، ثم يكبِّر حين يهوي، ثم يكبِّر حين يرفع رأسه، ثم يكبِّر حبن يسجد ثم يكبِّر حين يرفع رأسه] (١)، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها، حتى يقضيها، ويكبِّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس (٢). الكلام عليه من وجوه عشرة: أحدها: فيه مشروعية التكبير في كل خفض ورفع [ما عدا

стр. 1414

الرفع] (١) من الركوع، وهذا إجماع اليوم، وقد كان فيه خلاف زمن أبي هريرة، فكان بعضهم لا يرى التكبير إلَّا للإِحرام، وبعضهم يزيد على بعض ما في حديثه، [وكأنه] (٢) لم يبلغهم فعل رسول الله ﷺ ، ولهذا كان أبو هريرة يقول في بعض الروايات: "إني لأشبهكم صلاة [بصلاة] (٣) رسول الله ﷺ "، واستقر العمل عليه بعده إلى الآن. وأغرب بعضهم، فقال: لا يسن إلَّا للجماعة ليشعر الإِمام بحركته من وراءه. وذهب أحمد إلى وجوبها كما قدمته في الحديث الثالث. ثانيها: هذا الحديث مصرح [....] (٤) بتكبيرات في الركعة، وقد تقدم عددها في الحديث الثالث. ثالثها: قوله: "يكبِّر حين يقوم" ظاهره إيقاع التكبير في حال القيام، ولا شك في وجوبه للتكبير وقراءة الفاتحة عند من يوجبها مع القدرة، وكل انحناء يمنع اسم القيام عند التكبير يبطل التحريم، فلا بد من [صرف] (٥) اللفظ عن ظاهره. رابعها: قوله: "ثم يكبِّر حين يركع" مقتضاه مقارنة التكبير

стр. 1415

لابتداء الركوع إلى حين انتهائه إلى حده ويمده على ذلك، ويشرع في تسبيح الركوع المشروع فيه. خامسها: [قوله] (١): "ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة"، مقتضاه ابتداء قولة التسميع حال ابتداء الرفع من الركوع إلى حين ينتصب قائمًا ويمده عليه، ويدل على أنه ذكر هذه الحالة، ولا شك أن الفعل يطلق على ابتداء الشيء وجملته حالة مباشرته، فحمله [عليها] (٢) لكونه مستصحبًا للذكر في جميع مباشرته أولى لئلا يخلو جزء من الفعل عن ذكر، ومعنى يرفع صلبه من الركعة أي حين يبتدىء الرفع. سادسها: "الصُّلب"، من لدن الكاهل إلى عجيب الذنب، وفي الصلب الفقار، وهي ما بين كل مفصلين. "والنخاع"، وهو الخيط الأبيض الذي يأخذ من الهامه ثم ينقاد في فقار الصلب حتى يبلغ عجب الذنب. و (المتنان) [جانبًا] (٣) الظهر من [عن] (٤) يمين الصلب ويساره قد اكتنفا الصلب من الكاهل إلى الورك. سابعها: قوله: "ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد" فيه دليل على أن التحميد ذكر الاعتدال من الركوع، وأن ابتداءه حال ابتداء الاعتدال حين ينتصب قائمًا.

стр. 1416

ثامنها: فيه دليل أيضًا على أن كلاًّ من التسميع والتحميد في محلهما، يشرعان لكل مصلٍّ جمعًا بينه وبين الحديث الآخر: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١) وتخصيص جمعهما [بالإِمام خلاف الأصل وتخصيص] (٢) من غير مخصص، وقد تقدم إيضاح ذلك في باب الإِمامة. وأغرب المازري المالكي فقال: إن أراد صلاةً كان ﷺ فيها إمامًا، [فذاك] (٣) حجة للقول الشاذ عن مالك، أنه كان يرى أن يقول الإِمام اللفظين جميعًا، والمشهور أنه يقتصر على قوله: "سمع الله لمن حمده". هذا كلامه، وفيه بعض تحامل، فالظاهر أنه كان إمامًا. تاسعها: قوله: "يهوي" هو بفتح الياء وكسر الواو أي يسقط إلى أسفل، ومنه الحديث: "فهو يهوي في النار" أي ينزل ساقطًا، وماضيه هوى -بالفتح-. وزعم بعضهم أن صوابه: أهوى إلى الأرض، وليس ذلك بشيء، ويقال: هوى بمعنى: هلك ومات، ومنه قوله -تعالى-:

стр. 1417

﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ (١). وأما هوى يهوى [بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل فمعناه أحب. وأما الرباعي: فأهوى يهوي] (٢) يقال: أهوى إليه بيده ليأخذه. قال الأصمعي: أهويت إلى الشيء [إذا] (٣) أومأت به، ويقال: أهويت له بالسيف. وقيل: أهوى من قريب، وهوى من بعيد. والكلام في ابتدائه وانتهائه: كالكلام فيما قبله، وكذلك الكلام فيما بعده. عاشرها: قوله: "ويكبِّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس". [مقتضاه] (٤): أنه يشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول [حين] (٥) يشرع في الانتقال ويمده حتى ينتصب قائمًا. وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلَّا مالكًا، فإنه قال: لا يكبِّر للقيام منه حتى يستوي قائمًا. وقد قدمته في آخر الوجه الرابع عشر في الكلام على الحديث الثاني من هذا الباب. وظاهر هذا الحديث يخالف ذلك.

стр. 1418

الحديث السادس ٨٩/ ٦/ ١٥ - عن مطرف بن عبد الله، قال: صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبّر، وإذا نهض من الركعتين كبّر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين، وقال: [لقد] (١) ذكرني هذا صلاة محمد ﷺ ، أو قال: "صلى بنا صلاة محمد ﷺ " (٢). الكلام عليه من وجوه سبعة: أحدها: مطرف هذا كنيته أبو عبد الله بن عبد الله [بن] (٣) الشخير -بكسر [الشين] (٤) وتشديد الخاء المشددة المعجمتين ثم مثناة تحت ثم راء- الحرشي العامري التابعي الجليل البصري، لوالده صحبة. روى عن أبيه وعائشة وغيرهما، وعنه أخوه أبو العلاء

стр. 1419

يزيد، وآخرون. وكان ثقة، له فضل وورع، وعقل وأدب، وكان مجاب الدعوة، كان بينه وبين رجل كلام فكذب عليه، فقال مطرف: اللهم إن كان كاذبًا فأمته فخر ميِّتًا. فرفع [ذلك إلى] (١) زياد فقال: قتلت الرجل. قال: لا، ولكنها دعوة وافقت أجلًا. ولم ينج من فتنة ابن الأشعث بالبصرة إلَّا هو وابن سيرين. وكان يلبس المطارف، والبرانس، ويركب الخيل، ويغشى السلطان، وكان ربما نور له سوطه فأدلج ليلة [جمعة] (٢)، فرأى أهل القبور، صاحب كل قبر جالسًا على قبره فلما رأوني قالوا: هذا مطرف [يأتي] (٣) [يوم] (٤) الجمعة، قلت: أتعلمون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم! نعلم ما تقول الطير فيه؟ تقول: سلام سلام من يوم صالح (٥). ومناقبه كثيرة في الحلية وغيرها. تزوج امرأة على عشرين ألفًا وأكثر. مات سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة سبع وثمانين وهو أكبر من الحسن بعشرين سنة، وفي [الرواة] (٦) مطرف أربعة: أوضحتهم فيما أفردته في الكلام على [أسماء] (٧) هذا الكتاب فراجعه منه.

стр. 1420

ثانيها: علي، وعمران، تقدم الكلام عليهما فيما مضى فأغنى عن الإِعادة. ثالثها، ورابعها: هذا الحديث دال على إتمام التكبير في حالات الانتقات [وهو الذي استقر عليه العمل، وأجمع عليه فقهاء الأمصار، وقد] (١) تقدم قريبًا، وتقدم الاختلاف في وجوبها أيضًا، وهو مبنى على أن الفعل للوجوب أم لا؟ [وإذا لم يكن للوجوب رجع البحث إلى أن الفعل وإن للمجمل أم لا؟] (٢)، ومن هنا مأخذ من يرى الوجوب، والأكثرون على الاستحباب. فإذا قلنا: به فتركه هل يسجد للسهو له إذا تعدد أم لواحد منه أم لا يسجد؟ فيه اختلاف وليس لذلك تعلق بهذا الحديث إلَّا أن يستدل به على أن التكبيرات سنة مع انضمام [إلى] (٣) المستحب مطلقًا يقتضي سجود السهو لتركه، فيصير المجموع دليلًا على ذلك، وأما التفرقة بين كون المتروك مرة أو أكثر فهو راجع إلى الاستحباب، وتخفيف أمر المرة الواحدة. والصحيح من مذهبنا أن تركها لا يوجب السجود. وقال القاضي عياض (٤): اختلف قول مالك في السجود لقليل الفعل وكثيره على ثلاثة أقوال: ثالثها: يسجد لكثيره فقط.

стр. 1421

خامسها: فيه دليل على أن التكبير لم يكن معمولًا به حينئذٍ لقوله: "لقد ذكرني"، وإنما يتذكر من نسي ولو كان معمولًا به لم ينس وقد قدمنا أن ذلك كان في زمن أبي هريرة، ثم استقر العمل عليه إلى الآن. قال بعض المالكية: ونظيره قول عائشة ﵂: "ما أسرع ما نسي الناس أن يعيبوا ما لا علم لهم به. والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل وأخيه إلَّا في المسجد" (١) حتى استدل به بعضهم على أن المعمول به عند الصحابة ترك الصلاة على الجنازة في المسجد. وفي ذلك نظر لا يخفى. سادسها: فيه دليل على أن تأخر المأمومين خلف الإِمام وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة والكوفيين في أن موقفهما عن يمين الإِمام وشماله. وقد تقدم الكلام في ذلك في باب الصفوف. سابعها: هذا الحديث لم يستوف فيه تكبيرات الانتقالات ولا الذي قبله، فقد يستدل به على عدم وجوبها.

стр. 1422

الحديث السابع ٩٠/ ٧/ ١٥ - عن البراء بن عازب ﵄، قال: رمقت محمدًا ﷺ ، فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد الركوع، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء. وفي رواية للبخاري: "ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء" (١). الكلام عليه من وجوه عشرة: أحدها: البراء تقدم التعريف به في باب الإِمامة: فأغنى عن إعادتها. ثانيها: قوله: "رمقت" [أي] (٢) نظرت. والمصدر رمق مثل ضرب، ورمق ترميقًا، مثل كلم تكليمًا، أدام النظر. ومعنى: رمقت هنا المبالغة في النظر وشدة التتبع لأفعاله

стр. 1423

وأقواله [ ﷺ ففيه الحث على استحباب مراعاة أفعال العالم وأقواله] (١) للاقتداء به، فإن تعارض القول والفعل فعلى أيهما يعتمد، فيه خلاف للأصوليين ليس هذا موضعه. ثالثها: هذا الحديث بصراحته يدل على تخفيف القراءة والتشهد وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود، كما نبه عليه القاضي عياض. وقوله: "قريبًا من السواء" دال على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض، وذلك في القيام والتشهد لأنه يقتضي إما تطويل ما العادة فيه التخفيف، أو التخفيف ما العادة فيه التطويل في القيام: كقراءة ما بين الستين إلى المائة في الصبح (٢) [وكما ثبت في] (٣) قراءة صلاة الظهر بحيث يذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي رسول الله ﷺ وهو في الركعة الأولى مما يطولها (٤).

стр. 1424

وقد ثبت أنه ﷺ قرأ سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون (١)، وأنه ﷺ قرأ في المغرب بالطور (٢) والمرسلات (٣). وفي البخاري

стр. 1425

"أنه قرأ فيها بالأعراف" (١). وفي الحاكم على [شرط] (٢) الشيخين " [قرأ فيها] (٣) في الركعتين كلتيهما" (٤)، وأشباه هذا ويوافق هذا أن مسلمًا لم يعد في روايته "القيام". ورواية البخاري "أن ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء"، شاملة لقيام القراءة والاعتدال والقعود [و] (٥) التشهد والجلوس بين السجدتين فحينئذ يجمع بين الروايات

стр. 1426

كلها بأنها محمولة على اختلاف أحوال، ففي أوقات يُطوِّل، وفي أوقات يُخفّف. وذهب بعضهم: إلى أن التخفيف هو المتأخر من فعله ﷺ بعد ذلك التطويل، [وقد ورد] (١) في بعض الأحاديث [من حديث جابر بن سمرة] (٢) أن صلاته ﷺ كانت بعد ذلك تخفيفًا" (٣). وأن رواية البخاري المذكورة صحيحه، وأن ذكر القيام وهم من الراوي، وهو بعيد كما قاله الشيخ تقي الدين (٤)، لأن توهيم [الراوي] (٥) الثقة على خلاف الأصل، لا سيما إذا لم يدل دليل قوي -لا يمكن الجمع بينه وبين الزيادة- على كونه وهمًا، وليس هذا من باب العموم والخصوص، حتى يحمل العام على الخاص فيما عدا القيام، فإنه قد صرح في حديث البراء بذكر القيام، ويمكن الجمع، بينهما بأن يكون فعل النبي ﷺ في ذلك كان مختلفًا. فتارة يستوي الجميع، وتارة يستوي ما عدا القيام والقعود، وليس في هذا إلَّا أحد أمرين:

стр. 1427

إما الخروج عما تقتضيه لفظة "كان" من المداومة أو الأكثرية. وإما أن يقال الحديث [واحد] (١) اختلفت [رواته] (٢) عن واحد، فيقتضي ذلك التعارض، ولعل هذا هو السبب الذي دعا من ذكرنا عنه أنه نسب تلك الرواية إلى الوهم [ممن] (٣) قاله، وهذا هو الوجه الثاني، -يعني اتحاد الرواية- أقوى من الأول في وقوع التعارض، وإن احتمل غير ذلك على الطريقة الفقهية، ولا يقال: إذا وقع التعارض، فالذي أثبت التطويل في القيام لا يعارضه [من] (٤) نفاه، فإن المثبت [مقدم] (٥) على النافى، لأنا نقول: الرواية الأخرى تقتضي بنصها عدم التطويل في القيام، وخروج تلك الحالة أعني حالة القيام والقعود عن بقية حالات أركان الصلاة، فيكون النفي والإِثبات محصورين في محل واحد، [والنفي والإِثبات إذا انحصرا في محل واحد تعارضا إلَّا أن يقال باختلاف هذه الأحوال] (٦) [بالنسبة إلى صلاة النبي ﷺ فلا يبقى فيه انحصار إلى محل واحد] (٧) بالنسبة إلى الصلاة، ولا يعترض على هذا إلَّا بما قدمناه

стр. 1428

من مقتضى لفظة "كان"، أو كون الحديث واحدًا عن مُخَرِّج (١) واحد اختلف فيه، فلينظر ذلك من الروايات، ويحقق الاتحاد أو الاختلاف في مخرج الحديث، هذا آخر كلامه. رابعها: فيه دليل على أن الرفع من الركوع ركن طويل لأنه لا يتأتى أن تكون القراءة في الصلاة فرضها ونفلها بمقدار ما إذا فعل في الرفع من الركوع ويكون قصيرًا. قال الشيخ تقي الدين (٢): ورجح أصحاب الشافعي: أنه ركن قصير. قلت: المعروف أنهم جزموا به من غير حكاية خلاف فيه، بخلاف ما تقتضيه هذه العبارة، واستثنوا من ذلك القنوت وصلاة التسبيح. نعم قال النووي في (شرح المهذب) (٣): الأقوى جواز إطالته بالذكر. وقال في (الروضة): إنه الراجح دليلًا. وقال في (التحقيق): إنه المختار. خامسها: فيه دليل على أن الجلوس بين السجدتين ركن طويل أيضًا. وادعى بعض شراح هذا الكتاب من الشافعية: أن الشافعية لم يتكلموا في الجلوس بين السجدتين في طوله وقصره وأنه على الخلاف، بل أطلقوا أنه قصير، ومقتضى الحديث أنه طويل: كالاعتدال عن الركوع.

стр. 1429

قلت: لا بل حكوا الخلاف فيه، وصحح الرافعي في كتبه، والنووي في (المنهاج): أنه قصير ونقل الإِمام عن الجمهور: أنه طويل. ونقله النووي في (شرح المهذب) (١) في باب سجود السهو عن الأكثرين، ولم يخالفهم، وصححه في (تحقيقه) في هذا الباب، وخالف في باب صلاة الجماعة فصحح في (شرح المهذب) (٢). والتحقيق: أنه قصير، وينبغي أن تكون الفتوى في مذهب الشافعي بما قاله الجمهور مع اعتضاده بالدليل القوي. وفي صحيح ابن حبان (٣) من حديث عائشة: أنه ﵊ انتظر فراغ الفرقة الأولى ومجيء الثانية في ذات الرقاع في الجلسة ببن السجدتين، فسجد بها السجدة الثانية، وهو صريح في تطويله. وفائدة الخلاف في تطويله: أنه هل يقطع الموالاة الواجبة من الصلاة أم لا؟. فالقائل بقصره يبطله. وقيل: لا، حتى ينقل إليه ركنًا قوليًّا: كفاتحة أو تشهد، حكاه الشيخ تقي الدين (٤).

стр. 1430

واختلف أصحابنا في أن الركن القصير مقصود في نفسه أم لا؟ وفي ذلك اضطراب ترجيح عندنا، ذكرته في (شرح المنهاج) وغيره، وهذا الحديث قد يدل على أنه مقصود فليتأمل. سادسها: فيه دليل على أن أفعال الصلاة تكون مقاربة بعضها بعضًا في الطول والقصر، فلو طول بعضها على بعض جاز. سابعها: قوله: "فجلسته ما بين التسليم والانصراف" يحتمل أن يكون المراد ما بين التسليم في التشهد [والصلاة] (١) على النبي ﷺ وعلى عباد الله الصالحين، فعبر عن جميع ذلك بالتسليم. وقوله: "والانصراف" يعني به الخروج من الصلاة بالسلام، وذلك مستعمل في الخروج من الصلاة، وقد نص عليه بعضهم، وجاء التعبير بالانصراف عن السلام في عدة أحاديث في الصحيح، ومنها حديث أنس المذكور في باب الصفوف: "فصلى لنا ركعتين ثم انصرف" (٢) على ما تقدم فيه هناك. [و] (٣) منها حديث: "لا تسبقوني بالركوع ولا بالانصراف" (٤) أي بالسلام.

стр. 1431

ومنها قول الراوي: كان ينصرف عن يمينه وعن شماله، ويحتمل أن يكون ذلك [من] (١) باب [التعبير] (٢) بالشيء عما يقاربه، وقد حمله بعض المتأخرين على الانصراف بعد السلام. فقال: فيه دليل على أنه ﷺ كان يجلس في مصلاه بعد التسليم شيئًا يسيرًا، وقد نص على ذلك القاضي عياض، وقد جاء مبينًا في الصحيح أنه ﵇ كان إذا سلم لم ينصرف من مصلاه حتى يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإِكرام" (٣). ثامنها: فيه استحباب الجلوس في مصلاه بعد التسليم، والانصراف بقدر قيام أو ركوع أو سجود كما أسلفنا.

стр. 1432

تاسعها: فيه دليل على أن التابع يستحب له أن يرمق أفعال متبوعه [في صلاته] (١) وعبادته، كما أسلف ليعمل بها وينقلها، ولا يسأل باللفظ عنها، بل يحمل عنه: كلغة الجواب والتعليم بالقول خصوصًا إذا تعلقت بالمتبوع تكاليف كثيرة. عاشرها: فيه دليل أيضًا على أن أفعاله ﷺ حجة كأقواله.

стр. 1433

الحديث الثامن ٩١/ ٨/ ١٥ - عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك. ﵁ قال: إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا. قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئًا لم أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي. وإذا رفع من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي (١). الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهًا: أحدها: ثابت هذا هو ابن أسلم أبو محمد البناني نسبة إلى بنانه. قيل: هي أم سعد بن لؤي.

стр. 1434

وقيل: غيرها. البصري [أحد] (١) الأعلام: الثقة، العابد، الزاهد، الجليل، تابعي [كالزبير] (٢). روى عن أنس وغيره، وعن خلق من التابعين، وروى عنه جماعة من التابعين [الصغار] (٣) وخلق سواهم، وهو أحد الثلاثة الذين هم أثبت الناس في أنس، الزهري، ثم قتادة، ثم ثابت، وأحاديثه مستقيمة، وما وقع في حديثه من النكرة فإنما هو من الراوي عنه، لأنه روى عنه ضعفاء. قال أنس ﵁: إن للخير لأهلًا، وإن ثابتًا من مفاتيح الخير. وقال حماد بن سلمة: كان ثابت يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره فأعطني الصلاة في قبري، وكان حماد أروى الناس عن ثابت فيما ذكره الإِمام أحمد. [و] (٤) روى أنه رؤي في قبره يصلي، وقال محمد بن ثابت: ذهبت ألقن أبي، فقال: دعني! فإني في وردي السابع. كان يقرأ، ونفسه تخرج. قال سليمان بن المغيرة: رأيت ثابتًا يلبس الثياب الثمينة والطيالسة والعمائم. قال ابن علية: مات سنة سبع وعشرين ومائة. وكذا قال يحيى القطان. وزاد وهو ابن ست وثمانين سنة، ويروى أنه مات سنة ثلاث وعشرين. ثانيها: قوله: "لا آلو" أي: لا أقصر و "الألو" بمعنى التقصير

стр. 1435

وبمعنى الاستطاعة (١)، والسياق يرشد إلى المراد، كما قال الشيخ تقي الدين (٢): والألو على مثال العُتُو، ويقال: الألِيّ على مثال العتيِّ والماضي "ألا" مخففًا، وقد يقال بهذا المعنى: "إلَّا" مشددًا، وكلاهما صواب. يقال: ألى الرجل وألى إذا قصّر وترك الجهد. واسم الفاعل منه: آل مثل قاض والمرأة آليّة. وجمعها: [أوال] (٣) وقد تحذف الواو منه في المضارع لغير جازم، كما حذفت الباء من أدري كذلك فقالوا: لا أدر. قال الجوهري: حكى الكسائي، عن العرب أقبل [يضربه] (٤) لا يَأْلُ (٥)، يريد يألوا. ثالثها: قوله: "أن أصلي" أي في أن أصلي، وحذف حرف الجر في أن، وأن قياس مطرد فلما حذف حرف الجر تعدى الفعل بنفسه فنصب، وقد تقدم مثل هذا. رابعها: إنما قدم أنس ﵁ هذا القول على

стр. 1436

روايته لما رأى رسول الله ﷺ [يفعل] (١) ليدل السامعين على التحفظ والاهتمام به ولتحقق عندهم المراقبة لاتباع أفعاله. خامسها: قوله: "حتى يقول القائل: قد نسي" فيه تنبيه على تطويل فعله ﷺ في الاعتدال والجلوس بين السجدتين على العادة فيه والمشروع، فيحمل القائل فعله ﵇ على النسيان لا على المشروع. سادسها: فيه نص على [أن] (٢) الاعتدال طويل، وكذا الجلوس بين السجدتين أيضًا، فلا يجوز العدول عنه لقول من قال: إنها ركن قصير، بدليل أن التسبيحات لم تسن فيه استرسالًا كما سنت القراءة في القيام والتسبيحات في الركوع والسجود مطلقًا، وقد يخدش هذا بأنه [لو] (٣) كان طويلًا لما عمل بعض الصحابة بخلافه. ويجاب: بأنه ما بلغه ذلك. سابعها: فيه دليل على وجوب الاعتدال في الركوع والسجود، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوعبًا في الحديث الثاني من أحاديث الباب. ثامنها: فيه دليل على إحياء السنن إذا أميتت، والإِنكار على مخالفة السنة. تاسعها: إنما خص ذكر الاعتدال في الركوع والسجود دون

стр. 1437

غيرهما، لأنه كان قد رأى الناس في زمانه (١) ذلك قد وقع منهم أو من بعضهم التقصير في الطمأنينة فيها دون [غيرهما] (٢)، ولذلك قال: يصنع شيئًا لم أركم تصنعونه. عاشرها: [فيه] (٣) البيان بالفعل، والتنبيه عليه بالقول. الحادي عشر: "مكث" بفتح الكاف وضمها، وقد قرئ بهما قوله -تعالى-: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (٤) ومعناه: لبث وانتظر. والاسم: المكث، مثلث الميم، كما حكاه أبو البقاء في (إعرابه) (٥) في سورة سبحان، وكذا ابن مالك في (مثلثه)، ويمكث يلبث، والمكيثي مثل الخصيصي المكث. وسار الرجل ممكثًا أي: ملتزمًا، ورجل مكيث أي رزين (٦). أنشد الجوهري (٧): فإني عن تقفر كم مَكِيثُ

стр. 1438

وهو قياس اسم الفاعل من مكث -بالضم وبالفتح- ماكث منه قوله -تعالى-: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ (١). الثاني عشر: قوله: "حتى يقول القائل: قد نسي" يقول هنا بمعنى: يظن، ومنه: أتقول زيدًا قائمًا، أي أتظن، ومنه قول الشاعر: متى يقول القلص الرواسما ... يدنين أم قاسم وقاسما أي متى تظن. الثالث عشر: فيه دليل على قبول خبر الواحد العدل.

стр. 1439

الحديث التاسع ٩٢/ ٩/ ١٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من رسول الله ﷺ " (١). الكلام عليه من وجوه خمسة: أحدها: هذا الحديث مبين لحديث ثابت، عن أنس المتقدم أيضًا من التطويل والتخفيف، ولا تعارض [بينهما] (٢) وبين تطويله

стр. 1440

- ﵊ القراءة في بعض [الأحيان] (١)، بل يحمل حديث أنس هذا على أنه آخر الأمرين من فعله ﷺ ، كما قدمت ذلك عن بعضهم في الحديث السابع. ثانيها: "وراء" من الأضداد (٢) تستعمل بمعنى قدام، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (٣) الآية، أي أمامهم، وهي مؤنثة بدليل إلحاق الهاء في تصغيرها تقول: وُرَئِّيةٌ، وكذلك قدام تقول: قديديمة (٤)، وهما شاذان لأن الرباعي لا يلحقه التأنيث ووجه شذوذهما. أنه ليس في الظروف مؤنث غيرهما فلو لم تلحقهما الهاء لأوهم تذكيرهما كسائر الظروف. ثالثها: سمي الإِمام إمامًا لأن الناس يأتمون به، أي يؤمون أفعاله، أي يقصدونها ويتبعونها، ويقال: للطريق: إمام، لأنه يؤم، أي يقصد ويتبع، ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ (٥)
следующие страницы →