← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) والإخلاص إنما يكون بالقلب، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (٢)، وقال ﷺ : "التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلات مرات" (٣) رواه مسلم من حديث أبي هريرة. إذا تقرر أن محلها القلب فإن اقتصر عليه جاز، إلَّا في الصلاة على وجه ضعيف للشافعية لا يعبأ به (٤)، وإن اقتصر على

стр. 177

اللسان لم يجز إلَّا في الزكاة [على وجه لهم شاذ، ومثله قول الأوزاعي: لا تجب النية في الزكاة] (١) وإن جمع بينهما فهو آكد. وعند المالكية: الأفضل أن ينوي العبادة بقلبه من غير نطق بلسانه إذ اللسان ليس محلًا للنية على ما تقرر، ونقل التلمساني منهم عن صاحب "الاستلحاق": استحباب النطق، وهو غير المعروف من مذهبهم. تنبيهات: الأول: جميع النيات المعتبرة في العبادات يشترط فيها المقارنة، إلَّا الصوم؛ للمشقة، وإلَّا الزكاة فإنه يجوز تقديمها قبل وقت إعطائها، قيل: والكفارات فإنه يجوز تقديمها على الفعل والشروع. الثاني. ينبغي لمن أراد شيئًا من الطاعات أن يستحضر النية فينوي به وجه الله تعالى، وهل يشترط ذلك أول كل عمل وإن قلّ وتكرر فعله مقارنًا لأوله؟ فيه مذاهب: أحدها: نعم. وثانيها: يشترط ذلك في أوله ولا يشترط إذا تكرر، بل يكفيه أن ينوي أول كل عمل ولا يشترط تكرارها فيما بعد [ولا مقارنتها] (٢) ولا الاتصال.

стр. 178

وثالثها: يشترط المقارنة دون الاتصال. ورابعها: يشترط الاتصال وهو أخف من المقارنة. وكأن هذه المذاهب راجعة إلى أن النية جزء من العبادة أم شرط لصحتها؟ مذهب الجمهور أنها جزء منها، ولأصحابنا وجه أنها شرط، والشرط لا يجب مقارنته ولا اتصاله ولا تكراره للمشروط، بل متى وجد ما يرفعه أو ينفيه وجب فعله. وقال الحارث بن أسد المحاسبي (١): الراجح عند أكثر السلف الاكتفاء بنية عامة ولا يحتاج إليها في كل جزء لما فيه من [الحرج] (٢)، والمشقة. الثالث: النية وسيلة للمقاصد، والأعمال قد تكون وسيلة [وقد تكون] (٣) مقصودة وقد يجتمعان. الرابع: الغرض المهم من النية: تمييز العبادات عن العادات، وتمييز رتب العبادات بعضها عن بعض، فمن أمثلة الأول: الوضوء والغسل والإمساك عن المفطرات ودفع المال إلى الغير [والذبح] (٤)، ومن أمثلة الثاني: الصلاة.

стр. 179

الخامس: قد أسلفنا أن معنى النية القصد، وذلك لا يؤثر إلَّا إذا كان جازمًا بالمقصود بصفته الخاصة وإلَّا لم يكن قصدًا، فلو كان شاكًّا في وجود شرط ذلك الفعل أو علق النية على شرط لم يصح المنوي، نعم لو كان جازمًا بالوجوب ناسيًا صفته كمن تحقق أن عليه صومًا ولم يدر أنه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة فقد حكى صاحب (البيان) (١) عن الصيمري (٢): أنه يصح إذا نوى الصوم الواجب عليه؛ قياسًا على من نسي صلاة من الخمس ولم يدر عينها فإنه يعذر في جزم النية للضرورة، ولو علق كما إذا قال: أصوم غدًا إن شاء الله تعالى، فالأصح أنه إن قصد الشك أو التعليق لم يصح، وإن قصد التبرك أو تعليق الحياة على مشيئة الله تعالى وتمكنه صح، ثم فى عدم الجزم بالنية صورٌ محلُّ الخوض فيها كتب الفروع. الحادي والعشرون: قوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" وهو متعلق بالخبر المحذوف، ولا جائز أن يقدر وجودها لوجود العمل ولا نية، فتعين أن يقدر نفي الصحة أو نفي الكمال، وفيه مذهبان للأصوليين، والأظهر الأول؛ لأنه أقرب إلى حضوره بالذهن عند الإِطلاق فالحمل عليه أولى، وقد يقدرونه بالاعتبار أي اعتبار

стр. 180

الأعمال بالنيات، وقرب ذلك تمثيل قولهم: "إنما الملك بالرجال" أي قوامة وجوده، و"إنما الرجال بالمال" و"إنما الرعية بالعدل" وكل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور. وقدَّر بعض المحدثين: القبول، وهو راجع إلى ثواب الآخرة وهو مرتب على الصحة والكمال، وقد تنفك الصحة عن القبول بالنسبة إلى أحكام الدنيا فقط. وعلى تقدير إضمار الصحة أو الكمال وقع اختلاف الفقهاء. فذهب الشافعى ومالك وأحمد وداود وجمهور أهل الحجاز إلى تقدير الصحة، أي: الأعمال مجزية أو معتبرة بالنيات أو إنما صحتها أو اعتبارها بالنيات، فيكون قد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فلا يصح وضوء (١) ولا غسل ولا تيمم إلَّا بنية. وذهب أبو حنيفة ومن وافقه: إلى تقدير الكمال، أي كمال الأعمال بالنيات، فيصح الوضوء والغسل بغير نية ولا يصح التيمم إلَّا بنية. وذهب طائفة ثالثة: إلى أنه يصح الكل من غير نية حكاه ابن المنذر (٢) عن الأوزاعي وغيره (٣). احتج الأولون بأدلة: أحدها: هذا الحديث.

стр. 181

ثانيها: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١). والإخلاص عمل وهو النية فالأمر به يقتضي الوجوب. ثالثها: قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) أي للصلاة، وهذا معنى النية، وقاسه الشافعى ﵁ على التيمم بجامع أنها طهارة من حدث تستباح بها الصلاة. فإن قيل: التيمم ليس طهارة. فالجواب: أن الشرع سماه طهارة، فقال: "وتربتها طهورًا" (٣). فإن قيل: التيمم فرع للوضوء فلا يجوز أن يؤخذ حكم الأصل من الفرع. فالجواب: أنه ليس فرعًا بل بدلًا. فإن قيل: إن التيمم تارة يكون بسبب الحدث وتارة بسب الجنابة فوجب فيه النية. فالجواب: أن الوضوء أيضًا تارة يكون عن نوم وتارة يكون عن بول. فإن قيل: الوضوء وإن اختلفت أسبابه فالواجب شيء واحد.

стр. 182

فالجواب: أن التيمم كذلك فإن الواجب مسح الوجه واليدين في كل حال. فإن قيل: التيمم بدل، وشأن البدل [أن يكون] (١) [ضعف] (٢) من المبدل فافتقر إلى النية ككنايات الطلاق. فالجواب: أن هذا ينتقض بصح الخف فإنه بدل أيضًا ولا [بد من مسح] (٣) يفتقر إلى النية وإنما [افتقرت] (٤) كنايات الطلاق إلى النية؛ لأنها تحتمل الطلاق وغيره احتمالًا واحدًا، والصريح ظاهر في الطلاق، وأما الوضوء والتيمم فمستويان بل التيمم أظهر في إرادة القربة؛ لأنه لا يكون عادة بخلاف صورة الوضوء، فإذا افتقر التيمم المختص بالعبادة إلى النية، فالوضوء المشترك أولى. فإن قيل: التيمم نُص فيه على القصد وهو النية بخلاف الوضوء. فالجواب: أن المراد قصد الصعيد وذلك غير النية. فإن قيل: الماء مطهر بطبعه فاستغنى بقوته عن النية بخلاف التيمم. فالجواب: بالمنع؛ لأن الطهارة عبادة لا تأثير فيها للطبع.

стр. 183

فإن قيل: الوضوء ليس عبادة. فالجواب: أن هذا وهم، فإن العبادة: الطاعة، أو ما ورد التعبد به قربة إلى الله تعالى، وهذا موجود في الوضوء، والشرع سماه شطر الإيمان، فقال: "والطهور شطر الإِيمان" (١). ومعنى كونه شطرًا أن الإيمان مطهر الباطن وهو مطهر الظاهر، والأحاديث في فضل الوضوء وسقوط الخطايا به كثيرة مشهورة في الصحيح، وكل هذا مصرح بأنه عبادة. فإن قيل: المراد بالوضوء الذي يترتب عليه هذا الفضل الوضوء الذي فيه نية ولا يلزم من ذلك أن ما لا نية فيه ليس بوضوء. فالجواب: أن الوضوء في هذه الأحاديث هو المراد بقوله ﵊: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (٢). واحتج الآخرون بالكتاب والسنة والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٣). والجواب: أن هذه حجة للأولين كما سلف. وجواب ثان: وهو أنها مطلقة مصرحة ببيان ما يجب غسله غير معترضة للنية وقد ثبت وجوبها بالآية الأخرى، وبالحديث الذي نحن فيه.

стр. 184

وأما السنة: فأحاديث كثيرة في الأمر بالغسل من غير نية ولو وجبت لذكرت. والجواب: عن مثل هذا ما سلف في الآية، ومن تلك الأحاديث حديث أم سلمة أنه ﵊ قال لها. "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت" (١). والجواب عنه: أن السؤال كان عن نقض الضفائر فقط. وأما القياس فمن أوجه: الأول: إزالة النجاسة. الثاني: ستر العورة. الثالث: غسل الكتابية عن الحيض لتحل للمسلم. والجواب عن الأول: أنها من باب التروك ومن هنا تعلم أنه لا يشترط النية في ترك المعاصي، نعم إن نوى بإزالتها القربة لاداء الصلوات ونحو ذلك أثيب، وكذا إذا خطر بباله معصية فكف نفسه عنها لله تعالى أثيب على ذلك (٢).

стр. 185

ومن الفوائد الغريبة: حكاية وجه ثالث عندنا في النجاسة: أنها إن كانت على البدن وجبت النية في إزالتها، وإن كانت على الثوب فلا. والجواب عن الثاني: أن المراد منها الصيانة عن العيون فليس عبادة محضة. وعن الثالث: أنها إنما صحت بالنسبة للزوج للضرورة، إذ لو لم نقل به لتعذر وطئها ونكاحها، ولهذا لا تصح طهارتها في حق الله فليس لها أن تصلي بتلك الطهارة إذا أسلمت. فإن قلت: الحديث المذكور عام مخصوص فإن أداء الدين ورد الودائع والأذان والتلاوة والأذكار وهداية الطريق وإماطة الأذى: عبادات، فتصح بلا نية فتضعف دلالته حينئذٍ وتخص عدم اعتبارها في الوضوء أيضًا. فالجواب: أن ما عُدَّ وادُّعِي فيه الصحة بلا نية إجماعًا ممنوع حتى يثبت الإِجماع ولن يقدر عليه، ثم نقول: النية تلازم هذه الأعمال فإن مُؤدّي الدين قصد براءة الذمة وذلك عبادة، وكذا الوديعة والأذكار والتلاوة والأذان بصورهن عبادة، ولا ينفك تعاطيهن عن القصد وذلك نية، ومتى خلون عن القصد لم يعتد بهن عبادة، والهداية والإِماطة مترددة بين القربة وغيرها وتتميز بالقصد، [وقد قال الرافعي في "الكفارات": وقول الغزالي في (الوجيز) يصح الإِعتاق والإِطعام من الذمي بغير نية القرب، فأما نية التمييز فتشبه أن يعتبر كما في قضاء الديون، وما قاله صحيح وقد

стр. 186

صرح به إمام الحرمين في باب صفة الوضوء في (نهايته) وكذا محمد بن يحيى (١) في كتاب الزكاة من (تعليقته في الخلاف) فذكر ما حاصله: أن نية التمييز في الدين ونحوه لا بد منها بخلاف نية القرب، وذكر نحوه في كتاب الصيام فقال: النية ضربان: تقربٌ وتمييز، أما التقرب فكما في العبادات من الصوم والصلاة وهو إخلاص العمل لله تعالى، وأما نية التمييز فكما في أداء الدين فإنه يحتمل التمليك هبة وقرضًا فافتقر إلى قصد وتمييز، وصرح به الشيخ عز الدين في "قواعده" في النوع الخامس والعشرين في أثناء قاعدة: في مثال متعلقات (٢) الأحكام، ومثله أيضًا القراءة ونحوها وقد صرح به أيضًا في "القواعد" قبل الموضوع المذكور نحو ثلاث كراريس قال: ولكن لا يشترط نية التقرب] (٣). وأما ابن دحية [فقال] (٤): الحديث عام مخصوص؛ لأن الأعمال المفتقرة إلى النية إنما هي [المتقرب] (٥) بها إلى الله

стр. 187

تعالى دون سائر الأعمال، فكأنه قال: لا عمل يتقرب [به] (١) إلى الله وينتفع به إلَّا بنية، فالألف واللام مع ذلك لاستغراق هذا النوع من الأعمال خاصة. تتمات تتعلق بالنية: الأولى: لو وطئ امرأة يظنها أجنبية فإذا هي مباحة له أثم، ولو اعتقدها زوجته أو أمته فلا إثم، وكذا لو شرب مباحًا يعتقده حرامًا أثم، وبالعكس لا يأثم، ومثله ما إذا قتل من يعتقده معصومًا فبان أنه مستحق دمه، أو أتلف مالًا يظنه لغيره فكان ملكه. قال الشيخ عز الدين في "قواعده" (٢): ويجري عليه حكم الفاسق لجرأته على ربه تعالى، وأما مفاسد الآخرة فلا يعذب تعذيب زان ولا قاتل ولا آكلٍ مالًا حرامًا؛ لأن عذاب الآخرة مرتب على ترتب المفاسد في الغالب [كما أن ثوابها مرتب على ترتب المصالح في الغالب] (٣)، ثم قال: والظاهر أنه لا يعذب تعذيب من ارتكب صغيرة لأجل جرأته وانتهاكه الحرمة، بل عذابًا متوسطًا بين الصغيرة والكبيرة. الثانية: لو قال لامرأته: أنت طالق، يظنها أجنبية، طلقت زوجته لمصادفته محله. وفي عكسه تردد لبعض العلماء مأخذه النظر

стр. 188

إلى النية أو إلى فوات المحل، ولو قال لرقيق [له] (١): أنت حر، يظنه أجنبيًا، عتق، وفي عكسه التردد المذكور، وعلى هذا القياس في مسائل الشريعة والحقيقة والمعاملات الظاهرة والباطنة. الثالثة: ذهب بعض العلماء إلى وقوع الطلاق بالنية المجردة ولزوم النذر بها اعتمادًا على هذا الحديث، ولا يرد على هذا الحديث "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت [به نفسها] (٢) ما لم تعمل به" (٣)؛ لأن المعفو عنه في هذا الحديث هو الخطرات والهمم الضعيفة، بخلاف ما عقدت عليه العزائم، وهم إنما يوقعون الطلاق ونحوه بالنية إذا قويت وصارت عزيمة أكيدة. الرابعة: إذا نذر إعتكاف مدة متتابعة لزمه، وأصح الوجهين عند الشافعية أنه لا يجب التتابع بلا شرط، فعلى هذا لو نوى التتابع بقلبه ففي لزومه وجهان: أصحهما: لا، كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه، كذا نقله الرافعي عن تصحيح البغوي وغيره، قال الروياني: وهو ظاهر نقل المزني، قال: والصحيح عندي: اللزوم؛ لأن النية إذا اقترنت باللفظ عملت، كما لو قال: أنت طالق، ونوى ثلاثًا. الخامسة: في اشتراط نية الخطبة وجهان للشافعية كما في الأذان، قاله الروياني في "البحر"، وفي الرافعي في الجمعة أن

стр. 189

القاضي حسين حكى اشتراط نية الخطبة وفرضيتها كما في الصلاة، ونقله في "الشرح الصغير" عن بعضهم. السادسة: قال الروياني: قال القاضي أبو الطيب: قال البويطي: قد قيل: من صرَّح بالطلاق والظهار والعتق، ولم يكن له نية في ذلك، لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا عتق، ويلزمه في الحكم، وحجته هذا الحديث: و"رفع القلم عن ثلاثة" (١) والإجماع على أن المجنون والنائم إذا تلفظا بصريح لفظ الطلاق لا يلزمهما، وقال: قال مالك: من طلَّق أو أعتق أو ظاهر بلا نية، يلزمه ذلك في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى، والحجة فيه لمن ذهب إليه: ما ذكر الله من إتلاف المؤمن خطأ، وما أجمع عليه العلماء أن من أتلف مال آدمي خطأ فذلك عليه وإن لم ينوِ، وذلك من حقوق الآدميين، وللمرأة حق في منعها نفسها، وللعبد حق في حريته، وللمساكين حق في الظهار، ولم يتعرض البويطي لواحد منها، فالظاهر أنه قصد تخريجه على قولين. السابعة: في مسند أبي يعلى عنه ﷺ أنه قال:" يقول الله للحفظة يوم القيامة: اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر،

стр. 190

فيقولون: ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا هو فى صحفنا فيقول: إنه نواه إنه نواه" (١). ولهذا المعنى ونحوه ورد [الحديث] (٢) الآخر: "نية المؤمن خير من عمله" (٣)، وللناس فيه تأويلات: أحدها: أن نيته في الاجتهاد خير من خطئه فيه. ثانيها: أن النية أوسع من العمل؛ لأنها تسبقه فيتعجل الثواب عليه. ئالثها: أن نيته خير من خيرات عمله. رابعها: أن النية المجردة عن العمل خير من العمل المجرد عن النية. خامسها: ما أسلفناه عن البيهقي فى الوجه الثامن (٤). سادسها: أن معناه أن الإِنسان ينوي أن يعبد الله وإن عاش ألف سنة وأكثر فهو يثاب على ذلك وإن لم يدركه، فهو خير من عمل يسعه [ذلك] (٥) الزمن.

стр. 191

سابعها: أنه ورد في رجل معين، وأنه ﵇ قال: "من حفر بئرًا فله من الأجر كذا" فهمَّ رجل من المسلمين بحفرها فسبقه يهودي إلى ذلك فقال ﵇: "نية المؤمن أبلغ من عمله"، أي من عمل اليهودي. ثامنها: أن الأعمال المباحة إذا اقترنت بها نية جميلة بأن أكل ليتقوّى على الطاعة، ونكح ليستعف ونحو ذلك، كانت عبادة وقربة، فإذا خلت منها لم تكن عبادة، وكانت النية منفكة عنها خيرًا منها، حكاه المحب الطبري في أحكامه، وقال: إنه أحسن ما قيل فيه. تاسعها: أن ينوي أداء العبادة على الوجه الأكمل ثم لا يتأتى له ذلك فيأتي به على وجه دون المنوي، فتكون النية خيرًا من [هذا] (١) العمل. عاشرها: أنه حديث ضعيف (٢) قاله ابن دحية، رواه يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس رفعه: "نية المؤمن أبلغ من عمله"، ويوسف ليس بشيء، ورواه عثمان بن عبد الله الشامي من طريق النواس بن سمعان، قال ابن عدي: عثمان هذا له أحاديث موضوعة وهذا من جملتها (٣).

стр. 192

الثاني والعشرون: قوله ﵊: "وإنِّما لكل امرئ ما نوى"، يقال: امرؤ وَمَرْءٌ، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (١)، ويقول: هذا امرؤ، وهذان امرءان، ولا يجمع إلَّا قومًا ورجالًاَ، ومنهم من يقول: هذا مَرْآن، وأنثى [امرئ] (٢) امرأة، وأنثى مَرْء مَرْأة، ومَرَة بغير همز.

стр. 193

"وما" بمعنى الذي، وصلته "نوى" والعائد محذوف أي نواه، فإن قدرت "ما" مصدرية لم يحتج إلى حذف؛ إذ ما المصدرية عند سيبويه حرف، والحروف لا تعود عليها الضمائر، والتقدير: لكل امرئ نيته. الثالث والعشرون: قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" مقتضاه أن من نوى شيئًا يحصل له وما لم ينوه [لا] (١) يحصل له، ولهذا عظموا هذا الحديث وجعلوه [ثلث] (٢) العلم، والمراد بالحصول وعدمه بالنسبة إلى الشرع، وإلَّا فالعمل قد حصل لكنه غير معتد به، وسياق الحديث يدل عليه بقوله: "ومن كانت هجرته إلى دنيا" إلي آخره. فإن قلت: ما فائدة ذكر هذا بعد الأول وهو يقتضي التعميم؟ فالجواب: أن له ثلاث فوائد: الأولى: اشتراط تعيين المنوي، "فمن" (٣) كانت عليه مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة، بل لابد أن ينوي كونها ظهرًا أو عصرًا وغيرهما، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين أو أوهم ذلك، قاله الخطابي. الثانية: منع الاستنابة في النية، فإن اللفظ الأول إنما يقتضي اشتراط النية لكل عمل وذلك لا يقتضي منع الاستنابة في النية، إذ لو

стр. 194

نوى واحد عن غيره لصدق عليه أنه عمل بنية وذلك ممتنع فأفاد بالثاني منع ذلك، وقد استثني من هذا نيَّة الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجته الذمية عند طهرها من الحيض على القول بذلك، وحج الإِنسان عن غيره، وكذا إذا وكله في تفرقة الزكاة وفوض إليه النية ونوى الوكيل فإنه يجزئه كما قاله الإمام الغزالي في "الحاوي الصغير". الثالثة: أنه تأكيد لقوله: "إنما الأعمال بالنيات"، فنفى الحكم بالأول وأكده بالثاني. تنبيهان: الأول: إذا أُشْرِكَ في العبادة غيرها من أمر دنيوي أو رياء: فاختار الغزالي [اعتبار] (١) الباعث على العمل، فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب [لم يكن فيه أجر، فإن كان القصد الديني هو الأغلب] (٢) كان له أجر بقدره، وإن تساويا تساقطا. واختار الشيخ عز الدين بن عبد السلام (٣): أنه لا أجر فيه مطلقًا سواء تساوى القصدان أو اختلفا. الثانى: مقتضى قوله ﵇: "إنما [لكل] (٤) امرئ ما نوى" أن من نوى شيئًا لم يحصل له غيره، ومن لم ينو شيئًا لم

стр. 195

يحصل [وهي] (١) قاعدة [مطردة] (٢) في جميع مسائل النية، نعم شذ [عن] (٣) ذلك مسائل [يتأدى] (٤) الفرض فيها بنية النفل، محل الخوض فيها كتب الفروع وقد أوضحتها في كتاب "الأشباه والنظائر" فليراجع منه. الرابع والعشرون: الهجرة في اللغة: الترك، والمراد بها هنا ترك الوطن والانتقال إلى غيره، وهي: في الشرع: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوفَ الفتنة وطلبَ إقامة الدين. وفي الحقيقة: مفارقة ما يكره الله إلى ما يحب، ووقعت الهجرة في الإسلام على خمسة أوجه: إحداها: إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة، وذكر الماوردي أن الهجرة من مكة إلى المدينة قبل هجرته ﵇ كانت مباحةً لمن خاف على نفسه أودينه، معصيةً لمن أمن من ذلك، قال: وكانت الهجرة إلى الحبشة مباحة. الثانية: من مكة إلى المدينة عند مهاجرة النبي ﷺ إليها، وفي هذه الهجرة نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ (٥) الآية، وقال

стр. 196

عليه السلام: "لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار" (١)، "وأشار" (٢) إلى هذه الهجرة، وأفضل المسلمين أصحاب الهجرتين إلَّا ما خصه الدليل، وذكر الماوردي أن هذه الهجرة واجبة على من خاف على نفسه [ودينه] (٣) وهو قادر على الخروج بأهله وماله؛ للآية، ومستحبة على من آمن على نفسه كالعباس، وذكر أبو عبيد (٤) في كتاب "الأموال" أن الهجرة كانت على غير أهل مكة من الرغائب ولم تكن فرضًا؛ لما في الصحيحين: "أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فسأله عن الهجرة، فقال: ويحك، إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء [البحار] (٥) فإن الله لن يترك من عملك شيئًا" (٦)، ولأنه ﵇ لم يأمر الوفود بها. الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله ﷺ قبل الفتح للاقتباس منه كوفد عبد القيس وغيرهم، ثم يرجعون إلى مواطنهم ويعلمون قومهم. الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتى إلى النبي ﷺ ثم يرجع إليها كفعل صفوان بن أمية ومهاجرة الفتح.

стр. 197

الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه وهي المشار إليها بقوله ﵇: "المجاهد من جاهد نفسه والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (١)، قال بعض متأخري المالكية: وهي الهجرة العظمى التي اندرج جميع الأقسام تحتها، ففيه: فائدة: ترجع للمهاجرين، لكيلا يتكلوا على نفس الهجرة، فبين لهم ﵇ أن الهجرة التامة الكاملة هي هجران الفواحش، ففيه حض على التزام الطاعة وعدم الاغترار بالهجرة، وحث على الجد في الفضائل، وأن لا يعتمدوا على الهجرة ويتركوا العمل. وفيه فائدة ثانية: ترجع إلى من لم يهاجر، وهو إيناس لهم وتبيين أن سبل الخير باقية، وأعمال [الطاعات] (٢) متلاحقة وأن اسم الهجرة باقٍ لهم [مقول] (٣) عليهم عند هجران المحارم وجميع ما نهى الله عنه، بل هو أعظم هجرة وأكبر فضيلة. قلت: والهجرة باقية إلى يوم القيامة من دار الكفر إذا لم يمكنه إظهار دينه إلى دار الإسلام وينبغي أن تعد. سادسه (٤): وحديث أنه ﵇ قال يوم الفتح: "لا هجرة"

стр. 198

فأوِّل كما ستعلمه -في باب حرمة مكة حيث ذكره المصنف- إن شاء الله تعالى. ثم اعلم أن معنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن الحديث ورد على سبب كما سيأتي، والعبرة بعموم اللفظ. الخامس والعشرون: قوله ﵇: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" القاعدة عند أهل العربية أن الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر، لا بدَّ أن يتغايرا [وها هنا] (١) وقع الاتحاد في قوله: "فمن كانت هجرته" إلى آخره، فلا بدَّ أن يقدر له شيء وهو: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" نية وعقدًا "فهجرته إلى الله ورسوله" حكمًا وشرعًا. السادس والعشرون: قوله ﵇: "فمن كانت هجرته، إلى آخره، هو تفصيل لما سبق في قوله: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، وإنما فرض الكلام في الهجرة لأنها السبب

стр. 199

الباعث، وعلى هذا الحديث كما سيأتي وقوله: "فمن كانت هجرته" إلى آخره، هو على عمومه، لاختصاصها بالهجرة التي هي [من] (١) العبادات وهي متوقفة على النية. السابع والعشرون: قوله ﵇: "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها". "الدنيا" بضم الدال على المشهور، وحكى ابن قتيبة وغيره كسرها وجمعها دنى ككبرى وكبر، وهي من دنوت، لدنوها وسبقها الدار الآخرة، وينسب إليها دنيوي ودُنْيِي وقال الجوهري وغيره: ودنياوي (٢). وقوله "دنيا" هو مقصور غير منون على المشهور وهو الذي جاءت به الرواية ويجوز في لغة عربية تنوينها، وقال ابن دحية في كلامه على هذا الحديث في الجزء الذي سماه "جمع العلوم الكليات في الكلام على حديث إنَّما الأعمال بالنيات": وأكثر ما يتكلم فيه على الإسناد، الدنيا: تأنيث الأدنى، وصرفها أبو الهيثم في أصله من صحيح البخاري، قال: وأبو الهيثم لم يكن من أهل العلم، ولم يكن بالقوي أيضًا، وكان الحافظ أبو [ذر] (٣) الهروي بآخرة يسقط أكثر روايته من كتابه لا سيما فيما انفرد به، قاله ابن مفوز الحافظ. فالدنيا: تأنيث الأدنى مثل حبلى لا ينصرفان؛ لاجتماع الوصفية ولزوم حرف التأنيث آخره، ومعنى هذا أن الهمزة والألف

стр. 200

لا يفارقان الكلمة وهاء التأنيث تفارق الكلمة، ألا ترى أنك تقول في قائمة: قائم، ولا تقول في حمراء [حُمر] (١)، ولا في حبلى: حُبلٌ، ولا في دنيا: دُنى (٢). فائدة: في حقيقة الدنيا قولان للمتكلمين. أحدهما: ما على الأرض مع الجو والهواء. وأظهرهما: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة. تنببه: المراد بالإصابة: الحصول، شَبَّه محصل الدنيا بإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصرد. الثامن والعشرون: قوله ﵇: "أو امرأة يتزوجها"، أي ينكحها كما جاء في الرواية الأخرى، وقد يستعمل بمعنى الإِقران بالشيء ومنه قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٣) أي قرناهم، قاله الأكثرون. وقال مجاهد والبخاري وطائفة: أنكحناهم. التاسع والعشرون: إن قلت: كيف ذكرت "المرأة مع

стр. 201

الدنيا] (١) مع أنها داخلة فيها؟ فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه لا يلزم دخولها في هذه الصفة؛ لأن لفظ الدنيا نكرة وهي لا تعم في الإثبات فلا يلزم دخول المرأة فيها. ثانيها: أن هذا الحديث ورد على سبب وهو أنه لما أُمر بالهجرة من مكة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ (٢) الآية، ولم يهاجر جماعة لفقد استطاعتهم فعذرهم واستثناهم بقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (٣) [الآية] (٤)، وهاجر المخلصون إليه فمدحهم في غير ما موضع في كتابه، وكان في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية [المخلصين] (٥)، منهم من كانت نيته أن يتزوج امرأة كانت بالمدينة من المهاجرين يقال لها أم قيس -وقال ابن دحية في كتابه السالف قريبًا: اسمها قيلة- فسمي [بها] (٦): مهاجر أم قيس، ولا يعرف اسمه بعد البحث عنه ولعله للستر عليه، فكان قصده بالهجرة من مكة إلى المدينة نيته التزوج بها لا لقصد فضيلة الهجرة، فقال النبي ﷺ ذلك وبيَّن مراتب الأعمال والنيات، فلهذا

стр. 202

خص ذكر المرأة دون سائر ما ينوي به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية لأجل تبيين السبب، كان كانت أعظم أي أسباب فتنة الدنيا، قال النبي ﷺ : "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" (١)، وذكر الدنيا معها من أسباب زيادة النص على السبب كما أنه [لما] (٢) سئل عن طهورية ماء البحر زاد "الحل ميتته"، ويحتمل أن يكون هاجر [لِمَالها] (٣) مع نكاحها، ويحتمل أنه هاجر لنكاحها وغيره ليحصل دنيا من جهة (٤) تعرض بهما. واعلم: أن بعض المتأخرين من أهل الحديث شرع في تصنيف في أسباب الحديث كما صنف في أسباب النزول للقرآن العزيز كالواحدي وغيره، كذا عزاه الشيخ تقي الدين لبعض المتأخرين، وعزاه ابن العطار في شرحه إلى ابن الجوزي وغيره، وسمعت من يذكر أن عبد الغني بن سعيد الحافظ صنف فيه تصنيفًا قدر "العمدة" [ومن تتبع الأحاديث] (٥) قدر على إخراج جملة منها وأرجو أن أتصدَّى له إن شاء الله تعالى. ثالثها: أن ذكرها من أسباب التنبيه على زيادة التحذير منها كذكر الخاص بعد العام تنبيهًا على مزيته كما في ذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة، وذكر الصلاة الوسطى بعد الصلوات في المحافظة، وذكر

стр. 203

محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى بحد ذكر النبيين في أخذ الميثاق عليهم، صلى الله عليهم أجمعين، وليس منه قوله تعالى: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (١) بعد ذكر الفاكهة وإن كان قد غلط فيه بعض الناس فعده منه؛ لأن فاكهة نكرة في سياق الإِثبات فلا تعم، وقد جاء أيضًا في القرآن عكس هذا وهو ذكر العام بعد الخاص كقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، وقوله تعالى إخبارًا عن نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ (٣) الآية. الثلاثون: إن قلت: لِمَ ذُمَّ على طلب الدنيا وهو أمر مباح، والمباح لا ذم فيه ولا مدح؟ فالجواب: أنه لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا وإنما خرج في صورة طلب فضيلة الهجرة، فأبطن خلاف ما أظهر فلذلك توجه عليه الذم. الحادي والثلاثون: إن قلت: لم أعاد ﷺ ما بعد الفاء الواقعة جوابًا للشرط بلفظ الأول، أعني قوله: "فهجرته إلى الله ورسوله" ولم يعده في قوله: "ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها"، بل قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه"؟ فالجواب: أن سر ذلك الإعراض عن تكرير ذكر الدنيا والغض

стр. 204

منها وعدم الاحتفال بأمرها، وذلك مناسب لما قيل: "من أحب شيئًا أكثر من ذكره"، وهو أبعد الناس عن حبها وهذا معنى لطيف، لكن يخدشه رواية ابن الجارود في "المنتقى" (١): "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ما هاجر إليه ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ورواية البخاري في أول "صحيحه" مختصرة، ولفظه: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ولم يذكر القطعة الأولى. الثاني والثلاثون: قال ابن الأنباري في كتاب "الورع": في الحديث دليل على أنه لا يجوز الاقدام على الفعل قبل معرفة حكمه، قال: ووجه الاستدلال منه أنه لا بدَّ للمكلف من الإِتيان بما أمر به على وجهه، وقد نفى ﷺ أن يكون العمل منتفعًا به إلَّا بالنية أي نية التقرب لما طلبه الله من العبد، ولا يتصور ذلك إلَّا بعد معرفة المطلوب. خاتمة: قال الخطابي: قد يستدل بهذا الحديث بعد العبادات في أحكام المعاملات كالإِكراه على الطلاق والعتاق، وفي باب الأيمان: حتى لو حلف والله ما رأيت زيدًا وهو ينوي أنه لم يصب [رئته] (٢)، وما كلمت محمدًا يريد ما جرحته، كان على ما نوى،

стр. 205

وكذلك يدل على أن من باع واشترى بغش وخلابة أو ربًا [بحيلة] (١) فإنَّه محظور في حق الدين، فأما طلاق السكران فلا يدخل فيه؛ لأن صريح الطلاق لا يحتاج إلى النية إلَّا أن يكون [ذلك] (٢) بلفظ كناية. وقال قوم: إن الاستدلال بهذا الحديث في غير العبادات لا يجوز لأنَّه غير ما قصد به.

стр. 206

الحديث الثاني ٢/ ٢/ ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه: هو دوسي أزدي [يماني] (٢) مكثر حافظ، وفي اسمه اختلاف شديد، أفرده بعض الحفاظ بجزء وأشهره: عبد الرحمن بن صخر، وقال الحاكم أبو أحمد: إنه أصح، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: عبد الله أو عبد الرحمن هو الذي يسكن القلب إلى اسمه في الإسلام، وقال النووي: الأصح أنه عبد الرحمن من نحو ثلاثين قولًا، وقال غيره أكثر من ذلك. وقال ابن حبان في ثقاته: الأشبه أن اسمه في الجاهية عبدنهم فسماه رسول الله ﷺ عبد الله وهو أول من كني بأبي هريرة لهرة

стр. 207

كانت له يلعب بها صغيرًا و [أول] (١) من كناه بها فيه قولان: أحدهما: النبي ﷺ ، قال أبو عمر: وهو الأشبه. والثاني: والده، وكان يكره تصغيره ويقول: كناني رسول الله ﷺ بأبي هر، ذكره ابن عساكر، وقال ابن إسحاق وأبو عمر: إنه ﵇ كناه بأبي هريرة، كذا قالاه بالتصغير، وكان يكنى في الجاهلية بأبي الأسود، قال الكلبي: ولأبي هريرة أخ اسمه أبو كريم، قال ابن دريد: وكان أبو هريرة ينتقل في الأحياء ويغيّر اسمه، أي لأنه كان عليه دم فكان إذا نزل على قبيلة غيّر اسمه؛ لئلا يفطن به فيؤخذ بمن قتله، فهذا سبب كثرة أسمائه في الجاهلية. أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة، وقال ابن هشام: سنة ست، حكاه عنه ابن الطلاع، وبه جزم الشيخ تقي الدين (٢) في شرحه، وابن الرفعة في كفايته في باب زكاة النبات وجزم بالأول في قتال المشركين، واختلف في شهوده فتحها على ثلاثة أقوال: قيل: نعم، وقيل: لا، وإنما حضر بعد فتحها، وذكر البخاري (٣) في "صحيحه" ما يدل لحضوره إياها، وقيل: إنه خرج معه إليها، رواه البخاري من طريق ثور، وقال موسى بن هارون: وهم ثور، إنما قدم بعد خروجه.

стр. 208

قلت: والصحيح أنه قدمها بعد خروجه ﵇ إليها وقبل الفتح. ومن صفته أنه كان أدم، بعيد ما بين المنكبين، صاحب ضفيرتين، أفرق الثنيتين، وكان يخضب بالحمرة، صحب النبي ﷺ على ملء بطنه، وكان يدور معه حيث ما دار، وكان غيره يشغله الصفق بالأسواق، فقال ﵇ مرة: "من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئًا سمعه مني" قال: فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه ثم قبضتها إليَّ، فوالذي نفسي بيده ما نسيت بعد شيئًا سمعته منه (١). وكان ذَكَر له قبل ذلك: إني اخشى أن أنسى ما أسمعه منك ففعل به [ذلك] (٢)، وشهد له بالحرص على العلم. وروى سليم بن حيان عن أبيه عن أبي هريرة قال: نشأت يتيمًا وهاجرت مسكينًا وكنت أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا وأحتطب إذا نزلوا، [فالحمد لله] (٣) الذي جعل الدين قوامًا وأبا هريرة إمامًا. وروى أبو يزيد الديني عنه أنه قام على منبر رسول الله ﷺ مقامًا دون مقام رسول الله ﷺ بعينه، ثم قال: الحمد لله الذي هدى

стр. 209

أبا هريرة للإِسلام، الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن، الحمد لله الذي من على أبي هريرة بمحمد ﷺ ، الحمد لله الذي أطعمني الخمير، وألبسني الحبير، الحمد لله الذي زوجني ابنة غزوان بعدما كنت أجيرًا لها بطعام بطني وعقبة رجلي، أرحلتني فأرحلتها كما أرحلتني (١). [وروى قيس بن أبي حازم عنه قال كنت أصرع بين القبر والمنبر من الجوع حتى يقولوا مجنون] (٢) وخرج ابن جهضم في كتابه "بهجة الأسرار" أنه ﵇ قال:" [لكل] (٣) نبي حكيم وحكيم هذه الأمة أبو هريرة" (٤)، وفي "الطبقات" دعا له النبي ﷺ أن يحببه إلى كل مؤمن ومؤمنة (٥)، وقال الإمام أحمد: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله ما روى أبو هريرة عنك حق؟ قال: نعم. قلت: روى عن النبي ﷺ فأكثر، وهو أكثر الصحابة حديثًا، قال: حفظت [عن] (٦) رسول الله ﷺ ثلاث جُرُب أخرجت منها

стр. 210

جرابين، وفي رواية: حفظت عنه وعائين فأما أحدهما فبثثته للناس وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. روي له عن النبي ﷺ خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، وليس لأحد من الصحابة هذا القدر ولا ما يقاربه، أخرج له في الصحيحين ستمائة حديث وتسعة أحاديث، اتفقا منهما على ثلاثمائة وستة وعشرين حديثًا، وانفرد البخاري ثلاثة وتسعين ومسلم بمائة وتسعين، قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. قال أبو هريرة فيما يثبت عنه: ليس أحد أكثر حديثًا مني إلَّا فلانًا، كان يكتب وأنا لا أكتب. وأراد عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد عاش عبد الله أكثر منه إلَّا أن أبا هريرة كان مقيمًا بالمدينة ولم يخرج منها وكان الناس يأتونها من كل ناحية بعد رسول الله ﷺ لكونها محط الركاب لأجل الخلافة ولزيارة قبر رسول الله ﷺ ، والصلاة في مسجده (١)، ولأجل العلم، وكان أبو هريرة متصديًا للرواية ونشر العلم، بخلاف عبد الله بن عمرو فإنه سافر إلى البلاد وغلب عليه العبادة فلهذا لم يشتهر حديثه ولم تكثر روايته، واشتهر وكثر حديث أبي هريرة، ﵄. قال ﵁: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، والله لولا اثنان في كتاب الله ما حدثت شيئًا، وتلى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ

стр. 211

الْبَيِّنَاتِ﴾ (١) إلى قوله ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٢). وكان يقول: إخواننا من المهاجرين شغلهم الصفق في الأسواق، وإخواننا من الأنصار شغلهم العمل في أموالهم. رآه أبو بكر بن داود في المنام، وقال له: إني أحبك، فقال: أنا أول صاحب حديث كان في الدنيا. ولقي مرة كعبًا فجعل يحدثه ويسأله، قال كعب: ما رأيت أحدًا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة. وكان ﵁ من أصحاب الصفة، قال أبو نعيم في الحلية: كان عريفهم وأشهر من سكنها، قال البخاري: روى [عنه] (٣) أكثر من ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع. قلت: وكان أحد من يفتي بالمدينة مع ابن عمر وابن عباس. وكان يسبح في اليوم اثنتي عشر ألف تسبيحة، وكان يدمن من الصيام والقيام والضيافة. ولي المدينة لمعاوية ثم عزل بمروان، وكان يمر بالسوق يحمل الحزمة [من] (٤) [الحطب] (٥). وهو يقول: أوسعوا الطريق للأمير -كان فيه دعابة ﵁ قال له عمر: كيف وجدت الإِمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها. وأتاه بأربعمائة ألف

стр. 212

من البحرين وعزله، ثم أراده على العمل فأبى. ولم يزل يسكن المدينة، وكان ينزل ذا الحليفة وله بها دار تصدق بها على مواليه فباعوها من عمرو بن بزيغ. وصلى على عائشة ﵂ وأم سلمة [زَوْجَي] (١) النبي ﷺ . وكان يقول لبنته: "لا تلبسي الذهب فإني أخشى عليك اللهب". وقال أبو عثمان [النهدي] (٢): تضيفت أبا هريرة سبعًا فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا يصلي هذا ثم يوقظ الآخر فيصلي ثم يوقظ الثالث. ومات بها، وقيل: بالعقيق، ودفن بالبقيع، وأما ما اشتهر [بأن] (٣) قبره بقرية بسناجية (٤) بالقرب من عسقلان، وعقد عليه الملك الأشرف ابن منصور قبة، ورأيته مرجعي من القدس الشريف فليس بصحيح، بل ذاك قبر جندرة بن حبشية أبي قرصافة (٥) كما نص عليه ابن حبان في الصحابة في أول كتابه "الثقات"، فتنبه له. ولد ﵁ سنة إحدى وثلاثين من الفيل، قاله [العتيقي] (٦) في "تاريخه"، وفي وفاته أقوال: أحدها: [سنة سبع

стр. 213

وخمسين، وفيها ماتت عائشة ﵂. ثانيها: سنة ثمان. ثالثها] (١): سنة تسع قال النوي في "شرح مسلم" (٢): وهو الصحيح. وقال ابن حبان في "ثقاته": مات [سنة] (٣) سبع أو ثمان. وقيل: مات ستة خمس، وقيل: ست، حكاهما الذهبي في "تذكرته" (٤). وقال الواقدي: صلى على عائشة في رمضان سنة ثمان وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع، ثم توفي بعدها في هذه السنة وله ثمان وسبعون سنة (٥)، وكان يقول "اللهم لا تدركني سنة ستين" فتوفي فيها أو قبلها بسنة، وقد أوضحت ترجمته فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب وهذا القدر هنا كاف، والله الموفق. الوجه الثاني: قوله ﵇: "لا يقبل" هو بفتح الياء كيعلم، والماضي مكسور كعلم، والقبول: يراد به في الشرع:

стр. 214

حصول الثواب، وقد تتخلف الصحة عن الثواب بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرَّافًا، وشارب الخمر إذا لم يسكر ما دام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة في الدار المغصوبة على الصحيح عندنا، فأما ملازمة القبول للصحة، ففي قوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة حائض إلَّا بخمار" (١)، صححه الأئمة ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. والمراد بها من بلغت سن الحيض فإنها لا تقبل صلاتها إلَّا بسترتها، ولا تصح ولا تقبل مع إنكشاف عورتها، والقبول مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قبل فلان عذر فلان، إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه وهو محو الجناية والذنب، فقوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" هو عام في عدم القبول من جميع المحدثين في [جميع] (٢) أنواع الصلاة، والمراد بالقبول وقوع الصلاة مُجْزِئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة في الظاهر والباطن، ومتى ثبت القبول ثبتت الصحة، ومتى ثبتت الصحة ثبت القبول.

стр. 215

ونقل عن بعض المتأخرين أن القبول عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على العبادة، والإِجزاء: عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما: أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فالقول على هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء الصحة فيما سلف، ضَرَّ في نفي القبول مع نفي الصحة كما هو محكي عن الأقدمين، إلَّا أن يقال: [دَلَّ] (١) [الدليل على كون القبول من لوازم الصحة، فإن انتفى انتفت، فيصح الاستدلال] (٢) بنفي القبول على نفي الصحة، ويحتاج في نفيه مع بقائها في تلك الأحاديث إلى تأويل أو تخريج جواب، [ويرد] (٣) على من فسر القبول بكون العبادة مثابًا عليها أو مرضية، مع أن قواعد الشرع تقتضي أن العبادة إذا أتى بها مطابقة للأمر كانت سببًا للثواب، في ظواهر لا تحصى. [تنبيه] (٤): الحكم مرتفع ومتجدد باعتبار تعلقه لا باعتبار ذاته، فيصح قولك: نويت رفع الحدث، وإن كان [بالمنع] (٥) حكمًا قديمًا فلا يستحيل رفعه بهذا الاعتبار [كما] (٦) نبه عليه القرافي ﵀.
следующие страницы →