← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

ما مر في المسألة قبلها من الأشكال، وفي حديث رفاعة هذا ما هو غير واجب أيضًا. [الثالثة] (١) والعشرون: فيه أن المفتي إذا سئل عن شىء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه: يستحب له أن يذكره له، ويكون هذا من النصيحة، لأن في الحديث من رواية رفاعة أنه علمه الوضوء والاستقبال.

стр. 1507

بسم الله الرحمن الرحيم (١) حسبنا الله ونعم الوكيل، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدًا ١٧ - باب وجوب القراءة في الصلاة ذكر فيه، ﵀، ستة أحاديث: الحديث الأول ٩٩/ ١/ ١٧ - عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب" (٢).

стр. 1508

الكلام عليه من سبعة أوجه: الأول: في التعريف براويه، هو أبو الوليد: عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلب بن غنم بن (مالك بن سالم) (١) بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السالمي، أخو أوس بن الصامت، أمه قُرَّة العَين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان وهو أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة، ومن [القواقل] (٢) وإنما سموا [قوقل] (٣) لأنهم كانوا في الجاهلية إذا نزل بهم الضيف قالوا: [قوقل] (٤) حيث شئت. يريدون: اذهب حيث شئت، وقدر ما شئتَ، فإن لك الأمان، لأنك في ذمتي (٥)، قاله ابن حبان. شهد العقبتين الأولى والثانية وبدرًا والمشاهد كلها [وآخا] (٦) رسول الله ﷺ بينه وبين أبي مرثد الغنوي، له مائة حديث وثمانون حديثًا اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بأخرين، قال محمد بن كعب القرظي: جمع القرآن [في] (٧) زمن رسول الله ﷺ خمسة من

стр. 1509

الأنصار: معاذ، [وعبادة] (١)، وأُبي، وأبو أيوب، وأبو الدرداء (وَجَّهَهُ عمر) (٢) إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، وهو أول من ولي القضاء بها، روى عنه جماعة من الصحابة، منهم: أنس بن مالك، وجابر، وروى عنه أيضًا بنوه: الوليد، وعبد الله، وداود بنو عبادة، وجماعة من التابعين وغيرهم. مات سنة أربع وثلاثين عن اثنين وسبعين سنة، وقيل خمس وأربعين، ودفن ببيت المقدس، وهو مشهور بها قريب من باب الرحمة يزار (٣)، قال ابن حبان: مات بالرملة، ودفن ببيت المقدس، وقال ابن طاهر: المشهور أنه مات [بقبرص] (٤) بالشام. فائدة: "عبادة" -بضم العين يشتبه- بعبادة بفتحها وتخفيف الباء- وهم جماعة منهم محمد بن عبادة الواسطي شيخ البخاري (٥).

стр. 1510

ثانيها: فاتحة الكتاب سميت بذلك، لأنه افتتح بها القرآن ولها أسماء أخر. أحدها: أم القرآن. ثانيها: أم الكتاب: لأن أصل القرآن منها بدىء، وأم الشيء أصله، ومنه سميت مكة أم القرى، لأنها أصل البلاد، ودحيت الأرض من تحتها. وقيل: لأنها مقدمة، وإمام لما يتلوها من السور وبُدىء بكتابتها في المصحف ويقرأ بها في الصلاة. ثالثها: السبع المثاني: لأنها سبع آيات باتفاق العلماء، وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة، وتقرأ في كل ركعة. وقال مجاهد: سميت مثاني لأن الله استثناها لهذه الأمة، وادخرها لهم، وقد امتن الله -تعالى- على رسوله ﷺ بها فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (١) والمراد بها فاتحة الكتاب. رابعها: سورة الحمد. خامسها: الصلاة. سادسها: الوافية [بالفاء] (٢)، لأن تبعيضها لا يجوز.

стр. 1511

سابعها: الكافية. ثامنها: الشفاء. تاسعها: الأساس. عاشرها: الكبر. الحادي عشر: الشافية (١) وقد أوضحتها في (مختصري لتفسير القرطبي) فراجعها منه. ومنع بعضهم تسميتها: بأم الكتاب، زعمًا بأن هذا اسم اللوح المحفوظ، فلا يسمى به غيره، وهو غلط، فقد ثبت في صحيح مسلم (٢)، عن أبي هريرة قال: "من قرأ بأم الكتاب أجزأت عنه"، وفي سنن أبي داود (٣) عنه مرفوعًا أيضًا: "الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني". الوجه الثالث: قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، فيه دليل (٤) على وجوب قراءتها في الصلاة، ووجه الاستدلال ظاهر، واعتقد بعض علماء الأصول: الإِجمال في مثل هذا اللفظ لدورانه بين نفي الحقيقة والكمال، وأما نفي الحقيقة فلا سبيل إليه للزومه نفي كل إضمار محتمل، وهو منتفٍ لأن الإِضمار إنما احتيج إليه للضرورة، وهي تندفع بإضمار فرد فلا يحتاج إلى إضمار أكثر منه، وإضمار الكل يتنافض، فإن إضمار الكمال يقتضي إثبات أصل

стр. 1512

الصحة، ونفيه يعارض الأصل، وليس واحد منهما بأولى من الآخر، فيتعين الإِجمال، وهذا إنما يتم إذا حمل [لفظ] (١) الصلاة والصيام وغيرهما على غير عرف الشرع، أما إذا حمل على عرف الشرع فيكون منتفيًا حقيقة، ولا يحتاج إلى الإِضمار المؤدي إلى الإِجمال، فإن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه في الغالب لأنه المحتاج إليه، فإنه بعث لبيان الشرعيات لا لبيان موضوعات الألفاظ في اللغة، ثم إن الصلاة اسم لمجموع الصلاة التي تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، حقيقة لا كل ركعة، لقوله ﵊: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة"، فلو كان كل ركعة تسمى صلاة لقال: سبع عشرة صلاة. الوجه الرابع: قد يستدل بالحديث من يرى وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، بناءًا [على أن [كل] (٢) ركعة تسمى صلاة، وقد بينَّا عدمه (٣). الخامس، قد يستدل به من يرى وجوبها في ركعة] (٤) واحدة بناءًا على أنه يقتضي حصول اسم الصلاة عند قراءة الفاتحة، فإذا حصل مسمى قراءتها وجب أن تحصل الصلاة، والمسمى يحصل بقراءتها مرة واحدة، فوجب القول بحصول مسمى الصلاة، بدليل أن

стр. 1513

إطلاق اسم الكل يطلق على الجزء، [لكن] (١) بطريق المجاز لا الحقيقة. والجواب عن هذا: أنه دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في ركعة، فإذا دل المنطوق على وجوبها في كل ركعة كان مقدمًا عليه (٢). السادس: قد يستدل به من يرى وجوبها على العموم؛ لأن صلاة المأموم: صلاة. فتنتفي عند انتفاء قراءتها، فإن وجد دليل يقتضي تخصيصه من هذا العموم قدم، وإلَاّ فالأصل العمل به (٣). قلت: بل صح ما يدل على عمومه، وهو أنه ﵊ ثقلت عليه القراءة في صلاة الفجر، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم، قلنا: نعم هذا يا رسول الله!، قال: "لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" (٤)،

стр. 1514

حديث حسن، كما قاله الترمذي، وصحيح كما قاله ابن حبان، وما عارض هذا فضعيف [أو] (١) مؤول. وفي مذهب الشافعي في وجوب قراءتها على المأموم تفصيل، إن كانت سرية وجبت على المشهور، وادعى ابن الرفعة في الكفاية أنها تجب قطعًا، وتبعه بعض شراح هذا الكتاب عليه والخلاف في الرافعي. وإن كانت جهرية وجبت أيضًا على أصح القولين. وقال الشيخ تاج الدين الفاكهي المالكي: إن قرأ المأموم خلف إمامه حال الجهر فبئس ما صنع، ولا تبطل صلاته. ورأى قوم بطلان صلاته، وقد روي ذلك عن الشافعي، وما نقله عن الشافعي غريب، وقوله: بئس ما صنع: عجيب. السابع: قد يستدل به على عدم وجوب ما زاد على الفاتحة. ورُوي [عن عمر] (٢) [و] (٣) عثمان بن أبي العاص:

стр. 1515

وجوب ثلاث آيات (١). وعند المالكية حكايته قولين: الأول: أنه سنة. والثاني: فضيلة. قال صاحب (البيان والتقريب): ومنشأ الخلاف النظر إلى تأكد الأمر، وعدم تأكده، وهذا في الفرائض، أما السنن والتطوعات فما عدا الفاتحة فيها سنة ما عدا ركعتي الفجر، فالمشهور عندهم الاقتصار فيها على الفاتحة.

стр. 1516

الحديث الثاني ١٠٠/ ٢/ ١٧ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر [بفاتحة] (١) الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصّر في الثانية يسمعنا الآية أحيانًا. وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، [وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، وكان يطول في الركعة الأولى في صلاة الصبح، ويقصر في الثانية] (٢) " (٣). الكلام عليه من وجوه: الأول: التعريف براويه، وقد سلف في باب الاستطابة.

стр. 1517

الثاني: "الأوليان": تثنِية أولى [وكذلك] (١) "الأخريان" تثنية أخرى، وأما ما يشيع على الألسنة من الأولى وتثنيتها [بالأولتين] (٢) فمرجوح في اللغة، كما نبه عليه الشيخ تقي الدين (٣). والسورة في معناها أقوال. أحدها: لانفصالها عن أختها. ثانبها: لشرفها وارتفاعها، كما يقال لما ارتفع من الأرض: [سورة] (٤). ثالثها: لأنها قطعة من القرآن، فعلى هذا يكون أصلها الهمز، ثم خففت وأبدلت واوًا لضمِّ ما قبلها. رابعها: لتمامها وكمالها، من قولهم للناقة التامة: سورة. وجمع سورة سُوَر -بفتح الواو- ويجوز أن تجمع على سورات وسَورات. الثالث: الحكمة في قراءة السورة في الأوليين من الظهر والعصر وفي الصبح: أن الظهر في وقت قائلة، والعصر في وقت شغل الناس بالبيع والشراء وتعب الأعمال، والصبح في وقت غفلة بالنوم آخر الليل، فطولتا بالقراءة ليدركهما المتأخر لاشتغاله بما ذكرنا من القائلة والتعب والنوم، وإن كانت قراءتهما في العصر أقصر

стр. 1518

من الصبح والظهر (١). الرابع: الحكمة في تطويل الأولى عن الثانية قصدًا: ليدرك المأموم فضيلة أول الصلاة جماعة. الخاص: إسماعه ﵊ الآية أحيانًا، يحتمل أنه كان مقصودًا ليكون دليلًا على أن الإِسرار ليس بشرط لصحة الصلاة السرية، بل يجوز الجهر والإِسرار فيها. والإِسرار أفضل، فيكون ذلك بيان للجواز، مع أن الإِسرار منه سنة، ويحتمل أنه ليس مقصودًا، بل كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر وهو الأظهر لكن الأسماع يقتضي القصد له. السادس: فيه أنّ "كان" تقتضي الدوام في الفعل وقد سلف. السابع: [فيه] (٢) وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وقد سلف ذلك مع الاختلاف فيه قريبًا. الثامن: فيه مشروعية السورة في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، وفي حكمهما المغرب والعشاء وكذلك الصبح. التاسع: فيه أن السورة لا تشرع في الأخريين من الظهر والعصر وكذا العشاء وثالثة المغرب، وهو أشهر قولي الشافعي إلَّا أن يكون

стр. 1519

المصلي [مسبوقًا] (١) كما نص عليه لئلا تخلو صلاته من سورة. [العاشر] (٢): فيه أن قراءة سورة كاملة أفضل من قدرها من تطويله لارتباط القراءة بعضها ببعض في ابتدائها وانتهائها بخلاف من قراءة قدرها من طويله، فإنه قد يخفى الارتباط على أكثر الناس أو كثير منهم، فيبتدىء، ويقف على غير مرتبط وهو محذور لإِخلاله بنظم الإِعجاز. واختلف عند المالكية في الاقتصار على بعض سورة. فقيل: مكروه (٣)، لأنه خلاف ما مضى به العمل.

стр. 1520

وقيل: جائز، لأن الرسول ﷺ قد قرأ بعض سورة في صلاة الصبح. قال صاحب "البيان والتقريب": إنما فعل ذلك، في الصبح لأنه ﵊ أخذته سعلة فركع. فلا حجة فيه للجواز، والأحسن عندهم الاقتصار على سورة، لأنه عمل السلف. وقيل: تجوز الزيادة عليها لقول ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة، سورتين في كل ركعة. وأجيب عن هذا: بأن ذلك محمول على النوافل. [و] (١) مشهور مذهب مالك: أنه لا يقسم سورة في ركعتين. فإن فعل أجزأه. وقال مالك في "المجموعة": لا بأس به، وما هو الشأن. الحادي عشر: فيه تطويل الأولى على الثانية في الصبح والظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء، وقد اختلف العلماء في ذلك من الشافعية وغيرهم، والاختلاف وجهان لأصحاب الشافعي: أشهرهما: عندهم وهو المنصوص أيضًا، أنه لا يطول الأولى على الثانية، وهو مخالف لظاهر هذا الحديث [وتأولوه] (٢) على أنه

стр. 1521

طول بدعاء الافتتاح والتعوذ لا في القراءة، أو على أنه أحس بداخل، وفي هذا [الحمل] (١) ضعف؛ لأن السياق للقراءة والانتظار لا يستحب إلَّا في التشهد والركوع لا في القيام (٢). وحديث أبي قتادة فيه (٣). والثاني: وهو الصحيح (٤) [كما] (٥) قال البيهقي، واختاره أبو الطيب والمحققون، ونقله القاضي أبو الطيب عن عامة أصحابنا الخراسانيين: يطول القراءة في الثانية قصدًا لظاهر السنة، فعلى هذا من قال من أصحاب الشافعي باستحباب السورة في الأخيرتين اتفقوا على أنها أخف منها في الأوليين. واختلفوا في تطويل الثالثة على الرابعة إذا قلنا بتطويل الأولى على الثانية على طريقين: أحدكما: لا، جَزْمًا لعَدم النص فيها، كذا علله النووي في

стр. 1522

(شرح المهذب)، وليس كذلك، ففيه حديث في (التلخيص) (١) للخطيب من حديث نعيم بن طرفة، عن عبد الله بن أبي أوفى في الظهر والمغرب. والثانية: طرد الخلاف [وهي] (٢) طريقة الرافعي، ثم اعلم أنه ليس في الحديث تعرض لتطويل الصلاة بالقراءة ولا قصرها، وقد ثبت في الصحيح بيان ذلك. تبيه: قال الشيخ تقي الدين في [باب] (٣) صلاة الكسوف: كان السبب في تطويل الأولى، على الثانية أن النشاط في الركعة الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرا من الملل، انتهى. وشبيه بهذا التعليل كما نبه عليه الفاكهي التعليل عند النحاة: لاختصاص الفاعل بالرفع والمفعول بالنصب. قالوا: لأن الإِنسان يتناول الفاعل أولًا بقوة، ثم يتناول المفعول بعد بضعف، فأعطى لي الأول الأثقل، وهو الرفع، وأعطى في الثاني الأخف وهو النصب (٤). ثم اعلم بعد ذلك أنه ﵊ اعتبر خلاف معنى المناسبة السالفة في قيام الليل، فقال: "إذا قام أحدكم من

стр. 1523

الليل فليصل ركعتين خفيفتين، ثم ليطول ما شاء" (١) وكان المناسبة في ذلك استدراج النفس من التخفيف إلى حلاوة التثقيل وهو التطويل، وكذلك ذكر العلماء مناسبة شرعية السنن الراتبة قبل الصلوات، وكذلك إذا اعتبرت مناسبة التنزيل للكتاب العزيز وشرعية الأحكام وتكثيرها، فإنك تجدها مستدرجة من التخفيف والتقليل إلى التثقيل والتكثير، ليكون أثبت وأبعد من الملل، ولهذا قال ﵊: "خذوا من العمل ما تطيقون" (٢) (٣). الثاني عشر: اعلم أن مجرد فعله ﵊ لا يدل على الوجوب إلَّا أن يتبين أنه وقع بيانًا لمجمل [فقد] (٤) أُدعي في كثير من أفعاله ﵊ التي قصد إثبات

стр. 1524

وجوبها: أنها بيان له، لمن ذلك في هذا المحل خارج عما أُدعي، فإنه ليس في قراءته ﵊ السورة مع الفاتحة هنا إلَّا مجرد فعل فافترقا، وقد قدمت في الباب قبل هذا اختلاف السلف في وجوب قراءة السورة مع الفاتحة ودليله وعدمه. الثالث عشر: في الحديث أيضًا جواز إضافة تسمية الصلاة إلى وقتها. الرابع عشر: فيه الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار دون التوقف الخير على اليقين إذ لا [يتبين] (١) قراءة سورة إلَّا بسماع جميعها، وقد قال: "يسمع الآية أحيانًا"، فأخذ من سماع ذلك قراءة جميعها، اعتمادًا على هذه القرينة، ويبعد أن يكون تيقن ذلك بإخباره ﵊ عند فراغ الصلاة مع ما في لفظ "كان" من الإِشعار بالدوام كما سلف.

стр. 1525

الحديث الثالث ١٠١/ ٣/ ١٧ - عن جبير بن مطعم ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه هو أبو محمد. ويقال: أبو عدي قرشي مدني أسلم قيل عام خيبر، وقيل: يوم الفتح، وكان أحد الأشراف، قيل: إنه أول من لبس طيلسانًا بالمدينة. روي له ستون حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر، مات سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة أربع بالمدينة.

стр. 1526

ثانيها: هذا الحديث مما سمعه جبير من النبي ﷺ حال قدومه وهو مشرك في فداء الأسارى لا بعد إسلامه قال: "فوافقته وهو يُصلي بأصحابه المغرب أو العشاء، فسمعته يقرأ وقد خرج صوته من المسجد ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ قال فكأنما صدع قلبي"، رواه ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه (١) وبعض أصحاب الزهري يقول عنه في هذا الخبر: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فكاد قلبي يطير، فلما فرغ من صلاته كلمته في أسارى بدر، فقال: لو كان الشيخ أبوك حيًّا فأتانا فيهم شفعناه". ورواه الطبراني (٢) من حديث إبراهيم بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده إلى قوله: عن قلبي، قال الطبراني: ولا يحفظ لإِبراهيم هذا حديثًا مسندًا غير هذا. قلت: وإبراهيم (٣) هذا لا أعرف حاله، وهذا النوع من الأحاديث قليل، يعني التحمل قيل الإِسلام والأداء بعده ولا خلاف فيه. ثالثها: "سمعت" لا يتعدى إلَّا إلى مفعول واحد، كما سبق في أول الكتاب أنه الصحيح، وأن الفعل الواقع بعد المفعول في موضع

стр. 1527

الحال، فيقرأ في هذا الحديث في موضع الحال، أي سمعته في حال قراءته. رابعها: الطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو مدين. خامسها: فيه عدم التحرج بنقل اسم السور على لفظها ولا بدَّ، فإنه لو حكاها لقال: والطور. وقد جاء لذلك نظائر كثيرة. سادسها: فيه جواز قراءة سورة كذا خلافًا لمن منع، وقال: لا يقال إلَاّ السورة التي تذكر فيها البقرة مثلًا، لأن قوله بالطور تقديره بسورة الطور، وفي النهي حديث مرفوع لكنه ضعيف (١). سابعها: قراءته ﵊ في المغرب بالطور، معناه في الركعتين الأوليين التي يجهر فيهما بالقراءة لا في الثالثة منها، والذي استقر عليه العمل عند الفقهاء تقصير القراءة فيها، وهذا الحديث يخالفه، فإن الطور من أوساط سور القراءة [في الصلاة] (٢) ومثلها مشروع في العصر والعشاء لا في المغرب، وكذلك ما ثبت في قراءته ﷺ في المغرب بالأعراف (٣) فإما أن يحمل الحديثان على

стр. 1528

رجحان قراءتهما في المغرب [ويقتضيان] (١) الاستحباب أو على بيان جوازهما. والأفضل ما استقر عليه العمل من تقصير القراءة لكونهما غير متكرر قراءتهما، فيدلان على الجواز لا على رجحانها وفرق بين كون الشيء مستحبًا وبين كون تركه مكروهًا، كيف وقراءته ﵊ بالطور متقدمة، فإنه عقب غزوة بدر، وهي متقدمة، فإن ذلك كان في آخر السنة الثانية من الهجرة. قال الشيخ تقي الدين (٢): والصحيح عندنا أن ما صح من ذلك عن النبي ﷺ مما لم يكثر مواظبته عليه فهو جائز من غير كراهة لحديث جبير هذا وكحديث قراءة الأعراف فيها، وما صحت المواظبة عليه فهو في درجة الرجحان في الاستحباب، لا أن غيره مما [لم] (٣) يقرأه ﵊ مكروه.

стр. 1529

الحديث الرابع ١٠٢/ ٤/ ١٧ - عن البراء بن عازب ﵄: "أن النبي ﷺ في سفر فصلى العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه" (١). الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف براويه، وقد تقدم بيانه في باب الإِمامة وأنه صحابي ابن صحابي، وأنه مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين. وثانيها: هذا الحديث والذي قبله يتعلقان بكيفية القراءة في

стр. 1530

الصلاة، وقد ثبت عن النبي ﷺ في ذلك أفعال مختلفة في الطول والقصر، وصنف بعض الحفاظ فيها كتابًا مفردًا، والذي اختاره أصحابنا، التطويل في الصبح والظهر، والتقصير في المغرب والتوسط في العصر والعشاء، وغيرهم فوافق في الصبح والمغرب وخالف في الباقي. قال صاحب (الجلاب) (١) من المالكية: يُستحب تطويل القراءة في الصبح والظهر، والتخفيف في المغرب و [العشاء] (٢)، [والتوسط [في العصر] (٣). وقال الباجي (٤) في "المنتقى": يطول في الصبح ثم الظهر دونها ثم العشاء] (٥) دون ذلك، ويخفف في الباقي. وقال غيرهما: ثم العصر دون المغرب، ثم المغرب دونها. قلت: والذي استقر عليه العمل: التطويل في الصبح، والتقصير في المغرب، ولعل العلة في [مشروعية] (٦) ذلك انبساط النفس وانبعاثها للتطويل لراحتها [بالنوم] (٧) واستيقاظها بعده نشيطة

стр. 1531

بخلاف المغرب، فإنها عند الفراغ من السعي في النهار وعند حاجة الناس إلى عشاء صائمهم وأكلهم عقب تعبهم وشغلهم، فخففت القراءة بالتقصير [لذلك] (١) فحينئذٍ تكون قراءته ﵊ في العشاء (بالتين والزيتون)، وهي من قصار سور [...] (٢) القراءة لكونه في السفر وهو [مناسب] (٣) للتخفيف لتعب المسافر واشتغاله. وقد ذكر الغزالي في (الخلاصة) و (الإِحياء) (٤) و (البداية) و (عقود المختصر). والمُصْعَبيّ (٥) في (شرح المختصر) (٦): أن المسافر يستحب أن يقرأ في الصبح في الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وفيه حديث في المعجم الكبير للطبراني: في إسناده ضعيفان (٧).

стр. 1532

ثالثها: قى الحديث تخفيف القراءة في صلاة السفر كما مر. رابعها: فيه أيضًا تحسين الصوت بالقراءة، لأنه إذا حسنها في السفر مع أنه مظنة التعب والمشقة، ففي غيره أولى. خامسها: فيه أيضًا جواز قول: عشاء الآخرة مضافًا، والرد على الأصمعي في إنكاره ذلك، وأن ذلك من غلط العامة، وعزاه بعضهم إلى الشعبي أيضًا. ونقل الزناتي المالكي في (شرح الرسالة) عن ابن عبادة: أن ذلك من لحن الفقهاء، وهو من [العجب] (١) العجاب، وسيكون لنا عودة في الرد على هذه المقالة في الحديث الخامس من قوله باب جامع. سادسها: فيه أيضًا نقل أفعالة وأقواله وأحواله إلى أمته للعلم والعمل بها. سابعها: قوله: (في إحدى الركعتين) لم يذكر صفة قراءته في الركعة الأخرى، فيحتمل أن يكون إنما أدرك معه تلك الركعة خاصة، ويحتمل أن يكون أدرك معه جملة الصلاة، إلَّا أنه إنما استمع لقراءته في إحدى الركعتين فقط، وفيه بُعد.

стр. 1533

ثامنها: قوله: (أحسن صوتًا أو قراءةً منه) فيه احتمالان: الأول: أن تكون "أو" بمعنى الواو لأنه ﵊ كان أحسن الناس صوتًا وقراءةً. ثانيهما: أن تكون "أو" للشك [وأنه شك] (١) هل كان مستمعًا لحسن صوته خاصةً، أو لحُسن قراءته، فحُسن الصوت يرجع إلى طيب النغمة، وحُسن القراءة يرجع إلى حسن الأداء.

стр. 1534

الحديث الخامس ١٠٣/ ٥/ ١٧ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن ، فأنا أُحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: هذا الرجل المبعوث على السرية، اسمه كلثوم بن الهدم (٢).

стр. 1535

وقال ابن بشكوال في "مبهماته": هو قتادة بن النعمان الظفري.

стр. 1536

وأما ابن العطار فقال في "شرحه": لا أعلم اسمه في المبهمات، فاستفد أنت مما ذكرته لك. الثاني: "السرية" أحد السرايا وهي الطائفة التي يبعثها الإِمام من الجيش قبل دخول دار الحرب، يبلغ أقصاها أربعمائة، سُمّوا بذلك لكونهم خلاصة العسكر وخياره، مأخوذ من [التسري] (١)، وهو النفيس. وقيل: لأنهم يبعثون سرًّا وخفية وليس بالوجه لأن [لام] (٢) التسري راء وهذه [تاء] (٣) (وجاء: "خير السرايا أربعمائة رجل") (٤). والأصحاب: جمع صحب: كفرخ وأفراخ. ومفرد صحب: صاحب: كراكب وركب. فائدة: الصحابي كل مسلم رأى رسول الله ﷺ على الأصح،

стр. 1537

كما أوضحته في "المقنع في علوم الحديث"، وأسلفته في شرح الخطبة أيضًا. [الثالث] (١): فيه استحباب البعوث والسرايا والتأمير عليهم. الرابع: فيه أن أميرهم [يؤمهم] (٢) في صلاتهم. الخامس: فيه جواز قراءة سورتين مع الفاتحة في ركعة، وقد ثبت ذلك من فعله ﷺ ، ففي الصحيحين (٣) من حديث أبي وائل، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال ابن مسعود: هذًّا كهذِّ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل: سورتين في كل ركعة، وقد جاء بيان هذه السور في سنن أبي داود (٤)، الرحمن، والنجم في ركعة، واقتربت، والحاقة في ركعة، والطور، والذاريات في ركعة، وإذا وقعت، ونون في ركعة،

стр. 1538

وسأل سائل، والنازعات في ركعة، وويل للمطففين، وعبس في ركعة، وهل أتى، ولا أقسم في ركعة، وعم يتساءلون، والمرسلات في ركعة، والدخان، وإذا الشمس كورت في ركعة"، وزاد في رواية [ابن] (١) الأعرابي: "والمدثر والمزمل في ركعة" (٢). وفي (المعرفة) للبيهقي (٣): أن الشافعي [احتج] (٤) في جواز الجمع بين السور بما رواه لإسناده عن ابن عمر، وبما رواه في موضع آخر عن عمر أنه قرأ بالنجم فسجد فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى، قال الربيع: قلت للشافعي: أتستحب أنت هذا؟ قال: نعم، وأفعله يعني الجمع بين السور، قال البيهقي: أنا بجميع ذلك أبو سعيد نا [أبو] (٥) العباس، نا الربيع عن الشافعي. قلت: وهذا نص غريب في استحباب ذلك. فائدة: تتعلق بحديث ابن مسعود [الذي] (٦) أوردناه، وهي: أن إطلاق النظائر على هذه السور لعلَ المراد به اشتراك ما بينهما في الموعظة أو الحكم أو القصص أو [للتقارب] (٧) في القدر أو للمقارنة، فإن القرين يقال له: نظير.

стр. 1539

قال المحب الطبري في (أحكامه): وكنت أتخيل أن التنظير بين هذه السور لتساويهما في عدد الآي [حتى] (١) اعتبرتها فلم أجد شيئًا منها يساوي شيئًا، وقد ذكرت نظائر في عدّ الآي أحد وعشرون نظيرًا عدد آياتها متساوية: (الفاتحة، الماعون)، ([الأنفال] (٢)، الزمر)، (يوسف، الإِسراء)، (إبراهيم، نون)، (الجاثية (٣)، الحج، الرحمن)، (القصص، صاد)، الروم، الذاريات)، (السجدة، الملك، الفجر)، (حم السجدة، سبأ)، (فاطر، ق)، (الفتح، الحديد)، (الحجرات، التغابن)، (المجادلة، البروج)، (الجمعة، المنافقون)، ([الضحى، العاديات، القارعة)، (الطلاق، التحريم]) (٤)، (نوح، الجن)، (المزمل (٥)، [المدثر (٦)، القيامة، عم يتساءلون)، (الانفطار، سبح، العلق]) (٧)] (ألم نشرح، التين، لم يكن، الزلزله، ألهاكم)، (القدر، الفيل، تبت، الفلق)] (العصر، النصر، [الكوثر]) (٨)، قريش (٩). انتهى. وهو أكثر مما عدَّه أولًا.

стр. 1540

سادسها: قوله: "فيختم بقُل هو الله أحد"، فيه دليل على أنه كان يقرأ بغيرها، لكنه هل كان يقرأ بها مع غيرها في ركعة واحدة، ويختم بها في تلك الركعة، أم كان يختم بها في آخر ركعة يقرأ بها السورة؟، الظاهر الأول، والثاني يحتمله اللفظ، وعلى الأول يكون فيه دلالة على جواز الجمع بين سورتين في ركعة واحدة، كما أسلفته، وعلى جواز [لزوم] (١) قراءةً سورة بعينها خلافًا لمن أنكره. وفي صحيح البخاري (٢)، في باب الجمع بين سورتين في ركعة تعليقًا بصيغة جزم عن أنس: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأُ به افتتح بـ (قُل هو الله أحد)، حتى فرغ منها، ثم يقرأُ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه وقالوا: إنك تفتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها إن أحببتم أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر، فقال: يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك على لزوم هذه السورة من كل ركعة؟ فقال: إني أحبها، قال: "حبك إياها أدخلك الجنة".

стр. 1541

قلت: وهذا الإِمام يحتمل أن يكون هو المبعوث على هذه السرية، ويحتمل أن يكون غيره. سابعها: فيه أنه ينبغى للمسؤول العالم أن يسأل السائل عن قصده وسبب فعله. ثامنها: فيه أن هذا الذي صنعه لم يكن معهودًا عندهم ولهذا ذكره الصحابة للنبي ﷺ ، لكنه لما ذكر الوجه الذي كان من أجله يفعل ذلك أقره عليه. قيل: لأن ذلك كان في أول الإِسلام والترغيب في الدخول [فيه] (١)، فأقره لئلا يقع التنفير، ولا سيما عن هذه السورة التي تضمنت أصول التوحيد. تاسعها: قوله: "لأنها صفة الرحمن"، يحتمل أنها اختصت بصفات الرب -تعالى- دون غيرها، بمعنى عدم انحصارها فيها، لا أنها تضمنت جميعها. ويحتمل أن يضمر: ذكر، فيكون المراد فيها (ذكر صفة الرحمن) فعبر عن ذلك الذكر بالوصف، وإن لم يكن نفس الوصف، وغلت الحشوية (٢)، فقالوا: إنها نفس الوصف.

стр. 1542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1543

[عاشرها] (١): هذه السورة اشتملت على اسمين من أسمائه تعالى يَتضمنان جميع أوصاف كماله لم يوجدا في غيرها من جميع السور، وهما "الأحد" و"الصمد"، فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع صفات الكمال المعظمة، نبه على ذلك القرطبي في "شرحه" (٢)، قال: وبيانه أن الأحد والواحد وإن [اجتمعا] (٣) إلى أصل واحد لغةً، فقد افترقا استعمالًا وعرفًا، وذلك أن الهمزة المنقلبة [عن] (٤) أحَد منقلبة عن الواو من وحَد فهما من الوحدة وهي راجعة إلى نفي العَددَ والكثرة، غير أن استعمال العرب فيهما مختلف، فإن الواحد عندهم أصل العدد، من غير تعرض لنفي ما عداه والأحد [يثبت] (٥) مدلوله، ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا أكثر ما استعملته العرب في النفي، فقالوا: ما فيها أحد، (ولم يكن له كفوًا أحد)، ولم يقولوا: هنا واحد، فإن أرادوا الإِثبات قالوا:

стр. 1544

رأيت واحدًا من الناس، ولم يقولوا: هنا أحدًا. وعلى هذا، فالأحد في أسمائه تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره، وهو المعبر عنه بوجود الوجود، ورَبما عبَّر عنه بعض المتكلمين بأنه أخص وصفه. وأما الصمد: فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال، فإن الصمد الذي انتهى سؤدده بحيث يُصمد إليه في الحوائج كلها، أي يقصد، ولا يصح ذلك تحقيقًا إلَّا ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا يكمل إلَّا لله -تعالى- فهو الأحد الصمد الذي (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد)، فقد ظهر لهذين الاسمين، من شمول الدلالة على الله -تعالى- وصفاته، ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا مرجودين في شيء من سور القرآن. قلت: فلهذا علل حبه إياها بأنها صفة الرحمن. فائدة: ذكر ابن الخطيب لهذه السورة عشرين اسمًا سورة التفريد [التوحيد] (١)، سورة التجريد، الإِخلاص، النجاة، الولاية، النسبة (٢) لأنها نزلت حين قالوا: انسب لنا ربك، المعرفة، لما

стр. 1545

رُوي أنه ﵊ لما سمع قارئًا يقرؤها قال: "هذا عبد عرف ربه" (١) الجمال، المقشقشة، المبرية، المعوذة، الصمد، الأساس، المانعة، المحضر لأن الملائكة تحضر لسماعها، المنفرة لأن الشياطين تنفر عند قراءتها، البراءة، النور، في الحديث "نور القرآن قل هو الله أحد" (٢)، الأمان (٣). الحادي عشر: في هذا الحديث فضيلة هذه السورة، ولا يدل على أنها أفضل السور، بل أفضلها الفاتحة، قاله ابن العطار في "شرحه". قلت: ويؤيده ما أخرجه البخاري (٤) من حديث أبي سعيد بن المعلي، قال: قال رسول الله ﷺ : "لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد"، ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة (٥) في القرآن؟ قال: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي
следующие страницы →