← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1787

فالصلاة من الله -تعالى- معناها: الرحمة، كما سلف مع الخلاف فيه، فإذا قلنا: اللهم صل على محمد. فكأنا سألنا الله -تعالى- الرحمة لمحمد ﷺ ، ولا يسقط الأمر بقولنا: اللهم ارحم محمدًا، أو اللهم ترحّم على محمد دون الصلاة ولا بقولنا: اللهم صلِّ على أحمد. كما صححه النووي في (التحقيق). وقد وردت الرحمة مع الصلاة والتبريك في بعض الأحاديث الغريبة (١)، كما قال القاضي:

стр. 1788

واختلف علماء المالكية في قول ذلك. فقال بعضهم: لا يقال وهو اختيار ابن عبد البر وأجازه بعضهم وهو مذهب محمد بن أبي زيد وصححه القرطبي (١)، قال: فقد [جاء] (٢) ذلك في أحاديث كثيرة. وقال النووي في "شرح مسلم" (٣): المختار أنه لا يذكر الرحمة لأنه ﵊ علمهم الصلاة عليه بدونها وإن كان معناها الدعاء له بالرحمة فلا يفرد بالذكر. قلت: وقول القاضي عياض: أن ذكر الرحمة وردت في بعض الأحاديث الغريبة عجيب. وقد أقره النووي وغيره عليه، وقد صح في حديث كما ذكرته في تخريجي لأحاديث الرافعي فراجعه منه. ووقع في (الأذكار) (٤) للنووي أيضًا: أن هذا بدعة لا أصل لها أعني قوله: وارحم محمدًا وآل محمد، قال: وقد بالغ ابن العربي في (شرح الترمذي) في إنكار ذلك وتخطئة ابن أبي زيد وتجهيل فاعله. قلت: ومع صحة الحديث به زال هذا. السادس عشرة: الصلاة على الآل سنة، وعندنا وجه: أنها واجبة. وهو شاذ، لكن قد يتمسك له بلفظ الأمر في الحديث لكنه

стр. 1789

محجوج بإجماع من قبله في عدم الوجوب. ولذلك حكيت الوجوب قريبًا ولم أعبأ بهذا. السابع عشر: في إبراهيم (١) خمس لغات: "إبراهيم"، فـ"إبراهام"، و"إبراهَم" (٢) -بضم الهاء وفتحها وكسرها من غير ياء- وجمعه براهم وإبارة، ويجوز الواو والنون لاجتماع الشروط [فيه] (٣)، قالوا: ومعناه أب رحيم. قال الجواليقي (٤) وغيره: أسماء الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - كلها أعجمية إلَّا محمدًا وصالحًا وشعيبًا وآدم. قال ابن قتيبة (٥): وتحذف الألف من الأسماء الأعجمية: كإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وإسرائيل، استثقالا كما ترك صرفها، وكذا سليمان، وهارون، فأما ما لا يكثر استعماله منها كهارون، وماروت، وقارون، وطالوت، وجالوت، فلا تحذف الألف في شيء [منها] (٦)، ولا يحذف من (داود) وإن كان مشهورًا لأنه حذف إحدى الواوين فلو حذفت الألف أجحف به. وأما ما كان على وزن فاعل: كصالح، ومالك، وخالد،

стр. 1790

فيجوز إثبات ألفه وحذفها بشرط كثرة استعماله، فإن قلَّ، كسالم، وحامد، وجابر، وحاتم، لم يجز حذف الألف، وما كثر استعماله ودخلت الألف واللام تحذف ألفه معها وإثباتها مع حذفهما تقول: قال الحارث لئلا تشتبه بحرث، ولا تحذف من عمران، ويجوز حذفها وإثباتها في عثمان وسفيان ونحوهما بشرط كثرة استعمالهما. الثامن عشر: شرعت الصلاة عليه ﷺ هنا توطئة للصلاة على آله، ولذلك لم [تفرد] (١) الصلاة عليهم في رواية من الروايات، وليقرب نجاحنا في المطلوب بعد التشهد في الصلاة عليه، لأن العرب كانت تستفتح في خطاب المطالب التي يجتمعون لها بذكر تقديم ذكر المعبودات والأكابر، فجاءت الشريعة بتقديم التوحيد ثم الصلاة عليه ﷺ . قاله صاحب الإِقليد، وقد يقال: إنما شرعت ها هنا وإن كان غنيًّا بما [أعطاه] (٢) الله، لأنه قد أحسن إلينا فوجب علينا مكافأته [بصلاتنا] (٣) عليه جزاء لإِحسانه [إلينا] (٤) والمحسن تجب الزيادة في الإِحسان إليه وإن كان غنيًّا. التاسع عشر: قوله: "إنك حميد مجيد" قال أهل اللغة والمعاني والمفسرون: الحميد: بمعنى المحمود، وهو الذي تحمد أفعاله، والمستحق لأنواع المحامد.

стр. 1791

والمجيد: الماجد وهو من كمل في الشرف والكرم والصفات المحمودة، فحميد: صيغة مبالغة بمعنى المحمود. ومجيد مبالغة من ماجد. يقال: مجد الرجل، ومجد -بالضم والفتح- يمجد -بالضم- فيهما مجدًا ومجادة، فيكون مجيد: كالتعليل لاستحقاق الحمد بجميع المحامد. قال الشيخ تقي الدين: ويحتمل أن يكون حميد مبالغة من حامد، ويكون ذلك كالتعليل للصلاة المطلوبة، فإن الحمد والشكر يتقاربان، فحميد قريب من معنى شكور، وذلك مناسب لزيادة الإِفضال والإِعطاء لما يراد من الأمور العظام، وكذلك المجد والشرف مناسبة لهذا المعنى ظاهرة (١). العشرون: البركة هنا: الزيادة والنماء من الخير والكرامة. وقيل: الثبات على ذلك، من قولهم: بركت الإِبل، أي: ثبتت على الأرض، ومنه بركة الماء. وقيل: هي بمعنى التطهير من العيوب كلها، والتزكية عن

стр. 1792

المعائب، وهو أحد التأويلات في قولهم: تبارك الله (١).

стр. 1793

الحادي والعشرون: اختلف أرباب المعاني في فائدة قوله: "كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم" وإن كان المصنف لم يذكر في روايته إبراهيم على تأويلات كثيرة. أظهرها: كما قال القاضي (١) والقرطبي (٢): أن نبينا

стр. 1794

[محمدًا] (١) ﷺ سأل ذلك لنفسه وأهل بيته ليتم النعمة عليهم والبركة كما أتمها على إبراهيم وآله. ثانيها: أنه سأل ذلك لأمته ليثابوا على ذلك. ثالثها: أنه سأل ذلك ليبقى له ذلك إلى يوم [القيامة] (٢) ويجعل لديه لسان صدق في الآخرين كما فعله لإِبراهيم. رابعها: أنه سأل ذلك له ولأمته. خامسها: أن ذلك كان قبل أن يعرف [] (٣) ﵊ بأنه أفضل الخلق، ويطلع على علو منزلته. سادسها: أنه سأل أن يصلي عليه صلاة يتخذه بها خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، وقد جاء في الصحيح آخر أمره: "ولكن صاحبكم خليل الرحمن" (٤). وقد جاء أنه حبيب الرحمن. وقال

стр. 1795

أيضًا: "أنا حبيب الله ولا فخر" (١). ذكره الترمذي فهو الخليل والحبيب. وقد اختلف العلماء: أيهما أشرف أو هما سواء بمعنى وفضل أكثرهم: رتبة المحبة وإبراهيم وغيره من الأنبياء تحت لوائه يوم القيامة. فإن قلت: فلم خص التشبيه بإبراهيم دون غيره من الرسل والجواب من أوجه: أحدها: لأنه سأل الله أن يجعل له لسان صدق في الآخرين. ثانيها: لأنه سمانا مسلمين من قبل، فله علينا منّة عظيمة فجازيناه بأن خصينا التشبيه به. ثالثها: لأن نبينا دعوة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (٢) الآية فخصص به. الثاني والعشرون: لم يزل الناس يوردون في هذا الحديث السؤال المشهور، وهو أن المشبه به أعلا من المشبه (٣)، ونبينا

стр. 1796

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1797

محمد ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين إجماعًا، فكيف تكون الصلاة عليه مشبهة بالصلاة على إبراهيم، وقد اختلف الناس، فيه على أجوبة. أحدها: أن التشبيه إنما وقع في [أصل] (١) الصلاة، لا في قدرها، كقوله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢)، فالتشبيه إنما وقع في أصل الصيام لا في

стр. 1798

عينه ووقته [ولقوله] (١) -تعالى-: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٢) الآية، ومن المعلوم أن التشبيه إنما [وقع] (٣) في أصل الإِيحاء لا في الشيء الموحى، لأنه غيره قطعًا، وكقوله -تعالى-: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ﴾ (٤) الآية. إنما أراد النبوة ولم يرد تعيين النعمة التي أنعم بها عليهم، وهذا الوجه لعله أقوى من كل ما سيأتي. وإن كان الشيخ تقي الدين قال: إنه ليس بالقوي. ثانيها: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة على الآل فيكون الكلام تم عند قولهم: اللهم صل على محمد، ويكون منقطعًا عن التشبيه ويكون قوله: "وعلى آل محمد" متصل بما بعده فيكون المسؤول لهم مثل ما لإِبراهيم وآله، حكاه بعض أصحاب الشافعي عنه، وفيه من الإِشكال أن غير الأنبياء لا يمكن أن يساويهم، فكيف يطلب ما لا يمكن وقوعه. ثالثها: أن التشبيه إنما وقع في الصلاة مقابلة للمجموع من النبي وآله بالمجموع من إبراهيم وآله، ومعظم الأنبياء هم آل إبراهيم، فكأنه سأل مقابلة الجملة بالجملة، لا المقدار بالمقدار، لأنه إذا تعذر أن يكون لآل الرسول مثل ما لآل إبراهيم الذي هم

стр. 1799

[الأتباع] (١) من الأنبياء وغيرهم كان ما يوفر من ذلك [حاصلًا] (٢) للنبي ﷺ ، فيكون زائدًا على الحاصل لإِبراهيم، والذي يحصل من ذلك هو آثار الرحمة والرضوان، ومن كانت في حقه أكثر فهو أفضل، ذكره الشيخ عز الدين. وقال المحب الطبري في "أحكامه" قوله: إنه يتعذر أن يكون لآل الرسول مثل ما لآل إبراهيم ممنوع، وما المانع بأن يحصل لهم من الرحمة مثل ما حصل لهم ببركة الدعاء. رابعها: أن الأمر بالصلاة علّة للتكرار بالنسبة إلى كل صلاة في حق كل مصلٍّ، فإذا اقتضت في حق كل مصل حصول صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم كان الحاصل لنبينا - عليه أفضل الصلاة والسلام - بالنسبة إلى مجموع الصلوات أضعافًا مضاعفة لا ينتهي إليها العد والإِحصاء. وإن قيل: التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة والفرد منها، فالإِشكال حاصل. والجواب ما قاله الشيخ تقي الدين: إن الأمر هنا للتكرار بالاتفاق، وحينئذ فالمطلوب من المجموع حصول مقدار لا يحصى من الصلوات بالنسبة إلى المقدار الحاصل لإِبراهيم ﵊. خامسها: ذكره ابن الصلاح، وقرره الشيخ تقي الدين: أنه

стр. 1800

لا يلزم من مجرد السؤال لصلاة مساوية لإِبراهيم المساواة أو عدم الرجحان عند السؤال، وإنما يلزم ذلك إذا لم يكن ثابتًا لنبينا [محمد] (١) صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم أو زائدة عليها، فأما إذا كان ذلك له، فالمسؤول إنما هو صلاة زائدة على ما أعطيه مضافًا إليه، ويكون ذلك الزائد مشتبه بالصلاة على إبراهيم، وليس [بمستنكر] (٢) أن يسأل الفاضل أن يمنح فضيلة أعطيها المفضول ليساويه في تلك الفضيلة، منضمًا إلى ما له من الفضائل التي ليست لذاك. مثال هذا: [ما إذا] (٣) أعطى الملك رجلًا أربعة آلاف، وأعطى آخر [ألفين] (٤)، فسئل أن يعطي صاحب الأربعة أيضًا ألفين كما أعطى الآخر فإذا حصلت له انضمت إلى الأربعة المتقدمة، فيصير المجموع: ستة آلاف، فيحصل الرجحان (٥). الثالث والعشرون: احتج بهذا الحديث من أجاز الصلاة على غير الأنبياء، فإن أراد بالجواز على سبيل التبعية لهم فمسلم، وإن أراد على سبيل الاستقلال فممنوع، مع أن الصلاة والتسليم

стр. 1801

[لم يؤمر] (١) بهما على سبيل الجمع في القرآن، إلَّا عليه ﷺ ولم يخبر الله -تعالى-[عن] (٢) نفسه الكريمة وعن ملائكته بالصلاة فقط [إلَّا على نبيه - عليه أفضل الصلاة والتسليم - وأما السلام فقط] (٣)، فقد سلم الله -تعالى- في سورة والصافات: على المرسلين، دون الصلاة. وقد أمر الله -تعالى- نبيه محمدًا بالسلام على المؤمنين بالآيات إذا جاءه فقال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ﴾ (٤) الآية. وقد أجمع العلماء على الصلاة على نبينا محمد ﷺ ، وكذلك أجمع من يعتد به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالًا. وما حكي [عن] (٥) مالك من أنه لا يصلي على أحد من الأنبياء سوى محمد ﷺ فشاذ، كما قاله القرطبي (٦)، وهي مأولة عليه بأنّا لم نتعبد بالصلاة على غيره. وأما غير الأنبياء من مؤمني الآدميين من هذه الأمة [] (٧). فذهب مالك والشافعي والأكثرون: إلى أنه لا يصلى عليهم استقلالًا، فلا يقال: اللهم صل على أبي بكر مثلًا، ولكن يصلى

стр. 1802

عليه تبعًا، والحديث يدل على ذلك خصوصًا على مذهب المحققين في أن الآل كل المؤمنين. واختلف أصحابنا في هذا المنع على أوجه: أصحها: أنه للتنزيه لا للتحريم، لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، ولأن الصلاة في لسان السلف صارت مخصوصة بالأنبياء استقلالًا، كما أن قولنا: مخصوص بالله -تعالى- فكما لا يقال: محمد وإن كان عزيزًا جليلًا لا يقال أبو بكر أو علي صلَّى الله عليه وإن كان معناه صحيحًا. وذهب الإِمام أحمد وجماعة: إلى جواز الصلاة على كل واحد من المؤمنين استقلالًا. واحتجوا: بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (١)، وبقوله ﵇: "اللهم صل على آل أبي أوفى" فإنه ﵊ كان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليهم" (٢).

стр. 1803

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1804

وأجاب الأكثرون: بأن هذا النوع من الصلاة مأخوذ من التوقيف وعمل السلف، ولم ينقل استعمالهم ذلك، بل خصوا به الأنبياء كما ذكرنا. وأجابوا عن الآية الكريمة والحديث المذكورين وغيره من الأحاديث أنه من الله ورسوله دعاء وترحم، وليس فيه معنى التعظيم والتوقير الذي يكون من غيرهما. واتفق العلماء على جواز جعل غير الأنبياء من الأتباع والذرية والأزواج تبعًا لهم في الصلاة للأحاديث الصحيحة في ذلك وفي الأمر به في أحاديث التشهد والصلاة عليه. وفي السلام عليه ﷺ ، ولم يزل السلف على العمل به خارج الصلاة أيضًا. وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجويني: إنه في معنى الصلاة، فإن الله -تعالى- قرن بينهما فلا يفرد به غائب غير الأنبياء، ولا بأس به، أي بل هو سنة للأحياء والأموات من المؤمنين: فيقال: سلام عليكم (١).

стр. 1805

[الرابع والعشرون] (١): إذا قلنا بجواز الصلاة على غير الأنبياء تبعًا لهم، فهل تكون التبعية للصلاة على رسول الله ﷺ أو تكون متابعة للصلاة على كل نبي، الأمر في ذلك محتمل. [الخامس والعشرون] (٢): في الحديث تنزيل مراتب الأنبياء وغيرهم ويقيس الإِنسان مراتبهم، فلا يقدم أخيرًا على أول. السادس والعشرون: إن تقديم [ذكر] (٣) الشيء في كتاب الله لا يوجب العمل تقديمه، فإن الله -تعالى؛؛ قدم الأمر بالصلاة عليه ﷺ على السلام، والسلام مقدم في الحديث (٤)، وهذا يدلك أن الواو تقتضي مطلق الجمع لا الترتيب.

стр. 1806

السابع والعشرون: فيه فضل النبي ﷺ وفضل الصلاة عليه والتسليم، وقد روينا في فضلهما والترغيب فيهما وما يترتب عليهما من: رفع الدرجات، وتكفير السيئات، وتكثير الحسنات، وقضاء الحاجات، ورفع الحجب، واستجابة الدعوات: أحاديث كثيرات. واعلم أن ابن العطار ﵀ قال: يؤخذ من هذا الحديث أيضًا أنه يستحب للإِنسان أن يبدأ بنفسه في الدعاء حيث قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. هذا لفظه، وهذا عجيب، فإن هذا لم يذكر في هذا الحديث، نعم يؤخذ هذا من الحديث الذي قبله فاعلمه (١).

стр. 1807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1809

الحديث الثالث ١٢٣/ ٣/ ٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ : "يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال" (١). وفي لفظ لمسلم: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم" (٢).

стр. 1810

ثم ذكر نحوه. الكلام عليه من أربعة عشر وجهًا: الأول: لفظ مسلم هذا هو من أفراده، كما شهد له بذلك أيضًا عبد الحق وغيره. وأما النووي في "شرح المهذب" و"الأذكار" (١) فعزاه إلى البخاري أيضًا، وكأنه أراد أصل الحديث، فإن البخاري أخرجه باللفظ الأول في باب الجنائز من صحيحه في باب التعوذ من عذاب القبر. الثاني: قد تكرر أن: "كان" هذه تدل على المداومة والتكرار. الثالث: ظاهر الرواية الأولى عموم الدعاء بذلك، أعني في الصلاة وغيرها بخلاف رواية مسلم الثانية، فإنها دالة على استحباب هذا الدعاء آخر الصلاة قبل السلام، وفي "صحيح (٢) مسلم" أنه ﵊ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، وأن طاوسًا ﵀ أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع به فيها، وهذا كله دليل على تأكيد هذا الدعاء والتعوذ والحث الشديد عليه، وظاهر كلام طاوس أنه حمل الأمر به على الوجوب فأوجب الإِعادة بفواته (٣). وإليه ذهب أهل الظاهر والجمهور على خلافه، ولعله أراد تأديب ابنه وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد وجوبه.

стр. 1811

الرابع: دعاؤه ﵊ واستعاذته من هذه الأمور التي عوفي منها وعصم، إنما فعله ليلزم خوف الله وإعظامه والافتقار إليه؛ لتقتدي أمته به، وليبين لهم صفة (١) الدعاء والمهم منه. فأجاب بعضهم عن استعاذته من الدجال: بأنه يحتمل أن ذلك قبل أن يعلم أنه لا يدركه، ويحمل التعوذ من فتنة تشبه فتنته. والجواب القوي ما قدمناه أولًا (٢). الخامس: القبر واحد القبور والمقبرة مثلثة الباء [واحدة المقابر] (٣) وقد جاء في الشعر المقبر: قال لكل قوم مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد وقبرت الميت أقبره بضم الباء وكسرها قبرًا، أي دفنته وأقبرته. أمرت بأن يقبر.

стр. 1812

وقال ابن السكيت: أقبرته: صيرت له قبرًا يدفن فيه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ (١): أي جعله ممن يقبر ولم يجعله ملقى للكلاب وكأن القبر مما أكرم به بنو آدم. السادس: الحديث مصرح بإثبات عذاب القبر وفتنته، وهو مذهب أهل السنة والحق، والإِيمان به واجب، وهو متكرر مستفيض في الأحاديث، وقد سلف الكلام في ذلك في الحديث السادس من باب الاستطابة واضحًا ومن خالف فيه. السابع: فيه الإِيمان بالنار، وأنها مخلوقة موجودة، وقد ثبتت الاستعاذة منها في غير حديث. الثامن: الفتنة قال أهل اللغة: هي الامتحان والاختبار. قال القاضي عياض: لكن عرفها في اختبار كشف ما يكره. يقال: فتنت الذهب إذا أدخلته النار ليختبر، وينظر ما جودته، ودينار مفتون. قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢). ويسمى الصائغ: الفتان. وكذلك الشيطان. وقال الخليل: الفتن: الإِحراق. قال -تعالى-: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ (٣) ويقال: افتتن الرجل وفتن فهو مفتون، إذا أصابته فتنة فذهب ماله أو عقله، وكذلك إذا اختبر قال -تعالى-: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (٤) والفتون: أيضًا الافتتان فيتعدى ولا يتعدى. وأنكر

стр. 1813

الأصمعي (١)، أفتنت بالألف. وقال الفراء (٢): أهل الحجاز يقولون: ما أنتم عليه بفاتنين. وأهل نجد يقولون: بمفتنين من أفتنت. التاسع: فتنة المحيا والممات، أي الحياة والموت. فتنة المحيا ما يتعرض له الإِنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات والجهالات وأشدها وأعظمها والعياذ بالله منه أمر الخاتمة عند الموت. وفتنة الممات قيل المراد فتنة القبر. وقد صح عنه ﷺ الاستعاذة من عذاب القبر وفتنة القبر: كمثل أو أعظم من فتنة الدجال، ولا يكون من هذا الوجه متكررًا مع قوله: "من عذاب القبر" لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب. ولا يقال: إن المقصود زوال عذاب القبر، وإن الفتنة نفسها أمر عظيم وهو شديد يستعاذ بالله من شره. ويجوز أن يراد بفتنة الممات: الفتنة عند الموت، وأضيفت إلى الموت لقربها منه عند الاحتضار، وقبله بقليل، وتكون فتنة المحيا على هذا ما يقع قبل ذلك في مدة الحياة للإِنسان، ويصرفه في الدنيا، فإن ما قارب الشيء يُعطى حكمه، فحالة الموت تشبه بالموت، فلا تعد من الدنيا فعلى هذا يكون الجمع بين فتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال من باب ذكر الخاص بعد العام ونظائره [كثيرة] (٣)، وخصت فتنة المسيح بالذكر لأجل الاهتمام.

стр. 1814

ويحتمل أن يراد بفتنة المحيا والممات: حالة الاحتضار وحالة المسائلة في القبر، فكأنه استعاذ من [فتنة] (١) هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما كما قال الله -تعالى-: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٢) الآية. تنبيه: ذكر في الحديث التعوذ من أربع، وعند المحيا والممات واحدًا، وهي في الحقيقة خمسة. وأجاب بعضهم: بأنه لو عدها خمسًا لكانت وترًا، والغالب في الوتر في الشريعة أنه لا يذكر إلَّا في شيء محبوب، وهذه الأربعة مكاره، لكن [روى] (٣) عبد بن حميد (٤) في مسنده من حديث أبي هريرة: "استعيذوا بالله من خمس" فذكرهن. العاشر: ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور حيث أمرنا بها في كل صلاة، وهي حقيقة بذلك لعظم الأمر فيها، وشدة البلاء في وقوعها، ولأن أكثرها أمور إيمانية غيبية، فيكررها على الأنفس بجعلها ملَكَةً لها. الحادي عشر: الرواية الثانية في الكتاب فيها زيادة كون الدعاء

стр. 1815

مأمورًا به بعد التشهد، والمراد [به] (١) الأخير، كما جاء في الحديث الآخر في مسلم (٢) أيضًا، "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع"، وهو ظاهر لبناء الأول على التخفيف. وأما الشيخ تقي الدين فقال: هذا الحديث عام في التشهد الأول والأخير، وقد اشتهر بين الفقهاء استحباب التخفيف في التشهد الأول، وعدم استحباب الدعاء بعده، حتى سامح بعضهم في الصلاة على الآل فيه، وقد يكون إذا ورد تخصيمة بالأخير متمسكًا لهم من باب حمل المطلق على المقيد أو من باب حمل [الخاص على العام] (٣) وفيه بحث. قال: والعموم الذي ذكرناه يقتضي الطلب لهذا الدعاء فمن خصه، فلا بد له من دليل راجح وإن كان نصًا فلا بد له من صحته، هذا كلامه وقد علمت أيها الناظر ورود النص المخصص لذلك وصحته والحمد لله. [الثاني عشر: [الأول] (٤) امتثال الأمر بقول ما أمر به الرسول ﷺ وإن كان يمكن التعبير بغير هذا اللفظ وهو جائز لحصول المقصود به، فإن معنى أعوذ: أعتصم. الثالث عشر: في الحديث الرد على أبي حنيفة حيث منع في الصلاة إلا بألفاظ القرآن العظيم] (٥).

стр. 1816

[الرابع عشر] (١): المسيح الدجال هو عدو الله الكذاب. سمي دجالًا لتمويهه وتغطيته الحق. وحكي [عن] (٢) ثعلب: أن الدجال: الكذاب (٣). وذكر القرطبي في تفسير (٤) قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ (٥) أن اسم الدجال: صاف، ويكنى أبا يوسف. قال: وهو يهودي. وجمعه: دجالون (٦). والمسيح -بفتح الميم وتخفيف السين- على المشهور. وقيل: -بكسر الميم وتخفيف السين وتشديدها-. وقيل: كذلك لكن بالحاء المعجمة. وسمي بذلك: [لكونه] (٧) ممسوح العين. وقيل: لأنه أعور. وقيل: لمسحه الأرض عند خروجه. فعيل بمعنى فاعل، فمسحه الأرض بمحنه، وعيسى ﵇ يمسحها منحة.

стр. 1817

قال أبو عبيد: وأصل المسيح بالعبرانية بالشين فعرب كما عرب موشى بموسى (١) وفي صحيح مسلم (٢) من حديث أنس: " [ليس] (٣) من بلد إلَّا سيطأه الدجال الَاّ مكة والمدينة" وفي حديث ابن عمرو إلَّا: "الكعبة وبيت المقدس" (٤) ذكره [الطبري] (٥)، وزاد الطحاوي من حديث جنادة بن أبي أمية عن بعض الصحابة "ومسجد الطور" (٦) وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة: وأنه سيظهر على الأرض كلها إلَّا الحرم وبيت المقدس (٧)

стр. 1818

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1819

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1820

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1821

وأنه يحصر المؤمنين [في] (١) بيت المقدس وأخباره شهيرة أعاذنا الله منه.

стр. 1822

الحديث الرابع ١٢٤/ ٤/ ٢٢ - عن عبد الله [بن] (١) عمرو بن العاص، عن [أبي بكر] (٢) الصديق ﵄ أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلَّا أنت، فأغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٣).

стр. 1823

الكلام عليه من وجوه: وهو من أحسن الأدعية، فإن فيه الاعتراف بالذنب الذي هو: كالمانع من الإِنعام، فإن ظلم النفس ذنب، والاعتراف به أقرب إلى المحو، كما سيأتي. الوجه الأول: في التعريف بعبد الله بن عمرو وقد سلف في الطهارة. الثاني: في التعريف بالصديق واسمه عبد الله بن عثمان القرشي التيمي، وقيل: عتيق. وأمه: أم الخير سلمى (١). أسلم أبواه. روى عنه ولده عبد الرحمن وعائشة، وعمر، وعلي، وخلق، وروي له مائة حديث واثنان وأربعون حديثًا. اتففا منها على ستة وانفرد البخاري بأحد عشر [ومسلم] (٢) بواحد. وكان أول الناس إسلامًا من الرجال. هاجر وشهد المشاهد، ومناقبه أفردت بالتصنيف، وترجمته في "تاريخ دمشق" في مجلد ونصف. ولي الخلافة ستة وعشرين شهرًا، ومات سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة. ودفن بالحجرة النبوية، وترجمته أبسط من هذا فيما [أفردناه] (٣) في الكلام على رجال هذا الكتاب فراجعه منه. وفي سنن أبي داود (٤) من حديث أبي خالد

стр. 1824

الدالاني عن أبي خالد مولى الجعدة عن أبي هريرة مرفوعًا: "أن أبا بكر أول من يدخل الجنَّة من هذه الأمة". فائدة: مات والد الصديق في المحرم سنة أربع عشرة وهو ابن سبع وتسعين سنة. [ومات] (١) الصديق قبله، فورث منه السدس، ورده على ولد أبي بكر. وذكر أبو قتادة: أن أبا قحافة أول مخضوب في الإِسلام، ولم ينل الخلافة رجل أبوه حي إلَّا اثنان: أبو بكر، والطائع من ولد العباسي، ذكر ذلك كله الحافظ محب الدين الطبري في أحكامه في الكلام على الاستخلاف.

стр. 1825

الثالث: تقدم الكلام على لفظ: "اللهم" في الباب الذي بعد كتاب الطهارة. وقوله: "ظلمت نفسي" أي بملابسة ما يوجب عقوبتها أو بما ينقص حظها. والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه ومنه قولهم: "من أشبه أباه فما ظلم" أي لم يضع الشبه في غير موضعه. ومنه المظلومة: الجلد، وهي الأرض التي لم يأتها المطر في وقته. والظلم في أحكام الشرع على مراتب، أعلاه الشرك، ثم ظلم المعاصي [وهي] (١) على مراتب. الرابع: النفس تذكر وتؤنث، قال -تعالى-: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ (٣). والنفس قيل هي الروح، والخلاف في ذلك أعني في أن النفس هي الروح أم [لا] (٤) حتى قيل: إن فيها ألف قول للعلماء (٥). والظاهر أن المراد هنا بالنفس الذات أي ظلمتها [فوضعت] (٦) المعاصي موضع الطاعات.
следующие страницы →