← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الْبَيِّنَاتِ﴾ (١) إلى قوله ﴿الرَّحِيمُ﴾ (٢). وكان يقول: إخواننا من المهاجرين شغلهم الصفق في الأسواق، وإخواننا من الأنصار شغلهم العمل في أموالهم. رآه أبو بكر بن داود في المنام، وقال له: إني أحبك، فقال: أنا أول صاحب حديث كان في الدنيا. ولقي مرة كعبًا فجعل يحدثه ويسأله، قال كعب: ما رأيت أحدًا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة. وكان ﵁ من أصحاب الصفة، قال أبو نعيم في الحلية: كان عريفهم وأشهر من سكنها، قال البخاري: روى [عنه] (٣) أكثر من ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع. قلت: وكان أحد من يفتي بالمدينة مع ابن عمر وابن عباس. وكان يسبح في اليوم اثنتي عشر ألف تسبيحة، وكان يدمن من الصيام والقيام والضيافة. ولي المدينة لمعاوية ثم عزل بمروان، وكان يمر بالسوق يحمل الحزمة [من] (٤) [الحطب] (٥). وهو يقول: أوسعوا الطريق للأمير -كان فيه دعابة ﵁ قال له عمر: كيف وجدت الإِمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها. وأتاه بأربعمائة ألف

стр. 212

من البحرين وعزله، ثم أراده على العمل فأبى. ولم يزل يسكن المدينة، وكان ينزل ذا الحليفة وله بها دار تصدق بها على مواليه فباعوها من عمرو بن بزيغ. وصلى على عائشة ﵂ وأم سلمة [زَوْجَي] (١) النبي ﷺ . وكان يقول لبنته: "لا تلبسي الذهب فإني أخشى عليك اللهب". وقال أبو عثمان [النهدي] (٢): تضيفت أبا هريرة سبعًا فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا يصلي هذا ثم يوقظ الآخر فيصلي ثم يوقظ الثالث. ومات بها، وقيل: بالعقيق، ودفن بالبقيع، وأما ما اشتهر [بأن] (٣) قبره بقرية بسناجية (٤) بالقرب من عسقلان، وعقد عليه الملك الأشرف ابن منصور قبة، ورأيته مرجعي من القدس الشريف فليس بصحيح، بل ذاك قبر جندرة بن حبشية أبي قرصافة (٥) كما نص عليه ابن حبان في الصحابة في أول كتابه "الثقات"، فتنبه له. ولد ﵁ سنة إحدى وثلاثين من الفيل، قاله [العتيقي] (٦) في "تاريخه"، وفي وفاته أقوال: أحدها: [سنة سبع

стр. 213

وخمسين، وفيها ماتت عائشة ﵂. ثانيها: سنة ثمان. ثالثها] (١): سنة تسع قال النوي في "شرح مسلم" (٢): وهو الصحيح. وقال ابن حبان في "ثقاته": مات [سنة] (٣) سبع أو ثمان. وقيل: مات ستة خمس، وقيل: ست، حكاهما الذهبي في "تذكرته" (٤). وقال الواقدي: صلى على عائشة في رمضان سنة ثمان وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع، ثم توفي بعدها في هذه السنة وله ثمان وسبعون سنة (٥)، وكان يقول "اللهم لا تدركني سنة ستين" فتوفي فيها أو قبلها بسنة، وقد أوضحت ترجمته فيما أفردته في الكلام على رجال هذا الكتاب وهذا القدر هنا كاف، والله الموفق. الوجه الثاني: قوله ﵇: "لا يقبل" هو بفتح الياء كيعلم، والماضي مكسور كعلم، والقبول: يراد به في الشرع:

стр. 214

حصول الثواب، وقد تتخلف الصحة عن الثواب بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرَّافًا، وشارب الخمر إذا لم يسكر ما دام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة في الدار المغصوبة على الصحيح عندنا، فأما ملازمة القبول للصحة، ففي قوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة حائض إلَّا بخمار" (١)، صححه الأئمة ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. والمراد بها من بلغت سن الحيض فإنها لا تقبل صلاتها إلَّا بسترتها، ولا تصح ولا تقبل مع إنكشاف عورتها، والقبول مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قبل فلان عذر فلان، إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه وهو محو الجناية والذنب، فقوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" هو عام في عدم القبول من جميع المحدثين في [جميع] (٢) أنواع الصلاة، والمراد بالقبول وقوع الصلاة مُجْزِئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة في الظاهر والباطن، ومتى ثبت القبول ثبتت الصحة، ومتى ثبتت الصحة ثبت القبول.

стр. 215

ونقل عن بعض المتأخرين أن القبول عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على العبادة، والإِجزاء: عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما: أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فالقول على هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء الصحة فيما سلف، ضَرَّ في نفي القبول مع نفي الصحة كما هو محكي عن الأقدمين، إلَّا أن يقال: [دَلَّ] (١) [الدليل على كون القبول من لوازم الصحة، فإن انتفى انتفت، فيصح الاستدلال] (٢) بنفي القبول على نفي الصحة، ويحتاج في نفيه مع بقائها في تلك الأحاديث إلى تأويل أو تخريج جواب، [ويرد] (٣) على من فسر القبول بكون العبادة مثابًا عليها أو مرضية، مع أن قواعد الشرع تقتضي أن العبادة إذا أتى بها مطابقة للأمر كانت سببًا للثواب، في ظواهر لا تحصى. [تنبيه] (٤): الحكم مرتفع ومتجدد باعتبار تعلقه لا باعتبار ذاته، فيصح قولك: نويت رفع الحدث، وإن كان [بالمنع] (٥) حكمًا قديمًا فلا يستحيل رفعه بهذا الاعتبار [كما] (٦) نبه عليه القرافي ﵀.

стр. 216

[الثالث] (١): الحدث عبارة [عما ينقض] (٢) الوضوء، ومحل الخوض في تفاصيله كتب الفروع، قد أوضحناها فيها، وقد فسره أبو هريرة (٣) راوي الحديث بنوع من الحدث حين سئل عنه فقال: فساء أو ضراط، وكأنه أجاب السائل عما يجهله منها أو عما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر. والحدث بموضوعه يطلق على الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس. والأصغر: كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج حدئًا، وقد يسمى المنع المترتب عليه حدثًا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث، نويت رفعه، وإلَاّ استحال ما يرفع أن لا يكون رافعًا، وكأن الشارع جعل أمد المنع المرتب على خروج الخارج إلى استعمال [الطهر] (٤) وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث لكون المرتفع هو المنع وهو مرتفع بالتيمم لكنه مخصوص بحالة ما أو [بوقت] (٥) ما، وليس ذلك ببدع؛ فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محلها. وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكل صلاة فقد ثبت

стр. 217

أنه كان مختصًا بوقت مع كونه رافعًا للحدث [اتفاقًا، ولا (١) يلزم من انتهائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة أن لا يكون رافعًا للحدث] (٢)، ثم نسخ في فتح مكة وصلى الشارع الخمس بوضوء واحد، ونقل عن بعضهم أنه مستمر ثم نسخ وهو مردود، لكن الحكم في الاستحباب باق؛ لأنه إذا نسخ الوجوب بقي الندب على ما تقرر في كتب الأصول. وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه في الأعضاء (٣) على معنى الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي مزلة الحسي في قيامه بالأعضاء، كقولنا: الغسل والوضوء يرفع الحدث، أي يزيل الأمر الحكمي المرتب على المقدر الحكمي، [فمن] (٤) يقول بأن التيمم لا يرفع الحدث يقول: إن الأمر المقدر الحكمي باقٍ لم يزل، والمنع الذي هو مرتب عليه زائل، ولا دليل من (٥) حيث الشرع يدل عليه، وأقرب ما يذكر فيه كما قال الشيخ تقي الدين (٦): أن الماء المستعمل قد إنتقل إليه مانع وذلك متنازع في طهارته أو طهوريته فلا يلزم انتقال المانع إليه فلا يتم الدليل، وهذا تحقيق منه فلينظر توجيه

стр. 218

المشهور من مذهب مالك الشافعي أن التيمم لا يرفع الحدث. الرابع: قوله ﵇: "حتى يتوضأ" نفى القبول إلى غاية وهو الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها؛ فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيًا وتحققه أن [الصلاة] (١) اسم جنس وقد أضيف فعم، وهذا مجمع عليه في الوضوء. فائدة: أصل الوضوء: من الوضاءة، وهو الحسن والنظافة. وهو بالضم: الفعل. وبالفتح: الماء على أفصح اللغات. الخاص: هذا الحديث محمول عند العلماء على [أن] (٢) ترك الوضوء بلا عذر، أما من [ترك] (٣) بعذر وأتى ببدله فالصلاة مقبولة قطعًا؛ لأنه قد أتى بما أمر به قطعًا، على أن التيمم من أسمائه الوضوء، قال ﷺ : "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" الحديث، صحح ابن القطان إسناده من حديث أبي هريرة، [وصححه] (٤) الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث أبي ذر، ﵄ (٥).

стр. 219

السادس: هذا الحديث نص في وجوب الطهارة وشرطها في الصلاة وهو إجماع، واختلفوا: متى فرض الوضوء؟ فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الإِسلام سُنة، ثم نزل فرضه في آية التيمم. وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضًا. واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة أو على المحدث خاصة. فذهب ذاهبون من السلف: إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (١) الآية. وذهب [قوم] (٢): إلى أن ذلك [قد] (٣) كان ثم نسخ. وقيل: الأمر به لكل صلاة على الندب. وقيل: بل [لم] (٤) يشرع إلَّا لمن أحدث ولكن تجديده لكل

стр. 220

صلاة مستحب، وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبق بينهم خلاف، ومعنى الآية عندهم: إذا قمتم محدثين. وأما الوضوء لغير الفرائض فذهب بعضهم إلى أن الوضوء بحسب ما يفعل له من نافلة أو فريضة. قلت: وهو عجيب لا جرم، [رده] (١) بعض المالكية إلى أنه هل ينوي بالوضوء الفرض أو النفل؟ وذهب بعضهم: إلى أنه فرض على كل حال، حكى هذا كله القاضي عياض، وبعضه قدمناه في أثناء الوجه الثالث (٢). السابع: استدلّ المتقدمون بهذا الحديث على أن الصلاة لا تجوز إلَّا بطهارة ولا [يلزم] (٣) من انتفاء القبول انتفاء الصحة كما سلف، وقد تكون الصلاة مقبولة ولا تيمم في حق فاقد الطهورين فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب إعادتها على أحد الأقوال [عندنا] (٤) وهو المختار عند جماعة من محققي أصحابنا وقول جماعة [من العلماء] (٥)، فيكون الحديث خرج على الأصل والغالب، والإعادة والقضاء لا يجبان إلَّا بأمر جديد، وهذا كله على مذهب [من] (٦) يقول: إن الطهارة شرط في الصحة، أما من يقول إنها شرط للوجوب

стр. 221

كمالك وابن نافع فإنهما قالا: فاقد الطهورين لا يصلي ولا يقضي إن خرج الوقت؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدل على أنه ليس مخاطبًا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في الذمة شيء فلا يقضي، لكن قوله ﷺ : "إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١) يمنع هذا، فإنه أمر بالصلاة بشروط تعذرت، فيأتى بها، ولا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب، وهذه المسألة فيها أربعة أقوال عندنا وعند المالكية أيضًا، لكن عندهم قوله: إنه لا يصلي ولا يقضي، وليس عندنا، وقد نظمها بعض المالكية في بيتين فقال: ومن لم يجد ماء ولا متيمما ... فأربعة الأقوال يحكون مذهبا يصلي ويقضي عكس ما قال مالك ... وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا الثامن: قد استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختيارًا أم اضطرارًا؛ لعدم تفريقه ﵇ بين حدث وحدث في حالة دون حالة، وقد حكي عن مالك والشافعي في القديم وغيرهما أنه إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني على صلاته، وإطلاق الحديث يرده. التاسع: قام الإجماع على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب لغير فاقد الطهورين، ولا فرق في ذلك بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود التلاوة والشكر. وحكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا

стр. 222

صلاة الجنازة بغير وضوء، وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث وللإجماع، ومن الغريب أنه [وجه] (١) عند الشافعية كما أفدته في "شرح المنهاج". فرع: لو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر أثم ولا يكفر عندنا وعند الجمهور. وحكي عن أبي حنيفة أنه يكفر لتلاعبه، دليل الجمهور أن الكفر بالاعتقاد وهذا المصلي اعتقاده صحيح، وأبدى بعضهم في هذا الاستدلال نظرًا؛ للاتفاق على تكفير من استهان بالمصحف استهانة مخصوصة في الصورة المخصوصة (٢). فائدة: اختلف أصحابنا وغيرهم في موجب الوضوء ما هو؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا. ثانيها: أنه يجب بالقيام إلى الصلاة؛ بدليل الآية السالفة. ثالثها: أنه يجب بالأمرين جميعًا، وهو أرجحها عندنا، وقطع بعضهم بأن الحدث سبب والوضوء شرط كالاستطاعة في الحج،

стр. 223

وقد ذكرت في "شرح المنهاج" فائدة هذا الخلاف فليراجع منه. العاشر: لا بد في الحديث من تقدير حذف وهو: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ويصلي؛ إذ يستحيل قبول صلاة غير مقبولة. الحادي عشر: قد يستدل بهذا الحديث على طرح الشك واستصحاب يقين الطهارة؛ لقوله ﵇: "إذا أحدث". ولا يقال (أحدث) إلَّا مع اليقين.

стр. 224

الحديث الثالث والرابع والخامس ٣، ٤، ٥/ ٣، ٤، ٥/ ١ - عن [عبد الله] (١) بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار" (٢). الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهًا: [بعد أن يعلم أن حديث عائشة من أفراد مسلم كما نبه عليه عبد الحق في جمعه] (٣):

стр. 225

أحدها: [تعريف رواته] (١): أما عبد الله بن عمرو بن العاصي بإثبات الياء على [الأصح] (٢) فهو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن (٣)، قرشي سهمي، أحد من هاجر هو وأبوه قبل الفتح، وأبوه أسن منه بأحد عشر عامًا، وأسلم قبل أبيه. وأمه: [ريطة] (٤) بنت منبه بن الحجاج السهمية. وزوجته: عمرة بنت [عبيد الله] (٥) بن العباس بن عبد المطلب، وهي أم ابنه محمد والد شعيب. وكان [﵁] (٦) غزير العلم، مجتهدًا في العبادة، يسرد الصوم ولا ينام الليل، فشكاه أبوه إلى رسول الله ﷺ ، فقال له ﵇ [إن] (٧) لعينك عليك حقًا" (٨) الحديث، كما سيأتي في الصوم بكماله إن شاء الله تعالى، وكان كثير كتابة العلم والحديث وهو أكثر أقرانه حملًا عن رسول الله ﷺ ، وأبو هريرة أكثر رواية منه، وتقدم في الحديث

стр. 226

قبله سببه، وكان [رسول الله] (١) ﷺ يقول فيهم: "نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله" (٢)، وقيل: كان اسمه العاصي (٣)، فغيره النبي ﷺ وفضله النبي ﷺ على والده، وحفظ القرآن أجمع. قال عن نفسه: جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة، قال ﵇: "اقرأه في شهر"، وذكر الحديث. وكان يقرأ كتب الأولين التوراة والإنجيل، وله حِكَم ومواعظ، حضر صفين مع والده خوف العقوق ولم يسل سيفًا وكانت بيده الراية يومئذ فندم ندامة شديدة، له بستان بالطائف يسمى الرهط قيمته ألف ألف درهم، روي له عن النبي ﷺ سبعمائة حديث، أخرج له منها في الصحيحين خمسة وأربعون، اتفقا على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين، وروى عنه جماعة من التابعين. قال ابن يونس: روى عنه من أهل مصر نيف وخمسون رجلًا، في وفاته أقوال، قال ابن حبان: أصحها سنة ثلاث وستين عام الحرة، قال: وكان يسكن مكة ثم خرج إلى الشام وأقام بها ومات بمصر.

стр. 227

قلت: وفي موضع قبره أربعة أقوال: أحدها: بمصر، وبه جزم ابن حبان كما [ذكرته] (١) عنه، ثانيها: الطائف، ثالثها: بمكة، رابعها: بفلسطين، قال ابن حبان وغيره: وكان له يوم مات ثنتان وسبعون سنة، وأما أبو هريرة فتقدم التعريف به في الحديث قبله. أما عائشة: [فهي] (٢) الصديقة بنت الصديق والحبيبة بنت الحبيب أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرة بن كعب بن سعد [بن] (٣) تيم بن مرة بن كعب، أم المؤمنين. قال ابن عبد البر: لم يختلف في اسم أبيها وجدها وأن لقب أبي بكر عتيق. كنيتها: أم عبد الله، كنيت بابن أختها عبد الله بن الزبير بإذنه ﷺ ، وقيل لسقط لها، وهو ضعيف، وعائشة: مأخوذة من العيش، وحكي عيشة بلغة فصيحة، وأمها: أم رومان -بفتح الراء وضمها- زينب بنت عامر، وقيل: بنت دهمان من بني مالك بن كنانة، وعائشة وأبوها وجدها صحابة وشاركها في ذلك جماعة من الصحابة لكنه قليل، نعم لا يوجد أربعة صحابة متوالدون إلَّا في آل أبي بكر الصديق: عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة. وعائشة ﵂ من أكبر فقهاء الصحابة، يرجعون إليها، قال القاسم بن محمد: اشتغلت بالفتوى في خلافة

стр. 228

[أبي] (١) بكر وعمر وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت. تزوجها النبي ﷺ قبل الهجرة بسنتين، وقيل: ثلاث، وقيل: غير ذلك، وهي بنت ست، وبنى بها في شوال بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة وهو الصحيح، قال الواقدي: في الأولى، وصححه الدمياطي، وأما ابن دحية فوهاه بالواقدي، فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر [وتوفي رسول الله وهي ابنة ثمان عشرة] (٢). وولدت ستة أربع من النبوة، نزلت براءتها من السماء، ولها عدة خصائص، عاشت خمسًا وستين سنة. بعث إليها معاوية بمائة ألف فما غابت عليها الشمس حتى فرقتها [فقالت] (٣) مولاة لها: لو اشتريت لنا من ذلك بدرهم لحمًا [فقالت] (٤): ألا ذكرتيني. [كذا] (٥) رواه هشام عن [أبيه] (٦). وروى أبو معاوية عن هشام عن محمد بن المنكدر عن أم درة أن عائشة ﵂ بعث إليها [ابن] (٧) الزبير بمال في غرارتين، قالت: أراه ثمانين ومائة ألف، فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة

стр. 229

[فجلست] (١) فقسمته فأمست وما عندها منه درهم، فقالت: يا جارية هلمي فطري فجاءتها بزيت وخبز، فقالت لها أم درة: أما استطعت أن تشتري لنا لحمًا بدرهم [نفطر عليه] (٢)؛ قالت: لا تعنفيني لو كنت ذكرتيني لفعلتُ، وروى ابن أبي مليكة أن عائشة بنت طلحة حدثته أن عائشة قتلت جنانًا فأُريت في المنام: والله لقد قتلت مسلمًا، فقالت: لو كان مسلمًا ما دخل على أزواج النبي ﷺ ، فقيل لها: وهل دخل إلَّا وعليك ثيابك؟ فأصبحت فزعة فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلتها في سبيل الله. روت عن النبي ﷺ [ألفي] (٣) حديث ومائتي حديث وعشرة أحاديث، اتفقا منها على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين، [وقيل: بتسعة وستين] (٤)، وروت عن خلق من الصحابة، وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين قريب من مائتين، وكانت عائشة مسماة لجبير بن مطعم [فصلها] (٥) منهم الصديق وزوجها من رسول الله ﷺ ، روى البخاري من حديث عروة مرسلًا أنه ﵇ خطب عائشة إلى أبي بكر فقال أبو بكر: إنما أنا أخوك، فقال: "أنت أخي في الله وكتابه، وهي لي حلال". [وروى الإِمام أبو بكر الإسماعيلي في معجمه عن

стр. 230

عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: جاء الصديق وأم رومان حتى دخلا على النبي ﷺ ، قال: "ما جاء بكما"؛ قالا: يا رسول الله لتستغفر لعائشة ونحن شهود، قال: "اللهمَّ اغفر لعائشة بنت أبي بكر مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبًا" فلما رأى سرورهما بذلك قال: "ما زالت هذه [هي] (١) دعوتي لمن أسلم من أمتي من لدن بعثني الله إلى يومي هذا"] (٢) (٣). ماتت ﵂ بعد الخمسين، إما ستة خمس أو ست أو سبع أو ثمان، في رمضان، وقيل: شوال، وأمرت أن تدفن ليلًا بعد الوتر [بالبقيع] (٤)، وصلى عليها أبو هريرة، وترجمتها بسطتها في العدة في [معرفة] (٥) رجال هذا الكتاب، يتعين عيك مراجعتها منه.

стр. 231

فائدة: مات ﷺ (١) عن تسع نسوة وعائشة أفضلهنَّ قطعًا، وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ فيه وجهان في التتمة، وترجح من فضَّل خديجة عليها بأنها أول الناس إسلامًا، كما نقل الثعلبي الإِجماع عليه. الوجه الثاني: كلمة "وَيْلَ" من المصادر التي لا أفعال لها، ومثلها: ويح، وويب، وويس، ويقال: ويل وويله، قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ﴾ (٢) والأصل [يا ويلتي] (٣) فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفًا [كيا] (٤) غلامًا في إحدى اللغات الست، وتستعمل مفردًا مضافًا فإذا أفرد فالأكثر الرفع وإذا أضيف فالأكثر النصب، فالرفع على الابتداء، والنصب: إما على المصدرية كأنه قال: ألزمه الله ويلًا ونحو ذلك، ويقال: ويل له، وويل عليه، وويل منه، قال الشاعر: قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويل عليك وويلي منك يا رجل

стр. 232

و "ويل" كلمة عذاب وحزن وهلاك وحكى [القاضي عياض فيها ستة أقوال (١): أحدها: أنها تقال لمن وقع في الهلاك. ثانيها: لمن استحقه. ثالثها: [أنها] (٢) الهلاك نفسه. رابعها: مشقة العذاب. خامسها: الحزن. سادسها: واد في جهنم لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره، وقال ابن مسعود: منها صديد أهل [النار] (٣). ولعله المراد هنا؛ لقوله: "من النار" (٤). قال البغوي: وتكون تفجعًا، وتكون تعجبًا، ومنه قوله ﵇: "ويله مسعر حرب". الثالث: "الأعقاب": جمع عقب، وهي مؤخر القدم، وعقب كل شيء: آخره، وهي مؤنثة، وتسكن القاف وتكسر، وجاء أيضًا في الصحيح "ويل [للعراقيب] (٥) من النار"، وهي جمع: عرقوب بضم العين في الفرد وفتحها في الجمع، وهو العصب الغليظ الموتر فوق

стр. 233

عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يديها، قال الأصمعي: وكل ذي أربع عرقوباه في رجليه وركبتاه في يديه. الرابع: خص النبي ﷺ (الأعقاب) بالعقاب بالنار؛ لأنها التي لم تغسل غالبًا، وقيل: أراد صاحب الأعقاب، فحذف المضاف؛ لأنهم كانوا [لا] (١) يستقصون غسل أرجلهم في الوضوء (٢). الخامس: هذا الحديث مما ورد على سبب، فإنه ﵇ رأى أقوامًا وأعقابهم تلوح فقال ذلك (٣). السادس: الألف واللام في الأعقاب يحتمل أن تكون للعهد [فيختص] (٤) الذكر بتلك الأقدام المرئية التي لم يمسها الماء، ويحتمل أن تكون للجنس فلا تختص بها، بل الأعقاب التي هذه صفتها لا تعم بالمطهر، وهو الأظهر؛ لأن الأول فيه تخصيص العموم [بسببه] (٥) ولا يجوز أن يكون للعموم المطلق في كل الأقدام ومسحها، بل يكون [للعموم] (٦) المطلق فيها يراد بالتضمين بالتنبيه بالأدنى على الأعلى. السابع: في الحديث دليل على وجوب تعميم الأعضاء

стр. 234

بالمطهر، وأن ترك البعض منها غير مجزىء، ونصه إنما هو في الأعقاب وسبب التخصيص أنه ورد على سبب كما سبق. الثامن: استدّل به أيضًا على أن العقب محل التطهير بالغسل وجوب كل المتوعد بالنار على تركه عند رؤيته يلوح من غير غسل، وقال ﵇ في بعض طرقه: "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" (١). قال البيهقي: وصح من حديث عمرو بن عنبسة التصريح بأن الله [تعالى] (٢) أمر بالغسل فإن لفظه: "ثم يغسل رجليه كما أمره الله". وصح من حديث عثمان الآتي في الباب وجماعة أنه ﵇: "غسل"، فانضمَّ القول إلى الفعل وتبين أن المأمور به الغسل، وهذا من أحسن الأدلة، واستدلَّ برواية "أسبغوا" على أن المسح لا يجزئ فيه، وهذا إجماع ووراءه مذاهب باطلة: أحدها: وجوب مسح الرجلين وهو مذهب الشيعة. وثانيها: وجوب الجمع بين المسح والغسل وهو قول بعض أهل الظاهر. وثالثها: أنه مخير بينهما وهو قول محمد بن جرير الطبري، وعزاه الخطابي إلى الجبائي المعتزلي [فليحرر] (٣).

стр. 235

وقد صنف في المسألة الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (١)، وسليم الرازي (٢) فأفادا، وقراءة الخفض في قوله تعالى ﴿وأرجلكم﴾ عنها أجوبة. منها: أنها عطف على الرأس (٣) فهما [يمسحان] " (٤) لكن إذا

стр. 236

كان عليهما [خفان] (١) وتلقينا هذا القيد من فعله ﵇، إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلَّا وعليهما خفان، والمتواتر عنه غسلهما، فبيَّن ﷺ علة الحال التي تغسل فيها الرجل، والحال التي تُمسح فيها. ومنها: [أن] (٢) العطف على الجوار لكنها لغة شاذة (٣)، قال الأمام في البرهان: وكل تأويل يؤدي إلى حمل القرآن على [دليل] (٤) شاذ في اللغة لا يقبل، ويعد متأوله معطلًا [لا مأولًا] (٥). ومن الغريب أن بعض من يقول بالمسح يدعي أن ذلك بنص القرآن، وأن من يقول بالغسل متعلقه خبر واحد، ولا يصح نسخ القرآن بخبر الواحد، وهذا إنما يلزم أن لو كان القرآن نصًا فيما [ادعاه] (٦) لا يحتمل التأويل، وهو قابل له كما قررناه، ويعضد هذا التأويل أنه ﵇ لما علمهم الوضوء غسل رجليه، وكل من وصف وضوءه لم يذكر في الرجلين غيره. التاسع روى البخاري من حديث ابن عمر أنه قال ﵇ قوله: "ويل للأعقاب من النار" لما رآهم مسحوا على أرجلهم،

стр. 237

وترجم عليه: غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين (١) قال الشيخ تقي الدين (٢): فهم البخاري من هذا الحديث أن القدمين لا يمسحان بل يغسلان، وهو عندي غير جيد، لأنه مفسر في الرواية الأخرى أن الأعقاب كانت تلوح لم يمسها الماء، ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق، والذين استدلوا على أن المسح غير مجزٍ إنما اعتبروا لفظه فقط، فقد رَتَّب الوعيدَ على مسمى المسح، وليس فيها ترك بعض العضو، والصواب -إذا جمعت طرق الحديث- أن يستدل ببعضها على بعض، ويجمع ما يمكن جمعه، فبه يظهر المراد. العاشر: في وجوب تعليم الجاهلين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الحادي عشر: استدلَّ بعضهم بهذا الحديث على نزع الخاتم في الوضوء فإنه عَقِب من جهة المعنى، والبخاري قال: باب غسل الأعقاب، ثم قال: وكان ابن سيرين يغسل موضع الخاتم إذا توضأ، ثم ذكر [موضع] (٣) هذا الحديث [فكأنه ترجم به عليه واستدل بالحديث] (٤).

стр. 238

الثاني عشر: فيه حجة لأهل السنة أن المعذب الأجساد (١). الثالث عشر: فيه التعذيب على الصغائر؛ لما قد علمت من الاختلاف في فرض الرجلين، فابن جرير يقول: إنه مخير بين الغسل والمسح (٢). واستدلَّ به بعضهم على تعميم الرأس بالمسح؛ لأن

стр. 239

التبعيض فيه عقب من جهة المعنى، وليس المراد في الحديث خصوص العقب الحقيقي، بدليل ما صنع البخاري في استدلاله به على نزع الخاتم وهو استدلال عجيب.

стр. 240

الحديث السادس ٦/ ٦/ ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل [الماء] (١) في أنفه، ثم لينتثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن [يدخلهما في الإناء ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري] (٢) أين باتت يده". وفي لفظٍ لمسلم: "فليستنشق بمنخريه من الماء". وفي لفظ: "من توضأ فليستنشق" (٣). الكلام عليه من ثمانية وعشرين وجهًا:

стр. 241

الأول: في التعريف يراويه وقد سلف في الحديث الثاني. قال ابن منده في مستخرجه: وروى قوله ﵇: "فليستنثر ومن استجمر فليوتر" مع أبي هريرة من الصحابة ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله. الثاني: قول الراوي ["أن" هو] (١) عند الإطلاق محمول على السماع خصوصًا إن كان الراوي صحابيًا وقد أدرك الواقعة، وقد أسلفنا ذلك في الوجه الثاني عشر في الكلام على الحديث الأول. الثالث: قوله ﵇: "إذا توضأ" أي [إذا] (٢) أراد الوضوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ (٣) أي إذا أردت القراءة. الرابع: قوله ﵇: "فليجعل في أنفه": أي ماء، فحذف ذلك للعلم به، ففيه دلالة على جواز حذف المفعول إذا دل الكلام عليه، [وورد] (٤) ذكر المفعول في [رواية] (٥) أخرى. الخامس: معنى "يجعل" هنا ملغى "ولجعل" ستة معان:

стр. 242

أحدها: أوجده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (١) فيتعدى إلى مفعول واحد. ثانيها: صيّر، ومنه: جعلت البصرة بغداد، فيتعدى إلى مفعولين بنفسه. ثالثها: ألقى، ومنه: جعلت المتاع بعضه على بعض، فيتعدَّى إلى [مفعولين] (٢)، [الأول] (٣) بنفسه والثاني بحرف الجر. رابعها: اعتقد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (٤) فيتعدى إلى مفعولين. خامسها: أوجب، كقولهم: جعلت للعامل كذا، فيتعدى إلى واحد. سادسا: شرع، ومنه: جعل زيد يقول كذا، فيكون من أفعال المقاربة يرفع الاسم وينصب الخبر إلَّا أن خبره لا يكون فعلًا مضارعًا [فيه ضمير] (٥) يعود على اسمها كما مثلناه. السادس: الانتثار: هو دفع الماء للخروج من الأنف، مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف، وقال الخطابي: [هي] (٦) الأنف.

стр. 243

ومنهم من جعله جذب الماء إلى الأنف وهو الاستنشاق [وهو أعني الاستنشاق] (١) مأخوذ من النشق، وهو جذب الماء بريح الأنف إلى داخله. [وقيل] (٢): هو مشترك بينهما، وهو قول ابن الأعرابي (٣) وابن قتيبة (٤) والصواب الأول، ويدل له حديث عثمان الآتي في الباب وكذا حديث عبد الله بن زيد الآتي فيه أيضًا، أنه ﵇: "استنشق واستنثر" فجمع بينهما وذلك يقتضي التغاير. ومنهم من قال: سهمي جذب الماء استنشاقًا بأول الفعل واستنثارًا بآخره وهو استدخال الماء بنَفَس الأنف للدخول والخروج، وقال الفراء (٥): يقال: نثر الرجل واستنثر، إذا حرك النثرة في الطهارة. السابع: الاستجمار: مسح جميع محل البول والغائط

стр. 244

بالجمار، وهي الأحجار الصغار، ومنه الجمار التي يرمى بها في الحج، قال ابن حبيب: وكان ابن عمر يتأول الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر (١)، ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعًا، أي فإنه يقال في هذا تجمر واستجمر، فيأخذ ثلاث قطع من الطيب أو يتطيب مرات واحدة بعد الأولى، وحكي عن مالك أيضًا (٢)، والأظهر الأول. الثامن: الإِيتار: أن يكون الاستجمار بوتر، لكن هو عند الشافعى لا يجوز بأقل من ثلاث وإن حصل الإِنقاء بدونه، لأن الواجب عنده أمران: [إمكان] (٣) إزالة العين، واستيفاء ثلاث مسحات، فإن حصل الإنقاء بثلاث فلا زيادة وإن لم يحصل وجبت، وهذا الحديث يدل على وجوب الإيتار، لكن بالثلاث من دليل آخر وهو نهيه ﷺ أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار (٤). ووافقنا أحمد على وجوب استيفاء ثلاث مسحات وإن حصل الإنقاء بدونها، وبه قال القاضي أبو الفرج والشيخ أبو إسحاق من المالكية (٥)، وقد يقال: لا دلالة في هذا الحديث؛ لأن الإيتار

стр. 245

[أعم] (١) أن يكون بواحد أو ثلاث أو بغير ذلك ولا يلزم في وجود الأعم وجود الأخص، وقال الخطابي: فيه دليل على ذلك إذ معقول أنه لم يرد الوتر الذي هو واحد [فرد؛ لأنه زيادة وصف على الاسم، والاسم لا يحصل بأقل من واحد] (٢) فعلم أنه قصد به ما زاد على الواحد وأقله الثلاث. ومذهب مالك وأبي حنيفة أن الواجب الإنقاء لا غير (٣)، واستدل القاضي عبد الوهاب (٤) بهذا الحديث نفسه على عدم التعداد معللًا بأن أقل ما يقع عليه الاسم مرة واحدة، ثم استدلَّ بحديث: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" (٥). ولا دلالة في هذا لما سيأتي قريبًا، ثم استدلَّ بأقية معارضة للنص السالف.

стр. 246

فرع: المراد بالإيتار: عندنا أن يكون عدد المسحات ثلاثًا أو خمسًا أو فوق ذلك من الإِيتار (١)، [ومذهبنا] (٢) أنه فيما زاد على الثلاث سُنة، فإن حصل الإنقاء بثلاث فلا زيادة وإن لم يحصل وجبت، ثم إن حصل بوتر فلا زيادة، وإن حصل بشفع كأربع أو ست استحب الإِيتار. وقال بعض أصحابنا: يجب الإِيتار مطلقًا لظاهر هذا الحديث، وحجة الجمهور الحديث السالف: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج" (٣). حملًا له على ما زاد على الثلاث جمعًا بينه وبين حديث نهيه ﵇ عن أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. التاسع: فيه دلالة على أن شرعية غسل اليدين وكراهة غمسهما في الإناء في الوضوء ليس مختصًا بنوم الليل، بل لا فرق فيه بين نوم الليل والنهار ولإطلاقه ﵇ النوم من غير تقييد. وقال أحمد: يختص بنوم الليل دون نوم النهار؛ لقوله: "أين باتت يده"، والمبيت لا يكون إلَّا بالليل، وقد صح أيضًا مقيدًا بالليل، فقال ﵇: "إذا قام أحدكم من الليل". رواه أبو داود وصححه الترمذي (٤)، وعنه رواية أخرى [ووافقه] (٥) عليها أبو داود أن

стр. 247

كراهة الغمس إن كانت من نوم اليل فهي للتحريم، وإن كانت من نوم النهار فهي للتنزيه، لكنه محمول على الغالب لا للتقييد، كيف وقد علل بأمر يقتضي الشك وهو "فإنه لا يدري أين باتت يده"، فدلَّ على أن اليل والنوم ليس مقصودًا بالتقييد. وقال الرافعي في شرحه للمسند (١): يمكن أن يقال: الكراهة في الغمس إذا نام ليلًا أشد من نوم النهار؛ لأنَّ احتمال التلويث أقرب لطوله. العاشر: فيه دلالة على كراهة غمس اليد في الإناء قبل [غسلها] (٢) ثلاثًا إذا قام من النوم، وأما غير المستيقظ فيستحب له غسلها قبل إدخالها في الإناء؛ لأن صيغة النهي تقتضي الكراهة على أقل الدرجات، ولا يلزم من الكراهة في الشيء الاستحباب في غيره؛ لعدم التلازم بينهما، بدليل عكسه في صلاة الضحى وكثير من النوافل، فان [غسلها] (٣) مستحب وتركها غير مكروه كما صرح به الشيخ تقي الدين (٤). فلذلك غسلهما للمستيقظ قبل إدخالهما الإناء من المستحبات وتركه له من المكروهات، وبذلك فرق أصحابنا بين المستيقظ وغيره، وظاهر كلام المالكية بل صريحه أنه لا فرق بينهما وإن كانوا يفرقون بين المكروه وترك الأولى.

стр. 248

الحادي عشر: قال جماعة من العلماء: [يجب] (١) غسل اليدين قبل إدخالهما الإِناء في إبتداء الوضوء عند الاستيقاظ من النوم؛ أخذًا من الأمر لظهوره في الوجوب. وقال مالك والشافعي والجمهور: لا يجب والأمر أمر ندب؛ لقوله ﷺ للأعرابي: "توضأ كما أمر (٢) الله". حسنه الترمذي وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وليس فيه غسل اليدين في ابتداء الوضوء، ولأن الأمر يُصرف عن الوجوب عند الإطلاق؛ لقرينة ودليل، وهي هنا تعليله ﵇ بما يقضي الشك في نجاسة اليد. وقواعد الشرع (٣): تقضي أن الشك لا يقضي وجوبًا في الحكم إذا كان الأصل فلتستصحب على خلافه موجدًا، والأصل الطهارة في اليد والماء، فلتستصحب، ودليلهم على ندبيته في ابتداء الوضوء مطلقًا وروده في صفة وضوئه عليه أفضل الصلاة والسلام،

стр. 249

من غير تعرض لسبق نوم، والمعنى المعلل به في الحديث هو جولان اليد حال اليقظة فيعم الحكم لعموم علته (١). فرع: لو خالف وغمس يده لم يأثم الغامس ولم يفسد الماء (٢)، وحكي عن الحسن (٣) البصري أنه ينجس الماء في القيام من

стр. 250

نوم الليل، وهو رواية ضعيفة عن أحمد، ونقل عن إسحاق بن راهويه (١) ومحمد بن جرير الطبري (٢)، وهو ضعيف جدًا. الأصل طهارة الماء وعدم التنجس بالشك، ولا يمكن أن يقال: الظاهر في اليد النجاسة، وقال ابن حبيب المالكي (٣): يفسد الماء، وأطلق، قال سند (٤): ويستحب إراقة ذلك الماء؛ لأن قوله ﵇: "لا يدري أين باتت يده" يقتضي كراهة ذلك الماء إن لم يغسلهما، وقد طرح سؤر الدجاج -وإن لم يتيقن نجاسته- وقال بإراقته الحسن البصري وأحمد (٥).
следующие страницы →