← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فائدة ثانية: روى النسائي (١) هذا الحديث إلى قوله: "على كل شيء قدير" وزاد ثلاث مرات. العاشر: قوله: "وحده لا شريك له" هو على طريق التوكيد مع التكثير لحسنات الذاكر، وإلَّا فالحصر الذي قبله يقيده. قال ابن العربي (٢): وهو إشارة إلى نفي الإِعانة لما كانت العرب تقول: "لبيك لا شريك لك إلَّا شريكًا هو لك تملكه وما ملك". الحادي عشر: قوله: "له الملك" قال أبو الحسن (٣) الأخفش: يقال: ملك بين الملك، -بضم الميم-. ومالك بين المَلك والمِلك -بفتح الميم وكسرها-. وزعموا أن [ضم الميم] (٤) لغة في هذا المعنى. رُوي [عن] (٥) بعض البغداديين [ما] (٦) في هذا الوادي ملك وملك [وملك] (٧) بمعنى واحد. الثاني عشر: "الحمد" تقدم الكلام عليه في "شرح الخطبة" فراجعه من ثم.

стр. 1892

الثالث عشر: قوله: "وهو على كل شيء قدير". قال الفاكهي: الظاهر أن هذا العموم غير مخصوص، [قال: وذهب بعضهم إلى أنه مخصوص] (١) من [حيث] (٢) إن القدرة لا تتعلق [إلا] (٣) بالممكنات دون المستحيلات. والتقدير: وهو على كل شيء (٤) ممكن قدير (٥)، وهذا غلط لأنه وقع الخلاف في الممكن المعدوم. هل يطلق عليه حقيقة أم لا فما ظنك بالمستحيل؟ فالمستحيلات غير داخلة في هذا العموم. فائدة: قيل: إن عمومات القرآن كلها مخصوصة إلَّا أربع آيات: الأولى: قوله- تعالى -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٦). الثانية: قوله -تعالى-: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٧).

стр. 1893

الثالثة: قوله -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ (١). الرابعة: قوله -تعالى -: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ (٢). الرابع عشر: في هذا دلالة على التفويض إلى الله -تعالى- واعتقاد أنه [مالك الملك وأن له الحمد ملكًا واستحقاقًا وأن قدرته ] (٣) تعلقت بكل شيء من الموجودات: خيرها وشرها نفعها وضرها. الخامس عشر: قوله: "اللهم لا مانع لما أعطيت" إلى آخره فيه أن العطاء والمنع بيده. السادس عشر: "الجد" بفتح الجيم على المشهور الذي عليه الجمهور، ومعناه لا ينفع ذا الغنى والحظ منك غناه. وضبطه جماعة بكسر الجيم فيهما (٤). والجد: هنا وإن كان مطلقًا فهو محمول على حظوظ الدنيا، يعني إنما ينفعه العمل [الصالح] (٥) والنافع في الحقيقة هو الله

стр. 1894

-تعالى- بالتوفيق للعمل الصالح والإِخلاص فيه وقبوله. السابع عشر: في هذا دليل على أن الأسباب إنما تنفع بإذنه، وأنه متصرف فيها كسائر المخلوقات، لا تأثير لها في شيء من الأشياء إلَّا بتقديره [وإذنه] (١). الثامن عشر: فيه أيضًا دلالة على أن العمل لا أثر له إلَّا مع سبق العناية (٢). قال القاضي عياض: وقد ترجم البخاري على هذا الحديث وأدخله في كتاب "القدر" (٣)، وكذا مالك أدخل هذه الكلمة في جامع ما جاء في القدر (٤) [فذكر] (٥) أن معاوية كان يقول على المنبر: أيها الناس! إنه لا مانع لما أعطى الله [ولا معطي لما منع الله] (٦) ولا ينفع ذا الجد [منه] (٧) الجد، من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين. ثم قال: سمعت هذه الكلمة من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد. وبهذا يستدل على أن هذا الحديث ليس جميعه مما تحمله معاوية بالمكاتبة، بل سمع بعضه منه ﷺ (٨).

стр. 1895

التاسع عشر: قوله: ["منك" هو] (١) متعلق "بينفع"، "وينفع" متضمن معنى "يمنع". أو ما يقاربه، ولا يعود "منك" إلى "الجد" فإن ذلك نافع نبه عليه الشيخ تقي الدين، وهو حسن (٢). العشرون: قوله: "وكان ينهى عن قيل وقال". قال الجوهري هما اسمان، يقال: كثر القيل والقال. والأشهر فيه كما قال الشيخ تقي الدين (٣). قيل -بفتح اللام- على سبيل الحكاية. وهو الذي يقتضيه المعنى لأن القيل، والقال إذا كانا اسمين بمعنى واحد كالقول ألم يكن من عطف أحدهما على الآخر] (٤). فائدة: وهذا النهي لا بد فيه من [تقييده] (٥) بالكثرة التي

стр. 1896

[لا يؤمن] (١) معها وقوع الخطل (٢) والخطأ (٣) والتسبب إلى وقوع المفاسد (٤) من غير يقين والإِخبار [بالأمور] (٥) الباطلة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "كفى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكل ما سمع" (٦). وقال بعض السلف: لا يكون إمامًا من حدَّث بكل ما سمع. وقد أسلفنا في أوائل الصلاة في الوجه العاشر في الكلام على الحديث الرابع منه شيئًا يتعلق بما نحن فيه فراجعه منه. تنبيه: في الحديث دليل على الامتناع من اللغط وفضول الكلام وما لا فائدة فيه. الحادي والعشرون: إنما جمع بين "قيل، وقال" للتنبيه على منع [ذلك] (٧) سواء عيَّن القائل الذي يخبر عنه بقوله: قال، أو لم يعينه بقوله: قيل كذا. والنهي عن الأول أشد من الثاني.

стр. 1897

وقال المحب الطبري في "أحكامه": في قيل [وقال] (١) أوجه: [أحدها] (٢): أنهما مصدران للقول، تقول [قلت] (٣): قال: قولًا وقيلًا وقالًا [وقولًا] (٤). وفي قراءةً ابن مسعود "ذلك عيسى ابن مريم قال الحق الذي فيه تمترون" (٥). والمراد -والله أعلم- كثرة الكلام لأنها تؤول إلى الخطأ والتكرار للمبالغة. ثانيها: إرادة حكايته [أقاويل] (٦) الناس والبحث عنها [ليخبر عنها] (٧). فيقول: قال فلان كذا. وقيل له: كذا مما يكره حكايته عنه. ثالثها: أن ذلك في أمر الدين، وذكر مواضع الاختلاف. يقول: قال فلان كذا. وقال فلان كذا من غير تثبت ولا بد. ولكن [يقلد] (٨) فيما سمعه ولا يحتاط لموضع الاختيار من الأقاويل. فائدة حديثية: قال ابن منده في "مستخرجه": حديث النهي عن

стр. 1898

قيل وقال، رواه مع المغيرة: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسبرة، والحجاج بن عامر الثمالي. الثاني والعشرون: "إضاعة المال" ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواء كانت دينية أو دنيوية وهو ممنوع منه لأن الله -تعالى- جعل الأموال قيامًا لمصالح العباد. وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح المأذون فيها، إما في حق مضيعها أو في حق غيره. أما بذله وإنفاقه كثيرًا في تحصيل مصالح الآخرة فهو مطلوب محثوث عليه، شرط أن لا يبطل حقًا أخرويًّا أهم منه. وقد قال السلف: لا سرف في الخير، كما لا خير في السرف. وبذل المترفين من أهل الدنيا وإنفاقهم غالبًا إنما هو فيما لم يأذن فيه الشرع فيقدمون حظوظ نفوسهم في الأموال على حقوق الله تعالى. فيقع الهلاك بعد الإِمهال من غير إهمال، لأن فعلهم عين الإِضاعة. وأما إنفاق المال في مصالح الدنيا وملاذ النفس على وجه لا يليق بحال المنفق وقدر ماله فإن [كان] (١) لضرورة مداواة أو دفع مفسدة يترتب عليه فليس بإسراف، وإلَّا ففي كونه إسرافًا خلاف. قال الشيخ تقي الدين (٢): والمشهور أنه إسراف. وقال بعض الشافعية: ليس بإسراف لأنه تقوم به مصالح البدن وملاذه، وهو غرض صحيح. وظاهر القرآن يمنع من ذلك. قال: والمشهور في مثل هذا أنه مباح، أعني إذا كان الإِنفاق في غير معصية، ونوزع فيه.

стр. 1899

قلت: قال القاضي حسين في كتاب "قسم الصدقات" [أنه حرام] (١) وتابعه عليه الغزالي. وجزم به الرافعي في الكلام على الغارم. وظاهر القرآن يقويه ففي غير آية أنه إسراف. وأما الإِمام [فقال] (٢) إنه ليس بحرام وإن لم يكن محمودًا، أي لأنه وإن كان يقوم به مصالح البدن وملاذه وهو غرض صحيح، لكنه يؤدي به الحال غالبًا إلى ارتكاب المحذور والذل. وما أدى إلى المحذور فهو محذور. وصحح الرافعي في "الشرح" في (باب الحجر) والمحرر أنه ليس بتبذير. وتبعه النووي (٣). أحدها: يدخل في إضاعة المال الإِنفاق على البناء. ومجاوزة حد الاقتصاد فيه. وتمويه الأواني والسقوف بالذهب والفضة. وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق والبهائم حتى يهلك. وقسمة ما [لا] (٤) ينتفع به الشريك كالجوهرة ونحوها واحتمال الغبن الفاحش في البياعات. ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه. الثاني: التقلل من شهوات الدنيا خير من الإِكثار منها. وهو حال الأنبياء وتابعيهم. وقد صح عنه أنه ﵊. كان يشد على بطنه الحجر (٥) من الجوع، ولم يشبع من خبز البر ثلاثًا

стр. 1900

متواليات، حتى قبض (١) ﷺ . وقد أوتي مفاتيح كنوز الأرض. وقال: "حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه" (٢) الحديث. فحق للمتدين أن يكون له أسوة بنبيه ﷺ . الثالث: الأصح عند الشافعية أنه لا يكره [أن] (٣) يتصدق بجميع ماله الفاضل عن الحاجة، إن كان يصبر على الضيق والإِضاقة وإلَّا فيكره. وبذلك يجمع بين أخبار الباب. وقال الباجي من المالكية: استيعاب جميع المال بالصدقة ممنوع منه. وقال مرة يكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا، ولا بأس بذلك في النادر لضيف أو وليمة أو عيد ونحو ذلك وإنما يكره من ذلك الخروج إلى حد السرف. وأقبح ما يكون ذلك عند الحاجة [للناس] (٤). الثالث والعشرون: قوله: "وكثرة السؤال" [يستثنى من كثرة السؤال ما أذن الشرع] (٥) فيه وجهان:

стр. 1901

أحدهما: أنه راجع إلى الأمور العلمية. وقد كانوا يكرهون تكلف المسائل التي لا تدعو الحاجة إليها. وقال ﷺ : "أعظم الناس جرمًا عند الله من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته" (١). وفي حديث اللعان، لما سئل عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها (٢). وفي حديث معاوية (٣) نهى عن الأغلوطات: وهي شداد المسائل وصعابها. وإنما كان ذلك

стр. 1902

مكروهًا لما يتضمن كثير منه من التكلف في الدين والتنطع والرجم بالظن من غير ضرورة تدعو إليه مع عدم الأمن من العثار، وخطأ الظن. والأصل المنع من الحكم بالظن إلَّا حيث تدعو الضرورة إليه، ومما دعت الضرورة إليه من ذلك جواز الاجتهاد في المياه والأخذ بما غلب على الظن طهارته مع وجود الماء المتيقن طهارته. وكذلك الأخذ بالأصل في طهارتها. وإن شك في نجاستها. وكذلك إلحاق الولد بالفراش لتعذر اليقين فيه. وكذلك عدم الحكم بالعلم والعمل بالبينة استبراءً للعرض المحثوث عليه شرعًا. وأما قول الشافعي ﵁. لولا قضاة السوء لقلت بجواز الحكم بالعلم فإنما كان ذلك لما يقع الاشتباه بالقاضي المحق والمبطل، ولا يقع النقاد من العلماء في كل عصر، ولو وقع قد تضعف نفوسهم عن إظهار الزيف، ولو أظهروا الحق قد لا يجدوا من يعينهم على إظهاره والعمل به، فمنع القول بجوازه سدًّا للتهمة في الدين والعرض عملًا بتخصيص الشرع على ذلك حيث قال: "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" (١) وأمره ﷺ بالحكم بالظاهر وقطعه ﵊ قطعة من النار (٢) لمن حكم له بالظاهر الذي يخالف الباطن.

стр. 1903

الثاني: أن يكون [ذلك] (١) راجعًا إلى سؤال المال وهو مناسب لقوله قبله وإضاعة المال. وقد وردت أحاديث في تعظيم تقبيح مسألة الناس، ومدح الله تارك السؤال الكثير بقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٢) أي إلحاحًا. فمفهومه ذم السائلين إلحافًا. وفي الحديث: "لا تزال المسألة بالعبد حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم" (٣) لا سيما من سأل من غير ضرورة تدعو إلى السؤال. ولا شك أن لفظ الحديث يدل على النهي عن كثرة السؤال لا على السؤال مطلقًا. وهو عام في سؤال الله -تعالى- والناس. خرج سؤال الله -تعالى- بالأمر به والحث عليه في قوله- تعالى-: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤)، وقوله ﵊ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله" (٥)، وهو مطلق كثيره وقليله. بقي القليل من سؤال الناس لبعضهم. وفي حديث رواه أبو داود أنه ﵊ قال لبعض من

стр. 1904

سأله عن المسألة مرارًا [في] (١) الثالثة: "فإن كنت لابد سائلًا فاسئل الصالحين" (٢) وإذا ثبت بعض سؤال بعض الناس فلا شك أن بعضه ممنوع من حيث أن يكون السائل [غنيًّا] (٣) لا حاجة به إلى ما سأل [و] (٤) يُظهر الحاجة وهو في الباطن بخلافها أو يخبر السائل عن أمر هو فيه كاذب. وفي السنة ما يشهد باعتبار ظاهر الحال في هذا وهو ما ثبت "أن رجلًا من أهل الصفة مات وترك دينارين فقال النبي ﷺ : "كيتان" (٥)، وإنما كان ذلك -والله أعلم- لأنهم كانوا فقراء مجردين يتصدق عليهم ويأخذون بناء على الفقر والعدم وظهر معه هذان الديناران على خلاف ظاهر حاله. قال الشيخ تقي الدين (٦): والمنقول عن مذهب الشافعي جواز السؤال. قلت: وكذا قال الشيخ عز الدين في "أماليه": إنه الصحيح من مذهب الشافعي. وبه قال كثيرون لأنه طلب مباح فوجب أن يجوز

стр. 1905

قياسًا على طلب العارية وغيرها. والذم الوارد في الأخبار يحمل على من سأل من الزكاة الواجبة وليس هو من الأصناف الثمانية. وقال النووي في "شرح مسلم": اتفق العلماء على النهي عن السؤال إذا لم يكن ضرورة. واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين: أصحهما: أنه حرام لظاهر الأحاديث. والثاني: أنه حلال مع الكراهة [بثلاثة] (١) شروط، وهي: أن لا يلح في السؤال، ولا يذل نفسه ذلًّا زائدًا على ذل نفس السؤال، ولا يؤذي المسؤول. فإن فقد أحد هذه الشروط فهي حرام. ثم ينظر في السؤال إن كان في سورة لا يحرم من العلم أو المال. فإن [كان] (٢) في صورة تقتضي المنع منه تنزيهًا. فينبغي الامتناع من قليله وكثيره. وإن لم يقتض المنع منه حمل النهي على الكثير من السؤال المباح دون قليله، لأن كراهتها في الكثير أشد وليس في الحديث ما يدل إلَّا على الكثرة فقط، أو يحمل الحديث على الوجه [الأول] (٣) عن كثرة السؤال عن المسائل المتعلقة بالدين الحاملة على التنطع والتدقيق والتضييق فيه. قال الشيخ تاج الدين الفاكهي: والعجب من القائل بكراهة

стр. 1906

السؤال مطلقًا حيث لا يحرم مع كون السؤال كانوا في زمنه ﷺ . وفي زمن الصحابة والتابعين إلى هلم جرا. وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ....﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ (٢). وفي الحديث "ردوا السائل ولو بشق تمرة" (٣). والشارع لا يقر على مكروه، بل لا يبعد عندي [أنه] (٤) يجب السؤال في وقت الضرورة. ولا أظن أحدًا ينازع في ذلك. وقال بعضهم: المراد بكثرة السؤال في الحديث سؤال الناس عن أموالهم وما في أيديهم. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك. وقال بعضهم: المراد به كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث

стр. 1907

الزمان وما لا يعني الإِنسان، فإن هذا قد [عرف] (١) من النهي عن قيل وقال. وقال بعضهم: المراد به كثرة سؤال الإِنسان عن حاله وتفاصيل أمره فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه ويتضمن ذلك حصول [الحرج] (٢) في حق المسؤل فإنه قد لا يؤثر بإخباره بأحواله فإن أخبره سبق عليه. وإن كذبه في الأخبار أو تكلف التعرض لحقته مشقة. وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب. فائدة: [مراد الحديث] (٣) كثرة السؤال لنفسه. فهل يكون السؤال لغيره [حكمه] (٤) حكم نفسه في الكثرة والقلة، أو يمنع منه مطلقًا أو يؤذن فيه مطلقًا. الظاهر أنه يختلف ذلك باختلاف المقاصد والنيات وحال السائل والمسؤول. الرابع والعشرون: قوله: "وكان ينهي عن عقوق الأمهات" (٥). العقوق عدم البر والإِحسان إلى الوالدين. يقال: عق والده يُعِق [عقًّا] (٦) وعقوقًا ومعقة. فهو عاقق وعُقق [بضم العين والقاف] (٧) مثل عامر وعمير. والجمع: عققة مثل كفرة.

стр. 1908

وتوقف الشيخ عز الدين: في ضابط العقوق: وأقرب ما فيه أنه كل فعل يتأذى به الوالد ونحوه تأذيًا ليس بالهين. وقد صنف العلماء في "بر الوالدين" (١) كالطرطوشي وغيره ما يتعين من ذلك وما يندب. وما أحسن قول ابن عطية في "تفسيره" (٢): جملة هذا الباب: أن طاعة الوالدين لا تراعى في ركوب كبيرة. ولا في ترك فريضة على الأعيان. وتلزم طاعتهما في المباحات ويستحسن في ترك الطاعات الندبية. ومنه [أمر] (٣) جهاد الكفاية. والإِجابة للأم في الصلاة مع إمكان [إعادتها] (٤) على أن هذا أقوى من الندب، لكن يعلل بخوف هلاكها عليه ونحوه. مما يحيى قطع الصلاة فلا يكون أقوى من الندب. وخالف الحسن (٥) في هذا الفضل. فقال: إن منعته أمه من شهود العشاء الآخرة شفقة عليه فلا يطعها. وأغرب داود الظاهري فقال في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٦). قال: لا تقل لهما هذا اللفظ. وقل ما سواه واضربهما. وهو قياس فاسد. وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على عد العقوق من الكبائر وهو إجماع.

стр. 1909

الخامس والعشرون: "أمهات" جمع أمهة. والفرق بين "أُمَّهة" و "أمُ" أن [أمهة] (١) إنما تقع غالبًا على من يعقل بخلاف أم. السادس والعشرون: إنما خص الأمهات بذلك دون الآباء وإن كان العقوق محرمًا في حق الجميع لأجل كثرة [عقوقهن] (٢) وشدتها ورجحان الأمر ببرهن وتكريره مرات دون الآباء، ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات، ويطمع الأولاد فيهن، ونظير تكراره في حقهن دونه. قوله -تعالى-: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (٣). شرّك الله -تعالى- الأم والوالد في رتبة الوصية. وخص الأم بذكر درجة الحمل وبالرضاع فحصل لها ثلاث مراتب وللأب واحدة. وفي الحديث الآخر: "أمك أمك ثم أباك" (٤). واستدل به بعضهم على أن لها [ثلثي] (٥) البر. تنببه: ذكر الأمهات في هذا الحديث من باب تخصيص الشيء بالذكر إظهارًا لعظيم موقعه في الأمر إن كان مأمورًا [به] (٦). وفي

стр. 1910

النهي إن كان منهيًّا عنه. وقد يراعى في موضع آخر. التنبيه بذكر الأدنى على الأعلى فيخص الأدنى بالذكر [وذلك] (١) [بحسب] (٢) اختلاف المقصود. وقد يقع التنبيه بالأعلى [على] (٣) الأدنى. السابع والعشرون: قوله: "ووأد البنات" هو بالهمز. وهو عبارة عن دفنهن بالحياة كما كانت الجاهلية تفعله. وإليه الإِشارة. بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ (٤). يقال: وأد بنته يئدها وأدًا فهي "مَوْءودة". وكانت كندة تئد البنات. وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد. وبه افتخر الفرزدق في قوله: [ومنا] (٥) الذي منع الوائدات ... [وأحيا] (٦) الوليد فلم يُؤدِ وكان صفة وأدِهِمْ أن الرجل إذا وُلدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة صوف أو شعر ترعى له الإِبل والغنم في البادية. وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها. وقد حفر لها بئرًا في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها فيدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى يستوي البئر بالأرض ...

стр. 1911

وقيل: كانت الحامل إذا اقتربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتًا رمت بها في الحفرة. وإذا ولدت ابنًا حبسته. وكان الحامل لهم على ذلك الخوف من لحوق العار بهم من أجلهن أو الخوف من الإِملاق وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهن -تعالى- الله عن ذلك. ومن كلام بعضهم في الجاهلية: كنا نقتل أولادنا يعني الإِناث ونربي كلابنا. واعلم إنما خصت البنات بالذكر دون الأبناء لأنه كان هو الواقع، فتوجه النهي إليه لا لأن الحكم مخصوص بالبنات. والوأد: من الكبائر الموبقات لأنه قتل نفس بغير حق. ويتضمن أيضًا قطيعة الرحم. الثامن والعشرون: فيه دليل على تحريم قتل النفس بغير حق شرعي. التاسع والعشرون: قوله: "ومنع وهات" منع مصدر منع، وهات فعل أبو من تهاتى مثل يراني. يقال: هاتِ يا رجل -بكسر التاء- أي اعطني. قال الخليل: هاتِ من [ائت] (١) يؤتى فقلبت الألف هاء فهات على هذا في الحكاية كما تقدم في قيل بالفتح.

стр. 1912

الثلاثون: هذا النهي راجع إلى السؤال الصحيح وغير الصحيح بالمنع والإِعطاء وحينئذ يحتمل وجهين: أحدهما: النهي عن المنع حيث يؤمر بالإِعطاء. وعن السؤال حيث منع منه فيكون كل واحد منهما مخصوصًا بصورة غير سورة الآخر. الثاني: أن يجتمعا في سورة واحدة فلا تعارض بينهما فتكون وظيفة الطالب ووظيفة المعطي أن لا يمنع إن وقع السؤال وهذا لا بد أن يستثني منه ما إذا كان المطلوب محرمًا على الطالب فإنه يمتنع على المعطي إعطاؤه لكونه معينًا على الإِثم. ويحتمل أن يكون ذلك محمولًا على الكثرة من السؤال. والعبارة الواضحة في ذلك النهي عن منع ما أُمر بإعطائه. وطلب ما لا يستحق أخذه. وترجم عليه النووي في "شرح مسلم" (١): النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. والنهي عن منع وهات. وهو الامتناع من أداء حق لزمه، أو طلب ما لا يستحقه.

стр. 1913

الحديث الثالث ١٣١/ ٣/ ٢٤ - عن سُمَي -مولى أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام-، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، قد ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العُلَى، والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك"؟ فقالوا: يصلُّون كما نصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق. ويُعْتِقُون ولا نُعْتِق. فقال رسول الله ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به مَنْ سبقكم، وتسبقون به مَنْ بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلَّا من صَنَعَ مثلَ ما صنعتم"؟ قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: "تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون دبر كل صلاة، ثلاثًا وثلاثين مرة". قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين (١)، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا،

стр. 1914

ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". قال سُمَي: فحدثت [بعض] (١) أهلي بهذا الحديث، فقال: وهمت، إنما قال [لك] (٢) تسبح ثلاثًا وثلاثين، وتحمد ثلاثًا وثلاثين، وتكبر ثلاثًا وثلاثين، فرجعت إلى أبي صالح، فقلت له ذلك. فقال: قل: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى يبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين" (٣).

стр. 1915

الكلام عليه من سبعة وعشرين وجهًا. الأول: "سُمَي" بضم أوله، قرشي مخزومي، مولاهم مدني تابعي ثقة، وكان جميلًا، قتله الخوارج يوم قديد (١) سنة ثلاثين ومائة (٢). قال ابن الأثير: ويقال سنة إحدى وثلاثين وجزم بهذا ابن العطار في "شرحه". الثاني: "أبو بكر" هذا هو أحد الفقهاء السبعة، في اسمه أقوال. والصحيح أن اسمه كنيته، مات سنة أربع وتسعين (٣). الثالث: أبو صالح هذا اسمه ذكوان مدني مولى جويرية الغطفانية. يقال له السمان والزيات. لجلبه [لهما] (٤) إلى الكوفة، شهد الدار زمن عثمان، ورَوَى عن عائشة وخَلْقٍ، وعنه بنوه: سهيل، وعبد الله، وصالح. وخَلْقٌ. وكان من علماء التابعين وثقاتهم. قال: ما كنت أتمنى من الدنيا إلَّا ثوبين أبيضين أجالس فيهما أبا هريرة، مات بالمدينة سنة إحدى ومائة. وترجمته والذي قبله أوضحتهما فيما أفردته من الكلام على أسماء رجال هذا الكتاب

стр. 1916

فراجع ذلك منه (١). الرابع: قوله: "فقراء المهاجرين" هو من باب مسجد الجامع، وصلاة الأولى. مما أضيف فيه الموصوف إلى صفته. وكان الأصل الفقراء المهاجرين، كما أن الأصل المسجد الجامع، والصلاة الأولى، ووقع في شرح الشيخ تقي الدين (٢) "المسلمين" بدل "المهاجرين"، وتبعه ابن العطار في "شرحه"، والموجود في النسخ ما قدمته وهو محفوظٌ. الخامس: "الدثور" بضم الدال: الأموال الكثيرة واحدها "دَثْرٌ" وهو المال الكثير -بفتح الدال- مثل فلس وفلوس. قال القرطبي (٣)، وكذا الدِبر -بكسر الدال وبالباء الموحدة-، ووقع في السيرة (٤) في خبر النجاشي دَبر من ذهب -بفتح الدال-.

стр. 1917

قال ابن هشام: ويقال: دِبْرًا قال: وهو الجبل بلغة الحبشة. قال الهروي: يقال: مال دثر، [ومالان دَثْرٌ] (١)، وأموال دَثْرٌ. وحكى أبو عمرو المطرز: أن الدثر -بالثاء- يثنى ويجمع، قال ابن [قرقول] (٢)، ووقع في رواية المروزي "أهل الدور" وهو تصحيف، وعند الخطابي (٣) "الدور" والصواب: "الدثور". السادس: "الدرجات" يجوز أن تكون حِسِّيَّة على ظاهرها من درج الجنات، ويجوز أن تكون معنوية أي علا قدرهم عند الله وارتفعت درجاتهم عنده من قولهم: ارتفعت درجة فلان عند الملك ونحو ذلك. السابع: "النعيم" ما يتنعم به من [ملبس ومطعم] (٤) أو منكح أو منظر أو من علوم ومعارف أو غير ذلك.

стр. 1918

والمقيم: [الدائم] (١) الذي لا ينقطع أبدًا، جعلنا الله من أهله بمنه. الثامن: في الحديث السؤال عن الأعمال المحصلة للدرجات العالية والنعيم الدائم والتوسعة في الغبطة وهو تمني أن يكون له مثل ما لزيد مع بقاء نعمته عليه فإن تمنى زوالها إليه [فهو] (٢) الحسد. التاسع: قوله ﵊: "تدركون به من سبقكم" السبقية هنا يحتمل أن تكون في الغنى وهو السبق في الفضيلة. وقوله: "من بعدكم" أي من بعدكم في الفضيلة على من لا يعمل هذا العمل، ويحتمل أن يراد القبلية الزمانية، والبعدية الزمانية. قال الشيخ تقي الدين (٣): والأول أقرب إلى السياق، فإن سؤالهم [كان] (٤) عن أمر الفضيلة، وتقدُّمِ الأغنياء. قلت: لعل مراده بالقبلية والبعدية من كان في زمنهم، وإلَّا ففضيلة هذه الأمة ثابتة على من سبقهم، وإن لم يقولوا هذا الذكر. العاشر: قوله: "ولا يكون أحد أفضل منكم" يدل على ترجيح هذه الأذكار على فضيلة المال، وعلى أن تلك الفضيلة للأغنياء

стр. 1919

مشروطة بأن لا يفعل هذا الفعل الذي أُمر به الفقراء، وأن من نقص شيئًا مما ذكر كان مفضولًا بالنسبة إلى من أتى به. الحادي عشر: قوله: "تسبحون إلى آخره" فيه دلالة على تعليم كيفية هذا الذكر ولا شك أن جمعه والإِتيان بكل كلمة منه على حده فرادى جائز لكن جمعه راجح، لأن العدد في الجملة يحصل في كل فرد من العدد كيف وهو ظاهر الحديث. وحكى أبو عمران الزناتي المالكي: أن العلماء اختلفوا في جمعها وتفريقها أيهما أفضل، ورجح بعض من صنف، الجمع بالإِتيان بواو العطف كنظيره من التشهد. الثاني عشر: قوله: "دبر كل صلاة" أي إثر فراغها وهو -بضم الدال- على المشهور كما سلف في الحديث قبله. وقال بعضهم: يقال جعل كلامه دبر أذنه -بالفتح- أي خلفها إذا لم يلتفت إليه، قال: والدُبر: -بالضم والإِسكان- نقيض القبل (١) من كل شيء. يقال: أعتق عبده عن دبر إذا أعتقه بعد موته (٢). الثالث عشر: قوله: "كل صلاة" ظاهره استواء الفرض والنقل

стр. 1920

في ذلك، وعليه حمله بعض العلماء لكن في حديث كعب بن عجرة مرفوعًا: "معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحه وثلاث وثلاثون تحميده وأربع وثلاثون تكبيره (١) " وقد يحمل الحديث الذي نحن فيه عليه، لأن المثلية إنما تتحقق إذا كان عقب صلوات معلومة.

стр. 1921

الرابع عشر: نقل القاضي عياض: عن بعضهم أن الفضائل التي جاءت من الأذكار أنها إنما هي لأهل الشرف في الدين والطهارة من الكبائر دون المصرين وغيرهم، قال: وفيما قاله نظر، والأحاديث عامة. الخامس عشر: قوله: "فرجع فقراء المهاجرين" (١) إلى آخره فيه المسابقة إلى الأعمال المحصِّلة للدرجات العالية والنعيم الدائم. السادس عشر: قوله: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" فيه فضل من جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة: من الصلاة، والصوم، والصدقة، والعتق، والذكر، وذكر بعضهم: أن ثواب الذكر الذي حصل للأغنياء إنما هو بسبب مسألة الفقراء فحصل للفقراء ثواب الذكر وزيادة كونهم سنوا هذه السنَّة الحسنة، فقال لهم ذلك فضل الله أي الأجران الحاصلان يؤتيهما من شاء ففي هذا تفضيل الفقير على الغني وسيأتي ما فيه (٢). السابع عشر: قوله: "فحدثت بعض أهلي هذا الحديث" لم أر تعيين هذا البعض في رواية بعد الكشف عنه. الثامن عشر: قوله: "وهِمت" هو بكسر الهاء، وحكى ابن الأعرابي في "نوادره" أوهم في الحساب ووهِم ووهَم إذا أسقط وكذا في الكلام والكتاب.

стр. 1922

التاسع عشر: قوله: "فرجعت إلى أبي صالح فقال: الله أكبر" إلى آخره، ظاهره: أنه يقول: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرة. وظاهر الحديث أنه يسبح ثلاثًا وثلاثين مستقلة ثم يحمد كذلك ثم يكبر كذلك وهو ظاهر جميع روايات الحديث. قال القاضي عياض (١): وهو أولى من تأويل أبي صالح. العشرون: قوله: "ثلاثًا وثلاثين مرة" لا يعارضه رواية [سهيل] (٢) إحدى عشرة، إحدى عشرة، لأنها رواية الأكثرين ومعهم زيادة فيجب قبولها. وروى البخاري في الدعوات من صحيحه رواية ثالثة وهي "تسبحون دبر كل صلاة عشرًا وتحمدون عشرًا وتكبرون عشرًا" ويحتمل أن يكون صدر هذا القول في مجالس أولها عشرًا عشرًا ثم إحدى عشرة ثم ثلاثًا وثلاثين (٣). الحادي والعشرون: جاء في رواية لمسلم (٤) "تمام المائة لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء

стр. 1923

قدير" وفي رواية (١): "إن التكبير أربع وثلاثون"، فيجمع بين الكل ففي تمام الحديث من قال ذلك "غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"، وفي سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو (٢) عن النبي ﷺ قال: "خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلَّا دخل الجنة، هما يسير، ومن يعمل بهما قليل: تسبح الله في دبر كل صلاة عشرًا [وتحمد عشرًا] (٣) وتكبر عشرًا، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان ويكبر أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثًا وثلاثين،

стр. 1924

ويسبح ثلاثًا وثلاثين فذلك مائة باللسان وألفٌ من الميزان" الحديث. الثاني والعشرون: قال [القرافي] (١): في "قواعده": من البدع المكروهة الزيادة في المندوبات المحدودة شرعًا، كما ورد في التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين عقب الفرائض، فيفعل أكثر من ذلك لأن شأن العظماء إذا حدوا شيئًا أن يوقف ويعد الخارج عنه مسيئًا للأدب (٢). [قلت: روى النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: من سبح في دبر كل صلاة مكتوبة مائة، وكبّر مائة، وهلل مائة، وحمد مائة، غُفر له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر" (٣)، فهذا زائد على ذلك المقدار فاتسع الباب] (٤).

стр. 1925

الثالث والعشرون: من فوائد الحديث أن الإنسان قد يدرك بالعمل اليسير في الصورة، العظيم في المعنى من سبقه، ولا يدركه من بعده في الفضل ممن لا يعلم به، فإن سياق الحديث يدل على ذلك كما [سلف] (١). الرابع والعشرون: فيه أيضًا فضل الذكر أدبار الصلوات. الخامس والعشرون: فيه [أن] (٢) أدبار الصلوات أوقات فاضلة يرتجى فيها إجابة الدعوات وقبول الطاعات ويصل بها متعاطيها إلى الدرجات العالية والمنازل الغالية. السادس والعشرون: فيه تعلق المسألة المشهورة وهي التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر وفيها خلاف شهير يجمعه خمسة أقوال حكاها القرطبي (٣) في "شرحه". أحدها: تفضيل الغني لهذا الحديث وغيره وهو قول الأكثرين وأطنب الغزالي في الاستدلال له في "الأحياء". قال الشافعي ﵁ فيما نقله ابن شاكر القطان (٤) في "فضائله": المال رحمة من الله تعالى يُعينُ العبدَ على طاعته ويتقرب إلى الله به.

стр. 1926

والثاني: تفضيل الفقير لاستعاذته ﷺ من الغِنَى خصوصًا إذا كان مطغيًا، وهو قول جمهور الصوفية كما سيأتي. والثالث: تفضيل الكفاف لسؤاله ﷺ إياه. والرابع: أن التفضيل باعتبار حال الناس في الغنى والفقر بالنسبة إلى صلاحهم في أنفسهم وأديانهم. الخامس: التوقف عن تفضيل واحد منهما على الآخر والمسألة لها [عوز] (١) وفيها أحاديث متعارضة، وقد صنف العلماء فيها كتبًا عديدة. قال القرطبي (٢): والذي يظهر لي في الحال أن الأفضل من ذلك ما اختاره الله لنبيه ولجمهور صحابته وهو الفقر غير المدقع، ويكفيك دليلًا "أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام وأصحاب الأموال محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار يسألون عن فضول أموالهم"، [كما ثبت في الصحيح و (٣)] (٤) على هذا فيتعين

стр. 1927

تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وقد تأوله بعضهم بأن قال: إن الإِشارة في قوله: "ذلك" راجعة إلى الثواب المترتب على الأعمال، الذي به يحصل التفضيل عند الله فكأنه قال ذلك الثواب الذي أخبرتكم به، لا يستحقه الإِنسان بحسب الأذكار، ولا بحسب إعطاء الأموال وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء. وقال الشيخ تقي الدين (٢): ظاهر الحديث تفضيل الأغنياء بزيادة القربات المالية، قال: قال وبعض الناس تأول قوله: "ذلك فضل الله يوتيه من يشاء" بتأويل مستكره يخرجه عن الظاهر والذي يقتضيه الأصل تساويهما -وحصول الرجحان بالعبادات المالية- فيكون الغنى أفضل، وذلك غير مشكوك فيه. والذي يقع النظر فيه إذا تساويا في أداء الواجب فقط وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو فيه، من الصبر أو الشكر فإن كلاًّ منهما متعبد به وإذا تقابلت المصالح ففي ذلك نظر، ترجع إلى تفسير الأفضل. فإن فسر بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، وإن فسر بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق، والرياضة لسوء الطباع [بسبب] (٣) الفقر أشرف. فيترجح الفقر. قال: ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها. وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى، فكان أفضل بمعنى

стр. 1928

[أشرف] (١). قلت: وذهب قوم إلى أن الفقر المستعاذ منه فقر النفس (٢). قال ابن الجوزي: والصواب أن يقال الفقر مصيبة من مصائب الدنيا والغنى نعمة من نعمها، ووزانهما المرض والعافية ففي المرض ثواب وفضل لا يمنع ذلك من الاستعاذة منه وسؤال العافية فكذلك الفقر والغنى. تنبيه: لا شك أن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام كان غنيًا بالله -تعالى- شاكرًا له، فقيرًا إليه، صابرًا على جميع أحواله، وآخر أحواله جيئت إليه خزائن الأرض، وهادتة الملوك، وفتحت الفتوح، وكذا صحابته الذين أدركوا الفتوحات، فكان المال الكثير في اليد لا في القلب، فهم بهذا الاعتبار أغنياء لا فقراء، وكان ﷺ يعطي عطاء من لا يخاف الفقر (٣).

стр. 1929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1930

تتمة: لما مضى قد أسلفنا أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام وهذا لفظ الترمذي (١)، ولفظ ابن ماجه "فقراء المؤمنين" وفي رواية لهما "يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام"، قال الترمذي: حسن صحيح. وفي مسلم (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة
следующие страницы →