← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

والثاني: تفضيل الفقير لاستعاذته ﷺ من الغِنَى خصوصًا إذا كان مطغيًا، وهو قول جمهور الصوفية كما سيأتي. والثالث: تفضيل الكفاف لسؤاله ﷺ إياه. والرابع: أن التفضيل باعتبار حال الناس في الغنى والفقر بالنسبة إلى صلاحهم في أنفسهم وأديانهم. الخامس: التوقف عن تفضيل واحد منهما على الآخر والمسألة لها [عوز] (١) وفيها أحاديث متعارضة، وقد صنف العلماء فيها كتبًا عديدة. قال القرطبي (٢): والذي يظهر لي في الحال أن الأفضل من ذلك ما اختاره الله لنبيه ولجمهور صحابته وهو الفقر غير المدقع، ويكفيك دليلًا "أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام وأصحاب الأموال محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار يسألون عن فضول أموالهم"، [كما ثبت في الصحيح و (٣)] (٤) على هذا فيتعين

стр. 1927

تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) وقد تأوله بعضهم بأن قال: إن الإِشارة في قوله: "ذلك" راجعة إلى الثواب المترتب على الأعمال، الذي به يحصل التفضيل عند الله فكأنه قال ذلك الثواب الذي أخبرتكم به، لا يستحقه الإِنسان بحسب الأذكار، ولا بحسب إعطاء الأموال وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء. وقال الشيخ تقي الدين (٢): ظاهر الحديث تفضيل الأغنياء بزيادة القربات المالية، قال: قال وبعض الناس تأول قوله: "ذلك فضل الله يوتيه من يشاء" بتأويل مستكره يخرجه عن الظاهر والذي يقتضيه الأصل تساويهما -وحصول الرجحان بالعبادات المالية- فيكون الغنى أفضل، وذلك غير مشكوك فيه. والذي يقع النظر فيه إذا تساويا في أداء الواجب فقط وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو فيه، من الصبر أو الشكر فإن كلاًّ منهما متعبد به وإذا تقابلت المصالح ففي ذلك نظر، ترجع إلى تفسير الأفضل. فإن فسر بزيادة الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، وإن فسر بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق، والرياضة لسوء الطباع [بسبب] (٣) الفقر أشرف. فيترجح الفقر. قال: ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها. وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغنى، فكان أفضل بمعنى

стр. 1928

[أشرف] (١). قلت: وذهب قوم إلى أن الفقر المستعاذ منه فقر النفس (٢). قال ابن الجوزي: والصواب أن يقال الفقر مصيبة من مصائب الدنيا والغنى نعمة من نعمها، ووزانهما المرض والعافية ففي المرض ثواب وفضل لا يمنع ذلك من الاستعاذة منه وسؤال العافية فكذلك الفقر والغنى. تنبيه: لا شك أن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام كان غنيًا بالله -تعالى- شاكرًا له، فقيرًا إليه، صابرًا على جميع أحواله، وآخر أحواله جيئت إليه خزائن الأرض، وهادتة الملوك، وفتحت الفتوح، وكذا صحابته الذين أدركوا الفتوحات، فكان المال الكثير في اليد لا في القلب، فهم بهذا الاعتبار أغنياء لا فقراء، وكان ﷺ يعطي عطاء من لا يخاف الفقر (٣).

стр. 1929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1930

تتمة: لما مضى قد أسلفنا أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام وهذا لفظ الترمذي (١)، ولفظ ابن ماجه "فقراء المؤمنين" وفي رواية لهما "يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام"، قال الترمذي: حسن صحيح. وفي مسلم (٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة

стр. 1931

بأربعين خريفًا" وجمع المنذري بينهما بأن فقراء المهاجرين يسبقون فقراء المسلمين إلى الجنة بهذه المدة لما لهم من فضل الهجرة وترك أموالهم بمكة رغبة إلى ما عند الله. واعترض عليه المحب في "أحكامه" فقال: فيما ذكره نظر والوجه حمل الأغنياء فيه على أغنياء المهاجرين ومن غيرهم قيل الأغنياء من غير المهاجرين بخمسمائة عام، قال: وأما حديث ابن ماجه والترمذي: "إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام" (١)، وحديث الترمذي: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا" (٢) فغير ثابتين كما قال المنذري ولو ثبتا أمكن الجمع بينهما بأن يحمل ذلك على اختلاف مراتب الغنى والشكر والفقر والصبر عليه فيدخل بعض فقراء المهاجرين قبل أغنيائهم بأربعين، وقبل [بعضهم] (٣) بخمسمائة وكذلك فقراء المسلمين مع أغنيائهم ولا يخفى تنزيل ذلك على الأحوال.

стр. 1932

السابع والعشرون: قال الشيخ عز الدين: في هذا الحديث رد على من يقول إن العمل المتعدي أفضل من القاصر. وأطلق القول بذلك لأنه ﵊ قدم هذا الذكر على الصدقة بالأموال وجعل لهم المزية بقوله: "ولا يكون أحد أفضل منكم" إلى آخره وقد قدمنا كلام الشيخ تقي الدين في ذلك قريبًا.

стр. 1933

الحديث الرابع ١٣٢/ ٤/ ٢٤ - " عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلَّى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة. فلما انصرف قال: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي [جهم] (١) وائتوني بأنبجانية أبي [جهم] (٢) فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي" (٣). "الخميصة" كساء مربع له أعلام. و"الأنبجانية" كساء غليظ. الكلام عليه من تسعة عشر وجهًا:

стр. 1934

الأول: هذا الحديث لا يظهر له مناسبة في هذا الباب الذي ترجمه المصنف بالذكر عقب الصلاة (١). الثاني: "أبو جهيم" هذا اسمه عامر. وقيل: عبيد بن حذيفة القرشي العدوي. أسلم يوم الفتح وكان مقدمًا في قريش معظمًا. وكان عالمًا بالنسب. ومن المعمرين من قريش، بني الكعبة مرتين، مرةً في الجاهلية حين بنتها قريش، ومرةً حين بناها ابن الزبير. وهو أحد الجماعة الذين دفنوا عثمان، مات في آخر خلافة معاوية وادَّعى بعض الحفاظ أنه لا رواية له (٢). قلت: وهو غير أبي [جُهيم] (٣) بضم أوله وزيادة ياء المذكور في باب المرور كما سبق. الثالث: "الخميصة" بفتح الخاء المعجمة كساء مربع له أعلام كما قاله المصنف. قال المازري: مصبوغ علمه حرير.

стр. 1935

وقال الباجي (١): هي كساء من صوف رقيق يكون له في الأغلب علم، وكانت (٢) من أشرف لباس العرب. ونقل المحب الطبري في "أحكامه": عن الأصمعي أنها ثوب خزٍ أو صوف بعلم أسود. وعن أُبي أنها كساء مربع له علمان. قال: وقيل: لا تسمى خميصة إلَّا أن تكون سوداء معلمة. وجمعها خمائص. وقيل: هي كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود. وسميت [خميصة] (٣): للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت. الرابع: "الأَنبجانية" بفتح الهمزة وكسرها وبفتح الباء الموحدة وكسرها وبتشديد الياء المثناة تحت وتخفيفها. قال ابن قتيبة: إنما هي منبجاني (٤) ولا يقال: أنبجاني منسوب

стр. 1936

إلى منبج، وفُتحَت الباء في النسب لأنه خرج مخرج مخبراني. وهو قول الأصمعي: وما قاله ليس بظاهر، فإن النسبة إلى منبج منبجي إلا أن يحمل على تغيير النسب. وقال بعضهم: [إنها تُعمل بحلب وتجلب إلى جسر منبج] (١). وقيل: إنه نسبة إلى موضع يقال له أنبجان وهو أشبه، لأن الأول فيه تعسف ذكره الحافظ أبو موسى (٢). وقوله: "وائتوني بأنبجانية أبي جهم"، رُوي بتشديد الياء المثناة تحت والتأنيث على الإِضافة وعلى التذكير كما في الرواية الأخرى "كساء له أنبجانية". قال الباجى (٣): ويقال أنبجانية وأنبجاني إن أردت الثوب والكساء ذكَّرت. وان أردت الرقعة أنَّثت.

стр. 1937

قال المصنف: وهو كساء غليظ. زاد غيره: لا علم له فإن كان له علم فهو الخميصة. وقال ثعلب: هو كل ما كتف. وقال الداودي: هو كساء غليظ بين الكساء والعباءة. وقال المازري: هو كساء سُدَاهُ قطن أو كتان ولُحْمَتُهُ صوف (١). الخامس: معنى قوله ﵊: "ألهتني آنفًا عن صلاتي"، أنها شغلت قلبي عن كمال الحضور في الصلاة وتدبر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها من الانقياد والخضوع. نعم في الموطأ (٢) "إني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتتني".

стр. 1938

قال الباجي (١): ولم تقع الفتنة منه وكانت [صلاته] (٢) كاملة. ومعنى قوله: "آنفًا" الساعة. السادس: بَعْثُهُ ﵊ بالخميصة إلى أبي جهم وطَلَبُ أنبجانيته من باب الإِدلال عليه لعلمه بأنه [يْؤْثِرُ] (٣) ذلك ويفرح به، ولا يلزم من بعثها إليه أن أبا جهم يصلِّي فيها. فإن حُلَّةَ عطارد بعث بها النبي ﷺ إلى عمر وقال: "لم أبعث بها إليك لتلبسها" (٤). وفي لفظ "لم أَكْسُكَهَا لتلبسها"، على أن بعضهم نقل أن أبا جهم كان أعمى فالإِلهاء مفقود عنده، وبهذا يجاب أيضًا عما

стр. 1939

أورده بعضهم من أنها إذا ألهت سيد الخلق مع عصمته فكيف لا تلهي أبا جهم. السابع: في الحديث دليل على جواز لبس الثوب ذي العلم. الثامن: فيه أيضًا أن اشتغال المنكر يسيرًا في الصلاة غير قادح فيها وأنها صحيحة. وهذا إجماع الفقهاء. وحكى بعض السلف والزهاد ما لا يصح عن من يعتد به في الإِجماع. التاسع: فيه طلب الخشوع في الصلاة، والإِقبال عليها، ونفي كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذلك. ولهذا قال أصحابنا: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده ولا يتجاوزه. العاشر: فيه المبادرة إلى ترك كل ما يلهي ويشغل القلب عن الطاعات وإلى الإِعراض عن زينة الدنيا والفتنة بها. الحادي عشر: فيه منع النظر وجمعه عما لا حاجة بالشخص إليه في الصلاة وغيرها، وقد كان السلف لا يخطئ أحدهم موضع قدمه إذا مشى. الثاني عشر: فيه ما استنبطه الفقهاء منه وهو كراهة تزويق حيطان المساجد ومحاريبها بالأصباغ والنقوش وزخرفتها بالصنائع المستظرفة. فإن الحكم يعم بعموم علته. والعلة الاشتغال عن الصلاة. وزاد بعض المالكية: في هذا كراهة غرس الأشجار في المسجد. وقاله من الشافعية الصيمري وصاحب البيان: ونشره أصحاب مالك التزاويق والكتب في القبلة أيضًا ودخول الصبي

стр. 1940

الذي لا يعقل الصلاة. وفي الموطأ (١) "أن أبا طلحة صلى في حديقته فنظر إلى نخلها فأعجبه ذلك فلم يدر كم صلى فتصدق بحديقته". [الثالث عشر] (٢): فيه قبول الهدية من الأصحاب والإِرسال بها إليهم والطلب لها بمن يظن به السرور به والمسامحة. الرابع عشر: فيه سد الذرائع قاله القرطبي (٣). الخامس عشر: جاء في الموطأ (٤) في هذا الحديث أن الخميصة كانت شامية، فاستدل بذلك على صحة الصلاة فيما نسجه المشركون. قال الباجي (٥): وذلك يحتمل وجهين: الأول: أن الصوف والشعر لا ينجس بالموت. والثاني: أن ذبائح أهل الكتاب حلال لنا وهم كانوا بالشام

стр. 1941

حينئذ. فيحمل ما ورد من جهنم، على الذكاة لما علم أن ذلك كان عملهم. السادس عشر: في الموطأ (١) أيضًا أن أبا جهم أهدى لرسول الله ﷺ تلك الخميصة. ففيه دليل كما قال الباجي (٢) على أن للإِنسان أن يشتري ما أهدى لغيره من المهدي إليه وغيره (٣) بخلاف ما تصدق به فإنه يكره أن يشتريه للنهي عنه. السابع عشر: احتج بعضهم بهذا الحديث على انعقاد البيع بالمعاطاة لانتفاء الصيغة منهما. الثامن عشر: استدل بعضهم به على هجر كل ما يصد عن الله كهجران أبي لبابة دار قومه التي أصحاب فيها الذنب (٤) وارتحاله ﵊ من الوادي الذي نام فيه عن الصلاة. واستنبط المحب الطبري في "أحكامه": منه أن النظر بالعين غير مكروه ما لم يكن معه التفات. وترجم عليه ذكر اللمح بالعين.

стр. 1942

٢٥ - باب الجمع بين الصلاتين بالسفر ١٣٣/ ١/ ٢٥ - ذكر فيه ﵀ حديث عبد الله بن عباس ﵁ قال: "كان رسولُ الله ﷺ يجمعُ بين صلاةِ الظهرِ والعصرِ، إذا كانَ على ظهرِ سيرٍ، ويجمعُ بين المغربِ والعشاءِ" (١). وهذا اللفظ المذكور هو لفظ البخاري دون مسلم كما نبه عليه الشيخ تقي الدين أيضًا، وأطلق المصنف إخراجه عنهما، نظرًا إلى أصل الحديث على عادة المحدثين (٢)، فإن مسلمًا أخرجه بألفاظ نحو رواية البخاري فإذا أرادوا التحقيق فيه قالوا أخرجاه [بلفظه] (٣) إن كان أو بمعناه إن كان. ثم اعلم. أن الفقهاء لم يختلفوا في جواز الجمع في الجملة،

стр. 1943

لكنَّ أبا حنيفة ﵀ يخصه بالجمع بعرفة ومزدلفة، ويقول: العلة في جوازه النسك لا السفر، والأكثرون لم يخصوه. ونقل القاضي عياض: كراهته عن الحسن وابن سيرين، ورُوي مثلُه عن مالك. قال (١): ورُوي عنه كراهته للرجال دون النساء. والحنفية يؤولون أحاديث الجحع بعذر السفر على أن المراد بها تأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها وتقديم الثانية في أول وقتها (٢). وجعل بعض الفقهاء الجمع المطلق نوعين: جمع مقارنة، وجمع مواصلة.

стр. 1944

فجمع المقارنة: كون الشيئين في وقت واحد كالأكل والقيام مثلًا فإنهما يقعان في وقت واحد. وجمع المواصلة: أن يقع أحدهما عقب [الآخر] (١) وقصد [بذلك] (٢) إبطال [تأويل] (٣) [أصحاب أبي حنيفة (٤) لما ذكرناه. لأن جمع المقارنة لا يمكن في الصلاتبن إذ لا يقعان في حالة واخدة وأبطل جمع المواصلة (٥) أيضًا] (٦) وقصد بذلك إبطال التأويل المذكور [إذ] (٧) لم يتنزل على شيء من النوعين لكن الروايات

стр. 1945

الصحيحة كحديث أنس (١) وابن عمر (٢) وابن عباس (٣) هذا يدل على جواز الجمع بعذر السفر ويُبْطل تأويلَهم ولولا ذلك لكان الدليل يقتضي امتناع الجمع، لأن الأصل عدم جوازه، ووقوع إيقاع الصلاة في وقتها المحدود، لكنَّ هذا الحديثَ دَلَّ على جواز الجمع على ظهر سير في الظهر والعصر، وكذلك المغرب والعشاء، وهو رخصة، وجملة ما ذكروه من التأويل يقتضي الحصر، والزيادة في المشقة على المسافر، وقد صح الجمع أيضًا في حال [النزول] (٤)

стр. 1946

فالعمل به دليل آخر على الجواز في غير سورة السير وقيام دليلهم يدل على إلغاء اعتبار هذا الوصف، ولا يمكن معارضةُ دليلِ الوصفِ بالمفهوم من هذا الحديث لأن المنطوق أرجح. وقوله: "ويجمع بين المغرب والعشاء" ظاهره اعتبار الوصف فيهما، وهو كونه على ظهر سير، والإِجماعُ قائمٌ على امتناع الجمع بين الصبح وغيرها، وبين العصر والمغرب، كما هو قائم على الجواز في الظهر مع العصر بعرفة، وفي المغرب والعشاء بمزدلفة، ومن هنا ينشأ نظير القياسين في مسألة الجمع، فأصحاب أبي حنيفة يَقِيسُون الجمعَ المختلف على الجمع الممتنع إيقافًا يحتاجون إلى إلغاء الوصف الفارق بين محل النزاع ومحل الإِجماع، وهو الاشتراك الواقع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما مطلقًا أو حالة العذر، وغيرُهم يقيس الجوازَ في محل النزاع على الجواز في [موضع] (١) الإِجماع، ويحتاج إلى إلغاء الوصف الجامع وهو النسك. ثم اعلم أن جمع التقديم بعرفة، والتأخير بمزدلفة عندنا، بسبب السفر على الأصح، لا النسك (٢) فلا يجوز للمكي والعرفي

стр. 1947

والمزدلفي، ويجمع الأفاقي (١).

стр. 1948

تنبيه: قوله "إذا كان على ظهر سير" فيه دليل على جواز الجمع بمجرد السفر، وإن لم يَجِد به، ولا خاف فوات أمر. [قال القاضي: واختلف عن مالك على القول بالجمع، هل يجوز بمجرد السفر] (١)، أو حتى يَجِدَّ به السيرُ، أو حتى يخاف فوات أمر، قال: وباشتراط جد السير قاله الليث، والثوري، وباشتراط الضرر، قاله الأوزاعي، وبمجرد السفر، قاله الجمهور من [الخلف] (٢). تنبيه: هذا الجمع يختص بالسفر الطويل وهو مرحلتان سير الأثقال على الأصح (٣).

стр. 1949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1950

وقيل: لا. وبه قال داود [وأهل الظاهر] (١). تنبيهات: أحدها: الجمع بالتقديم له شروط محل الخوض فيها كتب الفقه، وقد بسطتها في "شرح المنهاج"، و"التنبيه"، و"الحاوي"، وغيرها، وكذلك الجمع بالتأخير له شروط مختلف فيها مبسوطة في هذه الكتب فراجعها (٢).

стр. 1951

الثاني: اختلف العلماء في جواز الجمع بعذر المطر، فجوّزه الشافعي والجمهور في الصلوات التي يجوز الجمع فيها بشروط ذكرتها كتب الفروع، وخصه مالك بالمغرب والعشاء فقط (١). الثالث: اختلفوا أيضًا في الجمع بعذر المرض، فمنعه الشافعي والأكثرون، وجوّزه عطاء، والحسن، وأحمد، والقاضي حسين، والخطابي، والمتولي، والروياني، وهو قوي لأن المشقة في المرض [أشد] (٢) من المطر (٣).

стр. 1952

وقال الترمذي (١) في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلَّا حديث ابن عباس في الجمع في المدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرَّة الرابعة. قلت: أمَّا الحديث الأول فقد عمل به ابن عباس، وقال لمن استعجله في صلاة المغرب، وقد بدرت النجوم: أتعلمني بالسنَّة لا أم لك، رأيتُ رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدَّق مقالته، فهذا يدل على أنه معمول به غير منسوخ (٢).

стр. 1953

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1954

وأما الحديث الثاني: فحكى ابن حزم (١) [عن] (٢) عبد الله بن عمرو بن العاص أنه عمل به. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أنه لا يقتل إلَّا شاذًا من الناس لا نعلمه خلافًا (٣).

стр. 1955

الرابع: اختلف في الجمع للحاجة في الحضر من غير اتخاذه عادة فجوّزه ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك (١). والقفال الشاشي (٢) الكبير من الشافعية، وحكاه الخطابي (٣) عنه عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، وهو ظاهر قول ابن عباس -وقد قيل له: لم جمع النبي ﷺ بالمدينة من غير خوف ولا سفر؟ -: أراد أن لا يحرج أمته. ولم يعلله بمرض ولا غيره. وقولي: "من غير اتخاذه عادة" كذا قيده النووي في "شرح [مسلم] " (٤) وأشار به إلى ما يفعله طائفة من المبتدعة ببعض البلدان من غير حاجة، فهو خرق إجماع منهم (٥).

стр. 1956

٢٦ - باب قصر الصلاة في السفر القصر: رد الرباعية إلى ركعتين. ويقال: قَصَرَ الصلاةَ مخففًا وقصّرها مثقلًا. وحكى الواحدي في وسيطه: أقصرِها. فهذه ثلاث لغات، وبالتخفيف جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١). والمصدر منها: الْقَصْرُ، والتقْصِيرُ، والقياس من الثالثة: الإِقصار. واعلم: أن الصلاة كانت فرضيتها ركعتين ركعتين [مدة] (٢) شهر من قدومه ﵊ المدينة، وكانوا يتنفَّلُون فرآهم ﵊ فقال: "يا أيها الناس اقبلوا فريضة الله فأقرت صلاة المسافر وزيد في صلاة المقيم" لاثنتي عشرة ليلة [في] (٣) ربيع الآخر بعد قدومه، قاله ابن جرير، قال: وزعم الواحدي: أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه.

стр. 1957

وقال الماوردي: كان ذلك في السنة الثانية. وفي صحيح ابن حبان (١) عن عائشة ﵂ قالت: "فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين، فلما أقام رسول الله ﷺ بالمدينة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب لأنها وتر النهار"، وفي مسلم (٢) عن عائشة ﵂: " فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين" وفيه مخالفة لفعلها، فإنها كانت تتم في السفر [ومخالف] (٣) لما قاله غيرها من الصحابة كعمر (٤) وابن عباس وجبير ابن مطعم فانهم قالوا: "إن الصلاة فرضت في الحضر أربعًا: وفي السفر ركعتين" كما رواه مسلم (٥) عن ابن عباس ويخالفه أيضًا ظاهر

стр. 1958

الكتاب في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (١)، مع قوله ﵊: وقد سئل عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٢)، وقد رام بعض المتأخرين الجمع بين حديث عائشة وابن عباس، فحمل الأول على أول الأمر، والثاني على الذي استقر عليه الفرضان وهو تحكم كما قاله القرطبي (٣)، مع أنه بقي عليه العذر عن مخالفتها هي وعن معارضة ظاهر الكتاب، قال: ثم يقول إنه لو كان الأمر على ما ذكرته عائشة لاستحال عادة أن تنفرد بنقله دون غيرها، فإنه حكم عام ولم يسمع ذلك قط من غيرها من الصحابة، فلا معول عليه (٤). قلت: وحكى البيهقي (٥) عن الحسن البصري: إن أول ما فرضت فرضت أربعًا، ومنهم من أوّل قولها "فزيد في صلاة الحضر" أي في عددها وعدد ركعاتها. وقولها: "أولًا فرضت ركعتين" أي قبل الإِسراء، لأنها كانت

стр. 1959

كذلك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وهذا قول ابن عباس وطائفة، ومنهم من قال: لا يصح فرض الصلاة قبل الإِسراء وإنما [كان] (١) ليلة الإِسراء (٢)، ثم زيد بعد الهجرة

стр. 1960

بسنة (١)، ويؤيده رواية ابن حبان السالفة. فائدة صوفية: قال ابن الجوزي: للإنسان ستة أسفار لا بدَّ له من قطعها: سفره من سلالة الطين إلى الصلب، [ثم منه إلى الرحم] (٢)، ثم منه إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى الموقف، ثم إلى منزل الثواب أو العذاب، فإذا علم الإِنسان حكم سفر الدنيا فينبغي أن ينظر في المهم وهو ما بقي من أسفاره. ذكر المصنف ﵀: في الباب حديثًا واحدًا وهو حديث:

стр. 1961

١٣٤/ ١/ ٢٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "صحبتُ رسولَ الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، كذلك" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: هذا اللفظ هو رواية البخاري، ولفظ رواية مسلم أطول وأبسط وأزيد، نبَّه عليه الشيخ تقي الدين (٢).

стр. 1962

الثاني: مذهب ابن عمر ﵄ عدم التنفل [الراتب] (١) في السفر حتى قال: "لو كنت متنفلًا لأتممت"، فقوله: "فكان لا يزيد في السفر على ركعتين" يَحْتَمِلُ أن يكون ذكره دليلًا على عدم التنفل وقصر الصلاة فلا يزيد على ركعتين في الرباعية، ولا يتنفل قبلها ولا بعدها، ويَحْتَمِلُ أنه أراد عدم التنفل فقط، ويكون ذِكْرُ قصرِ الصلاة لازمًا لذلك، وقد وردت أحاديث يدل سياقها على أنه أراد ذلك، والظاهرُ الذي يُفْهَمُ منه أنه أراد عدمَ زيادة في الفرض على ركعتين، وترك الإِتمام حيث أتم جماعة من الصحابة ﵃ الصلاة في السفر، فذكر ذلك دليلًا عليهم، وذكر [أبا] (٢) بكر، وعمر، وعثمان في ذلك مع أن الحجة قائمة بفعل الشارع ليبين أن ذلك كان معمولًا به عند الأئمة لم [يتطرق إليه] (٣) نسخ ولا معارضة راجحة، وقد فعل ذلك جماعةٌ من الأئمة في استدلالهم كمالك وغيره، يبدأون بالحديث، ثم بعمل الصحابة، فمن بعدهم. الثالث: القصر في السفر الطويل والإِتمام جائزان إجماعًا. واختلف في الأفضل منهما:

стр. 1963

فذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والأكثرون كما نقله القاضي والقرطبي (١) والنووي في "شرح مسلم" (٢) والبغوي (٣) أيضًا: إلى أن القصر أفضل (٤). وللشافعي قول: إن الإِتمام أفضل قياسًا على قوله: "إن الصوم في السفر أفضل" ولأصحابه وجه إنهما سواء. وقال أبو حنيفة وكثيرون: القصر واجب، ولا يجوز له الإِتمام، وهو رواية أشهب عن مالك (٥).

стр. 1964

وقال القاضي في "إكماله": إنه مشهور مذهب مالك وأكثر أصحابه. وخالف القرطبي فقال: مشهور مذهبه وَجُلُّ [أصحابه] (١) [هو الأول] (٢). احتج من قال بالفرضية بهذا الحديث فإن أكثر فعله ﵊ وأصحابه كان القصر، والحجة عليهم ما ثبت في الصحيح (٣): أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ ، فمنهم

стр. 1965

القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يَعِيبُ بعضهم على بعض، وبأن عثمان كان أمير المؤمنين كان يتم، وكذلك عائشة، فلو كان القصر واجبًا لما أقر الشارع مَنْ أتم من الصحابة معه في السفر عليه، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، فهذا يقتضي رفع الجناح والإِباحة. وأما حديث: "فرضت الصلاة ركعتين"، أي لمن أراد الاقتصار، عليها فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار، وثبتت دلائل جواز الإِتمام فتعين المصير إليه جمعًا بين الأدلة، وفِعْلُ عثمان (١) وعائشة أَخْذٌ بأحد الجائزين، وترك للأفضل، لمعانٍ اقتضت ذلك في اجتهادهم، لا أنهم تركوا الواجب، وما أقر الشارع الصحابة في حياته عليه، والحجة على أن القصر أفضل مواظبته عليه، ﵊ في السفر.
следующие страницы →