стр. 1961
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 13769
الإعلام بفوائد عمدة الأحكام
ابن الملقن
Полный текст (5 060 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1962
الثاني: مذهب ابن عمر ﵄ عدم التنفل [الراتب] (١) في السفر حتى قال: "لو كنت متنفلًا لأتممت"، فقوله:
"فكان لا يزيد في السفر على ركعتين" يَحْتَمِلُ أن يكون ذكره دليلًا على عدم التنفل وقصر الصلاة فلا يزيد على ركعتين في الرباعية، ولا يتنفل قبلها ولا بعدها، ويَحْتَمِلُ أنه أراد عدم التنفل فقط، ويكون ذِكْرُ قصرِ الصلاة لازمًا لذلك، وقد وردت أحاديث يدل سياقها على أنه أراد ذلك، والظاهرُ الذي يُفْهَمُ منه أنه أراد عدمَ زيادة في الفرض على ركعتين، وترك الإِتمام حيث أتم جماعة من الصحابة
﵃ الصلاة في السفر، فذكر ذلك دليلًا عليهم، وذكر [أبا] (٢) بكر، وعمر، وعثمان في ذلك مع أن الحجة قائمة بفعل الشارع ليبين أن ذلك كان معمولًا به عند الأئمة لم [يتطرق إليه] (٣) نسخ ولا معارضة راجحة، وقد فعل ذلك جماعةٌ من الأئمة في استدلالهم كمالك وغيره، يبدأون بالحديث، ثم بعمل الصحابة، فمن بعدهم.
الثالث: القصر في السفر الطويل والإِتمام جائزان إجماعًا.
واختلف في الأفضل منهما:
стр. 1963
فذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والأكثرون كما نقله القاضي والقرطبي (١) والنووي في "شرح مسلم" (٢) والبغوي (٣) أيضًا: إلى أن القصر أفضل (٤).
وللشافعي قول: إن الإِتمام أفضل قياسًا على قوله: "إن الصوم في السفر أفضل" ولأصحابه وجه إنهما سواء.
وقال أبو حنيفة وكثيرون: القصر واجب، ولا يجوز له الإِتمام، وهو رواية أشهب عن مالك (٥).
стр. 1964
стр. 1965
القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يَعِيبُ بعضهم على بعض، وبأن عثمان كان أمير المؤمنين كان يتم، وكذلك عائشة، فلو كان القصر واجبًا لما أقر الشارع مَنْ أتم من الصحابة معه في السفر عليه، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، فهذا يقتضي رفع الجناح والإِباحة.
وأما حديث: "فرضت الصلاة ركعتين"، أي لمن أراد الاقتصار، عليها فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار، وثبتت دلائل جواز الإِتمام فتعين المصير إليه جمعًا بين الأدلة، وفِعْلُ عثمان (١) وعائشة أَخْذٌ
بأحد الجائزين، وترك للأفضل، لمعانٍ اقتضت ذلك في اجتهادهم، لا أنهم تركوا الواجب، وما أقر الشارع الصحابة في حياته عليه،
والحجة على أن القصر أفضل مواظبته عليه، ﵊ في السفر.
стр. 1966
وقال بعضهم: بوجوبه فيه كما سلف، بخلاف الصوم فإنه ﵊ لم يواظب عليه في السفر، ولم يقل أحد بوجوبه فيه، ولأنه إذا أفطر فيه خرج به عن وقته، ووجب قضاؤه. والقصر لا يخرج الصلاة عن وقتها، بل يأتي بالصلاة في وقتها
المشروع إما منفردة أو جمعًا.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية المراد بالقصر فيها قصر العدد كما جزمنا به.
وقيل: قصر الصفة أي عند اشتداد الخوف.
الرابع: قال الشافعي ومالك وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم: لا يجوز القصر إلَّا في مسيرة مرحلتين قاصدتين وهي ثمانية وأربعون ميلًا هاشمية.
والميل: ستة آلاف ذراع.
والذراع: أربعة وعشرون أصبعًا [معترضة معتدلة] (١).
والأصبع: ست شعيرات معترضات معتدلات (٢).
وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يقصر في أقل من ثلاث مراحل. ورُوي عن عثمان، وابن مسعود، وحذيفة.
وقال الحسن وابن شهاب: يقصر في مسيرة يومين.
стр. 1967
وقال (١) داود وأهل الظاهر: يجوز في القصر أيضًا حتى في ثلاثة أميال.
الخامس: مذهب الأئمة الأربعة والجمهور (٢): أنه يجوز القصر في كل سفر مباح وشَرَطَ بعض السلف كونه سفر خوف.
وبعضهم كونه سفر حج، أو عمرة، أو غزو، وهو قول داود الظاهري. ورُوي ذلك عن ابن مسعود.
ورُوي عن أحمد: أنه لا يقصر إلَّا في حج أو عمرة.
وقال عطاء: لا يقصر إلَّا في سبيل من سبل الله.
وشرط بعضهم كون السفر طاعة، وجوزه أبو حنيفة والثوري في سفر المعصية، ومنعه الأئمة الثلاثة والأكثرون.
ورُوي عن مالك رواية شاذة، كما قال القرطبي (٣) كمذهب أبي حنيفة.
قال أصحابنا: والعاصي بسفره لا يترخص بخلاف العاصي فيه.
السادس: لا تجوز صلاة الفرض في حال من الأحوال ركعة
стр. 1968
واحدة، وجوّزه في الخوف جابر، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وإسحاق بن راهويه، وقتادة، والحكم، وحماد، وحكاه العبادي (١) في "طبقاته": عن محمد بن نصر المروزي من أصحابنا فقال: يجوز قصر الصبح في الخوف إلى
ركعة كمذهب ابن عباس، وفي صحيح مسلم عنه (٢): "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة".
وخالف ذلك الشافعي، ومالك، والجمهور، وقالوا: صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات.
وتأولوا حديث ابن عباس هذا: على أن المراد ركعة أخرى يأتي بها منفردًا كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صلاته ﵊ وأصحابه في الخوف جمعًا بين الأدلة، واعلم أن المغرب أيضًا لا تقصر بالإِجماع لعدم تنصفها إذ ليس في الشريعة
نصف ركعة.
فإن قلت: إذا تعذر التنصيف فليكن ركعتين كما قيل في طلاق العبد، وحيض الأَمَةَ، وفيما إذا طلق نصف طلقة.
стр. 1969
وأجيب: بأنه لو فعل ذلك لذهب مقصود الشرع من كون عدد ركعات الفرض في اليوم والليلة وترًا، وللشرع قصد في الوتر، ولذلك شرع الوتر في آخر نافلة الليل، ولذلك لا تعاد المغرب على رأي، والتحليل الذي قدمناه عن الشارع في أول الباب كاف في ذلك.
تنبيه: ينعطف على ما مضى من الغرائب ما ذهب إليه بعض العلماء أنه إذا [عزم] (١) ولم يضرب في الأرض ولم يخرج من منزله
يقصر، رُوي ذلك عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرًا فصلي [بهم] (٢) ركعتين في منزله وفيهم الأسود بن يزيد وغير ذلك من
أصحاب عبد الله، نقله صاحب "البيان والتقريب" من المالكية. قال: وحُكي عن عطاء (٣) أنه قال: إذا خرج الرجل حاجًّا فلم يخرج من بيوت القرية حتى قضيت الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى قياسًا على المسافر إذا نوى الإِقامة يتم، فكذا يقصر هذا، وهو ضعيف.
والفرق: أن الأصل الإِقامة، بخلاف السفر فإنه طارئ.
وحكي عن مجاهد أنه قال: لا يقصر في يوم خروجه حتى يدخل الليل (٤)، وعن ............................
стр. 1970
مالك (١) رواية ضعيفة أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال.
وهذه الروايات كلها منابذة للسنَّة وإجماع السلف والخلف.
تنبيه ثان: ينعطف على ما مضى من كثرة النوافل الراتبة في السفر احتج بأنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى.
وجوابه أن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها بخلاف النافلة.
السابع: يؤخذ من ذكر ابن عمر عُثْمَانَ بعد الخليفتين ﵃ تأخيره عنهما في الفضيلة، وهو إجماع، نعم وقع الخلاف بينه وبين علي والجمهور على تقديم عثمان عليه.
الثامن: ظاهر هذا الحديث: أن عثمان لم يزل يقصر في مدة خلافته، ويؤيده رواية مسلم: "فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله"، لكن يعارضه رواية ابن عمر الأخرى (٢): "ومع عثمان صدرًا من خلافته ثم أتمها"، وفي رواية: "ثمان سنين أو ست سنين".
قال القاضي عياض: بعد سبع سنين من خلافته.
стр. 1971
وقال النووي (١): المشهور بعد ست، فلعل ابن عمر أراد أنه قصر في سائر أسفاره في غير مني وأتم في مني، وقد ورد مصرحًا أن
إتمامه كان في مني، وقد تقدم وجه إتمامه، وأنه أخذ بأحد الجائزين.
стр. 1972
٢٧ - باب الجمعة
هي -بضم الميم وفتحها وإسكانها (١) - حكاهن الواحدي. وقرىء بها في الشواذ كما قاله الزمخشري (٢). وعن معاني الزجاج
أنه قرئ بكسرها أيضًا، والمشهور الضم، وبه قرئ في السبعة، والإِسكان تخفيف [منه] (٣)، ووجهوا الفتح [وهي] (٤) لغة بني عقيل بأن الجمعة تجمع الناس، كما يقال: هُزَأَة وضُحَكَة وضحكة [للكثير] (٥) من ذلك.
وجمع الجمعة (٦): جُمُعات، وجُمَع.
стр. 1973
سميت بذلك: لاجتماع الناس لها.
وقيل: لما جمع فيها من الخير (١).
وكان يوم الجمعة: يسمى في الجاهلية العروبة وقد جمع بعضهم أسماء الأسبوع في بيتين فقال (٢):
أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو [بأهون] (٣) أو جبار
أو الثاني دبار فإن افته ... فمؤنس أو عروبة أو شبار (٤)
قال السهيلي (٥): وأول من سمى العروبة الجمعة كعب بن
стр. 1974
لؤي (١) فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويذكرهم بمبعث رسول الله ﷺ ، ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، والإيمان به.
أحدها: في "صحيح مسلم" (٢) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يومُ الجمُعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرى منها، ولا تقوم الساعة إلَّا في يوم الجمعة".
وزاد مالك في "الموطأ" وأبو داود، والنسائي (٣) بأسانيد على شرط الشيخين: " [وفيه] (٤) تيب عليه، وفيه مات، وما من دابة إلَّا
وهي مُصِيخةٌ (٥) يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلَّا الجن والإنس".
стр. 1975
قال القاضي عياض (١): الظاهر أن هذه المذكورات المعدودة ليست لذكر فضيلته، لأن إخراج آدم من الجنة وقيام الساعة لا يعد
فضيلةً، وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام، وما سيقع، ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله [ودفع] (٢) نقمته.
وقال ابن العربي في "الأحوذي" (٣): الجميع من الفضائل وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية وهذا النسل العظيم ووجود الرسل والأنبياء والصالحين، ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطار، ثم يعود إليها، وأما قيام الساعة فسبب تعجيل خير الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم، وإظهار كرامتهم وشرفهم.
وفي "صحيح الحاكم" (٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سيد الأيام يوم الجمعة" وصححه.
ورُوي في حديث آخر: "الجمعة حج الفقراء وعيد
стр. 1976
المساكين" (١).
ورُوي أنه ﵊ قال: "أتيت بمرءاة فيها نكتة سوداء" وفي رواية أخرى: "فيها نكتة بيضاء فقلت يا جبريل ما
هذه المرءاة؟ قال: هذه يوم الجمعة، قلت: ما هذه النكتة؟ قال: هذه الساعة التي [في] (٢) يوم الجمعة" (٣).
قال بعض [الفقهاء (٤)] (٥): السِّرُّ في البياض: شرفها من حيث إن البياض أحسن الألوان.
وفي السواد انبهامها والتباس عنها.
ثانيها: في الصحيحين (٦) من حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا
стр. 1977
"نحن الآخرون السابقون بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له فهم لنا فيه تبع، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد".
مَعْنَى "بَيْدَ": غَيْرَ. و"مِنْ": أَجَل، أو على (١) (٢) وفيها لغة بالميم.
[وعظمت اليهود: السبت لما كان تمام الخلق فيه، فظنت أن ذلك موجب لفضيلته] (٣)، وعظمت النصارى: الأحد لما كان ابتداء الخلق فيه وكل ذلك بحكم عقولهم. وهدى الله هذه الأمة المحمدية بشرف الإِتباع فعظمت ما عظم الله، فكان يومهم هو عروس الأسبوع، كما أن البيت الحرام الذين يحجون إليه عروس الفلك الأرضي في الأمكنة المقابل للبيت المعمور.
وقد قيل: إن موسى ﵊ أمر قومه بالجمعة وفضلها فناظروه في ذلك وأن السبت أفضل- فقيل له: دعهم (٤).
قال القاضي: والظاهر أنه فرض عليهم يوم في الجمعة
стр. 1978
فاختاروا السبت، وبَيَّنَهُ إلى هذه الأمة ولم يكله إلى اجتهادهم، ففازوا بتفضيله.
ثالثها: كان يوم الجمعة من الأيام العظيمة في الجاهلية أيضًا، وهو أفضل أيام الأسبوع. ويوم عرفة أفضل منه على الأصح عندنا، فهو أفضل أيام السنة.
رابعها: ادعى الشيخ أبو حامد في "تعليقه": أن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة. وفيه نظر (١).
خامسها: أول جمعة جمّعت بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة في بني سالم بن عوف بأربعة أيام، فإنه ﵊ لما قدم المدينة يوم الاثنين نزل في دار بني عمرو بن عوف وهي قباء، ثم ارتحل من قباء وهو راكب ناقته القصواء، وذلك يوم الجمعة، أدركه وقت الزوال وهو في دار بني معالم بن عوف، فصلى بالمسلمين الجمعة هنالك في واد يقال له: وادي رانوناء (٢).
стр. 1979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1980
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1982
فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، أو مطلقًا.
سادسها: اعلم أن الزمن من حيث (١) [كونه] (٢) زمنًا لا يفضل بعضه بعضًا، وكذلك لا يفضل شيء بذاته بل بالتفضيل، ولله أن يفضل من شاء بما شاء، وأن يخص من شاء بما شاء. وقد نص الرسول ﵊ على تفضيل بعض الأزمنة، ونبه على رجحان العمل فيها، وكأَنَّ المقصود من ذلك حثُّ الخلق على الاجتهاد والطاعات فيها، منها يوم عرفة (٣). وعشر ذي الحجة ورمضان عمومًا، وليلة القدر منه خصوصًا، وشعبان عمومًا، وليلة نصفه خصوصًا، ويوم الجمعة عمومًا،
والساعة التي فيها خصوصًا ويوم عاشوراء، والساعة التي في الليل
стр. 1983
وخصوصًا نصفه الأخير. وخصوصًا السحر، وهما وقتا المناجاة والرحمة.
وقيل: في قول يعقوب: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (١) إنه أخر الاستغفار إلى السحر.
وقيل: وعدهم أن يستغفر لهم ليلة الجمعة.
وقيل: بل أخر الاستغفار حتى يجتمع بيوسف بمصر، ليكون أجمع للدعاء، وأطيب للنفس. وكل هذا التخصيص لأسرار عَلِمَهَا
الله، وأطلع من شاء عليها، واستأثر بما شاء منها، نبه عليه ابن بزيزة.
ثم بعد هذه التنبيهات المهمة نرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: ذكر المصنف ﵀ في [هذا] (٢) الباب ثمانية أحاديث:
стр. 1984
الحديث الأول
١٣٥/ ١/ ٢٧ - عن سهل بن [سعد] (١) الساعدي ﵁، أن نفرًا تَمَارَوْا في المنبر من أي عود هو؟ فقال سهل بن سعد: من طرفاء الغابة، ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه، فكبَّر، وكبَّر الناس وراءه، وهو على المنبر، ثم رفع، فنزل القهقرى، حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من [آخر] (٢) صلاته (٣)، ثم أقبل على الناس، فقال: "يا أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي".
وفي لفظ: "صلّى عليها، ثم كبّر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى" (٤).
هذا الحديث كذا هو في محفوظنا. وكذا أورده الفاكهي في
стр. 1985
"شرحه"، وأورده الشيخ تقي الدين، وتبعه ابن العطار، بلفظ عن سهل بن سعد قال: "رأيت رسول الله ﷺ قام على المنبر ... " الحديث ولم يذكراه كما أسلفناه وتوبعا على ذلك:
ثم الكلام عليه بعد ذلك من وجوه زائدة على العشرين:
الأول: كان المناسب للمصنف ﵀ ذِكْرَ هذا الحديث في باب الإِمامة، ووجه دخوله في هذا الباب من وجهين:
الأول: ذكر شأن المنبر فيه.
الثاني: أن فعله ﷺ للصلاة على الوجه المذكور وتعليله إنما كان ليأتموا به، وليتعلموا صلاته، وهذا المقصود في الجمعة أبلغ منه في غيرها من الصلوات، إذ لا فرق في الحكم.
الثاني: في التعريف برَاوِيهِ وهو صحابي ابن صحابي وساعدي: نسبة إلى [ساعدة] (١) بن كعب من الخزرج، ولم يذكر هذه النسبة السمعاني (٢): كان اسمه حزنًا (٣)، فسماه النبي ﷺ [سهلًا وَأَحصن سبعين امرأة. قال ﵁: توفي النبي ﷺ ] (٤) وأنا ابن خمس عشرة سنة. رُوي له مائة حديث وثمانية
стр. 1986
وثمانون حديثًا. اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وعشرين. وانفرد البخاري بأحد عشر. وهو آخر صحابي [مات] (١) بالمدينة سنة ثمان وثمانين.
وقيل: سنة إحدى وتسعين، وهو ابن بضع وتسعين سنة، وجزم بهذا الشيخ تقي الدين (٢). وقال: ابن مائة سنة. وفيه نظر لأن [عمره] (٣) كان قبل الهجرة خمس سنين فيقتضى أن يكون يَوْمَ موته ابن ستّ وتسعين، إلَّا على ما روي أن عمره يوم المتلاعنين كان خمس عشرة، فيصح ذلك.
فائدة: في الرواة سهل بن سعد ثلاثة، وقد ذكرتهم فيما أفردته في رجال هذا الكتاب فراجعه منه.
الثالث: "النفر" بفتح النون والفاء عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة وكذلك النفير والنفْرُ والنفْرةُ بإسكان الفاء.
قال الفراء: نفرةُ الرجل ونفرُهُ: رهطه (٤).
الرابع: "تماروا" أي اختلفوا وتنازعوا، وهو مأخوذ من المماراة، وهي في اللغة الاستخراج، مأخوذ من، مريت الناقة: إذا مسحت ضرعها ليدر.
стр. 1987
ومريت الفرس: استخرجت ما عنده من الجري بصوتٍ وغيره (١).
وقال ابن الأنباري: يقال: أَمْرَى [فلان] (٢) فلانًا إذا استخرج ما عنده من الكلام. انتهى. فكأن كل واحد من المتماريين وهما
المتجادلان يَمْرِي ما عند صاحبه أي يستخرجه، ويقال: مريته حقه إذا جحدته.
ويقال: المرا: جحود الحق بعد ظهوره (٣).
الخامس: "المنبر" بكسر الميم مأخوذ من المنبر وهو الارتفاع كما تقدم في باب الوتر. وتقدم هناك الإِشارة إلى الاختلاف في من عمله (٤)، وكان منبره ﷺ ثَلَاثَ درجات كما أخرجه مسلم (٥) في صحيحه، إحداها المقام وهو الذي [قام عليه] (٦) رسول الله ﷺ في الصلاة.
стр. 1988
السادس: يؤخذ [منه] (١) استحباب اتخاذ المنبر، وهو إجماع إذا كان الخطيب هو الخليفة. وأما غيره من الخطباء فهو بالخيار
إن شاء خطب على المنبر، وإن شاء خطب على الأرض.
[قال ابن بزيزة: واختلفوا إذا خطب على الأرض] (٢) أين يقف، فمنهم من استحب أن يقف [على] (٣) يسار المنبر، واستحب
بعضهم أن يقف عن يمينه. قال مالك: وكل ذلك واسع.
فائدة: أسلفت في أوائل الكتاب من حديث: "الفطرة خمس". أن إبراهيم ﷺ [أول من خطب على المنابر.
وروى معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ ] (٤): "إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم. وإن أَتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم" ذكره القرطبي في تفسيره (٥).
стр. 1989
السابع: فيه أيضًا استحباب كون الخطيب ومن في معناه على مرتفع من الأرض: كمنبر وكرسي ونحوهما. وفائدته الإِبلاغ والإِسماع.
الثامن: "طرفاء الغابة" ممدود وفي رواية البخاري وغيره من أثل الغابة والأثل بفتح الهمزة الطرف.
التاسع: "الغابة" وضع معروف من عوالي المدينة.
العاشر: [قوله] (١): "ثم رفع" هو بالفاء أي رفع رأسه من الركوع.
وقوله: "فنزل" أصل [موضع] (٢) الفاء للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، والمراد النزول بعد رفعه من الركوع كما جاء في الرواية الأخرى، ووقع في شرح الشيخ تقي الدين، وتبعه الفاكهي، أن الرواية الأخيرة قد توهم أنه [نزل] (٣) في الركوع لكن الرواية الأولى تبين أن النزول كان بعده، قال: والمصير إليها أوجب لأنها نص ودلالة "الفاء" على التعقيب ظاهرة، وصوابه: أن الرواية الأولى قد توهم ذلك بخلاف الأخيرة عكس ما ذكره فإن الأولى هي بالفاء. والثانية بثم. وهذا من سبق [القلم] (٤) فتنبه له.
стр. 1990
الحادي عشر: "الْقَهْقَرَى" المشي إلى خلف، وأصلها أن تكون مصدر قهقر، وهي من المصادر الملاقية للفعل في المعنى دون
الاشتقاق، فإنهم قالوا رجع القهقرى. وفي هذا الحديث نزل القهقرى كما قالوا: قتلته صبرًا وحبسته منعًا. واختلف النحاة في
نصبها على ثلاثة مذاهب:
فقيل: إنها منصوبة يفعل مقدر من لفظها والتقدير: رجع قهقر القهقرى.
وقيل: إنها صفة لموصوف محذوف أي رجع الرجعة القهقري.
والثالث: ما تقدم من أنها من المصادر الملاقية في المعنى دون الاشتقاق. ومثله قعد القرفصاء واشتمل الصماء. الخلاف في
الكل واحد.
الثاني عشر: إنما نزل ﵊ القهقرى لئلا يستدبر القبلة.
الثالث عشر: قوله: "حتى سجد في أصل المنبر" أي على الأرض التي جنب الدرجة السفلى.
الرابع عشر: قوله: "لتعلَّموا صلاتي" هو بفتح العين واللام المشددة أي لتتعلموا. بين ﷺ أن صعوده المنبر وصلاته عليه إنما كان للتعليم [ليرى] (١) جميعهم أفعاله بخلاف ما إذا كان على الأرض فإنه لا يراه إلَّا بعضهم ممن قرب منه.
стр. 1991
الخامس عشر: قوله: " [صلى] (١) عليها ثم كبر عليها ثم ركع وهو عليها". الضمير في هذه المواضع عائدٌ إلى الدرجة الثالثة وهي
أعلى المنبر وإن لم يكن لها ذكر لدلالة المعنى عليها.
السادس [عشر] (٢): فيه جواز الفعل القليل في الصلاة.
قال الشيخ تقي الدين (٣): وفيه إشكال على من حدد الكثير بثلاث خطوات فإن الصلاة كانت على الدرجة العالية، ومن ضرورة
ذلك أن يقع ما أوقعه من الفعل على الأرض بعد ثلاث خطوات فأكثر، وأقله ثلاث، والذي يعتذر به عن هذا أن يُدعى عدم التوالي
بين الخطوات، فإن التوالي شرط في الإِبطال، أو ينازع في كون قيام هذه الصلاة على الدرجة العليا، وفي هذا الاعتذار الذي ذكره الشيخ نظر (٤).
وقال المازري (٥): اغتفر هذا الكثير لأجل الصلاة. قال: وقد أجازوا أكثر من ذلك للراعف في صلاته.
السابع عشر: فيه أن الخطوتين لا تبطل الصلاة، ولكن الأولى تركها، وكذا غيرهما من الأفعال إلَّا لحاجة، فإن كان فلا كراهة،
كما فعل ﷺ .
стр. 1992
الثامن عشر: فيه أيضًا أن الأفعال الكثيرة إذا تفرقت لا تبطل الصلاة كما سلف، لأن النزول [عن] (١) المنبر [والصعود] (٢) تكرر فجملته كثيرة وأفراده متفرقة كل واحد منها [قليل] (٣).
التاسع عشر: فيه أيضًا جواز صلاة الإِمام على موضع أعلى من وضع المأمومين لقصد التعليم بِلَا كراهة، بل هو مستحب. وكذلك
حكم ارتفاع المأموم على الإِمام لا لقصد إعلام المأمومين بصلاة الإِمام، وإن لم يقصد شيئًا من ذلك فهو مكروه، وزاد [أصحاب
مالك إِنْ قصد بذلك [التكبر] (٤) تبطل صلاته، وأجازوا الارتفاع اليسير كعظم] (٥) الذراع ونحوه.
[و] (٦) قال الشيخ تقي الدين (٧): من أراد أن يجيز الارتفاع من غير قصد التعليم فاللفظ لا يتناوله، والقياس لا يستقيم لانفراد
الأصل بوصف معتبر [تقتضى] (٨) المناسبة اعتباره.
وقال القرطبي (٩): استدل أحمد بهذا الحديث على الجواز،
стр. 1993
ومالك يمنع ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير، وعلل المنع بخوف الْكِبْرِ على الِإمام، واعتذر بعض أصحابه عن الحديث بعصمته عن الكِبْرِ ومنهم من علله بأن ارتفاعه كان يسيرًا.
قلت: والأشبه ما علل [به] (١) في الحديث أنه إنما فعله لتعليم الصلاة.
العشرون: فيه أيضًا أنه ينبغي للكبير أو الإِمام أو العالم إذا فعل شيئًا يخالف المعتاد أن يبين حكمه لأصحابه ليزيل الريبة منهم ولأنه أبلغ في فهمه.
الحادي والعشرون: فيه أيضًا استحباب قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة، فإن ذلك لا يقتضي القدح والتشريك في العبادة، بل
هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم، وكذلك حكم إقامة الصلاة أو الجماعة لقصد التعليم.
стр. 1994
стр. 1995
الأول: المراد بالمجيء: إرادته، بدليل رواية مسلم (١) "إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة". وفي معنى: إرادة المجيء: قصد الشروع فيه.
الثاني: "الفاء" في قوله ﵇: "فليغتسل" للتعقيب واشترط مالك (٢) اتصال الغسل بالرواح لتعلقه بالأمر بالمجيء إلى الجمعة، لكنه قد بين أن المراد إرادته أو قصده.
وأَبْعَدَ داود الظاهري إبْعَادًا مجزومًا ببطلانه حيث جعل الغسل متعلقًا باليوم فقط، حتى لو اغتسل قبل غروب الشمس يوم الجمعة حصلت مشروعية الغسل، مستدلًا بقوله ﵊ في الصحيح (٣) "لو اغتسلتم ليومكم"، وقوله "غسل يوم الجمعة (٤) " [وقوله "لو اغتسلتم يوم الجمعة (٥)] (٦) "، فعلقه وأضافه
стр. 1996
إلى اليوم، وهو من طلوع الفجر [الثاني] (١) إلى الغروب، فدل على أنه مشروع لليوم، لا لتعيين المجيء، لكنه قد بين المقصود من الغُسِل، وبيان سبب شرعيته في الأحاديث الصحيحة (٢): وهو إزالة الروائح الكريهة والوسخ، لعدم إيذاء الناس والملائكة، ولذلك أبعد من قدم جوازه على يوم الجمعة بحيث لا يحصل المقصود من إزالة ما ذكر.
والمعنى: إذا كان معلومًا [في] (٣) الشرع بالقطع كالنص أو بالظن الراجح المقارب للنص فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من
اتباع مجرد اللفظ، وإذا كان أصل المعنى معقولًا وتفاصيله تحتمل التعبد فلا شك أنه محل [النظر] (٤) ومما يُبطل مذهب الظاهري [أن] (٥) الأحاديث التي علق فيها الأمر بالإِتيان أو المجيء قد دلت على توجه الأمر إلى هذه الأحاديث، وهي طلب النظافة، والأحاديث التي تدل على تعليقه باليوم لا تتناول تعليقه بها، فهو إذا تمسك بتلك أبطل دلالة هذه الأحاديث التي تدل على تعليق الأمر بهذه الحالة، وليس له ذلك ونحن إذا قلنا بتعليقه بهذه الحالة لم يبطل ما استدل [به]، وعَمِلْنا بمجموع الأحاديث.
стр. 1997
الثالث: اللام في قوله "فليغتسل" للأمر، لكن الجمهور من السلف والخلف على أنها للندب.
قال ابن عبد البر في "تمهيده" (١): ولا أعلم خلافًا بين العلماء.
قال القاضي عياض: وهو المشهور من مذهب مالك وأصحابه، وإن كان ظاهر الأمر للوجوب، وقد ثبت التصريح به في قوله ﵊: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" (٢) وهو الذي حمل طائفة من السلف [و] (٣) بعض الصحابة وبعض التابعين ومالك في رواية عنه وأهل الظاهر (٤) إلى القول بوجوبه عملًا بظواهر الأمر، والأحاديث المروية فيه.
واحتج الجمهور الذين قالوا بالندب بأحاديث صحيحة: منها
стр. 1998
ما رواه مسلم في صحيحه (١) أن رجلًا دخل وعمر يخطب وهو عثمان بن عفان وقد ترك الغسل وأقره عمر والصحابة على ذلك وهم أهل الحل والعقد مع أن ترك عثمان حجة في عدم الوجوب بمجرده، فلو كان واجبًا لألزموه به، ولما تركه.
ومنها حديث (٢) "من توضأ [فبها] (٣) ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل". قال الشيخ تقي الدين (٤): ولا يقاوم سنده سند هذه الأحاديث وإن [كان] (٥) المشهور من سنده صحيحًا على مذهب
стр. 1999
стр. 2000
ومنها: قوله ﵊[في صحيح مسلم (١)] (٢) "لو اغتسلتم يوم الجمعة" وهذا اللفظ يقتضى أنه ليس بواجب، لأن التقدير لو اغتسلتم لكان [أفضل] (٣) وأكمل، وتأولوا: صيغة الأمر على الندب. وصيغة الوجوب على التأكيد، وضعف هذا التأويل، لكن المراد بالمحتلم البالغ كما أَنَّ المراد بالحائض في قوله ﵊: "لا يقبل الله صلاة حائض إلَّا بخمار" (٤) من بلغت من الحيض [لا] (٥) وجوده.
والوجوب شرعًا: المنع من الترك، وحمله على الندب أو التأكيد خلاف الظاهر إذا لم يعارضه دليل آخر فحينئذ يكون الجمع
بين الأدلة التي ظاهرها الاختلاف وإعمالها أولى من إلغائها، خصوصًا إذا أمكن الجمع [بوجه سائغ] (٦).
قال الخطابي (٧): ولم تختلف الأمة أن صلاة من لم يغتسل للجمعة جائزة.