الحديث قالوا: يستحب بعدها خطبتان، ولم ير ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد ووافقنا أحمد في رواية، والحديث رواه مالك وخالفه لأنه لم يشتهر، وقال بعض أتباعه: لا خطبة لها ولكن يتقبلهم ويذكرهم، وهذا خلاف الظاهر من الحديث لأنه ابتداء بما يبتدىء به الخطيب من الحمد لله والثناء عليه، وما ذكر من أن المقصود الإِخبار بأنهما آيتان من آيات الله إلى آخره ردًّا على من قال: إنهما ينكسفان لموت عظيم، وقد قالوه عند موت إبراهيم كما مضى، والإِخبار عن الجنة والنار حيث رآهما، وذلك يخصه ﵊ دون غيره، كله ضعيف. فإن الخطب لا تنحصر مقاصدها بما يخص الخطيب، بل ما ذكر مطلوب للخطيب وغيره، فإن الحمد والثناء والموعظة شامل لذكر الجنة والنار، وكونهما آيتين من آيات الله وذلك بعض مقاصد الخطبة لا كل المقصود لو سلم خصوصيته ﵊ بذلك (١).
стр. 2172
الثاني عشر: فيه أن خطبة الكسوف لا تفوت بالانجلاء بخلاف الصلاة.
الثالث عشر: فيه أن الخطبة يكون استفتاحها بالحمد لله -تعالى- والثناء عليه، دون شيء آخر من الذكر والبسملة وغيرهما. ومذهب الشافعي وأحمد أن [لفظة] (١) الحمد لله متعينة، فلو قال معناها لم تصح خطبته.
стр. 2173
الرابع عشر: شرعية صلاتها لكسوف الشمس في جماعة، وقد سلف ذلك في الحديث الذي قبله أيضًا مع ما فيه من الخلاف وجه
الدلالة أنه ﵊ قال: "فإذا رأيتم ذلك فصلوا" [من] (١) بعد ذكرهما من غير تفصيل في جماعة أو فرادى، وقد فعلها ﵊ في جماعة في كسوف الشمس، فدل على أن كسوف القمر كذلك، وقد روى الشافعي عن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس أمير بالبصرة فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتان. فلما فرغ ركب وخطبنا، وقال: صليت بكم كما رأيت رسول الله ﷺ صلى بنا (٢) وتقدم في أول الباب أنه ﵊ صلَّى له أيضًا.
الخامس عشر: فيه جواز فعلها وقت الكراهة وغيرها عند رؤية الكسوف أي وقت كان، فإنه ﵊ أمر بهما إذا
رأوا كسوفهما وهو عام في كل وقت، وهو مذهب الشافعي (٣) وغيره.
واختلف مذهب مالك (٤) في ذلك، فظاهر مذهبه: أنها لا تفعل إلَّا بعد جواز النافلة إلى الزوال: كالعيدين والاستسقاء على المشهور فيه عندهم.
وعن مالك أيضًا أنها تصلى للغروب.
стр. 2174
وعنه رواية ثالثة أنها إلى صلاة العصر كالنافلة، ومنطوق الحديث بعمومه يرد ذلك.
السادس عشر: فيه استحباب الصدقة عند رؤية الكسوف، وكذلك يستحب عند كل المخاوف [لاستدفاع البلاء والمحاذر.
السابع عشر: فيه استحباب الدعاء والتوجه إلى الله -تعالى- واللجوء إليه عند المخاوف] (١) والشدائد وقد أمر الله بالدعاء في كتابه في غير ما موضع كما أمر بالصلاة وغيرها من العبادات فقال -تعالى-: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ...﴾ (٢) الآية، وقال -تعالى-: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٣)، وقال- تعالى-: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٤)، وغير ذلك من الآي، وقد تقدم بسط ذلك، وما عارضه في الحديث الرابع من باب التشهد، ولا شك أن الدعاء في الرجاء مطلوب لكونه سببًا لدفع البلاء والشدائد، فإنه ثبت في الصحيح (٥) مرفوعًا "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" وفي
стр. 2175
الترمذي (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا "من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر من الدعاء في الرخاء".
الثامن عشر: فيه أنه ينبغي أن لا يفخم الإِنسان نفسه ولا يعظمها بالوصف المتصف به، بل يذكر نفسه باسمه الموضوع له، فإنه
﵊، قال في الخطبة "يا أمة محمد" وكرره من غير أن يصفهم إلى نبوته ولا رسالته كل ذلك تواضعًا وأدبًا (٢).
[التاسع عشر] (٣): قوله ﵊: "ما من أحدٍ أغير من الله" "من" زائدة تقديره: ما أحد، وثبت في صحيح مسلم (٤): "إن من أحد" وهي نافية بمعنى "ما" فعلى هذا يجوز في "أغير" النصب خبر إن النافية فإنها تعمل عمل "ما" عند الحجازيين، وعلى اللغة التميمية هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو أحد،
стр. 2176
قاله القرطبي (١) في "شرحه"، والوجهان جائزان في رواية الكتاب في "أغير" فيقرأ بالنصب والرفع.
العشرون: "الغيرة" في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحق الغَيْرَان عندما يُنال شيء من حريمه أو محبوباته يحمل على صيانتهم ومنعتهم، وهذا التغير على الله -تعالى- محال (٢) إذْ هو منزه عن كل تغير ونقص (٣) لكن لما كانت ثمرة المغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر المقاصد إليهم أطلق ذلك على الله -تعالى- إذ قد زجر وذم ونصب الحدود وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء
стр. 2177
من محارمه، وهذا من التجوز، ومن باب تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه، [قاله] (١) كله القرطبي (٢) في "شرحه".
وقال النووي (٣) في "شرحه": قالوا معناه ليس أحدًا أمنع من المعاصي من الله ولا أشد كراهة لها منه .
وقال الشيخ تقي الدين (٤): المنزهون لله -تعالى- عن سمات الحدث ومشابهة المخلوقين بين رجلين: إما ساكت عن التأويل،
وإما مؤول، على أن يراد شدة المنع والحماية من الشيء. فإن الغائر على الشيء مانع له وحام له. فالمنع والحماية من لوازم الغيرة،
فأطلق لفظ الغيرة عليها من مجاز الملازمة، أو غير ذلك من الوجوه الشائعة في لسان العرب، والأمر في التأويل وعدمه في هذا قريب عند من يسلم التنزيه، فإنه حكم شرعي. أعني الجواز وعدمه، فيؤخذ كما يؤخذ سائر الأحكام، إلَّا أن يدعي مدع أن هذا الحكم ثبت بالتواتر عن صاحب الشرع، أعني المنع من التأويل ثبوتًا قطعيًّا فخصمه يقابله حينئذ بالمنع الصريح، وقد يتعدى بعض خصومه إلى التكذيب القبيح.
الحادي والعشرون: فيه جواز الحلف من غير استحلاف وهو متكرر في الأحاديث، ولا كراهة أيضًا فيه، لأن الحاجة تدعو إليه
стр. 2178
للتأكيد وتعظيم الأمر. والقاعدة أن اليمين مكروهة إلَّا في هذا أو في الطاعة، وفي اليمين الصادقة في الدعوى.
الثاني والعشرون: فيه الحث على اجتناب الزنا والمعاصي وتفخيم العقوبة عليها، وقبحها عند الله، ولا شك أن الزنا من الكبائر، لا يكفر بفعله كفرًا يخرجه عن الإِسلام، إلَّا أن يعتقد حله فيكفر إجماعًا، وينبغي اجتناب المعاصي كلها كبيرها وصغيرها، فإنه ثبت أنه ﵊ قال: "لا يحقرن أحدكم صغير الذنب فربما به دخل النار"، وكذلك لا ينبغي أن يحقر من الخير شيئًا، فإنه ثبت أنه ﵊ قال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" (١)، والجامع لذلك كله قوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ (٢) الآية، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٣) الآية.
الثالث والعشرون: قوله ﵊: "لو تعلمون ما أعلم" إلى آخره معناه لو تعلمون من عظم انتقام الله -تعالى- من أهل الجرائم، وشدة عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها كما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرًا ولقل ضحككم لفكركم فيما علمتموه.
وقيل: معناه لو دام علمكم كما يدوم علمي به لبكيتم لأن علوم الأنبياء متواصلة لا يلحقها سهو، وعلومنا يدخل عليها
стр. 2179
الغفلات والجهالات بالانهماك في الشهوات، فتركن النفوس إلى البطالة حتى تصدأ فلا يصقلها إلَّا الذكر.
وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يكون المعنى أنكم لو علمتم من رحمة الله -تعالى- وحلمه، وعفوه عن ذنوب خلقه ومعاني كرمه ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا فبكاؤكم إذ لم تفهموا من ذلك ما فهمت ولمَ تعلموا منه ما علمت. وينشأ هذا عن مطالعة جمال الله -تعالى- ونعوت أفضاله ومشاهدة النعم الواسعة التي لا تقصر عن شيء.
فائدة: قال ابن منده في مستخرجه قوله: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" رواه مع عائشة عشرة من الصحابة.
الرابع والعشرون: في قوله "لو تعلمون ما أعلم" إلى آخره دليل على علة مقتضى الخوف وترجيح الخوف في الموعظة على الإِشاعة
بالرخص لما في ذلك من التسبب إلى تسامح النفوس لما جبلت عليه من الإِخلاد إلى الشهوات، وذلك مرضها الخطر. والطبيب الحاذق يقابل العلة بضدها لا بما يزيدها. فإن العلل المزمنة إن لم يبادر إليها يقطع مادة الداء بالدواء النافع القاطع لها وإلَاّ استحكمت العلة.
الخامس والعشرون: فيه الحث على قلة الضحك وكثرة البكاء والتحقيق بما الإِنسان صائر إليه وما هو فيه، ولا شك أن كثرة الضحك وقلة البكاء مذمومان شرعًا، فإنهما يدلان على قسوة القلب وكثرة البطر. ومن الضحك ما هو محمود وهو ما إذا اقترن به مقصود شرعي من تعجب بنعم الله -تعالى- أو فرح للمسلمين أو تجلد
стр. 2180
على الكافرين والمنافقين ونحو ذلك. ومن البكاء ما هو مذموم كالبكاء لإِظهار الجزع أو للرياء أو لإِضعاف المؤمنين أو تحزنًا على
المنافقين أو ما شاكل ذلك. فأما ما كان منه من خشية الله -تعالى- وخوفًا فهو شعار عباده العارفين، وهو جلاء للقلوب، وتطهير
للذنوب، وتقريب من علام الغيوب. وقد يغلب على الفاجر البكاء، كما ورد في بعض الأحاديث مرفوعًا وموقوفًا: "إذا كمل فجور الرجل ملك عينيه، فإذا أراد أن يبكي بكى"، وقد يقع البكاء على أمر نفساني فيوهم أنه من خشية الله -تعالى- فليتفطن لذلك ليقطع ويجتنب.
السادس والعشرون: قولها "فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات" أطلقت الركعات على عدد الركوع. وتقدم في الحديث الأول في ركعتين وهو متمسك بعض المالكية في أنه لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني من حيث إنه أطلق على الصلاة ركعتين، وقد سلف ذلك في الوجه السادس.
السابع والعشرون: وكان ينبغي تقديم قوله ﵊: "لا يخسفان" قال ابن الصلاح (١) في مشكل الوسيط هو بفتح الياء، وقال: وقد منعوا من أن يقال بالضم.
стр. 2181
الحديث [الرابع] (١)
١٥١/ ٤/ ٢٩ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خسفت الشمس في زَمَانِ رسول الله ﷺ ، فقام فزعًا [يخشى] (٢) أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد، فقام فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: "إن هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يُخوِّف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئًا فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه، واستغفاره" (٣).
الكلام عليه من أحد عشر وجهًا.
الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب السواك.
الثاني: فيه دليل على جواز استعمال الخسوف في الشمس، وقد سلف ذلك في الحديث الذي قبله أيضًا.
стр. 2182
الثالث: قوله: "فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة".
أما "فزع" فهو من أبنية المبالغة كحذر.
"والساعةُ" بضم التاء على تمام كان أي يخشى أن تحضر الساعة الآن، ويجوز أن تكون كان ناقصة.
والساعة اسمها، والخبر محذوف، أي تكون الساعة قد حضرت، ويجوز فتحها على أن تكون كان ناقصة، ويكون اسمها مضمرًا فيها والساعة خبرها، والتقدير أن تكون هذه الآية الساعة أي علامتها وحضورها.
واعلم أن قوله "يخشى أن تكون الساعة" مما يستشكل من حيث إن للساعة مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها ولم تقع كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والدجال، وقتال الترك وأشياء كثيرة لا بد من وقوعها قبل الساعة كفتوح الشام والعراق ومصر وغيرها، وإنفاق كنوز كسرى في سبيل الله، وقتال الخوارج، وغير ذلك من الأمور المشهورة في الأحاديث، وجوابه من أوجه.
أحدها: لعل هذا الكسوف قبل إعلام النبي ﷺ بهذه الأمور (١).
стр. 2183
ثانيها: لعله خشي أن يكون ذلك بعض مقدماتها (١) وقد جاء على ما نقله القاضي: "أن القيامة تقوم ومعها كسوفان".
ثالثها: أن قيامه ﵊ فزعًا خاشيًا أن تكون الساعة إنما هو ظن من الراوي (٢) لما رآه خرج إلى الصلاة مستعجلًا مبادرًا إليها، لا أنه ﵊ خشي ذلك حقيقة. ولعله ﵊ خاف أن يكون الكسوف نوع عقوبة كخوفه عند هبوب الريح أن يكون عذابًا. فظن الراوي خلاف ذلك ولا اعتبار بظنه. وذلك دليل على دوام مراقبته ﵊ لفعل الله -تعالى- وتجريد الأسباب العادية عن إيجادها لمسبباتها.
الرابع: فيه أن السنَّة فعلها في المسجد وهو المشهور من مذاهب العلماء.
قال أصحابنا: وإنما لم يخرج إلى المصلَّى خوفًا من فواتها بالانجلاء فإن السنَّه المبادرة إليها، وخيّر بعض أصحاب مالك بين المسجد والصحراء، وهو خلاف الصواب، والمشهور. إنتهاء فعل
стр. 2184
الصلاة بالانجلاء وهو مقتضى لأن يعتني بمعرفته [ومراقبته] (١) حال الشمس، [فلولا أن المسجد أرجح لكانت الصحراء أولى، لأنها أَقْرَبُ إلى إدراك حال الشمس] (٢) في الانجلاء وعدمه وأيضًا فإنه يخاف من (٣) اجتماع الناس في المصلَّى ذوات إقامتها، كما ذكره أصحابنا.
الخامس: فيه جواز الإِخبار بما يوجب الظن من شاهد الحال وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك، فإن إخباره أنه قام فزعًا خاشيًا أن
تكون الساعة محتمل له ولغيره كما سلف.
السادس: فيه الدوام على مراقبة الله -تعالى- وطاعته، والخوف منه بحيث لا يخرجه الخوف إلى اليأس من رحمته.
قال الفاكهي: وفيه دلالة على المحافظة على طهارة الوضوء.
قلت: قد يتوقف في أخذه منه فتأمله (٤).
стр. 2185
السابع: فيه تطويل الركوع والسجود وقد تقدم الكلام عليه في الحديث قبله.
الثامن: فيه شرعية صلاة الكسوف للنساء والمسافرين وكل واحد. فإنه وإن كان الخطاب للذكور لقوله: "فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره". وفي الحديث الثاني "فصلوا وادعوا" فالنساء مُدرَجاَتٌ فيه، كما في قوله -تعالى-: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (١) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢) وغير ذلك من خطاب التعبد العام، فإنهن داخلات فيها باتفاق، وكونها مشروعة للنساء وغيرهن هو مذهب الشافعي، ومشهور مذهب مالك، وروي عن مالك أيضًا [أن] (٣) المخاطب بها من يخاطب بالجمعة، فيخرج النساء والمسافرون ونحوهم.
وذهب الكوفيون: إلى أنهن يصلين أفرادًا لا جماعة، وقد صح حضورهن لها معه ﷺ ، وذلك يدل على أنهن مخاطبات بها في جماعة (٤).
стр. 2186
التاسع: فيه شرعية الدعاء والذكر والاستغفار عند الكسوف، ولا شك أن كل واحد من المذكورات عبادة مستقلة مطلوبة في جميع الحالات، سواء كان مخوفًا أم لا، لكنه آكد في المخوف.
العاشر: في قوله: "فافزعوا" إلى المبادرة إلى ما أمر به، وتنبيه [على] (١) الالتجاء إلى الله -تعالى- عند المخاوف بالدعاء والاستغفار، وإشارةٌ إلى أن الذنوب سبب البلايا والعقوبات العاجلة أيضًا، وأن التوبة والاستغفار سببان للمحو يرجى. بهما زوال المخاوف.
الحادي عشر: قوله ﵊: "لا تكون لموت أحد ولا لحياته" قد تقدم الكلام عليه في الحديث الثاني، وأنه رد على من اعتقد ذلك.
خاتمة: يسن الجهر في كسوف القمر، وفي كسوف الشمس مذاهب.
أحدها: كذلك وهو مذهب أبي يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق، وقال ابن بزيزة: ورواه ابن معين وغيره عن مالك.
стр. 2187
وثانيها: الإِسرار وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والليث وأصحاب الرأي، وهو المشهور عن مالك، وقول جمهور العلماء.
ثالثها: أنه [يخير] (١) بينهما، قاله الطبري وغيره من فحول العلماء جمعًا بين الأحاديث، ومنهم من أوّل أحاديث الجهر على كسوف القمر.
стр. 2188
٣٠ - باب صلاة الاستسقاء
الاستسقاء: طلب [السقيا] (١) كالاستصحاء طلب الصحو. وهو "استفعال" من [أسقيت] (٢) يقال: سقاه وأسقاه بمعنى.
وقيل: سقاه ناوله ليشرب. وأسقاه: جعل له سقيا.
وقيل: سقيته من سقى [السقه] (٣) وأسقيته: دللته على الماء.
حكاه صاحب "المحكم".
واعلم: أن الاستسقاء أنواع:
الأول: الدعاء بلا صلاة، ولا خلف صلاة.
وأوسطها: الدعاء خلف الصلوات، وفي خطبة الجمعة.
والاستسقاء: بركعتين وخطبتين.
والثاني: أفضل من الأول.
والثالث: أكمل الكل. وخالف [فيه] (٤) أبو حنيفة كما سيأتي.
وقد ذكر المصنف في الباب النوع الثالث والثاني الذي في الجمعة، وذكر في الباب حديثين:
стр. 2189
الحديث الأول
١٥٢/ ١/ ٣٠ - عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁ قال: "خرج النبي ﷺ يستسقي (١) [فتوجه] (٢) إلى القبلة (٣) وحول رداءه، ثم صلَّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة".
"وفي لفظ: إلى المصلى" (٤).
الكلام عليه من ثلاثة عشر وجهًا:
الأول: في التعريف براويه وقد سلف في كتاب الطهارة.
стр. 2190
الثاني: قوله: "خرج النبي ﷺ يستسقي" أي يطلب السقي بتضرعه ودعائه، فيستنبط منه أن الخروج إلى المصلَّى لصلاة الاستسقاء سنة.
وقال أصحابنا: يخرجون إلى الصحراء لأنه أبلغ في الافتقار والتواضع، ولأنها أوسع للناس لأنه يحضرها الناس كلهم فلا يسعهم المصلَّى ولا المسجد الجامع.
ورأيت في كتاب "الخصال" للخفاف من قدماء أصحابنا: استثناء مكة من ذلك، ولم أر من تعرض له سواه. وسيأتي في الحديث الثاني استسقاؤه في المسجد بالدعاء.
الثالث: خروجه ﷺ "إلى المصلَّى للاستسقاء" المذكور كان في أول شهر رمضان سنة ست من الهجرة لما جدب الناس جدبًا شديدًا، قاله ابن حبان (١).
الرابع: استقباله القبلة هنا لأنها حالة دعاء وتضرع لطلب السقيا، فناسب استقبالها بخلاف الخطبة والموعظة فإنها حالة إنذار وتذكير فيناسب استقبال الناس، واستدبار القبلة، وهي السنة، بخلاف سائر العبادات، كالطهارة، والقراءة، والأذكار، والأذان، وأما حديث "خير المجالس ما استقبل به القبلة" (٢)
стр. 2191
فهو خارج عن هذا حيث [لا تعلق لأحد به] (١) من موعظة أو تعلم أو مخاطبة.
الخاص: تحويله الرداء هو من باب التفاؤل وانقلاب الحال من الشدة إلى السعة.
قال أصحابنا: ويكون التحويل في نحو ثلث الخطبة الثانية حين يستقبل القبلة فيها، وجمهور العلماء على أَنَّ تحويله سنة.
وأنكره أبو حنيفة وصعصعة بن سلام: من قدماء العلماء بالأندلس، كما حكاه القرطبي (٢) عنه. وهذا الحديث وغيره حجة عليهم.
قال أصحابنا: ويفعل الناس مثل الإِمام. وبه قال مالك وغيره (٣).
وخالف فيه جماعة من العلعاء ونقله القرطبي (٤) عن الجمهور.
ثم الذين قالوا بالتحويل اختلفوا فمنهم من قال: إنه يرد ما
стр. 2192
على يمينه على شماله (١). ولا ينكسه. وحكاه القرطبي (٢) عن الجمهور.
وقال الشافعي في الجديد: ينكسه فيجعل ما يلي رأسه أسفل (٣).
وسبب هذا الاختلاف اختلافهم في مفهوم رواية الإِمام أحمد من "حوّل" و"قلب" هل هما بمعنى. أو بينهما فرقان.
ولا خلاف في تحويل الإِمام وهو قائم.
[والذين قالوا بتحويل الناس قالوا: يفعلونه وهم جلوس.
стр. 2193
وكذلك نص الشافعي في مختصر البويطي على أن الإِمام يدعو وهو قائم، وأن الناس لا يقومون بل يكونون جلوسًا] (١).
والذين قالوا بعدم التحويل: استدل لهم بأن التحويل إنما فعله ﵊ ليكون أثبت على عاتقه عند رفع اليدين في الدعاء، أو عرف بطريق الوحي تغير الحال عند تغير ردائه وهو بعيد. فإن الأصل عدم نزول الوحي بتغيير الحال عند تحويل الرداء، وفعله ﵊ التحويل لمعنى مناسب أولى من حمله على مجرد ثبوت الرداء على عاتقه أو غيره، واتباع الرسول في فعله أولى [(٢)] من تركه لمجرد احتمال الخصوص مع ما عرف في الشرع من محبته التفاؤل (٣).
وقد روى الدارقطني (٤) من حديث حفص بن غياث عن
стр. 2194
جعفر بن محمد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ استسقى وحوّل رداءه ليتحول القحط".
فرع: اختلف العلماء في وقت التحويل، فقيل: بين الخطبتين. وقيل: في أثناء الثانية. وقيل: بعد انقضائها. وكل ذلك واقع في مذهب مالك. وفي بعض الأحاديث أنه كان يحوّل إزاره إذا استقبل القبلة (١). وروي عن مالك أنه يحول قبل الاستقبال. وروى
عنه بعده.
فائدة: ذكر أهل الآثار أن رداءه ﵊، كان طوله أربعة أذرع وشبر. في عرض ذراعين وشبر. وكان يلبسه في العيدين والجمعة ثم يطويان (٢).
السادس: فيه تقديم الدعاء على الصلاة عملًا. بقوله: "ثم صلَّى ركعتين". وإن كانت "ثم" استعملت لغير الترتيب في عطف الجمل بعضها على بعض. وإن كان ما بعدها متقدمًا على المذكور في قوله -تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ...﴾ (٣) الآية إلى قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ...﴾ الآية. وقد قال بتقديم
стр. 2195
الخطبة فيها على الصلاة الليث ومالك (١). لكن مالكًا (٢) رجع عنه. وقال: بتقديم الصلاة على الخطبة. وهو مذهب الشافعي (٣) وجمهور العلماء. والأحاديث بعضها يقتضي بتقديم الصلاة على الخطبة. وبعضها يقتضي عكسه. واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة ﵃. وصرح المتولي وغيره من أصحابنا بجواز ذلك. ونقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب بل أشار ابن المنذر (٤) إلى استحباب ذلك. وصح فيه حديث عائشة في سنن أبي داود (٥).
فرع: انفرد الإِمام أحمد فقال: لا خطبة في الاستسقاء بل يكثر الاستغفار ويدعو. وقد أخرج هو في مسنده من حديث أبي هريرة
أنه ﵊ خطب لها (٦). قال البيهقي: ورواته كلهم ثقات.
стр. 2196
ووقع في "شرح الفاكهي" دعوى الإِجماع على أنه يخطب لها.
[فرع: ويخطب خطبتين كالعيد كما قاله مالك (١)، والشافعي (٢).
وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن (٣) بن مهدي: يخطب واحدة لا جلوس فيها. وخيره الطبري (٤).
وقال البندنيجي: من أصحابنا أيضًا يكفي واحدة] (٥).
السابع: فيه استقبال القبلة عند تحويل الرداء والدعاء في الاستسقاء (٦).
الثامن: فيه استقبالها عند الدعاء مطلقًا قياسًا عليها.
التاسع: فيه الرد على من أنكر صلاة الاستسقاء.
العاشر: فيه أنها ركعتان وهو كذلك بإجماع المثبتين لها.
الحادي عشر: لم يذكر في صلاة الاستسقاء في هذا الحديث التكبيرات الزوائد كما في صلاة العيد. وقد قال به
стр. 2197
الشافعي (١). وابن جرير. وروي عن ابن المسيب (٢). وعمر بن عبد العزيز. ومكحول.
وقال الجمهور كما نقله عنهم النووي في "شرحه" (٣): لا يكبر.
واختلفت الرواية في ذلك عن أحمد. وخيره داود بين التكبير وتركه (٤).
واحتج الشافعي ومن وافقه بحديث ابن عباس (٥) أنه ﵊ صلاها ركعتين، كما يصلي العيد. رواه أصحاب السنن الأربعة. وقال الترمذي: حسن صحيح.
стр. 2198
وأما ابن أبي حاتم (١): فرمى راويه عن ابن عباس بالإِرسال عنه.
وأجاب الجمهور: عنه بأن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة، وكونها قبل الخطبة. فإن التشبيه بالشيء يصدق من
بعض الوجوه. لكن أخرجه الدارقطني (٢) وفيه عدد التكبير في الأولى. والثانية وقراءة سبح في الأولى والغاشية في الثانية. وأعله
عبد الحق بمحمد بن عبد العزيز بن عمر بن عوف المذكور في إسناده. وقال: إنه ضعيف.
قلت: ووالده مجهول، كما قال ابن القطان. لكن أخرج الحاكم (٣) في "مستدركه" هذه الرواية. وقال بدل محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عوف. محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك عن أبيه. ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد، فالله أعلم.
فرع: اختلف مذهب مالك هل يكبر الإِمام والناس إذا خرجوا إلى المصلى قياسًا على العيدين أم لا لعدم وروده هنا.
стр. 2199
قال الفاكهي: وهو المشهور، قال: وبالتكبير، قال: ابن المسيب. وعمر بن عبد العزيز. ومكحول. والشافعي. [والطبري] (١).
قلت: هو غريب عن الشافعي، لا أعلمه في كتبه ولا كتب أصحابه، ولا من حكاه عنهم من المذهبين، ولعله التبس عليه بالتكبير في أول الصلاة فإنه يحكي عن هؤلاء كما قدمته عنهم فابحث عنه (٢).
الثاني عشر: فيه الجهر بالقراءة في هذه الصلاة، وهو إجماع، وقوله في الحديث: "جهر فيهما بالقراءة" هو من أفراد البخاري كما
نبه عليه النووي في "شرحه لمسلم"، فكان ينبغي للمصنف أذن أن ينبه (٣).
الثالث عشر: فيه أن السنة في صلاة الاستسقاء أن تكون جماعة.
وقال أبو حنيفة: لا تشرع له صلاة فضلًا عن الجماعة. ولكن يستسقى بالدعاء.
وقال سائر العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين
стр. 2200
ومن بعدهم حتى أصحاب أبي حنيفة كلهم: يصلى للاستسقاء ركعتين بجماعة.
واستدل لأبي حنيفة باستسقاثه ﷺ على المنبر يوم الجمعة من غير صلاة (١).
قالوا: ولو كانت سنة لما تركها.
وأجاب الجمهور: عن هذا [بأنه كان في خطبة الجمعة. ويتعقبه الصلاة لها فاكتفى بها بيانًا لجواز مثل هذا] (٢).
وقد أجمع أهل العلم على أن الاستسقاء سنة. لكنه مشروع على ثلاثة أنواع بينّاها مقدمة لهذا الباب.
قال أصحابنا: ويتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على الخير ومجانبة الشر، ونحو ذلك من الطاعات (٣).
стр. 2201
الحديث الثاني
١٥٣/ ٢/ ٣٠ - عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلًا دخل المسجد [يوم الجمعة] (١) من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله (٢) هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا"، قال أنس: فلا والله، ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا والله، ما رأينا الشمس سبتًا، قال: ثم دخل
стр. 2202
رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائمًا، [فقال] (١): يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر"، قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس (٢).
قال شريك: فسألت أنس بن مالك، أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري.
قال المصنف: "الضراب" الجبال الصغار.
["والآكام" جمع أكمة، وهي أعلى من الرابية، ودون الهضبة.
"ودار القضاء" دار عمر بن الخطاب ﵁.
سميت بذلك: لأنها بيعت في قضاء دينه] (٣).
هذا حديث عظيم مشتمل على أعلام نبوة نبينا ﷺ وعلى أحكام مهمة، فيحصر الكلام عليه في ثلاثة أطراف:
الأول: في فن الأسماء:
أما راويه: فتقدم التعريف به في باب الاستطابة.
وأما شريك: فهو ابن عبد الله بن أبي نمر المدني أبو عبد الله
стр. 2203
القرشي، روى عن أنس، وابن المسيب وغيرهما، وعنه مالك وغيره.
قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث.
وقال ابن معين: إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته.
(١) قال النسائي وغيره: ليس بالقوي.
وقال ابن حبان (٢) في "ثقاته": في التابعين منهم ربما أخطأ. قال: وجده شهد بدرًا.
مات بعد سنة أربعين ومائة.
وأما الرجل الداخل: فرأيت من ادعى أنه العباس بن عبد المطلب ويبعد أن في بعض طرق البخاري "فقام أعرابي" وفي بعض طرقه "رجل من أهل البدو" (٣)، ويبعد تعدد القصة على أن في بعض طرق البخاري (٤) "فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول الله قحط المطر" الحديث، وهو ظاهر في التعدد. وقد يمكن الجمع بأن الرجل هو الذي ابتدأ بالسؤال أولًا، ثم تابعوه، فالله أعلم.
وقول شريك: "سألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري" ثبت في صحيح البخاري (٥) وغيره في بعض طرق هذا الحديث "أنه الرجل الأول"، من رواية شريك أيضًا، ومن رواية
стр. 2204
يحيى بن سعيد عن أنس، فلعل أنسًا تذكره بعد أو نسي بعد ذكره، كما نبه عليه ابن التين شارح "البخاري".
وروى في صحيحه أيضًا من حديث قتادة عن أنس "فقام ذلك الرجل أو غيره" وروى من حديث ثابت عن أنس "فقام ذلك الرجل
أو غيره" وروى من حديث ثابت عن أنس "فقام الناس فصاحوا وقالوا: يا رسول الله! قحط المطر، واحمرت الشجر، وهلكت البهائهم، فادع الله أن يسقنا. فقال: اللهم اسقنا مرتين" الحديث، وفي آخره "فلما قام ﵊ يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت" الحديث.
قال ابن التين: في "شرح البخاري" قوله: "فقام الناس" إن كان هذا محفوظًا فقد تكلم الرجل ثم صاحوا. ويحتمل أنه يعني بالناس الرجل، لأنه يتكلم عنهم وهم حضور، أو لعلهم صاحوا وتكلم عنهم (١).
الطرف الثاني: في ألفاظه ومعانيه، وفيه مواضع:
الأول: "دار القضاء" هي دار بيعت في دين عمر بن الخطاب ﵁ الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله، فإن عجز ماله استعان ببني عدي ثم بقريش. فباع ابنه داره هذه لمعاوية، وباع ماله بالغابة وقضى دينه، وكان دينه ستًّا وثمانين ألفًا فيما رواه البخاري في صحيحه، وغيره من أهل الحديث والسير والتواريخ وغيرهم.
стр. 2205
وقال القاضي عياض (١): كان ثمانية وعشرين ألفًا، وهو غلط غريب، كما قاله النووي (٢)
قلت: وأَغْرَبُ منه قول القرطبي (٣): كان عشرين ألفًا [فكان] (٤) يقال لها دار قضاء دين عمر. ثم اختصروا، فقالوا: دار القضاء، وهي دار مروان.
وقال بعضهم: هي دار الإِمارة. وغلط لأنه بلغه أنها دار مروان، فظن أن المراد بالقضاء الإِمارة، والصواب ما ذكرنا (٥).
стр. 2206
الثاني: في كلام هذا الداخل للنبي ﷺ دلالة على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتة كانت من النبي ﷺ ، إما لاستراحة في النطق، وإما في حال الجلوس.
الثالث: "الأموال" جمع مال، وألفه منقلبة عن واو بدليل ظهورها في الجمع، وليس [له] (١) جمع كثرة، وجُمع وإن كان جنسًا
لاختلاف أنواعه.
وهو كل ما يتملك وينتفع به.
والمراد هنا: مال مخصوص، وهو الأموال الحيوانية والنباتية [لأنها] (٢) التي يؤثر فيها انقطاع الغيث من المطر وغيره، بخلاف الأموال الصامتة.
стр. 2207
والسبل: جمع سبيل وهو هنا الطريق، يذكّر ويؤنّث، فمن التذكير قوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ (١)، ومن التأنيث قوله -تعالى-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٢)، وانقطاعها إما بعدم المياه التي يعتاد المسافرون ورودها، وإما باشتغال الناس بشدة القحط عن الضرب في الأرض.
وقوله: "وانقطعت"، روي بدله: "وتقطعت"، قال ابن التين شارح "البخاري": والأول أشبه.
الرابع: قوله: "فادع الله يغيثنا"، وقوله ﵊: "اللهم أغثنا"، كذا هو في الصحيح يغيثنا بضم الياء، وأغثنا بالألف من أغاث يغيث رباعي.
والمشهور في اللغة: أنه يقال [في المطر] (٣) غاث الله الناس والأرض يغيثهم بفتح الياء ثلاثي أي أنزل المطر والذي في هذا الحديث وغيره من روايته "أغثنا" بالألف و"يغيثنا" بضم الياء من "أغاث" "يغيث" رباعي كما قدمته، لكن الهمزة فيه للتعدية، ومعناه: هب لنا غيثًا.
وقال بعضهم: المذكور في الحديث من الإِغاثة بمعنى: المغوثة، وليس من طلب الغيث إنما يقال في طلب الغيث: "اللهم غثنا وارزقنا غيثًا".
стр. 2208
قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث أي هب لنا غيثًا أو ارزقنا" غيثًا [كما] (١) يقال: سقاه الله وأسقاه أي جعل
له سقيًا على لغة من فرق بينهما (٢).
والصواب: أن الهمزة فيه للتعدية كما ذكرنا.
فائدة: يجوز في "يغيثنا" الرفع والجزم والرفع على الاستئناف.
الخامس: قوله: "فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة".
المراد بالسماء: هنا الفضاء المرتفع بين السماء والأرض.
والسحاب: معروف وهو جنس واحده سحابة وهي الغيم.
ويجمع: أيضًا على سُحُبٍ وسحائب.
والقزعة (٣): بفتح القاف والزاي وهي القطعة من السحاب وجماعتها قزع كقصبة وقُصب.
قال أبو عبيد (٤): وأكثر ما يكون في الخريف، ومنه أُخذ القزع في الرأس وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه.
السادس: قوله: "وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار" هو تأكيد لقوله: "ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة" لأنه أخبر أن
стр. 2209
السحابة طلعت من وراء سلع، فلو كان [بينهم] (١) وبينه دار لأمكن أن تكون السحابة والقزعة موجودة، حال بينهم وبينها ما بينهم وبين سلع من دار لو كانت.
وقال القاضي (٢): يحتمل والله أعلم، أن ذلك لِحمل الناس عن تلك الجهة لشدة الجدب وحزونة الموضع وطلب الكلأ والخصْب.
وقوله: "بيت كذا" هو في الصحيحين ووقع في مسند السراج، بدله: "نقب".
وسلع: -بفتح السين المهملة وسكون اللام- وهو جبل بقرب المدينة من غربها، وقال البخاري: هو الجبل الذي بالسوق.
قال ابن قرقول: وقع عند ابن سهل: -بفتح اللام وسكونها- وذكر أن بعضهم رواه بغين معجمة وكله خطأ.
وقال صاحب "المحكم": سلع موضع.
وقيل: جبل (٣).
وزعم الهروي: أن سلعًا معرفة لا يجوز إدخال الألف واللام عليه، وليس كما ذكر، ففي "دلائل النبوة للبيهقي" وكتاب أبي نعيم الأصبهاني "فطلعت سحابة من وراء السلع" (٤).
стр. 2210
قلت: والمقصود بقوله: "وما بيننا وبين سلع" إلى آخره الإِخبار عن معجزة رسول الله ﷺ وعظيم كرامته على الله -تعالى- بإنزال المطر سبعة أيام متوالية من غير تقدم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر، لا ظاهر ولا باطن، سوى سؤال رسول الله ﷺ أي نحن مشاهدون له ﷺ ولسَلْع والسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلًا.
السابع: قوله: "مثل الترس"، قال القاضي عياض: قال ثابت: ولم يرد -والله أعلم- في قدره، ولكن في استدارته، وهو أحمد السحاب عند العرب، وقوله: "ثم أمطرت" يقال: مطرت وأمطرت في المطر. وهذا الحديث دليل لجواز أُمطر بالألف وهو المختار عند المحققين والأكثرين من أهل اللغة.
وقال بعضهم: لا يقال أمطرت بالألف إلَّا في العذاب.
لقوله -تعالى-: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ (١)، والمشهور الأول ولفطه أمطرت يطلق [على] (٢) الخير والشر ويعرف بالقرينة قال تعالى-: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ وهذا من أمطر، والمراد به المطر في الخير لأنهم ظنوه خيرًا فقال -تعالى- (٣): ﴿بَلْ هُوَ مَا
اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ (٤).