← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الثاني: في كلام هذا الداخل للنبي ﷺ دلالة على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتة كانت من النبي ﷺ ، إما لاستراحة في النطق، وإما في حال الجلوس. الثالث: "الأموال" جمع مال، وألفه منقلبة عن واو بدليل ظهورها في الجمع، وليس [له] (١) جمع كثرة، وجُمع وإن كان جنسًا لاختلاف أنواعه. وهو كل ما يتملك وينتفع به. والمراد هنا: مال مخصوص، وهو الأموال الحيوانية والنباتية [لأنها] (٢) التي يؤثر فيها انقطاع الغيث من المطر وغيره، بخلاف الأموال الصامتة.

стр. 2207

والسبل: جمع سبيل وهو هنا الطريق، يذكّر ويؤنّث، فمن التذكير قوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ (١)، ومن التأنيث قوله -تعالى-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (٢)، وانقطاعها إما بعدم المياه التي يعتاد المسافرون ورودها، وإما باشتغال الناس بشدة القحط عن الضرب في الأرض. وقوله: "وانقطعت"، روي بدله: "وتقطعت"، قال ابن التين شارح "البخاري": والأول أشبه. الرابع: قوله: "فادع الله يغيثنا"، وقوله ﵊: "اللهم أغثنا"، كذا هو في الصحيح يغيثنا بضم الياء، وأغثنا بالألف من أغاث يغيث رباعي. والمشهور في اللغة: أنه يقال [في المطر] (٣) غاث الله الناس والأرض يغيثهم بفتح الياء ثلاثي أي أنزل المطر والذي في هذا الحديث وغيره من روايته "أغثنا" بالألف و"يغيثنا" بضم الياء من "أغاث" "يغيث" رباعي كما قدمته، لكن الهمزة فيه للتعدية، ومعناه: هب لنا غيثًا. وقال بعضهم: المذكور في الحديث من الإِغاثة بمعنى: المغوثة، وليس من طلب الغيث إنما يقال في طلب الغيث: "اللهم غثنا وارزقنا غيثًا".

стр. 2208

قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث أي هب لنا غيثًا أو ارزقنا" غيثًا [كما] (١) يقال: سقاه الله وأسقاه أي جعل له سقيًا على لغة من فرق بينهما (٢). والصواب: أن الهمزة فيه للتعدية كما ذكرنا. فائدة: يجوز في "يغيثنا" الرفع والجزم والرفع على الاستئناف. الخامس: قوله: "فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة". المراد بالسماء: هنا الفضاء المرتفع بين السماء والأرض. والسحاب: معروف وهو جنس واحده سحابة وهي الغيم. ويجمع: أيضًا على سُحُبٍ وسحائب. والقزعة (٣): بفتح القاف والزاي وهي القطعة من السحاب وجماعتها قزع كقصبة وقُصب. قال أبو عبيد (٤): وأكثر ما يكون في الخريف، ومنه أُخذ القزع في الرأس وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه. السادس: قوله: "وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار" هو تأكيد لقوله: "ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة" لأنه أخبر أن

стр. 2209

السحابة طلعت من وراء سلع، فلو كان [بينهم] (١) وبينه دار لأمكن أن تكون السحابة والقزعة موجودة، حال بينهم وبينها ما بينهم وبين سلع من دار لو كانت. وقال القاضي (٢): يحتمل والله أعلم، أن ذلك لِحمل الناس عن تلك الجهة لشدة الجدب وحزونة الموضع وطلب الكلأ والخصْب. وقوله: "بيت كذا" هو في الصحيحين ووقع في مسند السراج، بدله: "نقب". وسلع: -بفتح السين المهملة وسكون اللام- وهو جبل بقرب المدينة من غربها، وقال البخاري: هو الجبل الذي بالسوق. قال ابن قرقول: وقع عند ابن سهل: -بفتح اللام وسكونها- وذكر أن بعضهم رواه بغين معجمة وكله خطأ. وقال صاحب "المحكم": سلع موضع. وقيل: جبل (٣). وزعم الهروي: أن سلعًا معرفة لا يجوز إدخال الألف واللام عليه، وليس كما ذكر، ففي "دلائل النبوة للبيهقي" وكتاب أبي نعيم الأصبهاني "فطلعت سحابة من وراء السلع" (٤).

стр. 2210

قلت: والمقصود بقوله: "وما بيننا وبين سلع" إلى آخره الإِخبار عن معجزة رسول الله ﷺ وعظيم كرامته على الله -تعالى- بإنزال المطر سبعة أيام متوالية من غير تقدم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر، لا ظاهر ولا باطن، سوى سؤال رسول الله ﷺ أي نحن مشاهدون له ﷺ ولسَلْع والسماء، وليس هناك سبب للمطر أصلًا. السابع: قوله: "مثل الترس"، قال القاضي عياض: قال ثابت: ولم يرد -والله أعلم- في قدره، ولكن في استدارته، وهو أحمد السحاب عند العرب، وقوله: "ثم أمطرت" يقال: مطرت وأمطرت في المطر. وهذا الحديث دليل لجواز أُمطر بالألف وهو المختار عند المحققين والأكثرين من أهل اللغة. وقال بعضهم: لا يقال أمطرت بالألف إلَّا في العذاب. لقوله -تعالى-: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ (١)، والمشهور الأول ولفطه أمطرت يطلق [على] (٢) الخير والشر ويعرف بالقرينة قال تعالى-: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ وهذا من أمطر، والمراد به المطر في الخير لأنهم ظنوه خيرًا فقال -تعالى- (٣): ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ (٤).

стр. 2211

الثامن: قوله: "ما رأينا الشمس سبتًا" هو بسين ثم باء موحدة ثم مثناة فوق، أي جمعة، وقد بيَّن في رواية أخرى المراد به سبعة أيام: أولها بعض يوم الجمعة ويوم السبت، وآخرها يوم الخميس وبعض يوم الجمعة. وهو في اللغة القطع، وبه سمي يوم السبت. وقال ثابت: في تفسير قوله: "سبتًا" أي قطعة من الزمان يقال: سبت من الدهر أي قطعة منه، وسبّته قطّعته، وقد رواه الداوودي (١) "ستًّا" وفسره ستة أيام من الدهر. وهو تصحيف، كما قال القرطبي (٢). والصحيح من حيث الرواية الأول، وإن كان الثاني يصح من حيث المعنى، فإنهم ما رأوها سبعة أيام كوامل، بل ستًّا كوامل، وبعض يوميّ جمعة، وذلك لا يطلق عليه يوم كامل. فائدة: "السبت" من الألفاظ المشتركة (٣). فالسبت: الدهر، والراحة، وحلق الرأس، وإرسال الشعر عن العقص، وضرب من سير الإِبل. قال أبو عمرو: وهو العنق.

стр. 2212

والسبت: القطع. وسبت: [علا وبه سبتًا إذا ضرب عنقه] (١). وقيل: ومنه يوم السبت لانقطاع الأيام عنده، قال -تعالى-: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ (٢)، [والسبت: قيام اليهود بأمر سبتها. وقيل: لأن الله -تعالى- أمر بني إسرائيل بقطع الأعمال] (٣). والجمع: أسبت وسبوت. فائدة ثانية: نحوية كل ظرف وقع خبرًا عن أسماء أيام الأسبوع فإنه يكون مرفوعًا إلَّا الجمعة والسبت تقول: الأحد اليومُ والاثنان اليومُ برفع اليوم. وتقول: الجمعة اليومَ والسبت اليومَ بالنصب فيهما. قالوا: وعلة ذلك أن الجمعة والسبت مصدران فيهما معنى الاجتماع والقطع، فإما يقال الاجتماع اليوم والقطع اليوم بالنصب لأن الثاني غير الأول، فكذلك الجمعة والسبت، وليست كذلك في باقي الأيام لأنها ليست بمصادر نابت مناب الأول والثاني والثالث والرابع والخامس. التاسع: قوله في الخطبة الثانية: "هلكت الأموال وانقطعت السبل" أي بكثرة المطر فإن إمساك المطر وكثرته مضر [به] (٤).

стр. 2213

وقوله: "فادع الله يمسكها عنا" في "يمسكها" ما في "يغيثنا" من الرفع والجزم على ما قدمناه. العاشر: قوله: "اللهم حوالينا [ولا علينا] (١) " (٢) هو ظرف متعلق محذوف تقديره "اللهم أنزل حوالينا ولا تنزل علينا"، ويقال: "حَولنا" و"حَوَالينَا"، وهما روايتان صحيحتان. فإن قلت: إذا أمطرت حوالي المدينة فالطرق ممتنعة فلم يزل شكواهم. فالجواب: أنه أراد بحوالينا الآكام والظراب وشبههما. الحادي عشر [(٣)]: قوله: "اللهم على الآكام" إلى آخره سأل ﷺ ربه ذلك أدبًا معه حيث لم يسأل رفعه من أصله، بل سأل رفع ضرر المطر وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكِنٌ ولا ابن سبيل، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة بحيث يبقى نفعه وخصبه، وهو بطون الأودية وغيرها من المواضع المذكورة (٤). الثاني عشر: "الآكام" -بكسر الهمزة- ويقال -بفتحها- مع المد فيها جمع أكمة، ويقال: جمع أكم بفتح الهمزة والكاف وكم بضمها.

стр. 2214

[فيقتضي أن يكون جمع الآكام مثل كتاب وكتب. وقد يكون ذلك جمع آكم بفتحهما] (١). مثل جبال وجبل، وهو التل المرتفع من الأرض دون الجبل وأعلى من الرابية، وقيل دون الرابية (٢). الثالث عشر: "الظراب" -بكسر الظاء المعجمة- جمع: ظرب -بفتحها وكسر الراء- وهي الروابي الصغار كما فسرها القرطبي والنووي (٣). وقال المصنف: هي الجبال الصغار، وتبعه الشيخ تقي الدين (٤). قال الأزهري (٥): وإنما خصها بالطلب لأنه أرفق للراعية من شواهق الجبال. الرابع عشر: "بطون الأودية" ما استفل منها. ومنابت الشجر أصولها. الخامس عشر: "الأودية" جمع وادٍ، وليس في كلام العرب جمع فاعل على أفعلة إلَّا في هذه الكلمة خاصة فهي من النوادر. السادس عشر: قوله: "فأقلعت" هكذا هو في أكثر نسخ

стр. 2215

صحيح [مسلم] (١) وفي بعض [النسخ] (٢) المعتمدة ["فانقلعت"] (٣) وهما بمعنى واحد. السابع عشر: قوله: "لا أدرِ"، قال الفاكهي: وهو بحذف الياء تخفيفًا لكثرة الاستعمال كما قالوا: لم يك. فحذفوا النون أيضًا لكثرة الاستعمال على ما هو مقرر في كتب العربية. الطرف الثالث في فوائده: وأحكامه وهي سبعة عشر: الأولى: استجابة دعائه ﷺ في الاستسقاء والاستصحاء وعظيم قدره وحرمته عند ربه حتى أمطرت في الاستسقاء عقب دعائه أومعه وحتى أمسكت في الاستصحاء حتى خرجوا يمشون في الشمس. الثانية: أدبه ﷺ مع ربه -تعالى- حيث لم يسأل رفعه بل سأل دوامه حيث ينتفع به كما سلف. الثالثة: استحباب سؤال الإِمام الاستسقاء والاستصحاء. الرابعة: استحباب ذلك في خطبة الجمعة وهو أحد الأنواع فيه كما تقدم ذكره. الخامسة: جواز الاستسقاء منفردًا عن الصلاة المخصوصة له واغترت به الحنفية وقالوا: هذا هو الاستسقاء المشروع لا غير. وجعلوا الاستسقاء بالبروز إلى الصحراء والصلاة بدعة، وهو

стр. 2216

عجيب، بل هو سنة ثابتة عنه ﷺ ، كما سلف في الحديث الأول وغيره من الأحاديث الصحيحة. وقد ذكرنا أنه ثلاثة أنواع، وفيما قالوه إبطال نوع ثابت. السادسة: استحباب تكرير الدعاء ثلاثًا، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان إذا دعا بدعوة دعا ثلائًا وورد "أن الله يحب الملحين في الدعاء" (١) كما أورده الماوردي (٢) حديثًا. السابعة: استحباب طلب انقطاع المطر عن المنازل والمرافق إذا كثر وتضرروا به وهو الاستصحاء، ولكن لا يشرع له صلاة ولا اجتماع في الصحراء، كما قاله النووي في "شرح مسلم" (٣). الثامنة: إجابة الإِمام الرعية إذا سألوه في مصالحهم الدنيوية والأخروية خصوصًا إذا كانت مصلحة عامة. التاسعة: الرجوع إلى الله -تعالى- بالسؤال والتضرع في جميع حالات العبد وما ينزل به. العاشر: الاستعانة في ذلك بالصالحين وأهل الخير في المجامع والمساجد والأماكن الشريفة (٤).

стр. 2217

الحادية عشرة: الدعاء قائمًا للإِمام ومن في معناه. الثانية عشرة: رفع اليدين فيه، فمن الناس من عَدّاه إلى كل دعاء، وقالوا السنَّة رفع اليدين في الدعاء مطلقًا، ومنهم من لم يعده مستدلًا بحديث أنس الثابت في الصحيحين (١) وغيرهما أنه ﵊: "كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء، حتى يُرى بياض إبطيه" ولا شك أن هذا مؤول على عدم الرفع البليغ بحيث يُرى بياض إبطيه إلَّا في الاستسقاء أو أن المراد: لم أره رفع. فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك، وقد ورد في حديث آخر أنه استثنى ثلاثة مواضع، الاستسقاء: والاستنصار (٢)، وعشية عرفة (٣)، وفي رواية وعند رؤية البيت (٤)، وقد روى رفع اليدين في الدعاء جماعات من الصحابة، وقد روى أنس حديثًا يعارض حديثه هذا، وهو حديث القراء الذين بعثهم رسول الله ﷺ وكان فيهم خاله حرام، وفيه فقال أنس: لقد رأيت رسول الله ﷺ كل ما صلى الغداة رفع يديه يدعو

стр. 2218

عليهم (١)، وقد صنف الحافظ المنذري في ذلك جزءًا (٢)، وجمع النووي في "شرح المهذب" نحوًا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين أو أحدهما في رفع اليدين في الدعاء مطلقًا في باب صفة الصلاة منه (٣). فرع: قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنَّة في كل دعاء لرفع بلاءً كالقحط ونحوه: أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى الماء. وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء، وقد ثبت في صحيح مسلم (٤): من حديث أنس أنه ﵊ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء. الثالثة عشرة: الدعاء في الخطبة وقطعها للأمر يحدث. الرابعة عشرة: الاعتبار بعظيم قدرة الله (٥) وما يجريه على أيدي أنبيائه ورسله من المعجزات وعلى يدي أوليائه من الكرامات. الخامسة عشرة: الاقتداء بهم في جميع ذلك، كما فعل الصحابة وأتباعهم، وهلم جرا وفقنا الله لذلك. السادسة عشرة: فيه القيام في الخطبة وقد تقدم ما فيه في بابه.

стр. 2219

السابعة عشرة: احتج بعض السلف بهذا الحديث على أن الخروج إلى الاستسقاء يكون بعد الزوال. إذ كان دعاء النبي ﷺ في هذه الحال يوم الجمعة (١). قال القاضي عياض: والناس كلهم على خلافه وأنها بكرة كصلاة العيدين (٢) وهذا غريب منه، ففي كتاب ابن شعبان منهم: لا بأس أن يستسقى بعد الصبح وبعد العصر والمغرب.

стр. 2220

٣١ - باب صلاة الخوف قد قدمنا في الحديث الثاني من صلاة الكسوف أن الخوف غم على ما سيكون؛ والحزن: غم على ما مضى. وليس المراد [في] (١) هذه الترجمة أن صلاة الخوف تقتضي صلاة مستقلة كقولنا: صلاة العيد، ولا أنه يؤثر في تغيير قدر الصلاة أو وقتها كقولنا صلاة السفر، وحديث ابن عباس في صحيح مسلم (٢) "إن الله فرض الصلاة في الخوف ركعة". المراد للمأموم مع الإِمام جمعًا بين الأحاديث كما قدمته في باب قصر الصلاة في السفر [وإنما] (٣) المراد أنه يؤثر في كيفية إقامة الفرائض واحتمال أمور فيها كانت لا تحتمل في غيرها، ثم هي في الأكثر لا تؤثر في كيفية إقامة الفرائض، بل في إقامتها بالجماعة ونفتتح هذا الباب بمقدمات:

стр. 2221

الأولى: أن صلاة الخوف باقية اليوم خلافًا لأبي يوسف، فإنه قال: إنها مختصة به ﷺ وبمن يصلي معه وذهبت بوفاته. واستدل بقوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ (١) الآية. وهو قول مكحول والحسن اللؤلؤي. ومحمد بن الحسن. والأوزاعي أيضًا. والجواب: أن الصحابة لم يزالوا [على فعلها] (٢) بعده. ومنهم علي وأبو هريرة. وأبو موسى. وليس المراد بالآية خصوصيته. وقد قال -تعالى-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣) وقال: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ (٤) وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ (٥). ونحوه كثير وثبت قوله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٦). فالآية خطاب مواجهة، لأنه المبلغ عن الله، لا خطاب تخصيص بالحكم. وادعى المزني: نسخ صلاة الخوف، فإنها لم تفعل يوم الخندق. والجواب: أنها لم تشرع إذ ذاك، بل بعد. والجمهور: على أنها باقية، وأن للخوف تأثيرًا في تغيير

стр. 2222

الصلاة المعهودة عن أصل مشروعيتها المعروفة. وانفرد مالك فقال لا يجوز فعلها في الحضر. قلت: وذكر القرطبي (١) في "شرح مختصر مسلم" عن بعضهم أنه ﵊ صلاها ببطن نخل على باب المدينة. ومن العلماء من رأى أن الصلاة تؤخر إلى وقت الأمن، ولا تصلى في حالة الخوف، كما فعل ﵊ يوم الخندق. والجواب: أن فعله ﵊ كان قبل نزول صلاة الخوف بالإِجماع. الثانية: جاءت صلاة الخوف عن النبي ﷺ ﷺ على ستة عشر نوعًا وهي مفصلة في "صحيح مسلم" بعضها، وبعضها في سنن أبي داود. واختار الشافعي منها ثلاثة أنواع: بطن نخل، وذات الرقاع، وعسفان. وذكر الحاكم في "مستدركه" (٢) منها ثمانية أنواع. وذى ابن حبان (٣) في "صحيحه" منها تسعة. وصحح [ابن حزم] (٤) في صفتها عن رسول الله ﷺ أربعة عشر

стр. 2223

وجهًا (١). وذكر ابن القصار المالكي عشرة. وذكر القرطبي (٢) في "شرح مختصر مسلم" عشرة أحاديث منها، وتكلم عليها. وقال الفاكهي: صحيح المحدثون منها سبع هيئات لشهرتها وثبوتها. وقال الإِمام أحمد: ما أعلم في هذا الباب إلَّا حديثًا صحيحًا، واختار حديث سهل بن أبي حثمة. وقال داود: جميع ما روي عن النبي ﷺ في صلاة الخوف جائز، لا نرجح بعضه على بعض. وقال الخطابي (٣): صلاة الخوف أنواع، صلَاّها النبي ﷺ في أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، فهن على اختلاف [صورها] (٤) متفقة المعنى. الثالثة: قال أهل الحديث والسير على ما نقله النووى في "شرح المهذب" (٥): أول صلاة صلاها النبي ﷺ للخوف صلاته

стр. 2224

بذات الرقاع [وقال في "شرح مسلم" (١): شرعت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع. وقيل: في غزوة بني النضير] (٢). قال ابن حبان (٣) في أوائل "ثقاته": وكانت ذات الرقاع في المحرم سنة خمس. وقال المنذري (٤) في "مختصر السنن": كانت سنة أربع. قال: وذكر البخاري أنها بعد خيبر؛ لأن أبا موسى الأشعري جاء بعد خيبر. قال ابن حبان (٥): وصلاها أيضًا بذي قرد سنة ست. وقال ابن العطار في "شرحه": صلاة الخوف كانت في عسفان سنة ست بعد رمضان، وبها نزلت آيتها التي في النساء. وكان سبب نزولها أنه ﵊ صلى بأصحابه الظهر، فندم المشركون على عدم اغتيالهم بالقتل لرسول الله ﷺ وأصحابه. فعزموا على ذلك في الصلاة الآتية، فنزل جبريل، وتلا عليه ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٦) الآية، فعلمه صلاة الخوف، ثم صلاها بعد على أوجه في أماكن.

стр. 2225

وقال بعد ذلك في الحديث الثاني: أن ذات الرقاع شرعت صلاة الخوف فيها. وقيل: في غزوة بني النضير كما حكيناه عن النووي. وفيه مخالفة لما جزم به أولًا فتأمله. قال ابن بزيزة: واتفق أهل العلم بالآثار على أن رسول الله ﷺ لم يكن يصل صلاة الخوف قبل نزول قوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ ...﴾ الآية. فلما نزلت صلاها. واختلفوا في أين نزلت: فقيل: بعسفان. وفي حديث ابن أبي حثمة وجابر وأبي هريرة أنه صلاها في غزاة ذات الرقاع سنة خمس. وفي حديث جابر أيضًا أنه صلاها في غزوة جهينة. وقيل: في غزوة بني محارب ببطن نخل على قرب المدينة. وقيل: في غزوة نجد وغطفان. قاله غير واحد من الرواة. إذا تقررت هذه المقدمات فلنرجع إلى الكلام على أحاديث الباب، فنقول: ذكر المصنف ﵀ ثلاثة أحاديث:

стр. 2226

الحديث الأول ١٥٤/ ١/ ٣١ - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: "صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: في التعريف براويه وقد سلف في باب الاستطابة. الثاني: "الإِزاء" المقابل. والعدو: يقع على الواحد، والاثنين، والجماعة، والمؤنث، والمذكر بلفظ واحد قال -تعالى-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (٢) وهو ضد

стр. 2227

الولي، ومثله ضعيف وصديق، ويقال: أيضًا أعداء، وعدوه، عِدى وعَدى. قال الجوهري (١): والعِدا بكسر العين الأعداء وهو جمع لا نظير له. قال ابن السكيت: ولم يأت فعول في النعوت إلا حرف واحد يقال هؤلاء قوم عدى أي غرباء. وقوم عدى أي أعداء. كذا ادعى وقد جاء (٢) فعل منه في سبعة ألفاظ فكان سِوى قوم عدى ملامةٌ ثِنىً أي ثنيت مرتين ومنه قوله -تعالى-: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ (٣) في قول من جعلها الفاتحة، لأنها تثنى في كل ركعة وما روي ولحم زيم. ووادٍ طِوى فمن كسر الطاء جعله صفة. وقال ثعلب (٤): يقال: قوم أعداء وعِدىً بكسر العين. فإن أدخلت الهاء قلت عُداة بالضم والعَادي العدوُ قالت امرأة من العرب: اشمتّ عَادِيك أي عدوك. الثالث: هذا الحديث أخذ به الأوزاعي وأشهب المالكي وهو جائز عند الشافعي.

стр. 2228

ثم قيل: إن الطائفتين قضوا ركعتهم الباقية معًا. وقيل: متفرقين وهو الصحيح. ورجح أبو حنيفة الأخذ بهذا الحديث أيضًا إلَّا أنه قال بعد سلام الإِمام: تأتي الطائفة الأولى إلى موضع الإِمام فتقضي ثم تذهب، ثم تأتي الثانية إلى موضع الإِمام فتقضي ثم تذهب. وقد أنكرت عليه هذه الزيادة. وقيل: إنها لم ترد في حديث (١). واختار الشافعي: رواية صالح بن خوّات الآتية في الحديث الثاني. واختلف أصحابه: لو صلى على رواية ابن عمر هل تصح أم لا؟ والأصح نعم لصحة الرواية، وترجيح رواية صالح من باب الأولى. واختار مالك: ترجيح الصفة التي ذكرها سهل ابن أبي حثمة، التي رواها هو عنه في الموطأ موقوفة. وهي تخالف الرواية المذكورة في الكتاب [من] (٢) سلام الإِمام: فإن فيها "أن الإِمام يسلم وتقضي الطائفة الثانية بعد سلامه" (٣).

стр. 2229

ولما رجح الفقهاء (١) بعض الروايات على بعض احتاجوا إلى ذكر سبب الترجيح: فتارة يرجحون موافقة ظاهر القرآن. وتارة بكثرة الرواة. وتارة يكون بعضها موصولًا وبعضها موقوفًا. وتارة بالموافقة للأصول في غير هذه الصلاة. وتارة بالمعاني، وهذه الرواية التي اختارها أبو حنيفة توافق الأصول في أن قضاء الطائفتين بعد سلام الإِمام (٢). وأما ما اختاره الشافعي ففيه قضاؤهما معًا قبل سلامه (٣).

стр. 2230

وأما ما اختاره مالك: ففيه قضاء إحداهما فقط قبل سلامه.

стр. 2231

الحديث الثاني ١٥٥/ ٢/ ٣١ - عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوّات بن جبير عمن صلى مع رسول الله ﷺ صلاة ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صفت [معه] (١)، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم" (٢).

стр. 2232

[الذي] (١) صلى مع النبي ﷺ هو "سهل بن أبي حثمة". الكلام عليه من وجوه: الأول: في فن الأسماء: أما يزيد بن رومان: فهو أبو روح الأسدي القرشي مولى آل الزبير المدني القاري تابعي. وثقه النسائي وغيره. وكان عالمًا كثير الحديث. روى عنه نافع القاري وآخرون. توفي سنة ثلاثين ومائة. وقيل: سنة تسع وعشرين ومائة. وهو من كبار شيوخ نافع في القراءة. ورومان -بضم الراء-. وحكى في اسم رومان فتح الراء مطلقًا وهو شاذ. وأما صالح بن خوات: فهو أنصاري مدني تابعي ثقة غزير الحديث. وأما والده: خَوّات فهو بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو ثم ألف ثم مثناة فوق. وهو صحابي. وكان أحد فرسان رسول الله ﷺ . وهو أنصاري مدني شهد بدرًا. كنيته: أبو عبد الله. وقيل: أبو صالح من بني ثعلبة ابن عمرو بن عوف. مات سنة أربعين. وهو ابن أربع وسبعين. وله عقب بالمدينة.

стр. 2233

واعلم: أن "خوّات" يشتبه "بجواب" بالجيم [والباء] (١) وهم جماعة عدّدهم ابن ماكولا و"بُجوان" بضم الجيم وآخره نون وهم جماعة أيضًا. ذكرت كل ذلك في كتابي "مشتبه النسبة" (٢). وأما سهل بن أبي حثمة: فهو أنصاري، خزرجي. مدني. كنيته: أبو عبد الرحمن. وحثمة: بحاء مهملة مفتوحة ثم ثاء مثلثة ثم ميم ثم هاء. واسم أبي حثمة: عبد الله. وقيل: عامر. له صحبة. وأمه: أم الربيع بنت أسلم بن خريس. روى عنه صالح بن خوّات بن جبير وغيره. قال أبو حاتم: بايع تحت الشجرة. وكان دليل النبي ﷺ إلى أحد ولم يشهد بدرًا. وأما الواقدي فقال: مات النبي ﷺ وعمره ثمان سنين. وقال: حفظ عنه وجزم به ابن حبان في "ثقاته". وقال ابن الأثير: إنه أصح. قال وتوفي في أول أيام معاوية. قال أبو عمرو: وما أظن ابن شهاب سمع منه. روي له خمسة وعشرون حديثًا. اتفقا على ثلاثة منها. الثاني: قوله: "الرجل الذي صلى مع النبي ﷺ وهو سهل بن أبي حثمة" كذا نص عليه عبد الحق أيضًا.

стр. 2234

[وأما ابن القطان فتوقف في ذلك لأن ذات الرقاع كانت بعد بني النضير] (١) في صدر السنة الرابعة من الهجرة. وسهل توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان سنين قاله جماعات. وقول أبي حاتم: إنه بايع تحت الشجرة، وشهد المشاهد كلها إلَّا بدرًا. وكان دليل النبي ﷺ لا يصح إنما كان الدليل أبوه عامر بن ساعدة. وهو الذي بعثه رسول الله ﷺ خارصًا. وأبو بكر وعمر بعده. وتوفي في خلافة معاوية. فسهل كان سنه في زمن ذات الرقاع سنتين أو نحوهما ثم أوضح ذلك بأدلته (٢).

стр. 2235

الوجه الثالث: "ذات الرقاع" قدمنا أنها سنة خمس وهي بأرض غطفان من نجد. سميت بذلك: لأن أقدام المسلمين نقبت من الحِفاء، فلفوا عليها الخرق، كذا ثبت في الصحيح (١) عن أبي موسى الأشعري. وفيه أقوال أخر، ذكرتها في تخريجي لأحاديث الرافعي فراجعها منه. الرابع: "الطائفة" الفرقة والقطعة من الشيء، تقع [على] (٢) القليل والكثير. ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (٣). قال ابن عباس: الواحد فما فوقه. وقيل: إن الطائفة تقع على أربعة. وقيل: على أربعين. وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعة إلى أربعين رجلًا. وعن الحسن: عشرة. وعن قتادة: ثلاثة فصاعدًا. وعن عكرمة: رجلان فصاعدًا.

стр. 2236

وعن مجاهد: الواحد فما فوقه. وهو أبعد الأقوال. قال الشافعي: وأكره أن تكون الطائفة في صلاة الخوف أقل من ثلاثة. فينبغي أن تكون الطائفة التي تكون مع الإِمام ثلاثة فأكثر. والذين في وجه العدو كذلك. واستدل بقوله -تعالى-: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا. . .﴾ (١) الآية. فأعاد على كل طائفة ضمير الجمع، وأقله ثلاثة على المشهور. الخاص: قوله: "صفت معه" كذا هو في أكثر نسخ مسلم وفي بعضها "صلت معه" وهما صحيحان. السادس: "وجاه العدو" -بكسر الواو وضمها- يقال: وجاهه ووجاهه وتجاهه أي قبالته. ولو أبدلت الواو فيه همزة لم تبعد كما في وشاح ووسادة حيث قالوا أشاح وإسادة استثقالًا للكسرة تحت الواو. السابع: هذا الحديث مختار الشافعي، ومالك، وأبي ثور وغيرهم في صلاة الخوف، إذا كان العدو في غير جهة القبلة. ومقتضاه أن الإِمام ينتظر الطائفة الثانية قائمًا في الثانية، وهذا في الصلاة الثنائية، مقصورة كانت أو بأصل الشرع. فأما الرباعية فهل ينتظرها قائمًا في الثالثة، أو قبل قيامه؟ فيه اختلاف لأصحابنا وللمالكية أيضًا. وإذا قيل بأنه ينتظرها قبل قيامه، فهل تفارقه الطائفة الأولى قبل تشهده عند رفع رأسه من السجود، أو بعد التشهد؟

стр. 2237

واختلف الفقهاء فيه: وليس في الحديث دلالة على أحد المذهبين. وإنما يؤخذ بطريق الاستنباط منه. وإذا قلنا: إنه ينتظرها قائمًا فلا يصح عندنا أنه يقرأ. وعند المالكية أربعة أقوال: - يقرأ. - يسبِّح. - يسكت. - التخيير. وقال بعض متأخريهم: إن كانت القراءة بالفاتحة خاصَّة سبح ولم يقرأ، لأنه لو قرأ لم تدرك الطائفة الأخرى قراءته وإلَّا قرأ. قال الشيخ تقي الدين (١): ومقتضى الحديث أيضًا أن الطائفة الأولى تتم لأنفسها، مع بقاء صلاة الإِمام. وفيه مخالفة للأصول في غير هذه الصلاة. لكن فيها [ترجيح] (٢) من جهة المعنى، لأنها إذا قضت وتوجهت إلى نحو العدو، وتوجهت فارغة من الشغل بالصلاة، وتوفر مقصود صلاة الخوف وهو الحراسة. وعلى الصفة التي اختارها أبو حنيفة تتوجه الطائفة للحراسة مع كونها في الصلاة، فلا يتوفر المقصود من الحراسة. وربما أدى إلى أن يقع في الصلاة الضرب والطعن وغير ذلك من منافيات الصلاة، ولو وقع في هذه الصورة لكان خارج الصلاة، وليس بمحذور.

стр. 2238

ومقتضى الحديث أيضًا أن الطائفة الثانية تتم لنفسها قبل فراغ الإِمام. وفيه ما في الأول. ومقتضاه أيضًا أنه يثبت حتى تتم لنفسها ويسلم بهم. وهذا اختيار الشافعي وقول في مذهب مالك، ثم ظاهر مذهب مالك أن الإِمام يسلم، وتقضي الثانية بعد سلامه، وربما ادعى بعضهم أن ظاهر القرآن يدل على أن الإِمام ينتظرهم ليسلم بهم، بناء على أنه فهم من قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (١). أي بقية الصلاة التي بقيت للإِمام، فإذا سلم الإمام بهم فقد صلوا معه [البقية] (٢)، وإذا سلم قبلهم فلم يصلوا معه البقية، لأن السلام من البقية، وليس بالقوي الظهور. وقد يتعلق بلفظ الراوي من يرى أن السلام ليس من الصلاة (٣)، من حيث إنه قال: "فصلى بهم الركعة التي بقيت" فجعلهم مصلين معه، فيما يسمى ركعة. ثم أتى بلفظة. "ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم"، فجعل لفظ (٤) "السلام" متراخيًا عن مسمى "الركعة" إلَّا أنه ظاهر ضعيف (٥). وأقوى منه في الدلالة ما دل على أن السلام من الصلاة. والعمل بأقوى الدليلين متعين.

стр. 2239

فروع: متفرقة من مذهب مالك ﵁ أحببت ذكرها هنا: اختلف في المسبوق في صلاة الخوف هل يبدأ بالبناء. وهو قول ابن القاسم. أو بالقضاء وهو قول سحنون؟ وإذا صلى ركعة ثم أحدث قبل قيامه إلى [الصلاة] (١) الثانية أو بعدها فلا، لأن من معه خرج عن متابعته ولو أحدث بعد ركعة من المغرب استخلف. وقال بعض متأخريهم: مقتضى النظر الاستخلاف فإن حكم الطائفتين واحد من حيث أنهما صلاة واحدة، فالإِمامة ثابتة له على الطائفتين حكمًا. واختلفوا إذا انهزم العدو. فهل يكملون على الهيئة الأصلية أو الخوفية؟ قولان. وقال بعض متأخريهم: إن تحقق عدم عودهم كملوا على حكم الأمن وإلَّا فعلى الخوف.

стр. 2240

الحديث الثالث ١٥٠/ ٣/ ٣١ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصففنا صفين [صف] (١) خلف رسول الله ﷺ والعدو بيننا وبين القبلة. فكبر النبي ﷺ وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع النبي ﷺ وركعنا جميعًا ثم رفع رأسه من الركوع فرفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى. وقام الصف المؤخر في نحو العدو. فلما قضى النبي ﷺ السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعًا" (٢).

стр. 2241

قال جابر: كما [يفعل] (١) حرسكم هؤلاء بأمرائهم. ذكره مسلم بتمامه. وذكر البخاري طرفًا منه، وأنه صلَّى صلاة الخوف مع النبي ﷺ في الغزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع. الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه قد سلف في آخر باب الجنابة. الأول: معنى "شهدت" حضرت واسم الفاعل منه شاهد. وقوم شهود أي حضور. وهو في الأصل مصدر [شهد] (٢) أيضًا مثل راكع وركّع. وامرأة مشهد إذا حضر زوجها بلا هاء. وامرأة مغيبة إذا غاب زوجها عنها. وهذا بالهاء. وأشهدني إملاكه أي أحضرني [والمشهد] (٣) محضر الناس. ومن [هذا] (٤) قوله -تعالى-: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ (٥) أي حضورًا عنده لا سالم لمفارقتهم. الوجه الثاني: هذه كيفية الصلاة إذا كان العدو في وجه القبلة. وبها قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف.

стр. 2242

ويجوز عند الشافعي: تقدم الصف الثاني وتأخر الأول كما في هذا الحديث. ويجوز بقاؤهما على حاله. وقد رواه مسلم في حديث (١) آخر. الثالث: "الحراسة" يتأتى للكل مع الإِمام في الصلاة ويتأتى فيها التأخير عن الإِمام لأجل العدو. وموضع الحراسة في السجود. وأما في الركوع: فالأصح المنع، لأنه لا يمنع من إدراك العدو بالبصر. فالحراسة ممكنة معه بخلاف السجود. وفي وجه للشافعية يحرس في الركوع أيضًا. الرابع: المراد بالسجود الذي سجده النبي ﷺ وسجد معه الصف الذي يليه هو السجدتان جميعًا. وقوله: "في نحر العدو" أي مقابلته، ونحر كل شيء أوله. الخامس: الحديث يدل على أن الصف الذي يلي الإِمام يسجد معه في الركعة الأولى، ويحرس الصف الثاني فيهما. ونص الشافعي على خلافه، وهو أن الصف الأول يحرس في الركعة الأولى. فقال بعض أصحابه: لعله سها أو لم يبلغه الحديث. وجماعة من العراقيين وافقوا الصحيح في مذهبه، ولم يذكر بعضهم سوى ما دل عليه الحديث، كأبي إسحاق الشيرازي [﵁] (٢).

стр. 2243

وبعضهم قال بذلك: بناء على المشهور عن الشافعي أو الحديث إذا صح يؤخذ به، ويترك قوله. أما الخراسانيون: فإن بعضهم تبع نص الشافعي، كالغزالي في "وسيطه". ومنهم من ادعى: أن في الحديث رواية كذلك. ورجح ما ذهب إليه الشافعي بأن الصف الأول يكون جُنة لمن خلفه. ويكون ساترًا له عن أعين المشركين. وبأنه أقرب إلى الحراسة وهؤلاء مطالبون بإبراز تلك الرواية. والترجيح إنما يكون بعدها. السادس: الحديث يدل على أن الحراسة يتناوبها الطائفتان في الركعتين، فلو حرست طائفة واحدة في الركعتين معًا، فالأصح عندنا الصحة، لأنه قد لا يتأهل للحراسة إلَّا معتنون. السابع: روى مسلم (١) من حديث جابر هذا أنه ﵊: "صلى بكل طائفة ركعتين" ورواه أبو داود (٢) من رواية

стр. 2244

أبي بكرة أيضًا. وبه قال الشافعي والحسن البصري. وادعى الطحاوي أنه منسوخ فقال: هذا كان في أول الإِسلام إذ كان يجوز أن تصلى الفريضة مرتين ثم نسخ [ذلك] (١) وهذه دعوى منه. وأين الدليل على النسخ. خاتمة: من أنواع صلاة الخوف صلاة المسايفة وهو إذا التحم القتال [أو] (٢) يشتد الخوف. فيصلي كيف أمكن راكبًا. وماشيًا ويعذر في ترك القبلة والأعمال الكثيرة لحاجة. وهو قول ابن عمر وبه أخذ مالك والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وعامة العلماء. ويشهد له قوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣). قال بعض العلماء: بحسب ما يتمكن منه. وقال جماعة من الصحابة والسلف: يصلي في الخوف ركعة يومئ بها إيماءً. وقال الضحاك: فإن لم يقدر على ركعة فتكبيرتين حيث كان وجهه. وقال إسحاق: إن لم يقدر على ركعة إيماء صلى سجدة. فإن لم يقدر فتكبيرة.

стр. 2245

وقال الأوزاعي نحوه: إذا تهيأ الفتح لكن إن لم يقدر على ركعة ولا على سجدة لم يجزئه التكبير وأخرها حتى يأمنوا ويشهد لهذه المذاهب قوله -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١). [وقول رسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام -: "وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢)] (٣) وهو مأمور بالصلاة على صفة من قيام وركوع وسجود وتكبير وتلاوة. فإذا تعذر بعضها أتى بالباقي محافظة على امتثال الأمر. ومنع مكحول وبعض أهل الشام: من صلاة الخائف جملة إلى التمكن استدلالًا بتأخيره ﵊ يوم الخندق. وهو عجيب لأن صلاة الخوف إنما شرعت بعد ذلك. وانفرد أبو حنيفة وأبو ليلى فقالا: لا يصلي الخائف إلَّا إلى القبلة. وعامة العلماء على خلافه (٤). واختلف الذين قالوا بالجواز للمطلوب في جواز ذلك للطالب. فمالك وجماعة من أصحابه على التسوية بينهما. وقال الشافعي والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وابن عبد الحكم: لا يصلي الطالب إلَّا بالأرض.
следующие страницы →