← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

قال جابر: كما [يفعل] (١) حرسكم هؤلاء بأمرائهم. ذكره مسلم بتمامه. وذكر البخاري طرفًا منه، وأنه صلَّى صلاة الخوف مع النبي ﷺ في الغزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع. الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه قد سلف في آخر باب الجنابة. الأول: معنى "شهدت" حضرت واسم الفاعل منه شاهد. وقوم شهود أي حضور. وهو في الأصل مصدر [شهد] (٢) أيضًا مثل راكع وركّع. وامرأة مشهد إذا حضر زوجها بلا هاء. وامرأة مغيبة إذا غاب زوجها عنها. وهذا بالهاء. وأشهدني إملاكه أي أحضرني [والمشهد] (٣) محضر الناس. ومن [هذا] (٤) قوله -تعالى-: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣)﴾ (٥) أي حضورًا عنده لا سالم لمفارقتهم. الوجه الثاني: هذه كيفية الصلاة إذا كان العدو في وجه القبلة. وبها قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف.

стр. 2242

ويجوز عند الشافعي: تقدم الصف الثاني وتأخر الأول كما في هذا الحديث. ويجوز بقاؤهما على حاله. وقد رواه مسلم في حديث (١) آخر. الثالث: "الحراسة" يتأتى للكل مع الإِمام في الصلاة ويتأتى فيها التأخير عن الإِمام لأجل العدو. وموضع الحراسة في السجود. وأما في الركوع: فالأصح المنع، لأنه لا يمنع من إدراك العدو بالبصر. فالحراسة ممكنة معه بخلاف السجود. وفي وجه للشافعية يحرس في الركوع أيضًا. الرابع: المراد بالسجود الذي سجده النبي ﷺ وسجد معه الصف الذي يليه هو السجدتان جميعًا. وقوله: "في نحر العدو" أي مقابلته، ونحر كل شيء أوله. الخامس: الحديث يدل على أن الصف الذي يلي الإِمام يسجد معه في الركعة الأولى، ويحرس الصف الثاني فيهما. ونص الشافعي على خلافه، وهو أن الصف الأول يحرس في الركعة الأولى. فقال بعض أصحابه: لعله سها أو لم يبلغه الحديث. وجماعة من العراقيين وافقوا الصحيح في مذهبه، ولم يذكر بعضهم سوى ما دل عليه الحديث، كأبي إسحاق الشيرازي [﵁] (٢).

стр. 2243

وبعضهم قال بذلك: بناء على المشهور عن الشافعي أو الحديث إذا صح يؤخذ به، ويترك قوله. أما الخراسانيون: فإن بعضهم تبع نص الشافعي، كالغزالي في "وسيطه". ومنهم من ادعى: أن في الحديث رواية كذلك. ورجح ما ذهب إليه الشافعي بأن الصف الأول يكون جُنة لمن خلفه. ويكون ساترًا له عن أعين المشركين. وبأنه أقرب إلى الحراسة وهؤلاء مطالبون بإبراز تلك الرواية. والترجيح إنما يكون بعدها. السادس: الحديث يدل على أن الحراسة يتناوبها الطائفتان في الركعتين، فلو حرست طائفة واحدة في الركعتين معًا، فالأصح عندنا الصحة، لأنه قد لا يتأهل للحراسة إلَّا معتنون. السابع: روى مسلم (١) من حديث جابر هذا أنه ﵊: "صلى بكل طائفة ركعتين" ورواه أبو داود (٢) من رواية

стр. 2244

أبي بكرة أيضًا. وبه قال الشافعي والحسن البصري. وادعى الطحاوي أنه منسوخ فقال: هذا كان في أول الإِسلام إذ كان يجوز أن تصلى الفريضة مرتين ثم نسخ [ذلك] (١) وهذه دعوى منه. وأين الدليل على النسخ. خاتمة: من أنواع صلاة الخوف صلاة المسايفة وهو إذا التحم القتال [أو] (٢) يشتد الخوف. فيصلي كيف أمكن راكبًا. وماشيًا ويعذر في ترك القبلة والأعمال الكثيرة لحاجة. وهو قول ابن عمر وبه أخذ مالك والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وعامة العلماء. ويشهد له قوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٣). قال بعض العلماء: بحسب ما يتمكن منه. وقال جماعة من الصحابة والسلف: يصلي في الخوف ركعة يومئ بها إيماءً. وقال الضحاك: فإن لم يقدر على ركعة فتكبيرتين حيث كان وجهه. وقال إسحاق: إن لم يقدر على ركعة إيماء صلى سجدة. فإن لم يقدر فتكبيرة.

стр. 2245

وقال الأوزاعي نحوه: إذا تهيأ الفتح لكن إن لم يقدر على ركعة ولا على سجدة لم يجزئه التكبير وأخرها حتى يأمنوا ويشهد لهذه المذاهب قوله -تعالى-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١). [وقول رسوله - عليه أفضل الصلاة والسلام -: "وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢)] (٣) وهو مأمور بالصلاة على صفة من قيام وركوع وسجود وتكبير وتلاوة. فإذا تعذر بعضها أتى بالباقي محافظة على امتثال الأمر. ومنع مكحول وبعض أهل الشام: من صلاة الخائف جملة إلى التمكن استدلالًا بتأخيره ﵊ يوم الخندق. وهو عجيب لأن صلاة الخوف إنما شرعت بعد ذلك. وانفرد أبو حنيفة وأبو ليلى فقالا: لا يصلي الخائف إلَّا إلى القبلة. وعامة العلماء على خلافه (٤). واختلف الذين قالوا بالجواز للمطلوب في جواز ذلك للطالب. فمالك وجماعة من أصحابه على التسوية بينهما. وقال الشافعي والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث وابن عبد الحكم: لا يصلي الطالب إلَّا بالأرض.

стр. 2246

ونقل عن الأوزاعي: أيضًا أنه إن كان الطالب قرب المطلوب صلَّى إيماء وإلَّا لم يجز له الإِيماء. ونقل ابن بزيزة في "شرح الأحكام ": عن الشافعي أيضًا أنه إن خاف الطالب انقطاعه عن أصحابه وكثرة المطلوبين واجتماعهم عليه صلى إيماء وإلَّا فلا.

стр. 2247

كتاب الجنائز

стр. 2248

٣٢ - باب الجنائز الجنائز: -بفتح الجيم- لا غير جمع جنازة -بالفتح والكسر- لغتان.-والكسر- أفصح كما قاله القيسي. وقيل: -بالفتح- للميت.-وبالكسر- للنعش وعليه الميت. وقيل: عكسه. وقال الجوهري (١): الجنازة -بالكسر- واحدة الجنائز. والعامة تقول الجنازة بالفتح: وهو عبارة عن الميت على السرير فإذا لم يكن عليه الميت فهو سرير ونعش. وحكى الثعالبي في فقه اللغة (٢): أن النعش [ما] (٣) كان عليه ميت وإلَّا فهو سرير فقط. قلت: وتظهر فائدة [هذا] (٤) الخلاف اللغوي فيما إذا قال أصلي على [الجنائز] (٥) فتنبه له.

стр. 2249

واشتقاقها: من جنز يجنز، إذا سترته، قاله ابن فارس (١) وغيره. وذكر المصنف هذا الباب هنا وإن كان من حقه أن يذكر بين الوصايا والفرائض لأن الأهم من هذه الثلاثة ما يفعل بالميت فإنه مقدم على ما يفعل في ماله وأهم ما يفعل به الصلاة عليه؛ إذ فائدتها أخروية وهي الدعاء له والشفاعة ليتخلص من العذاب. وأما الباقي فأمور دنيوية إذ فائدة الغسل النظافة والتكفين والدفن الستر، ومجموع ما ذكر المصنف ﵀ في الباب أربعة عشر حديثًا:

стр. 2250

الحديث الأول ١٥٧/ ١/ ٣٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "نعى النبي ﷺ النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم وكبر أربعًا" (١). الكلام عليه من أحد عشر وجهًا: والتعريف براويه سلف في الطهارة. الأول: "النجاشي" -بفتح النون وبالشين المعجمة وتشديد الياء-. قال صاحب "مجمع البحرين": وتخفيفها أعلا وأفصح (٢) قال وكان ثعلب يختار كسر النون فيه.

стр. 2251

قال الجوهري (١): هو اسم ملك الحبشة. قال الصاغاني: هذا تحريف. وإنما اسمه أصحمة أي بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء المهملتين. وقد قال ابن دريد: فأما النجاشي فكلمة حبشية يقال للملك منهم نجاشي كما يقال كسرى وقيصر. وقال صاحب "المطالع": النجاشي اسمًا كان أو كنية. وقال المطرزي في "المغرب" (٢): تشديد جيمه خطأ. واسمه أصحمة، والسين تصحيف. قلت: وقيل اسمه أصمحة بتقديم الميم على الحاء. حكاه الرافعي في "شرح مسند الشافعي". وحكى القاضي عياض (٣): صحمه بحذف الألف. وفي "المستدرك" (٤) للحاكم [أن] (٥) ابن إسحاق قال اسمه مصمحة. قال: ولم يتابع عليه (٦).

стр. 2252

والذي نقله القاضي عياض: عن ابن إسحاق أصحمة فاعلمه. وقال ابن أبي شيبة (١) في "مسنده" [(٢)]: صمحة بتقديم الميم على الحاء بلا ألف وهو شاذ كما قاله النووي (٣). فحصل في اسمه خمسة أقوال: وفي لفظ "النجاشي" أربع لغات وهذا مهم عزيز الوجود.

стр. 2253

ومعنى "أصحمة" بالعربية "عطية". قال ابن دحية في التنوير: قال أهل السير: وتوفي في رجب سنة تسع من الهجرة. وقال ابن الأثير: [أسلم] (١) قبل الفتح. ومات قبله أيضًا وصلى عليه النبي ﷺ [با] (٢) لمدينة. قال الرافعي: وكان بينه وبين النجاشي مسيرة شهر. وكبر عليه أربعًا كما ساقه المصنف وروى الطبراني بإسناد (٣) واهٍ أنه كبر عليه خمسًا. وكان المسلمون قد هاجروا إليه فأحسن إليهم. وآمن برسول الله ﷺ ، وزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة. وجهز إليه جعفرًا. وروى أبو داود (٤) عن عائشة قالت: "لما مات النجاشي كانوا يتحدثون أنهم لا يزالوا يرون النور على قبره". وجاريته أبرهة أسلمت وأرسلت السلام على رسول الله ﷺ مع أم حبيبة فقال: "وعليها السلام ورحمة الله وبركاته".

стр. 2254

قال عبد الله بن أبي بكر بن حزم: وكان ذلك سنة سبع، ذكره ابن الجوزي في "تنويره" وذكره العسكري في كتاب "الصحابة" فيمن ولد في أيام النبي ﷺ ولم يرو عنه شيئًا، وقال: إنه أول ملك أسلم وصح إسلامه عند النبي ﷺ فاستغفر له ثلاثًا. وصلى عليه. واعلم أن النجاشي تابعي كما ذكرناه آنفًا لأنه آمن ورأى الصحابة ولم ير النبي ﷺ وإن ذكره ابن منده في الصحابة توسعًا. وهذه المسألة تلقى في المعاياه، فيقال: شخص صلى عليه النبي ﷺ [وأصحابه] (١) وهو تابعي، فيقال: هو النجاشي. ومن الغرائب التي نظيرها نادرًا أيضًا إسلام صحابي طويل الصحبة كثير الرواية على يد تابعي وهو عمرو بن العاص فإنه أسلم على يد النجاشي فاستفد ذلك. فائدة: "النجاشي" لقب لكل من ملك الحبشة. ويقال: لكل من ملك المسلمين أمير المؤمنين، ولمن ملك الروم قيصر وهرقل، والفرس كسرى والترك خاقان، والقبط فرعون، ومصر العزيز، واليمن تبع، وحمير القيل -بفتح القاف- وقيل: القيل أقل درجة من الملك، ودهمي ويعبورا لمن ملك الهند، و [عاند] (٢) لمن ملك الزنج، ومالح، وقيل: الفطيون لمن ملك اليهود، والنمروذ لمن ملك الصابئة، وجالوت لمن ملك البربر. تنبيه: ذكر المحب الطبري في "أحكامه": أن النجاشي من

стр. 2255

النجش: وهو الإِثارة، ومنه قيل: لمن يزيد في السلعة: ناجش ونجاشي. الثاني: "النعي" خبر الموت يقال "نَعَاهُ، ينعاه، نَعْيًا" و"نُعْيَانًا" بالفتح والضم، وكذلك "النَّعِيُّ" على فعيل، يقال: جاء نَعِيُّ فلان والنَّعِيُّ (١) أيضًا الداعي وهو الذي يأتي بخبر الموت. قاله الجوهري (٢). وقال الهروي: النعي: بسكون العين الفعل والنعي يريد بالكسر الميت. ويجوز أن يجمع على نعايا كصفى وصفايا. وقال الجوهري قال الأصمعي: كانت العرب إذا مات منها ميت له قدر ركب راكب فرسًا، وجعل يسير في الناس، ويقول: نَعاءِ فلانًا أي أنعه وأظهر خبر وفاته. ونعا مبنية على الكسر مثل دراك. وفي الحديث (٣) " [يا نعايا] (٤) العرب" أي أنعهم. قلت: والنعي على ضربين: أحدهما: مجرد إعلام لقصد ديني كطلب كثرة الجماعة

стр. 2256

تحصيلًا للدعاء للميت وتتميمًا للعدد الذي وُعد بقبول شفاعتهم له كالأربعين (١) والمائة (٢) مثلًا أو لتشييعه وقضاء حقه في ذلك. وقد ثبت في معنى ذلك قوله ﵊: "هلا أذنتموني به" (٣) ونعيه ﵊ أهل مؤتة جعفرًا وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة (٤). الثاني: فيه أمر محرم مثل نعي الجاهلية المشتمل على ذكر مفاخر الميت ومآثره وإظهار التفجع عليه وإعظام حال موته فالأول: مستحب

стр. 2257

والثاني: محرم، وعليه يحمل نهيه ﵊ عن النعي كما أخرجه الترمذي وصححه (١)، وهذا التفصيل هو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة. وبعض أصحابنا، قال: يستحب الإِيذان وإشاعة موته في الناس بالنداء عليه والإِعلام للقريب دون غيره، وبه قال ابن عمر ﵁. وجزم البغوي (٢) وغيره من أصحابنا: بكراهة النعي والنداء عليه للصلاة وغيرها. ونقل ابن الصباغ عن الأصحاب: أنه يكره النداء عليه، وأنه لا بأس أن يعرف أصدقاءه، وبه قال الإِمام أحمد. وقال أبو حنيفة: لا بأس به، ونقله العبدري عن مالك أيضًا. وفي "الحلية" للروياني من أصحابنا: الاختيار بالنداء عليه ليكثر المصلون، ودليله حديث الكتاب وغيره. وكره مالك الإِنذار بذلك على أبواب المساجد والأسواق، ورآه من النعي. الثالث: في الحديث الإِعلام بالميت للمقصد المديني كما قررناه. الرابع: فيه إثبات الصلاة على الميت المسلم، وأجمعوا على أنها فرض كفاية. وما حكى عن بعض المالكية أنها سنَّه مؤكدة فمردود.

стр. 2258

واختلفوا: في [العدد] (١) الذي تسقط به. فالصحيح من الأوجه الأربعة عندنا أنها تسقط بصلاة واحد. وقيل: اثنان. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة. الخامس: صلاته ﵊ على النجاشي كانت متعينة حيث مات بأرض لم يقم بها فريضة الصلاة عليه، فتعين الإِعلام بموته لذلك، وإن كان معه من تابعه على الإِسلام إلَّا أنه لا يقدر على إظهاره أو يجهل حكم هذه الصلاة. وهكذا الحكم في كل مسلم مات ولم يصل عليه، فإنه يتعين على كل من علم بموته الصلاة عليه (٢). السادس: فيه معجزة ظاهرة لرسوله ﷺ لإِعلامه بموته وهو في الحبشة في اليوم الذي مات فيه. السابع: فيه شرعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد وهو مذهب الشافعي. وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة وغيرهما. والحديث حجة عليهم، [ولهم] (٣) اعتذارات: منها: ما أسلفنا من أن الصلاة عليه كانت متعينة.

стр. 2259

ومنها: ما قيل إنه ﵊ رآه فيكون حين صلاته عليه كميت رآه الإِمام ولم يره المأمومون (١). قال الشيخ تقي الدين (٢): وهذا يحتاج إلى نقل يثبته، فمثله لا يثبت بالاحتمال. ومنها: أن ذلك مخصوص بالنجاشي. قلت: والعجب أن ابن عبد البر المحقق الحافظ اعتذر بهذا أيضًا فقال (٣): دلائل الخصوص في هذه المسألة واضحة، لا يجوز أن يشرك النبي ﷺ فيها غيره؛ لأنه -والله أعلم- أحضر روح النجاشي بين يديه، حيث شاهدها، وصلى عليها، أو رفعت له جنازته (٤)،

стр. 2260

كما كشف (١) [له عن بيت المقدس حين سألته قريش عن

стр. 2261

صفته (١). وقد روي أن جبريل أتاه بروح، (٢) جعفرٍ وجنازَتِه وقال: "قم فصل عليه" (٣) ومثل هذا كله يدل على أنه مخصوص به لا يشاركه فيه غيره. قال: وعلى هذا أكثر العلماء في الصلاة على الغائب. وقد كفانا مؤنة الرد عليه ابن دحية الحافظ. فقال في كتابه "التنوير": بعد أن ساق كلامه: هذا كله دعوى لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، إلا ما كان من قصة رفع بيت المقدس، فهو في الصحيحين. وأما إحضار روح النجاشي أو رفع جنازته: فلا يصح من طريق عند أهل العلم بالنقل. فإن قلت: فقد طويت الأرض له في موت معاوية بن

стр. 2262

معاوية (١). قلت: لا يصح كما شهد بذلك العقيلي والبيهقي وغيرهما. ولقد أنصف القرطبي (٢) ﵀ فقال: في الاعتذار الثاني والثالث نظر وأن الأول أقربهما. واستحسن الروياني من أصحابنا ما ذهب إليه الخطابي (٣): أنه لا يصلي عليه، إلَّا إذا لم يصل عليه أحد [وكذا] (٤) كانت قضية

стр. 2263

النجاشي (١). وقال ابن حبان (٢): من أصحابنا: إنما تجوز الصلاة عليه إذا كان في جهة القبلة فقط إما إذا كان وراءه بحيث إذا استقبلها استدبره. وإذا استقبله استدبرها لم تصح الصلاة عليه. قال المحب الطبري في "أحكامه": ولم أقف على هذا (٣) لغيره واحترزت بقولي أولًا [الغائب] (٤) عن البلد عما إذا كان في البلد غائبًا عن موضع الصلاة فإنه لا يجوز أن يصلى عليه على الأصح حتى يحضر عنده، لأنه ﵊ لم يصل على حاضر في البلد إلَّا بحضرته، ولأنه لا مشقة فيه بخلاف الغائب.

стр. 2264

فرع: لو صلى على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا ولا يُعرَف عددهم جاز. الثامن: فيه الخروج إلى المصلى للميت الغائب من غير كراهة. التاسع: تمسك به الحنفية والمالكية في منع الصلاة على الميت في المسجد، وبجعل الكراهة في الصلاة على الميت في المسجد مطلقة، ولا يتم لهم ذلك إلا أن تخص الكراهة بكون الميت في المسجد، فإنه ﵊ صلى على سهيل بن بيضاء [وأخيه] (١) في المسجد، كما أخرجه مسلم (٢) من حديث عائشة ومعلوم أن موته كان خارج المسجد وحمل إلى المسجد للصلاة عليه فيه. والخروج إلى المصلي للصلاة على النجاشي أبلغ في إظهار أمره المشتمل على هذه المعجزة الباهرة ولإِكثار المصلين عليه، وجمهور العلماء، كما نقله عنهم النووي في "شرح مسلم" (٣) على جواز الصلاة على الميت في المسجد، بل نص أصحابنا على استحبابه، وقد أوضحت الجواب عما عارض حديث سهل من خمسة أوجه في "شرح المنهاج"، فراجعه منه، على أن لا يتم

стр. 2265

الاستدلال للحنفية من هذا الحديث على الكراهة في الصلاة عليه فيه أصلًا، لأن الممتنع عندهم إنما هو إدخاله المسجد، لا مجرد الصلاة عليه فيه (١). العاشر: أن سنَّة تكبيرات الجنازة أربع وهو مذهب الشافعي وجمهور العلماء، كما نقله عنهم النووي في "شرحه" (٢). وفي رواية باطلة أنه كبر عليه خمسًا نبه على بطلانها الجوزقاني (٣) في موضوعاته. قال القاضي عياض (٤): وكان ﵊ يكبر أربعًا وخمسًا وسبعًا وثمانيًا، حتى مات النجاشي فكبر عليه أربعًا وثبت [على] (٥) أربع حتى توفي (٦).

стр. 2266

قال: واختلف السلف من الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع. وروي عن عليٍّ ﵁: "أنه كان يكبر على أهل بدر ستًّا وعلى سائر الصحابة خمسًا. وعلى غيرهم أربعًا" (١). قال ابن عبد البر: وانعقد الإِجماع بعد ذلك على أربع،

стр. 2267

واتفق الفقهاء: أهل الفتوى بالأمصار على أنها أربع، لا زيادة عليها، على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم مردود، لا يلتفت إليه. قال ولا نعلم أحدًا قال من فقهاء الأمصار بخمس إلَّا ابن أبي ليلى (١). قلت: ولا أعلم له سلفًا من ذلك، إلَّا زيد بن أرقم (٢) وقد اختلف عنه في ذلك وحذيفة (٣)، وفي الإِسناد عنهما من لا يحتج به. وذكر الحازمي (٤) أنه قول ابن مسعود وعيسى مولى حذيفة، وأصحاب معاذ بن جبل، وهو مذهب الشيعة (٥). وعزاه الفاكهي إلى الفقهاء السبعة، ولعله التبس عليه. وروي أيضًا مرفوعًا لكنه واهٍ كما قدمته، وبتقدير ثبوته فالتكبير أربعًا متأخر عنها.

стр. 2268

وروي فيه حديث عن ابن عباس (١). وروي عن بعض المتقدمين أنه يكبر على الجنازة ثلاثًا وعزاه الحازمي (٢) إلى ابن سيرين وأبي الشعثاء، وابن عباس، وأنس، وهذا الحديث يرده، ويتلخص في هذه المسألة ستة أقوال: أصحها: أربع تكبيرات. ثانيها: ثلاث. ثالثها: خمس. رابعها: عن ابن مسعود [أنه] (٣) قال: كبّر رسول الله ﷺ تسعًا وسبعًا وخمسًا وأربعًا فكبروا ما كبر الإِمام (٤)، فأشار إلى أن ذلك كله جائز، وأن المصلي مخير في ذلك. خامسها: يكبر ما كبر الإِمام، ولا يزيد على سبع. قاله إسحاق.

стр. 2269

سادسها: ما أسلفنا عن علي (١). الحادي عشر: فيه استحباب الصفوف والأمر بها في صلاة الجنازة، لقوله: "فصف بهم" وقد ثبت من حديث مرثد بالثاء المثلثة بن عبد الله قال: كان مالك بن هبيرة ﵁ إذا صلى على جنازة فاستقل الناس جزاءهم ثلاثة أجزاء، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب" رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وقال: حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم [في هذا الحديث] (٢). ورواه أحمد بلفظ "فقد غفر له" ولفظ الحاكم بهما (٣).

стр. 2270

خاتمة: لم أر في هذا الحديث ذكر السلام. نعم روى أبو أمامة (١) أنه السنَّة، كما رواه النسائي بإسناد على شرط الصحيح وهو إجماع، وإن كان وقع في "العتبية"، أنه يستحب. وقال به محمَّد بن أبي صفرة. والصحيح عند الشافعية: أنه يسلم تسليمتين كغيرها، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وجماعة من السلف. وقيل: واحدة لبنائها على التخفيف. قال النووي في "شرح المهذب" (٢): وبه قال أكثر العلماء منهم مالك، ويسر بالسلام عند الشافعي، كما نقله النووي في "شرحه لمسلم" (٣). وكذا القرطبي (٤) ويُعلم تمامها بالانصراف.

стр. 2271

وفي مستدرك (١) الحاكم أنه السنَّة ويجهر عند أبي حنيفة وهو المشهور من قول مالك. ولم يذكر فيه أيضًا ما يقرأ في صلاة الجنازة. وقد اختلف العلماء في قراءة الفاتحة (٢) فيها. فذهب مالك في المشهور عنه وأبو حنيفة والثوري إلى عدم قراءتها لأن مقصودها الدعاء (٣). وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن مسلمة وأشهب من أصحاب مالك وداود إلى أنه يقرأ فيها بالفاتحة لعموم الأول (٤) وخصوصها أيضًا كما أوضحته في "شرح المنهاج" وغيره.

стр. 2272

الحديث الثاني ١٥٨/ ٢/ ٣٢ - عن جابر ﵁: "أن النبي ﷺ صلَّى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث" (١). الكلام عليه من وجوه: الأول: فيه استحباب كون الصفوف في الصلاة على الميت أكثر من واحد وهو بعض من الحديث الأول، وثبت عن بعض العلماء من الصحابة: أنه كان إذا حضر الناس للصلاة صفهم صفوفًا، كما سلف طلبًا للغفران، للحديث الذي أسلفناه، وحديث جابر هذا لعله من هذا القبيل. فإن الصلاة كانت في الصحراء، ولعلها لا تضيق من صف واحد، ويمكن أن يكون لغير ذلك، وادعى الفاكهي أن المراد من قوله ﵊: "ثلاث صفوف" الكثرة

стр. 2273

(١) لا مجرد الصفوف حتى لو اجتمع في صف مائة نفس مثلًا وكان في ثلاثة صفوف ثلاثون لكان ما يتحصل من بركة أهل الصف الواحد وشفاعتهم للميت أكثر مما يتحصل من الصفوف الثلاثة، لقلة عددهم بالنسبة إلى الصف الواحد المشتمل على مائة نفى هذا حيث لا ينازع فيه. قلت: وراوي الحديث فهم [أن] (٢) المراد بعدد الصفوف كما قدمته لك هناك فراجعه. الثاني: فيه التثبت فيما يقوله الإِنسان ويحكيه خصوصًا إن كان لتبيين حكم أو تعليم أدب. فإن جابرًا لما ذكر أن صلاة النبي ﷺ على النجاشي كانت بصفوف وراءه، وأنه كان في الصف الثاني والثالث حكى الحال على ما هو في ذهنه من غير زيادة ولا نقص، والظاهر أنه شك منه لا من الراوي عنه. الثالث: فيه الصلاة على الغائب خصوصًا إذا علم عدم الصلاة عليه [(٣)] (٤).

стр. 2274

الحديث الثالث ١٥٩/ ٣/ ٣٢ - عن عبد الله بن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ صلّى على قبر بعدما دفن، فكبر عليه أربعًا" (١). الكلام عليه من وجوه: والتعريف براويه سلف في باب الاستطابة. وقد روى هذا الحديث أعني في الصلاة على القبر من الصحابة أيضًا غير ابن عباس أنس (٢)، وبريدة (٣)، وزيد بن ثابت (٤)،

стр. 2275

وأبو هريرة (١)، وعامر بن ربيعة (٢)، وأبو قتادة (٣)، وسهل بن حنيف (٤)، كما أفاده الترمذي (٥) في جامعه: قال ابن مندة في مستخرجه: ورواه أيضًا جابر بن عبد الله (٦)، وأبو أمامة بن ثعلبة (٧)، وحصين بن [وحوح] (٨).

стр. 2276

الوجه الأول: هذا القبر يحتمل أن يكون قبر سوداء التي كانت تقم المسجد، ويحتمل أن يكون غيره. الثاني: قوله "على قبر" أي على صاحب قبر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وهو قياس سماعي. وقوله: "بعد ما دفن" أي بعد ما دفن صاحبه، ففي دفن ضمير يعود على المضاف المقدر، إذ لا يجوز أن يقدر ظاهرًا؛ لأن المفعول القائم مقام الفاعل كالفاعل في أنه لا يحذف. الثالث: "القبر" واحد القبور والمقبرة مثلثة الباء، حكاه ابن مالك. ويقال: قبرت الميت أقبُره وأقبِره -بضم الباء وكسرها- قبرًا أي دفنته وأقبرته أمرت بأن يقبر وقوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (١) أي جعله ممن يقبر، ولم يجعله ملقى للكلاب، وقد تقدم الكلام على هذه المادة في باب الاستطابة في الحديث السادس منه واضحًا، وكأن القبر مما أكرم الله -تعالى- بني آدم، قال -تعالى-: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا*أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٢)، أي أوعية واحدها كفت. ويقال: كفاتًا مضمًا تكفت أهلها أي تضمهم أحياء على ظهرها وأمواتًا في بطنها، وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفته لا مقبرة، لضم الموتى.

стр. 2277

الرابع: في الحديث دليل على جواز الصلاة على القبر بعد دفن الميت، وهو مذهب الشافعي وأصحابه وموافقيه كالأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وسواء كان صُلي عليه أم لا. ومنع الصلاة عليه أصحاب مالك. والمشهور عندهم كما قال القرطبي (١) المنع فيمن صلى عليه، والجواز فيمن لم يُصلَّ عليه. واحتج من منع بقوله ﵊: "إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله -تعالى- ينورها بصلاتي عليهم" (٢) فقد علم النبي ﷺ ذلك وغيره لا يعلمه فصار مخصوصًا به، وهذا ليس بشيء، كما قال القرطبي (٣) من وجوه: أحدها: أنّا وإن لم نعلم ذلك لكنا نظنه ونرجو فضل الله -سبحانه- ودعاء المسلمين لمن صلوا عليه. الثاني: أنّا لا نسلم أن المراد بصلاته عليهم الصلاة المعهودة وإن كان سياق الحديث يدل على إرادته، بل المراد مجرد الدعاء. فيكون دعاؤه بخصوصيته مجردًا عن الصلاة هو الذي يحصل تنويرها به لتحقق استجابته، لا مطلق الصلاة الذي هو المجموع، لكن يقال استجابة دعائه ﷺ في الصلاة أبلغ منها في غيرها. الثالث: أنه ﵊ قد قال: "من صلى عليه

стр. 2278

مائة (١)، وفي رواية: "أربعون من المسلمين كلهم يشفعون له إلَّا شفعوا فيه" (٢) رواهما مسلم في صحيحه، فقد أعلمنا أن ذلك يكون من غيره. الرابع: أنه كان يلزم منه أن لا يصلي على ميت بعده لإِمكان الخصوصية فيمن صلى عليه وهو باطل. فإن قيل: الخصوصية في جواز صلاته على القبر [إنما كانت لكونه ولي المؤمنين. وواليهم فيختص جواز الصلاة على القبر] (٣) بالوالي والولي إذا لم يصليا على الميت، وهو مذهب أبي حنيفة في [الولي] (٤). فالجواب: أن هذا المذكور خارج عن محل الخلاف كيف وقد صلى عليه ﵊ هو وعدد من أصحابه على القبر ولم ينكر عليهم، لكن هذا يحتاج إلى نقل من حديث آخر، إذ ليس في هذا الحديث ذكر له. وقال المازري المالكي (٥): من منع الصلاة على القبر فوجهه أنه ﵊ لم يُصلِّ على قبره. قلت: ذاك من خصائصه كما ستعلمه في الحديث الحادي عشر

стр. 2279

من هذا الباب، قال: ووجه الإِجازة صلاته ﵊ على قبر السوداء التي كانت تقم المسجد، قال: وقد انفصل عنه بوجوه: أحدها: أنه إنما فعل ذلك لأنه كان وعدها أن يصلي عليها، فصار ذلك كالنذر عليه، وهذا ضعيف، لأن النذر إنما يوفى به إذا كان جائزًا، فلو لم تكن الصلاة على القبر جائزة لما فعلها. ثانيها: أنه فعل ذلك لأنه أمرهم أن يعلموه، وهو الإِمام الذي إليه الصلاة، فلما صلوا دون علمه كان ذلك بمنزلة من دفن بغير صلاة (١). قال: وهذا التأويل يسعده القولة الشاذة، التي لمالك، فيمن دفن بغير صلاة. قلت: بل هي المشهورة كما قدمناه عنهم. قال: ويحتمل عندي أن يكون وجه ذلك أنه ﵊ لما صلى على القبر قال عند ذلك: "إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمة" (٢) الحديث. وهذا خاص به، إذ لا يقطع على وجود ذلك في غيره، وهذا قد أسلفناه وأبطلناه. وأجمل النووي ﵀ في "شرحه" (٣) القول في إبطال

стр. 2280

هذه الأوجه فقال: تأول أصحاب مالك الحديث بتأويلات باطلة، لا فائدة في ذكرها لظهور فسادها (١). وروى النسائي (٢) من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه ﵊: "صلى على قبر تلك المسكينة وأنهم أعادوا الصلاة خلفه". فرع: إلى متى يصلى على القبر عندنا فيه أوجه سبعة: أحدها: إلى ثلاثة أيام فقط، وهو مذهب أبي حنيفة. ثانيها: إلى شهر، وبه قال أحمد. ثالثها: ما دام يبقى منه [شيء في القبر. رابعها: أبدًا، وباقيها ذكرته في "شرح المنهاج" مع بيان
следующие страницы →