← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13769

الإعلام بفوائد عمدة الأحكام

ابن الملقن

Полный текст (5 060 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

قال القرطبي (١): وهو الصواب فإن الساكن ظرف، والمفتوح اسم، فإذا قلت: حفرت وسط الدار [بئراً كان معناه حفرت في الجزء المتوسط منها، ولا تقول حفرت وسط الدار] (٢) بالفتح إلَّا أن تعم الدار بالحفر. وأما القاضي عياض (٣): فقال: ضبط بالسكون والوجه عندي الفتح، وهو مقتضى ما قاله أهل اللغة فإنهم قالوا: جلست وسط القوم بالإِسكان أي بينهم، وجلست وسط الدار بالفتح، فكل موضع صلح فيه بين فهو وسط بالإِسكان وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالفتح. قال الجوهري (٤): وربما سكن وليس بالوجه، ويستحيل تقدير بين في الحديث لأن بين لا تضاف إلَّا إلى شيئين فصاعداً، تقول: المال بين زيد وعمرو. ولا يصح بين زيد، وأما قوله -تعالى-: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ (٥) فإنما أضيف إلى ذلك وإن كان مفرداً لوقوع الإشارة به إلى شيئين وهما الفروضة والبكارة، وأما قوله -تعالى-: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (٦)، فلما في "أحد" من معنى العموم [ويدل على أن فيها معنى العموم] (٧) قوله -تعالى-:

стр. 2347

﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ (١) فنعت أحدٍ حاجزين، وغلِط من ادعى أن التقدير بين أحد [واحد] (٢) وأن الثاني حذف لدلالة الأول عليها. سادسها: كون هذه المرأة ماتت في نفاسها، هو وصف غير معتبر بالاتفاق، وإنما هو حكاية أمر وقع، وهذا مما يدل على تحري الصحابة وشدة تحرزهم فيما ينقلونه ﵃. وأما وصف كونها امرأة: فهل هو معتبر أم لا؟ من الفقهاء من ألغاه، وقال: يقام عند وسط الجنازة مطلقاً، ذكراً كان أو أنثى. ومنهم من خص ذلك بالمرأة كي يسترها عن الناس (٣). وقيل: كان قبل إيجاد الأنعشة والقباب. وأما الرجل: فعند رأسه لئلا ينظر إلى فرجه وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف. وقال ابن مسعود: بعكس هذا. وذكر عن الحسن (٤): التوسعة في ذلك، وبها قال أشهب وابن شعبان من أصحاب مالك.

стр. 2348

وقال أصحاب الرأي: يقوم فيها حذاء الصدر (١). وعند المالكية: قول أنه يقف عند منكبها (٢) وعند وسطه، وقول ثان عكسه، حكاه صاحب الإِكمال. وروى ابن غانم (٣) عن مالك: نحو مذهب الشافعي في المرأة، وسكت عن الرجل. وروى صاحب "الجواهر" قولاً آخر عنه: أنه يقف فيهما جميعاً [وسطهما. وحكى غيره قولاً آخر أنه يقف فيهما جميعاً عند] (٤) صدرهما. وقال الزناتي "شارح الرسالة": لا فرق في ذلك كله بين أن يكون نعشهما مستوراً أم لا. وقال بعضهم: الخلاف إذا لم يكن مستوراً. فإن كان وقف حيث شاء.

стр. 2349

قلت: وقد روى أبو داود (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣) ما يرفع الخلاف عن أنس "أنه صلَّى على رجل فقام عند رأسه، وعلى امرأة، وعليها نعش أخضر فقام عند عجيزتها" فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول الله ﷺ يصلي على الجنازة؟ قال نعم. قال الترمذي: حديث حسن. وما حكاه الصيدلاني من أصحابنا: أن أنساً وقف عند صدره غلط صريح فاجتنبه. وقول بعض أصحابنا: بمقتضاه شاذ، لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه، وهذا الحديث الذي أوردناه يدل على أن مشروعية مقام الإِمام كذلك، وهو يبطل التأويل السالف مقامه ﵊ وسط هذه الجنازة، إنما كان من أجل جنينها، حتى يكون أمامه، بل كان ذلك لأنه حكم بمشروعية ذلك.

стр. 2350

فرع. الخنثى كالمرأة. فرع آخر: أجمع العلماء على أنه لا يقوم ملاصقاً للجنازة، وأنه لا بد من فرجة بينهما. سابعها: في هذا الحديث إثبات الصلاة على النفساء وإن كانت شهيدة. وعن الحسن: أنه لا يصلى على النفساء تموت من زنا ولا ولدها، قاله قتادة في ولدها. ثامنها: فيه أيضاً أن السنَّة أن يقف الإِمام عند عجيزة المرأة كما أسلفناه. تاسعها: فيه أن موقف المأموم في صلاة الجنازة وراء الإِمام. ***

стр. 2351

الحديث العاشر ١٦٦/ ١٠/ ٣٢ - عن أبي موسى عبد الله بن قيس ﵁ أن رسول الله ﷺ : "بريء من الصالقة والحالقة والشاقة" (١). قال المصنف ﵀: الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة. الكلام عليه من سبعة أوجه: أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب السواك. ثانيها: يقال: برئت منك ومن الذنوب والعيوب برأة بكسر الراء إبرأ بفتحها، وبرئت من المرض بُرءْاً بضم الباء. قال الجوهري (٢): وأهل الحجاز: يقولون: برأت من المرض. بالفتح.

стр. 2352

ثالثها: كأن براءته ﵊ من هؤلاء من باب قوله: "من غشنا فليس منا" (١) ونحوه أي: ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا. فالمراد: المبالغة في الزجر، وليس المراد به الخروج من الدين، كما في قوله -تعالى-: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) فإن الشرك كفر. والمعاصي سواه، ليست بكفر عند أهل السنَّة.

стр. 2353

قال النووي: ويجوز أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور، ولا يقدر فيه حذف، وأصل البراءة الانفصال. رابعها: هذا القول منه ﷺ دليل على تحريم هذه الأفعال لإِشعارها بالسخط لقضاء الله -تعالى- وقدره. وذلك كبيرة من كبائر الذنوب، حيث اقتضى فعل هذه الأشياء التبرىء من فاعلها ولعنه وخروجه من طريقة المصطفي ﷺ وإن اعتقد معتقد حل فعلها كان كافراً. خامسها: "الصالقة" (١) فسرها "المصنف" لكن تقييده برفع الصوت بالمصيبة صحيح في أنه المراد بهذا الحديث لا مطلقاً، فإن الصلق شدة رفع الصوت. قال لبيد (٢): فصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقةً ... وُصَدآء أَلْحَقَتْهم بالثَّلَلْ أي رفعنا أصواتنا بالدعاء إلى قتال بني مراد. وأصلق: لغة في صلق. ويقال: التسليق بالسين أيضاً وهو الأصل، ويقرب منه قوله -تعالى-: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ (٣) والصاد تبدل من السين. وحكى القاضي عياض: عن ابن الأعرابي: أن الصلق ضرب الوجه وهو غريب، والمشهور المعروف ما أسلفناه.

стр. 2354

قلت: ومن الصلق النوح. سادسها: الحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، وفي معناه قَدَّهُ من غير حلق. سابعها: "الشاقة" التي تشق ثوبها عند المصيبة، ومنه حديث ابن مسعود الآتي في الباب (١) وشق الجيوب وهذه الأفعال في الرجال أشد تحريماً، ويحرم تعاطي الأسباب الحاملة على ذلك، وصرف الأموال فيه: كصرفه إلى النواحات والمنوحين، سواء كان ذلك بقراءة أو إنشاد أو وعظ ونحو ذلك. خصوصاً إن ترتب محَرمات أُخر من: تمطيط قراءة، أو تهييج على صراخ، وشق، وحلق، أو تعديد محامد الميت من غير قصد تحريض اقتداء بفعله. ولم يكن الميت متصفاً بها، أو جعل المقابح محاسن. ومن الأفعال المحرمة عند مصائب الموت. إدارة ذاوئب العمامة إلى قدام يديه فإن ذلك فعل اليهود وقد نهينا عن التشبه بهم وأمرنا بمخالفتهم. ومنها ما يفعل من نشر الشعور، ولبس جلال الدواب، وقلب سروج الخيل، وتنكيس الرايات، وبذر التبن علي الأبواب، وذبح البهائم لموت الميت، وعقر الحيوان، وإعلاء الأصوات بالبكاء، والندب، والمرآت بذلك. ...

стр. 2355

الحديث الحادي عشر ١٦٧/ ١١/ ٣٢ - عن عائشة ﵂ قالت: لما اشتكى النبي ﷺ ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، وكانت أم سلمة، وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة -فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها- فرفع رأسه فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (١). الكلام عليه من سبعة عشر وجهاً: أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في الطهارة. وأم سلمة: تقدمت ترجمتها في باب الجنابة، وأن اسمها هند. وقيل رملة. وأم حبيبة: سيأتي التعريف بها في كتاب النكاح إن شاء الله، واسمها رملة على المشهور.

стр. 2356

وقولها: "ذكر بعض نسائه" المراد به أم حبيبة وأم سلمة كما بينته بعد. ثانيها: "اشتكى" افتعل من الشكوى، ومعناه مرض وهو لفظ يستعمل في المرض على اختلاف أنواعه يقال: اشتكى عينه، واشتكى رأسه، واشتكى بطنه. ومنه الحديث (١) الآتي في بابه "أن ابنتي اشتكت عينها أفنكحلها". ثالثها: هذا المرض، والله أعلم [مرض] (٢) موته الذي مات فيه، كما جاء مفسراً في الحديث الذي بعده وهو قولها: "في مرضه الذي لم يقم منه" (٣)، وفي صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا! فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" (٤). رابعها: الكنيسة بفتح الكاف وكسر النون متعبد النصارى، وجمعها كنائس كصحيفة وصحائف. وأما البيع: فقيل: كنائس النصارى.

стр. 2357

وقيل: اليهود واحدتها بِيعَة بكسر الباء (١). وأما الصوامع (٢): فهي مواضع العبادة كانت قبل الإِسلام مختصة برهبان النصارى وعباد الصابئين. قاله قتادة، ثم استعمل في مأذنة المسلمين (٣). وأما الصلوات: فقيل إنها مشتركة لكل ملة (٤). قال ابن عطية (٥): وذهبت طائفة إلى أن الصلوات اسم لشرائع

стр. 2358

اليهود وأن اللفظة عربت صلاة. وقال أبو العالية: إنها مساجد الصابئين كالمساجد للمسلمين. قال ابن عطية (١): وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها إلَّا البيعة، فإنها مختصة بالنصارى في عرف لغة العرب، والمساجد للمسلمين. خامسها: "مارية" بكسر الراء وفتح الياء المثناة تحت مخففة الكنيسة المذكورة، وممن نص على تخفيف الياء صاحب المشارق (٢). قال ابن العطار في "شرحه": "مارية": -بكسر الراء وفتح المثناة- تحت، الخفيفة الكسر والفتح فيهما. سادسها: في الحديث دليل على تحريم تصوير الحيوان خصوصاً الآدمي الصالح، سواء كان التصوير في حائط أو ثوب أو ورق أو مجسداً قائماً بذاته. والأحاديث في الصحيح تدل لما ذكرناه: منها "لعن الله المصورين" (٣)، ومنها "أشد الناس عذاباً يوم

стр. 2359

القيامة المصورون" (١)، وفي الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً "يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران، وأذنان يسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين" (٢). قال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح (٣). وقال -تعالى-: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ (٤). ولقد غلط من حمل التحريم على المسجد القائم بذاته حيث إنه شبهت الأصنام، وأبعد من ذلك حمل الأحاديث على كراهة التنزيه (٥) وأن التشديد الوارد في التصوير إنما

стр. 2360

كان في ذلك لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان. وهذا الزمان انتشر الإِسلام وتمهدت قواعده فلا تساويه في المعنى ولا في التشديد في التحريم (١) وكل من القولين باطل حيث أخبر الشارع بعذاب المصورين يوم القيامة: "وأنهم يقال لهم: أحيوا ما خلقتم" (٢) وذلك مخالفاً لمقالتهم، كيف وقد صرح بذلك في قوله ﵊ في وصف المصورين: إنهم لمشبوهون لخلق الله. وهذه علة عامة مستقلة [شاملة] (٣) مناسبة لا تخص زمناً دون زمن، وليس لنا التصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة الصريحة بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون مراداً مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبيه بخلق الله، وقد يؤخذ من قوله ﵊ والمشبهون بخلق الله: تحريم تصوير غير الحيوان مطلقاً، إذ الكل

стр. 2361

خلق الله -تعالى- (١).

стр. 2362

ولنبين الحكم في مسألة التصوير فنقول: مذهب مالك: إن الصور إن كانت تماثيل على صفة الإِنسان أو غيره من الحيوان فلا يحل فعلها ولا استعمالها في شيء أصلاً، وإن كانت رسماً في حائط أو رقماً في ثوب (١) ينشر ويبسط أو وسائد

стр. 2363

يرتفق بها للاتكاء عليها فهي مكروهة. وقيل: محرمة. قال القاضي أبو بكر: وقد قيل: إن الذي يمتهن من الصور يجوز وما لا يمتهن لا يجوز، لأن الجاهلية كانت تعظم الصور فما يبقى فيه جزء من التعظيم والارتفاع يمنع، وما يمتهن فهو مباح، لأنه ليس مما كانوا فيه (١). وحكى القرطبي عن بعضهم تفصيلاً: إن التصوير على صفة غير الحيوان جائز: كالأشجار ونحوها، وعلى صفته حرام إن كان له ظل بشروط أربعة: أن يكون قائماً بنفسه، وأن يكون على صفة ما يحيي، وأن يكون كامل الخلقة، وأن يكون مما يسرع إليه الفساد.

стр. 2364

وقال أصبغ: يجوز مثل الحلوى ونحوها. قال ابن رشد: وهو بعيد عن القياس والنظر فإن كان له ظل فثلاثة أقوال: ثالثها إباحة ما عدا المرسوم منها في الجدر. وقيل: في الجدر والستور. ومذهب الشافعي ﵁: أنه يحرم تصوير حيوان على حائط وبيت، ولا أجرة لفاعله. وكذا في ثياب على الأصح، وطرد المتولي الخلاف في الأرض ونحوها. وقد بسطت المسألة بفروعها والخلاف فيها في شرحي "المنهاج والتنبيه" فليراجع منهما. قال القرطبي: وقد استثنى من هذا الباب لعب البنات لقصة عائشة (١) في الصحيح.

стр. 2365

قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك، والتدريب على تربية الأولاد، ثم إنه [لا بقاء] (١) لذلك قال: وكذلك ما يصنع من الحلوى والعجين لا بقاء له فرخص في ذلك. قال القرطبي: ولم يختلفوا في أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة، وكذا ما كان خرطاً أو نقشاً في البناء، واستثنى ما كان رقماً في ثوب، كما جاء في الحديث. قلت: وحمل على ثوب عليه صورة غير ذات روح جمعاً بين الأحاديث. وقال ابن العربي: خص الرقم من جملة التصوير بالحديث المذكور. ثم ثبتت الكراهة فيه بقوله لعائشة: "أخريه عني" فقطعته

стр. 2366

وسادتين حتى تغيرت الصور، وخرجت عن هيئتها. فتبين جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب، ثم نسخه المنع منه، وهكذا استقر الأمر فيه. خاتمة: قال القرطبي في تفسير (١) قوله -تعالى-: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ أن التماثيل جمع تمثال وحكى فيها أقوالاً. أحدها: أنها كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان وهو كل ما صور على مثل صورة غيره من حيوان أو غيره، وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء وكانت تصور في المساجد ليراها الناس ليزدادوا عبادة واجتهاداً. ومنه الحديث الذي نحن فيه: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوروا فيه تلك الصور" أي ليذكروا عبادتهم فيجتهدوا. قلت: فلما جاء من بعدهم لم يفهموا أغراضهم فعبدوها. فهذا أصل عبادة الأصنام كما نبه عليه القاضي وما أسلفناه يدل على أن التصوير كان مباحاً في ذلك الزمان، وبه صرح أبو العالية، ونسخ ذلك بشرعنا (٢).

стр. 2367

ثانيها: أنها طلسمات كانت تعمل ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها، فيعمل تمثالاً للذباب والبعوض [والتماسيح] (١) في مكان ويأمرهم أن لا يتجاوزه [فلا يتجاوزه] (٢) أبداً ما دام ذلك التمثال قائماً. ثالثها: أنها رجال اتخذوهم من نحاس، وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله فلا يحتك فيهم السلاح، ويقال: إن اسفنديار كان منهم. وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان إليه ذراعيهما وإذا قعد ظلله النسران بأجنحتهما.

стр. 2368

وحكى مكي في الهداية: أن فرقة تجوّز الصور، وتحتج بهذه الآية، وقد تقدم وهن ذلك. الوجه السابع: في الحديث دليل أيضاً على منع بناء المساجد على القبور، وهو منع يقتضي التحريم، كيف وقد ثبت في الحديث الآتي (١) "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" (٢)، وقد استجاب الله دعاءه فله الحمد والمنة. وأما الشافعي والأصحاب فصرحوا بالكراهة قال البندنيجي: والمراد أن يسوي القبر مسجداً فيصلى فوقه وقال: إنه يكره أن يبنى عنده مسجداً فيصلي فيه إلى القبر، لقوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (٣). رواه مسلم في صحيحه.

стр. 2369

وخالف أبو حنيفة فقال: يباح البناء على القبور وتجصيصها. وقيل لمحمد بن عبد الحكم: في الرجل يوصي أن يبنى على قبره فقال: لا، ولا كرامة. قال [(١)] القاسم في العتبية: كره مالك أن يرصص على القبور بالحجارة والطين، وأن يبنى عليها بطوب أو أحجار. قال: وكره المساجد المتخذة على القبور (٢).

стр. 2370

وأما مقبرة داثرة: يبنى فيها مسجد يصلى فيه فلم أر به بأساً (١). وكره ابن القاسم: أن يجعل على القبر بلاطة ويكتب فيها ولم ير بالحجر والعود بأساً يعرف به الرجل قبر وليه ما لم يكتب فيه (٢). الثامن: فيه دليل أيضاً على جواز حكاية الإِنسان ما رآه من البناء والتصاوير وأنه لا حرج في ذلك. التاسع: فيه دليل أيضاً على وجوب البيان عند حكاية ما

стр. 2371

يقتضي مخالفة الشرع، وأن المرض ليس عذراً من البيان والإِنكار. العاشر: فيه دليل أيضاً على تحريم التعظيم بما لا يحل فعله وقوله. الحادي عشر: فيه دليل أيضاً على وصف فاعل المحرمات المضاهية لخلق الله -تعالى- والآمر بها ومرتضيها بأقبح وصف فإنه ﵊ وصفهم بشرار الخلق عند الله. الثاني عشر: فيه دليل أيضاً على أن الاعتبار في الأحكام والأوصاف وغيرها إنما هو بما عند الله لا بما عند الخلق. الثالث عشر: فيه دليل أيضاً على جواز الكلام عند المريض والشاكي. الرابع عشر: فيه أيضاً أن الكلام عنده إنما يكون بما يناسب حال الشاكي ومقامه حيث ذكرتا أماكن العبادة وتعظيم النصارى لها بما ذكرتا فبين ﷺ ذلك ودليل جميعه. الخامس عشر: فيه دليل أيضاً على كراهة الصلاة في القبور، وعلل الشافعي ذلك بأنها مدفن النجاسات ودل كلام القاضي أن الكراهة لحرمة الموتى، ولا فرق في الكراهة في المقبرة بين أن يصلى على القبر أو بجانبه أو إليه (١).

стр. 2372

السادس عشر: بناء غير المساجد على القبور إن كان لمعنى مقصود شرعي فهو جائز إجماعاً، بشرط أن لا يكون في بقعة محرمة من غصب أو تسبيل على المسلمين. وقد نص الشافعي وأصحابه على تحريم البناء في المقبرة المسبلة للمسلمين (١).

стр. 2373

قال الشافعي: ورأيت الولاة عندنا بمكة يأمرون بهدم ما بني منها، ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك عليهم. قلت: ومن ذلك القرافة ببلدنا مصر -حماها الله وصانها وسائر بلاد الإِسلام وأهله- فإنها مسبلة على المسلمين لدفنهم خاصة، وقد جرى فيها بسبب البناء أمور منكرة شنيعة. وقد ذكر ابن الرفعة (١) ﵀ عن شيخه الظهير التزمنتي (٢)، عن الشيخ بهاء الدين بن الجميزي (٣) قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بقرافة مصر من البناء فقال: أمر

стр. 2374

فعله والدي لا [أزيله] (١). قال: ودخل الظهير التزمنتي إلى صورة مسجد بناه بعض الناس بقرافة مصر الصغرى، فجلس فيه من غير أن يصلي له تحية، فقال له: [الباني] (٢) لم لا صليت التحية؟ قال: لأنه غير مسجد، فإن المسجد هو الأرض، والأرض مسبلة لدفن المسلمين. أو كما قال. ومن المقصود الشرعي فعل الصحابة -رصي الله عنهم- بالنبي ﷺ وصاحبيه حيث دفنوا في بيت عائشة وأخفيت قبورهم بالبناء كي لا تتخذ مسجداً كما ذكرته عائشة في الحديث الآتي. أما البناء على القبر في ملكه فهو مكروه، وعموم النهي [عنه] (٣) في الأحاديث الصحيحة تقتضي التحريم. قال القاضي الماوردي في "حاويه": البناء على القبور كالبيوت والقباب إن كان في غير ملكه لم يجز للنهي والتضييق على الناس، وإن كان في ملكه فإن لم يكن محظوراً لم يكن [مختاراً] (٤). فرع: المظلة ونحوها ملحقة بالبناء عليه في الكراهة. قاله البغوي من الشافعية وغيره. وقال ابن حبيب: ضرب الفسطاط على قبر المرأة أفضل من ضربه على قبر الرجل لما يستر منها عند إقبارها، وقد ضربه عمر على قبر زينب بنت جحش.

стр. 2375

وكره ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وابن المسيب: ضربه على قبر الرجل. وضربته عائشة: على قبر أخيها عبد الرحمن. وضربه محمد ابن الحنفية: على قبر ابن عباس، وروى أنه بات على قبره شهراً. وروى البخاري: أنه لما مات الحسن بن الحسين بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سنة، ثم رجعت فسمعوا صائحاً يقول: الأهل وجدوا ما فقدوا. فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا (١). قال ابن حبيب: وأراه واسعاً في اليومين والثلاثة وإنما كرهه من كرهه لمن ضربه على وجه السمعة والمباهاة. فرع: عقد القبر بالحجر ونحوه الذي يظهر أنه في معنى البناء لما فيه من الزينة بخلاف التطيين. وقال الحضرمي في "شرح المهذب": كأن المراد بقولهم: لا تبنى القبور أن لا تبنى القبور في نفسها بأجُر ولبن. ...

стр. 2376

الحديث الثاني عشر ٢٦٨/ ١٢/ ٣٢ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١) " (٢). قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً. الكلام عليه من أربعة عشر وجهاً: أحدها: قولها أنه ﵊ قال: "في مرضه

стр. 2377

الذي لم يقم منه" فيه تنبيه على كانت الصحابة تعتمده من الأخذ [بالآخر] (١) من قوله وفعله، فنبهت على أن ذلك ليس من أمره المتقدم، بل هو من المتأخر عند موته، وكذا حديث جندب الذي قدمناه في الحديث قبله. ثانيها: "اللعن" هو الطرد والإِبعاد. فاللعنة: من العباد الطرد ومن الله العذاب والإِبعاد من الرحمة (٢). ثالثها: فيه: لعن اليهود والنصارى غير المعينين وهو إجماع سواء أكان لهم ذمة أم لم يكن لجحودهم الحق وعداوتهم الدين وأهله. واختلف في لعن المعين منهم (٣) والجمهور على المنع لأن

стр. 2378

حاله عند الوفاة لا تعلم، وقد شرط الله في ذلك الوفاة على الكفر بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (١)، وأما ما روي أنه ﵊ لعن قوماً بأعيانهم من الكفار إنما كان ذلك لعلمه بمآلهم. قال ابن العربي: والصحيح عندي الجواز، لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله. قال: وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني" (٢) فلعنه وإن كان الإِيمان والإِسلام مآله، وأنصف بقوله: عدد ما هجاني ولم يزد ليُعلم العدل والإِنصاف، وأضاف [الهجو] (٣) إلى الله -تعالى- في باب الجزاء (٤) دون الابتداء بالوصف بذلك، كما يضاف إليه المكر والاستهزاء والخديعة -سبحانه- عما يقول الظالمون علوًّا كبيراً. ويباح لعن كل من جاهر بالمعاصي كشراب الخمر وأكلة الربا

стр. 2379

والظلمة والسراق والمصورين والزناة، ومن يتشبه من النساء بالرجال وعكسه إلى غير ذلك مما ورد في الحديث لعنه. قال بعض المتأخرين من المالكية: وليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر، بل هو جزاء على [الكفر] (١) وإظهار قبح كفره، سواء كان الكافر ميتاً أو مجنوناً. وقال قوم من السلف: لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر، فإنه لا يتأثر به. وأما لعن العاصي المعين فادعى ابن العربي: أنه لا يجوز لعنه اتفاقاً للحديث الصحيح أنه ﵊ أتي بشارب مراراً فقال بعض من حضر: "لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به. فقال ﵊: لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم" (٢) فجعل له حرمة الأخوة، وهذا يوجب الشفقة. وأما القرطبي: فحكى خلافاً فيه في "جامعه" (٣) قال: وإنما قال ﵊: "لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم" في حق النعيمان بعد إقامة الحد عليه، ومن أقيم عليه حد الله

стр. 2380

فلا ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه فلعنه جائز، سواء سمي أو عين أم لا، لأنه ﵊ لا يلعن إلَّا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعنة، وإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه عليه، ومن هذا قوله ﵊: " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب" (١)، فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكونا قبل أخذ الحد وقبل التوبة. قال ابن العربي: وأما لعن العاصي أي غير المعين فيجوز إجماعاً، لأنه ﵊ قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع [فيها] (٢) يده" (٣). فائدة: حكى أبو جعفر النحاس عن بعض العلماء أنه قال: إذا لعن الإِنسان من لا يستحق اللعن، فليبادر بقوله إلَّا أن يكون لا يستحق. رابعها: "اليهود" أصله: اليهوديون ولكنهم حذفوا ياء الإِضافة كما قالوا: زنجي وزنج.

стр. 2381

قال الجوهري: وإنما أعرب على هذا الحد فجمع على قياس شعيرة وشعير ثم عُرّف الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام، لأنه معرفة مؤنث يجري مجرى القبيلة، ولم يجعل كالحي. وأما النصراني: فجمع: نصران [ونصرانية] (١) مثل الندامى جمع ندمان، وندمانة، ولكن لم يستعمل نصران إلَّا بياء النسب لأنهم قالوا: رجل نصراني وامرأة نصرانية (٢). خامسها: "اتخذ" افتعل من تخذ وهو تارة يتعدى إلى مفعول واحد كقوله: اتخذت داراً. وتارة إلى مفعولين كما في هذا الحديث ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ (٣). سادسها: في الحديث دليل على امتناع اتخاذ قبر الرسول ﷺ مسجداً، فلا يجوز أن يصلى على قبره بعد دفنه، لأنه لم ينقل فعلها عن أحد من السلف والخلف (٤).

стр. 2382

وقال أبو الوليد النيسابوري من الشافعية: يجوز الصلاة على قبره فرادى لا جماعة. وحمل النهي على الصلاة جماعة، وكان أبو الوليد (١) يقول: أنا اليوم أصلي على

стр. 2383

[قبور] (١) الأنبياء والصالحين. وقطع بهذا الوجه القاضي أبو الطيب والمحاملي، ورجحه الشيخ أبو حامد، وحكاه الإِمام عن الشيخ أبي علي قال: وهذا القائل يحمل المنع من اتخاذ القبر مسجداً على إقامة الجماعة، وينزل القبر في ذلك منزلة المساجد المهيأة للجماعة. وعبارة الشيخ تقي الدين (٢) في حكاية هذا الوجه: أجاز بعض الناس الصلاة على قبره كجوازها على غيره عنده، وهو ضعيف لتطابق المسلمين على خلافه، ولإِشعار الحديث بالمنع منه، فإن كان ما حكاه الشيخ تقي الدين هو قول أبي علي وأبي الوليد والظاهر أنه هو فلا كلام [وإلَّا] (٣) فهو رأي ثالث، لأنه أطلق حكايته ولم يخصه بجماعة ولا غيرها، وفهم بعض شراح هذا الكتاب أن ذلك وجهاً في المذهب، فصرح به وفيه إطلاق فاعلمه. وعبارة ابن الرفعة: فيما أظن أن من قال بالجواز: هل يجوزه جماعة أو فرادى؟ سكت الجمهور عن ذلك، ثم ذكر مقالة أبي علي وأبي الوليد (٤).

стр. 2384

[سابعها] (١): أما الدعاء عند قبره فلم يزل السلف والخلف يفعلونه ويتوسلون إلى الله -تعالى- بالدعاء هناك وبه ﷺ عند قبره

стр. 2385

وغير من البقاع من غير منع (١). [ثامنها] (٢): لا خلاف في أن سيدنا رسول الله ﷺ غسل وكفن واختلف في الصلاة عليه على قولين: أحدهما: أنه لم يصل عليه أحد أصلاً، وإنما كان الناس يدخلون أرسالاً فيدعون وينصرفون. واختلف هؤلاء في علة ذلك على قولين: أحدهما: لفضيلته فهو غني عن الصلاة عليه كالشهيد وهذا ينكسر بغسله. ثانيهما: أنه لم يكن هناك إمام وهو غلط فإن إمامة الفرائض لم تتعطل، ولأن بيعة الصديق كانت قبل دفنه، وكان إمام الناس قبل الدفن. وأصحهما وهو قول الجمهور: أنهم صلوا عليه أفراداً فكان يدخل قوم يصلون فرادى، ثم يخرجون ثم يدخل قوم آخر فيصلون كذلك، ثم النساء ثم الصبيان ثم العبيد (٣)، ليأخذ كل واحد نصيبه من بركة الصلاة، وإنما أخروا دفنه ﵊ من يوم الاثنين إلى ليلة الأربعاء أو آخر نهار الثلاثاء للاشتغال بأمر البيعة ليكون لهم إمام يرجعون إلى قوله إن اختلفوا في شيء من أمور تجهيزه ودفنه وينقادون لأمره لئلا يؤدي إلى النزاع واختلاف الكلمة.
следующие страницы →